← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ : قرأ الأخَوان «غيرِ» بالجر نعتاً ل «خالقٍ» على اللفظِ. و «مِنْ خالق» مبتدأٌ مُزادٌ فيه «مِنْ» . وفي خبرِه قولان، أحدُهما: هو الجملةُ مِنْ قوله: «يَرْزُقُكم» . والثاني: أنه محذوفٌ تقديرُه: لكم ونحوُه، وفي «يَرْزُقكم» على هذا وجهان، أحدهما: أنَّه صفةٌ أيضاً ل «خالق» فيجوزُ أن يُحْكَمَ على موضعِه بالجرِّ اعتباراً باللفظ، وبالرفعِ اعتباراً بالموضع. والثاني: أنه مستأنفٌ. وقرأ الباقون بالرفع. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه خبرُ المبتدأ. والثاني: أنه صفةٌ ل «خالق» على الموضعِ. والخبرُ: إمَّا محذوفٌ، وإمَّا «يَرْزُقُكم» . والثالث: أنه مرفوعٌ باسم الفاعل على جهةِ الفاعليةِ؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ قد اعْتَمَدَ على أداةِ الاستفهام. إلاَّ أنَّ الشيخَ تَوَقَّفَ في مثلِ هذا؛ من حيث إنَّ اسم الفاعل وإن اعتمدَ، إلاَّ أنه لم تُحْفَظْ فيه زيادةُ «مِنْ» قال: «فيُحتاج مثلُه إلى سَماعٍ» ولا يَظهرُ التوقُّف؛ فإنَّ شروط الزيادةِ والعملِ موجودةٌ. وعلى هذا الوجهِ ف «يَرْزُقُكم» : إمَّا صفةٌ أو مستأنَفٌ. وجَعَل الشيخُ استئنافَه أَوْلَى قال: «لانتفاءِ صِدْقِ» خالق «على» غير الله «بخلافِ كونِه صفةً فإنَّ الصفةَ تُقَيِّد، فيكون ثَمَّ خالقٌ غيرُ اللَّهِ لكنه ليس برازق» . وقرأ الفضل بن إبراهيم النَّحْوِيُّ «غيرَ» بالنصبِ على الاستثناء. والخبر «

стр. 7947

يَرزُقكم» أو محذوفٌ و «يَرْزُقكم» مستأنفٌ، أو صفةٌ. وقوله: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ مستأنفٌ.

стр. 7948

قوله: ﴿الغرور﴾ : العامَّةُ بالفتح، وهو صفةُ مبالغةٍ كالصَّبورِ والشَّكورِ. وأبو السَّمَّال وأبو حيوةَ بضمِّها: إمَّا جمع غارّ كقاعِد وقُعود، وإمَّا مصدرٌ كالجُلوس.

стр. 7949

قوله: ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ : يجوزُ رَفْعُه ونصبُه وجَرُّه. فرفعُه مِنْ وجهين، أقواهما: أَنْ يكونَ مبتدأً. والجملةُ بعده خبرُه. والأحسنُ أَنْ يكونَ «لهم» هو الخبرَ، و «عذابٌ» فاعلَه. الثاني: أنه بدلٌ مِنْ واوِ «ليكونوا» . ونصبُه مِنْ أوجهٍ: البدلِ مِنْ «حزبَه» ، أو النعتِ له، وإضمارِ فعلِ «أَذُمُّ» ونحوِه. وجرُّه مِنْ وجهَين: النعتِ أو البدليةِ من «أصحابِ» . وأحسنُ الوجوهِ: الأولُ لمطابقةِ التقسيم. واللامُ في «ليكونوا» : إمَّا للعلَّةِ على المجازِ، مِنْ إقامةِ المُسَبَّبِ مُقام السببِ، وإمَّا للصيروة.

стр. 7950

قوله: ﴿أَفَمَن﴾ : موصولٌ مبتدأٌ. وما بعدَه صلتُه، والخبرُ محذوفٌ. فقدَّره الكسائيُّ ﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ لدلالةِ «فلا تَذْهَبْ» عليه. وقَدَّره الزجَّاجُ وأضلَّه اللَّهُ كمَنْ هداه. وقَدَّره غيرُهما: كمن لم يُزَيَّن

стр. 7951

له، وهو أحسنُ لموافقتِه لفظاً ومعنىً. ونظيرُه: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [هود: ١٧] ، ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ [الرعد: ١٩] . والعامَّةُ على «زُيِّن» مبنياً للمفعولِ «سوءُ» رُفِعَ به. وعبيد بن عمير «زَيَّنَ» مبنياً للفاعلِ وهو اللَّهُ تعالى، «سُوْءَ» نُصِبَ به. وعنه «أَسْوَأُ» بصيغةِ التفضيلِ منصوباً. وطلحة «أمَنْ» بغيرِ فاءٍ. قال أبو الفضل: «الهمزةُ للاستخبارِ بمعنى العامَّةِ، للتقرير. ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى حرفِ النداء، فَحَذَفَ التمامَ كما حَذَفَ مِن المشهورِ الجوابَ. يعني أنه يجوزُ في هذه القراءةِ أَنْ تكونَ الهمزةُ للنداء، وحُذِف التمامُ، أي: ما نُوْدي لأَجْلِه، كأنه قيل: يا مَنْ زُيِّن له سوءُ عملِه ارْجِعْ إلى الله وتُبْ إليه. وقوله:» كما حُذِفَ الجوابُ «يعني به خبرَ المبتدأ الذي تقدَّم تقريرُه. قوله:» فلا تَذْهَبْ «العامَّة على فتح التاءِ والهاءِ مُسْنداً ل» نفسُك «مِنْ بابِ» لا أُبَيْنَّك ههنا «أي: لا تَتَعاطَ أسبابَ ذلك. وقرأ أبو جعفر وقتادة والأشهبُ بضمِّ التاء وكسرِ الهاء مُسْتداً لضميرِ المخاطب» نَفْسَك «مفعولٌ به. قوله:» حَسَراتٍ «/ فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ مِنْ أجلِه أي: لأجلِ الحَسَرات. والثاني: أنه في موضعِ الحالِ على المبالغةِ، كأنَّ كلَّها

стр. 7952

صارَتْ حَسَراتٍ لفَرْطِ التحسُّرِ، كما قال: ٣٧٥٩ - مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مع السُّرى ... حتى ذَهَبْنَ كَلاكِلاً وصُدورا يريد: رَجَعْنَ كَلاكِلاً وصدوراً، أي: لم تَبْقَ إلاَّ كلاكلُها وصدورها كقولِه: ٣٧٦٠ - فعلى إثْرِهِمْ تَسَاقَطُ نَفْسي ... حَسَراتٍ وذكْرُهُمْ لي سَقامُ وكَوْنُ كلاكِل وصدور حالاً قولُ سيبويه، وجَعَلهما المبردُ تمييزَيْنِ منقولَيْنِ من الفاعلية.

стр. 7953

قوله: ﴿فَتُثِيرُ﴾ : عَطْفٌ على «أَرْسَلَ» ؛ لأنَّ أَرْسَلَ بمعنى المستقبل، فلذلك عَطَفَ عليه، وأتى بأَرْسَلَ لتحقُّقِ وقوعِه و «تُثير» لتصوُّرِ الحالِ واستحضارِ الصورة البديعةِ كقوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] كقول تأَبَّط شرَّاً:

стр. 7954

٣٧٦١ - ألا مَنْ مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ ... بما لاقَيْتُ عند رَحا بِطانِ بأنِّي قد لَقِيْتُ الغُوْلَ تَهْوِيْ ... بسَهْبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ فقلت لها: كِلانا نَضْوُ أرضٍ ... أخو سَفَرٍ فَخَلِّي لي مكانِي فشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوي فأهْوَتْ ... لها كَفِّي بمَصْقولٍ يَمانِ فأَضْرِبُها بلا دَهْشٍ فَخَرَّتْ ... صَريعاً لليدَيْن وللجِرانِ حيث قال: فَأَضْرِبُها ليصَوِّرَ لقومِه حالَه وشجاعتَه وجرأتَه. وقوله: «فَسُقْناه» و «أَحْيَيْنا» مَعْدولاً بهما عن لفظِ الغيبة إلى ما هو أَدْخَلُ في الاختصاصِ وأَدَلُّ عليه. قوله: «كذلك النُّشورُ» مبتدأٌ، وخبرُه مقدَّمٌ عليه، والإِشارةُ إلى إحياءِ الأرضِ بالمطرِ، والتشبيهُ واضحٌ بليغٌ.

стр. 7955

قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ﴾ : شرطٌ جوابُه مقدرٌ، ويختلف تقديرُه باختلافِ التفسير في قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العزة﴾ فقال مجاهد: «معناه مَنْ كان يريد العزَّةَ بعبادةِ الأوثان، فيكونُ تقديرُه: فَلْيَطْلبها» . وقال قتادة: «مَنْ كان يريد العزَّة وطريقه القويم ويحب نيْلَها على وجهِها، فيكون تقديره

стр. 7956

على هذا: فليطلبها» . وقال الفراء: «من كان يريد عِلمَ العزة، فيكون التقدير: فليَنْسُبْ ذلك إلى الله تعالى» . وقيل: مَنْ كان يريد العزة التي لا تَعْقُبها ذِلَّةٌ، فيكونُ التقديرُ: فهو لا يَنالُها. ودَلَّ على هذه الأجوبةِ قولُه: «فَلِلَّهِ العِزَّةُ» وإنما قيل: إن الجوابَ محذوفٌ، وليس هو هذه الجملةَ لوجهين، أحدهما: أنَّ العزَّةَ لله مطلقاً، مِنْ غيرِ ترتُّبِها على شرطِ إرادةِ أحدٍ. الثاني: أنَّه لا بُدَّ في الجواب مِنْ ضميرٍ يعودُ على اسم الشرط، إذا كان غيرَ ظرف، ولم يُوْجَدْ هنا ضميرٌ. و «جميعاً» حالٌ، والعاملُ فيها الاستقرارُ. قوله: «إليه يَصْعَدُ» العامَّةُ على بنائِه للفاعل مِنْ «صَعِد» ثلاثياً، «الكَلِمُ الطيِّبُ» برفعِهما فاعِلاً ونعتاً. وعلي وابن مسعود «يُصْعِدُ» مِنْ أَصْعَدَ، «الكلمَ الطيبَ» منصوبان على المفعولِ والنعت. وقُرئ «يُصْعَدُ» مبنيَّاً للمفعول. وقال ابنُ عطية: «قرأ الضحَّاك» يُصْعد «بضم الياء» لكنه لم يُبَيِّن كونَه مبنيَّاً للفاعلِ أو للمفعول. قوله: «والعملُ الصالحُ» العامَّةُ على الرفعِ. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه معطوفٌ على «الكلمُ الطيبُ» فيكون صاعداً أيضاً. و «يَرْفَعُه» على هذا استئنافُ إخبارٍ من اللَّهِ تعالى بأنه يرفعُهما، وإنِّما وُحِّد الضميرُ، وإنْ كان المرادُ الكَلِمَ والعملَ ذهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسمِ الإِشارة، كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] . وقيل: لاشتراكِهما في صفةٍ واحدةٍ، وهي الصعودُ. والثاني: أنه مبتدأٌ،

стр. 7957

و «يرفَعُه» الخبرُ، ولكن اختلفوا في فاعل «يَرْفَعُه» على ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ اللَّهِ تعالى أي: والعملُ الصالحُ يرفعه اللَّهُ إليه. والثاني: أنه ضميرُ العملِ الصالحِ. وضميرُ النصبِ على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه يعودُ على صاحب العمل، أي يَرْفَعُ صاحبَه. والثاني: أنه ضميرُ الكلمِ الطيبِ أي: العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ. ونُقِلَ عن ابن عباس. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية منع هذا عن ابن عباس، وقال: «لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَذْهَبَ أهلِ السنَّة أنَّ الكلمَ الطيبَ مقبولٌ، وإنْ كان صاحبُه عاصياً» . والثالث: أنَّ ضميرَ الرفعِ للكَلِمِ، والنصبِ للعملِ، أي: الكَلِمُ يَرْفَعُ العملَ. وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بنصبِ «العمل الصالح» على الاشتغالِ، والضميرُ المرفوعُ للكلم أو للَّهِ تعالى، والمنصوبُ للعملِ. قوله: «يَمْكُرون السَّيِّئات» يمكرون أصلُه قاصِرٌ فعلى هذا ينتصِبُ «السيِّئاتِ» على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أي: المَكَراتِ/ السيئاتِ، أو نعتٍ لمضافٍ إلى المصدر أي: أصناف المَكَراتِ السيئاتِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «يَمْكُرون» مضمَّناً معنى يَكْسِبُون «فينتصِبُ» السيئاتِ «مفعولاً به. قوله:» هو يَبُوْرُ «» هو «مبتدأٌ و» يبورُ «خبرُه. والجملةُ خبرُ قولِه:» ومَكْرُ أولئك «. وجَوَّزَ الحوفيُّ وأبو البقاء أَنْ يكونَ» هو «فَصْلاً بين المبتدأ وخبرِه. وهذا مردودٌ: بأنَّ الفَصْلَ لا يقعُ قبل الخبرِ إذا كان فعلاً، إلاَّ أن الجرجاني

стр. 7958

جَوَّز ذلك. وجَوَّز أبو البقاء أيضاً أَنْ يكونَ» هو «تأكيداً. وهذا مَرْدودٌ بأنَّ المضمرَ لا يُؤَكِّدُ الظاهرَ.

стр. 7959

قوله: ﴿مِنْ أنثى﴾ : «مِنْ» مزيدةٌ في «أُنْثى» وكذلك في «مِنْ مُعَمَّر» إلاَّ أنَّ الأولَ فاعلٌ، وهذا مفعولٌ قام مَقامَه و «إلاَّ بعِلْمِه» حالٌ. أي: إلاَّ ملتبسةً بعلمه. قوله: «مِنْ عُمُرِه» في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه يعودُ على مُعَمَّرٍ آخرَ؛ لأنَّ المرادَ بقوله: «مِنْ مُعَمَّر» الجنسُ فهو يعودُ عليه لفظاً، لا معنى، لأنه بعدَ أَنْ فَرَضَ كونَه معمَّراً، استحال أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عمرِه نفسِه، كقول الشاعر: ٣٧٦٢ - وكلُّ أناسٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهم ... ونحن خَلَعْنا قيدَه فهو ساربُ ومنه «عندي درهمٌ ونصفُه» أي: ونصفُ درهمٍ آخرَ. الثاني: أنه يعودُ على «مُعَمَّر» لفظاً. ومعنى ذلك: أنه إذا مضى مِنْ عُمُره حَوْلٌ أُحْصِيَ وكُتِبَ، ثم حَوْلٌ آخرُ كذلك، فهذا هو النَّقْصُ. وإليه ذهب ابنُ عباس وابن جبير وأبو مالك. ومنه قولُ الشاعرِ:

стр. 7960

٣٧٦٣ - حياتُك أَنْفاسٌ تُعَدُّ فكلَّما ... مضى نَفَسٌ منكَ انْتَقَصْتَ به جُزْءا وقرأ يعقوبُ وسلام - وتُرْوى عن أبي عمروٍ - «ولا يَنْقُصُ» مبنياً للفاعلِ. وقرأ الحسن «مِنْ عُمْره» بسكون الميم.

стр. 7961

قوله: ﴿سَآئِغٌ شَرَابُهُ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونا مبتدأً وخبراً. والجملةُ خبرٌ ثانٍ، وأَنْ يكونَ «سائغٌ» خبراً، وشرابُه فاعلاً به، لأنه اعتمد. وقرأ عيسى - وتُرْوى عن أبي عمروٍ وعاصمٍ - «سَيِّغٌ» مثلُ سَيِّد ومَيِّت. وعن عيسى بتخفيف يائِه، كما يُخَفَّف هَيْن ومَيْت. وقرأ طلحةُ وأبو نهيك «مَلِحٌ» بفتح الميمِ وكسرِ اللام. فقيل: هو مقصورٌ مِنْ مالِح، ومالِحٌ لُغَيَّةٌ شاذةٌ. وقيل: «مَلِحٌ» بالفتحِ والكسرِ لغةٌ في «مِلْحٌ» بالكسرِ والسكون.

стр. 7962

قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ﴾ : «ذلكمْ» مبتدأٌ و «اللَّهُ» خبرُه، و «ربُّكم» خبرٌ ثانٍ أو نعتٌ لله. وقال الزمخشري: «ويجوز في حكم الإِعرابِ إيقاعُ اسمِ الله صفةً لاسمِ الإِشارةِ، أو عطفَ بيانٍ، و» رَبُّكم «خبرٌ،

стр. 7963

لولا أنَّ المعنَى يَأْباه» . ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ لا جنس فلا يُوْصَفُ به. ورَدَّ قولَه: «إن المعنى يَأْباه» قال: «لأنه يكونُ قد أَخْبر عن المشارِ إليه بتلك الصفاتِ والأفعالِ أنَّه مالِكُكُمْ ومُصْلِحُكم» . قوله: «والذين تَدْعُوْن» العامَّةُ على الخطاب في «تَدْعُون» لقوله: «ربُّكم» . وعيسى وسلام ويعقوب - وتُرْوى عن أبي عمرٍو - بياءِ الغَيْبة: إمَّا على الالتفاتِ، وإمَّا على الانتقال إلى الإِخبارِ. والفرقُ بينهما: أنه في الالتفاتِ يكون المرادُ بالضميرَيْن واحداً بخلافِ الثاني؛ فإنهما غَيْران. و «ما يَمْلِكون» هو خبرُ الموصولِ. و «مِنْ قِطْمير» مفعولٌ به، و «مِنْ» فيه مزيدةٌ. والقِطْميرُ: المشهورُ فيه أنَّه لُفافَةُ النَّواةِ. وهو مَثَلٌ في القِلَّة، كقوله: ٣٧٦٤ - وأبوكَ يَخْصِفُ نَعْلَه مُتَوَرِّكاً ... ما يَمْلك المِسْكينُ مِنْ قِطْميرِ وقيل: هو القُمْعُ. وقيل: ما بين القُمْعِ والنَّواةِ. وقد تقدَّم أنَّ في النَّواةِ أربعةَ أشياءَ يُضْرَبُ بها المَثَلُ في القِلَّة: الفَتِيلُ، وهو ما في شِقِّ النَّواةِ، والقِطْميرُ: وهو اللُّفافَةُ، والنَّقِيْرُ، وهو ما في ظهرها، والثُّفْروقُ، وهو ما بين القُمْع والنَّواة.

стр. 7964

قوله: ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾ : مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه.

стр. 7965

قوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ : أي: نفسٌ وازِرَةٌ، فحذف الموصوفَ للعِلْم [به] . ومعنى تَزِرُ: تَحْمِلُ أي: لا تحملُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى.

стр. 7966

قوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي: نفسٌ مُثْقَلَةٌ بالذنوب نفساً إلى حِمْلِها. فحذف المفعولَ به للعِلْم به. والعامَّةُ «لا يُحْمَلُ» مبنياً للمفعولِ و «شيءٌ» قائمٌ مَقامَ فاعلِه. وأبو السَّمَّال وطلحة - وتُرْوى عن الكسائي - بفتح التاءِ مِنْ فوقُ وكسرِ الميم. أَسْنَدَ الفعلَ إلى ضميرِ النفسِ المحذوفةِ التي جعلها مفعولةً ل «تَدْعُ» أي: لا تَحْمِل تلكَ النفسُ المدعوَّةُ. «شيئاً» مفعولٌ ب «لا تَحْمِل» . قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ [أي:] ولو كان المَدْعُوُّ ذا قُرْبى. وقيل: التقديرُ: ولو كان الداعِي ذا قُرْبى. والمعنيان حسنان. وقُرِئ «ذو» بالرفعِ، على أنها التامَّةُ أي: ولو حَضَرَ/ ذو قُرْبى نحو: «قد كان مِنْ مطْر» ، ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . قال الزمخشري: «ونَظْمُ الكلامِ أحسن ملاءَمةً للناقصةِ؛ لأنَّ المعنى: على أنَّ المُثْقَلَةَ إذا دَعَتْ أحداً إلى حِمْلِها لا يُحْمَلُ منه شيءٌ، ولو كان مَدْعُوُّها ذا قُرْبى، وهو مُلْتَئِمٌ. ولو قلت: ولو وُجِد ذو قُرْبى لخَرَج عن التئامِه» . قال الشيخ: «وهو ملْتَئِمٌ على المعنى الذي ذكَرْناه» . قلت: والذي قاله هو «أي: ولو حَضَرَ إذ ذاك ذُو قربى» ثم قال: «وتفسيرُ الزمخشريِّ» كان «- وهو مبنيٌّ للفاعل» يُوْجَدُ «وهو مبنيٌّ للمفعول - تفسيرُ معنى، والذي يفسِّر النحويُّ به» كان «التامَّةَ هو حَدَث وحَضَر ووقَعَ» . قوله: بالغَيْب «حالٌ من الفاعل أي: يَخْشَوْنه غائبين عنه، أو من المفعول أي: غائباً عنهم. قوله:» ومَنْ تَزَكَّى «قرأ العامَّةُ» تَزَكَّى «تَفَعَّل،» فإنما يَتَزَكَّى «يتفعَّل. وعن

стр. 7967

أبي عمروٍ» ومَنْ يَزَّكِّى «» فإنما يَزَّكَّى «والأصلُ فيهما: يَتَزَكَّى فأُدْغِمَتْ التاءُ في الزايِ كما أُدْغِمت في الذال نحو:» يَذَّكَّرون «في» يتذكَّرون «وابنُ مَسْعود وطلحة» ومَنْ ازَّكَّى «والأصلُ: تَزَكَّى فَأُدْغِمَ باجتلابِ همزةِ الوصلِ،» فإنما يَزَّكَّى «أصلُه يَتَزَكَّى فأُدْغِمَ، كأبي عمروٍ في غيرِ المشهورِ عنه.

стр. 7968

قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ : استوى من الأفعال التي لا يُكْتَفَى فيها بواحدٍ لو قلت: «استوى زيدٌ» لم يَصِحَّ، فمِنْ ثَمَّ لَزِمَ العطفُ على الفاعلِ أو تعدُّدُه. و «لا» في قوله: «ولا الظلماتُ» إلى آخره مكررةٌ لتأكيدِ النفيِ. وقال ابنُ عطية: «دخولُ» لا «إنما هو على نيةِ التَّكْرارِ، كأنه قال: ولا الظلماتُ والنورُ، ولا النورُ والظلماتُ، فاسْتُغْني بذِكْرِ الأوائل عن الثواني، ودَلَّ مذكورُ الكلامِ على مَتْروكِه» . قال الشيخ: «وهذا غير مُحْتاجٍ إليه؛ لأنه إذا نُفِي اسْتواؤُهما أولاً فأيُّ فائدةٍ في نَفْي اسْتوائِهما ثانياً» وهو كلامٌ حَسَنٌ إلاَّ أنَّ الشيخَ هنا قال: «فدخولُ» لا «في النفيِ لتأكيدِ معناه، كقوله: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة﴾ [فصلت: ٣٤] . قلت: وللناسِ في هذه الآيةِ قولان، أحدهما: ما ذُكِر. الثاني: أنها غيرُ مؤكِّدة؛ إذ يُراد بالحسنةِ الجنسُ، وكذلك» السيئة «فكلُّ واحدٍ منهما متفاوتٌ في جنسِه؛ لأنَّ الحسناتِ درجاتٌ متفاوتةٌ، وكذلك السَّيئاتُ، وسيأتي لك تحقيقُ هذا إنْ شاء اللَّهُ تعالى. فعلى هذا يمكنُ أَنْ يُقالَ بهذا هنا: وهو أنَّ المرادَ نَفْيُ استواءِ الظلماتِ ونَفْيُ استواءِ جنسِ النورِ، إلاَّ أنَّ هذا غيرُ

стр. 7969

مُرادً هنا في الظاهر، إذ المرادُ مقابَلَةُ هذه الأجناسِ بعضِها ببعضٍ لا مقابلةُ بعضِ أفرادِ كلِّ جنسٍ على حِدَتِه. ويُرَجِّح هذا الظاهرَ التصريحُ بهذا في قوله أولاً: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ حيث لم يُكرِّرْها. وهذا من المواضعِ الحسنةِ المفيدة. والحَرُوْرُ: شدةُ حَرِّ الشمس. وقال الزمخشري:» الحَرورُ السَّمُوم، إلاَّ أنَّ السَّمومَ بالنهارِ، والحَرورَ فيه وفي الليل «. قلت: وهذا مذهبُ الفراءِ وغيرِه. وقيل: السَّمومُ بالنهار، والحَرورُ بالليل خاصةً، نقله ابنُ عطية عَن رؤبةَ. وقال:» ليس بصحيحٍ، بل الصحيحُ ما قاله الفراءُ «. وهذا عجيبٌ منه كيف يَرُدُّ على أصحاب اللسانِ بقولِ مَنْ يأخذُ عنهم؟ وقرأ الكسائي في روايةِ زاذانَ عنه» وَمَا تَسْتَوِي الأحيآء «بالتأنيث على معنى الجماعة. وهذه الأشياءُ جيْءَ بها على سبيلِ الاستعارةِ والتمثيلِ، فالأعمى والبصيرُ، الكافرُ والمؤمنُ، والظلماتُ والنورُ، الكفرُ والإِيمان، والظلُّ والحَرورُ، الحقُّ والباطلُ، والأحياء والأمواتُ، لمَنْ دَخَل في الإِسلامِ لَمَّا ضَرَبَ الأعمى والبصيرَ مَثَلَيْن للكافرِ والمؤمنِ عَقَّبَه بما كلٌّ منها فيه، فالكافرُ في ظلمةٍ، والمؤمنُ في نورٍ؛ لأنَّ البصيرَ وإن كان حديدَ النظر لا بُدَّ له مِنْ ضوءٍ

стр. 7970

يُبْصِرُ به، وقَدَّم الأعمى لأنَّ البصيرَ فاصلةٌ فَحَسُنَ تأخيره، ولمَّا تقدَّم الأعمى في الذكر ناسَبَ تقديمَ ما هو فيه، فلذلك قُدِّمَتِ الظلمةُ على النور، ولأنَّ النورَ فاصلةٌ، ثم ذَكَر ما لكلٍّ منهما فللمؤمنِ الظلُّ وللكافرِ الحَرورُ، وأخّر الحرورَ لأجلِ الفاصلةِ كما تقدَّم. وقولي «لأجلِ الفاصلةِ» هنا وفي غيرِه من الأماكنِ أحسنُ مِنْ قولِ بَعْضِهم لأجلِ السَّجْع؛ لأنَّ القرآن يُنَزَّه عن ذلِك. وقد منع الجمهورُ/ أَنْ يُقال في القرآن سَجْعٌ، وإنما كرَّر الفعلَ في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء﴾ مبالغةً في ذلك؛ لأنَّ المنافاةَ بين الحياةِ والموتِ أتمُّ من المنافاةِ المتقدمةِ، وقدَّم الإِحياءَ لشرفِ الحياةِ ولم يُعِدْ «لا» تأكيداً في قولِه: «الأَعمى والبصير» وكرَّرها في غيره؛ لأنَّ منافاةَ ما بعدَه أتمُّ، فإن الشخصَ الواحدَ قد يكونُ بصيراً ثم يصيرُ أَعْمى، فلا منافاةَ إلاَّ من حيث الوصفُ بخلافِ الظلِّ والحرورِ، والظلماتِ والنور، فإنها متنافيةٌ أبداً، لا يَجْتمع اثنان منها في محلّ، فالمنافاةُ بين الظلِّ والحرورِ وبين الظلمةِ والنورِ دائمةٌ. فإنْ قيل: الحياةُ والموتُ بمنزلةِ العمى والبصرِ، فإنَّ الجسمَ قد يكون مُتَّصفاً بالحياةِ ثم يتصفُ بالموت. فالجواب: أنَّ المنافاةَ بينهما أتمُّ من المنافاةِ بين الأعمى والبصيرِ؛ لأنَّ الأعمى والبصيرَ يشتركان في إدراكات كثيرةٍ، ولا كذلكَ الحيُّ والميت، فالمنافاةُ بينهما أتمُّ، وأفردَ الأعمى والبصيرَ لأنَّه قابلَ الجنسَ بالجنسِ، إذ قد يُوْجد في أفراد العُمْيان ما يُساوي بعضَ أفرادِ البُصَراءِ كأعمى ذكي له بصيرةٌ يُساوي بصيراً بليداً، فالتفاوتُ بين الجنسين مقطوعٌ به لا بين الأفراد. وجَمَعَ الظلماتِ لأنها عبارةٌ عن الكفرِ والضلالِ، وطرقُهما كثيرةٌ متشعبةٌ، ووحَّد النورَ لأنه عبارةٌ عن التوحيدِ وهو واحدٌ، فالتفاوتُ بين كلِّ فردٍ مِنْ أفرادِ الظلمة، وبين هذا الفردِ الواحد. والمعنى: الظلماتُ كلُّها لا تجدُ فيها

стр. 7971

ما يساوي هذا الواحدَ كذا قيل. وعندي أنه ينبغي أَنْ يُقال: إن هذا الجمعَ لا يُساوي هذا الواحدَ فيُعْلَمُ انتفاءُ مساواةِ فردٍ منه لهذا الواحدِ بطريقِ الأَوْلى، وإنما جَمَع الأحياءَ والأمواتَ لأنَّ التفاوتَ بينهما أكثرُ؛ إذ ما من ميتٍ يُساوي في الإِدراك حيَّاً، فذكَرَ أنَّ الأحياءَ لا يُساوون الأموات سواءً قابَلْتَ الجنسَ بالجنسِ، أم الفردَ بالفرد.

стр. 7972

قوله: ﴿بالحق﴾ : يجوزُ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه حالٌ من الفاعلِ أي: أَرْسلناك مُحِقِّين، أو من المفعولِ أي: مُحِقًّا، أو نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إرسالاً مُلْتَبِساً بالحق، أو متعلقٌ ب بشير ونذير. قال الزمخشري: «على: بشيراً بالوعدِ الحقِّ، ونذيراً بالوعيد الحق» قال الشيخ: «ولا يمكن أَنْ يتعلَّقَ» بالحق «هذا ب» بشير ونذير «معاً، بل ينبغي أَنْ يُتَأوَّل كلامُه على أنه أراد أنَّ ثَمَّ محذوفاً. والتقدير: بشيراً بالوعد الحق، ونذيراً بالوعيد الحق» . قلت: وقد صرَّحَ الرجلُ بهذا. قوله: ﴿إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر «مِنْ أمةٍ» وحَذَفَ مِنْ هذا ما أثبته في الأول؛ إذ التقديرُ: إلاَّ خَلا فيها نذيرٌ وبشير.

стр. 7973

قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ : هذا التفاتٌ من الغَيْبةِ إلى التكلم. وإنما كان ذلك لأنَّ المِنَّةَ بالإِخراج أبلغُ من إنزال الماءِ. و «مختلفاً» نعتٌ ل «ثمرات» ، و «ألوانُها» فاعلٌ به، ولولا ذلك لأنَّث «مختلفاً» ، ولكنه لمَّا أُسْند إلى جمعِ تكسيرٍ غيرِ عاقلٍ جاز تذكيرُه، ولو أنَّثَ فقيل: مختلفة، كما تقول: اختلفَتْ ألوانُها لجازَ، وبه قرأ زيد بن علي.

стр. 7974

قوله: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ﴾ العامَّةُ على ضمِّ الجيمِ وفتح الدالِ، جمعَ «جُدَّة» وهي الطريقةُ. قال ابن بحر: «قِطَعٌ، مِنْ قولك: جَدَدْت الشيءَ قَطَعْتُه» . وقال أبو الفضل: «هي ما تخالَفَ من الطرائق لونُ ما يليها، ومنه جُدَّة الحِمارِ للخَطِّ الذي في ظهرِه. وقرأ الزهري» جُدُد «بضم الجيم والدال جمع جَدِيْدَة، يقال: جديدة وجُدُد وجَدائد. قال أبو ذُؤيب: ٣٧٦٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... جَوْنُ السَّراةِ له جَدائدُ أربعُ نحو: سفينة وسُفُن وسفائِن. وقال أبو الفضل:» جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان «. وعنه أيضاً جَدَد بفتحهما. وقد رَدَّ أبو حاتمٍ هذه القراءةَ من حيثُ الأثرُ والمعنى، وقد صَحَّحهما غيرُه. وقال: الجَدَدُ: الطريق الواضح البيِّن، إلاَّ أنه وضع المفرَد موضعَ الجمعِ؛ إذ المرادُ الطرائقُ والخطوطُ. قوله:» مختلِفٌ ألوانُها «» مختلف «صفةٌ ل» جُدَد «أيضاً. و» ألوانُها «فاعلٌ به كما تقدَّم في نظيره. ولا جائزٌ أَنْ يكونَ» مختلفٌ «خبراً مقدماً، و» ألوانُها «مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملةُ صفةٌ؛ إذ كان يجبُ أَنْ يُقال: مختلفةٌ لتحمُّلِها ضميرَ

стр. 7975

المبتدأ. وقوله: /» ألوانُها «يحتمل معنيين، أحدهما: أنَّ البياضَ والحمرةَ يتفاوتان بالشدة والضعفِ فرُبَّ أبيضَ أشدُّ من أبيضَ، وأحمرَ أشدُّ مِنْ أحمرَ، فنفسُ البياضِ مختلفٌ، وكذلك الحمرةُ، فلذلك جَمَع» ألوانها «فيكونُ من باب المُشَكَّل. الثاني: أن الجُدَدَ كلَّها على لونين: بياضٍ وحُمْرَةٍ، فالبياضُ والحُمْرَةُ وإنْ كانا لونَيْن إلاَّ أنهما جُمِعا باعتبارِ مَحالِّهما. وقوله:» وغَرابيبُ سُوْدٌ «فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على» حمرٌ «عَطْفَ ذي لون على ذي لون. الثاني: أنه معطوفٌ على» بِيضٌ «. الثالث: أنه معطوفٌ على» جُدَدٌ «. قال الزمخشري:» معطوف على «بيض» أو على «جُدَد» ، كأنه قيل: ومن الجبالِ مخططٌ ذو جُدَد، ومنها ما هو على لونٍ واحد «ثم قال:» ولا بُدَّ من تقديرِ حذفِ المضافِ في قوله: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ﴾ بمعنى: ومن الجبالِ ذو جُدَدٍ بيضٍ وحمرٍ وسُوْدٍ، حتى يَؤُول إلى قولِك: ومن الجبالِ مختلفٌ ألوانها، كما قال: ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا﴾ . ولم يذكُرْ بعد «غرابيب سود» «مختلفٌ ألوانُها» كما ذكر ذلك لك بعد بيض وحُمْر؛ لأنَّ الغِرْبيبَ هو المبالِغُ في السوادِ، فصار لوناً واحداً غيرَ متفاوتٍ بخلافِ ما تقدَّم «. وغرابيب: جمعُ غِرْبيب وهو الأسودُ المتناهِي في السوادِ فهو تابعٌ للأسودِ كقانٍ وناصعٍ وناضِرٍ ويَقَق، فمِنْ ثَمَّ زعَم بعضُهم أنه في نيةِ التأخير، ومِنْ مذهبِ هؤلاءِ يجوز تقديمُ الصفةِ على موصوفِها، وأنشدوا: ٣٧٦٦ - والمُؤْمِن العائذاتِ الطير. . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7976

يريد: والمؤمنِ الطيرَ العائذات، وقولَ الآخر: ٣٧٦٧ - وبالطويلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَراً ... يريد: وبالعمر الطويل. والبصريُّون لا يَرَوْن ذلك ويُخَرِّجُون هذا وأمثالَه على أنَّ الثاني بدلٌ من الأول ف سود والطير والعمر أبدالٌ مِمَّا قبلها. وخَرَّجه الزمخشريُّ وغيرُه على أنه حَذَفَ الموصوفَ وقامَتْ صفتُه مقامَه، وأن المذكورَ بعد الوصفِ دالٌّ على الموصوفِ. قال الزمخشري:» الغِرْبيبُ: تأكيدٌ للأَسْوَدِ، ومِنْ حَقِّ التوكيدِ أَنْ يَتْبَعَ المؤكِّد كقولك: أصفَرُ فاقِعٌ وأبيضٌ يَقَقٌ. ووجهه: أَنْ يُضْمَرَ المؤكَّدُ قبلَه، فيكون الذي بعده تفسيراً لِما أُضْمِر كقوله: والمؤمِنِ العائذاتِ الطيرِ. . . . . . . . . . . . . . . ... وإنما يُفْعَلُ ذلك لزيادةِ التوكيدِ حيث يدلُّ على المعنى الواحد من طريقَيْ الإِظهار والإِضمار «يعني فيكونُ الأصلُ: وسودٌ غرابيبُ سودٌ، والمؤمنُ الطيرَ العائذاتِ الطيرَ. قال الشيخ:» وهذا لا يَصِحُّ إلاَّ على مذهب مَنْ يُجَوِّز حَذْفَ المؤكَّد. ومن النحويين مَنْ مَنَعَه وهو اختيارُ ابنِ مالك «. قلت: ليس هذا هو التوكيدَ المختلفَ في حَذْفِ مؤكَّدهِ؛ لأنَّ هذا من باب الصفة والموصوف.

стр. 7977

ومعنى تسميةِ الزمخشريِّ لها تأكيداً من حيث إنها لا تفيد معنًى زائداً، إنما تفيدُ المبالغةَ والتوكيدَ في ذلك اللونِ، والنَّحْويون قد سَمَّوا الوصفَ إذا لم يُفِدْ غيرَ الأولِ تأكيداً فقالوا: وقد يجيْءُ لمجرِد التوكيد نحو: نعجةٌ واحدةٌ، وإلهين اثنين، والتوكيدُ المختلفُ في حَذْف مؤكَّده، وإنما هو من باب التوكيدِ الصناعي، ومذهب سيبويه جوازُه، أجاز» مررت بأخويك أنفسُهما (أنفسَهما) «بالنصب أو الرفع، على تقدير: أَعْنيهما أنفسَهما، أو هما أنفسُهما فأين هذا من ذاك؟ إلاَّ أنه يُشْكِلُ على الزمخشري هذا المذكورُ بعد» غَرابيب «ونحوِه بالنسبة إلى أنه جعله مُفَسِّراً لذلك المحذوفِ، وهذا إنما عُهِد في الجملِ، لا في المفرداتِ، إلاَّ في باب البدل وعَطف البيانِ فبأيِّ شيءٍ يُسَمِّيه؟ والأَوْلَى فيه أن يُسَمَّى توكيداً لفظياً؛ إذ الأصلُ: سود غرابيب سود.

стр. 7978

قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ : مختلفٌ نعتٌ لمنعوتٍ محذوف هو مبتدأ، والجارُّ قبلَه خبرُه، أي: من الناس صِنْفٌ أو نوعٌ مختلفٌ؛ وكذلك عملُ اسمِ الفاعلِ كقولِ الشاعر: ٣٧٦ - ٨- كناطِحٍ صَخْرَةً يوماً لِيَفْلِقَها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقرأ ابن السَّميفع «ألوانُها» وهو ظاهرٌ. وقرأ الزهري «والدوابُ» خفيفةَ الباءِ فِراراً مِنْ التقاء الساكنين، كما حُرِّك أولُهما في «الضألِّين» و «جأنّ» .

стр. 7979

قوله: «كذلك» فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلِّقٌ بما قبله أي: مختلفٌ اختلافاً مثلَ الاختلافِ في الثمرات والجُدَدِ. والوقفُ على «كذلك» . والثاني: أنه متعلِّقٌ بما بعده، والمعنى: مثلَ ذلك/ المطرِ والاعتبارِ في مخلوقات الله تعالى واختلافِ ألوانِها يَخْشَى اللَّهَ العلماءُ. وإلى هذا نحا ابن عطية وهو فاسدٌ من حيث إنَّ ما بعد «إنَّما» مانِعٌ من العمل فيما قبلها، وقد نَصَّ أبو عُمر الداني على أنَّ الوقفَ على «كذلك» تامٌّ، ولم يَحْكِ فيه خِلافاً. قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله﴾ العامَّةُ على نصب الجلالة ورفع «العلماءُ» وهي واضحةٌ. وقرأ عمرُ بن عبد العزيز وأبو حنيفةَ فيما نقل الزمخشريُّ وأبو حيوةَ - فيما نَقَلَ الهذليُّ في كامله - بالعكس، وتُؤُوِّلت على معنى التعظيم، أي: إنما يُعَظِّمُ اللَّهُ مِنْ عبادِه العلماءَ. وهذه القراءة شبيهةٌ بقراءة ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] برفع «إبراهيم» ونصب «رَبَّه» وقد تقدَّمَتْ.

стр. 7980

قوله: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ﴾ : في خبر «إنَّ» وجهان، أحدهما: الجملةُ مِنْ قولِه «يَرْجُون» أي: إنَّ التالِين يَرْجُون و «لن تبورَ» صفةُ «تجارةً» و «لِيُوَفِّيَهُمْ» متعلقٌ ب «يَرْجُون» أو ب «تَبُور» أو بمحذوفٍ أي: فعلوا ذلك ليوفِّيهم، وعلى الوجهين الأوَّلَيْن يجوزُ أَنْ تكونَ لام العاقبة. الثاني: أن الخبرَ ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ جَوَّزه الزمخشري على حَذْفِ العائدِ أي: غفورٌ لهم. وعلى هذا ف «يَرْجُون» حالٌ مِنْ «أنْفَقُوا» أي: أَنْفَقوا ذلك راجين.

стр. 7981

قوله: ﴿مِنَ الكتاب﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ «مِنْ» للبيان، وأن تكونَ للجنسِ، وأَنْ تكونَ للتبعيضِ، و «هو» فصلٌ أو مبتدأٌ و «مُصَدِّقاً» حالٌ مؤكدة.

стр. 7982

قوله: ﴿الكتاب الذين اصطفينا﴾ : مفعولا «أَوْرَثْنا» . و «الكتابَ» هو الثاني قُدِّمَ لشَرفِه، إذ لا لَبْسَ. قوله: «من عبادِنا» يجوزُ أَنْ تكونَ للبيانِ على معنى: أنَّ المصطفَيْن هم عبادُنا، وأن تكونَ للتبعيضِ، أي: إن المصطفَيْن بعضُ عبادِنا لا كلُّهم. وقرأ أبو عمران الجوني ويعقوبُ وأبو عمروٍ في روايةٍ «سَبَّاق» مثالَ مبالغةٍ.

стр. 7983

قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً، والجملةُ بعدها الخبرُ، وأن يكونَ بدلاً مِن «الفضلُ» قاله الزمخشري وابنُ عطية. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ اعترض وأجاب فقال: «فإن قلتَ: كيف جَعَلْتَ قوله:» جنات عدنٍ «بدلاً من» الفضل «الذي هو السَّبْقُ بالخيرات المشارُ إليه ب» ذلك «؟ قلت: لَمَّا كان السببَ في نيل الثواب نُزِّل منزلةَ المُسَبَّب، كأنه هو الثواب، فَأَبْدَل عنه» جناتُ عدن «. وقرأ رزين والزهري» جَنَّةُ «مفرداً. والجحدري» جناتِ «بالنصب على

стр. 7984

الاشتغال، وهي تؤيِّدُ رَفْعَها بالابتداء. وجوَّز أبو البقاء أن يكونَ» جناتُ «بالرفع خبراً ثانياً لاسم الإِشارة، وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ. وتقدَّمت قراءةُ» يَدْخُلونها «مبنياً للفاعل أو المفعول وباقي الآية في الحج.

стр. 7985

قوله: ﴿الحزن﴾ : العامَّةُ بفتحتَيْن. وجناح ابن حبيش بضم وسكون. وتقدَّم معنى ذلك أولَ القصص.
следующие страницы →