← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

قوله: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ﴾ : تقدَّم تحريرُه أولَ البقرةِ.

стр. 8017

قوله: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ : العامَّةُ على بنائِه للفاعل، فيكونُ «ما قَدَّموا» مفعولاً به، و «آثارهم» عطفٌ عليه. وزر ومسروق مبنياً للمفعول، و «آثارُهم» بالرفعِ، عطف على «ما قَدَّموا» لقيامِه مَقامَ الفاعل. قوله: ﴿وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ العامَّةُ على نصبِه على الاشتغالِ. وأبو السَّمَّال قرأه مرفوعاً بالابتداءِ. والأرجحُ قراءةُ العامَّةِ لعطفِ جملةِ الاشتغالِ على جملةٍ فعلية. وقد تقدَّم الكلامُ على نحو ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً﴾ في البقرة، والنحل.

стр. 8018

و: ﴿إِذْ جَآءَهَا﴾ : بدلُ اشتمالٍ تقدَّم نظيرُه. و «إذْ أَرْسَلْنا» بدلٌ من «إذ» الأولى.

стр. 8019

قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ : قرأ/ أبو بكر بتخفيفِ الزاي

стр. 8020

بمعنى غَلَّبْنا، ومنه قولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: ٢٣] . ومنه قولُهم: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» أي صار له بَزٌّ. والباقون بالتشديد بمعنى قَوَّيْنا. يقال: عزَّز المطرُ الأرضَ أي: قَوَّاها ولبَّدها. ويُقال لتلك الأرضِ: العَزازُ، وكذا كلُّ أرضٍ صُلْبةٍ. وتَعَزَّزَ لحمُ الناقةِ أي: صَلُبَ وقَوِيَ. وعلى كلتا القراءتَيْن المفعولُ محذوفٌ أي: فَقَوَّيناهما بثالثٍ أو فَغَلَّبْناهما بثالث. وقرأ عبد الله «بالثالث» بألف ولام. قوله: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ جَرَّد خبرَ «إنَّ» هذه من لام التوكيد، وأَدْخَلها في خبر الثانيةِ، لأنَّهم في الأولى استعملوا مجرَّدَ الإِنكارِ فقابَلَتْهم الرسُلُ بتوكيدٍ واحدٍ وهو الإِتيانُ ب «إنَّ» ، وفي الثانيةِ بالمبالغة في الإِنكار فقابَلَتْهم بزيادة التوكيدِ فأتَوْا ب إنَّ وباللام. قال أهل البيان: الأخبارُ ثلاثةُ أقسامٍ: ابتدائيٌّ وطلبيٌّ وإنكاريٌّ، فالأولُ يُقال لمن لم يتردَّدْ في نسبةِ أحدِ الطرفين إلى الآخر نحو: زيد عارفٌ، والثاني لِمَنْ هو متردِّدٌ في ذلك، طالِبٌ له منكِرٌ له بعضَ إنكارٍ، فيقال له: إنَّ زيداً عارِفٌ، والثالثُ لِمَنْ يبالِغُ في إنكارِه، فيُقال له: إنَّ زيداً لعارِفٌ. ومِنْ أحسن ما يُحْكى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس الكِنْدِيِّ فقال: إني أجد في كلامِ العربِ حَشْواً قال: وما ذاك؟ قال: يقولون: زيدٌ قائمٌ، وإنَّ زيداً قائمٌ، وإنَّ زيداً لَقائمٌ. فقال: «كلا بل المعاني مختلفةٌ، فزيد قائمٌ إخبارٌ بقيامِه، وإنَّ زيداً

стр. 8021

قائمٌ جوابٌ لسؤالِ سائلٍ، وإنَّ زيداً لَقائمٌ جوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ» . قلت: هذا هو الكنديٌّ الذي سُئل أن يعارِضَ القرآنَ ففتح المصحفَ فرأى سورةَ المائدةِ فكعَّ عن ذلك. والحكايةُ ذكرتُها أولَ المائدة. وقال الشيخ: «وجاء أولاً» مُرْسَلون «بغير لام؛ لأنه ابتداءُ إخبارٍ فلا يَحْتاجُ إلى توكيدٍ، وبعد المحاورة» لَمُرْسَلون «بلامِ التوكيد؛ لأنه جوابٌ عن إنكار» وهذا قصورٌ عن فَهْم ما قاله أهلُ البيان، فإنه جَعَلَ المقام الثاني وهو الطلبيُّ مكانَ المقامِ الأولِ، وهو الابتدائيُّ.

стр. 8022

قوله: ﴿طَائِرُكُم﴾ : العامَّةُ على «طائر» اسمَ فاعل أي: ما طارَ لكم من الخيرِ والشرِّ فعبَّر عن الحَظِّ والنصيب. وقرأ الحسن - فيما رَوَى عنه الزمخشري - «اطَّيُّرُكم» مصدرُ اطَّيَّر الذي أصلُه تطَيَّر فلمَّا أُرِيْدَ إدغامُه أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً، وسُكِّنَتْ واجْتُلِبَتْ همزةُ الوصلِ فصار اطَّيَّرَ فيكون مصدره اطَّيُّرَاً. ولَمَّا ذكر الشيخ هذا لم يَرُدَّ عليه، وكان هو في بعضِ ما رَدَّ به على ابن مالك في «شرح التسهيل» في باب المصادر قال: «إن مصدرَ تَطَيَّر وتدارَأ إذا أدغما وصارا اطَّيَّرَ وادَّارأ لا يجيءُ مصدرُهما عليهما بل على أصلهما فيقال: اطَّيَّر تَطَيُّراً، وادَّارأ تدارُؤاً، ولكنَّ هذه القراءةَ تَرُدُّه إنْ صَحَّتْ وهو بعيدٌ. وقد رَوَى غيرُه عنه» طَيْرُكم «بياء ساكنة ويَغْلِبُ على الظنِّ أنَّها هذه، وإنما تَصَحَّفَتْ على الرائي فحَسِبها مصدراً، وظنَّ أنَّ ألف» قالوا «همزةُ وَصْلٍ.

стр. 8023

قوله:» أإنْ ذُكِّرْتُمْ «قرأ السبعةُ بهمزةِ استفهام بعدها» إنْ «الشرطيةُ، وهم على ما عَرَفْتَ مِنْ أصولِهم: من التسهيلِ والتحقيق وإدخالِ ألفٍ بين الهمزتين وعدمِه في سورةِ البقرة. واختلف سيبويهِ ويونسُ إذ اجتمع استفهامٌ وشرطٌ أيُّهما يُجابُ؟ فذهبَ سيبويهِ إلى إجابةِ الاستفهام، ويونسُ إلى إجابة الشرطِ، فالتقديرُ عند سيبويهِ:» أإن ذُكِّرْتُمْ تتطيَّرون «وعند يونسَ» تطيَّرُوا «مجزوماً، فالجوابُ للشرطِ على القولين محذوفٌ. وقد تقدَّم هذا في سورة الأنبياء. وقرأ أبو جعفر وطلحة وزرٌّ بهمزتين مفتوحتين إلاَّ أن زرَّاً لم يُسَهِّلَ الثانيةَ كقوله: ٣٧٧٧ - أإنْ كُنْتَ داودَ بنَ أحوى مُرَجَّلاً ... فلستَ براعٍ لابنِ عمِّك مَحْرَما ورُوي عن أبي عمروٍ وزرٍّ أيضاً كذلك، إلاَّ أنهما فَصَلا بألفٍ بين الهمزتين. وقرأ الماجشون بهمزةٍ واحدةٍ مفتوحة. وتخريجُ هذه القراءاتِ الثلاثِ على حَذْفِ لامِ العلةِ أي: ألَئِنْ ذُكِّرْتم تطيَّرْتُمْ، ف تَطَيَّرْتُمْ هو المعلولُ، وأنْ ذُكِّرتم علتُه، والاستفهامُ منسَحِبٌ عليهما في قراءةِ الاستفهامِ وفي غيرِها يكونُ إخباراً بذلك.

стр. 8024

وقرأ الحسن بهمزةٍ واحدةٍ مكسورة وهي شرطٌ من غير استفهامٍ، وجوابُه محذوفٌ أيضاً. وقرأ الأعمشُ والهمدانيُّ» أَيْنَ «بصيغةِ الظرفِ. وهي» أين «/ الشرطيةُ، وجوابُها محذوفٌ عند جمهور البصريين أي: أين ذُكرتم فطائرُكم معكم، أو صَحِبَكم طائرُكم، لدلالةِ ما تقدَّم مِنْ قولِه» طائرُكُمْ معكم «ومَنْ يُجَوِّزُ تقديمَ الجوابِ لا يَحْتاج إلى حَذْفٍ. وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصمعيُّ عن نافع» ذُكِرْتُمْ «بتخفيفِ الكاف.

стр. 8025

قوله: ﴿مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ : بدلٌ من «المرسلين» بإعادة العامل، إلاَّ أنَّ الشيخَ قال: «النحاةُ لا يقولون ذلك إلاَّ إذا كان العاملُ حرف جر، وإلاَّ فلا يُسَمُّونه بدلاً بل تابعاً» وكأنه يريد التوكيدَ اللفظيَّ بالنسبة إلى العامل.

стр. 8026

قوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ﴾ : أصلُ الكلامِ: «ومالكم لا تعبدون» ولكنه صَرَفَ الكلامَ عنهم، ليكون الكلامُ أسرعَ قبولاً ولذلك جاء قولُه «وإليه تُرْجَعون» دون «وإليه أرجعُ» .

стр. 8027

قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ : مبنيٌّ على كلامِه الأول، وهذه الطريقةُ أحسنُ من ادِّعاءِ الالتفاتِ. قوله: «مِنْ دونِه» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «أتخذُ» على أنها متعديةٌ لواحدٍ وهو «آلهةً» ، ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ «آلهةً» ، وأنْ يكونَ مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على أنها المتعديةُ لاثنين. قوله: «إنْ يُرِدْنِيْ» شَرْطٌ، جوابُه ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي﴾ ، والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ نصبٍ صفةً ل آلهةً. وفتح طلحة السلماني - وقيل: طلحةُ ابنُ مصرِّفٍ - ياءَ المتكلم. قال الزمخشري: «وقُرِئ» ﴿إِن يُرِدْنِي الرحمن بِضُرٍّ﴾ بمعنى: إنْ يُوْردني ضَرَّاء، أي يجعله مَوْرِداً للضُرِّ «. قال الشيخُ:» وهذا - واللَّهُ أعلم - رأى في كتب القراءات بفتح الياءِ فتوهمَّ أنها ياءُ المضارعة فجعل الفعلَ متعدِّياً بالياء المعدِّية كالهمزةِ، فلذلك أَدْخَلَ همزةَ التعديةِ فنصَبَ به اثنين، والذي في كتبِ القراءات الشواذ أنها ياءُ الإِضافةِ المحذوفةُ خَطَّاً ونطقاً لالتقاء الساكنين «. قلت: وهذا رجلٌ ثقةٌ قد نَقَل هذه القراءةَ فتُقْبل منه.

стр. 8028

قوله: ﴿فاسمعون﴾ : العامَّةُ على كسر النون، وهي نونُ الوقايةِ حُذِفَتْ بعدها ياءُ الإِضافةِ مُجْتَزَأً عنها بكسرةِ النونِ، وهي اللغةُ العاليةُ.

стр. 8029

وقرأ عصمة عن عاصمٍ بفتحِها، وليسَتْ هذه إلاَّ غَلَطاً على عاصم، إذ لا وجهَ. وقد وقع لابنِ عطيةَ وهمٌ فاحشٌ في ذلك فقال: «وقرأ الجمهورُ» فاسمعونَ «بفتح النون، قال أبو حاتم: هذا خطأٌ، فلا يجوزُ لأنه أمْرٌ: فإمَّا حَذْفُ النون، وإمَّا كَسْرُها على جهةِ الياءِ» يعني ياءَ المتكلم، وقد يكونُ قولُه «الجمهور» سَبْقَ قَلَمٍ منه أو من النُّسَّاخِ وكأنَّ الأصلَ: «وقرأ غيرُ الجمهور» فسقط لفظةُ «غير» . وقال ابن عطية: «حُذِفَ من الكلام ما تواتَرَتِ الأخبارُ والرواياتُ به وهو أنهم قَتَلوه فقيل له عند مَوْتِه: ادْخُلِ الجنةَ» .

стр. 8030

قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ : يجوز في «ما» هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: المصدريةُ أي: يعلمون بغُفْرانِ ربي. والثاني: أنها بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: بالذي غَفَرَه لي ربي. واسْتُضعِفَ هذا: من حيثُ إنه يَبْقى معناه أنه تمنى أَنْ يعلمَ قومُه بذنوبِه المغفورةِ. وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى على تَمَنِّي عِلْمِهم بغفرانِ رَبِّه ذنوبَه. والثالث: أنها استفهاميةٌ، وإليه ذهب الفراء. ورَدَّه الكسائيُّ: بأنه كان ينبغي حَذْفُ ألفِها لكونِها مجرورةً وهو رَدٌّ صحيحٌ. وقال الزمخشري: «الأجودُ طَرْحُ الألفِ»

стр. 8031

والمشهورُ مِنْ مذهبِ البصريين وجوبُ حَذْفِ ألفِها كقوله: ٣٧٧٨ - عَلامَ تقولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتقي ... إذا أنا لم أَطْعَنْ إذا الخيلُ كَرَّتِ إلاَّ في ضرورةٍ، كقولِ الآخر: ٣٧٧٩ - على ما قام يَشْتِمُني لَئيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ وقُرِئ «من المُكَرَّمين» بتشديدِ الراء.

стр. 8032

قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ : في «ما» هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها نافيةٌ كالتي قبلَها فتكون الجملةُ الثانيةُ جاريةً مَجْرى التأكيد للأولى. والثاني: أنها مزيدةٌ. قال أبو البقاء: «أي: وقد كنَّا مُنْزِلين» . وهذا لا يجوزُ البتةَ لفسادِه لفظاً ومعنًى. الثالث: أنها اسمٌ معطوفٌ على «جند» . قال ابن عطية: «أي: مِنْ جندٍ ومن الذي كنَّا مُنْزِلين» . ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ «مِنْ» مزيدةٌ. وهذا التقديرُ يُؤدِّي إلى زيادتِها في الموجَبِ جارَّةً لمعرفةً، ومذهبُ البصريين - غيرَ الأخفشِ - أن يكونَ الكلامُ غيرَ موجَبٍ، وأَنْ يكونَ المجرورُ

стр. 8033

نكرةً. قلت: فالذي يَنْبغي عند مَنْ يقولُ بذلك أَنْ يُقَدِّرَها/ بنكرةٍ أي: ومِنْ عذابٍ كنا مُنْزِليه. والجملةُ بعدها صفةٌ لها. وأمَّا قولُه: إنَّ هذا التقديرَ يؤدِّي إلى زيادتها في الموجَبِ فليس بصحيحٍ البتةَ. وتَعَجَّبْتُ كيف يُلْزِمُ ذلك؟

стр. 8034

قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً﴾ : العامَّةُ على النصبِ على أنَّ «كان» ناقصةٌ. واسمُها ضميرُ الأَخْذَةِ، لدلالةِ السياقِ عليها. و «صيحةً» خبرُها. وقرأ أبو جعفر وشيبةُ ومعاذٌ القارئُ برفعِها، على أنها التامةُ أي: وقع وحَدَثَ وكان ينبغي أَنْ لا تلْحق تاءُ التأنيث للفصلِ ب «إلاَّ» بل الواجبُ في غير نُدورٍ واضطرارٍ حَذْفُ التاءِ نحو: «ما قام إلاَّ هند» وقد شَذَّ الحسنُ وجماعةٌ فقرؤوا ﴿لاَ ترى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ كما سأبيِّنه في موضعه إن شاء الله وقال الشاعر: ٣٧٨٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وما بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلوعُ الجراشِعُ وقال آخرِ:

стр. 8035

٤٧٨١ - ما بَرِئَتْ مِنْ رِيْبَةٍ وذَمِّ ... في حَرْبِنا إلاَّ بناتُ العَمِّ

стр. 8036

قوله: ﴿ياحسرة﴾ : العامَّةُ على نصبِها. وفيه وجهان، أحدهما: أنها منصوبةٌ على المصدرِ، والمنادى محذوفٌ تقديره: يا هؤلاء تَحَسَّروا حسرةً. والثاني: أنها منونةٌ لأنها منادى منكورٌ فنُصِبت على أصلها كقوله: ٣٧٨٢ - أيا راكباً إمَّا عَرَضْتَ فبَلِّغَنْ ... نداماي مِنْ نَجْرانَ أنْ لا تَلاقِيا ومعنى النداءِ هنا على المجازِ، كأنه قيل: هذا أوانُكِ فاحْضُرِي. وقرأ قتادةُ وأُبَيٌّ في أحدِ وجهَيْه «يا حَسْرَةٌ» بالضم، جعلها مُقْبِلاً عليها، وأُبَيٌّ أيضاً وابن عباس وعلي بن الحسين ﴿ياحسرة العباد﴾ بالإِضافة. فيجوزُ أَنْ تكونَ الحَسْرةُ مصدراً مضافاً لفاعلِه أي: يتحسَّرون على غيرهم لِما يَرَوْنَ مِنْ عذابهم، وأَنْ يكونَ مضافاً لمفعوله أي: يَتَحَسَّر عليهم غيرُهم. وقرأ أبو الزِّناد وابن هرمز. وابن جندب «يا حَسْرَهْ» بالهاءِ المبدلةِ مِنْ تاءِ التأنيث وَصْلاً، وكأنَّهم أَجْرَوْا الوصلَ مُجْرى الوقفِ وله نظائرُ مَرَّتْ. وقال صاحب «

стр. 8037

اللوامح» : «وقفوا بالهاء مبالغةً في التحسُّر، لِما في الهاءِ من التَّأَهُّه بمعنى التأوُّه، ثم وصلوا على تلك الحال» . وقرأ ابن عباس أيضاً «يا حَسْرَةَ» بفتح التاء من غير تنوين. ووجْهُها أنَّ الأصل: يا حَسْرتا فاجْتُزِئ بالفتحة عن الألف كما اجتُزِئ بالكسرةِ عن الياء. ومنه: ٣٧٨٣ - ولَسْتُ براجعٍ ما فاتَ مِنِّي ... بَلَهْفَ ولا بلَيْتَ ولا لو اني أي: بلهفا بمعنى لَهْفي. وقُرئ «يا حَسْرتا» بالألف كالتي في الزمر، وهي شاهدةٌ لقراءةِ ابنِ عباس، وتكون التاءُ لله تعالى، وذلك على سبيل المجاز دلالةً على فَرْطِ هذه الحَسْرةِ. وإلاَّ فاللَّهُ تعالى لا يُوْصَفُ بذلك. قوله: «ما يَأْتِيْهم» هذه الجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ لأنَّها مُفَسِّرةٌ لسبب الحسرةِ عليهم. قوله: «إلاَّ كانوا» جملةٌ حاليةٌ مِنْ مفعولٍ «يَأْتيهم» .

стр. 8038

قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ : «كم» هنا خبرِيةٌ فهي مفعولٌ ب «أَهْلكنا» تقديرُه: كثيراً من القرونِ أهلَكْنا. وهي معلِّقَةٌ ل «يَرَوْا» ذهاباً بالخبريَّة مذهبَ الاستفهاميةِ. وقيل: بل «يَرَوْا» عِلْمية، و «كم» استفهاميةٌ كما سيأتي بيانُه. و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ «كم» قال

стр. 8039

ابن عطية: «وكم هنا خبريةٌ، و» أنهم «بدلٌ منها، والرؤيةُ بَصَرية» . قال الشيخ: «وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنها إذا كانَتْ خبريةً كانَتْ في موضعِ نصبٍ ب» أهلَكْنا «. ولا يَسُوغُ فيها إلاَّ ذلك. وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون» أنَّهم «بدلاً منها؛ لأنَّ البدلَ على نيةِ تكرار العاملِ. ولو سُلِّطت أَهْلكنا على» أنهم «لم يَصِحّ؛ ألا ترى أنك لو قلتَ: أهلَكْنا انتفاءَ رجوعِهم، أو أَهلكنا كونَهم لا يَرجعون، لم يكن كلاماً. لكنَّ ابنَ عطية تَوَهَّمَ أنَّ» يَرَوْا «مفعولُه» كم «فتوَهَّم أنَّ قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ بدلٌ منه؛ لأنه يُسَوِّغُ أَنْ يُسَلَّط عليه فتقول: ألم يَرَوْا أنهم إليهم لا يَرْجعون. وهذا وأمثالُه دليلٌ على ضَعْفِه في عِلْم العربية» . قلت: وهذا الإِنحاءُ تحاملٌ عليه؛ لأنه لقائلٍ أَنْ يقول: «كم» قد جعلها خبريةً، والخبريةُ يجوز أَنْ تكونَ معمولةً ل ما قبلها عند قومٍ، فيقولون: «ملكتُ كم عبدٍ» فلم يَلْزَمْ الصدرَ، فيجوزُ أَنْ يكونَ بنى هذا التوجيهَ على هذه اللغةِ وجعل «كم» منصوبةً ب «يَرَوْا» و «أنهم» بدلٌ منها، نَ التي أهلكناها وليس هو ضعيفاً في العربية حينئذٍ. الثاني: أنَّ «أنَّهم» بدلٌ من الجملةِ قبلَه. قال الزجاج: «هو بدلٌ من الجملة، والمعنى: ألم يَرَوْا أن القروأنهم لا يَرْجِعون؛ لأنَّ عَدَمَ الرجوعِ والهلاكَ بمعنى» . قال الشيخ: «وليس بشيءٍ؛ لأنه ليس بدلاً صناعياً، وإنما فَسَّر المعنى ولم يَلْحَظ صناعةَ النحو» . قلت: بل هو بدلٌ صناعي؛ لأنَّ الجملةَ في قوة المفرد؛ إذ هي سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولِ «يَرَوْا» فإنها معلِّقَةٌ لها كما تقدَّم.

стр. 8040

الثالث: قال الزمخشري: «ألم يَرَوْا» ألم يعلموا، وهو مُعَلَّق/ عن العمل في «كم» لأنَّ «كم» لا يعملُ فيها عاملٌ قبلها - كانَتْ للاستفهام أو للخبرِ - لأنَّ أصلَها الاستفهامُ، إلاَّ أنَّ معناها نافِذٌ في الجملةِ كما نفذ في قولك: «ألم يَرَوْا إنَّ زيداً لمنطلقٌ» وإنْ لم يعملْ في لفظِه، وأنهم إليهم لا يَرْجِعون: بدلٌ مِنْ «كم أهلَكْنا» على المعنى لا على اللفظِ تقديرُه: ألم يَرَوْا كثرةَ إهلاكِنا القرونَ مِنْ قَبْلهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم «. قال الشيخ: «قولُه لأنَّ» كم «لا يعملُ فيها ما قبلَها كانت للاستفهام أو للخبرِ» ليس على إطلاقِه؛ لأنَّ العاملَ إذا كان حرفَ جر أو اسماً مضافاً جاز أَنْ يعملَ فيها نحو: «على كم جِذْعٍ بيتُك؟ وابنُ كم رئيسٍ صحبتَ؟ وعلى كم فقير تصدَّقتُ أرجو الثواب؟ وابنُ كم شهيد في سبيل الله أحسنت إليه؟» . وقوله: «أو للخبر» والخبرية فيها لغتان: الفصيحةُ كما ذكر لا يتقدَّمُها عاملٌ إلاّ ما ذَكَرْنا من الجارِّ، واللغةُ الأخرى حكاها الأخفش يقولون: «ملكتُ كم غلامٍ» أي: ملكتُ كثيراً من الغِلْمان. فكما يجوزُ تقدُّم العاملِ على كثيراً كذلك يجوزُ على «كم» لأنها بمعناها. وقوله: «لأنها أصلها الاستفهامُ، والخبريةُ ليس أصلُها الاستفهامَ» بل كلُّ واحدةٍ أصلٌ بنفسِها، ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر. وقوله: «لأنَّ معناها نافدٌ في الجملة» يعني معنى «يَرَوا» نافذٌ في الجملة؛ لأنَّه جعلَها مُعَلَّقة وشرحَ «يَرَوْا» ب يعلموا. وقوله: «كما نفذ في قولك: ألم يَرَوْا إنَّ زيداً لمنطلقٌ» يعني أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظُ لامتنع دخولُ اللامِ ولَفُتِحَتْ «إنَّ» فإنَّ «إنَّ» التي في

стр. 8041

خبرها اللامُ من الأدوات المعلِّقة لأفعال القلوبِ. وقوله: «إنهم إليهم» إلى آخره كلامُه لا يَصِحُّ أن يكون بدلاً لا على اللفظِ ولا على المعنى. أمَّا على اللفظِ فإنه زعم أنَّ «يَرَوْا» معلَّقَةٌ فتكون «كم» استفهاميةً فهي معمولةٌ ل «أهلكنا» ، و «أهلكنا» لا يَتَسَلَّط على ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ . وقد تقدَّم لنا ذلك. وأمَّا على المعنى فلا يَصِحُّ أيضاً لأنه قال: تقديره: أي على المعنى ألم يَرَوْا كثرةَ إهلاكنا القرونَ مِنْ قَبْلهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم، فكونُهم غيرَ راجعين ليس كثرةَ الإِهلاكِ، فلا يكون بدلَ بعضٍ من كل، ولا يكون بدل اشتمالٍ؛ لأنَّ بدلَ الاشتمال يَصِحُّ أن يضافَ إلى ما أُبْدِل منه، وكذلك بدلُ بعضٍ من كل. وهذا لا يَصِحُّ هنا. لا تقول: ألم يَرَوْا انتفاءَ رجوعِ كثرةِ إهلاكِنا القرونَ مِنْ قبلهم، وفي بدلِ الاشتمال نحو: «أعْجَبَتْني الجاريةُ مَلاحتُها، وسُرِقَ زيدٌ ثوبُه» يصحُّ: «أعجبتني ملاحَةُ الجاريةِ، وسُرِق ثوبُ زيد» . الرابع: أَنْ يكونَ «أنهم» بدلاً مِنْ موضع «كم أهلَكْنا» ، والتقدير: ألم يَرَوْا أنهم إليهم. قاله أبو البقاء. ورَدَّه الشيخ: بأنَّ «كم أهلَكْنا» ، ليس بمعمولٍ ل «يَرَوْا» . قلت: قد تقدَّم أنها معمولةٌ لها على معنى أنها مُعَلِّقَةٌ لها. الخامس: - وهو قولُ الفراء - أن يكون «يَرَوْا» عاملاً في الجملتين من غير إبدالٍ، ولم يُبَيِّنْ كيفيةَ العملِ. وقوله «الجملتين» تجوُّزٌ؛ لأنَّ «أنهم» ليس بجملةٍ لتأويلِه بالمفرد إلاَّ أنه مشتملٌ على مُسْندٍ ومسند إليه. السادس: أنَّ «أنهم» معمولٌ لفعل محذوفٍ دَلَّ عليه السياقُ والمعنى،

стр. 8042

تقديره: قَضَيْنا وحَكَمْنا أنهم لا يَرْجعون. ويَدُلُّ على صحةِ هذا قراءةُ ابنِ عباس والحسن «إنهم» بكسر الهمزةِ على الاستئناف، والاستئنافُ قَطْعٌ لهذه الجملةِ مِمَّا قبلها فهو مُقَوٍّ لأَنْ تكونَ معمولةً لفعلٍ محذوفٍ يقتضي انقطاعَها عَمَّا قبلَها. والضميرُ في «أنهم» عائدٌ على معنى «كم» وفي «إليهم» عائدٌ على ما عاد عليه واو «يَرَوْا» . وقيل: بل الأولُ عائدٌ على ما عاد عليه واو «يَرَوْا» . والثاني عائدٌ على المُهْلَكين.

стр. 8043

قوله: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ : قد تقدم في هود تشديدُ «لَمَّا» وتخفيفُها وما قيل في ذلك. وقال الفخر الرازي في مناسبة وقوعِ «لَمَّا» المشدَّدةِ موقعَ إلاَّ: «إنَّ» لَمَّا «كأنها حرفا نفي، وهما لم وما، فتأكَّد النفيُ، و» إلاَّ «كأنَّها حرفا نفي: إنْ ولا فاستعمل أحدُهما مكانَ الآخر» . انتهى. وهذا يجوزُ أَنْ يكونَ أَخَذه من قول الفراءِ في «إلاَّ» في الاستثناء: إنها مركبةٌ من إنْ ولا. إلاَّ أنَّ الفراءَ جَعَلَ «إنْ» مخففةً من الثقيلة، وجعلها نافيةٌ، وهو قولٌ ركيكٌ رَدَّه عليه النحويون. وقال الفراء أيضاً: إن «لَمَّا» هذه أصلُها: لَمِمَّا فخُفِّفَ بالحذفِ. وهذا كلُّه قد تقدَّم موضَّحاً. وقوله: «كلٌّ» مبتدأ و «جميعٌ» خبرُه. و «مُحْضَرون» خبرٌ ثانٍ لا يختلف ذلك سواءً شَدَّدْتَ «لَمَّا» أم خفَّفْتها. لا يُقال: إنَّ جميعاً تأكيد لا خبرٌ، لأنَّ جميعاً هنا فَعيل بمعنى/

стр. 8044

مَفعول أي: مجموعون ف «كل» تدلُّ على الإِحاطةِ والشمول، و «جميع» تَدُلُّ على الاجتماع فمعناها حُمِل على لفظها في قوله: ﴿جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] وقَدَّمَ «جميع» في الموضعين لأجلِ الفواصلِ، و «لَدَيْنا» متعلِّقٌ ب «مُحْضَرون» فَمَنْ شَدَّدَ ف «لَمَّا» بمعنَى «إلاَّ» وَ «إنْ» نافيةٌ كما تقدَّمَ، ومَنْ خَفَّفَ فإنْ مخففةٌ، واللامُ فارقةٌ و «ما» مزيدةٌ. هذا قولُ البصريين، والكوفيون يقولون: «إنْ» نافيةٌ، واللامُ بعنى «إلاَّ» كما تقدَّم غيرَ مرةٍ.

стр. 8045

قوله: ﴿وَآيَةٌ﴾ : خبرٌ مقدمٌ و «لهم» صفتُها أو متعلِّقَةٌ ب «آية» لأنها بمعنى علامة. و «الأرضُ» مبتدأ. وتقدَّم تخفيف الميتة وتشديدُها في أول آل عمران. ومنع الشيخُ أَنْ تكونَ «لهم» صفةً ل «آية» ولم يُبَيِّن وجهَه ولا وَجَّهَ له. وأعرب أبو البقاء «آية» مبتدأً و «لهم» الخبرُ و «الأرضُ الميتةُ» مبتدأٌ وصفتُه، و «أَحْييناها» خبرُه. والجملةُ مفسِّرَةٌ ل «آية» وبهذا بدأ ثم قال: وقيل: فذكر الوجهَ الذي بدأْتُ به. وكذلك حكى مكي أعني أَنْ يكونَ «آية» ابتداءً، و «لهم» الخبر. وجَوَّز مكي أيضاً أن تكونَ «آية» مبتدأً و «الأرضُ» خبرُه. وهذا ينبغي أَنْ لا يجوزَ؛ لأنه لا تُعْزَلُ المعرفةُ من الابتداءِ بها، ويُبْتَدأ بالنكرة إلاَّ في مواضعَ للضرورةِ. قوله: «أَحْيَيْناها» قد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ «الأرض» ، ويجوزُ أيضاً أَنْ يكونَ حالاً من «الأرض» إذا جَعَلْناها مبتدأً، و «آية» خبرٌ مقدمٌ. وجَوَّزَ

стр. 8046

الزمخشريُّ في «أَحْيَيْناها» وفي «نَسْلَخُ» أَنْ يكونا صفتين للأرض والليل، وإن كانا مُعَرَّفين بأل لأنه تعريفٌ بأل الجنسيةِ، فهما في قوةِ النكرة قال: كقوله: ٣٧٨٤ - ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنه لم يَقْصِدْ لئيماً بعينه. وردَّه الشيخُ: بأنَّ فيه هَدْماً للقواعد: مِنْ أنه لا تُنْعَتُ المعرفةُ بنكرةٍ. قال: وقد تبعه على ذلك ابنُ مالك. ثم خَرَّج الشيخُ الجملَ على الحال أي: الأرضُ مُحْياةً والليلُ مُنْسَلِخاً منه النهارُ، واللئيمُ شاتماً لي. قلت: وقد اعتبر النحاةُ ذلك في مواضع، فاعتبروا معنى المعرَّفِ بأل الجنسيةِ دونَ لفظِه فوصفوه بالنكرة الصريحةِ نحو: «بالرجلِ خيرٍ منك» على أحد الأوجه، وقوله: ﴿إِلاَّ الذين﴾ [العصر: ٣] بعد ﴿إِنَّ الإنسان﴾ [العصر: ٢] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: ٣١] و «أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدرهمُ البيض» . كلُ هذا رُوعي فيه المعنى دونَ اللفظ، وإن اختلف نوعُ المراعاةِ. ويجوز أن يكون «أحييناها» استئنافاً بَيَّن به كونَها آية.

стр. 8047

قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ : العامَّةُ على التشديد تكثيراً لأنَّ [

стр. 8048

فَجَّر] مخففةً متعدٍّ. وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف. والمفعولُ محذوفٌ على كلتا القراءتين أي: ينبوعاً كما في آية سبحان.

стр. 8049

قوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ : قيل: الضميرُ عائدٌ على النخيل؛ لأنه أقربُ مذكورٍ، وكان مِنْ حَقِّ الضميرِ أَنْ يُثَنَّى على هذا لتقدُّم شيئين: وهما الأعنابُ والنخيلُ، إلاَّ أنه اكتفى بذِكْرِ أحدِهما. وقيل: يعود على جنات، وعاد بلفظ المفرد ذَهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسم الإِشارةَ وهو كقولُ رُؤْبة: ٣٧٨٥ - فيها خُطوطٌ من سَوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّه في الجلدِ تَوْليعُ البَهَقْ فقيل له. فقال: أَرَدْتُ: كأنَّ ذاك وَيْلَكَ. وقيل: عائد على الماءِ المدلول عليه ب عيون. وقيل: بل عاد عليه لأنه مقدَّرٌ أي: من العيون. ويجوزُ أَنْ يعودَ على العيون. ويُعتذر عن إفراده بما تَقَدَّم في عَوْده على جنات. ويجوزُ أَنْ يعودَ على الأعناب والنخيل معاً، ويُعتذر عنه بما تقدَّم أيضاً. وقال الزمخشري: «وأصلُه: مِنْ ثمرنا، لقوله:» وفَجَّرْنا «و» جَعَلْنا «فنقل الكلامَ من التكلُّم إلى الغَيْبة على طريقة الالتفات، والمعنى: ليأكلوا مِمَّا خلقَه الَّلهُ مِن الثمر» . قلت: فعلى هذا يكون الضميرُ عائداً على الله تعالى، ولذلك فَسَّر معناه

стр. 8050

بما ذكر. وقد تقدَّم قراءاتٌ في هذه اللفظةِ في سورةِ الأنعام وما قيل فيها بحمد الله تعالى. قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ في «ما» هذه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنها موصولةٌ أي: ومن الذي عَمِلَتْه أيديهم من الغرس والمعالجة. وفيه تَجَوُّزٌ على هذا. والثاني: أنها نافيةٌ أي: لم يعملوه هم، بل الفاعلُ له هو اللَّهُ تعالى. وقرأ الأخَوان وأبو بكر بحذف الهاء والباقون «وما عَمِلَتْه» بإثباتِها. فإنْ كانَتْ «ما» موصولةً فعلى قراءة الأخوين وأبي بكر حُذِف العائدُ كما حُذِف في قولِه: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] بالإِجماع. وعلى قراءةِ غيرِهم جيْءَ به على الأصل. وإن كانَتْ نافيةً فعلى قراءةِ الأخوين وأبي بكر لا ضميرَ مقدرٌ، ولكن المفعولَ محذوفٌ أي: ما عَمِلَتْ أيديهم شيئاً مِنْ ذلك، وعلى قراءةِ غيرِهم الضميرُ يعودُ على «ثَمَرِه» وهي مرسومةٌ بالهاء في غيرِ مصاحفِ الكوفةِ، وبحذفِها فيما عداها. / والأخَوان وأبو بكرٍ وافقوا مصاحفهم، والباقون - غير حَفْصٍ - وافقوها أيضاً، وجعفر خالَفَ مصحفَه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ القراءةَ متلقَّاةٌ مِنْ أفواهِ الرجال، فيكون عاصمٌ قد أقرأها لأبي بكرٍ بالهاء ولحفصٍ بدونها. الثالث: أنها نكرةٌ موصوفةٌ، والكلامُ فيها كالذي في الموصولة. والرابع:

стр. 8051

أنها مصدريةٌ أي: ومِنْ عَمَلِ أيديهم. والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، فيعودُ المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة.

стр. 8052

قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل﴾ : كقولِه و ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض﴾ [يس: ٣٣] . و «نَسْلَخُ» استعارةٌ بديعةٌ شبَّه انكشافَ ظلمةِ الليلِ بكَشْط الجِلْد عن الشاة. وقوله: «مُظْلِمون» أي: داخلون في الظلام كقوله: ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] .

стр. 8053

قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ : قيل: في الكلامِ حَذْفُ مضافٍ تقديره: تجري لجَرْي مستقرٍ لها. وعلى هذا فاللامُ للعلةِ أي: لأجل جَرْيِ مستقرٍ لها. والصحيحُ أنَّه لا حَذْفَ، وأنَّ اللامَ بمعنى إلى. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ بعضهم «إلى مُسْتقر» . وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزين العابدين وابنه الباقر والصادق بن الباقر «لا مُستقرَّ» ب لا النافيةِ للجنسِ وبناءِ «مستقرَّ» على الفتح، و «لها» الخبر. وابن أبي عبلة «لا مُسْتقرٌ» ب لا العاملةِ عملَ ليس، ف مُسْتَقرٌ اسمها، و «لها» في محلِّ نصبٍ خبرُها كقولِه: ٣٧٨٦ - تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيا ... ولا وَزَرٌ مِمَّا قضى اللَّهُ واقيا والمرادُ بذلك أنها لا تستقرُّ في الدنيا بل هي دائمةُ الجريانِ، وذلك إشارةً إلى جَرْيها المذكور.

стр. 8054

قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرٍو برفعِه، والباقون بنصبِه. فالرفعُ على الابتداء، والنصبُ بإضمارِ فعلٍ على الاشتغالِ، والوجهان مُسْتويانِ لتقدُّمِ جملةٍ ذاتِ وجهين، وهي قوله: «والشمسُ تجري» فإنْ راعَيْتَ صدرَها رَفَعْتَ لتعطِفَ جملةً اسميةً على مثلِها، وإنْ راعَيْتَ عَجْزَها نَصَبْتَ لتعطِفَ فعليةً على مثلِها. وبهذه الآيةِ يَبْطُلُ قولُ الأخفشِ: إنه لا يجوزُ النصبُ في الاسم إلاَّ إذا كان في جملةِ الاشتغالِ ضميرٌ يعود على الاسمِ الذي تضمَّنَتْه جملةٌ ذاتُ وجهين. قال: لأنَّ المعطوفَ على الخبرِ خبرٌ فلا بُدَّ مِنْ ضميرٍ يعودُ على المبتدأ فيجوزُ: «زيدٌ قام وعمراً أكرمتُه في داره» ، ولو لم يَقُلْ «في داره» لم يَجُز. ووجهُ الردِّ مِنْ هذه الآية أنَّ أربعةً من السبعةِ نصبوا، وليس في جملة الاشتغال ضميرٌ يعودُ على الشمس. وقد أُجْمع على النصب في قولِه تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] بعد قوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٥] . قوله: «منازلَ» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ «قَدَّرنا» بمعنى صَيَّرْنا. الثاني: أنه حالٌ، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ قبل «منازل» تقديرُه: ذا منازلَ. الثالث: أنه ظرفٌ أي: قَدَّرْنا مسيرَه في منازلَ، وتقدَّم نحوُه أولَ يونس. قوله: «كالعُرْجُون» العامّةُ على ضَمِّ العينِ والجيم. وفي وزنِه وجهان، أحدهما: أنه فُعْلُول فنونُه أصليةٌ، وهذا هو المرجَّحُ. والثاني: وهو قولُ

стр. 8055

الزجَّاج أنَّ نونَه مزيدةٌ، ووزنُه فُعْلُوْن، مشتقاً من الانعراجِ وهو الانعطافُ، وقرأ سليمان التيمي بكسر العين وفتح الجيم، وهما لغتان كالبُزيُوْن والبِزْيون. والعُرْجُوْن: عُوْد العِذْقِ ما بين الشَّماريخ إلى مَنْبِته من النخلةِ. وهو تشبيهٌ بديعٌ، شبَّه به القمرَ في ثلاثة أشياء: دقتِه واستقواسِه واصفرارِه.
следующие страницы →