Полный текст (240 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عن عمره فيما أفناه ؟
أحبتي في الله: أولاً: السؤال عن العمر.
أيها الأحبة الكرام! لا شك أن الله سيسأل العبد في ساحة الحساب عن كل ما قدم في هذه الحياة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وقال جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، فكل صغيرة وكبيرة سطرت عليك في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها؟! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها؟! ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
ولكن النبي ﷺ قد ذكر أن الله سبحانه سيسأل العبد -بعد سؤاله عن الصلاة- عن أربع، كما في الحديث الصحيح الذى رواه الترمذي والطبراني في معجمه الكبير والصغير، والخطيب في التاريخ، وصحح الحديث شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -أسألك بالله! أن تتدبرها؛ لتسألها نفسك الآن قبل أن تسأل بين يدي الملك جل وعلا- عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟).
أولاً: السؤال عن العمر.
إخوتاه! العمر هو البضاعة ورأس المال، فمن ضاعت بضاعته، وانتهى رأس ماله دون أن يحقق الربح، فهو من الخاسرين.
هل حسبت أن هذا العمر، وأن هذه الأيام، وأن هذه السنوات -التى تمضي ونحن لا نشعر بها- لن يسألنا عنها؟ لا والله، تدبر قول رب الأرض والسماوات وهو يقول سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠].
أليس ذلك بقادر على أن يبعثهم للوقوف بين يديه؛ للسؤال عما قدموه وعما فعلوه؟! للسؤال عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير؟! أيها المسلم! الأيام تمر، والأشهر تجري وراءها، وتسحب معها السنين، وتجر خلفها الأعمار، وتطوى حياة جيل بعد جيل، وبعدها سيقف الجميع بين يدي الملك الجليل.
ستسأل عن كل ساعة، ستسأل عن كل يوم، ستسأل عن كل أسبوع، ستسأل عن كل سنة، ستسأل عن عمرك كله فيما أفنيت هذا العمر؟ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: يا ابن آدم! إنما أنت أيام مجموعة، فإن مضى يوم مضى بعضك، وإن مضى بعضك مضى كلك.
وكان يقول أيضاً: " ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي بلسان الحال ويقول: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: (والله ما ندمت على شيء كندمي على يوم طلعت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي).
العمر هو البضاعة الحقيقية، وهو رأس المال، ووالله ما منحنا هذه البضاعة الكريمة للهو وللعب، وللملذات، وللشهوات، والله ما للعب خلقنا، بل خلقنا الله لغاية كريمة وعظيمة.
قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
هذه هي الغاية التي خلق الله لها الخلق، ما خلقنا الله لنضيع الأعمار أمام المسلسلات والمباريات، وأمام الأفلام، وأمام هذا العبث واللهو الذي تحول في حياة هذه الأمة المسكينة إلى جد.
ما خلقنا الله لذلك.
ومن أجمل ما قيل في قول الله تعالى فى حق نبي الله يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، قال جمهور المفسرين: أي: آتاه الله الحكمة وهو طفل صغير، فذهب إليه بعض أترابه يوماً من الأيام قبل أن يوحي الله إليه بالنبوة، فقالوا: يا يحيى! هيا بنا لنلعب! فقال يحيى -وهو الطفل الصغير-: والله ما للعب خلقنا! وصدق والله، فإن الله ما خلقنا للهو والعبث، وما خلقنا لنضيع الأعمار أمام اللهو، وأمام المسلسلات والمباريات والأفلام، فإن جل الأمة الآن يقضي جل الليل بل وجل العمر أمام التلفاز، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يا من يمضي عمرك وأنت لا تدري اعلم بأنك ستسأل عن هذه الساعات وستسأل عن هذا العمر وتذكر يا من يمضي عمرك وأنت في غفلة! أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، وأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، تذكر وصية الحبيب ﷺ لـ عبد الله بن عمر، كما في صحيح البخاري أنه أخذ بمنكبي عبد الله بن عمر وقال له: (يا عبد الله! كن فى الدنيا كأنك غريب) -ما أحوجنا ورب الكعبة لهذه الكلمات! إننا نعيش عصراً طغى فيه حب الشهوات، وحب الملذات، وحب الدنيا، فإن كثيراً من الناس الآن يذكر بقول الله فلا يتذكر، ويذكر بحديث رسول الله فلا يتحرك قلبه، وكأن القلوب قد تحولت إلى حجارة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤].
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
اللهم ارزقنا التفكر في آلائك ونعمك، برحمتك يا أرحم الراحمين! تذكر وصية النبي الكريم لـ ابن عمر: (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
الغريب وإن طالت غربته حتماً سيرجع إلى وطنه، وعابر السبيل وإن طال سفره حتماً سيعود إلى بلده وأهله، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء).
أعلم أننا جميعاً نحفظ هذا، لكن قل من يتدبر هذا، وقل من ينام كل ليلة على فراشه، وهو يقول لأهله: أستودعكم الله بلسان الحال والمقال واليقين، وهو يعلم يقيناً أنه ربما لا يرى أهله وأولاده في الصباح.
(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).
стр. 177
مواعظ الصالحين
قيل لـ إبراهيم بن أدهم طيب الله ثراه: يا إبراهيم! بم حققت الزهد في الدنيا؟ فقال إبراهيم: بثلاثة أشياء، قيل: وما هي؟ قال إبراهيم: (رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنساً) أين مالك؟ وأين منصبك؟ وأين أولادك وأحبابك في القبر؟ سيمضي الكل ويتركك بين يدي الرب سبحانه.
قال: رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنساً، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد، ورأيت جبار السماوات والأرض قاضياً وليس معي من يدافع عني.
أيها الأحبة الكرام! الدنيا كلها إلى زوال، والعمر كله إلى فناء، ويوم أن نام السلطان الفاتح محمد بن محمود بن ملكشاه على فراش الموت -وكان من السلاطين الأثرياء الأغنياء- قال: اعرضوا علي كل ما أملك من الجواري والغلمان والجواهر والأموال والنساء، بل وليخرج الجند جميعاً أراد وهو على فراش الموت أن ينظر إلى سلطانه وإلى ملكه، وإلى جواهره وزخارفه، وجواريه ونسائه وغلمانه، فخرج الجيش عن بكرة أبيه يحمل الجواهر واللآلئ والأموال، وخرجت الجواري، وخرج الغلمان والنساء، فنظر السلطان إلى هذا الملك العظيم، وبكى وقال: والله والله لو قبل مني ملك الموت كل هذا لافتديت به، والله لو قبل مني ملك الموت كل هذا لافتديت به، ثم نظر إلى جنوده وقال: أما هؤلاء والله لا يستطيعون أن يزيدوا في عمري ساعة، فأجهش بالبكاء وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
وهذا هارون الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء، ويقول لها هارون: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري، فسوف يحمل إليّ خراجك إن شاء الله تعالى، لما نام على فراش الموت بكى هارون، وقال لإخوانه: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى، ورفع رأسه إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه دع عنك ما قد كان في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
لن تتحرك قدمك يوم القيامة إلا إذا سألك الله عن عمرك، انتبه! يا من تقضي الليل كله أمام المسلسلات والأفلام الداعرة.
انتبه! يا من تقضي جل عمرك في اللهو والعبث في غير خير للدنيا أو خير للآخرة.
وإياك أن تتغافل بعد اليوم عن هذه البضاعة، وعن رأس المال الحقيقي الذي تملكه، ألا وهو عمرك، فإن كل يوم يمر عليك يبعدك عن الدنيا، ويقربك إلى الله.
قال لقمان الحكيم لولده: أي بُنَيَّ! إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا، واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.
ولقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال الفضيل للرجل: كم عمرك؟! قال: ستون سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تصل.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم عرفت أني لله عبد، وأني إلى الله راجع.
قال الفضيل: يا أخي! من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً.
فبكى الرجل وقال: يا فضيل وما الحيلة؟! قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟، قال: أن تتقي الله فيما بقي من عمرك، يغفر الله لك ما قد مضى، وما قد بقي من عمرك.
стр. 178
وعن علمه ماذا عمل به
ثانياً: (عن علمه ماذا عمل به): اللهم لا تجعل حظنا من ديننا قولنا، وأحسن نياتنا وأعمالنا، وارزقنا الصدق والإخلاص في أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! ستسأل عن كل كلمة استمعت إليها في خطبة جمعة، أو في محاضرة، أو قرأتها في كتاب، ستسأل عن علمك الذي تعلمت، ماذا عملت به؟ منذ متى ونحن نسمع عن الله؟ منذ متى ونحن نسمع عن رسول الله؟! ومع ذلك سترى البون شاسعاً بين القول والعمل، وسترى فجوة خطيرة بين القول والعمل، وهذه الفجوة سبب من أسباب النفاق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
وقال جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل.
стр. 179
فضل العلم والعلماء
أيها الأحبة الكرام! العلم أغلى ما يطلب في هذه الحياة بلا شك، فلا سبيل إلى معرفة الله، ولا سبيل إلى الوصول إلى رضوان الله في الدنيا والآخرة إلا بالعلم الشرعي، إلا أن تتعلم قال الله قال رسوله ﷺ ، العلم يبذل له المال، العلم يبذل له العمر، العلم يبذل له الوقت كله، فإن أغلى ما يضحى له هو العلم، ولم يأمر الله نبيه بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم، كما قال تعالى آمراً نبيه المصطفى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
ورفع الله قدر أهل العلم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً -وفي لفظ (رؤساء جهالاً) - فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لـ علي: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وحسنه شيخنا الألباني ﵀ بشواهده من حديث أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
من آتاه الله العلم فقد أوتي الحظ الوافر، وأوتي الخير كله، فإن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لم يحب، ولكن الله لا يعطي الدين إلا لمن أحب، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، العلم هو الذي ينفعك بعد موتك، يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، وقال ﷺ كما في صحيح مسلم وصحيح البخاري-: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة رددناها مراراً وتكراراً، لكن هذا العلم إن لم يحرك قلبك وجوارحك للعمل، ولخشية الله، ولتقوى الله، فلا خير فيه ولا بركة له، ما ثمرة العلم إن لم يورثك العمل؟! ما ثمرة العلم إن لم يقربك من الله سبحانه؟! فما ثمرة هذه المحاضرات؟! ما ثمرة هذه الخطب التي تخلع القلوب، إن لم تعبد هذه الخطب وهذه المحاضرات وهذه الكلمات وهذا العلم لرب الأرض والسماوات؟! إن لم يورثنا هذا العلم خشية الله، إن لم يورثنا هذا العلم تقوى الله، إن لم يورثنا هذا العلم حب السنة وبغض البدعة، ما ثمرة العلم؟! يقول الشاطبي في كتابه القيم الموافقات: إن كل علم لا يفيد عملاً ليس في الشرع ما يدل على استحسانه، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل فيلقى في النار -اللهم حرم أجسادنا على النار- فتندلق أقتاب بطنه -أي: أمعاؤه- فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، ويقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى! كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه).
لذا كان الحبيب المصطفى ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، كما في صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها).
وقال أبو الدرداء ﵁ -والأثر يصح موقوفاً على أبي الدرداء ولا يصح مرفوعاً-: (إنني أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: علمت، فلا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتقول الآمرة: هل ائتمرت؟ وتقول الزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها).
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (يا حملة العلم! اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل).
ليس العلم بكثرة الرواية، وليس العلم بكثرة الدراية، ولكن العلم الحقيقي هو الذى يورثك خشية الله، ويورثك العمل، قال: (يا حملة العلم! اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه، وجلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم تلك إلى الله .
إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، لذا قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا".
اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص في القول والعلم، وقال ابن السماك: كم من مُذَكِّر بالله وهو ناس لله!! وكم من مُخَوِّف من الله وهو جريء على الله!! وكم من مُقَرِّب إلى الله وهو بعيد عن الله!! وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله!! اللهم سلم سلم! كم من تال لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله، لا تجاوز القراءة حنجرته أو ترقوته والعياذ بالله، فسوف تسأل عن علمك ماذا عملت به؟ ماذا عملت فيه؟ هل تعلمت لله؟ هل عملت بالعمل؟ هل علمت للسمعة؟ هل علمت للشهرة؟ هل علمت للرياء؟ ما من محاضرة، وما من خطبة، وما من درس علم، وما من موعظة، وما من شريط، وما من كتاب، ما من كلمة تعرفت عليها -عبد الله- إلا وسيسألك الله عنها، سيقول لك ربك: لقد أقمت عليك الحجة على لسان عبدي فلان، فماذا عملت بهذا العلم؟ والله إن الواقع لأليم، والله إن الواقع لمرير، فإننا نرى كماً هائلاً من المحاضرات والدروس، ونرى كماً هائلاً من المراجع والمجلدات والكتب، ومع ذلك نرى بوناً شاسعاً، وفرقاً كبيراً بين المنهج النظري وبين الواقع العملي، أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، فإن هذه الفجوة تبذر بذور النفاق في القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به.
стр. 180
وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه ؟
ثالثاً: (عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) ستسأل عن مالك، والمال نعمة من أعظم النعم، المال زينة الحياة الدنيا مع الأولاد، قال جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، ولاحظ أن الله قدم في هذه الآية المال على الأولاد فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، المال زينة، والمال نعمة عظيمة، ولكن لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من عرف الغاية من المال، فما أكرمه من نعمة إن حركته أيد الصالحين والشرفاء، المال نعمة لا يعرف قدرها إلا صالح تقي عرف الغاية من المال، وعرف وظيفة المال، وعرف أن المال ظل زائل، وعرف أن المال عارية مسترجعة، المال نعمة منَّ الله بها عليك، وزينة زينك الله بها، ولكن انتبه! سوف تسأل عن هذا المال كله من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقت هذا المال؟ سؤالان يملآن القلب بالخوف والوجل، ويجعلان العبد يسأل نفسه ألف مرة قبل أن يحصل جنيهاً واحداً، من أين ستحصل هذا المال؟ من الربا؟ من الرشوة؟ من الحرام؟ من أكل أموال الناس بالباطل؟ من أين ستحصل هذا المال؟ يا من تتاجر في المخدرات؛ لتحرق قلوب أبنائنا وبناتنا، ولا هم لك إلا أن تجمع المال! يا من تتاجر في الربا! يا من تأكل أموال اليتامى! يا من تأكل من الرشاوي! يا من تأكل أموال الناس بالباطل! تدبر الآن وحاسب نفسك، وقف مع نفسك وقفة صدق الآن، وطَهِّر مالك كله قبل أن تُسأل بين يدي الله -الذى يعلم السر وأخفى- عن كل جنيه من أين جئت به؟ من أين لك هذا المال؟ من أين لك هذا الرزق؟.
فالمال نعمة إذا حركته أيدي الصالحين والشرفاء، المال منحة لمؤمن تقي عرف الغاية منه، وعرف الوظيفة لهذا المال، لذا يقول سيد الرجال ﷺ كما في الصحيحين: (لا حسد إلا في اثنتين -والحسد هنا بمعنى: الغبطة- رجل آتاه الله القرآن فهو به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ينفق المال ويعلم أن المال رزق الله، وأن المال ظل زائل وعارية مسترجعة، لذا تدبر معي -أخي الكريم- قول الحبيب ﷺ ، والحديث رواه أحمد والترمذي وصححه شيخنا الألباني من حديث أبي كبشة الأنماري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً -اللهم ارزقنا المال والعلم- فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه -أي: في المال والعلم-حقاً، فهذا بأفضل المنازل عند الله جل وعلا، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان -أي: من الخيرات والمشروعات التي تنفع الأمة- يقول النبي: فهو بنيته فأجرهما سواء).
أيها الفقير! يا منّ من الله عليك بالعلم والفهم والعقل! صحح النية، وسل الله بصدق أن لو رزقك مالاً لعملت كذا وكذا وكذا من أعمال البر والخير، يقول المصطفى: فأنت بصدق نيتك كمن عمل (فهو بنيته فأجرهما سواء) (وعبد -هذا هو العبد الثالث- رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله) ينفق ماله في اللهو والعبث والباطل، (فهو يخبط في ماله، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل).
(وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً) ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان -أي: من اللهو والمعاصي، لسافرت إلى بانكوك ومدريد، وانشغلت باللهو والملذات والشهوات والمعاصي، يقول المصطفى: (فهو بنيته فوزرهما سواء).
المال لا يصبح نعمة إلا إذا كان في يد صالحة تعرف الغاية منه، لذا يقول المصطفى ﵊ -ليبين لنا أن المال هو ما قدمت لدين الله، هو ما بذلت لله جل وعلا، وأن المال الذي ستتركه ليس مالاً لك وإنما هو مال ورثتك -كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه.
قال: فإن ماله ما قدم ومال ورثته ما أخر) ويقول المصطفى كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير: (يقول ابن آدم: مالي مالي -الأموال والعمارات والسيارات والدولارات، وترى الإنسان منتفخاً بماله إن أودع في البنك مبلغاً من المال -وليس لك من مالك إلا ما أنفقت فأبقيت)، ولذا وورد في صحيح سنن الترمذي: أن النبي ﷺ لما أمر عائشة بذبح الشاة، وأمرها بأن تتصدق بها، فتصدقت عائشة بالشاة كلها إلا الذراع، فدخل النبي ﷺ فقال: (ما بقي من الشاة يا عائشة؟ قالت: ما بقي منها شيء إلا الذراع، فقال المصطفى: بل بقيت كلها إلا الذراع)، الذي تصدقت به هو الذي سيبقى لنا.
فالمال -يا إخوة- ظل زائل، وعارية مسترجعة، ستسأل عنه بين يدي الله جل وعلا، ستسأل عن هذا المال كله: من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ واسمع لحبيبك المصطفى ﵌ وهو يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال تعالى للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر النبي ﷺ الرجل، يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟) أنى يستجاب لمن أكل الحرام؟ أنى يستجاب لمن شرب الحرام؟ أنى يستجاب لمن غذى أولاده بالحرام؟ إننا نرى الآن تهاوناً مروعاً في الأكل الطيب الحلال، فترى الرجل لا هم له إلا أن يجمع المال من أي سبيل كان، حتى ولو كان من الحرام، حتى ولو كان من الربا، حتى ولو كان من أموال الناس بالباطل، المهم أن يجمع المال وأن يكنزه، ومع ذلك فو الله لن يخرج من الدنيا بدرهم أو دينار أو دولار.
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم انفقه؟).
وأرجئ السؤال الرابع إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 181
وعن جسمه فيما أبلاه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وأخيراً يسأل الله جل وعلا العبد عن جسمه فيما أبلاه؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، سيسأل الفؤاد -القلب- عما وعاه من اعتقاد، هل امتلأ القلب بحب الله ورسوله والمؤمنين، وامتلأ في الوقت ذاته ببغض الشرك والمشركين والباطل والمبطلين، أم امتلأ بحب الشرك والمشركين والباطل والمبطلين، وببغض الله ورسوله والموحدين؟ سيسأل السمع عن كل ما سمع، سيسأل البصر عن كل ما رأى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فهل يا ترى لا يسأل العبد بين يدى الرب سبحانه إلا عن هذه الجوارح فحسب؟ كلا، بل سيسأل الإنسان عن جسمه كله.
سيشهد هذا الجسم كله بما قدم، وبما صنع، وبما فعل، ستشهد اليد والسمع والبصر والرجل، والجوارح كلها ستشهد، قال الله سبحانه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
وقال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١].
فسوف تسأل عن هذا البدن، وعن هذا الجسم فيما أبليته، هل أبليت جسمك فى عمل الدنيا والآخرة، أم في عمل الدنيا فحسب؟ فلا حرج أن يبلي الإنسان جسمه لعمل الدنيا ولعمل الآخرة, والخطأ والحرج أن يفني الإنسان جسمه كله وحياته كلها في عمل الدنيا؛ ليضيع بذلك حق الله وعمل الآخرة، تاجر، وعَمِّر، وابنِ، واجمع المال من الحلال، لكن لا تنسى حق الكبير المتعال، لا تنسى الآخرة.
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، فلا حرج أن نجمع بين الأمرين.
قال المصطفى: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي).
فاعمل للدنيا وللآخرة، لكن لا تضيع عمرك كله للدنيا وتنسى الآخرة، فهل أبليت جسمك في عمل الدنيا والآخرة، أم في عمل الدنيا ونسيت عمل الآخرة؟! ستتمنى يوم القيامة الرجعة والعودة إلى الدنيا لا لتعمل للدنيا مرة أخرى، بل لتعمل للآخرة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٩] أي: إلى الدنيا ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠]، فاعمل الآن للدنيا وللآخرة قبل أن تتمنى العودة والرجعة، فيقال لك: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠].
واعلم بأنه أنك لو أبليت جسمك كله ليلاً ونهاراً من أجل الدنيا ونسيت عمل الآخرة، والله لن تحصل من الدنيا إلا ما قدره الرزاق لك، مهما تحركت يمنة ويسرة لن تحصل من الرزق إلا ما قدره الرزاق لك، تدبر هذا الحديث الجميل الذي رواه الترمذي وغيره، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع، أنه ﵌ قال: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة) أليس ربنا هو القائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]؟! (من كانت الآخرة همه) هو يعمل للدنيا ولكنه لا ينسى الآخرة، فالآخرة هي الهم، فإن عمل للدنيا فمن أجل أن يتقوى بعمل الدنيا وبحلال الدنيا وبطعام الدنيا وبزينة الدنيا للآخرة، لأن الآخرة هي الهم الذي يعيش له، (من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة) اسمع (ومن كانت الدنيا همه) لا يعيش إلا لها، ولا يأكل إلا لها، ولا ينام إلا لها، ولا يفكر إلا فيها، ولا يبذل العقل والفكر والجهد والوقت إلا للدنيا، فإن ذكر بالآخرة استهزأ وسخر بمن ذكره، هذا يقول فيه المصطفى: (من كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وشتت الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر الله له) ففيم أبليت الجسم؟ في عمل الدنيا والآخرة أم في عمل الدنيا؟ وهل أبليت الجسم في طاعة الله أم في معصية الله؟ سل نفسك هذا السؤال الآن، ما مضى من عمرك هل سخرت الجسم فيه لطاعة الله، أم سخرت الجسم فيه لمعصية الله؟ هل أعطاك الله هذا الجسم لتعصي الله به أم لتطيع الله به؟ والمعصية سبب لكل شقاء، وسبب لكل ضنك وبلاء في الدنيا والآخرة، والطاعة سبب لكل فلاح وفوز وخير في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس: (إن للطاعة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، وضعفاً في البدن، وبغضاً في قلوب الخلق).
وذهب رجل إلى إبراهيم بن أدهم طيب الله ثراه فقال له: يا إبراهيم! ساعدني على البعد عن معصية الله، كيف أترك معصية الله جل وعلا؟ فقال له إبراهيم: تذكر خمساً، فإن عملت بها لن تقع في معصية الله، وإن زلت قدمك سرعان ما ستتوب إلى الله جل وعلا.
قال هاتها يا إبراهيم: قال إبراهيم: إن أردت أن تعصي الله جل وعلا فلا تأكل من رزق الله.
قال: كيف ذلك والأرزاق كلها بيد الله؟ قال: فهل يجدر بك أن تعصي الله وأنت تأكل رزقه؟ هل تعصي الله برزقه عليك؟ هل تعصي الله بنعمه عليك؟ تعصي الله بنعمة الصحة وهي رزق! تعصي الله بالزوجة وهي رزق! تعصي الله بالأولاد وهم رزق! تعصي الله بالعافية وهي رزق! هل يجدر بك أن تعصي الله وأنت تأكل وتتنعم برزق الله؟ قال يرحمك الله يا إبراهيم: هات الثانية.
قال إبراهيم: وأما الثانية: إن أردت أن تعصي الله جل وعلا فابحث عن مكان ليس في ملك الله، ابحث عن أرض ليست ملكاً لله واعص الله عليها.
قال: كيف ذلك يا إبراهيم والملك ملكه، والأرض ملكه، والسماء ملكه؟! قال: ألا تستحي أن تعصي الملك في ملكه؟ قال يرحمك الله: هات الثالثة.
قال: أما الثالثة إن أردت أن تعصي الله جل وعلا فابحث عن مكان أمين لا يراك الله فيه.
قال: يرحمك الله، كيف والله يسمع ويرى؟! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] معهم في أي مكان كانوا بسمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وإحاطته.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب إذا أردت أن تعصي الله -عبد الله- فنقب عن مكان أمين لا يراك الله فيه.
قال: كيف ذلك يا إبراهيم والله يسمع ويرى؟ قال: ألا تستحي أن تعصي الله وأنت على يقين أن الله يراك؟! قال: يرحمك الله هات الرابعة.
قال: أما الرابعة: إذا أردت أن تعصي الله جل وعلا وجاءك ملك الموت فقل له: أجلني ساعة حتى أتوب إلى الله وأدخل في طاعته.
قال: كيف ذلك يا إبراهيم والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]؟ قال: فهل يجدر بك وأنت تعلم ذلك أن تسوف في التوبة وفي عمل الطاعات؟! قال: يرحمك الله هات الخامسة.
قال: أما الخامسة: إذا جاءك زبانية جهنم لتأخذك إلى جهنم فإياك أن تذهب معهم.
فبكى الرجل وعاهد الله على الطاعة.
أيها المسلم! فكر في هذه الخمس جيداً قبل أن تعصي الله، وإن زلت قدمك جدد الأوبة والتوبة إلى الله، واعلم بأن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وما من ليلة إلا والملك يتنزل إلى السماء الدنيا تنزلاً يليق بكماله وجلاله كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وينادي الحق سبحانه ويقول: أنا الملك! أنا الملك! من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر، فهيا عد إلى الله وتب إليه، واستعد بالجواب الآن لهذه الأسئلة، واعلم بأنه لن تزول قدمك حتى تسأل عن هذا كله الذي أمرنا وذكرنا به رسول الله ﷺ ، أسأل الله جل وعلا أن يسترني وإياكم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً على أحد منا إلا
стр. 182
علامات الساعة الصغرى
لقد اختص الله نفسه بعلم الساعة، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا أنه جعل لها أمارات ومقدمات، منها الكبرى منها الصغرى، وقد تحققت بعض العلامات الصغرى وانقضت، وبعضها تحقق ولم ينقض، وبعضها لم يقع بعد، وهذا يدل على قرب قيام الساعة، وأن على المرء أن يستعد لها بالأعمال الصالحة.
стр. 183
الساعة آتية لا ريب فيها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباء الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة.
هذه سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
وهذا هو لقاؤنا الثالث من لقاءات هذه السلسلة المباركة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الأول، وتكلمنا عن الجنازة وهي في طريقها إلى القبر تتكلم، ثم توقفنا مع الجنازة وقد أغلق عليها القبر ليعيش صاحبها في نعيم مقيم، أو في عذاب أليم إلى قيام الساعة، وكان من الحكمة والمنطق قبل أن أتكلم عن مراحل الساعة أن أتحدث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى، ولذا فإن حديثنا اليوم مع حضراتكم عن العلامات الصغرى بين يدي الساعة، وكعادتنا سوف ينتظم حديثنا اليوم مع حضراتكم في العلامات الصغرى في العناصر التالية: أولاً: الساعة آتية لا ريب فيها.
ثانياً: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت.
ثالثاً: العلامات الصغرى التي وقعت ولم تنقضِ.
رابعاً: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
أولاً: الساعة آتية لا ريب فيها: أحبتي في الله! قد يقول حبيب من أحبابنا معقباً على موضوعات هذه السلسلة: إنكم تهربون من الواقع الذي تعيشون فيه إلى عالم تحلمون أن تعيشوا فيه، وكان من الأولى أن تهتموا بأمور المسلمين وجراحاتهم وآلامهم.
وبدايةً فأنا أقدر هذا الشعور النبيل لكل مسلم غيور لا يعيش من أجل الشهوات الرخيصة والنزوات الحقيرة، بل يحترق قلبه على واقع أمته المكلومة الجريحة، وأبشره بأننا -ولله الحمد والمنة- قد تحدثنا في عشرات الأشرطة عن واقع المسلمين المر الأليم، وشخصنا الداء بدقة وأمانة، وحددنا كذلك الدواء من كتاب ربنا وسنة الحبيب نبينا ﷺ ، فليرجع إلى هذه الأشرطة من شاء من الأحبة الكرام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه ينبغي أن نعلم يقيناً -أيها الأحباب! - أن الحديث عن اليوم الآخر ليس من باب الترف الذهني والعلمي، ولا من باب الثقافة الذهنية الباردة التي لا تتعامل إلا مع العقول فحسب، بل إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ولا يصح إيمان العبد أصلاً وابتداءً إلا به، كما في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب وفيه: (أن جبريل ﵇ سأل الحبيب المصطفى: ما الإيمان؟ فقال الحبيب: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره).
فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان بالله، ولا يمكن أن يستقر الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد من العباد إلا إذا وقف على حقيقة هذا اليوم وعرف أحواله وكروبه وأهواله.
ومن ناحية ثالثة: إذا استقرت حقيقة الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد صادق، دفعه هذا العلم بهذا اليوم إلى الاستقامة على منهج الله وعلى طريق الحبيب رسول الله ﷺ ؛ لأنه سيعلم يقيناً أنه سيقف غداً بين يدي الله جل وعلا؛ ليكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، ويقول له الملك: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
فالهدف من هذه السلسلة إيقاظ المسلمين من غفلتهم ورقدتهم، وتذكيرهم للاستيقاظ من هذه الغفلة والرقدة الطويلة، وحثهم على التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
стр. 184
موعد الساعة قريب
عباد الله! إن الساعة آتية لا ريب فيها قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧].
وإذا كان البشر يرون الساعة بعيدة، فإن خالق البشر يخبر أنها قريبة، قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:٦ - ١٠].
وقال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال جل وعلا وقد عبر بصيغة الفعل الماضي: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، بل وعبر الله عن قرب الساعة بالغد القريب، والغد: هو اليوم الثاني لليوم الذي تعيش فيه الآن، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
стр. 185
لا يعلم وقت الساعة إلا الله
إن علم وقت قيام الساعة من خصائص علم الله جل وعلا، فلا يعلم وقت قيام الساعة ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣].
وقال سبحانه في سورة النازعات: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٦].
ولا يعلم وقت قيام الساعة إلا الملك سبحانه، فلا يعلم بوقت قيامها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى جبريل ﵇ وهو أعلى الملائكة، ومحمد ﷺ هو أعلى الخلق منزلة، ومع ذلك جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: (متى الساعة؟ فقال المصطفى: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فإذا كان السائل وهو جبريل، والمسئول وهو البشير النذير لا يعلمان وقت قيام الساعة، أفيتجرأ عاقل بعد ذلك ليقول بأنه على علم بوقت قيام الساعة؟! ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]).
وإذا كان الله قد أخفى وقت قيام الساعة، فقد أخبر ببعض العلامات والأمارات التي تكون بين يدي الساعة، ليئوب الخلق وينيبوا ويتوبوا إلى الله جل وعلا، وقد سمى القرآن هذه العلامات والأمارات بالأشراط، فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨].
أي: فقد جاءت علاماتها وأماراتها، وهأنذا ذا أقسم العلامات إلى ثلاثة أقسام: أولاً: علامات صغرى وقعت وانقضت وانتهت.
ثانياً: علامات صغرى وقعت ولم تنقضِ، بل لا زالت مستمرة.
ثالثاً: علامات صغرى لم تقع بعد.
стр. 186
العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت
стр. 187
بعثة النبي ﷺ
أولاً: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت، وأول هذه العلامات: بعثة الحبيب المصطفى ﷺ ، ففي الصحيحين أنه ﵌ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى) فانظر إلى قرب قيام الساعة، ولا تنظر إلى هذه المئات من السنوات، فإن هذه السنوات في حساب الزمن لا تساوي شيئاً على الإطلاق.
إذاً: فبعثة النبي علامة صغرى وقعت وانقضت.
стр. 188
موت النبي ﷺ
ومنها: موت النبي المصطفى ﷺ ، كما في صحيح البخاري من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: اعدد بين يدي الساعة ستاً: موتي) إلى آخر الحديث.
فموت الحبيب المصطفى من أعظم المصائب في الدين، بل هي أكبر الدواهي للمؤمنين الصادقين، وما ابتليت الأمة بمصيبة كموت الحبيب المصطفى ﵌.
стр. 189
انشقاق القمر
ومن هذه العلامات التي وقعت وانقضت: انشقاق القمر، قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فانشقاق القمر كان علامة من العلامات الصغرى بين يدي الساعة، وقد ورد في ذلك الأحاديث الكثيرة التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، وأذكّر حضراتكم بحديث واحد من هذه الأحاديث.
ورد من حديث أنس ﵁ قال: (طلب أهل مكة من رسول الله أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر).
وفي رواية ابن مسعود ﵁: (انشق القمر على عهد النبي ﷺ شقين، والنبي يقول: اشهدوا اشهدوا).
وسأل المشركون المصطفى أن يظهر لهم آية على أنه نبي من قبل الله، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تشق لنا القمر في السماء نصفين، فسأل الحبيب ربه فاستجاب الله للمصطفى، وشق له القمر في السماء نصفين، فقال المصطفى لهم: اشهدوا اشهدوا ومع ذلك أنكروا وأعرضوا وقالوا: سحر مستمر!
стр. 190
خروج نار في أرض الحجاز
ومن العلامات أيضاً: خروج نار في أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل في بصرى، أي: في حوران ببلاد الشام.
أخي الحبيب! تدبر هذا الحديث العجب الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصْرَى).
وبُصْرَى: بلد تسمى حوران في ديار الشام، ولقد وقعت هذه الآية بمثل ما حَدَّث به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
قال الإمام القرطبي في كتاب: (التذكرة) وغيره: ولقد وقعت هذه الآية بمثل ما حدث الصادق المصدوق ﷺ ، ففي يوم الأربعاء في الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة خرجت نار بأرض الحجاز كانت لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، رآها من أرض الحجاز جميع أهل الشام بالشام.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥] وقد وقعت هذه الآية وانقضت.
стр. 191
علامات الساعة الصغرى التي وقعت ولم تنقض
أيها الأحباب! أكتفي بهذا القدر من العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت، لنقضي بعض الوقت مع العلامات الصغرى التي وقعت ولا زالت لم تنقض بعد.
وأولها: الفتن:
стр. 192
فتن كقطع الليل المظلم
-آه من الفتن- وقد أطلع الله نبيه المصطفى ﷺ على الفتن التي ستبتلى بها البشرية والأمة خاصة إلى أن الله يرث الأرض ومن عليها، ومن ذلك: ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً، فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حَدَّث، به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه).
أخبر النبي ﷺ بالفتن التي ستقع، وقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وغيره: (يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم)، إي والله! إنها الفتن التي جاءت وأقبلت كقطع الليل المظلم.
(تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل على الإيمان فلا يأتي الليل عليه إلا وقد كفر بالرحيم الرحمن! ويمسي على الإيمان فلا يأتي الصباح عليه إلا وقد كفر بالله جل وعلا!! حقاً: إنها فتن كقطع الليل المظلم!
стр. 193
فتنة الغربة
أيها الأحبة الكرام! ومن العلامات: فتنة الغربة حيث يشعر المؤمن بالغربة، فيعيش في عالم يشير إليه بالبنان إذا كان ملتزماً، ويشعر المسلم الصادق بالغربة بين الناس إن أعفى اللحية ولبس الثوب القصير، ووضع السواك في فمه بدلاً من السيجارة، ونقب زوجته وجلببها بجلباب العفة والحياء والمروءة والشرف، وانطلق إلى مجالس العلم، وحرص على طاعة الله، وطهر بيته من التلفاز والخبث والمعاصي والمصائب، فيشير الناس إليه بأصابع التطرف والإرهاب والاتهام: وإن قال وقال الله قال رسوله همزوه همز المنكر المتغالي ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالمسلم الصادق الآن يعيش فتنة قاسية ألا وهي فتنة الغربة، كما قال الحبيب المصطفى ﷺ ، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء).
أبشر يا من تشعر بالغربة الآن بين الناس، أبشر بهذه البشارة لك من رسول الله: (فطوبى للغرباء).
وفي غير رواية مسلم: (قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟! قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يصلحون ما أفسده الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس)، وفي لفظ: (قال: الذين يفرون بدينهم من الفتن)، فأهل الغربة الآن يفرون بدينهم من الفتن، بل لقد روى الترمذي في سننه بسند حسن أن النبي ﵌ قال: (سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على جمر بين يديه).
стр. 194
فتنة الشهوات
أيها الأحبة! إن هذا زمن الفتنة زمن الغربة زمن يشعر فيه المسلم الصادق بالغربة الحقيقية فتنة الغربة وفتنة الشهوات التي صرفت كثيراً من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، فترى الرجل قد جلس أمام التلفاز إلى الفجر أمام مباراة أو مسرحية داعرة أو فيلم ساقط هابط وسمع الأذان بعد ذلك فما تحرك قبله وما تحركت جوارحه للقاء الله ولاستجابة أمر الله جل وعلا.
أقبلت الشهوات فلا مانع أن يضحي الرجل بدينه وعقيدته من أجل أن يجلس على كرسي زائل أو منصب ولا مانع من أن يقتل الأخ أخاه ولا مانع من أن يقتل الولد أباه ولا مانع من أن يقتل الولد عمه أو خاله من أجل ميراث أو مال!! ورد في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري قال المصطفى ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم).
стр. 195
فتنة الشبهات
وهناك فتنة الشبهات التي مزقت الشمل، وشتتت الصف، وحولت الأمة الواحدة إلى دول، بل إلى دويلات، بل وتفتتت الدويلات هي الأخرى إلى دويلات وإلى أجزاء، وأصبحت الأمة الآن غثاءً، وهذه فتنة أخرى جديدة تعصف الآن بقلب كل صادق، إذ يرى المسلم واقع أمته مراً أليماً، في الوقت الذي يرى فيه أمم الكفر ودوله قد قفزت قفزات سريعة جداً في عالم الحضارة والرقي والتطور والمدنية، فينظر المسلم الشاب الغيور إلى واقع الأمة، فيرى الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة، فتعصف الفتنة بقلبه ويتساءل مع نفسه: أهذه هي الأمة التي دستورها هو القرآن، ونبيها هو محمد ﵊، وربها هو الرحيم الرحمن؟! ما الذي بدل عزها إلى ذل؟! ما الذي غير علمها إلى جهل؟! ما الذي حول قوتها إلى ضعف وهوان؟! فلا يجد جواباً فتعصف الفتنة بقلبه.
وهناك فتنة الأولاد وفتنة الزوجات، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤].
وهناك فتنة المنصب والجاه، والمكانة والسلطان، وقد خاطب الله حبيبه المصطفى بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨] وقد قال الله لحبيبه: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨] فتن كثيرة!
стр. 196
تقارب الزمان ونقص العلم وظهور الفتن
جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قول النبي ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل).
وكأن الله قد كشف الحجب لحبيبه المصطفى فهو يحدد واقع البشرية في قرنها العشرين: (إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان)، نعم، فقد تقارب الزمان، بل لقد ورد في سنن الترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (يتقارب الزمان بين يدي الساعة فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كاحتراق السعفة) أي: كاحتراق جريدة من النخيل.
والآن قد نزعت البركة من الوقت، فقد كنت بالأمس القريب تصلي الجمعة، فجاءت الجمعة بهذه السرعة، فقد نزعت البركة من الوقت.
(إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم) والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي، فلقد كثر الجهل بل قد ترى بلداً كبيراً فإذا نقبت فيه لم تجد عالماً يستفتيه الناس في أمور دينهم، فقل العلم بقلة العلماء الصادقين، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماًَ) وفي لفظ: (حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً)، وفي لفظ: (رؤساءً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
أيها الأحبة! في وقتنا الحاضر قل العلم، وتزبب كثير من الناس قبل أن يتحصرموا، وقبل أن يتعلموا، وبالغوا قبل أن يبلغوا، فقالوا في دين الله بغير علم، فضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم.
ومن علامات الساعة وأشراطها: أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر فتن كثيرة كقطع الليل المظلم، تعرض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، والحديث رواه مسلم من حديث حذيفة قال الحبيب ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب إلى قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض).
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أصحاب هذه القلوب التقية النقية التي لا تضرها الفتن، ما دامت السماوات والأرض؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! وهكذا تظهر الفتن، ويكثر الشح، وقد ينطلق الرجل إلى حقله ليجني الحبوب والزروع والثمار، وقد منَّ الله عليه، وما فكر في أن يخرج حق الله وحق الفقراء، بل إذا ذهب إليه فقير تمعر في وجهه، بل وربما رد عليه بعنف وغلظة وقسوة، ولا يريد أن يخرج حق الله، ولا حق الفقير، مع أن الله قد أكرمه وأنعم عليه ومنَّ عليه لكنه الشح والبخل!!
стр. 197
كثرة القتل
ومن العلامات: أن يكثر الهرج، وهو القتل أنتم تتابعون الإذاعات، وتسمعون النشرات فما من يوم يمر الآن على العالم بأسره إلا ويقتل العشرات، بل ولست مبالغاً إذا قلت: ويقتل المئات.
انظروا إلى الواقع المر! لا يدري القاتل على أيِّ شيء قتل.
يساق الجندي الذي هو عضو من أعضاء القوة في الأمم المتحدة، إلى موقع من المواقع لا علم له عن شيء فيه، ويقال له: قف هنا واقتل فلاناً! لماذا؟! ليس من شغلك ولا من عملك! فيقتل الرجل وهو لا يدري على أي شيء قتل، أما المقتول المسكين فهو لا يدري على أي شيء قتل! لماذا قتل المسلمون في البوسنة؟! لماذا قتل المسلمون في الشيشان؟! لماذا قتل المسلمون في الصومال؟! لماذا قتل المسلمون في فلسطين الذبيحة؟! لماذا قتل المسلمون في مورو؟! لماذا قتل المسلمون في طاجاكستان؟! لماذا قتل المسلمون في كل مكان؟!! على أي شيء قتلوا؟! ما جريمتهم؟! ما الذي اقترفوه؟! ما الذي قدموه؟! (ويكثر الهرج) أي: ويكثر القتل لا يدري القاتل على أي شيء قتل وقاتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل.
стр. 198
إسناد الأمر إلى غير أهله
ومن علامات الساعة الصغرى التي وقعت ولم تنقض: إسناد الأمر إلى غير أهله، وهي من العلامات الدقيقة التي هي من علامات النبوة قبل أن تكون من علامات الساعة، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: أن أعرابياً دخل على النبي ﷺ وهو يحدث الناس، فقال الأعرابي: يا رسول الله! متى الساعة؟ -أي: القيامة ستقوم متى- فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يجب الأعرابي على سؤاله، فلما أنهى النبي ﷺ حديثه قال: أين السائل عن الساعة آنفاً؟! فقال الأعرابي: هأنذا يا رسول الله! فقال الحبيب: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
ووالله لقد وسد الأمر إلى غير أهله، وإن الذي يتولى الآن دفة القيادة والتوجيه والإعلام والتعليم والتربية هم الخائنون الكاذبون الساقطون التافهون ممن لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، رفعتهم الأمة على الأعناق، وأخرت أهل الصدق وأهل الأمانة، ولا أقول هذا من عند نفسي، بل الواقع يشهد بذلك.
تدبر معي حديث النبي ﷺ الذي رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة قال ﷺ : (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة).
وقد صدق المصطفى ورب الكعبة، فقد تكلم التافهون الآن لا في أمر العوام فحسب، بل في أمر الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تكلم التافهون وتقدم الساقطون، وأُخر الصادقون وأهل الأمانة، وهذه من علامات الساعة تحقيقاً لقول المصطفى: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
стр. 199
تداعي الأمم على أمة الإسلام
ومن العلامات: تداعي الأمم على أمة الحبيب المحبوب، ففي الحديث الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، أنه ﷺ قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، إنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
إنه واقع نعيش فيه واقع تحياه الأمة!! تداعت أذل أمم الأرض وأحقر أمم الأرض من اليهود من عباد البقر من الملحدين في الشيشان من المجرمين في كل مكان.
تداعت أذل أمم الأرض على أمة الإسلام، وطمع في الأمة الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوي، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة قصعة مستباحة لأمم الأرض!! أصبحت الأمة غثاءً من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة تفصل بين هذه الدويلات حدود جغرافية مصطنعة ونعرات قومية منتنة، وترفرف على سمائها رايات العلمانية أو رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة كلها قوانين الغرب العلمانية، وتدور بها الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه، ذلت بعد عزة وجهلت بعد علم وضعفت بعد قوة وأصبحت في ذيل القافلة البشرية بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت تتسول على موائد الفكر الإنساني والعلمي والطبي الغربي بعد أن كانت بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين الذين أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلم.
إنه تداعي الأمم!!
стр. 200
تسليم الخاصة وفشو التجارة وشهادة الزور
ومن العلامات الصغرى التي وقعت ولم تنقض ولا زالت مستمرة: ما أخبر عنه المصطفى ﷺ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة) أي: لا يسلم الرجل إلا على رجل يعرفه، وهذا واقع.
تمر على أخيك المسلم فلا تلقي السلام عليه؛ لأنك لا تعرفه وهو لا يعرفك، ولا تلقي السلام إلا على من تعرف.
(إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة) أي: تكثر التجارة بين يدي الساعة.
تدبر! (وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة) خروج المرأة للتجارة لتقف مع زوجها في التجارة، يقول النبي: (وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور).
اذهب إلى المحاكم لتبكي دماً بدل الدمع على شهادات الزور بعشرة جنيهات، أو بمائة جنيه.
رجل ينتسب إلى الإسلام لا يتورع أن يشهد زوراً على رجل يعلم أنه سيوضع الحديد في يديه بهذه الشهادة المزورة.
ومن العلامات ما جاء في الحديث: (وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور القلم) ولم يكن هذا على عهد النبي ﵌.
стр. 201
سياط الشرطة يضربون بها الناس
ومن العلامات التي وقعت ولا زالت: ما حدث به رسول الله ﷺ فذكر أن من علامات الساعة ما يمسكه الآن بعض رجال الشرطة في بلاد المسلمين من العصي كأذناب البقر -أي: كذيول البقر- يضربون بها الناس في السجون.
هل تتوقع أن النبي ﷺ يخبر عن ذلك بهذه الدقة؟! قال ﷺ كما في الحديث الذي رواه أحمد والطبراني في الكبير بسند صحيح من حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بين يدي الساعة رجال معه سياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضب الله)، وهذا وصف عجيب دقيق! (بين يدي الساعة رجال معهم سياط) مثل: الكرباج.
(كأنها أذناب البقر)، أي: كذيل البقرة يضربون بها الناس.
قال: (يغدون) من الغدوة في الصباح، (يغدون في سخط الله ويروحون في غضب الله)، بل وحكم عليهم رسول الله بأنهم من أهل النار إن لم يتوبوا إلى العزيز الغفار.
وخذوا هذا الحديث أيها الأخيار! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال المصطفى ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما) وهذه من معجزات وعلامات النبوة.
(صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسمنة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
أيها الأحبة الكرام! لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، وأرجئ الحديث عن العلامات الصغرى التي لم تقع بعد إلى ما بعد جلسة الاستراحة.
والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 202
العلامات الصغرى التي لم تقع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! إن قدر الله لنا البقاء واللقاء فسيكون حديثنا إن شاء الله تعالى عن العلامات الكبرى، والأهم من ذلك أنه يجب علينا ألا نسمع هذا الكلام للتسلية، وإنما يجب علينا أن نأخذه لنتذكر به وقوفنا بين يدي ربنا جل وعلا ولنستعد من الآن بالعمل الصالح، أسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلني وإياكم من الصادقين.
стр. 203
كثرة المال حتى لا تؤخذ الزكاة
من العلامات التي أخبر عنها النبي ﷺ ولم تقع: ما رواه البخاري ومسلم أنه ﵌ قال: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها).
ومن أهل العلم من قال: بأن هذا قد وقع على عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، فلقد خرج المنادي بأموال الزكاة فأغنى الله الفقراء على يد عمر، بل وزوج عمر الشباب، بل قضى عمر الديون، وأعطى النفقة من أراد الحج من بيت مال المسلمين.
ولكن من العلماء من يقول: إن هذه الصورة تكون على مستوى أفراد الأمة لا على مستوى أمير من أمرائها، وستكون بين يدي الساعة وهذه عند جمهور أهل العلم من العلامات التي لم تقع بعد.
стр. 204
انحسار الفرات عن جبل من ذهب
ومن العلامات: ما رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات -أي: حتى ينكشف الفرات- عن جبل من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً).
стр. 205
خروج المهدي
ومن العلامات التي لم تقع: خروج المهدي: والمهدي رجل من آل بيت المصطفى من نسل فاطمة بنت رسول الله اسمه على اسم النبي، واسم أبيه على اسم أبي النبي، أخبر المصطفى عنه في كثير من الأحاديث الصحيحة، رواها أصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال جميع علماء أهل السنة والجماعة بأن أحاديث المهدي قد تواترت عن الحبيب النبي ﵌.
وقد حدد النبي صفته وشكله، ولا يعلم وقت خروجه إلا الله، وأكتفي بهذا الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث علي؛ قال ﵊: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)، أسأل الله أن يعجل به! وعقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بذلك، أما الشيعة الإمامية فإنهم يعتقدون أن هذا المهدي هو آخر أئمتهم، ويقولون: هو محمد بن الحسن العسكري، من نسل فاطمة بنت النبي ﷺ ، ثم يقولون: إن الإمام حاضر الآن في الأمصار وهو غائب عن الأبصار، وهذا لا دليل عليه لا من صريح القرآن ولا من صحيح سنة النبي ﵊؛ لأننا نعتقد أن الله سيصلحه وسيخرجه وقت ما يشاء الملك جل وعلا، ولا يعلم عن وقت خروجه أحد إلا الله.
نسأل الله أن يعجل به، وأن يرد الأمة إلى الحق رداً جميلاً، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
стр. 206
الفائدة من التذكير بعلامات الساعة
أيها الحبيب! عد اليوم وفكر في هذه العلامات، وفكر في هذه الأشراط، واستعد للقاء رب الأرض والسماوات، فوالله ما نذّكر بالساعة ولا بأشراط الساعة من أجل الثقافة الذهنية الباردة، وإنما من أجل أن يتذكر كل غافل، وأن ينتبه كل نائم، وأن يعود كل ساهٍ، وأن يئوب كل عاصٍ إلى الله جل وعلا؛ لأنك إذا مت أيها الحبيب! فقد قامت قيامتك، فاستعد من الآن.
أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها العاصي! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين اللهم انصر المجاهدين في كل مكان اللهم فك سجن المسجونين وأسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع.
اللهم اكس المسلمين العراة وأطعم المسلمين الجياع اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان اللهم لا تحرم مصر من نعمة الأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين اللهم اجعل مصر سخاءً رخاء وسائر بلاد المسلمين.
اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر وما بطن وسائر بلاد المسلمين اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين اللهم تقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 207
مجيء الرب جل وعلا
تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة حتى تكاد أن تذيب الجماجم، والزحام يكاد أن يخنق الأنفس، وعندها يلوذ الناس بالأنبياء؛ ليشفعوا لهم عند ربهم، ولا يزالون ينتقلون من نبي إلى نبي حتى يجيئوا إلى نبي الرحمة محمد ﷺ ، فيشفعه الله في فصل القضاء بين الناس، فيجيء الرب -مجيئاً يليق بجلاله- للفصل بينهم، ويعرضون على الله فرداً فرداً، فياله من موقف مهيب!
стр. 208
ثلاثة مواقف عظيمة من مواقف يوم القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (في رحاب الدار الآخرة): سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بالآخرة، في وقت طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات، ليعود الناس إلى الله جل وعلا، وليتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
وهذا هو لقاؤنا الثاني عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع البشرية كلها، وهي في أرض المحشر وقد أصابها من الهم والغم والكرب ما لا يستطيع بليغ على وجه الأرض أن يجسده، الشمس فوق الرءوس تكاد تذيب الجماجم والعظام، والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس، فالبشرية كلها -منذ أن خلق الله آدم إلى آخر رجل قامت علية الساعة- تقف في موقف واحد، في أرض واحدة.
العرق يكاد يغرق الناس كلٌ بحسب عمله، جهنم -أعاذنا الله وإياكم من حرها- قد أتي بها، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، يؤتَى بها إلى أرض المحشر، فإذا ما رأت الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب ربها جل وعلا، حينئذ تجثوا جميع الأمم على الركب من هول الموقف وكربه والعياذ بالله، بل ولا يتكلم يومها أحد إلا الأنبياء، ودعاء الأنبياء يومئذ: اللهم سلم سلم!! اللهم سلم سلم!!! يزداد الهم والكرب على الخلق، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟! ألا ترون ما قد بلغنا؟! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟! ويذهبون إلى صفوة الله من خلقه: إلى الأنبياء والمرسلين، فيقول كل نبي: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ثم يقول: نفسي، نفسي، نفسي! يقول آدم: نفسي، ويقول نوح: نفسي، ويقول إبراهيم: نفسي، ويقول موسى: نفسي، ويقول: عيسى: نفسي، إلا المصطفى، فهو صفوة الله من خلقه وأكرم الخلق على الله.
يقول الحبيب: فيأتونني، فيقولون: يا رسول الله! ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فأقوم وأقول: أنا لها، ويخر ساجداً تحت عرش الرحمن ﷻ ، ويثني على الله بما لم يفتح الله به على أحد من قبله، ولا على أحد من بعد الحبيب محمد ﷺ ، فينادي عليه ربه ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول المصطفى: يا رب! أمتي أمتي أمتي وفى حديث الصور الطويل يقول الله جل وعلا لنبيه المصطفى: (ما شأنك؟ وهو أعلم، فيقول الحبيب: يا رب! قد وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك، فاقضِ بينهم، فيقول الله جل وعلا: قد شفعتك، أنا آتيكم لأقضي بينكم، فيرجع الحبيب المصطفى ويقف مع الناس في أرض المحشر؛ لينتظروا جميعاً مجيء الرب ﷻ لفصل القضاء بين العباد).
ولقاؤنا اليوم مع حضراتكم في هذا اليوم الأغر المبارك، سوف يتركز الحديث فيه حول العناصر التالية: أولاً: مجيء الرب ﷻ .
ثانياً: أول من يكلمهم الله يوم القيامة.
ثالثاً: العرض على الله جل وعلا وأخذ الكتب.
فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذه الكلمات ورب الكعبة تكاد تخلع القلوب.
стр. 209
أول من يكلمهم الله
أتدرون من هم أول من يكلمهم الله في هذا الموقف العصيب؟! هذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء.
أول من ينادى عليه يوم القيامة هو: آدم ﵇، ينادي الحق سبحانه على آدم فهو أبو البشر، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن المصطفى محمداً ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول آدم: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، فيقول الله جل وعلا: أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله جل وعلا: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة! -فشق ذلك على أصحاب الحبيب محمد ﷺ فقالوا يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟! فقال المصطفى: -والحديث في الصحيحين- هنا يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فترى المرأة التي خرجت إلى أرض المحشر وهي حامل تسقط حملها على الفور من شدة الهول ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: أبشروا! فوالذي نفسي بيده! فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم واحد، فكبر أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: الله أكبر، الله أكبر، فقال لهم المصطفى ﷺ : والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبر أصحاب النبي، فرد المصطفى وقال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبر أصحاب النبي، فقال المصطفى في الثالثة: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)، إذاً: أمة النبي ﷺ تشكل نصف أهل الجنة، مع أنها الأمة الموفية سبعين أمة، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة بسند حسن أنه ﷺ قال: (أنتم موفون سبعين أمة، أنتم أكرمها وأفضلها عند الله جل وعلا).
قال الله مخاطباً أمة الحبيب المصطفى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
اللهم لك الحمد يا من خلقتنا موحدين! وجعلتنا من أمة سيد النبيين، اللهم كما اخترتنا لتوحيدك وجعلتنا من أتباع سيد رسلك، فثبتنا على دينه، وتوفنا عليه، واحشرنا تحت لوائه برحمتك يا أرحم الراحمين! ولله در القائل: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا وهذا فضل من الله، فغيرك -أخي في الله- ولد في بيت يهودي، وغيرك ولد في بيت نصراني، وغيرك ولد في بيت علماني، وفي بيت ملحد، وفي بيت فسق ومعصية، ونحن بفضل الله وكرمه وحده، قد ولدنا ونشأنا في بيوت توحد الله فوحدناه، وتؤمن برسول الله فآمنا به واتبعناه، فهذا فضل الله سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] فالفضل لله ابتداءً وانتهاءً.
فاللهم كما خلقتنا موحدين، وجعلتنا من أمة سيد النبيين وفقنا للسير على دربه، واحشرنا تحت لوائه برحمتك يا أرحم الراحمين! ثم بعد ذلك ينادي رب العزة ﵎ نوحاً: يا نوح! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله سبحانه: هل بلغت قومك؟! -سؤال خطير- فيقول: نعم يا رب! -والله أعلم- فيقول الحق ﷻ : يا قوم نوح هل بلغكم نوح؟! فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، وما رأينا نوحاً قط! وهو الذي مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله في الليل والنهار، في السر والعلانية، ما ترك أسلوباً من أساليب الدعوة قد أتاحه الله له في حينه وزمانه إلا وقد سلك دربه؛ ليدعو الناس إلى دين الله جل وعلا، ومع ذلك ينكر هؤلاء المجرمون! ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، وهنا يقول ربنا لنوح: من يشهد لك يا نوح أنك قد بلغت هؤلاء؟! فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته! فهل رأى محمد نوحاً؟ وهل رأى موحد نوحاً؟ لا والله، يقول المصطفى: (فتدعون فتشهدون لنوح أنه قد بلغ قومه، ثم أدعى فأشهد عليكم)، وفي لفظ ابن ماجة بسند صححه شيخنا الألباني، يقول المصطفى: (فيقول الله لأمتي: من الذي أخبركم أن نوحاً قد بلغ قومه؟! فتقول الأمة الميمونة لربها جل وعلا: جاءنا نبينا محمد فأخبرنا أن الرسل جميعاً قد بلَّغوا قومهم فصدقناه، يقول المصطفى: فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واحشرنا تحت لوائه، برحمتك يا أرحم الراحمين! ثم يدعى عيسى ﵇ ويقال له: يا عيسى! ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦].
لماذا خص الله عيسى من بين سائر الرسل بهذا السؤال؟!! لأنه ما من رسول بعث في قومه إلا وقد آمن به من آمن من قومه، وكفر من كفر، إلا قوم عيسى، فقوم عيسى منهم من قال: إن عيسى هو الله!! ومنهم من قال: إن عيسى هو ابن الله!! ومنهم من جعل عيسى وأمه إلهين من دون الله!! وقد قال بهذا المعتقد الفاسد جمع من طوائف النصارى كالملكية واليعقوبية والنسطورية والمريمية أو المريمانية، وهنا يوجه الله هذا السؤال لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦] ينزه الله ﷻ (قَالَ سُبْحَانَكَ)، وهل يقول عاقل: إن هناك إله يأكل؟! إله يشرب؟! إله يتزوج؟! إله يقضي حاجته؟!! ولله در ابن القيم حين قال: أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فهل هذا إله ويا عجباً لقبر ضم رباً وأعجب منه بطناً قد حواه أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولوداً صغيراً ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك فهل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة:١١٦].
انظر إلى كمال العبودية لله: ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] ثم يقول عيسى ﵇ لربه الرحمن: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
فيرد الحق جل وعلا على عبده المصطفى ونبيه المجتبى عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩].
ثم يدعى جميع الرسل، وهل يسأل الرسل وهم صفوة الخلق، والمؤيدون بوحي السماء؟! اسمع لله جل وعلا وهو يقول: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩].
واسمع لله جل وعلا وهو يقول: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦].
إذاً: لا يسأل الناس فحسب، بل يسأل الرسل أيضاً، الرسل الذين تفرقوا في الأزمان والأوطان، ولكنهم جميعاً يحملون دعوة واحدة، ومنهجاً وحداً، يجمعهم الله يوم القيامة ويسألهم جميعاً، تستشعر ذل العبودية، بل وجلال العبودية في جواب الرسل على الله ﷻ وهم يقولون: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩].
أيها الأخيار! يسأل الرسل، بل والملائكة، والشهداء!! وهؤلاء هم صفوة الخلق: الملائكة والرسل والأنبياء والشهداء، فهل نترك بعد هؤلاء؟! قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٧٠].
وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
стр. 210
مجيء الرب ﷻ
أولاً: مجيء الرب ﷻ .
أعيروني قلوبكم وأسماعكم وكيانكم كله، وتدبروا معي هذه الكلمات، هل منكم أحد حضر يوماً في قاعة محكمة من محاكم الدنيا؟ يوم يؤتى بالمتهمين ليقفوا وراء هذا القفص الحديدي، وفجأة وقد امتلأت قاعة المحكمة بأهل المتهمين وبالمحامين، ويدخل القضاة ليجلسوا على منصة القضاء، ويصرخ الحاجب: محكمة! فَتَصْمُت الأنفاس، وتكاد القلوب أن تقفز من الصدور، ويبدأ المحامون في المرافعات، والمجادلات والمعاذير وتسمع هيئة القضاء، ويردون، ويترافعون، ويتناقشون، ثم يسدل الستار على هيئة القضاء؛ ليتناقش القضاة في إبرام الحكم وفي النطق به، وفي المرة الثانية يدخل القضاة؛ ليصدروا الحكم في هذه القضية.
أسألك بالله: انظر إلى وجوه الناس في قاعة المحكمة.
العيون تبكي، والقلوب تكاد تقفز من الصدور، والأنفاس متقطعة، والكلام همس، والسؤال تخافت، والكل ينظر بأي شيء سيحكم؟! وما الذي سينطق به القاضي؟! وهو العبد الحقير الفقير إلى الله الملك القدير.
تصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلب، بل تكاد القلوب أن تقفز إلى الحناجر؛ لتقف على حجم الهول، والخلق جميعاً في أرض المحشر -ومن بينهم الأنبياء- يقفون وينظرون إلى السماء، ينظرون مجيء الملك العدل ﷻ .
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٨ - ١١١].
تنشق السماء، وينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الإنس والجن! كما قال ابن عباس في قوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥].
قال: ينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الجن والإنس، فتحيط الملائكة بالخلائق في أرض المحشر، فإذا ما نظرت الخلائق إلى الملائكة قالوا: أفيكم ربنا؟! فتقول الملائكة: كلا، وهو آت، أي: إتياناً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك، فصفة المجيء صفة لله لا يجوز لمسلم أن يعطلها، أو أن يمثلها، أو أن يكيفها، أو أن يشبهها.
قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، ويقول الحق سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٦].
اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، يا أرحم الراحمين! ((هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ)) يأتي الحق جل وعلا إتياناً يليق بكماله وجلاله.
فلا تعطل صفة المجيء ولا تكيف صفة المجيء، ولا تشبه الله بأحد من خلقه، جل ربنا عن الشبيه والنظير وعن المثيل، لا ند له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا ولد له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وقال ﷻ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال.
فلا العرش يحمله ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته.
فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
قال ﷻ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وقال ﷻ : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
وقال ﷻ : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤].
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠].
ثم يتنزل أهل السماء الثانية من الملائكة بضعف من في الأرض من ملائكة السماء الأولى والجن والإنس، فيحيط أهل السماء الثانية بأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن.
وهكذا أهل السماء الثالثة فالرابعة فالخامسة فالسادسة فالسابعة على قدر ذلك من التضعيف! ثم يتنزل حملة عرش الملك جل وعلا وهم يحملون العرش ويسبحون الله سبحانه، ويقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، رب الملائكة والروح.
اسمع لربك جل وعلا وهو يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٨].
ويضع الحق ﷻ عرشه حيث شاء من أرضه، ثم ينادي الملك فيقول: يا معشر الجن والإنس! لقد أنصت إليكم منذ خلقتكم، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا اليوم إليَّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم يقول الحق ﷻ : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٥].
لقد أنزل الله الكتب، وأرسل الله الرسل، وجعل بعد خاتم الرسل العلماء والدعاة ممن يسيرون على دربه، ويرفعون رايته، ويحملون منهجه، يوم يقولون للناس: لقد تلي عليكم القرآن، وذكرناكم بسنة النبي ﵊، ولكنكم أعرضتم عن منهج الله ومنهج رسوله، فمن وجد غير الخير فلا يلومن إلا نفسه.
стр. 211
العرض على الله جل وعلا
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداًَ عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة الكرام! بعد ذلك يبدأ الحساب، وسنقف مع الحساب وقفات، فالحساب يبدأ بالعرض على الله ﷻ ، بعد الوقوف بين يدي الحق الملك العدل سبحانه، فأنت في أرض المحشر ستسمع نداء الملائكة: أين فلان بن فلان، والملائكة لا تخطئ أحداً من الخلق منذ أن خلق الله آدم، أين فلان بن فلان؟ ماذا تريدون يا ملائكة الله؟! أقبل للعرض على الله ﷻ ، وقد وكلت الملائكة بأخذك وسوقك في أرض المحشر على رءوس الأشهاد، والخلائق كلها تنظر إليك، فيقرع النداء قلبك، ويصفر وجهك، وترتعد فرائصك، وتضطرب جوارحك، وترى نفسك بين يدي الحق ﷻ ليكلمك، ليس بينك وبينه ترجمان، كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر العبد أيمن منه -أي: عن يمينه- فلا يرى إلا ما قدم -أي: في هذه الحياة الدنيا- وينظر العبد أشأم منه -أي: عن شماله- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: ولو بنصف تمرة تتصدقون بها لوجه الله جل وعلا.
يقرع النداء القلب، ويأمر الله ﵎ بالصحف وبالكتب فيأخذ كل إنسان صحيفته.
تلك الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، فيا حسرة القلب وقتها على ما فرطنا في دنيانا من طاعة مولانا! اسمع لربك جل وعلا، وهو يقول: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩].
أيها المسلم! تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبد على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكاناً أكتفي بهذا القدر وأقف عند العرض على الله جل وعلا، ونواصل في اللقاء المقبل -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء- ونتحدث عن كيفية العرض وكيفية الحساب.
وأسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال.
وأسأل الله أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً معنا إلا هديته، ولا طائعاً بيننا إلا زده وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم مكن لدينك يا أرحم الراحمين! اللهم مكن لدينك يا رب العالمين! اللهم مكن لدينك يا رب العالمين! اللهم طهر الأقصى من دنس اليهود المجرمين! اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود وعملاء اليهود، اللهم حرق قلوب اليهود قبل أن يحرقوا الأقصى، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى، اللهم إنا نشهدك على ضعفنا وعجزنا وفقرنا، فاللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفرج كربنا، واكشف همنا، وآمن روعاتنا، وفك أسرنا، وتول خلاصنا، واختم بالصالحات أعمالنا.
اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد الإسلام، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جنهم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 212
نزول عيسى ﵇
خلق الله عيسى ﵇، وجعله آية من آياته، ومعجزة دالة على كمال قدرته، وهو عبد من عبيد الله، ونبي من أنبيائه، أرسله الله إلى بني إسرائيل، فكذبه اليهود وأرادوا قتله وصلبه، فنجاه الله منهم، ورفعه إليه، وجعل نزوله علامة للساعة، وأخبر الصادق المصدوق أنه ينزل فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام.
стр. 213
عيسى بن مريم والميلاد المعجز
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
في رحاب الدار الآخرة.
سلسلة علمية جديدة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بحقيقة الدنيا، وتنبيه الناس وإيقاظهم من غفلتهم ورقدتهم الطويلة، فقد تأتيهم الساعة بغتة فتأخذهم وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
وهذا هو لقاؤنا الخامس من لقاءات هذه السلسلة العلمية الهامة، وكنا قد أنهينا الحديث -في اللقاء الماضي- عن المسيح الدجال كعلامة كبرى من العلامات التي ستقع بين يدي الساعة، والتي ذكرها المصطفى ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال (فقال المصطفى: ما تذاكرون؟ فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال ﷺ : إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، وهي: الدخان، والدجال، والدآبة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).
ونحن اليوم على موعد مع علامة أخرى من هذه العلامات الكبرى، وقد سبق أن ذكرنا أن المصطفى قد ذكر هذه العلامات بغير هذا الترتيب، ولكن إذا وقعت علامة من هذه العلامات وقعت العلامات الكبرى بعدها تباعاً، فالعلامات الكبرى كحبات العقد، إذا انفرطت منه حبة تتابعت بقية الحبات، كما قال المصطفى في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط مسلم، وأقر الحاكم الذهبي والألباني من حديث أنس بن مالك، أن المصطفى ﷺ قال: (الأمارات -أي: العلامات- خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً).
فنحن اليوم على موعد مع علامة كبرى من هذه العلامات، ألا وهي: نزول عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فأعرني قلبك أيها الحبيب الكريم! وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف نركز الحديث -مع حضراتكم- تحت هذه العلامة في العناصر التالية: أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز.
ثانياً: بل رفعه الله إليه.
ثالثاً: نزول عيسى إلى الأرض من السماء.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
стр. 214
اصطفاء الله لمريم ﵍
أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز.
أيها الحبيب الكريم! لأول مرة في تاريخ البشرية الطويل ينسب نبي إلى أمه فيقال له: عيسى بن مريم، فـ مريم هي الأنثى الوحيدة في الوجود كله التي اختصها الله من بين النساء قاطبة؛ ليودعها سره الأكبر، في أصفى حمل وأعجز ميلاد، ومريم هي الفتاة العذراء التقية النقية التي اصطفاها الله جل وعلا من بين نساء العالمين، فنفخ فيها من روحه، ومنحها هذه المكانة الرقيقة الرقراقة بين أمهات الدنيا، أمها حنة بنت فاقود، وصلت سن اليأس، فتمنت على الله أن يرزقها الولد، لأنها تعلم أن الله على كل شيء قدير، فاستجاب الله دعاءها، وتحرك الحمل في بطنها، فأرادت أن تشكر الله على هذه النعمة، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، نذرت ما في بطنها لله جل وعلا، لخدمة بيت المقدس؛ جزاء ما رزقها الله ﵎ هذه النعمة، بعدما وصلت سن اليأس.
ووضعت هذه البنت الجميلة التقية الطيبة، فنظرت إليها حزينة، وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [آل عمران:٣٦]، فهو الذي رزق وهو الذي قدر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٦] أي: الطاهرة: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧].
ثم اختلف الناس في بيت المقدس، من الذي سيكفل مريم؟ من الذي سيتولى رعايتها وتربيتها؟ فقالوا: نضرب القرعة فيما بيننا، ننطلق إلى النهر، وكل واحد منا يلقي قلمه، فأيُّ قلم يعاكس التيار -يمشي في عكس تيار الماء- فصاحب هذا القلم هو الذي سيكفل مريم، فانطلقوا جميعاً وكلٌ ألقى بقلمه، وانجرفت الأقلام كلها مع تيار الماء، إلا قلماً واحداً مشى في عكس اتجاه التيار، فأخرجوا هذا القلم فوجدوه قلم زكريا ﵇: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧].
وتعجب زكريا ﵇ من هذا الطهر والتعبد والزهد والعفاف الذي تحلت به مريم البتول، ومن تلك المكانة العالية التي عند الله ، فكلما دخل عليها زكريا وجد عندها رزقاً، قال أهل التفسير: وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧].
وهكذا أيها الأخيار الكرام! وضع الله مريم في بستان الورع، بين أزهار التقى والعفاف والصلاح والنقاء، وترعرعت هذه الزهرة والنبتة الطيبة، ونشأت مريم في هذا المكان وفي هذا الجو الإيماني الطاهر العفيف، فاصطفاها الله وبشرها بهذه البشارة: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٤] وظلت مريم ساجدة، وظلت مريم راكعة حتى أراد الله جل وعلا أن يمنحها تلك المكانة الرفيعة بين أمهات الدنيا، فنفخ فيها جل وعلا من روحه؛ لتنجب عيسى ﵇، فبين الله للخلق عظيم قدرته، فكما أنه خلق آدم من غير أب ومن غير أم، خلق عيسى من أم دون أب، وخلق سائر الخلق من أم وأب؛ وليعلم الناس جميعاً أن الله على كل شيء قدير.
стр. 215
بداية قصة الحمل بعيسى ﵇
في يوم من الأيام خلت مريم بنفسها لقضاء شأن من شئون العذراء الخاصة، وفجأة انحبس صوتها وشخص بصرها، إنها مفاجأة مذهلة تأخذ العقول! بل وتصدع الأفئدة، ما هذا؟! بشر سويٌ في خلوة العذراء البتول الطاهرة؟! وسرعان ما استغاثت بالله، ولجأت إلى الله، ونظرت إليه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، أي: إن كنت ممن يتقي الله وممن يخشى الله فإني أعوذ بالرحمن منك، ولم تقل: فإني أعوذ بالجبار منك، ولم تقل: فإني أعوذ بالغفار منك، وإنما استجاشت الرحمة في قلبه بذكر اسم الرحمن، فقالت: إني أعوذ بالرحمن منك، أي: ارحم ضعفي! وارحم أنوثتي! وارحم خلوتي!! وكانت المفاجأة الأخرى أن نطق هذا البشر السوي في خلوة العذراء البتول الطاهرة قائلاً لها: لا تخافي ولا تحزني، فأنا رسول من الله إليك: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:١٩ - ٢٠]، فهي لا تتصور وسيلة أخرى مطلقاً للإنجاب إلا بهذه الوسيلة: أن يلتقي الرجل مع المرأة، وهي لم تتزوج بعد، ولم تفكر في الرذيلة من ناحية أخرى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠].
وهنا يأتي هذا الرد الحاسم القاطع، فيقول هذا الملك والرسول الكريم: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
следующие страницы →