← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

قوله: ﴿عُذْتُ﴾ : أدغم أبو عمروٍ والأخَوان، وأظهروا الذال مع التاء، والباقون بالإِظهار فقط. و «لا يُؤْمِنُ» صفةٌ لمتكبِّر.

стр. 8472

قوله: ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : يُحتمل أَنْ يكونَ متعلِّقاً ب «يَكْتُمُ» بعده أي: يكتمه مِنْ آلِ فرعون. والثاني: - وهو الظاهرُ - أنَّه متعلق بمحذوفٍ صفةً لرجل. وجاء هنا على أحسنِ ترتيبٍ: حيث قَدَّمَ المفردَ ثم

стр. 8473

ما يَقْرُبُ منه وهو حرفُ الجرِّ، ثم الجملةَ. وقد تقدم إيضاحُ هذه المسألةِ في المائدةِ وغيرِها. ويترتَّبُ على الوجهين: هل كان هذا الرجلُ مِنْ قَرابَةِ فرعونَ؟ فعلى الأولِ لا دليلَ فيه، وعلى الثاني فيه دليلٌ. وقد رَدَّ بعضُهم الأولَ: بأنه لا يُقال: كَتَمْتُ مِنْ فلانٍ كذا، إنما يقال: كَتَمْتُ فلاناً كذا، فيتعدَّى لاثنين بنفسِه. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤٢] . وقال الشاعر: ٣٩٢٥ - كَتَمْتُكَ هَمَّاً بالجَمومَيْنِ ساهِراً ... وهَمَّيْن هَمَّاً مُسْتَكِنَّاً وظاهراً أحاديثَ نَفْسٍ تشتكي ما برَبِّها ... ووِرْدَ هُمومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا أي: كتمتُك أحاديثَ نفسٍ وهَمَّيْن، فقدَّم المعطوفَ على المعطوفِ عليه، ومحلُّه الشعرُ. قوله: ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي: كراهةَ أَنْ يقولَ أو لأَنْ يقولَ. والعامَّةُ على ضَمِّ عين «رَجُل» وهي الفصحى. والأعمش وعبد الوارث على تسكينها، وهي لغةُ تميمٍ ونجد. وقال الزمخشري: «ولك أَنْ تُقَدِّرَ مضافاً محذوفاً أي: وقت أَنْ يقولَ. والمعنى: أتقتلونه ساعةَ سَمِعْتم منه هذا القولَ من غير رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ» . وهذا الذي أجازه رَدَّه الشيخ: بأنَّ تقديرَ هذا الوقتِ لا يجوزُ إلاَّ مع

стр. 8474

المصدرِ المُصَرَّحِ به تقول: جِئْتُكَ صياحَ الدِّيْكِ أي: وقتَ صِياحِه، ولو قلت: أجيْئُك أنْ صاحَ الديكُ، أو أَنْ يصيحَ، لم يَصِحَّ. نصَّ عليه النحويون. قوله: «وقد جاءَكم» جملةٌ حالية يجوز أَنْ تكونَ من المفعول. فإنْ قيلَ: هو نكرةٌ. / فالجوابُ: أنه في حيِّزِ الاستفهام وكلُّ ما سَوَّغ الابتداءَ بالنكرةِ سَوَّغ انتصابَ الحال عنها. ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل. قوله: ﴿بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾ «بعض» على بابِها، وإنما قال ذلك ليهضِمَ موسى ﵇ بعضَ حقه في ظاهرِ الكلام، فيُرِيَهم أنه ليس بكلامِ مَنْ أعطاه حقه وافياً فَضْلاً أَنْ يتعصَّبَ له، قاله الزمخشري. وهذا أَحسنُ مِنْ قولِ غيرِه: إنَّها بمعنى كل، وأنشدوا قولَ لبيد: ٣٩٢٦ - تَرَّاكُ أَمْكنةٍ إذا لم يَرْضَها ... أو يَرْتَبِطْ بعضُ النفوسِ حِمامُها وأنشدوا قولَ عمرو بن شُيَيْم: ٣٩٢٧ - قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه ... وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ وقول الآخر: ٣٩٢٨ - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها ... دون الشيوخِ ترى في بعضِها خَلَلا

стр. 8475

ولا أدري كيف فَهِموا الكلَّ من البيتين الأخيرين؟ وأَمَّا الأولُ ففيه بعضُ دليلٍ؛ لأنَّ الموتَ يأتي على الكلِّ. ولَمَّا حكى هذا الزمخشريُّ عن أبي عبيدة، وأنشد عنه بيتَ لبيدٍ قال: «إن صَحَّتِ الروايةُ عنه فقد حَقَّ فيه قولُ المازني في مسألة العَلْقى:» كان أَجْفَى مِنْ أن يفقهَ ما أقولُ له «. قلتُ: ومسألةُ المازني معه أنَّ أبا عبيدةَ قال للمازني: «ما أكذبَ النحويين!! يقولون: هاءُ التأنيثِ لا تدخل على ألفِ التأنيثِ وأن الألفَ في» عَلْقَى «مُلْحقة. قال: فقلت له: وما أنكرْتَ من ذلك؟ فقال: سَمِعْتُ رؤبةَ يُنْشِد: ٣٩٢٩ - يَنْحَطُّ في عَلْقَى وفي مُكُوْرِ ... فلم يُنَوِّنْها. فقلتُ: ما واحدُ عَلْقى؟ قال: عَلْقاةٌ. قال المازني: فامتنعْتُ ولم أُفَسِّرْ له لأنه كان أَغْلظَ مِنْ أَنْ يفهمَ مثلَ هذا» قلت: وإنما استغلظَه المازنيُّ؛ لأنَّ الألفَ التي للإِلحاق تَدْخُل عليها تاءُ التأنيثِ دالةً على الوَحْدة فيقال: أَرْطى وأَرْطاة، وإنما الممتنعُ دخولُها على ألفِ التأنيثِ نحو: دَعْوى وصَرْعى. وأمَّا عدمُ تنوين «عَلْقَى» فلأنَّه سَمَّى بها شيئاً بعينِه [

стр. 8476

وألفُ الإِلحاقِ المقصورةُ حالَ العلميَّة تَجْري مَجْرى تاءِ التأنيث فيمتنعُ الاسمُ الذي هي فيه، كما تمتنعُ فاطمة. وتَنْصَرِفُ قائمة] .

стр. 8477

قوله: ﴿ظَاهِرِينَ﴾ : حالٌ من الضميرِ في «لكم» ، والعاملُ فيها وفي «اليومَ» ما تَعَلَّقَ به «لكم» . قوله: «ما أُرِيْكُمْ» هي مِنْ رؤيةِ الاعتقادِ، فتتعدَّى لمفعولَيْن، ثانيهما ﴿إِلاَّ مَآ أرى﴾ . قوله: «الرَّشادِ» العامَّةُ على تخفيفِ الشينِ مصدرَ رشَدَ يَرْشُدُ. وقرأ معاذ بن جبل بتشديدِها، وخَرَّجها أبو الفتح وغيرُه على أنه صفةُ مبالغةٍ نحو: ضَرَب فهو ضرَّاب، وقد قال النحاس: «هو لحنٌ، وتَوَهَّمه من الرباعي» يعني أَرْشد. ورُدَّ على النحاس قولُه: بأنه يُحْتمل أَنْ يكونَ مِنْ رَشَدَ الثلاثي، وهو الظاهرُ. وقد جاء فَعَّال أيضاً مِنْ أَفْعَل وإنْ كان لا يَنْقاسُ. قالوا: أَدْرَك فهو دَرَّاك وأَجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَر فهو قَصَّار، وأَسْأَر فهو سَآَّر، ويَدُلُّ على أنه صفةُ مبالغةٍ أنَّ معاذاً كان يُفَسِّرها بسبيل الله. قال ابنُ عطية: «ويَبْعُدُ عندي على معاذ ﵁ وهل كان فرعونُ يَدَّعي إلاَّ الإِلهيَّة؟ ويَقْلَقُ بناءُ اللفظِ على هذا التركيبِ» . قلت: يعني

стр. 8478

ابنُ عطية أنه كيف يقول فرعونُ ذلك، فيُقِرُّ بأنَّ ثَمَّ مَنْ يهدي إلى الرشادِ غيرُه، مع أنه يَدَّعي أنه إلهٌ؟ وهذا الذي عَزاه ابنُ عطية والزمخشري وابن جُبارة صاحب «الكامل» إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس في «الرشاد» الذي هو في كلامِ فرعونَ كما توهَّموا، وإنما هو في «الرشاد» الثاني الذي مِنْ قول المؤمنِ بعد ذلك. ويَدُلُّ على ذلك ما قاله أبو الفضل الرازي في كتابه «اللوامح» : «معاذ بن جبل» سبيل الرشاد «، الحرف الثاني بالتشديد، وكذلك الحسنُ، وهو سبيلُ اللَّهِ تعالى الذي أوضحه لعبادِه، كذلك فسَّره معاذ، وهو منقولٌ مِنْ مُرْشِد كدَرَّاك مِنْ مُدْرِك وجَبَّار مِنْ مُجْبر، وقَصَّار مِنْ مُقْصِر عن الأمر، ولها نظائرُ معدودةٌ. فأمَّا» قَصَّار الثوب «مِنْ قَصَر الثوبَ قِصارةً» فعلى هذا يزولُ إشكالُ ابنِ عطية المتقدمُ، وتتضح القراءةُ والتفسيرُ. وقال أبو البقاء: «وهو الذي يَكْثُر منه الإِرشادُ أو الرُّشْدُ» يعني يُحْتمل أنه مِنْ أرشدَ الرباعيِّ أو رَشَد الثلاثي. والأَوْلَى أَنْ يكونَ من الثلاثيِّ لِما عَرَفْتَ أنه يَنْقاسُ دونَ الأول.

стр. 8479

قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ : «مثل» يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، وأَنْ يكون عطفَ بيانٍ.

стр. 8480

قوله: ﴿يَوْمَ التناد﴾ : قد تقدَّم الخلافُ/ في يائِه:

стр. 8481

كيف تُحذف وتُثْبَت؟ وهو مصدرُ «تَنادَى» نحو: تقاتَلَ تقاتُلاً. والأصلُ: تَنادُياً بضم الدالِ ولكنهم كسروها لتصِحَّ الياءُ. وقرأت طائفةٌ بسكون الدالِ إجراءً للوصل مُجْرى الوقفِ. وتنادَى القومُ أي: نادى بعضُهم بعضاً. قال: ٣٩٣٠ - تنادَوْا فقالوا أَرْدَتِ الخيلُ فارساً ... فقُلْنا: عُبَيْدُ الله ذلكمُ الرَّدِي وقال آخر: ٣٩٣١ - تنادَوْا بالرحيلِ غَداً ... وفي تَرْحالِهم نَفْسي وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدِها، مصدرُ «تَنادَّ» مِنْ نَدَّ البعيرُ إذا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآية. وفي الحديث: «إن للناسِ جَوْلةً يندُّون، يظنُّون أنهم يَجِدُون مهرباً» وقال أمية بن أبي الصلت: ٣٩٣٢ - وبَثَّ الخَلْقَ فيها إذ دَحاها ... فهُمْ سُكَّانُها حتى التنادي

стр. 8482

قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من «يوم التَّناد» ، وأن يكونَ منصوباً بإضمارِ أعني. ولا يجوزُ أَنْ يُعْطَفَ عطفَ بيان لأنه نكرةٌ، وما قبله معرفةٌ. وقد تقدَّم لك في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أنَّ الزمخشريَّ جعله بياناً مع تخالُفِهما تعريفاً وتنكيراً، وهو عكسُ ما نحن فيه، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرةٌ، والأولُ معرفةٌ. قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوزُ في «مِنْ عاصِمٍ» أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ لاعتمادِه على النفي، وأَنْ يكون مبتدأ، و «مِنْ» مزيدةٌ على كلا التقديرَيْن. و «من الله» متعلقٌ ب «عاصِم» .

стр. 8483

قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ : غايةٌ لقولِه: «فما زِلْتُمْ» . وقُرئ ﴿ألَن يَبْعَثَ الله﴾ بإدخالِ همزةِ التقرير، يُقرِّر بعضُهم بعضاً. قوله: «كذلك» أي: الأمر كذلك. «ويُضِلُّ الله» مستأنفٌ أو نعتُ مصدرٍ أي: مثلَ إضلالِ اللَّهِ إياكم - حين لم يَقْبَلوا مِنْ يوسفَ ﵇ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هو مُسْرِفٌ.

стр. 8484

قوله: ﴿الذين يُجَادِلُونَ﴾ يجوز فيه عشرةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ قولِه: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ وإنما جُمِع اعتباراً بمعنى «مَنْ» . الثاني: أَنْ يكونَ بياناً له. الثالث: أَنْ يكونَ صفةً له. وجُمِع على معنى «مَنْ» أيضاً. الرابع: أَنْ ينتصِبَ بإضمار أعني. الخامس: أَنْ يرتفعَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هم الذين. السادس: أَنْ يرتفعَ مبتدأً، خبرُه «يَطْبَعُ اللَّهُ» . و «كذلك» خبرُ مبتدأ مضمرٍ أيضاً، أي: الأمرُ كذلك. والعائدُ من الجملةِ وهي «يَطْبَعُ» على

стр. 8485

المبتدأ محذوفٌ، أي: على كلِّ قلبِ متكبِّرٍ منهم. السابع: أنْ يكونَ مبتدأً، والخبر «كَبُرَ مَقْتاً» ، ولكنْ لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضاف ليعودَ الضميرُ مِنْ «كَبُرَ» عليه. والتقديرُ: حالُ الذين يُجادلون كَبُرَ مَقتاً ويكون «مَقْتاً» تمييزاً، وهو مَنْقولٌ مِنَ الفاعليةِ إذ التقديرُ: كَبُرَ مَقْتُ حالِهم أي: حالِ المجادلين. الثامن: أَنْ يكونَ «الذين» مبتدأً أيضاً، ولكن لا يُقَدَّرُ حَذْفُ مضافٍ، ويكونُ فاعلُ «كَبُرَ» ضميراً عائداً على جدالِهم المفهومِ من قوله: «ما يُجادِلُ» . والتقدير: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتاً. و «مَقْتاً» على ما تقدَّمَ أي: كَبُرَ مَقْتُ جدالِهم. التاسع: أَنْ يكونَ «الذين» مبتدأً أيضاً، والخبرُ ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ . قاله الزمخشري: ورَدَّه الشيخ: بأنَّ فيه تفكيكَ الكلامِ بعضِه من بعضٍ؛ لأنَّ الظاهرَ تعلُّقُ «بغير سُلْطان» ب «يُجادلون» ، ولا يُتَعَقَّلُ جَعْلُه خبراً ل الذين لأنه جارٌّ ومجرورٌ، فيصيرُ التقديرُ: الذين يُجادلون كائنون أو مستقرون بغيرِ سلطان، أي: في غير سلطان؛ لأنَّ الباءَ إذ ذاك ظرفيةٌ خبرٌ عن الجُثَث. العاشر: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ أي: مُعانِدون ونحوه، قاله أبو البقاء. قوله: «كَبُرَ مَقْتاً» يُحْتمل أَنْ يُرادَ به التعجبُ والاستعظامُ، وأَنْ يُرادَ به الذمُّ كبِئْس؛ وذلك أنه يجوزُ أَنْ يُبْنَى فَعُل بضمِّ العَيْن مِمَّا يجوزُ التعجُّبُ منه، ويَجْري مَجْرى نِعْم وبئس في جميعِ الأحكامِ. وفي فاعلِه ستةُ أوجهٍ، الأول: أنه ضميرٌ عائدٌ على حالِ المضافِ إلى الذين، كما تقدَّم تقريرُه. / الثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهوم مِنْ «يُجادلون» كما تقدَّم أيضاً. الثالث: أنه الكافُ في «كذلك» . قال الزمخشري: «وفاعلُ» كَبُرَ «قولُه:» كذلك «أي:

стр. 8486

كَبُرَ مَقْتاً مثلُ ذلك الجدالِ، ويَطْبع اللَّهُ كلامٌ مستأنفٌ» ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ فيه تَفْكيكاً للكلامِ وارتكابَ مذهبٍ ليس بصحيحٍ. أمَّا التفكيكُ فلأنَّ ما جاء في القرآن مِنْ «كذلك نَطْبَعُ» أو «يَطْبع» إنما جاء مربوطاً بعضُه ببعض فكذلك هذا، وأمَّا ارتكابُ مذهبٍ غيرِ صحيح فإنه جَعَل الكافَ اسماً ولا تكونُ اسماً إلاَّ في ضرورةٍ، خلافاً للأخفش. الرابع: أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، نقله الزمخشري. قال: «ومَنْ قال: كَبُرَ مَقْتاً عند الله جِدالُهم، فقد حَذَفَ الفاعلَ، والفاعلُ لا يصِحُّ حَذْفُه» . قلت: القائلُ بذلك الحوفيُّ، لكنه لا يريدُ بذلك تفسيرَ الإِعراب، إنما يريدُ به تفسيرَ المعنى، وهو معنى ما قَدَّمْتُه مِنْ أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهومِ مِنْ فعلِه، فصَرَّح الحوفيُّ بالأصلِ، وهو الاسمُ الظاهرُ، ومرادُه ضميرٌ يعودُ عليه. الخامس: أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على ما بعدَه، وهو التمييزُ نحو: «نِعْمَ رَجُلاً زيدٌ» ، و «بئس غلاماً عمروٌ» . السادس: أنه ضميرٌ يعودُ على «مَنْ» مِنْ قولِه: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ . وأعاد الضميرَ مِنْ «كَبُرَ» مفرداً اعتباراً بلفظِها، وحينئذٍ يكونُ قد راعَى لفظَ «مَنْ» أولاً في ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ، ثم معناها ثانياً في قوله: ﴿الذين يُجَادِلُونَ﴾ إلى آخره، ثم لفظَها ثالثاً في قوله: «كَبُر» . وهذا كلُّه إذا أَعْرَبْتَ «الذين» تابعاً لمَنْ هو مُسْرِفٌ نعتاً أو بياناً أو بدلاً. وقد عَرَفْتَ أن الجملةَ مِنْ قولِه: «كَبُرَ مَقْتاً» فيها وجهان، أحدهما: الرفعُ إذا جَعلْناها خبراً لمبتدأ. والثاني: أنها لا محلَّ لها إذا لم تجْعَلْها خبراً. بل هي

стр. 8487

جملةٌ استِئْنافية. وقوله: «عندَ الله» متعلقٌ ب «كَبُرَ» ، وكذلك قد تقدَّم أنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، وأنْ يكونَ فاعلاً وهما ضعيفان. والثالث - وهو الصحيحُ - أنه معمولٌ ل «يَطْبَعُ» أي: مثلَ ذلك الطَّبْعِ يطبعُ اللَّهُ. و «يطبعُ اللَّهُ» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مستأنفٌ. والثاني: أنه خبرٌ للموصولِ، كما تقدَّم تقريرُ ذلك كلِّه. قوله: «قَلْبِ متكبِّرٍ» قرأ أبو عمروٍ وابن ذكوان بتنوين «قلب» ، وَصَفا القلبَ بالتكبُّر والجَبَروتِ؛ لأنهما ناشئان منه، وإنْ كان المرادُ الجملةَ، كما وُصِف بالإِثمِ في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعدَه أي: على كلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبِّرٍ. وقد قَدَّرَ الزمخشريُّ مضافاً في القراءةِ الأولى أي: على كلِّ ذي قلب متكبر، تجعلُ الصفةَ لصاحبِ القلب. قال الشيخ: «ولا ضرورةَ تَدْعو إلى اعتقادِ الحذفِ» . قلت: بل ثَمَّ ضرورةٌ إلى ذلك وهو توافُقُ القراءَتَيْن، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في القراءتَيْن واحداً، وهو صاحبُ القلب، بخلافِ عَدَم التقديرِ، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في إحداهما القلبَ وفي الأخرى صاحبَه.

стр. 8488

قوله: ﴿أَسْبَابَ السماوات﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه تابعٌ للأسبابِ قبله بدلاً أو عطفَ بيان. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَعْني، والأولُ أَوْلَى؛ إذ الأصلُ عدمُ الإِضمارِ.

стр. 8489

قوله: «فَأَطَّلِعَ» العامَّةُ على رفعِه عَطْفاً على «أَبْلُغُ» فهو داخِلٌ في حَيِّزِ الترجِّي. وقرأ حفصٌ في آخرين بنصبِه. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه جوابُ الأمرِ في قولِه: «ابْنِ لي» فنُصِبَ بأَنْ مضمرةً بعد الفاءِ في جوابِه على قاعدة البصريين كقولِه: ٣٩٣٣ - يا ناقُ سِيْري عَنَقاً فَسِيحا ... إلى سليمانَ فَنَسْتريحا/ وهذا أَوْفَقُ لمذهب البصريين. الثاني: أنه منصوبٌ. قال الشيخ: «عَطْفاً على التوهُّمِ لأنَّ خبر» لعلَّ «كثيراً جاء مَقْروناً ب» أن «، كثيراً في النظمِ وقليلاً في النثر. فمَنْ نَصَبَ تَوَهَّم أنَّ الفعلَ المرفوعَ الواقعَ خبراً منصوبٌ ب» أنْ «، والعطفُ على التوهُّمِ كثيرٌ، وإنْ كان لا ينقاسُ» انتهى. الثالث: أن يَنْتَصِبَ على جوابِ الترجِّي في «لعلَّ» ، وهو مذهبٌ كوفي استشهد أصحابُه بهذه القراءةِ وبقراءة عاصم ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ﴾ [عبس: ٣-٤] بنصب «فتنفَعَه» جواباً لِقوله: «لعلَّه» . وإلى هذا نحا الزمخشري قال: «تشبيهاً للترجِّي بالتمني» والبصريُّون يأبَوْن ذلك، ويُخَرِّجُون القراءتَيْنِ على ما تقدَّم.

стр. 8490

وفي سورة عبس يجوز أن [يكون] جواباً للاستفهام في قولِه: «وما يُدْريك» فإنه مترتبٌ عليه معنىً. وقال ابن عطية وابن جُبارة الهُذلي: «على جواب التمني» وفيه نظرٌ؛ إذ ليس في اللفظِ تَمَنٍّ، إنَّما فيه تَرَجٍّ. وقد فَرَّقَ الناسُ بين التمني والترجِّي: بأنَّ الترجِّيَ لا يكونُ إلاَّ في الممكنِ عكسَ التمني، فإنه يكونُ فيه وفي المستحيلِ كقولِه: ٣٩٣٤ - لَيْتَ الشبابَ هو الرَّجيعُ على الفتى ... والشيبُ كان هو البَدِئُ الأولُ وقُرِئ «زَيَّنَ لفرعونَ» مبنياً للفاعلِ وهو الشيطانُ. وتقدَّم الخلافُ في ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ في الرعد فمَنْ بناه للفاعلِ حَذَفَ المفعولَ أي: صَدَّ قومَه عن السبيلِ. وابنُ وثَّاب «وصِدَّ» بكسرِ الصادِ، كأنه نَقَل حركةَ الدالِ الأولى إلى فاءِ الكلمة بعد توهُّمِ سَلْبِ حركتِها. وقد تقدَّم ذلك في نحو «رِدَّ» وأنه يجوزُ فيه ثلاثُ اللغاتِ الجائزةِ في قيل وبِيع. وابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة «وصَدٌّ» بفتح الصادِ ورفع الدالِ منونةً جعله مصدراً منسوقاً على «سوءُ عملِه» أي: زَيَّن له الشيطانُ سوءَ العملِ والصدَّ. والتَّباب: الخَسارُ. وقد تقدَّم ذلك في قوله: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] . وتقدَّم الخِلافُ أيضاً في

стр. 8491

قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الجنة﴾ في سورة النساء [الآية: ٤٠] .

стр. 8492

قوله: ﴿وياقوم﴾ : قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ولِمَ جاء بالواوِ في النداء الثالثِ دونَ الثاني؟ قلت: لأنَّ الثاني داخلٌ في كلامٍ هو بيانٌ للمُجْمَلِ وتفسيرٌ له، فأُعْطِي الداخلُ عليه حكمَه في امتناعِ دخولِ الواو. وأما الثالثُ فداخِلٌ على كلامٍ ليس بتلك المَثابةِ» . قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجملةُ مستأنفةٌ أخبر عنهم بذلك بعد استفهامِه عن دعاءِ نفسِه. ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وما لكم تَدْعُونني إلى النارِ، وهو الظاهرُ. ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً أي: ما لكم أدعوكم إلى النجاةِ حالَ دعائِكم إياي إلى النار؟

стр. 8493

قوله: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ : هذه الجملةٌ بدلٌ مِنْ «تَدْعونني» الأولى على جهةِ البيان لها، وأتى في قولِه «تَدْعُونني» بجملةٍ فعليةٍ ليدُلَّ على أنَّ دعوتَهم باطلةٌ لا ثبوتَ لها، وفي قوله: «وأنا أَدْعوكم» بجملة اسميةٍ ليدُلَّ على ثبوتِ دعوتِه وتقويتِها. وقد تقدَّم الخلافُ في ﴿لاَ جَرَمَ﴾ [غافر: ٤٣] . وقال الزمخشري هنا: ورُوي عن العرب «لا جُرْمَ أنه يفعل كذا» بضم الجيم وسكونِ الراء بمعنى لا بُدَّ، وفُعْل وفَعَل أخَوان كرُشْد ورَشَد وعُدْم وعَدَم «.

стр. 8494

قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ : هذه مستأنفةٌ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعل «أَقول» .

стр. 8495

قوله: ﴿النار﴾ : الجمهورُ على رفعِها. وفيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ «سوءُ العذاب» . الثاني: أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو أي سوءُ العذابِ النارُ؛ لأنه جوابٌ لسؤالٍ مقدرٍ و «يُعْرَضُون» على هذين الوجهين: يجوز أَنْ يكون حالاً من «النار» ويجوز أن يكونَ حالاً من «آل فرعون» . الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه «يُعْرَضون» . وقُرئ «النارَ» منصوباً. وفيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره «يُعْرَضون» من حيث المعنى أي: يَصْلَوْن النارَ يُعْرَضون عليها، كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: ٣١] . والثاني: أَنْ ينتصبَ على الاختصاص. قاله الزمخشري، فعلى الأولِ لا مَحَلَّ ل «يُعْرَضُون» لكونِه مفسِّراً، وعلى الثاني هو حالٌ كما تقدَّمَ. قوله: «ويومَ تقومُ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرها: أنه معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، وذلك القولُ المضمرُ محكيٌّ به الجملةُ الأمريَّةُ من قوله «أدخِلوا» والتقدير: ويُقال له/ يومَ تقومُ الساعةُ: أدْخِلوا. الثاني: أنه منصوبٌ بأَدخِلوا أي: أدْخِلوا يومَ تقومُ. وعلى هذين الوجهين فالوقفُ تامٌّ على قوله «وعَشِيَّاً» . والثالث: أنه معطوفٌ على الظرفَيْن قبلَه، فيكونُ معمولاً ل «يُعْرَضُون» . فالوقفُ على هذا على قولِه «الساعة» و «أَدْخِلوا» معمولٌ لقولٍ مضمرٍ أي: يُقال لهم كذا وكذا.

стр. 8496

وقرأ الكسائي وحمزة ونافع وحفص «أدْخِلُوا» بقطع الهمزةِ أمراً مِنْ أَدْخَلَ، فآلَ فرعون مفعولٌ أولُ، و «أشدَّ العذاب» مفعولٌ ثانٍ. والباقون «ادْخُلوا» بهمزةِ وصلٍ مِنْ دَخَلَ يَدْخُلُ. فآلَ فرعونَ منادى حُذِف حرفُ النداءِ منه، و «أشدَّ» منصوبٌ به: إمَّا ظرفاً، وإمّا مفعولاً به، أي: ادخلوا يا آل فرعونَ في أشدِّ العذاب.

стр. 8497

قوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ : في العاملِ في «إذ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على «غُدُوَّاً» فيكونُ معمولاً ل «يُعْرَضون» أي: يُعْرَضُونَ على النار في هذه الأوقاتِ كلِّها، قاله أبو البقاء. والثاني: أنه معطوفٌ على قولِه ﴿إِذِ القلوب لَدَى الحناجر﴾ [غافر: ١٨] قاله الطبري. وفيه نظرٌ لبُعْدِ ما بينهما، ولأنَّ الظاهرَ عَوْدُ الضميرِ مِنْ «يَتَحاجُّون» على آل فرعون. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمارِ «اذْكُرْ» وهو واضحٌ. قوله: «تَبَعاً» فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه اسمُ جمعٍ لتابعٍ، ونحوه: خادِم وخَدَم، وغائِب، وغَيَبَ، وأَديم وأَدَم. والثاني: أنه مصدرٌ واقع موقعَ اسمِ الفاعلِ أي: تابِعين. والثالث: أنه مصدرٌ أيضاً، ولكنْ على حَذْفِ مضاف أي: ذوي تَبَع. قوله: «نصيباً» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ ينتصبَ بفعلٍ مقدرٍ يَدُلُّ عليه

стр. 8498

قولُه «مُغْنُون» تقديرُه: «هل أنتم دافِعون عنا نصيباً. الثاني: أَنْ يُضمَّنَ» مُغْنون «معنى حامِلين. الثالث: أَنْ ينتصبَ على المصدرِ. قال أبو البقاء:» كما كان «شيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قولِه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: ١١٦] ف «شيْئاً» في موضعِ غَناء، فكذلك «نصيباً» . و «من النار» صفةٌ ل «نَصيباً» .

стр. 8499

قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ﴾ : العامَّةُ على رفع «كلٌ» ، ورفعُه على الابتداء و «فيها» خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّ» ، وهذا كقولِه في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلُّهُ للَّهِ﴾ في قراءة أبي عمروٍ. وقرأ ابن السَّمَيْفع وعيسى بن عمر بالنصب وفيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ تأكيداً لاسم «إنَّ» . قال الزمخشري: «توكيدٌ لاسم إنَّ، وهو معرفةٌ. والتنوينٌ عوضٌ من المضافِ إليه، يريد: إنَّا كلَّنا فيها» انتهى. يعني فيكون «فيها» هو الخبر. وإلى كونِه تأكيداً ذهب ابنُ عطية أيضاً. وقد رَدَّ ابن مالكٍ هذا المذهبَ فقال في «تسهيله» : «ولا يُستغنى بنية إضافتِه خلافاً للزمخشري» : قلت: وليس هذا مذهباً للزمخشري وحدَه بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً. الثاني: أَنْ تكونَ

стр. 8500

منصوبةً على الحال، قال ابن مالك: «والقولُ المَرْضِيُّ عندي أنَّ» كلاً «في القراءة المذكورة منصوبةٌ على الحال من الضمير المرفوع في» فيها «، و» فيها «هو العاملُ وقد قُدِّمَتْ عليه مع عَدَمِ تصرُّفه، كما قُدِّمَتْ في قراءةِ مَنْ قرأ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ . وكقولِ النابغة: ٣٩٣٥ - رَهْطُ ابنِ كُوْزٍ مُحقِبيْ أَدْراعِهم ... فيهمْ ورَهْطُ ربيعةَ بنِ حُذار وقول بعض الطائيين: ٣٩٣٦ - دعا فَأَجَبْنَا وَهْو بادِيَ ذلَّةٍ ... لديكمْ وكان النصرُ غيرَ بعيدِ يعني بنصب» باديَ «وهذا هو مذهبُ الأخفش، إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ مَنَعَ مِنْ ذلك قال:» فإنْ قلتَ: هل يجوزُ أَنْ يكونَ «كلاًّ» حالاً قد عَمِل فيه «فيها» ؟ قلت: لا؛ لأنَّ الظرفَ لا يعملُ في الحال متقدمةً كما يعملُ في الظرفِ متقدِّماً. تقول: كلَّ يوم لك ثوبٌ. ولا تقول: قائماً في الدار زيد «. قال الشيخ:» وهذا الذي منعه أجازه الأخفشُ إذا توسَّطَتِ الحالُ نحو: «زيدٌ قائماً

стр. 8501

في الدار» و «زيدٌ قائماً عندك» ، والمثالُ الذي ذكره ليس مطابقاً لِما في الآية؛ لأنَّ الآيةَ تَقَدَّمَ فيها المسندُ إليه الحكمُ وهو اسمُ إنَّ، وتوسَّطَتِ الحالُ إذا قلنا إنها حالٌ، وتأخَّر العاملُ فيها. وأمَّا تمثيلُه بقولِه: ولا تقولُ: «قائماً في الدار زيد» ، فقد تأخَّر فيه المسندُ والمسندُ إليه. وقد ذكر بعضُهم أنَّ المنعَ في ذلك إجْماعٌ من النحاة «. قلت: الزمخشريُّ مَنْعُه صحيحٌ لأنه ماشٍ على مذهبِ الجمهور، وأمَّا تمثيلُه بما ذَكَر فلا يَضُرُّه لأنه في محلِّ المَنْعِ، فعدمُ تجويزِه صحيحٌ. الثالث أنَّ» كلاً «بدلٌ مِنْ» ن «في» إنَّا «، لأَنَّ» كلاً «قد وَلِيَتْ العوامِل/ فكأنه قيل: إنَّ كلاً فيها. وإذا كانوا قد تأوَّلوا قولَه: ٢٩٣٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حَوْلاً أَكْتعاً ... [وقوله:] . ٢٩٣٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحَوْلاً أَجْمعا ... على البدلِ مع عدم تصرُّفِ أكتع وأَجْمع فلأَنْ يجوزَ ذلك في «كل» أَوْلَى

стр. 8502

وأَحْرى. وأيضاً فإنَّ المشهورَ تعريفُ «كل» حالَ قَطْعها. حُكي في الكثير الفاشي: «مررتُ بكلٍ قائماً وببعض جالساً» ، وعزاه بعضُهم لسيبويه. وتنكيرُ «كل» ونصبها حالاً في غايةِ الشذوذ نحو: «مررت بهم كلاً» أي: جميعاً. فإن قيل: فيه بدلُ الكل من الكل في ضمير الحاضر، وهو لا يجوز. أجيب بوجهين، أحدهما: أن الكوفيين والأخفشَ يَرَوْن ذلك، وأنشدوا قولَه: ٣٩٣٩ - أنا سيفُ العشيرةِ فاعْرِفوني ... حُمَيْداً قد تَذَّرَّيْتُ السَّناما فحُميداً بدل من ياء «اعرِفوني» ، وقد تأوَّلَه البصريون على نصبه على الاختصاص. والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محلَّ الخلافِ لأنه دالٌّ على الإِحاطة والشمول. وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاًّ على ذلك جاز، وأنشدوا: ٣٩٤٠ - فما بَرِحَتْ أقدامنا في مكانِنا ... ثلاثتِنا حتى أُزِيْرُوا المنَائيا ومثلُه قولُه تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] ، قالوا «ثلاثتنا» بدلٌ من «ن» في «مكاننا» لدلالتِها على الإِحاطة، وكذلك «لأوَّلنا وآخِرنا» بدلٌ من «ن» في «لنا» ، فلأَنْ يجوزَ ذلك في «كل» التي هي أصلٌ في الشمولِ والإِحاطة بطريق الأَوْلَى. هذا كلامُ الشيخِ في الوجه الثالث وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المبردَ

стр. 8503

ومكيَّاً نَصَّاً على أن البدلَ في هذه الآيةِ لا يجوزُ، فكيف يُدَّعَى أنه لا خِلافَ في البدلِ والحالةُ هذه؟ لا يُقال: إنَّ في الآية قولاً رابعاً: وهو أنَّ «كلاً» نعتٌ لاسم «إنَّ» وقد صَرَّح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعتٌ لاسمِ «إنَّ» لأنَّ الكوفيين يُطْلقون اسمَ النعتِ على التأكيدِ، ولا يريدون حقيقةَ النعتِ. وممن نَصَّ على ما قلتُه من التأويلِ المذكورِ مكيٌّ رحمه الله تعالى، ولأنَّ الكسائيَّ إنما جَوَّز نعتَ ضميرِ الغائبِ فقط دونَ المتكلمِ والمخاطبِ.

стр. 8504

قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ : في «يوماً» وجهان، أحدهما: أنه ظرفٌ ل «يُخَفِّفْ» . ومفعولُ «يُخَفِّفْ» محذوفٌ أي: يُخَفِّف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدةً، فيكون «العذاب» هو المفعولَ، أي: يُخَفف عنا في يوم العذاب. الثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً به، واليوم لا يُخَفَّف، وإنما يُخَفَّفُ مظروفُه فالتقديرُ: يُخَفِّف عذابَ يومٍ. وهو قَلِقٌ لقولِه «من العذاب» ، والقولُ بأنَّه صفةٌ مؤكِّدةٌ كالحالِ أقلقُ منه. والظاهرُ أنَّ «مِن العذاب» هو المفعولُ ل «يُخَفِّف» ، و «مِنْ» تبعيضيَّةٌ، و «يوماً» ظرفٌ. سألوا أَنْ يخففَ عنهم بعضَ العذابِ لا كلَّه في يومٍ ما، لا في كلِّ يومٍ ولا في يومٍ معين.

стр. 8505

قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ : قرأ الجمهور «يقوم» بالياء مِنْ أسفلَ. وأبو عَمْروٍ في روايةِ المنقريِّ عنه وابنُ هرمز وإسماعيل بالتاء مِنْ فوقُ لتأنيثِ الجماعةِ، والأشهادُ يجوزُ أَنْ يكونَ جمعَ شهيد ك شَريف

стр. 8506

وأَشْراف، وهو مطابِقٌ لقولِه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وأَنْ يكونَ جمعَ شاهِد ك صاحِب وأصحاب، وهو مطابِقٌ لقولِه: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: ٤٥] .

стр. 8507

قوله: ﴿يَوْمَ﴾ : بدلٌ مِنْ «يوم» قبلَه أو بيانٌ له، أو نُصِب بإضمار أَعْني. وقد تقدَّم الخلافُ في قولِه «يَنْفَع الظالمين» بالتاء والياء آخر الروم.

стр. 8508

قوله: ﴿هُدًى وذكرى﴾ : فيهما وجهان، أحدهما: أنهما مفعولٌ مِنْ أجلهما أي: لأجلِ الهدى والذَّكْر. والثاني: أنهما مصدران في موضعِ الحالِ.

стр. 8509

قوله: ﴿لِذَنبِكَ﴾ : قيل: المصدرُ مضافٌ للمفعولِ أي: لذنب أمَّتِك في حَقِّك. والظاهرُ أنَّ اللَّهَ يقولُ ما أرادَ، وإنْ لم يَجُزْ لنا نحن أَنْ نُضيفَ إليه ﷺ ذنباً.

стр. 8510

قوله: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ : المصدران مُضافان لمَفْعولِهما. والفاعلُ محذوفٌ وهو اللَّهُ تعالى. ويجوزُ أَنْ يكونَ الثاني مضافاً للفاعلِ أي: أكبرُ ممَّا يَخْلُقُه الناسُ أي: يَصْنَعونه. ويجوزُ أَنْ يكونا مصدرَيْن واقعَيْن موقعَ المخلوقِ أي: مَخلوقُهما أكبرُ مِنْ مَخْلوقهم أي: جُرْمُها أكبرُ مِنْ جُرْمِهم.
следующие страницы →