← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

قوله: ﴿تَنزِيلُ﴾ : إمَّا خبرٌ ل «حَم» إنْ كانت مبتدأً، وإمَّا خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، وإمَّا مبتدأٌ. وخبرُه الجارُّ بعدَه.

стр. 8437

قوله: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب﴾ في هذه الأوصافِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها كلَّها صفاتٌ للجلالة كالعزيز العليم. وإنما جازَ وَصْفُ المعرفةِ بهذه وإنْ كانَتْ إضافتُها لفظيةً؛ لأنه يجوزُ أَنْ تُجْعَلَ إضافتُها معنويةً فتتعرَّفَ بالإِضافةِ. نَصَّ سيبويه على أنَّ كلَّ ما إضافتُه غيرُ مَحْضةٍ جاز أن يُجْعَلَ مَحْضةً، وتُوصفَ به المعارفُ، إلاَّ الصفةَ المشبهةَ، ولم يَسْتَثْنِ غيرُه شيئاً وهم الكوفيون. يقولون في نحو: «حَسَنُ الوجهِ» إنه يجوزُ أن تصيرَ إضافتُه محضةً. وعلى هذا فقولُه «شديد العقابِ» من بابِ الصفةِ المشبهةِ فكيف أجزْتَ جَعْلَه صفةً للمعرفة وهو لا يَتَعَرَّفُ بالإِضافة؟ والجواب: إمَّا بالتزامِ مَذْهَبِ الكوفيين: وهو أنَّ الصفةَ المشبهةَ يجوزُ أَنْ تَتَمَحَّضَ إضافتُها أيضاً، فتكونَ معرفةً، وإمَّا بأنَّ شديداً بمعنى/ مُشَدِّد ك أَذِيْن بمعنى مُؤَذِّن فتتمحَّضُ إضافتُه. الثاني: أَنْ يكونَ الكلُّ أبدالاً لأنَّ إضافتَها غيرُ محضةٍ، قاله الزمخشري. إلاَّ أنَّ الإِبدال بالمشتقِّ قليلٌ جداً، إلاَّ أن يُهْجَرَ فيها جانبُ الوصفية.

стр. 8438

الثالث: أَنْ يكونَ «غافر» و «قابل» نعتَيْن و «شديد» بدلاً، لِما تقدَّم: مِنْ أنَّ الصفةَ المشبهةَ لا تتعرَّفُ بالإِضافة، قاله الزجَّاج. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قال: «جَعْلُ الزجَّاجِ» شديد العقاب «وحدَه بدلاً من الصفاتِ، فيه نُبُوٌّ ظاهرٌ، والوجهُ أن يُقال: لَمَّا صُودِفَ بين هذه المعارفِ هذه النكرةُ الواحدةُ فقد آذنَتْ بأنَّ كلَّها أبدالٌ غيرُ أوصافٍ. ومثالُ ذلك قصيدةٌ جاءت تفاعيلُها كلُها على مستفعلن فهي محكومٌ عليها أنها من الرَجَز، وإنْ وقع فيها جزءٌ واحدٌ على مَتَفاعلن كانت من الكامِل» . وقد ناقشه الشيخ فقال: «ولا نُبُوَّ في ذلك لأنَّ الجَرْيَ على القواعِدِ التي قد استقرَّتْ وصَحَّتْ هو الأصلُ وقوله:» فقد آذنَتْ بأنَّ كلّها أبدالٌ «تركيبٌ غيرُ عربيٍ؛ لأنه جَعَل» فقد آذنَتْ «جوابَ لَمَّا، وليس من كلامهم» لَمَّا قام زيدٌ فقد قام عمروٌ «. وقولُه: بأنَّ كلَّها أبدْالٌ فيه تكريرٌ للأبدالِ. أمَّا بَدَلُ البَداءِ عند مَنْ أثبتَه فقد تكرَّرَتْ فيه الأبدالُ. وأمَّا بدلُ كلٍ مِنْ كل وبعضٍ مِنْ كل وبدلُ اشتمالٍ فلا نصَّ عن أحد من النحويين أَعْرِفُه في جوازِ التكرارِ فيها أو مَنْعِه. إلاَّ أنَّ في كلامِ بعضِ أصحابِنا ما يَدُلُّ على أنَّ البدلَ لا يُكَرَّرُ، وذلك في قول الشاعر: ٣٩١١ - فإلى ابنِ أُمِّ أُناسٍ أَرْحَلُ ناقتي ... عمْروٍ فتُبْلِغُ حاجتي أو تُزْحِفُ مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوفودُ ببابِه ... عَرَفُوا موارِدَ مُزْبِدٍ لا يُنْزَفُ

стр. 8439

قال:» فَ «مَلكٍ» بدلٌ مِنْ «عمرو» بدلُ نكرةٍ مِنْ معرفة قال: «فإنْ قلتَ: لِمَ لا يكونُ بدلاً من» ابن أمِّ أناسٍ؟ «قلت: لأنَّه أبدلَ منه عَمْراً، فلا يجوزُ أَنْ يُبْدَلَ منه مرة أخرى لأنَّه قد طُرِحَ» انتهى. قال الشيخ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ البدلَ لا يتكَرَّرُ ويَتَّحد المبدلُ منه، ودَلَّ على أنَّ البدلَ من البدلِ جائزٌ» . قلت: وقد تقدَّم له هذا البحثُ آخرَ الفاتحةِ عند قوله: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] فعليك بمراجعته قال: «وقولُه تفاعيلُها هو جمعُ تِفْعال أو تَفْعُول أو تُفْعُول أو تَفْعيل وليس شيءٌ منها معدوداً من أجزاء العَروض فإنَّ أجزاءَه منحصرةٌ ليس فيها شيءٌ من هذه الأوزانِ، فصوابُه أَنْ يقولَ: جاءت أجزاؤُها كلُّها على مُستفعلن» . وقال الزمخشري أيضاً: «ولقائل أَنْ يقولَ: هي صفاتٌ وإنما حُذِفت الألفُ واللامُ مِنْ» شديد «ليزاوجَ ما قبلَه وما بعدَه لفظاً فقد غَيَّروا كثيراً مِنْ كلامِهم عن قوانينِه لأجلِ الازدواجِ، فقالوا:» ما يعرف سحادليه مِنْ عبادليه «فَثَنُّوا ما هو وِتْرٌ لأجلِ ما هو شَفْعٌ. على أن الخليلَ قال في قولهم:» ما يَحْسُنُ بالرجلِ مثلِك أَنْ يَفْعل ذلك «و» ما يَحْسُن بالرجلِ خيرٍ منك «إنه على نيةِ الألفِ واللامِ، كما كان» الجَمَّاء الغفير «على نيةِ طرحِ الألفِ واللامِ. ومما سهَّل ذلك الأمنُ من اللَّبْسِ وجَهالَةُ الموصوفِ» . قال الشيخُ: «ولا ضرورةَ

стр. 8440

إلى حَذْفِ أل مِنْ» شديد العقاب «وتشبيهُه بنادرٍ مُغَيَّرٍ وهو تثنيةُ الوِتْر لأجلِ الشَّفْعِ، فيُنَزَّه كتابُ اللَّهِ عن ذلك» . قلت: أمَّا الازدواجُ - وهو المشاكلة - من حيث هو فإنه واقعٌ في القرآن، مضى لك منه مواضعُ. وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوزُ أَنْ يقالَ: قد تُعُمِّد تنكيرُه وإبهامُه للدلالةِ على فَرْطِ الشِّدَّةِ وعلى ما لا شيءَ أَدْهَى منه وأَمَرُّ لزيادةِ الإِنذار. ويجوز أَنْ يُقالَ: هذه النكتةُ هي الداعيةُ إلى اختيار البدلِ على الوصفِ، إذا سُلِكَتْ طريقةُ الإِبدالِ» انتهى. وقال مكي: «يجوزُ في» غافر «و» قابل «البدلُ على أنهما نكرتان لاستقبالِهما، والوصفُ على أنهما معرفتان لمُضِيِّهما» . وقال فخر الدين الرازي: «لا نِزاعَ في جَعْل غافر وقابِل صفةً، وإنما كانا كذلك لأنهما يُفيدان معنى الدَّوامِ والاستمرارِ، فكذلك» شديدُ العقابِ «يُفيدُ ذلك؛ لأنَّ صفاتِه مُنَزَّهةٌ عن الحدوث والتجدُّدِ فمعناه كونُه بحيث شديدٌ عقابُه. وهذا المعنى حاصلٌ أبداً لا يُوْصَف/ بأنَّه حَصَلَ بعد أَنْ لم يكنْ» . قال الشيخ: «وهذا كلامُ مَنْ لم يَقِفْ على علمِ النحوِ ولا نظرَ فيه ويَلْزَمُه أَنْ يكونَ ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] و ﴿مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥] معارفَ لتنزيهِ صفاتِه عن الحُدوثِ والتجدُّدِ، ولأنها صفاتٌ لم تَحْصُلْ بعد أَنْ لم تكنْ، ويكونُ تعريفُ صفاتِه بأل وتنكيرُها سواءً، وهذا لا يقولُه مُبْتدئ في علم النحو، بَلْهَ أَنْ يُصَنِّفَ فيه ويُقْدِمَ على تفسيرِ كتابِ اللَّهِ تعالى» انتهى.

стр. 8441

وقد سُرِدَتْ هذه الصفاتُ كلُّها مِنْ غير عاطفٍ إلاَّ «قابِل التوب» قال بعضهم: «وإنما عُطِفَ لاجتماعِهما وتلازُمِهما وعَدَمِ انفكاكِ أحدِهما عن الآخر، وقَطَعَ» شديدِ «عنهما فلم يُعْطَفْ لانفرادِه» . قال الشيخ: «وفيه نَزْعَةٌ اعتزاليَّةٌ. ومَذْهَبُ أهلِ السنة جوازُ الغفران للعاصي وإن لم يَتُبْ إلاَّ الشركَ» . قلت: وما أبعده عن نزعةِ الاعتزال. ثم أقول: التلازمُ لازمٌ مِنْ جهةِ أنه تعالى متى قَبِل التوبة فقد غَفَرَ الذنب وهو كافٍ في التلازم. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما بالُ الواوِ في قولِه:» وقابلِ التَّوْبِ؟ «قلت: فيها نُكْتةٌ جليلةٌ: وهي إفادةُ الجمعِ للمذنب التائبِ بين رحمتين: بين أَنْ يَقْبَلَ توبتَه فيكتبَها طاعةً من الطاعات وأنْ يجعلَها مَحَّاءةً للذنوب كمَنْ لم يُذْنِبْ كأنه قال: جامع المغفرةِ والقَبول» انتهى. وبعد هذا الكلام الأنيق وإبرازِ هذه المعاني الحسنةِ. قال الشيخ: «وما أكثرَ تبجُّجَ هذا الرجلِ وشَقْشَقَتَه والذي أفاد أن الواوَ للجمعِ، وهذا معروفٌ من ظاهرِ عَلِمِ النحوِ» . قلت: وقد أنشدني بَعضُهم: ٣٩١٢ - وكم مِنْ عائبٍ قَوْلاً صحيحاً ... وآفَتُه من الفَهْمِ السَّقيمِ وقال آخر:

стр. 8442

٣٩١٣ - قد تُنْكِرُ العينُ ضوءَ الشمسِ مِنْ رَمَدٍ ... ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ مِنْ سَقَمِ والتَّوْبُ: يُحتمل أَنْ يكونَ اسماً مفرداً مُراداً به الجنسُ كالذَّنْب، وأَنْ يكونَ جمعاً لتَوْبة كتَمْرٍ وتَمْرَة. و «ذي الطَّوْلِ» نعتٌ أو بدلٌ كما تقدَّمَ. والطَّوْلُ: سَعَةُ الفَضْلِ. و ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ يجوزُ أَنْ يكون مستأنفاً، وأَنْ يكونَ حالاً، وهي حالٌ لازمةٌ، وقال أبو البقاء: «يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً» ، وعلى هذا ظاهرُه فاسدٌ؛ لأنَّ الجملةَ لا تكونُ صفةً للمعارفِ. ويمكنُ أَنْ يريدَ أنه صفةٌ ل «شديد العقاب» لأنَّه لم يتعرَّفْ عنده بالإِضافةِ. والقولُ في «إليه المصيرُ» كالقولِ في الجملةِ قبله، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الجملةِ قبلَه.

стр. 8443

وقرأ العامَّةُ «فلا يَغْرُرْكَ» بالفكِّ، وهي لغةُ الحجازِ. وزيد ابن علي وعبيد بن عُمَيْر «فلا يَغُرَّكَ» بالإِدغامِ مفتوحَ الراءِ، وهي لغةُ تميمٍ.

стр. 8444

وقرأ عبد الله «برَسولها» أعاد الضميرَ على لفظ «أُمَّة» . والجمهورُ على معناها، وفي قوله: «ليَأْخُذوه» عبارةٌ عن المُسَبَّبِ بالسبب؛ وذلك أنَّ القَتْلَ مُسَبَّبٌ عن الأَخْذِ، ومنه قيل للأسير: «أَخِيْذ» . وقال: ٣٩١٤ - فإمَّا تَأْخُذُوني تَقْتُلوني ... فكَمْ مِنْ آخِذٍ يَهْوَى خُلودي

стр. 8445

وقوله: «عِقابِ» فيه اجتزاءٌ بالكسرةِ عن ياء المتكلم وصلاً، ووقفاً، لأنَّها رأسُ فاصلةٍ.

стр. 8446

قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ : تحتمل الكافُ أَنْ تكونَ مرفوعةَ المحلِّ على خبرِ مبتدأ مضمرٍ أي: والأمرُ كذلك، ثم أخبر بأنه حَقَّتْ كلمةُ اللَّهِ عليهم بالعذاب، وأَنْ تكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثلَ ذلك الوجوبِ مِنْ عقابِهم وَجَبَ على الكفرةِ. وقوله: «أنهم أصحابُ» يجوزُ أَنْ يكونَ على حَذْفِ حرفِ الجرِّ أي: لأنَّهم، فَحَذَفَ، فيجري في محلِّها القولان. ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ «كلمةُ» . وقد تقدَّم خلافُهم في إفراد «كلمة» وجَمْعِها.

стр. 8447

قوله: ﴿الذين يَحْمِلُونَ﴾ : مبتدأٌ «ويُسَبِّحون» خبرُه. والعامَّةُ على فتح عين «العَرْش» . وابن عباس في آخرين بضمها فقيل: يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ جمعاً ل «عَرْش» ك سُقْف في سَقْف. وقوله: «ومَنْ حَوْلَه» يَحْتمل أَنْ يكونَ مرفوعَ المحلِّ عطفاً على «الذين يَحْملون» أَخْبر عن الفريقين بأنهم يُسَبِّحون، وهذا هو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ منصوبَ المحلِّ عَطْفاً على العرش، يعني أنَّهم يَحْملون أيضاً الملائكةَ الحافِّين بالعرشِ. وليس بظاهرٍ. قوله: «رَبَّنا» / معمولٌ لقولٍ مضمرٍ تقديرُه: يقولون ربَّنا. والقولُ المضمرُ

стр. 8448

في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «يَسْتَغْفرون» أو خبرٌ بعد خبرٍ، و «رحمةً وعِلْماً» تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية، أي: وسِع كلَّ شيءٍ رحمتُك وعِلْمُك.

стр. 8449

قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ : قد تقدَّمَ نظيرُها في مريم. والعامَّةُ على «جناتِ» جمعاً، والأعمش وزيد بن علي «جنة» بالإِفراد. قوله: «ومَنْ صَلَحَ» في محلِّ نصبٍ: إمَّا عطفاً على مفعولِ «أدْخِلْهُمْ» ، وإمَّا على مفعولِ «وَعَدْتَهم» . وقال الفراء والزجاج: «نصبُه مِنْ مكانَيْنِ: إنْ شئتَ على الضميرِ في» أَدْخِلْهم «، وإنْ شِئْتَ على الضميرِ في وَعَدْتَهم» . والعامَّةُ على فتحِ لامِ «صَلَح» يقال: صَلُح فهو صالحٌ. وابنُ أبي عبلة بضمِّها يُقال: صَلَح فهو صَليح. والعامَّةُ على «ذُرِّيَّاتهم» جمعاً. وعيسى «وذُرِّيَّتهم» إفراداً.

стр. 8450

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : التنوينُ عِوَضٌ مِنْ جملةٍ محذوفةٍ، ولكنْ ليس في الكلامِ جملةٌ مُصَرَّحٌ بها، عُوِّض منها هذا التنوينُ، بخلافِ قولِه: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] أي: حينَ إذْ بَلَغَتِ الحلقومَ، لتقدُّمِها في اللفظِ، فلا بُدَّ مِنْ تقديرِ جملةٍ، يكون هذا عوضاً منها تقديرُه: يوم إذْ يُؤَاخَذُ بها.

стр. 8451

قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ : منصوبٌ بمقدرٍ، يَدُلُّ عليه هذا الظاهرُ، تقديرُه: مَقْتِكم إذ تُدْعَوْن. وقَدَّره بعضُهم: اذكُروا إذْ تُدْعَوْن. وجَوَّز الزمخشريُّ أَنْ يكونَ منصوباً بالمَقْتِ الأول. ورَدَّ عليه الشيخُ: بأنَّه يَلْزَمُ منه الفَصْلُ بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبيّ وهو الخبرُ. وقال: «هذا مِنْ ظواهرِ علمِ النحوِ التي لا تكاد تَخْفَى على المبتَدِئ فَضْلاً عَمَّنْ يُدْعَى من العجم أنه شيخُ العربِ والعَجَم» . قلت: مثلُ هذا لا يَخْفى على أبي القاسم، وإنما أراد أنه دالٌّ على ناصبِه، وعلى تقديرِ ذلك فهو مذهبٌ كوفيٌّ قال به، أو لأنَّ الظرفَ يُتَّسَعُ فيه ما لا يُتَّسَعُ في غيره. وأيُّ غُموضٍ في هذا حتى يُنْحِي عليه هذا الإِنْحاءَ؟ ولله القائلُ: ٣٩١٥ - حَسَدُوا الفتى إذ لم يَنالُوا سَعْيَه ... فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ كضَرائرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهها ... كَذِباً وزُوْراً إنه لدَمِيمُ وهذا الردُّ سبقه إليه أبو البقاء، فقال: «ولا يجوزُ أن يَعْمَلَ فيه» مَقْتُ الله «لأنه مصدرٌ أُخْبِرَ عنه، وهو قولُه:» أكبرُ «. فمِنْ ثَمَّ أَخَذه الشيخُ. ولا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ بالمَقْتِ الثاني؛ لأنهم لم يَمْقُتوا أنفسَهم وَقْتَ دعائِهم إلى الإِيمان، إنما مَقَتُوها يومَ القيامةِ. والظاهرُ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ واقعٌ في الدنيا. وجَوَّزَ

стр. 8452

الحسنُ أَنْ يكون في الآخرة. وضَعَّفه الشيخُ: بأنه» يَبْقى «إذْ تُدْعَوْن» مُفْلَتاً من الكلامِ؛ لكونِه ليس له عاملٌ مقدمٌ ولا ما يُفَسِّر عاملاً. فإذا كان المَقْتُ في الدنيا أَمْكَنَ أَنْ يُضْمَرَ له عاملٌ تقديرُه: مَقْتِكم «. قلت: وهذا التجرُّؤُ على مثلِ الحسنِ يُهَوِّنُ عليك تَجَرُّؤَه على الزمخشريِّ ونحوهِ. واللامُ في» لَمَقْتُ «لامُ ابتداءٍ أو قسمٍ. ومفعولُه محذوفٌ أي: لمقتُ اللَّهِ إياكم أو أنفسَكم، فهو مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه كالثاني. ولا يجوزُ أَنْ تكون المسألةُ من بابِ التنازع في» أنفسَكم «بين المقتَيْن لئلا يَلزمَ الفصلُ بالخبرِ بين المَقْتِ الأول ومعمولِه على تقديرِ إعمالِه، لكنْ قد اختلف النحاةُ في مسألةٍ: وهي التنازعُ في فِعْلَيْ التعجب، فَمَنْ مَنَعَ اعتَلَّ بما ذكرْتُه؛ لأنه لا يُفْصَلُ بين فعلِ التعجبِ ومعمولِه. ومَنْ جَوَّزَ قال: يُلتزم إعمالُ الثاني؛ حتى لا يَلْزَمَ الفَصْلُ. فليكُنْ هذا منه. والحقُّ عدمُ الجوازِ فإنَّه على خلافِ قاعدةِ التنازع.

стр. 8453

قوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ، وجاز كونُه معرفة لفظاً لكونِه في قوةِ النكرةِ كأنه قيل: منفرداً. والثاني: - وهو قولُ يونس - أنه منصوبٌ على الظرفِ، والتقدير: دُعِي على حِيالِه، وهو مصدرٌ محذوفُ الزوائدِ والأصلُ: أَوْحَدْتُه إيحاداً.

стр. 8454

قوله: ﴿رَفِيعُ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ مبتدأً والخبرُ «ذو العرشِ» ، و «يُلْقي الروحَ» / يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأن يكونَ حالاً، ويجوزُ أَنْ تكونَ الثلاثةُ أخباراً لمبتدأ محذوفٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ الثلاثةُ أخباراً لقولِه: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ . قال الزمخشري: «ثلاثةُ أخبارٍ يجوزُ

стр. 8455

أَنْ تكونَ مترتبةً على قولِه: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ، أو أخبارَ مبتدأ محذوفٍ وهي مختلفةٌ تعريفاً وتنكيراً» . قلت: أمَّا الأولُ ففيه طولُ الفَصْلِ وتعدُّدُ الأخبارِ، وليسَتْ في معنى خبرٍ واحدٍ. وأمَّا الثاني ففيه تَعدُّدُ الأخبارِ وليسَتْ في معنى خبرٍ واحدٍ، وهي مسألةُ خلافٍ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ «ذو العرش» صفةً ل «رفيعُ الدرجاتِ» إنْ جَعَلْناه صفةً مشبهةً، أمَّا إذا جَعَلْناه مثالَ مبالغةٍ، أي: يرفع درجاتِ المؤمنين، فيجوزُ ذلك على أَنْ تُجْعَلَ إضافتُه مَحْضَةً، وكذلك عند مَنْ يُجَوِّزُ تمحُّضَ إضافةِ الصفةِ المشبهة أيضاً، وقد تقدَّمَ. وقُرِئ «رفيعَ» بالنصبِ على المدح، و «مِنْ أَمْرِه» متعلِّقٌ ب «يُلْقِي» و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ. ويجوزُ أَن يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الروح» . قوله: «لِيُنْذِرَ» العامَّةُ على بنائِه للفاعلِ، ونصبِ اليوم. والفاعلُ هو اللَّهُ تعالى أو الروح أو مَنْ يشاء أو الرسول. ونَصْبُ اليوم: إمَّا على الظرفيَّةِ. والمُنْذَرُ به محذوفٌ تقديرُه: ليُنْذِرَ بالعذابِ يومَ التَّلاق، وإمَّا على المفعول به اتِّساعاً في الظرفِ. وقرأ أُبَيٌّ وجماعةٌ كذلك، إلاَّ أنه رَفَع اليوم على الفاعليَّةِ مجازاً أي: ليُنْذِر الناسَ العذابَ يومُ التلاق. وقرأ الحسن واليمانيُّ «لِتُنْذِرَ» بالتاءِ من فوقُ. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الفاعلَ ضميرُ المخاطبِ، وهو الرسولُ ﷺ . والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرُ الروحِ فإنَّها مؤنثةٌ على رَأْيٍ. وقرأ اليمانيُّ أيضاً «لِيُنْذَرَ» مبنياً للمفعول، «يومُ» بالرفعِ، وهي تُؤَيِّدُ نصبَه في قراءةِ الجمهورِ على المفعولِ به اتِّساعاً.

стр. 8456

وأثبت ياءَ «التلاقي» وَصْلاً ووَقْفاً ابن كثير وأَثْبَتها في الوقف دونَ الوصل - مِنْ غير خِلافٍ - ورشٌ، وحَذَفها الباقون وَصْلاً ووقفاً، إلاَّ قالونَ فإنه رُوِيَ عنه وجهان: وجهٌ كورش، ووجهٌ كالباقين، وكذلك هذا الخلافُ بعينِه جارٍ في ﴿يَوْمَ التناد﴾ [غافر: ٣٢] . وقد تقدَّم توجيهُ هذَيْن الوجهَيْن في الرعد في قولِه: ﴿الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] .

стр. 8457

قوله: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ : في «يوم» أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ «يوم التلاق» بدلُ كل مِنْ كل. الثاني: أَنْ ينتصِبَ بالتلاق أي: يقع التلاقي في يومِ بُروزِهم. الثالث: أنْ ينتصِبَ بقولِه: ﴿لاَ يخفى عَلَى الله﴾ ، ذكره ابنُ عطيةَ، وهذا على أحدِ الأقوالِ الثلاثةِ في «لا» : هل يعملُ ما بعدَها فيما قبلها؟ ثالثها: التفصيلُ بين أَنْ تقعَ جوابَ قسمٍ فيمتنعَ، أو لا فيجوزَ. فيجوزُ هذا على قولين من هذه الأقوالِ. الرابع: أن ينتصِبَ بإضمار «اذكُرْ» . و «يومَ» ظرفٌ مستقبلٌ ك «إذا» . وسيبويه لا يرى إضافةَ الظرفِ المستقبلِ إلى الجمل الاسمية، والأخفشُ يراه، ولذلك قدَّر سيبويه في قولِه: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] ونحوهِ فعلاً قبل الاسم، والأخفشُ لم يُقَدِّرْه، وعلى هذا فظاهرُ الآيةِ مع الأخفش. ويُجاب عن سيبويه: بأنَّ «هم» ليس مبتدأ بل مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّره اسمُ الفاعل أي: يومَ برزوا، ويكون «بارِزون»

стр. 8458

خبرَ مبتدأ مضمر فلمَّا حُذِف الفعلُ انفصل الضميرُ فبقي كما ترى، وهذا كما قالوا في قوله: ٣٩١٦ - لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري في أنَّ «حَلْقي» مرفوعُ فعلٍ يُفَسِّره «شَرِقٌ» لأنَّ «لو» لا يَليها إلاَّ الأفعالُ، وكذا قولُه: ٣٩١٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فهَلاَّ نَفْسُ لَيْلى شَفيعُها لأنَّ «هَلاَّ» لا يَليها إلاَّ الأفعالُ، فالمُفَسَّرُ في هذه المواضعِ أسماءٌ مُسْبَقَةٌ، وهو نظيرُ «أنا زيداً ضاربُه» من حيث التفسيرُ. وحركة «يومَ هم» حركةُ إعرابٍ على المشهورِ. ومنهم مَنْ جَوَّزَ بناءَ الظرفِ، وإنْ أضيف إلى فعلٍ مضارعٍ أو جملة اسميةٍ، وهم الكوفيون. وقد وَهِم/ بعضُهم فحتَّم بناءَ الظرفِ المضافِ للجملِ الاسمية. وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّمَ أنه لا يُبْنَى عند البصريين إلاَّ ما أُضيف إلى فعلٍ ماض، كقولِه: ٣٩١٨ - على حينَ عاتَبْتَ المشيبَ على الصِّبا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8459

البيت. وقد تقدَّم هذا مستوفىً في آخره المائدة. وكتبوا «يومَ هم» هنا وفي الذاريات منفصلاً، وهو الأصلُ. قوله: «لا يَخْفَى» يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً من ضميرِ «بارِزون» وأَنْ تكونَ خبراً ثانياً.

стр. 8460

قوله: ﴿اليوم﴾ : ظرفٌ لقولِه «لِمَن المُلْكُ» ، و [يجوز] أَنْ يكونَ ظرفاً للجارِّ بعده؛ لأنَّ التقدير: المُلْكُ لله، فهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، واليومَ معمولٌ ل «تُجْزَى» ، و «اليومَ» الأخير خبرُ «لا ظلمَ» .

стр. 8461

قوله: ﴿يَوْمَ الأزفة﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به اتِّساعاً، وأَنْ يكونَ ظرفاً، والمفعولُ محذوفٌ. والآزِفَةُ: القريبةُ، مِنْ أَزِفَ الشيءُ، أي: قَرُبَ. قال النابغةُ: ٣٩١٩ - أَزِف التَّرَحُّلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا ... لَمَّا تَزَلْ برِحالِنا وكأنْ قَدِ وقال كعبُ بن زهير: ٣٩٢٠ - بان الشبابُ وهذا الشيبُ قد أَزِفا ... ولا أرَى لشبابٍ بائنٍ خلفا وقال الراغب: «أَزِفَ وأَفِدَ يتقارَبان، لكنَّ» أَزِفَ «يقال اعتباراً بضيقِ

стр. 8462

وقتِها. ويقال: أزِفَ الشُّخوصُ. والأَزَفُ: ضيقُ الوقت» ، قلت: فجَعَلَ بينهما فَرْقاً، ويُرْوَى بيتُ النابغة: أَفِدَ الترحُّلُ. والآزِفَةُ: صفةٌ لمحذوفٍ، فيجوز أَنْ يكونَ التقديرُ: الساعة الآزِفَةُ أو الطامَّةُ الآزِفة. قوله: «إذ القلوبُ» بدْلٌ من يومِ الآزِفةِ، أو مِنْ «هم» في «أَنْذِرْهُمْ» بدلُ اشتمالٍ. قوله: «كاظِمين» نصبٌ على الحالِ. واختلفوا في صاحبها والعاملِ فيها. وقال الحوفي: «القلوبُ» مبتدأ. و «لدى الحناجِر» خبرُه، و «كاظمين» حالٌ من الضميرِ المستكنِّ فيه «. قلت: ولا بُدَّ مِنْ جوابٍ عن جمعِ القلوبِ جمعَ مَنْ يَعْقِل: وهو أنْ يكونَ لَمَّا أَسْند إليهم ما يُسْنَدُ للعقلاءِ جُمِعَتْ جَمْعَه، كقولِه: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ، ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] . الثاني: أنها حالٌ من» القلوب «. وفيه السؤالُ والجوابُ المتقدِّمان. الثالث: أنه حالٌ من أصحاب القلوب. قال الزمخشري:» هو حالٌ مِنْ أصحاب القلوب على المعنى؛ إذ المعنى: إذْ قلوبُهم لدى الحناجر كاظمين عليها «. قلت: فكأنَّه في قوةِ أنْ جَعَلَ أل عِوَضاً من الضمير في حناجرهم: الرابع: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ» هم «في» أَنْذِرْهم «، وتكونُ حالاً مقدرةً؛ لأنهم وقتَ الإِنذارِ غيرُ كاظمين. وقال ابن عطية:» كاظِمين حالٌ ممَّا أُبْدِلَ منه «إذ القلوب» أو ممَّا تُضاف القلوبُ إليه؛ إذ المرادُ: إذ قلوبُ الناس لدى حناجرِهم، وهذا كقولِه: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢] أراد: تَشْخَصُ فيه أبصارُهم «. قلت: ظاهرُ قولِه أنه حالٌ ممَّا أُبْدِل منه.

стр. 8463

قوله:» إذ القلوبُ «مُشْكِلٌ؛ لأنه أُبْدِل مِنْ قوله:» يومَ الآزِفَة «وهذا لا يَصِحُّ البتةَ، وإنما يريد بذلك على الوجه الثاني: وهو أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ» هم «في» أَنْذِرْهُمْ «بدلَ اشتمالٍ، وحينئذ يَصِحُّ. وقد تقدَّم الكلامُ على الكَظْمِ، والحناجر، في آل عمران والأحزاب. قوله: ﴿وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ » يُطاعُ «يجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعِه بالجرِّ نعتاً على اللفظِ، وبالرفعِ نعتاً على المحلِّ؛ لأنه معطوفٌ على المجرور بمِنْ المزيدةِ. وقوله: ﴿وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ مِنْ باب: ٣٩٢١ - على لاحِبٍ لا يُهْتَدى بمَنارِه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: لا شفيعَ فلا طاعةَ، أو ثَمَّ شفيعٌ ولكن لا يُطاعُ.

стр. 8464

قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ : فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو الظاهر - أنه خبرٌ آخرُ عن «هو» في قوله: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ . قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: بِمَ اتَّصلَ قولُه: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين﴾ ؟ قلت: هو خبرٌ من أخبارِ» هو «في قولِه: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ﴾ مثل: ﴿يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥] ولكنْ» يُلْقي الروحَ «قد عُلِّلَ بقولِه:» لِيُنْذِرَ «ثم استطرد لذِكْرِ أحوالِ يومِ التَّلاقِ إلى قوله: ﴿وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ فبَعُدَ لذلك عن أخواته» .

стр. 8465

الثاني: أنه مُتَّصلٌ بقولِه: «وأَنْذِرْهم» لَمَّا أُمِرَ بإنذاره يوم الآزفة وما يَعْرِضُ فيه مِنْ شدَّة الغمِّ والكَرْبِ، وأنَّ الظالمَ لا يجدُ مَنْ يَحْميه، ولا شفيعَ له، ذَكَر اطِّلاعَه على جميع ما يَصْدُر مِنَ الخلقِ سِرّاً وجَهْراً. وعلى هذا فهذه الجملةُ لا محلَّ لها لأنها في قوة التعليلِ للأمرِ بالإِنذار. الثالث: أنها متصلةٌ بقولِه ﴿سَرِيعُ الحساب﴾ [غافر: ١٧] . الرابع: أنها متصلة بقولِه: ﴿لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦] . وعلى هذين الوجهين فيُحْتمل أَنْ تكونَ جاريةً مَجْرَى العلةِ، وأنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال. وخائنةُ الأَعْيُن فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ كالعافيةِ، أي: يَعْلَمُ خيانةَ الأعين. / والثاني: أنها صفةٌ على بابِها، وهو مِنْ بابِ إضافةِ الصفةِ للموصوفِ، والأصلُ: الأعين الخائنة، كقوله: ٣٩٢٢ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإن سَقَيْتِ كِرامَ الناسِ فاسْقِينا وقد رَدَّه الزمخشريُّ وقال: «لا يَحْسُنُ أَنْ يُراد: الخائنة من الأعين؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَمَا تُخْفِي الصدور﴾ لا يُساعِدُ عليه» يعني أنه لا يناسِبُ أن يقابلَ المعنى إلاَّ بالمعنى. وفيه نظرٌ؛ إذ لقائلِ أَنْ يقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ «ما» في ﴿وَمَا

стр. 8466

تُخْفِي الصدور﴾ مصدريةٌ حتى يَلْزَمَ ما ذكره، بل يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، وهو عبارةٌ عن نفس ذلك الشيءِ المَخْفِيِّ، فيكونُ قد قابَلَ الاسمَ غيرَ المصدرِ بمثلهِ.

стр. 8467

قوله: ﴿والذين يَدْعُونَ﴾ : قرأ نافع وهشام «تَدْعُون» بالخطاب للمشركين، والباقون بالغَيْبة إخباراً عنهم بذلك.

стр. 8468

قوله: ﴿فَيَنظُرُواْ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ منصوباً في جواب الاستفهام، وأَنْ يكونَ مجزوماً نَسَقاً على ما قبله كقولِه: ٣٩٢٣ - ألم تَسْأَلْ فتُخْبِرْكَ الرُّسومُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه بعضُهم بالجزمِ والنصب. قوله: «منهم قوةً» قرأ ابنُ عامرٍ «منكم» على سبيلِ الالتفاتِ، والباقون بضميرِ الغَيْبة جَرْياً على ما سَبَقَ من الضمائرِ الغائبةِ. قوله: «وآثاراً» عطفٌ على «قوةً» ، وهو في قوة قولِه: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] ، وجعله الزمخشريُّ منصوباً بمقدر قال: «أو أراد: وأكثرَ آثاراً كقولِه: ٣٩٢٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8469

قد غدا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا يعني: ومُعْتَقِلاً رمحاً» . ولا حاجةَ إلى هذا مع الاستغناء عنه.

стр. 8470

قوله: ﴿أَوْ أَن﴾ : قرأ الكوفيون «أو أَنْ» بأو التي للإِبهام والباقون بواو النسق على تَسَلُّط الحرفِ على التبديل وظهور الفساد معاً. وقرأ نافعٌ وأبو عمروٍ وحفصٌ «يُظْهِرَ» بضم الياءِ وكسرِ الهاء مِنْ أَظْهر، وفاعلُه ضميرُ موسى ﵇، «الفسادَ» نصباً على المفعول به. والباقون بفتح الياء والهاء مِنْ ظهر، «الفسادُ» رفعاً بالفاعلية وزيدُ بن علي «يُظْهَرَ» مبنياً للمفعول، «الفسادُ» مرفوعٌ لقيامِه مقامَ الفاعل. ومجاهد «يَظَّهَّرَ» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر مِنْ تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء. و «الفسادُ» رفعٌ على الفاعلية. وفتح ابن كثير ياءَ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ وسَكَّنها الباقون.

стр. 8471

قوله: ﴿عُذْتُ﴾ : أدغم أبو عمروٍ والأخَوان، وأظهروا الذال مع التاء، والباقون بالإِظهار فقط. و «لا يُؤْمِنُ» صفةٌ لمتكبِّر.

стр. 8472

قوله: ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : يُحتمل أَنْ يكونَ متعلِّقاً ب «يَكْتُمُ» بعده أي: يكتمه مِنْ آلِ فرعون. والثاني: - وهو الظاهرُ - أنَّه متعلق بمحذوفٍ صفةً لرجل. وجاء هنا على أحسنِ ترتيبٍ: حيث قَدَّمَ المفردَ ثم

стр. 8473

ما يَقْرُبُ منه وهو حرفُ الجرِّ، ثم الجملةَ. وقد تقدم إيضاحُ هذه المسألةِ في المائدةِ وغيرِها. ويترتَّبُ على الوجهين: هل كان هذا الرجلُ مِنْ قَرابَةِ فرعونَ؟ فعلى الأولِ لا دليلَ فيه، وعلى الثاني فيه دليلٌ. وقد رَدَّ بعضُهم الأولَ: بأنه لا يُقال: كَتَمْتُ مِنْ فلانٍ كذا، إنما يقال: كَتَمْتُ فلاناً كذا، فيتعدَّى لاثنين بنفسِه. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤٢] . وقال الشاعر: ٣٩٢٥ - كَتَمْتُكَ هَمَّاً بالجَمومَيْنِ ساهِراً ... وهَمَّيْن هَمَّاً مُسْتَكِنَّاً وظاهراً أحاديثَ نَفْسٍ تشتكي ما برَبِّها ... ووِرْدَ هُمومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا أي: كتمتُك أحاديثَ نفسٍ وهَمَّيْن، فقدَّم المعطوفَ على المعطوفِ عليه، ومحلُّه الشعرُ. قوله: ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي: كراهةَ أَنْ يقولَ أو لأَنْ يقولَ. والعامَّةُ على ضَمِّ عين «رَجُل» وهي الفصحى. والأعمش وعبد الوارث على تسكينها، وهي لغةُ تميمٍ ونجد. وقال الزمخشري: «ولك أَنْ تُقَدِّرَ مضافاً محذوفاً أي: وقت أَنْ يقولَ. والمعنى: أتقتلونه ساعةَ سَمِعْتم منه هذا القولَ من غير رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ» . وهذا الذي أجازه رَدَّه الشيخ: بأنَّ تقديرَ هذا الوقتِ لا يجوزُ إلاَّ مع

стр. 8474

المصدرِ المُصَرَّحِ به تقول: جِئْتُكَ صياحَ الدِّيْكِ أي: وقتَ صِياحِه، ولو قلت: أجيْئُك أنْ صاحَ الديكُ، أو أَنْ يصيحَ، لم يَصِحَّ. نصَّ عليه النحويون. قوله: «وقد جاءَكم» جملةٌ حالية يجوز أَنْ تكونَ من المفعول. فإنْ قيلَ: هو نكرةٌ. / فالجوابُ: أنه في حيِّزِ الاستفهام وكلُّ ما سَوَّغ الابتداءَ بالنكرةِ سَوَّغ انتصابَ الحال عنها. ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل. قوله: ﴿بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾ «بعض» على بابِها، وإنما قال ذلك ليهضِمَ موسى ﵇ بعضَ حقه في ظاهرِ الكلام، فيُرِيَهم أنه ليس بكلامِ مَنْ أعطاه حقه وافياً فَضْلاً أَنْ يتعصَّبَ له، قاله الزمخشري. وهذا أَحسنُ مِنْ قولِ غيرِه: إنَّها بمعنى كل، وأنشدوا قولَ لبيد: ٣٩٢٦ - تَرَّاكُ أَمْكنةٍ إذا لم يَرْضَها ... أو يَرْتَبِطْ بعضُ النفوسِ حِمامُها وأنشدوا قولَ عمرو بن شُيَيْم: ٣٩٢٧ - قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه ... وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ وقول الآخر: ٣٩٢٨ - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها ... دون الشيوخِ ترى في بعضِها خَلَلا

стр. 8475

ولا أدري كيف فَهِموا الكلَّ من البيتين الأخيرين؟ وأَمَّا الأولُ ففيه بعضُ دليلٍ؛ لأنَّ الموتَ يأتي على الكلِّ. ولَمَّا حكى هذا الزمخشريُّ عن أبي عبيدة، وأنشد عنه بيتَ لبيدٍ قال: «إن صَحَّتِ الروايةُ عنه فقد حَقَّ فيه قولُ المازني في مسألة العَلْقى:» كان أَجْفَى مِنْ أن يفقهَ ما أقولُ له «. قلتُ: ومسألةُ المازني معه أنَّ أبا عبيدةَ قال للمازني: «ما أكذبَ النحويين!! يقولون: هاءُ التأنيثِ لا تدخل على ألفِ التأنيثِ وأن الألفَ في» عَلْقَى «مُلْحقة. قال: فقلت له: وما أنكرْتَ من ذلك؟ فقال: سَمِعْتُ رؤبةَ يُنْشِد: ٣٩٢٩ - يَنْحَطُّ في عَلْقَى وفي مُكُوْرِ ... فلم يُنَوِّنْها. فقلتُ: ما واحدُ عَلْقى؟ قال: عَلْقاةٌ. قال المازني: فامتنعْتُ ولم أُفَسِّرْ له لأنه كان أَغْلظَ مِنْ أَنْ يفهمَ مثلَ هذا» قلت: وإنما استغلظَه المازنيُّ؛ لأنَّ الألفَ التي للإِلحاق تَدْخُل عليها تاءُ التأنيثِ دالةً على الوَحْدة فيقال: أَرْطى وأَرْطاة، وإنما الممتنعُ دخولُها على ألفِ التأنيثِ نحو: دَعْوى وصَرْعى. وأمَّا عدمُ تنوين «عَلْقَى» فلأنَّه سَمَّى بها شيئاً بعينِه [
следующие страницы →