← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 905

الدار الآخرة - محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (240 стр.). Показаны 211–240 · переход к 216.

стр. 211

العرض على الله جل وعلا الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداًَ عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! بعد ذلك يبدأ الحساب، وسنقف مع الحساب وقفات، فالحساب يبدأ بالعرض على الله ﷻ ، بعد الوقوف بين يدي الحق الملك العدل سبحانه، فأنت في أرض المحشر ستسمع نداء الملائكة: أين فلان بن فلان، والملائكة لا تخطئ أحداً من الخلق منذ أن خلق الله آدم، أين فلان بن فلان؟ ماذا تريدون يا ملائكة الله؟! أقبل للعرض على الله ﷻ ، وقد وكلت الملائكة بأخذك وسوقك في أرض المحشر على رءوس الأشهاد، والخلائق كلها تنظر إليك، فيقرع النداء قلبك، ويصفر وجهك، وترتعد فرائصك، وتضطرب جوارحك، وترى نفسك بين يدي الحق ﷻ ليكلمك، ليس بينك وبينه ترجمان، كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر العبد أيمن منه -أي: عن يمينه- فلا يرى إلا ما قدم -أي: في هذه الحياة الدنيا- وينظر العبد أشأم منه -أي: عن شماله- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: ولو بنصف تمرة تتصدقون بها لوجه الله جل وعلا. يقرع النداء القلب، ويأمر الله ﵎ بالصحف وبالكتب فيأخذ كل إنسان صحيفته. تلك الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، فيا حسرة القلب وقتها على ما فرطنا في دنيانا من طاعة مولانا! اسمع لربك جل وعلا، وهو يقول: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩]. أيها المسلم! تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبد على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكاناً أكتفي بهذا القدر وأقف عند العرض على الله جل وعلا، ونواصل في اللقاء المقبل -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء- ونتحدث عن كيفية العرض وكيفية الحساب. وأسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال. وأسأل الله أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً معنا إلا هديته، ولا طائعاً بيننا إلا زده وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم مكن لدينك يا أرحم الراحمين! اللهم مكن لدينك يا رب العالمين! اللهم مكن لدينك يا رب العالمين! اللهم طهر الأقصى من دنس اليهود المجرمين! اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود وعملاء اليهود، اللهم حرق قلوب اليهود قبل أن يحرقوا الأقصى، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى، اللهم إنا نشهدك على ضعفنا وعجزنا وفقرنا، فاللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفرج كربنا، واكشف همنا، وآمن روعاتنا، وفك أسرنا، وتول خلاصنا، واختم بالصالحات أعمالنا. اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد الإسلام، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جنهم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 212

نزول عيسى ﵇ خلق الله عيسى ﵇، وجعله آية من آياته، ومعجزة دالة على كمال قدرته، وهو عبد من عبيد الله، ونبي من أنبيائه، أرسله الله إلى بني إسرائيل، فكذبه اليهود وأرادوا قتله وصلبه، فنجاه الله منهم، ورفعه إليه، وجعل نزوله علامة للساعة، وأخبر الصادق المصدوق أنه ينزل فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام.

стр. 213

عيسى بن مريم والميلاد المعجز بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. في رحاب الدار الآخرة. سلسلة علمية جديدة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بحقيقة الدنيا، وتنبيه الناس وإيقاظهم من غفلتهم ورقدتهم الطويلة، فقد تأتيهم الساعة بغتة فتأخذهم وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. وهذا هو لقاؤنا الخامس من لقاءات هذه السلسلة العلمية الهامة، وكنا قد أنهينا الحديث -في اللقاء الماضي- عن المسيح الدجال كعلامة كبرى من العلامات التي ستقع بين يدي الساعة، والتي ذكرها المصطفى ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال (فقال المصطفى: ما تذاكرون؟ فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال ﷺ : إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، وهي: الدخان، والدجال، والدآبة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). ونحن اليوم على موعد مع علامة أخرى من هذه العلامات الكبرى، وقد سبق أن ذكرنا أن المصطفى قد ذكر هذه العلامات بغير هذا الترتيب، ولكن إذا وقعت علامة من هذه العلامات وقعت العلامات الكبرى بعدها تباعاً، فالعلامات الكبرى كحبات العقد، إذا انفرطت منه حبة تتابعت بقية الحبات، كما قال المصطفى في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط مسلم، وأقر الحاكم الذهبي والألباني من حديث أنس بن مالك، أن المصطفى ﷺ قال: (الأمارات -أي: العلامات- خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً). فنحن اليوم على موعد مع علامة كبرى من هذه العلامات، ألا وهي: نزول عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فأعرني قلبك أيها الحبيب الكريم! وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف نركز الحديث -مع حضراتكم- تحت هذه العلامة في العناصر التالية: أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز. ثانياً: بل رفعه الله إليه. ثالثاً: نزول عيسى إلى الأرض من السماء. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.

стр. 214

اصطفاء الله لمريم ﵍ أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز. أيها الحبيب الكريم! لأول مرة في تاريخ البشرية الطويل ينسب نبي إلى أمه فيقال له: عيسى بن مريم، فـ مريم هي الأنثى الوحيدة في الوجود كله التي اختصها الله من بين النساء قاطبة؛ ليودعها سره الأكبر، في أصفى حمل وأعجز ميلاد، ومريم هي الفتاة العذراء التقية النقية التي اصطفاها الله جل وعلا من بين نساء العالمين، فنفخ فيها من روحه، ومنحها هذه المكانة الرقيقة الرقراقة بين أمهات الدنيا، أمها حنة بنت فاقود، وصلت سن اليأس، فتمنت على الله أن يرزقها الولد، لأنها تعلم أن الله على كل شيء قدير، فاستجاب الله دعاءها، وتحرك الحمل في بطنها، فأرادت أن تشكر الله على هذه النعمة، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، نذرت ما في بطنها لله جل وعلا، لخدمة بيت المقدس؛ جزاء ما رزقها الله ﵎ هذه النعمة، بعدما وصلت سن اليأس. ووضعت هذه البنت الجميلة التقية الطيبة، فنظرت إليها حزينة، وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [آل عمران:٣٦]، فهو الذي رزق وهو الذي قدر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٦] أي: الطاهرة: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧]. ثم اختلف الناس في بيت المقدس، من الذي سيكفل مريم؟ من الذي سيتولى رعايتها وتربيتها؟ فقالوا: نضرب القرعة فيما بيننا، ننطلق إلى النهر، وكل واحد منا يلقي قلمه، فأيُّ قلم يعاكس التيار -يمشي في عكس تيار الماء- فصاحب هذا القلم هو الذي سيكفل مريم، فانطلقوا جميعاً وكلٌ ألقى بقلمه، وانجرفت الأقلام كلها مع تيار الماء، إلا قلماً واحداً مشى في عكس اتجاه التيار، فأخرجوا هذا القلم فوجدوه قلم زكريا ﵇: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]. وتعجب زكريا ﵇ من هذا الطهر والتعبد والزهد والعفاف الذي تحلت به مريم البتول، ومن تلك المكانة العالية التي عند الله ، فكلما دخل عليها زكريا وجد عندها رزقاً، قال أهل التفسير: وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]. وهكذا أيها الأخيار الكرام! وضع الله مريم في بستان الورع، بين أزهار التقى والعفاف والصلاح والنقاء، وترعرعت هذه الزهرة والنبتة الطيبة، ونشأت مريم في هذا المكان وفي هذا الجو الإيماني الطاهر العفيف، فاصطفاها الله وبشرها بهذه البشارة: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٤] وظلت مريم ساجدة، وظلت مريم راكعة حتى أراد الله جل وعلا أن يمنحها تلك المكانة الرفيعة بين أمهات الدنيا، فنفخ فيها جل وعلا من روحه؛ لتنجب عيسى ﵇، فبين الله للخلق عظيم قدرته، فكما أنه خلق آدم من غير أب ومن غير أم، خلق عيسى من أم دون أب، وخلق سائر الخلق من أم وأب؛ وليعلم الناس جميعاً أن الله على كل شيء قدير.

стр. 215

بداية قصة الحمل بعيسى ﵇ في يوم من الأيام خلت مريم بنفسها لقضاء شأن من شئون العذراء الخاصة، وفجأة انحبس صوتها وشخص بصرها، إنها مفاجأة مذهلة تأخذ العقول! بل وتصدع الأفئدة، ما هذا؟! بشر سويٌ في خلوة العذراء البتول الطاهرة؟! وسرعان ما استغاثت بالله، ولجأت إلى الله، ونظرت إليه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، أي: إن كنت ممن يتقي الله وممن يخشى الله فإني أعوذ بالرحمن منك، ولم تقل: فإني أعوذ بالجبار منك، ولم تقل: فإني أعوذ بالغفار منك، وإنما استجاشت الرحمة في قلبه بذكر اسم الرحمن، فقالت: إني أعوذ بالرحمن منك، أي: ارحم ضعفي! وارحم أنوثتي! وارحم خلوتي!! وكانت المفاجأة الأخرى أن نطق هذا البشر السوي في خلوة العذراء البتول الطاهرة قائلاً لها: لا تخافي ولا تحزني، فأنا رسول من الله إليك: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:١٩ - ٢٠]، فهي لا تتصور وسيلة أخرى مطلقاً للإنجاب إلا بهذه الوسيلة: أن يلتقي الرجل مع المرأة، وهي لم تتزوج بعد، ولم تفكر في الرذيلة من ناحية أخرى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠]. وهنا يأتي هذا الرد الحاسم القاطع، فيقول هذا الملك والرسول الكريم: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].

стр. 216

عظيم قدرة الله تعالى إنها قدرة الله، يا إخوة! إن من يحاول أن يصل بعقله إلى حدود قدرة الله كمن يحاول أن يكلف نملة أن تنقل جبلاً من مكان إلى آخر، إن قدرة الله لا حدود لها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] فلا تفكر بعقلك لتصل إلى منتهى قدرة الملك، فإن قدرة الله لا تحدها حدود، ولا يعجز الله شيء في الأرض ولا في السماء، فمن الذي خلق السماء بغير عمد ترونها؟! من الذي خلق الأرض، وشق فيها البحار والأنهار، وزينها بالأشجار؟! من الذي خلق الإنسان بهذا الإبداع والجمال؟! يد من التي امتدت إلى عينيك وأنفك وأذنك، فجعلت ماء الأذن مراً، وماء العين مالحاً، وماء الأنف حامضاً، وماء الفم حلواً، وأصل هذا الماء واحد وهو رأسك أيها الإنسان؟! يد من التي امتدت إلى سنبلة القمح فغلفتها بهذه الأغلفة الحصينة المكينة، وجعلت فوق كل حبة شوكة؛ لأن الله قد قدر أن تكون هذه الحبة طعاماً لك -أيها الإنسان- ولم يقدر أن تكون طعاماً للطيور أو غير ذلك؟! يد من التي امتدت إلى كوز الذرة فرصت على قولحته هذه الحبات اللؤلؤية البيضاء بهذا الإتقان والجمال والإبداع؟! يد من التي نجت يوسف من غيابة الجب؟! يد من التي نجت يونس من بطن الحوت؟! يد من التي نجت الحبيب المصطفى ليلة الهجرة؟! يد من التي نجت الخليل إبراهيم من وسط النيران؟! إنه الله، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٣]. قل للطبيب تخطفته يد الردى يا زاعماً شفا الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير كان يحذر حفرةً فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطاً وسط الزحا م بلا اصطدام من يقود خطاك وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فسله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك إنه الله!! ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، انتهى الأمر وقدره الله . كن عن همومك معرضاً ودع الأمور إلى القضا وانعم بطول سلامة تسليك عما قد مضى فلربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضا الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] فهو الذي خلق الخلق، خلق آدم يوم خلقه بلا ذكر أو أنثى، بلا أب أو أم!! الأمر لا يحتاج إلى تفلسف أو تعمق على الإطلاق: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، لا جدال فيه ولا نقاش ولا نزاع، فاطمأنت العذراء الطاهرة، وانشرح صدرها، واطمأنت نفسها وسكن فؤادها، وعلى الفور نفخ جبريل في جيب درعها -أي: في أعلى القميص- فحملت بأمر ربها: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢].

стр. 217

ظهور الحمل والمخاض ثم ظهر الحمل، والراجح من أقوال المفسرين أن الحمل بعيسى كان حملاً عادياً تسعة أشهر، وإن كنا لا نشك أبداً أن الله جل وعلا قادر أن يجعل مريم تحمل بعيسى وتضعه في لحظة واحدة، نحن لا نشك في ذلك، لكن الصحيح الثابت من أقوال جماهير المفسرين: أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر. وبدأت بوادر الحمل كما هو معلوم للجميع، وهنا نظر يوسف النجار ذلكم الرجل الذي كان يخدم بيت المقدس مع مريم، نظر إلى بطنها تعلو يوماً بعد يوم فيتعجب! ولكن يدفع عن نفسه هذه الخواطر لعلمه بطهر مريم، ولكنه لم يستطع السكوت فقال لها: يا مريم! إني سائلك عن شيء ولا تعجلي علي، فقالت مريم: سل عما شئت يا يوسف، وقل قولاً جميلاً. فقال لها: يا مريم! هل ينبت زرع بغير بذر؟! وهل ينبت شجر بغير غيث أو مطر؟! وهل يكون ولد بغير أب؟!!! فقالت مريم: نعم يا يوسف. قال: كيف ذلك يا مريم؟!! فقالت: يا يوسف! ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم أنبته بغير بذر؟! وأنبت الشجر يوم خلقه بغير غيث أو مطر؟! وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ومن غير أم؟! قال يوسف: أشهد أن الله على كل شيء قدير! وجاء مريم المخاض، وأوشكت على أن تضع هذا الرضيع وهذا الوليد، فخافت وخشيت الفضيحة، فحملت حملها في بطنها، وانطلقت إلى مكان بعيد: ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣] ولك أن تتصور امرأة ضعيفة تضع لأول مرة، لا يوجد معها أحد إلا الملك، ويا لها من معية، تضع رضيعها ﵇، وتبكي مريم وتقول قولاً يقطع الأكباد: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣]، ماذا أقول للناس؟! لن يصدقني أحد. وتبكي مريم، وفي وسط هذه المحنة وهذه الآلام التي تدك الجبال دكاً، تسمع صوتاً رقراقاً رقيقاً جميلاً يسكب في قلبها الأمل، ويثبت في قلبها اليقين، يا إلهي!! من صاحب هذا الصوت؟! إنه صوت الطفل الرضيع إنه صوت عيسى الذي ولد منذ لحظات! ينادي على أمه بهذه الكلمات الطيبة، ويقول لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦]، لقنت الحجة، وثبت الفؤاد، فحملت هذا الطفل المبارك الميمون الطاهر بكل قوة، وانطلقت به تحمله إلى قومها. والتف القوم حولها يا للفضيحة!! يا للعار!! يا مريم!! يا أخت هارون في الزهد والورع والتقى والعبادة! ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] يا للعار! تحملين من الزنا، وبكل بجاحة تأتين بهذا الولد إلينا؟!! يا للفضيحة!! فلما ضاق الحال، وانحصر المجال، وانقطع المقال، عظم التوكل على ذي العظمة والجلال، فأشارت إليه فأنطقه الله في الحال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٢٩ - ٣٦].

стр. 218

حمل المسيح وولادته يدلان على أنه عبد الله أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه ويا عجباً لقبر ضم رباً وأعجب منه بطن قد حواه أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولوداً صغيراً ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وصدق الله إذ يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، لا ند له، ولا ضد له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا زوج له، ولا ولد له، ولا والد له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. لا أريد أن أطيل في هذا العنصر لأعرج على بقية العناصر، وإلا فوالله إنه يحتاج إلى لقاء مستقل، بل إلى لقاءات، ولكن أرى أنه من الجمال أن أختم هذا العنصر بهذا الحوار المبارك الكريم، الذي يبرئ به ربنا ساحة نبيه عيسى في آخر سورة المائدة فيقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٨].

стр. 219

بل رفعه الله إليه ثانياً: بل رفعه الله إليه. زعم اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة- أنهم قتلوا عيسى بن مريم وصلبوه، وزعم النصارى -بجهل وغباء- أن عيسى قتل وصلب ودفن، وخرج من قبره بعد ثلاثة أيام، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب أبيه! وهو ينتظر إلى يوم الخلاص؛ ليقضي بين الأحياء والأموات!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]. فبين الله الحق، وكذّب اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٩]. قال أهل التفسير: إن الله لما أراد أن يرفع إليه نبيه عيسى إلى السماء، بعدما انطلق اليهود لقتله، ألقى الله شبه عيسى على يهوذا الأسخريوطي الخائن، الذي أخذ اليهود ليدلهم على مكان نبي الله عيسى، فابتلاه الله فألقى عليه شبهه، فأخذه اليهود فقتلوه وصلبوه. هذا قول. القول الآخر: ما جاء عن ابن عباس -كما روى ذلك ابن أبي حاتم والنسائي بسند صححه الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة النساء- أنه قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى البيت في اثني عشر رجلاً من الحواريين -أي: من حوارييه وأنصاره- فخرج عليهم نبي الله عيسى، وقال: إن منكم من سيكفر بي بعد أن آمن بي، ثم قال لهم: أيكم يقبل أن يلقى عليه شبهي؛ ليقتل مكاني فيكون معي في درجتي في الجنة، فقام أحدثهم سناً وقال: أنا، فقال له نبي الله عيسى: اجلس، فجلس، ثم أعاد عيسى القول مرة ثانية، فقام نفس الشاب، فقال له عيسى: اجلس، فجلس، ثم أعاد عيسى قوله للمرة الثالثة، فقام نفس الشاب فقال عيسى: هو أنت، فألقى الله على هذا الشاب شبه عيسى، ورفع الله عيسى إلى السماء. وجاء الطلب من اليهود -أي: الذين يطلبون عيسى لقتله- فأخذوا هذا الشاب فقتلوه وصلبوه، فكفر بعض أتباع عيسى ممن آمنوا به كما ذكر لهم من قبل.

стр. 220

الحكمة من نزول عيسى ﵇ ثم ينزل الله عيسى بعد ذلك؛ لحكم عديدة منها: أن الله ﵎ سينزل عيسى ﵇؛ ليكذب اليهود الذين زعموا أنهم قتلوه، وليكذب النصارى الذين جهلوا هذه الحقيقة، وليبين للناس جميعاً أن محمداً ﷺ وأن الموحدين معه من أمته أولى الناس بعيسى؛ لأنه سيحكم العالم كله بكتاب الله وبشريعة محمد رسول الله ﷺ . ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، روى ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وسيكون موته في الأرض. وقد يقول قائل: فما قولك إذاً في قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران:٥٥]؟! والجواب كما قال جمهور المفسرين: إن الوفاة في الآية معناها الوفاة الصغرى وهي النوم، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]. وكما في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] وكما في قول المصطفى إذا استيقظ من نومه: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) فقوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: ألقى الله عليه سِنَةً من النوم، وهذه هي الوفاة الصغرى باتفاق، ثم رفعه الله ، ثم ينزله الله ﵎ بعد ذلك في الوقت الذي يشاء. قال ابن عباس: فانقسم الناس في رفع عيسى إلى ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان فينا الله -والعياذ بالله- ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء هم اليعقوبية، وهي فرقة من فرق النصارى. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء هم النسطورية. وقالت فرقة ثالثة: كان فينا عبد الله ورسوله، ما شاء الله له أن يكون ثم رفعه الله إليه، ثم ينزله إذا شاء، وهؤلاء هم المسلمون. قال ابن عباس: فتظاهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المسلمة، فقتلوا الفرقة المسلمة، ثم طمس الإسلام ولم يظهره الله إلا ببعثة محمد ﵌، فبين لنا الحق في هذه القضية، وقرأ علينا قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] إلى قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: ليؤمنن بعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]. والله أسأل أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 221

نزول عيسى إلى الأرض من السماء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 222

نزول عيسى علامة للساعة فيا أيها الأحبة الكرام! بين لنا الحق جل وعلا أنه رفع عيسى إليه إلى يوم الوقت المعلوم، الذي سينزله فيه مرة أخرى إلى الأرض؛ ليكون علامة كبرى على قيام الساعة، فقال ﵎ في سورة الزخرف مخاطباً نبيه المصطفى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]. وفي قراءة ابن عباس ومجاهد (وإنه لَعَلَم للساعة) فنزول عيسى علامة وأمارة على قيام الساعة. (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أو: (وإنه لَعَلَم)، أي: لعلامة وأمارة على قيام الساعة. بل وروى ابن جرير بسند صحيح أن ابن عباس ﵄ قال: (وَإِنَّهُ لَعلمٌ لِلسَّاعَةِ) هو خروج عيسى ﵇، فإن نزل فهذه علامة كبرى تدل على قرب قيام الساعة، وقال تعالى في الآية التي ذكرت آنفا: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: قبل موت عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقد بينت السنة الصحيحة المتواترة نزول عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- إلى الأرض من السماء. تدبر معي بعض هذه الأدلة: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد). قوله: (والذي نفسي بيده) قسم من المصطفى ﷺ : (ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً) أي: عادلاً (فيكسر الصليب) ليبطل زعم النصارى: أن هذا الصليب هو الذي صلب عليه عيسى -تعالى الله عما يقولون- قوله: (ويقتلُ الخنزير) أو: (ويقتلَ الخنزير) واللغتان صحيحتان، قوله: (ويضع الجزية ويفيض المال)، أي: يكثر المال حتى يخرج الرجل بماله وبصدقته يتمنى أن يمر عليه فقير؛ ليأخذ الصدقة فلا يجد، اللهم عجل بهذه الخيرات والبركات يا رب الأرض والسماوات!

стр. 223

صفات عيسى الخَلْقية والخُلُقية أيها الحبيب! لا تعجب إذا قلت لك: بأن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، قد بين وحدد لنا شكل عيسى ووصف لنالونه ووجهه ﵇، بل وثيابه ورأسه وعرقه، وفي أي مكان ينزل. اسمع ماذا قال الحبيب! والحديث رواه أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : (ليس بيني وبين عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، إنه رجل مربوع -أي: ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بالنحيف ولا بالسمين- إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر ماء من غير بلل). وفي رواية النواس بن سمعان في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، أنه ﵌ قال: (ينزل عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)، وفي رواية: (بين ممصرتين أو مهرودتين -أي: ثوبين مصبوغين بصفرة خفيفة يسيرة- واضعاً كفيه على أجنحة ملكين). ثم يقول المصطفى ﷺ : (إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كحبات اللؤلؤ) أي: إذا رفع عيسى رأسه نزلت حبات من الماء على وجهه كحبات لؤلؤية فضية بيضاء، وإذا رفعه تحدر منه جمان كحبات اللؤلؤ، وصف عجيب! وينطلق نبي الله أول الأمر إلى بيت المقدس -اللهم طهره من دنس اليهود يا عزير يا حميد- وأبشر أيها الحبيب! فهناك حيث حاصر الدجال المسلمين حصاراً عنيفاً، وفتن المسلمين فتنة قاسية شديدة، قال المصطفى: (فينزل نبي الله عيسى على المسلمين الموحدين -من أتباع سيد النبيين- وهم يصلون صلاة الصبح)، فإذا رأى الإمام الفطن الذكي نبي الله عيسى عرفه فتقهقر -أي: أراد أن يرجع إلى الخلف- ليتقدم نبي الله عيسى، فيقول له نبي الله: لا، ويأخذه من كتفه ويقدمه، ويقول: صل أنت فإن الصلاة لك أقيمت، فإن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله لأمة محمد)، أي: تكرمة الله لهذه الأمة الميمونة المباركة، فمن بين أضلاع هذه الأمة من يصلي إماماً بنبي الله عيسى!

стр. 224

قتل عيسى للدجال يا لها من كرامة! لأمة الحبيب المحبوب بأبي هو وأمي ﵌: (فيصلي نبي الله عيسى خلف إمام المسلمين، فإذا انتهوا من الصلاة انطلق نبي الله عيسى إلى باب بيت المقدس، وأمرهم أن يفتحوا الباب، فإذا فتحوا الباب رأوا الدجال خلف الباب، معه سبعون ألف يهودي بالسيوف، فإذا نظر الدجال إلى نبي الله عيسى ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيتبعه نبي الله عيسى ويمسك به عند باب لد الشرقي) انظر إلى التحديد العجيب! ولد: مدينة معروفة الآن بفلسطين، (فيقتله. ثم يريد أن يثبت لهم أنه قتله، فيري نبي الله عيسى دم الدجال على رأس حربة) كما في رواية. وهكذا أيها الأخيار! يريح الله المؤمنين من شر الدجال على يد نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، وتعيش الأرض بعد قتل وهلاك يأجوج ومأجوج -كما سأفصل إن شاء الله بعد ذلك- حالة فذة حالة فريدة في تاريخ البشرية كله، ينزل الأمن والرخاء والاستقرار، وتخرج الأرض بركتها، حتى قال المصطفى ﷺ : (لو وضعت حبك على الصفا -أي: على الحجر- لنبت).

стр. 225

الرخاء بعد مقتل الدجال جاء في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، وصحح السند الحافظ ابن حجر من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: أنه ﵌ قال: (فيهلك الله في زمان عيسى الملل كلها إلا الإسلام) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وكما وعد في قرآنه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]: (فيهلك الله الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله المسيح الدجال، وتنزل الأمنة في الأرض -أي: الأمان- حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم) الله أكبر! وفي حديث أبي أمامة وسنده صحيح، قال المصطفى: (فيكون الذئب مع الغنم كأنه كلبها، ويمر الوليد على الأسد فلا يضره، وتمر الوليدة على الحية فلا تضرها)، رفع الظلم واستقر الأمن والأمان والرخاء، وزادت البركة، وكثر الخير. بل وفي رواية النواس بن سمعان قال ﷺ : (فيقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، ويبارك في الضرع حتى إن اللقحة من الإبل -وهي التي وضعت ولدها حالاً- لتكفي الفئام من الناس -أي: لتكفي الجماعة الكبيرة من الناس- وإن الرمانة لتكفي الفئام من الناس، وإنهم ليستظلون بقحطها) بكسر القاف أي: بقشرة الرمانة. بركة عجيبة! فهذه الرمانة التي تراها في يدك، سترى لها حجماً آخر في أوقات البركات التي تتنزل على الأرض من رب الأرض جل وعلا. وهكذا -أيها الأحبة- تعيش الأرض حالة فريدة، وفي الحديث الذي رواه الديلمي والضياء المقدسي وصححه الألباني في الصحيحة من حديث أبي هريرة، أن الحبيب النبي ﷺ قال: (طوبى لعيش بعد المسيح! طوبى لعيش بعد المسيح! يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في الإنبات، حتى لو وضعت حبك على الصفا -أي: على الحجر- لنبت)! وأكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يملأ قلوبنا وإياكم إيماناً باليوم الآخر، وأن نأخذ هذا الكلام مأخذاً يجعلنا مستعدين لذلك اليوم وتلك اللحظات، وللقاء رب الأرض والسماوات، فإن الحديث عن الآخرة وعلاماتها ليس من باب الترف الفكري، ولا من باب الثقافة الذهنية الباردة، وإنما الإيمان باليوم الآخر وعلاماته ركن من أركان الإيمان. أسأل الله أن يملأ قلوبنا وإياكم إيماناً به، وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين ولا مغيرين ولا مبدلين. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء برحمتك يا رب الأرض والسماء! اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن إنك على كل شيء قدير. أيها الأحبة الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه، ثم يلقى في النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 226

علامات الساعة الكبرى - يأجوج ومأجوج يأجوج ومأجوج أمتان من البشر من ذرية آدم ﵇، ولهم مع ذي القرنين قصة ذكرت في سورة الكهف، ويتميزون على بقية البشر بالاجتياح المروع، والكثرة الكاثرة في العدد والتخريب، والإفساد في الأرض بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك قرب قيام الساعة، حتى يأذن الله بنزول عيسى ﵇، فيكون هلاكهم عل يديه ومن معه من المؤمنين، ويعد خروجهم من علامات الساعات الكبرى.

стр. 227

خروج يأجوج ومأجوج بين يدي الساعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة: سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي؛ الهدف منها: تذكير الناس بحقيقة الدنيا؛ للإنابة والتوبة إلى الله جل وعلا، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون. وهذا هو لقاؤنا السادس من لقاءات هذه السلسلة، وكنت قد تحدثت في اللقاءين الماضيين عن علامتين من علامات الساعة الكبرى، ألا وهما: الدجال، ونزول عيسى ﵇، وحديثنا اليوم -إن شاء الله تعالى- عن علامة أخرى من هذه العلامات الكبرى التي ذكرها المصطفى ﷺ في حديثه الصحيح، الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: (اطلع علينا النبي ﷺ ونحن نتذاكر، فقال المصطفى: ما تذاكرون - أي: في أي شيء تتحدثون وتتكلمون- فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال المصطفى: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، وهي: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). تكلمنا عن الدجال وعن نزول عيسى ﵇، وحديثنا اليوم -إن شاء الله تعالى- عن يأجوج ومأجوج. وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف أركز الحديث -مع حضراتكم اليوم- عن يأجوج ومأجوج في العناصر التالية: أولاً: تأصيل لغوي وشرعي مختصر. ثانياً: بعث النار. ثالثاً: ذو القرنين ويأجوج ومأجوج. رابعاً: خروجهم بين يدي الساعة. وأخيراً: عيسى بن مريم والدعاء المستجاب. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.

стр. 228

تأصيل لغوي وشرعي مختصر أولاً: تأصيل لغوي وشرعي مختصر: أيها الأحبة! لقد أورد كثير من المؤرخين والمفسرين أخباراً عجيبة، وروايات غريبة عن يأجوج ومأجوج، ذكروا في هذه الروايات والأخبار أصلهم، ونسبهم، وأشكالهم، وألوانهم، ومكانهم!! وهذه الأخبار والروايات لا تعدو أن تكون مجرد خرافات وأوهام وخيالات وأساطير؛ لأنها أُخِذَت من الإسرائيليات، أُخِذَت من غير المصادر اليقينية، أي: القرآن والسنة الصحيحة النبوية، ولا يجوز ألبتة لأحدٍ أن يتكلم في مثل هذه الأمور الغيبية إلا بالدليل الصريح من القرآن، أو بالدليل الصحيح من سنة النبي ﵊. فلسنا في حاجة -على الإطلاق- لأن نلهث وراء الإسرائيليات والأخبار العجيبة والموضوعة، لنتكلم عن يأجوج ومأجوج أو عن ذي القرنين، وإنما يجب علينا جميعاً أن نقف عند النص اليقيني في كتاب ربنا، وفي سنة الحبيب نبينا؛ ففيهما الغنى، فلو علم الله في الزيادة -عما ذكر في القرآن، وعما ذكره المصطفى- خيراً لذكرها لنا. إذاً: فلنقف أمام النص القرآني، وأمام الحديث النبوي الصحيح، من كلام الذي لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد هذه الكلمات أقول: يأجوج ومأجوج أُمَّتَانِِ من البشر من ذرية آدم ﵇، يتميزون على بقية البشر بالاجتياح المروع، والكثرة الكاثرة في العدد والتخريب، والإفساد في الأرض بصورة لم يسبق لها مثيل!! وقال المحققون من أهل اللغة -نقلاً عن ابن منظور في لسان العرب وغيره من أهل اللغة-: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان مشتقان من أجيج النار، أي: من التهابها، ومن الماء الأجاج: وهو الشديد الملوحة والحرارة. فشبَّهوهم بالنار المضطرمة المتأججة، وبالمياه الحارة المحرقة المتموجة؛ لكثرة تقلبهم، واضطرابهم، وتخريبهم، وإفسادهم في الأرض. هذا هو التأصيل الذي لابد منه بداية؛ حتى لا نعطي لخيالنا العنان؛ لنلهث وراء الخرافات والأساطير والأوهام.

стр. 229

من هم بعث النار ؟ لذا أخبرنا المصطفى أن يأجوج ومأجوج هم بعث النار يوم القيامة، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: ولن تجد عندي اليوم إلا آية أو حديثاً صحيحاً عن الصادق المصدوق ﷺ ، كما فصلنا وقررنا في أول لقاء. ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول آدم: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول الله جل وعلا: أَخْرِج بعث النار -أي: من أمتك- فيقول آدم ﵇: وما بعث النار يا رب؟! -تدبر- فيقول الملك: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون -اللهم سلم سلم!! من كل ألف في أرض المحشر تسعمائة وتسعة وتسعون إلى جهنم- إلى النار، فشق ذلك على أصحاب النبي المختار) وفي رواية: (فيئس القوم، حتى ما أبدوا بضاحكة) وفي رواية: (فبكى أصحاب المصطفى وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟) -رجل من الألف ينجو من النار فأينا ذلك الرجل؟ - فقال المصطفى: (أبشروا! أبشروا! فمن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، ثم قال المصطفى: والذي نفسي بيده! إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة! فكبرنا!! -كبر أصحاب النبي، أي: قالوا: الله أكبر، أمة النبي من بين جميع الأمم تشغل ربع أهل الجنة، فكبر أصحاب النبي، أي: قالوا: الله أكبر- ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فكبرنا!! فقال المصطفى في الثالثة: والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة).

стр. 230

أمة النبي أمة مرحومة وميمونة أمة النبي أمة مرحومة أمة النبي أمة ميمونة. قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا اسجد له شكراً أنك من أمة الحبيب محمد، فأمة المصطفى أمة مرحومة أثنى عليها ربها، وأثنى عليها نبيها ﷺ . قال الله لها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال الله لها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] وقال في حقها المصطفى الصادق -والحديث رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة بسند حسن: (أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله جل وعلا). بل وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: يا نوح! هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، يا رب! فيدعى قومه، ويقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقول قوم نوح: لا، ما بلغنا، وما أتانا من نذير، فيقول الحق جل وعلا -وهو أعلم-: من يشهد لك يا نوح! أنك بلغت قومك؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته، يقول المصطفى: فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أدعى فأشهد عليكم. وذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]) بل ومن الأحاديث الممتعة التي تبين فضل السابقين واللاحقين من أمة سيد النبيين: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة: (أن النبي ﷺ أتى المقبرة يوماً -أي: لزيارتها- فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنّا -إن شاء الله- بكم لاحقون. ثم قال الحبيب: وددت أنَّا قد رأينا إخواننا. فقال الصحابة: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا قوم لم يأتوا بعد. فقال الصحابة: فكيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال المصطفى: أرأيتم لو أن رجلاً له خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَة -والغرة: الشعر الأبيض في جبين الفرس، والتحجيل: الشعر الأبيض حول ساق أو قدم الفرس يخالف لون الشعر في الفرس كله، كأن يكون الفرس أسود اللون فالغرة تكون باللون الأبيض- بين ظَهْرَي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ -أي: سود- ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، يا رسول الله! فقال المصطفى: فأنا أعرفهم يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) فأمة النبي أمة مرحومة. أما حينما خاف الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟! فقال: أبشروا! فمن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد؛ فإنما أراد النبي ﷺ أن يبين الطبيعة الشريرة والسيئة لهاتين الأمتين الخبيثتين: يأجوج ومأجوج، وليبين المصطفى في الوقت ذاته الطبيعة الخيرة الكريمة المباركة لأمة الحبيب محمد، نسأل الله أن يحشرنا وإياكم جميعاً تحت لوائه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة ولا نظمأ بعدها أبداً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أزيدك بياناً عن طبيعة يأجوج ومأجوج بعد أن أقف -مع حضراتكم- مع هذا الحوار الجميل بين ذي القرنين، وقوم تعرضوا للفساد والإيذاء على أيدي يأجوج ومأجوج، وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز.

стр. 231

ذو القرنين ويأجوج ومأجوج أيها الحبيب! لقد حكى الله قصة ذي القرنين في سورة واحدة من سور القرآن، ألا وهي: سورة الكهف، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٨٣ - ٩٨]. هذه هي قصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج، وأقول لك: إن قصة ذي القرنين هي الأخرى قد نُسِجَ حولها من الأساطير والخرافات، والخيالات والأوهام ما يندى له جبين التحقيق خجلاً وحياءً!! لا يجوز لأحد -يحترم علمه وعقله- أن يتجاوز النص القرآني في قصة ذي القرنين، فما ذكره الله في القرآن عن ذي القرنين فيه الغنى وفيه الكفاية، ولسنا في حاجة لأن نلهث وراء الإسرائيليات؛ لننسج حول شخصية ذي القرنين الأساطير والخرافات والأوهام.

стр. 232

من هو ذو القرنين ؟ ذو القرنين عبد صالح، اختلف أهل التفسير في نبوته، لكن لا يستطيع أحد أن يجزم بذلك. هذا الرجل تبدأ قصته بسؤال المشركين للنبي المصطفى عن ذي القرنين، في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣]، ويأتي الجواب من الله جل وعلا: (قل) يا محمد! وكلمة (قل) يسميها علماء التفسير وعلماء اللغة (قل) التلقينية، أي: القصة ليست من عند رسول الله، بل هي وحي من عند الله جل وعلا، يأمر به المصطفى أن يقول لمن سأل عن ذي القرنين: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣]، وكلمة (منه) من فيها هي التبعيضية، أي: سأتلو عليكم بعض الشيء من قصته، ولا أتلو عليكم قصة ذي القرنين بكامل فصولها، كما ذكر القرآن قصصاً بكاملها في كثير من السور، كقصة يوسف وقصة موسى، بل سأتلو عليكم منه ذكراً، سأتلو عليكم بعض الشيء من قصة ذي القرنين. ولو علم الله في الزيادة عن النص القرآني خيراً لذكرها لنا. فلنقف عند ما ورد في القرآن، وعند ما ثبت في حديث النبي ﵊.

стр. 233

التمكين في الأرض من الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤]، فمن الذي مَكَّنَ لـ ذي القرنين؟ الله. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤]، الذي مكن له هو الله، أعطاه من الأسباب ما استطاع به أن يفتح وأن ينتصر وأن يجوب البلاد شرقاً وغرباً وشمالاً إلخ. ولفظة التمكين إن فتشت عنها في القرآن سترى أنها في كل مرة وردت تنسب إلى الله رب العالمين، وهذه قاعدة إيمانية ينبغي أن تؤصل في القلوب. فالذي يُمَكِّن للدول والأمم والشعوب هو الله، والذي يمكن لهذا الحاكم هو الله، والذي يأمر بزوال وهلاك هذا الحاكم هو الله، فيجب علينا جميعاً أن تتعلق قلوبنا بالملك الذي يفعل كل شيء، مع الأخذ بالأسباب، فهذا من حقيقة التوكل على الله . لا تسود أمة إلا بإذن الله، ولا تزول أمة إلا بإذن الله، ولا يسود حاكم إلا بإذن الله، ولا يزول حاكم إلا بإذن الله ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ثم قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤ - ٨٥]، أي: بأسباب التمكين والنصر والفتح والظهور. فهناك من الأمم من يمكن الله لها، فتأخذ بأسباب التمكين، فيزيدها الله ثباتاً وتمكيناً، فإن فرطت أذهب الله عنها التمكين. وهناك من الحكام من إذا مكن الله له أخذ بوسائل التمكين، فزاده الله رفعة ونصراً فإن فرط في هذه الأسباب والوسائل أمر الله بزواله وهلاكه.

стр. 234

رحلة ذي القرنين الأولى ويبدأ ذو القرنين الرحلة الجهادية الأولى في سبيل الله نحو المغرب. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف:٨٦] ومن المعلوم أن الشمس ليس لها مشرق واحد ولا مغرب واحد، بل لها عدة مشارق ولها عدة مغارب. قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٤٠] لها مشارق ومغارب بحسب فصول السنة وأيامها وشهورها، لها مشارق ومغارب بحسب الأماكن، لها مشارق ومغارب بحسب رؤية الرائي إلى قرص الشمس أثناء الشروق أو الغروب. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٨٦] فبين ذو القرنين منهجه العادل ودستوره الحكيم،: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٨٧] وأما من آمن ووحد الله واستقام على منهج الله، ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٨].

стр. 235

رحلة ذي القرنين الثانية ثم انطلق نحو المشرق في رحلة ثانية: قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] لا يحمي هؤلاء الناس والقوم شيء على الإطلاق، لا يحول بينهم وبين الشمس شيء. ثم قال : ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١]، أي: علم الله كل ما يدور في قلبه وفي نفسه.

стр. 236

رحلة ذي القرنين الثالثة وتبدأ الرحلة الثالثة التي هي محل الشاهد في موضوعنا: قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف:٩٣] بين جبلين عظيمين. ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣]. لا يعرفون لغة ذي القرنين، أو لا يستطيعون أن ينفتحوا على غيرهم من الأمم، فهم قوم منعزلون على أنفسهم، تعرضوا لأشد الهجمات، وأعنف الضربات على يد يأجوج ومأجوج، فلما رأوا ذا القرنين الملك الفاتح العادل، توسلوا إليه، وانطلقوا وقوفاً بين يديه، وقالوا: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]. هل نبذل لك من أموالنا ما تشاء وما تريد، على أن تبني لنا سداً منيعاً يحمينا من يأجوج ومأجوج؟ فرد عليهم بزهد وورع وقال: لا حاجة لي في أموالكم ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥]. لقد أعطاني الله من وسائل التمكين ما أغناني به عن مالكم، ولكنه لمح فيهم الكسل، فأراد أن يشركهم في هذا المشروع العظيم، وفي هذا العمل الضخم، فقال لهم: ولكن! ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٥] أي: قال بلغة العصر: أما عن التخطيط الهندسي والمعماري والإنفاق المادي لبناء هذا السد، ولإقامة هذا المشروع، فسنتكفل بذلك، ولكننا في حاجة إلى العمال؛ يحملون ويبنون ويقيمون هذا العمل، فأعينوني بقوة من أنفسكم أجعل بينكم وبينهم ردماً. وأمر ذو القرنين -المهندس البارع الذي سبق علماء الهندسة المعاصرين بعدة قرون- بالبدء في المرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع، فقال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٦]، أي: اجمعوا لي قطع الحديد الضخمة. فانطلق هؤلاء وجمعوا قطع الحديد الضخمة، وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين، فلما وضعت قطع الحديد وساوت قمة الجبلين قال: انفخوا تحت هذه القطع النار المشتعلة التي تصهر هذا الحديد، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التي اشتعلت لتصهر أطناناً من الحديد، لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد، أشعل النيران تحت هذا الحديد بين السدين حتى ذاب الحديد وانصهر، وكان يريد بذلك أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذي ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها!! ثم ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء، ألا وهي أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر. فلما انصهر النحاس، أمرهم بصب النحاس على الحديد، فتخلل النحاس مع الحديد، فأصبح النحاس والحديد معدناً واحداً؛ ليزداد صلابة وقوة، فلا يستطيع قوم يأجوج ومأجوج أن يتسلقوه أو أن ينقبوه. وبذلك يكون قد سبق العلم المعاصر في تقوية الحديد بالنحاس، واستطاع أن يساوي بين الصَّدَفين بهذا الحديد وبهذا النحاس؛ وبعمله هذا تتبين لنا سمات القيادة الفذة، وسمات القيادة الناجحة، التي تستطيع أن تجمع بين الخيوط والخطوط، والتي تستطيع أن تجمع بين المواهب والطاقات والقدرات والإمكانيات؛ لتستغل الموارد والطاقات أعظم استغلال.

стр. 237

أهمية اتصاف القائد بالحنكة والإيمان وما أحوج الأمة إلى هذه القيادة الفذة، فكم في الأمة من طاقات معطلة؟! وكم في الأمة من مواهب ضائعة؟! وكم في الأمة من موارد مهدرة؟! وكم في الأمة من شباب حيارى؟! كل هذه الطاقات وكل هذه المواهب وكل هذه الإمكانيات في حاجة إلى قيادات فذة فريدة لا تجامل أحداً على الإطلاق على حساب المصلحة، وهذا ما بينه لنا أيضاً ذو القرنين، عندما قال: أما من آمن فله الجزاء الأوفى، وأما من ظلم فله العذاب. ما أحوج الأمة كذلك إلى هذا الدرس، الذي يبين لنا ذو القرنين به منهجاً في التنظيم الوظيفي والإداري، لو عملت الأمة به لسعدت!! انظر الآن إلى هذا التنظيم الذي اختل في عالمنا المعاصر: أصبح المتملقون والمنافقون هم أصحاب المكانة القريبة من المسئولين، وأصبح المخلصون العاملون الجادون، الذين لا يجيدون العزف على وتر النفاق، ولا يحسنون الضرب على أعواد المداهنة أصبحوا لا نصيب لهم في المنح بل والوظائف؛ لأن الأمة تجامل على حساب المصلحة، بل وعلى حساب منهج ربها جل وعلا. ذو القرنين يبين لنا سمات القيادة الناجحة، فلما نظر إلى هذا الصرح العظيم لم تسكره نشوة القوة والعلم، ولم يقل: هذا هو فن الإدارة، لم يقل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. وإنما نسب الفضل لصاحب الفضل جل وعلا، فقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨]. ثم بين معتقده الصافي في الإيمان بالبعث، والإيمان بيوم القيامة، فقال لهم: إن الذي أمر ببناء هذا السد هو الله، وإن الذي أمر بقتل يأجوج ومأجوج هو الله، وإن الذي سيأذن لهم في الخروج إذا شاء هو الله، وحتماً سيأتي يوم على هذا السد المنيع؛ ليجعله الله دكاء، أي: يسويه بالأرض كما يسوي جبال الأرض كلها بالأرض، وذلك لا يكون إلا بين يدي الساعة. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٥ - ١١١]. قال الله تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨]. هكذا يبين ذو القرنين العقيدة الصافية في الإيمان بالبعث، في الإيمان بيوم القيامة وعلاماته الكبرى، يأذن الحق ﵎ ليأجوج ومأجوج في الخروج، حينئذ يستطيعون أن يثقبوا هذا الثقب، وأن يخرجوا إذا قدر الله الوقت المعلوم لخروجهم.

стр. 238

خروج يأجوج ومأجوج بين يدي الساعة وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء: خروجهم بين يدي الساعة في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً، وهو يقول: (لا إله إلا الله!! لا إله إلا الله!! ويل للعرب من شر قد اقترب!! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلق النبي هكذا بالإبهام والتي تليها -أي: بالإبهام والسبابة- فقالت زينب بنت جحش: يا رسول الله! أَنهلِكُ وفينا الصالحون؟! فقال المصطفى: نعم، إذا كَثُرَ الخبث). ووالله! لقد كثر الخبث، وإذا كثر الخبث يهلك الصالح والطالح، ويبعث الله الصالحين والطالحين على نياتهم.

стр. 239

سبب تأخرهم عن الخروج وتدبر معي هذا الحديث: الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك، وصحح الحاكم الحديث على شرط الشيخين، وأقر الحاكم الذهبي والألباني في السلسلة من حديث أبي هريرة أن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى قال: إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قالوا: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيرجعون، فيعيد الله السد أشد مما كان، حتى إذا أراد الله أن يبعثهم خرجوا يحفرون السد، فقال الذي عليهم إذا ما رأوا شعاع الشمس: ارجعوا، وستحفرونه غداً إن شاء الله تعالى -فأتوا بالمشيئة في هذه المرة فيعودون فيرون السد كهيئته التي تركوه عليها، فيحفرونه ويخرجون فيشربون الماء]، وفي رواية مسلم في حديث النواس بن سمعان (فيمرون على بحيرة طبرية، فإذا مَرَّ أوائل يأجوج ومأجوج شربوا ماء البحيرة كله حتى جففوا البحيرة عن آخرها!! فإذا جاء أواخر يأجوج ومأجوج، ومروا على البحيرة قالوا: لقد كان بهذه مرة ماء!) وهم لا يعلمون أن أوائل هاتين الأمتين هي التي جففت البحيرة من مائها، يقول المصطفى ﷺ : (فيخرجون فينشفون الماء -أي: يجففون ويشربون الماء -فيخاف الناس ويتحصنون منهم في الحصون- يتركون لهم الشوارع والطرقات لا قدرة لأحد بقتالهم- فيقول يأجوج ومأجوج: لقد قتلنا أهل الأرض، فهلم لنقتل أهل السماء -وانظر إلى هذا الفجور، وبهذه العبارة تستطيع أن تتصور حجم الفساد الذي قاموا به في الأرض- وبالفعل يوجهون النشاب -أي: السهام- إلى السماء، فيريد الملك أن يبتليهم، فيرد الله عليهم نشابهم ملطخة دماً، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء). ] في الوقت الذي تبتلى فيه الأرض بهذه الفتنة تكون فتنة أخرى قد عصفت بأهل الأرض عصفاً، ألا وهي فتنة الدجال، ويمن الله على عباده فينزل عيسى ﵇، وهذا ما سنتعرف عليه في اللقاء الأخير بعد جلسة الاستراحة ألا وهو عيسى بن مريم والدعاء المستجاب؛ لنرى كيف أهلك الله يأجوج ومأجوج بفضله ومنته ورحمته على يد نبيه عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 240

عيسى بن مريم والدعاء المستجاب الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. وأخيراً: عيسى بن مريم والدعاء المستجاب. تفتن الأرض هكذا كما رأينا بيأجوج ومأجوج وبالدجال، فيُنزل الله ﵎ عيسى بن مريم ﵇، كما في حديث النَّواس بن سمعان الذي رواه مسلم وفيه قال المصطفى: (فبينما هو كذلك -أي: الدجال- إذ أنزل الله عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ينزل عيسى بين مهرودتين (أى: بين ثوبين مصبوغين) واضعاً كَفَّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع رأسه تحدَّر منه جمان كحبات اللؤلؤ -أي: تقطر منه الماء كحبات اللؤلؤ الأبيض- فيطلب عيسى بن مريم الدجال حتى يدركه عند باب لُدّ -وهي مدينة بفلسطين- فيقتل عيسى بن مريم الدجال عليه لعنة الله، فبينما هم كذلك إذ بعيسى بن مريم يأتي قوماً نجاهم الله من الدجال، فيمسح عيسى بن مريم على رءوسهم ووجوههم، ويبشرهم بدرجاتهم -يبشر نبي الله عيسى هؤلاء القوم من أمة الحبيب محمد ﷺ بدرجاتهم في الجنة- يقول المصطفى: فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى أني قد أرسلت أو أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم -أي: لا طاقة ولا قدرة لأحد بقتالهم- فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) أي: ينتشرون ويغطون من فوق المرتفعات والجبال، والحدب هو: المكان المرتفع. وهم من كل حدب ينسلون على وجه الأرض، ثم يأمر الله تعالى عيسى أن يحرز عباده إلى الطور؛ لأنه لا طاقة لأحد بقتالهم كما قال الله، فيأخذ نبي الله عيسى من آمن ومن وحد الله إلى جبل الطور، ويتحصن نبي الله عيسى مع أصحابه، كما قال النبي ﷺ : (ويحشر نبي الله عيسى وأصحابه، ثم يرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ويتضرعون إلى الله أن يهلك يأجوج ومأجوج؛ لأنه لا يستطيع أن يهلكهم إلا الملك) فيستجيب الله دعاء عيسى وأصحابه وأمة النبي محمد، فيرسل الله على يأجوج ومأجوج النغف في رقابهم) والنغف: هو الدود الصغير، وتدبر قدرة الملك، تدبر عظمة الملك، والله ما أحوج الأمة إلى أن تمتلئ قلوبها يقيناً بقدرة الملك ﷻ ، ما أحوجنا إلى أن نتعرف على عظمة الله وعلى جلال الله، وعلى قوة الله فإن الله إذا أراد للشيء أن يكون قال له: كن، فيكون، فيهلكهم الحق جل وعلا، يقول المصطفى: (فيصبحون فرسى -أي: قتلى- كموت نفس واحدة)، وفي رواية: يطلبون من واحد من هؤلاء المتحصنين الخائفين أن يخرج، وأن يبذل نفسه؛ ليرى ماذا صنع يأجوج ومأجوج في الأرض، فيخرج وهو مستعد للقتل والهلاك، فيرى هذه الكرامة، ويرى هذه المعجزة والآية، فيرجع لنبي الله عيسى، وينادي عليه وعلى أصحابه: أبشروا لقد أهلك الله يأجوج ومأجوج. يقول المصطفى: (ثم يهبط نبي الله عيسى مع أصحابه فلا يجدون شبراً في الأرض أو موضعاً في الأرض إلا وقد ملأه زهمهم ونتنهم -الزهم: الدهن والشحم-، فلا يقوى الناس على هذه الرائحة الكريهة النتنة!! فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله أن يطهر الأرض من هذا النتن، يقول المصطفى: فيرسل الله عليهم طيراً). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.