Полный текст (240 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
عذاب القبر
عذاب القبر ثابت في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، والأدلة الواردة فيه كثيرة جداً لا تحصى عدداً، فإننا نجد اليوم ملاحدة وزنادقة ينكرون عذاب القبر، بل وينكر بعضهم البعث عياذاً بالله، مسندين ذلك إلى أن العقل البشري كيف يؤمن بغيبيات لا يدركها! والمعصوم من عصمه الله بالالتزام بكتابه والعمل بسنة نبيه والتصديق بهما.
стр. 2
كُتِّاب اليوم وإنكارهم عذاب القبر ونعيمه
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
اللهم! صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله الإخوة الأحباب الأعزاء، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياهم على طاعته أن يجمعني وإياهم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (في رحاب الدار الآخرة) سلسلة علمية جديدة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، أقدمها اليوم لأذكر بها نفسي وإخواني، لا سيما ونحن نعيش الآن زماناً طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات جل وعلا، وقد انتظمت هذه السلسلة في عشرات الأشرطة، وكان آخر هذه الأشرطة بعنوان: (صفحات سود من تاريخ يهود)، فليراجع هذه الأشرطة من شاء من الأحبة الكرام الخيار.
أيها الأحبة الكرام! في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على الأعناق، إذا كانت صالحة قالت: قدموني قدموني وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها إلى أين تذهبون بها؟ -قال المصطفى-: يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق).
فها نحن قد وصلنا مع الجنازة إلى القبر، فقف معي الآن عند القبر وأهواله وفتنة القبر وأحواله، أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم من فتنه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وسوف ينتظم حديثنا في هذه العناصر التالية: أولاً: الأدلة على عذاب القبر ونعيمه.
ثانياً: أسباب عذاب القبر.
وأخيراً: السبيل للنجاة من عذاب القبر.
فأعرني قلبك أيها الحبيب الكريم؛ فإننا اليوم في مسيس الحاجة لهذا الموضوع، لاسيما وقد دُفع إلي مقالٌ لأستاذ دكتور على صفحة سوداء من صفحات جرائدنا الغراء، عنوان هذا المقال (عذاب القبر مجرد خرافات وخزعبلات)! هكذا يعنون لمقاله فضيلة الأستاذ الدكتور (عذاب القبر مجرد خرافات وخزعبلات)، ثم يتطاول هذا الأستاذ الدكتور الجريء فيقول: إن جميع الأحاديث التي وردت في مسألة عذاب القبر مجرد خرافات.
ثم أظهر الدكتور جهله الفاضح فقال: لأن عذاب القبر غيب، والقرآن بَيَّن لنا أن النبي لا يعلم الغيب! قمة الجهل، وجهل مركب.
فمعنى ذلك -يا فضيلة الدكتور- أنه ينبغي أن ننكر ونكذب بكل أمر غيبي أخبرنا به النبي المصطفى ﷺ ، كالإيمان بالله، وكالإيمان بالملائكة، وكالإيمان باليوم الآخر، وسائر الغيبيات التي أخبر عنها رسول الله ﷺ .
ونسي هذا المسكين قول رب العالمين، في حق سيد النبيين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
وتمنيت أن لو راجع فضيلة الدكتور أول الآيات في سورة البقرة ليقرأ من جديد قول الله جل وعلا: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣].
فأول صفة من صفات المتقين: أنهم يؤمنون بالغيب.
وخرج علينا أستاذ آخر بكتاب ضخم يزيد على ثلاثمائة صفحة، ينفي فيه من أول صفحة إلى آخر صفحة عذاب القبر ونعيمه، وقد قام بلي أعناق النصوص لياً عجيباً، وهأنذا اليوم أرد على هؤلاء المتطاولين المكذبين المنكرين، الذين قال عنهم الإمام القرطبي والإمام الحافظ ابن حجر قالا: لم ينكر عذاب القبر إلا الملاحدة، والزنادقة، والخوارج، وبعض المعتزلة، ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة، وخالفهم جميع أهل السنة.
وقال الإمام أحمد: عذاب القبر حق، ومن أنكره فهو ضال مضل.
فكل ما جاءنا عن النبي بسند جيد قبلناه، وإلا فلو رددناه لرددنا أمر الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] فانتبه معي جيداً أيها الحبيب، وسأسوق لك الآن سيلاً من الأدلة الصحيحة على عذاب القبر من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ولن أطيل الوقفة مع القرآن؛ لأن القرآن حمَّال أوجه، كما قال علي بن أبي طالب لـ ابن عباس وهو في طريقه لمناظرة الخوارج.
قال علي: (يا ابن عباس! جادلهم بالسنة ولا تجادلهم بالقرآن؛ فإن القران حمَّال أوجه).
стр. 3
كلام ابن أبي العز في إثبات عذاب القبر ونعيمه
أستهل الحديث بين يدي هذا العنصر الهام بمقدمة أقتبسها من كلام أئمتنا الأعلام، وأبدأ هذه المقدمة بكلام دقيق نفيس للإمام ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية على شارحها ومصنفها الرحمة من الله جل وعلا.
يقول الإمام ابن أبي العز: اعلم أن عذابَ القبر هو عذاب البرزخ.
ووالله لو فهمت هذه العبارة لحلت جميع الإشكالات في هذه المسألة؛ إذ إن حقيقة حياة البرزخ لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا بوحي من الله جل وعلا.
قال: اعلم أن عذابَ القبر هو عذاب البرزخ، وكل إنسان مات وعليه نصيب من العذاب ناله نصيبه من العذاب قُبِرَ أو لم يُقْبر، سواء أكلته السباع، أو احترق فصار رماداً في الهواء، أو نسف، أو غرق في البحر.
فكل من مات وعليه نصيبه من العذاب ناله نصيبه من العذاب قبر أو لم يقبر، وأنا أسألك -أيها المسلم الغيور-: هل تستكثر ذلك على الملك الغفور؟! المشكلة أننا حكمنا العقل القاصر في أمر غيبي، فمن الظلم إذاً أن نحكم قانون الدنيا في قانون الآخرة، أن نحكم قانون الشهادة في عالم الغيب، فأنا أسألك -أيها المسلم الغيور-: هل تستكثر ذلك على الملك الغفور؟ خذوا -يا من تحكمون العقول- هذا الدليل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة جمع بنيه، وأخذ عليهم العهود والمواثيق وقال لهم: يا بني! إذا أنا مت فحرقوني واسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فاذْرُوني)، وفي لفظ: (فاذْرُوا نصفي في البر واذْرُوا نصفي في البحر، فلئن قدر الله علي عذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين فلما مات الرجل فعل بنوه به ذلك.
فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال الملك لهذا الرجل: كن.
فكان بين يديه جل وعلا -قال له: كن بشحمك ولحمك وعظامك فكان بين يدي الله جل وعلا-، فقال له الملك: عبدي! ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟! قال العبد: خشيتك -يا رب! - وأنت تعلم، فغفر الله له).
الشاهد من الحديث أن الله أحياه وقد أحُرِق وذُرِي رماده في البر والبحر، فقال الملك: كن.
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فقدرة الله لا تحدها حدود، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه: ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠].
قدرة الله لا تحدها حدود، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لكن الإشكال أننا حكمنا العقل، وقوانين الدنيا وقوانين الشهادة في أمر الآخرة وفي عالم الغيب.
стр. 4
كلام ابن القيم في إثبات عذاب القبر
وأثني هذه المقدمة بكلام نفيس للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فتدبره جيداً -أيها الحبيب- وقف عليه وعض عليه بالنواجذ، يقول ابن القيم: إن الله تعالى قد جعل الدور ثلاثاً، وهي دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وجعل الله لكل دار أحكاماً تختص بها، فجعل الله الأحكام في دار الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل الأحكام في دار البرزخ تسري على الأرواح والأبدان تبع لها، وجعل الأحكام في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان معاً.
قمة الدقة، ثم قال ابن القيم: واعلم بأن سعة القبر وضيقه ونوره وناره ليس من جنس المعهود للناس في عالم الدنيا.
تدبر هذا الكلام جيداً، ثم ضرب لنا مثلاً عقلياً رائعاً دقيقاً فقال: انظر إلى الرجلين النائمين في فراش واحد، أحدهما يرى في نومه أنه في نعيم، بل وقد يستيقظ وأثر النعيم على وجهه، ويقص عليك ما كان فيه من النعيم، قد يقول لك: الحمد لله، لقد رأيتني الليلة وأنا مع رسول الله ﷺ ، وكلمت النبي، ورأيت النبي، ورد علي النبي، وقال لي النبي ومن رأى النبي في المنام فقد رآه حقاً، قمة النعيم وقمة اللذة والفرح والسرور، ويستيقظ من نومه وهو يقص عليك هذا، وأخوه إلى جواره في فراش واحد قد يكون في عذاب، ويستيقظ وعليه أثر العذاب، ويستيقظ من نومه ويقص عليك ويقول: كابوس كاد أن يخنق أنفاسي -أعوذ بالله-.
تدبر أيها المسلم.
الرجلان في فراش واحد، هذا روحه كانت في النعيم، وهذا روحه كانت في العذاب، مع أن أحدهما لا يعلم عن الآخر شيئاً.
وهذا في أمر الدنيا، فكيف بأمر البرزخ الذي لا يعلمه إلا الملك؟!! تدبر هذا كله، إنها مقدمة دقيقة ولو تدبرتها لوقفت على الحقيقة.
وأنا أقول: متى كان العقل حاكماً على الشرع والدين؟!! لا تفهم مني أنني أريد أن أقلل من قدر العقل، أبداً أبداً، بل إنني ممن ينادي بتقدير العقل وبيان مكانة العقل، لاسيما ونحن نعيش الآن زماناً انصرفت فيه الأمة المسكينة عن التعليم والعلم والتخطيط والتنظيم، وصارت الأمة أمة تعيش عالة على علم الغرب، وأنا لا أنكر ما وصل إليه الغرب في الجانب العلمي والمادي، في الوقت الذي تأخرت فيه الأمة عن الركب العلمي، أنا ممن يقول دائماً بأن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً، بل يبارك نور الوحي نور العقل، بل يزكي الوحي العقل، بشرط أن يعلم العقل قدره، وأن يسجد العقل مع الكون كله لله رب العالمين، فمتى كان العقل على الإطلاق حاكماً على الشرع والدين؟! لله در علي يوم أن قال: لو كان أمر الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه.
أنت تمشي بباطن الخف على الأرض، فلو كان الدين بالعقل فإنه لا يجوز لك أن تمسح ظاهر الخف وإنما تمسح باطن الخف؛ لأنه هو الذي وطئ التراب والأرض، لو كان أمر الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه.
стр. 5
العقل البشري وطغيانه وتمرده على الله
وتدبر معي -أيها الشاب الحبيب- لتتعرف على قيمة العقل البشري إذا تحدى نور الوحي الإلهي وانفك عن نور الهدي المحمدي النبوي، هذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي أُقِرُّ أنه قد وصل إلى ما وصل إليه في الجانب المادي والعلمي، انطلق بعيداً في أجواء الفضاء، وفي أعماق البحار، وفجر الذرة، وصنع القنبلة النووية، بل وحول العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التقدم المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات، هذا ما وصل إليه العقل الأمريكي الجبار في جانب العلم والمادة، انظر إلى حقيقته في جانب الأخلاق والعقيدة والروح، ستراه قد هوى إلى قاع الرذيلة ومستنقع الزندقة والإلحاد، فها هو العقل الأمريكي في هذه الأيام يدافع عن الشذوذ الجنسي، وليست أحداث الحملة الانتخابية لـ بيل كلنتون منكم ببعيد، الذي أذن للشاذين جنسياً أن يدخلوا الجيش الأمريكي، بل والآن الكنائس في أمريكا تعقد فيها حفلات الزواج، وستعجب إذا علمت أن الزوج رجل والزوجة رجل، يتزوج الرجل بالرجل، وتتزوج المرأة بالمرأة، هذا هو العقل الأميركي الذي لا زال يتغنى بالديمقراطية في كل أنحاء العالم، وإذا ما ذهبت إلى (نيويورك) فاجأ بصرك تمثال الحرية الكاذب، تتغنى بالديمقراطية وفي الوقت ذاته لا زالت تدافع عن العنصرية اللونية البغيضة! وكلنا يتذكر أحداث (لوس أنجلوس).
وهذا هو العقل الروسي الملحد، شعاره: يؤمن بثلاثة ويكفر بثلاثة، يؤمن بـ ماركس ولينين واستالين، ويكفر بالله، وبالدين، وبالملكية الخاصة.
وهذا العقل اليوناني يدافع عن الدعارة، وهذا العقل الروماني يدافع عن مصارعة الثيران، وهذا العقل الهندي يدافع عن عبادة البقرة، وهذا العقل العربي في الجاهلية الأولى يدافع عن وأد البنات وهن أحياء، ويدافع عن عبادة الأصنام، وهذا العقل في جاهليته المعاصرة يؤمن بالكفر والزندقة، ويتغنى بالبعثية والقومية، فيقول قائلهم: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني ويقول آخر: هبوني عيداً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم هذا هو العقل حينما يتحدى الوحي الإلهي وينفك عن الهدي المحمدي النبوي، فينبغي أن يعلم العقل قدره، وينبغي أن يقف العقل عند حدوده، فلينطلق العقل في حدوده ومجاله ليسجد مع الكون كله لله رب العالمين، لو كان أمر الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخف -كما ذكرت- أولى بالمسح من أعلاه.
стр. 6
الأدلة الواردة في إثبات عذاب القبر
стр. 7
حديث عائشة في تصديق اليهودية في إثبات عذاب القبر
وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (دَخَلَتْ علي امرأة يهودية من يهود المدينة، فذكرت عذاب القبر فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر.
فلما خرجت اليهودية سألت عائشة النبي ﷺ عن عذاب القبر.
فقال: نَعَمْ عذاب القبر)، وزاد غندر: (عذاب القبر حق)، وهذه الزيادة ليست في رواية البخاري، أعني قول غندر: عذاب القبر حق.
تقول عائشة: (فما رأيت النبي بعد يصلي إلا ويستعيذ بالله من عذاب القبر).
стр. 8
حديث البراء الطويل في بيان عذاب القبر ونعيمه
وهنا حديث عمدة وأصل من الأصول في هذا الباب رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه، والنسائي في سننه، وأبو داود في سننه، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الإمام الذهبي، وصحح الحديث الإمام ابن القيم في (تهذيب السنن) و (إعلام الموقعين)، وأطال النفس في الرد على من أعل هذا الحديث، وصحح هذا الحديث الشيخ الألباني وغيره من حديث البراء بن عازب ﵁ أنه قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فلما انتهينا إلى القبر جلس النبي على شفير القبر -أي: على حافة القبر- وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، وفى يد النبي عود -وانظر إلى دقة الوصف من البراء - ينكت به في الأرض -يضرب به الأرض-، ثم رفع النبي ﷺ رأسه ونظر إلى أصحابه وقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر! استعيذوا بالله من عذاب القبر! استعيذوا بالله من عذاب القبر! قالها النبي مرتين أو ثلاثاً، ثم التفت النبي إليهم وقال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، فيأتي ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روحه فتسيل كما تسيل القطرة من في السِّقَاء، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يضعوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على ظهر الأرض، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: روح من هذه الروح الطيبة؟ فيقولون روح فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى إذا انتهوا إلى الله في السماء السابعة قال الله جل وعلا: اكتبوا كتاب عبدي في عليين -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، ثم أعيدوها إلى الأرض، فمنها خلقناهم وفيها نعيدهم ومنها نخرجهم تارة أخرى يقول النبي ﷺ : فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، -عاش لها وعليها-، وما دينك؟ فيقول: الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما علمك -أي: ما الذي علمك هذا-؟ فيقول: قرأت كتاب الله وصدقت بما فيه فينادي مناد أن: صدق عبدي، فألبسوه من الجنة، وافرشوا له فراشاً من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة.
ويأتيه رجل أبيض الوجه حسن طيب الريح، فيقول له: أبشر.
هذا يومك الذي كنت توعد فيقول صاحب القبر لصاحب هذا الوجه المنير: من أنت لا يأتي وجهك هذا إلا بخير؟ فيقول له: أنا عملك الصالح.
-يقول له: أنا توحيدك، أنا صلاتك، أنا صيامك، أنا زكاتك، أنا حجك، أنا أمرك بالمعروف، أنا نهيك عن المنكر، أنا برك بوالديك، أنا صدقتك- فيقول: رب أقم الساعة.
رب أقم الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وإذا كان العبد الكافر في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح -والمسوح ليف من النار- فيجلسون منه، حتى إذا جاء ملك الموت فجلس عند رأسه، فإذا ما انتهى الأجل نادى على روحه وقال: أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وعذاب، فتنتزع كما ينتزع السفود -أي: الشوك الصلب- من الصوف المبلول، فلا تدعها الملائكة في يده طرفة عين، وتلفها في هذه المسوح من النار، وتنبعث منها رائحة كأنتن ريح جيفة على ظهر الأرض، فإذا ما أرادت الملائكة أن تصعد بها إلى السماء لا تفتح لهذه الروح أبواب السماء، وقرأ النبي قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، ثم ينادي الملك جل وعلا: اكتبوا كتاب عبدي في سجين، ثم أعيدوها إلى الأرض، فمنها خلقناهم وفيها نعيدهم ومنها نخرجهم تارة أخرى.
ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى).
لا يعرف رباً، ولا يعرف إلهاً، عاش على الكفر في الدنيا، عاش على الشهوات، عاش على النزوات، وما امتثل أمر الله، وما امتثل أمر رسول الله، سمع الأذان يقول: (حي على الصلاة) ولا زال قابعاً أمام المباريات وأمام المسلسلات وأمام الأفلام، أما آن لك أن تهتدي عبد الله؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] ما الذي جنيناه من هذا التلفاز؟! ما الذي جنيناه من المسلسلات والمباريات والأفلام؟! لقد سمعنا بآذاننا لاعبي الكرة الذين يرفعون الآن على الأعناق، سمعنا منهم وسمعتم -يا من تتابعون المباريات- من يسب دين الله جل وعلا، هؤلاء الذين يكرمون، هؤلاء الذين يرفعون، يكرمون على أعلى المستويات، على مستوى رئيس الدولة، أمة عشقت الهزل وكرهت الجد، أمة عشقت الهزل يوم أن كرهت الجد، وتعبت عن أن تواصل الجد على طريق الجادين الصادقين، كرة، ومسلسلات، وأفلام، ومسرحيات، وبرامج تدمر الفضيلة وتؤصل الرذيلة، وها أنتم ترون اليهود الآن يتلاعبون بالعالم، لا بالعالم الإسلامي، بل بالعالم الغربي والشرقي، وها هو وزير خارجيتنا يصرح بمنتهى الوضوح ويقول: إنني أحذر إسرائيل من المواجهة العسكرية من جديد في المنطقة.
وهذا التحذير الجديد يُعلِن بمنتهى الوضوح عن هوية اليهودية.
هذا الواقع، والله لو جد الجد لم يفر من الميدان إلا من يرفعون اليوم على الأعناق، ولم يثبت في الميدان إلا من تصب الأمة عليهم الآن جام غضبها من الشباب الطاهر الذي وحد الله جل وعلا وامتثل سنة رسول الله ﵌.
أيها الحبيب يقول النبي ﷺ في وصف حال الكافر: (فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى -لا يعرف ديناً، ولا عاش للدين ولا على الدين- فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه.
لا أدري، -فلا يعرف رسولاً، ولا يعرف نبيناً، وما عاش لهذا، هو في غنى عن كل هذا- فينادي منادٍ أن: كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار فيأتيه من ريحها وسمومها، ويأتيه رجل قبيح الوجه نتن الريح، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي لا يجيء بخير؟ فيقول له: أنا عملك السيئ، وهذا يومك الذي كنت توعد فيقول: رب: لا تقم الساعة.
رب: لا تقم الساعة!!).
أيها الأحبة! أظن أن في هذه الأدلة كفاية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 9
حديث مرور النبي في حائط لبني النجار على قبور المشركين
وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد وابن حبان والبزار وغيرهما من حديث زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ كان يركب على بغلة له، ودخل حائطاً -أي: حديقة أو بستاناً لبني النجار، وهم أخوال النبي- ومر النبي في الحائط على ستة أقبر أو خمسة أو أربعة، فلما مر ببغلته عند القبور حادت البغلة بالنبي ﷺ حتى كادت أن تلقي النبي على الأرض، فسأل النبي ﷺ : من يعرف أصحاب هذه القبور؟! فقال رجل أنا يا رسول الله.
فقال النبي ﷺ : متى ماتوا؟ قال الرجل: ماتوا في الشرك.
فقال المصطفى: إنهم ليعذبون في قبورهم، ولولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع)، ماذا تريدون بعد ذلك أيها المسلمون؟! وماذا تريدون بعد ذلك أيها المنكرون؟!
стр. 10
دعاء النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر)
وَقِفْ مع هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ كان يدعو الله ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) هذا دعاء المصطفى، دعاء صريح صحيح في أعلى درجات الصحة، في البخاري ومسلم: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر).
стр. 11
قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً)
ومع ذلك فها أنا أسوق الأدلة الكثيرة الصحيحة الصريحة على عذاب القبر، وأستهلها بهذه الترجمة الفقهية البليغة لإمام الدنيا في الحديث، للإمام البخاري صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله جل وعلا باتفاق الأمة بلا منازع، ترجم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باباً بعنوان: (باب ما جاء في عذاب القبر)، وتكفي هذه الترجمة، فقهُ البخاري في تراجمه كما قال علماء الحديث والجرح.
وساق البخاري في هذا الباب الآيات الكريمة عن الله جل وعلا، وروى فيه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، وأكتفي بآية واحدة استدل بها جميع أهل السنة بلا خلاف على ثبوت عذاب القبر: تدبر معي قول الله في سورة غافر في حق آل فرعون: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
قال جميع أهل السنة: ذكر الله في هذه الآية عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار ذكراً صريحاً، (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) أي: صباحاً ومساءً.
هذا في دار البرزخ، وفي دار القرار يوم القيامة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
فذكر الله عذابين في الآية: عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة، عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار.
ومع ذلك خذ الأدلة الصحيحة التي تلقم المنكرين الأحجار.
وأود أن أنبه الجميع إلى أن الله قد أنزل على النبي وحيين، وأوجب الله على عباده الإيمان بهذين الوحيين، ألا وهما القرآنُ والسنة، القرآن والسنة الصحيحة.
انطلق هؤلاء المنكرون وقالوا: كفانا القرآن.
وظنوا أنهم بهذه الدعوى -التي يغني بطلانها عن إبطالها، ويغني فسادها عن إفسادها- قد خدعونا، وسنسلم لهم بأنه يكفي القرآن كلا كلا من كذب السنة الصحيحة فقد كفر بالقرآن، ومن رد السنة فقد رد القرآن.
تدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
وتدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وتدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]-أي: حتى يحكموك يا محمد: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وتدبر معي قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وتدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١].
وتدبر معي قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، قال النبي ﷺ في الصحيحين: (هذه الآية نزلت في عذاب القبر).
стр. 12
حديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ -وانظر إلى هذا الحديث الصحيح الصريح في عذاب القبر- أن المصطفى مر على قبرين، فقال الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله -أو: لا يتنزه من بوله-) فهذا حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة والنبي ﷺ قال فيه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥]، وتدبر معي هذا الكلام النفيس لـ ابن القيم في إعلام الموقعين في المجلد الثاني، قال ابن القيم: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تأتي السنة مؤكدة لما جاء به القرآن، وهذا من باب تضافر الأدلة.
الوجه الثاني: أن تأتي السنة مبينة وموضحة لما أجمله القرآن.
قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، لكن الله لم يذكر لنا كيفية الصلاة، ولا أركان الصلاة، ولا سنن الصلاة، ولا مواقيت الصلاة، ولا عدد الصلوات، فجاء المصطفى ليبين لنا كيفية الصلاة، وأركان الصلاة ومواقيت الصلاة إلى آخره.
فالسنة توضح ما أجمله القرآن.
الوجه الثالث: أن تأتي السنة موجبة أو محرمة لما سكت عنه القرآن، قال المصطفى: (ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) قال المصطفى: (ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله).
قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فما حرمه الله حكمه كحكم ما حرمه رسول الله، وهل من شك أن رسول الله لا يحرم شيئاً إلا بأمر من الله، أو لا يأمر بشيء إلا بأمر عن الله؟! ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] لمن خالف أمر النبي ﵌، مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان) هكذا بمنتهى الصراحة والوضوح: (ليعذبان وما يعذبان في كبير)، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة ليوقع العداوة والبغضاء بين عباد الله، والآخر كان لا يستتر من بوله، وانظر إلى هؤلاء الرجال الذين لا حياء عندهم، يقفون على شاطئ البحر، فينزل الرجل عارياً ليغتسل أمام الرجال والنساء في الشط الآخر، ألا تستحيي؟! اتق الله عبد الله، فهذا كان لا يستتر من بوله، فما بالكم بمن لا يستتر في غسله؟!
стр. 13
أسباب عذاب القبر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وأسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المخلصين الصادقين، وأن يختم لي ولكم بخاتمة السعادة، وأن يرزقنا الزيادة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
في عجالة أذكرك -أيها الحبيب- بالعنصر الثاني، وهو أسباب عذاب القبر.
والحديث عن أسباب عذاب القبر من وجهين: مجمل ومفصل.
أما المجمل فإن معصية الله أصل لكل بلاء، وعلى رأس هذه المعاصي الشرك، أسأل الله أن يرزقني وإياكم التوحيد، فإن أعظم زاد تلقى الله به هو التوحيد، وإن أبشع وأشنع ذنب تلقى الله به هو الشرك: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
أما التفصيل فقد ذكر النبي ﷺ -كما ذكرت آنفاً- أن النميمة من أسباب عذاب القبر، وهناك الآن من المتخصصين في النميمة ما لا يحصى من العدد، رجال ونساء متخصصون في النميمة وفي نقل الفتن بين الناس لتأصيل العداوة والبغضاء في القلوب، يأتي إليك ليقول لك: قال فلان عنك كذا وكذا.
ووالله ما قال فلان هذا، ثم ينطلق إلى الآخر فيقول: أوما سمعت ما قد قال فلان؟ لقد قال كذا وكذا! أوما سمعت؟ لقد قالت فلانة عنك كذا وكذا! معشر المسلمين! النميمة سبب من أسباب عذاب القبر، قال المصطفى: (أما أحدهما كان يسعى بين الناس بالنميمة)، وعدم الاستتار من البول، وعدم التنزه من البول سبب من أسباب عذاب القبر في الحديث الصحيح.
والكذب، والربا، وهجر القرآن من أسباب عذاب القبر، كما في حديث سمرة بن جندب الطويل الذي رواه البخاري، فقد ذكر النبي فيه من أسباب عذاب القبر الكذب، والربا، وهجر القرآن، والزنا والغلول، والغلول: كل شيء يؤخذ من الغنيمة قبل أن تقسم.
ويدخل تحت الغلول السحت والحرام، من لا يتورعون عن أكل الحرام بأي صورة وبأي ثمن.
فالغلول من أسباب عذاب القبر، كما في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل، فقال الصحابة: هنيئاً له الجنة.
فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده إن الشملة والشملة: غطاء الرأس- التي أخذها يوم خيبر لتشتعل عليه في جهنم ناراً)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].
فهذه أسباب مجملة ومفصلة.
стр. 14
السبيل للنجاة من عذاب القبر
وقد تسألني الآن بإيجاز: أين السبيل للنجاة من عذاب القبر -وأسأل الله أن ينجينا وإياكم- أقول لك: أعظم سبيل للنجاة من عذاب القبر أن تستقيم على طاعة الملك جل وعلا، وأن تتبع طريق النبي ﷺ ، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
ومن أنفع الأسباب كذلك للنجاة من عذاب القبر ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه القيم (الروح)، قال: ومن أنفعها أن يتفكر الإنسان قبل نومه ساعة ليذكر نفسه بعمله، فإن كان مقصراً زاد في عمله، وإن كان عاصياً تاب إلى الله، وليجدد توبة قبل نومه بينه وبين الله.
ومن شروط التوبة أن تقلع عن الذنب، وأن تندم على الذنب، وأن تعزم على العمل الصالح، قال: فإن مات من ليلته على هذه التوبة فهو من أهل الجنة.
فينجيه الله من عذاب القبر، ومن عذاب النار.
ومن أعظم الأسباب التي تنجي من عذاب القبر أن تداوم على العمل الصالح، كالتوحيد، والصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والدعوة، وحضور مجالس العلم التي ضيعها الناس وانشغلوا عنها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وكل عمل يرضي الرب جل وعلا فهو من العمل الصالح الذي ينجي صاحبه من عذاب القبر ومن عذاب النار.
وإن من أعظم الأعمال التي تنجي صاحبها من عذاب القبر الشهادة في سبيل الله، اللهم ارفع علم الجهاد، وارزقنا الشهادة في سبيلك يا أرحم الراحمين.
ورد في الحديث الذي رواه الحاكم وحسن إسناده الشيخ الألباني أن النبي ﷺ قال: (للشهيد عند الله ست خصال: الأولى: يغفر له مع أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة.
الثانية: ينجيه الله من عذاب القبر.
الثالثة: يؤمنه الله من الفزع الأكبر.
الرابعة: يلبسه الله تاج الوقار الياقوتة فيه خير من الدنيا وما فيها.
الخامسة: يزوجه الله بثنتين وسبعين زوجة من الحور العين.
السادسة: يشفعه الله في سبعين من أهله).
اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك يا رب العالمين، وارفع -اللهم- علم الجهاد، واقمع -اللهم- أهل الزيغ والفساد.
وأختم بحديث يملأ القلب أملاً ورضاً، فحافظ عليه، وحافظ على كل ما ذكرت، فقد ورد في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وأقره الذهبي، وصحح إسناده الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح عن ابن مسعود ﵁ قال: سورة الملك هي المانعة من عذاب القبر).
حافظ عليها أيها الكريم، وحافظي عليها أيتها المسلمة، فقبل أن تنام افتح كتاب الله على سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وتدبر السورة، وتضرع بعدها إلى الله بالدعاء بعد أذكار النوم، مع تجديد التوبة، ونم نومة العروس، فإن قدر الله عليك الموت نجاك بكرمه من عذاب القبر ومن عذاب النار.
اللهم! نجنا من عذاب القبر ومن عذاب النار.
اللهم! نجنا من عذاب القبر ومن عذاب النار.
اللهم! نجنا من عذاب القبر ومن عذاب النار.
اللهم! نجنا من عذاب القبر ومن عذاب النار.
اللهم! لا تجعل الدنيا أكبر همنا يا عزيز يا غفار.
اللهم! إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين.
اللهم! لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم! اجعل كل جمع لنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم! استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم! اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا؛ إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم! وحد كلمتنا.
اللهم! ألف بين قلوبنا.
اللهم! وحد صفنا.
اللهم! رد الأمة إليك رداً جميلاً.
اللهم! ارزق الأمة القائد الرباني.
اللهم! أبرم للأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر؛ أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين.
стр. 15
وصف الجنة
الحديث عن الجنة يحرك القلوب، ويهيج النفوس إلى مجاورة الملك القدوس؛ لأن الجنة دار كرامة الله لأوليائه وأحبابه وأصفيائه، فقد بناها وغرسها الله بيده، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم نعيم لأهل الجنة فيها هو النظر إلى وجه الرب .
стр. 16
التوبة والعمل الصالح سبب في دخول الجنة
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله, الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه, المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ذلك بأن الله هو الحق, وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير.
أحمدك يا رب وأستعينك وأستغفرك وأستهديك, لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعز جاهك، ولا إله غيرك, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, هو الواحد الذي لا ضد له, وهو الصمد الذي لا منازع له, وهو الغني الذي لا حاجة له, وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, وهو جبار السماوات والأرض, لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله.
يا مصطفى ولأنت ساكن مهجتي روحي فداك وكل ما ملكت يدي
إني وقفت لنصر دينك همتي وسعادتي ألا بغيرك أقتدي
لك معجزات باهرات جمة وأجلّها القرآن خير مؤيد
ما حرفت أو غيرت كلماته شلت يد الجاني وشاه المعتدي
وأنا المحب ومهجتي لا تنثني عن وجدها وغرامها بمحمد
قد لامني فيه الكفور ولو درى بنعيم إيماني لكان مساعد
يا رب صل على الحبيب محمد واجعله شافعنا بفضلك في غد
اللهم صلاةً وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله، يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا جل وعلا، ومع اللقاء التاسع والعشرين ما زلنا بفضل الله وطوله وحوله ومدده وتوفيقه نطوِّف معكم في بستان سورة مريم المباركة, وقد انتهينا في اللقاء الماضي بفضل الله جل وعلا من الحديث عن التوبة وعن شروطها وأركانها, ونحن اليوم بمشيئة الله على موعد مع حديث عن الجنة.
يقول في سورة مريم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠] أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، وتاب إلى الله قبل الله توبته, وأدخله الله الجنة: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم:٦١] لأن الجنة -يا أحبابي- غيب من غيب الله جل وعلا, آمنا بها لإيماننا بالله, ولتصديقنا برسول الله ﷺ ، هذا هو جزاء الله الذي وعده للتائبين هذا جزاء الله الذي وعده للمتقين هذا جزاء الله الذي وعده للموحدين إن وعد الله صدق, وإن وعد الله حق, وإن وعد الله لا يخلف: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ [مريم:٦١] ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:٦٣].
стр. 17
الجنة كرامة الله لأوليائه وأحبابه وأصفيائه
أيها الأحباب الكرام! والحديث عن الجنة يحرك القلوب إلى أجلِّ مطلوب, ويفضي النفوس إلى مجاورة الملك القدوس جل وعلا؛ لأن الحديث عن الجنة حديث عن كرامة الله جل وعلا لأوليائه وأحبابه وأصفيائه, ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, ثم تلا النبي ﷺ قول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]) وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه ابن ماجة من حديث أسامة بن زيد ﵄، أن النبي ﷺ ذكر الجنة يوماً لأصحابه فقال: (هي ورب الكعبة نور يتلألأ, وريحانة تهتز, ونهر مضطرب, وقصر مشيد, وزوجة حسناء جميلة, وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وحلل كثيرة) ثم قال ﷺ لأصحابه بعدما بين لهم الجنة، قال لهم: (ألا من مشمر للجنة؟ فقال الصحابة: نحن المشمرون لها يا رسول الله, فقال ﷺ لهم: قولوا إن شاء الله .
стр. 18
بعض صفات الجنة وأهلها
واعلموا -أيها الأحبة الكرام- أنه لن يدخل الجنة أحد إلا بجواز, والحديث خرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله تعالى لفلان بن فلان، يا ملائكتي أدخلوا عبدي جنة عالية قطوفها دانية).
فتعالوا -أيها الأحباب- لنعيش في هذه اللحظات المباركة حتى ولو بأرواحنا في جنة ربنا جل وعلا، إلى أن يمن الله علينا برحمته، فنأخذ هذا الجواز لنعيش في جنته بأرواحنا وأبداننا مع نبينا وحبيبنا ﷺ , تعالوا بنا لنعيش في الجنة -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها- هذه اللحظات المباركات الطيبات وأنا والله أحس بنفحات الجنة، وأحس برحمات رب الجنة جل وعلا تتنزل على هذا الجمع الطيب الموحد لله , إي والله الذي لا إله غيره، ما دخلت في هذه اللحظات إلى هذا البيت إلا وقد أحسست بنفحات ورحمات رب الجنة على هذا الشباب المتوضئ الطاهر, وعلى هؤلاء الأخوات الطاهرات الفاضلات, وأسأل الله سبحانه أن يمنحنا هذا الجواز، لنعيش في الجنة بأرواحنا وأبداننا مع قرة أعيننا وحبيبنا ﷺ .
стр. 19
المخبر والمحدِّث عن الجنة هما الله ورسوله
اعلموا أن الذي يحدثنا عن الجنة هو الله الذي غرس كرامتها بيديه جل وعلا, واعلموا أن الذي يحدثنا عن الجنة: هو رسول الله الذي رآها بعينيه في ليلة الإسراء والمعراج، وكما ورد في صحيح مسلم عليه رحمة الله، من حديث ابن عباس ﵄، في صلاة الكسوف (أن النبي ﷺ وهو يصلي صلاة الكسوف صنع شيئاً لم يصنعه قبل ذلك، فتعجب الصحابة وقالوا: يا رسول الله! رأيناك صنعت شيئاً ما صنعته قبل ذلك، رأيناك تناولت في مقامك شيئاً ثم رأيناك تكعكعت -أي: تأخرت عن ذلك الشيء، أتدرون ماذا قال الحبيب؟ - قال لهم ﷺ : إني رأيت الجنة ومددت يدي لأتناول عنقوداً من الجنة، ولو أخذته لأكلتم منه بقيت في الدنيا).
لقد رأى النبي ﷺ الجنة في ليلة الإسراء والمعراج، ورآها في الدنيا وهو قائم يصلي صلاة الكسوف, فقال لهم: (لقد رأيت الجنة وامتدت يدي لعنقود من ثمارها ومن فاكهتها، ولكنني تأخرت عنه، ولو أخذته لأكلتم منه بقيت الدنيا).
فتعالوا بنا ليحدثنا ربنا عن الجنة، وليحدثنا رسولنا ﷺ عن الجنة, فماذا قال من غرس كرامتها بيديه في حقها؟ انتبهوا أيها الشباب انتبهوا أيها المؤمنون يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:٥ - ٢٢] هذا كلام من غرس كرامتها بيديه جل وعلا.
فماذا قال في حقها من رآها بعينيه ﷺ ؟ يقول ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد والترمذي والبزار والطبراني وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁, قال أبو هريرة: (قلنا: يا رسول الله! حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ فقال ﷺ : لبنة من ذهب، ولبنة من فضة) فما هي المادة التي تمسك اللبنتين يا رسول الله؟ -أتدرون ما هي المادة التي وضعت ما بين اللبنتين؟ إنها من المسك- هذا هو حديث النبي ﷺ : (لبنة من ذهب، ولبنة من فضة وملاطها -أي: مونتها- المسك، وحصباؤها -الحصى الذي هو موجود في الجنة- اللؤلؤ والياقوت, وترابها الزعفران, من دخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت, لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه).
стр. 20
صفة أهل الجنة
في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وغيرهم من أصحاب السنن والمسانيد من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً، أن النبي ﷺ قال: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر في ليلة البدر) إن أول زمرة من الموحدين، هكذا يقول لكم! قد تنزلت عليكم نفحات الجنة ورحماتها، يقول ﷺ : (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر في ليلة البدر، ثم الذين يلونهم -أي: الفرقة التي تأتي بعد هذه المجموعة الأولى- على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون) لا بول ولا غائط في الجنة, إذاً: أين يذهب الطعام والشراب؟ يخرج على الأجساد مسكاً؛ لأنه لا يحق إطلاقاً أن يكون عند الله في جنته بول أو براز (لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون ولا يتفلون - لا مخاط ولا تفل في الجنة- أمشاطهم الذهب والفضة) المشط الذي تسرح به شعرك، كلها من الذهب والفضة (ورشحهم المسك، وأزواجهم من الحور العين، على صورة أبيهم آدم، ستون ذارعاً في السماء) والحديث في صحيح مسلم.
وفي رواية الإمام البيهقي أنه قال: (جمالهم كجمال يوسف، وقلبهم كقلب أيوب) جمال أهل الجنة كجمال يوسف، وقلوب أهل الجنة على قلب أيوب الصابر الذي صبر على بلاء وقضاء الله، وعلى قدره جل وعلا.
يقول الحبيب: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، رشحهم المسك، وأزواجهم من الحور العين، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء) وفي رواية للبيهقي: (على جمال يوسف وعلى قلب أيوب).
стр. 21
صفة طعام أهل الجنة ولباسهم وترابهم وأرائكهم
أما إن سألتم -أيها الأحباب- عن طعام أهل الجنة، وعن تراب أهل الجنة، وعن لباس أهل الجنة، وعن أرائك أهل الجنة، وعن أسرِّة أهل الجنة، فيأتينا جواب رب الجنة جل وعلا، يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ٤٠] هذا عن طعامهم، وعن شرابهم، وعن آرائكهم وسررهم, وعن لباسهم: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣].
стр. 22
صفة أزواج أهل الجنة
أما إن سألتموني عن أزواج أهل الجنة، فسوف يوافيكم الجواب من رب الجنة جل وعلا، يقول سبحانه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧٨] هذه زوجتك من الحور العين في الجنة.
ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الطبراني في الأوسط، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حدثني جبريل ﵇ استمعوا أيها الشباب, يا من تعانون من أزمات الزواج انتبهوا فقال: (يدخل الرجل) من أهل التوحيد, أو من أهل الطاعات, أو من أهل الإيمان (على الحوراء في الجنة) الحوراء من الحور العين (فتستقبله بالمعانقة والمصافحة، فبأي بنان تعاطيه؟ لو أن بعض بنانها بدا -أي: ظهر- لغلب ضوؤه ضوء الشمس والقمر, ولو أن تاقة من شعرها -أي: خصلة من شعرها- بدت -أي ظهرت- لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها، وبينما هو متكئ معها على أريكته) ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] , بينما أنت يا ولي الله، يا من وحدت الله جل وعلا متكئ مع حوريتك على أريكتك (إذ أشرف عليه نور من أعلى، فيظن أن الله قد أشرق على الناس بنوره جل وعلا, فينظر فيرى صوت المنادي عليه) وهو متكئ معها على أريكته، يسمع صوتاً فينظر فيرى النور، وينبثق من مصدر هذا النور صوت رقيق عذب، إنه صوت حورية أخرى من حور الجنة، تقول له: (يا ولي الله! أما لنا فيك من دولة؟) نحن في شوق إليك, نحن في انتظارك يا ولي الله (فيقول لها: من أنت يا هذه؟ فترد عليه الحوراء وتقول: أنا من اللواتي قال الله فيهن: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] فيترك الأولى ويذهب إلى الحورية الثانية فيراها أجمل وأحسن, يرى عندها من الحسن والجمال والكمال ما لم يره عند الأولى، وبينما هو متكئ مع الثانية على أريكته فإذ به يرى نوراً وصوتاً يقول له: يا ولي الله! أما لنا فيك من دولة؟ فيقول لها: من أنت يا هذه؟ فتقول له: أنا من اللواتي قال الله فيهن: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]) فيظل الموحد لله جل وعلا، الذي فاز بالجنة عند الله ينتقل من زوجة إلى زوجة.
أما زوجتك المؤمنة في الدنيا المنتقبة الطاهرة العفيفة في الدنيا أما المتوضئات أما الطاهرات أما الحافظات لفروجهن أما الصوامات لشهرهن أما القائمات ليلهن أما الحافظات لأزواجهن استمعوا واعلموا أن الزوجة المؤمنة من نساء الدنيا يكون جمالها في الجنة يفوق جمال الحور سبعين ضعفاً, أنتم سمعتم وصف الحور فأي حال ستكون عليه زوجتي إن كانت من أهل الجنة؟ أي حال ستكون عليه زوجتك إن كانت من أهل الجنة؟ يفوق جمالها جمال الحور العين سبعين ضعفاً، لماذا؟ لأنها هي التي صامت وقامت، وهي التي كابدت أتعاب الدنيا، وهي التي حاربت الشهوات، وهي التي صبرت معك على الأذى والبلاء، فحق على الله أن يكافئها: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] إنشاء جديد وآخر، إذا ماتت زوجتك المؤمنة وهي عجوز شمطاء كبيرة والتقيت بها في الجنة وجدتها في سن الشباب، وجدتها جميلة وحسناء: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] إنشاء آخر ومن جديد.
﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٦] إذا جامعتها ألف مرة وجدتها بكراً في كل مرة.
﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] عرباً: جمع عروب، والعروب: هي المرأة التي تتفنن في كلمات الحب والعشق والغرام لزوجها, هذه هي المرأة من نساء أهل الدنيا إن كانت من أهل الجنة, فالذي حرم من هذا الكلام في الدنيا يسمعه عند الله جل وعلا في الجنة من زوجته إن كانت من الصابرات من أهل الجنات عند رب الأرض والسماوات جل وعلا: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] في سن واحدة: ﴿لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٨ - ٤٠].
стр. 23
غناء أزواج أهل الجنة
ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ أن الحوريات يستقبلن أزواجهن في الجنة يغنين لهم بأحلى الكلمات، وبأعذب الأصوات، وبأرقى وأنقى العبارات, يستقبلن نساء الدنيا في الجنة أزواجهن في الجنة يغنين لهم, ومما قاله ﷺ من غناء نساء أهل الجنة لأزواجهن يقلن لهم: (نحن الخالدات فلا نمتنه, نحن الآمنات فلا نخفنه, نحن المقيمات فلا نظعنه, نحن الخيرات الحسان, أزواج قوم كرام, ننظر بقرة أعيان, طوبى لمن كنا له وكان لنا) هل وجدتم أحسن من هذا؟ هل وجدتم أعذب وأغلى من هذه الكلمات؟ (نحن الخالدات فلا نمتنه, ونحن الآمنات فلا نخفنه, ونحن المقيمات فلا نظعنه) لا نهجر ولا نترك: (نحن الخيرات الحسان, أزواج قوم كرام, ننظر بقرة أعيان, فطوبى لمن كنا له وكان لنا) وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٨] ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] و ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ولمثل هذا فليتسابق المتسابقون, والموضوع في الجنة طويل.
стр. 24
أدنى أهل الجنة منزلة وآخر من يدخلها
لقد بقي لنا أن نعرف: من هو أقل الناس منزلة في الجنة؟ ومن هو آخر الناس سيدخل الجنة؟ في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سأل موسى بن عمران ﵇ ربه جل وعلا وقال: يا رب! ما أدنى -أي: من أقل- أهل الجنة منزلة؟ فقال له رب العزة جل وعلا: أدنى الناس منزلة في الجنة يا موسى رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة, فيقال له: ادخل الجنة, فيقول العبد لربه: يا رب! كيف أدخل الجنة وقد أخذ الناس أماكنهم وأخذاتهم, لقد وجدتها ملأى, فيقول الله له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت يا رب, فيقول الله له: لك ذلك وعشرة أمثال ذلك معك, ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك, يقول موسى: يا رب! فهذا أدنى أهل الجنة منزلة، فكيف يكون حال أعلاهم منزلة؟ فقال الله جل وعلا: يا موسى! أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر) هذا هو أدنى أهل الجنة منزلة.
стр. 25
آخر الناس دخولاً الجنة
أما حال آخر الناس دخولاً الجنة؟ فقد جاء في صحيح مسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة, حتى إذا ما جاوز الصراط) ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] (نظر إلى خلفه -أي: إلى للنار- وقال لها: تبارك الذي نجاني منك, الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين من خلقه) وهو الذي قد زحزح عن النار وغيره من السابقين الأولين قد سبقوه؛ لأن من أمة الحبيب ﷺ سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: (وهنا يمكث فترة فيرفع الله له شجرة غرسها الله بيديه, وهنا يقول العبد: أدنني منها -قربني من هذه الشجرة- أستظل بظلها وأشرب من مائها؟ فيقول الله جل وعلا: عبدي فهلاّ إن أعطيتكها -أي: إن أعطيتك وقربتك إلى هذه الشجرة- هل ستسألني شيئاً غير ذلك؟ يقول: لا يا رب لا أسألك غير ذلك أبداً, لقد نجيتني من النار، وسوف تقربني إلى هذه الشجرة أستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك شيئاً بعد ذاك، يقول الحبيب ﷺ : وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه, فيقربه الله من الشجرة, فيستظل العبد بظلها، ويشرب من مائها, بعد فترة يرفع الله له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول العبد بعد فترة: يا رب! فيقول الله جل وعلا: ماذا تريد يا عبدي؟ فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة, أستظل بظلها وأشرب من مائها؟ فيقول الله جل وعلا: عبدي ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي سألت؟ فيقول: وعزتك لا أسألك غير هذا، قربني من هذه ولن أسأل بعد ذلك, فيقربه الله ؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه, فيمكث العبد تحت هذه الشجرة الثانية، وبعد فترة يرفع الله له شجرة على باب الجنة, فينظر إليها ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها؟ فيقول الله جل وعلا: عبدي ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي سألت؟ فيقول: وعزتك لا أسأل غير هذا, فيقربه الله ؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه, فإذا ما جاء العبد تحت هذه الشجرة التي هي على باب الجنة, استمع إلى أصوات أهل الجنة قال: يا رب! أدخلني الجنة -أتدرون ماذا يقول له رب العزة؟ - يقول له رب العزة جل وعلا: عبدي ما الذي يرضيك مني؟ أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فينظر العبد إلى الرب جل وعلا ويقول: أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ فيضحك عبد الله بن مسعود ويقول للصحابة: لماذا لا تسألوني عن سبب الضحك؟! فيقولون له: مم تضحك؟ فيقول ابن مسعود: أضحك لضحك رسول الله, حدث النبي ﷺ بهذا الحديث فضحك فسأله الصحابة: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة) لأن العبد حينما يقول لربنا: أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! يضحك الله من عبده ويقول: (إني لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر) هذا هو آخر رجل سيدخل الجنة عند ربنا جل وعلا.
стр. 26
رؤية الله في الجنة
أيها الأحباب الكرام اعلموا علم اليقين أن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا في ثمرها، ولا في حريرها، ولا في عسلها، ولا في بنائها، ولا في قصورها، ولا في حورها، ولكن نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه ربها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي التمتع بالنظر إلى وجه رب الجنة جل وعلا, هذه هي غاية المنى، وهذا هو غاية المراد، أن نتمتع بالنظر إلى وجه رب الأرباب جل وعلا, إلى النظر إلى وجه الكريم التواب , والحديث رواه أكثر من عشرين صحابياً من صحابة رسول الله ﷺ في الصحيحين والسنن والمسانيد.
وهذه رواية الإمام مسلم عن صهيب الرومي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي عليهم رب العزة جل وعلا ويقول: يا أهل الجنة! هل أزيدكم شيئاً؟ فيقول أهل الجنة: يا رب! وأي شيء تزيدنا؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أعظم من النظر إلى وجه الكريم التواب) وفي حديث آخر أخرجه الإمام البخاري وأخرجه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إذا ما دخل أهل الجنة الجنة نادى عليهم رب العزة جل وعلا وقال: يا أهل الجنة! يا أهل الجنة! فيقول أهل الجنة: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك, فيقول لهم ربنا: يا أهل الجنة! إني قد رضيت عنكم فهل رضيتم عني؟ فيقولون: سبحانك ربنا وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة, وبيضت وجوهنا، ونجيتنا من النار؟ فيقول الله جل وعلا: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك يا ربنا؟ فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) هذا هو النعيم الأبدي, وهذه هي غاية المنى والمراد.
فيا أيها الأحباب إن أعلى نعيم الجنة هو أن نتمتع بالنظر إلى وجه الله ؛ لأن الله سبحانه سيكلمنا ليس بيننا وبينه ترجمان، والحديث في صحيح البخاري: عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم, وينظر العبد أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم, وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه, فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
هذه هي الجنة، والحديث عن الجنة طويل, وهذا كل ما سمعتموه إنما هي قطرة من محيط, وإنما هو قليل من كثير, لماذا؟ لأن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, وهذا كله ما هو إلا تقريب للمعاني وتقريب للكلمات، ويعجبني الكلام الذي قاله أحد العلماء، حينما استقبل في قصر من قصور الضيافة في أمريكا، وانبهر الناس من حول هذا العالم بهذا البناء والإعداد, نظروا إلى أعلى وإلى أسفل وانبهروا بهذا الإعداد, فقال لهم هذا العالم: هذا إعداد البشر للبشر، فما بالكم بإعداد رب البشر, ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه
стр. 27
نداء لمن يطلبون الجنة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من سار على دربه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام هذا قليل من كثير عن الجنة؛ لأنه لا يعلم حقيقة الجنة إلا ربها, وإلا من رآها بعينيه ﷺ , ألا هل من مشمّر للجنة! من منكم من سيشمر عن ساعديه ليفوز بهذه العروس الغالية؟ (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة).
يا من تطلبون الجنة بغير عمل! يا من تطلبون الجنة بغير صلاة! يا من تطلبون الجنة بغير قيام الليل! يا من تطلبون الجنة بمعاصي الله جل وعلا! يا من تطلبون الجنة بالذنوب والشبهات والشهوات! أين أنتم من الطاعات؟ أين أنتم من قيام الليل لرب الأرض والسماوات؟ أين أنتم من قراءة القرآن؟ أين أنتم من عمارة بيوت الله ؟ أين أنتم مما يقربكم إلى الجنة؟ يا من تتشدقون بالكلمات وتزعمون أنه إن لم يدخلنا ربنا الجنة فمن يدخلها؟ اعتبروا واعلموا أنه ما أقل حياء من طمع في جنة الله ولم يعمل بطاعة الله، ولا بشرع رسول الله ﷺ , إن طالب الجنة لا ينام, وصدق علي بن أبي طالب ﵁ حينما قال:
واعمل لدار غد رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله دهراً في مغانيها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يخفيها
فيا من تطلبون من الله الجنة! ويا من تسألون الله الجنة! اعلموا بأن الإيمان ليس بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل, فلن تفوز بالجنة إلا إذا عملت بعمل أهل الجنة.
وهكذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [لو أن منادياً يوم القيامة نادى وقال: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحداً لظننت أنه عمر] فاعلموا أن الإيمان قول وعمل, قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجواح والأركان؛ لأن مصيبة المصائب أننا في أيامنا هذه لا نجيد إلا الدمع والاستماع، لا نتقن العمل، والكسل عندنا أحلى من العسل, لا نبالي أن نذهب إلى الملاعب قبل وقت المباريات بساعات، وإذا ما نودي علينا للصلاة لم نؤد الصلاة ولم نلتفت إلى الأذان، أذن من طين وأذن من عجين.
أمضينا الوقت وأفنينا العمر أمام المسلسلات والمباريات والأفلام، وهاهو رمضان قد أقبل علينا، وإعلامنا يدبر ويخطط كيف يشغل الموحدين عن ربهم؟! كيف يبعد الموحدين عن جنة ربهم جل وعلا؟! أحذر نفسي وإياكم من هذا الإعلام الذي يشغل الموحدين عن رب العالمين جل وعلا, يا من أفنيتم الأعمار أمام التلفاز! يا من أفنيتم الأعمار أمام المسلسلات! يا من أفنيتم الأعمار أمام المباريات! يا من أفنيتم الأوقات أمام سماع المغنين والمغنيات الأحياء منهم والأموات! انتبهوا واعلموا أن طالب الجنة لا ينام, فمن طلب الجنة ولم يعمل فهو منافق، وهو مخادع، وهو كاذب فاجر على نفسه ومخادع لنفسه؛ لأن طالب الجنة لا ينبغي له أن ينام؛ لأن طالب الجنة ينبغي له أن يعمل ويستعد.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما فيه صالح العمل, وأسأل الله أن يتقبل منا صالح الأعمال.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر لنا عيوبنا، وآمن لنا روعاتنا.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل, اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل, اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته, ولا مريضاً إلا شفيته, ولا ديناً إلا أديته, ولا هماً إلا فرجته, ولا ميتاً إلا رحمته, ولا عاصياً إلا هديته, ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً, اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض, اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان, اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان, اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان, اللهم ارفع عنا كل الفتن يا رب العالمين! اللهم ارفع عنا الغلاء يا أكرم الأكرمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا أرحم الأرحمين! ووفق ولاة أمور هذا البلد الطيب للعمل بكتابك، والاقتداء بشرع نبيك ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم, سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 28
يوم الحشر
تتفاوت أحوال الناس في أرض المحشر حسب أعمالهم؛ فيحشر المتقون إلى الرحمن وفوداً وجماعات على نجائب من نور، يعلوهم الفرح والسرور، ويساق المجرمون إلى النار سوقاً وبعد طول القيام في أرض المحشر، ومقاساة الشدة والعذاب يأذن الله لنبيه محمد ﷺ بالشفاعة العظمى، ثم تشفع الملائكة، ثم يشفع الأنبياء والمؤمنون والصديقون والشهداء من هذه الأمة.
стр. 29
أحوال الناس في أرض المحشر
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، لا إله إلا هو فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
أحمدك يا رب! وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ند له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على رسول الله، صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! وأشهد لك يا سيدي! ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيله حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل وقومت المعوج، وأمنت الخائف، وطمأنت القلق، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله! وجزاك الله عنا خير ما يجزي الله به نبياً عن أمته، ورسولاً عن رسالته.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا جل وعلا، ومع اللقاء السابع والثلاثين، ما زلنا بفضل الله وحوله وطوله ومدده نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، وكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي من تفسير قول الحق ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤] أي: لا يضق صدرك يا رسول الله! بهؤلاء المشركين، وبهؤلاء الكافرين، إن كل شيء محسوب عليهم ومعدود، إنهم ممهلون إلى أجل معلوم، إنهم متروكون إلى وقت قريب: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤] إن كل شيء من أعمالهم محسوب عليهم ومعدود، وويل لمن يعد الله عليه ذنوبه وأعماله وأخطاءه! الويل لمن عد الله عليه أعماله وأخطاءه وأنفاسه! إن الأنفاس معدودة، وإن الأعمال محسوبة، فإن من يحس بأن رئيسه في العمل -في هذه الأرض- يتتبع أعماله وأخطاءه يعيش في فزع وقلق وحسبان، فما بالكم بالواحد الديان الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
стр. 30
حشر المتقين إلى الرحمن وفداً
واعلموا عباد الله أن الطريق الذي يوصل الناس إلى جنة رب العالمين إنما هو طريق واحد، قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧].
يقول الله في وصف حال الناس في الحشر: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦] هكذا يحشر المتقون، وهكذا يساق المجرمون، وحق لنا -نحن الموحدين- أن نفخر في هذه اللحظات، وأن ننادي على هؤلاء ونقول لهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] ألم يسخر المشركون من الموحدين في الدنيا؟! ألم يهزأ المجرمون من الموحدين في الدنيا؟! ألم يعير المجرمون الضعفاء والفقراء من المؤمنين؟! ألم يقولوا لهم في جزيرة العرب ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣]؟! ها نحن الآن وقد ذهب المال وضاع السلطان، ورحلت الدنيا، ولم يبق إلا العمل الصالح في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧].
وحق لنا -نحن الموحدين- أن نفخر، وأن نسعد، وأن نشكر الله جل وعلا، وأن ننادي على هؤلاء المجرمين ونقول لهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣].
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] هكذا يحشر الله المتقين: وفداً، يركبون على نجائب من نور، وهي من مراكب الدار الآخرة، انظروا معي أيها الأحباب إلى هذا الوفد المهيب الجليل، إنه وفد الموحدين! إنه وفد المتقين! إنه وفد المؤمنين! إنه وفد عجيب! إنه وفد مهيب! إنه وفد جليل! إن وجوههم نور، وإنهم ليركبون على مراكب من نور، فإلى أين يتجه هذا الوفد المنير؟! إنه وفد قادم على العلي القدير، إنهم قادمون على الله العلي الأعلى جل وعلا، إنهم قادمون إلى خير موفود عليه، إلى دار كرامته ورضوانه، ولقد ورد في مسند الإمام أحمد وساق سنده إلى أن قال: حدثنا النعمان بن سعد قال: (كنا جلوساً عند علي بن أبي طالب ﵁، فقرأ علي هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] فقال علي ﵁: لا والله ما على أرجلهم يحشرون؛ لأن الوفد لا يحشر إلا راكباً، يحشر الله المتقين، فيركبون على نوق من الجنة، لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل الذهب، فيركب المتقون عليها حتى يصلوا بها إلى أبواب الجنة) ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥].
стр. 31
سوق المجرمين إلى جنهم ورداً
أما المجرمون فإنهم يساقون إلى جهنم ورداً، يساقون إلى جهنم عطاشى، وانظروا معي إلى دقة اللفظين: (يحشر) و (يساق) إنه التكريم للمتقين، والتوبيخ والاستهزاء والسخرية بالمجرمين والمشركين والظالمين، هكذا يحشر المتقون، ويساق المجرمون كما تساق البهائم والدواب.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم:٨٥ - ٨٧].
فلا شفاعة لهم عند الله، ولا شفيع لهم عند الله جل وعلا؛ لأنه لا حق في الشفاعة إلا لأهل التوحيد، لا يملك الشفاعة إلا أهل التوحيد والإيمان، ولا يستحق الشفاعة إلا أهل التوحيد والإيمان: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧] أي: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً هم أهل الشفاعة، وهم الذين سينالون الشفاعة.
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧] والعهد هو: لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد والإخلاص التي من أجلها خلق الله السماوات والأرض، ومن أجلها أنزل الله الكتب، ومن أجلها أرسل الله الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] كلمة التوحيد والإخلاص هذه هي العهد الباقي والمدخر لكل من قال: لا إله إلا الله، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون (إلا من أتى الله بقلب سليم).
стр. 32
الشفاعة يوم الحشر
وأنتهز هذه الفرصة الطيبة، وهذا اللقاء المبارك؛ لنتحدث عن الشفاعة، فإنها من الموضوعات المحببة إلى قلب كل موحد لله جل وعلا.
وإن بعض المسلمين قد يظن أن الشفاعة يوم القيامة لحبيبنا ورسولنا إنما هي شفاعة واحدة، وهذا غير صحيح.
وانتبهوا معي أيها الأحباب! إلى موضوع الشفاعة، (لا يملكون الشفاعة) إذاً: من الذي يملكها؟ إذاً: من الذي يستحقها؟ اعلموا أنه لا يشفع مخلوق لمخلوق في أرض المحشر إلا بإذن الله.
وإمام أهل المحشر وسيد الخلق على الإطلاق في الشفاعة هو سيدنا رسول الله ﷺ ، إي والله! لقد كرم الله نبينا ﷺ تكريماً ما كرم الله به مخلوقاً على ظهر هذه الأرض، من يوم أن خلقها الله إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، كرم الله نبينا في الدنيا والآخرة، كرم الله نبينا في الدين والدنيا، كرم الله نبينا في الخَلق والخُلق، وزكاة تزكية كاملة في كل شيء: زكاه ربنا جل وعلا في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في معلمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه كله تزكية كاملة فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ونادى ربنا جميع الأنبياء بأسمائهم مجردة، فقال جل وعلا: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وقال تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ [هود:٤٨]، وقال تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ [مريم:٧]، وقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، ونادى حبيبنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧].
стр. 33
الشفاعة العظمى في فصل القضاء
هكذا كرم الله نبينا ﷺ تكريماً ما كرم الله به مخلوقاً على ظهر هذه الأرض من يوم أن خلقها الله جل وعلا إلى يوم أن يرثها ومن عليها، بل لقد قرن الله جل وعلا اسم النبي مع اسم العلي، فلا يذكر اسم الله إلا ويذكر الرسول ﷺ ، ورضي الله عن حسان بن ثابت حيث قال: أغر عليه بالنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد أيها الأحباب! هذا هو المقام المحمود الذي أعطاه الله نبينا ﷺ في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] وهذا هو المقام المحمود عند جمهور العلم، والمقام المحمود: هو الشفاعة العظمى لنبينا ﷺ ، واعلموا أن لرسولنا ﷺ أكثر من شفاعة، وسوف أذكركم اليوم بهذه الشفاعات، ولن أخرج عن صحيحي البخاري ومسلم.
الشفاعة الأولى: وهي الشفاعة العامة العظمى لنبينا ﷺ ، جاء في صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد، وسنن الإمام الترمذي وسنن الإمام النسائي، وسنن الإمام ابن ماجة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم وغيرهم، والحديث رواه جمع كبير من صحابة البشير النذير ﷺ ، إلى أن وصل الحديث إلى حد التواتر كما قال العلماء، والحديث من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (وضع بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فرفعت إلى رسول الله ذراع الشاة وكانت تعجبه، فنهس النبي منها نهسة -والنهس بالسين أي: الأخذ بالأسنان، وهو غير النهش بالشين، وهو: الأخذ بالأضراس- ثم نظر إلى الصحابة وقال لهم: أنا سيد الأولين والآخرين يوم القيامة، ثم التفت إليهم وقال لهم: أتدرون لم ذاك؟ -أي: أتعلمون لماذا أنا سيد الأولين والآخرين يوم القيامة؟ - فسكت الصحابة فقال لهم ﷺ : يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فينفذهم البصر، ويسمعهم الداع) أي: أن الأرض التي يحشر الناس عليها أرض ملساء لا شجر فيها ولا حجر فيها، حتى لا يظن مخلوق أنه سيختبئ على الله ، ولماذا ينفذهم البصر؟ لأن البصر يومئذ حديد قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] غير وبدل كل شيء، وهنا يقول الحبيب ﷺ : (فيبلغ الناس من الهم والغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون) إي والله! يوم أن ينادى عليك؛ لتعرض على وكيل نيابة أو على قاض من قضاة الدنيا، يوم أن يحضر إليك المحضر، ويقدم لك الخطاب لا تنام الليل، ولا تذوق الطعام، ولا تذوق الشراب، فما بالكم بالعرض على محكمة ربنا جل وعلا؟! (يبلغ الناس من الهم والغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما قد بلغنا؟! ألا ترون ما نزل بنا؟! ألا ترون من يشفع لنا إلى ربنا؟! فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فتذهب الخلائق إلى آدم ويقولون له: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأمر الملائكة فسجدت لك، وأسكنك الجنة، ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا ترى ما وقع بنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولقد نهاني ربي عن الأكل من الشجرة فعصيته، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري -آدم يقول: اذهبوا إلى غيري! - فيذهب الناس إلى نوح ﵇، ويقولون: يا نوح! إنك أول رسل الله إلى الأرض، وأنت الذي سماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما وقع بنا؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة فتعجلت فدعوت بها على قومي في الدنيا، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري.
فيذهب الناس إلى خليل الرحمن فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الله في الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد كذبت في الإسلام ثلاث كذبات).
وقد حدثتكم عن كذبات إبراهيم يوم أن نظر إلى النجوم: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] ويوم حطم الأصنام فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] ويوم أن قال لزوجه سارة: قولي لهذا الطاغوت إذا ما دخلت عليه: أنا أخوك وأنت أختي (اذهبوا إلي غيري، نفسي نفسي! فيذهب الناس إلى موسى، ويقولون: يا موسى! لقد اصطفاك الله بكلامه ورسالاته، ألا ترى ما وقع بنا؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقول موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فتذهب الخلائق إلى عيسى فيقولون: يا روح الله! إن الله قد اصطفاك، إنك كلمة الله وروحه، ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا ترى ما وقع بنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر عيسى ﵊ ذنباً من الذنوب، ويقول لهم: نفسي نفسي! اذهبوا إلى محمد بن عبد الله، إنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فتأتي الخلائق إلى حبيبنا المصطفى ﷺ ، يقول الحبيب: فيقولون لي: يا رسول الله! إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خاتم الأنبياء والمرسلين، ألا ترى ما وقع بنا؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقوم الحبيب المصطفى ﷺ ، فينطلق إلى عرش الرحمن، وإذا ما رأى الحبيب ربه جل وعلا سجد له، فيسجد ما شاء الله أن يسجد، ثم ينادي عليه العلي الأعلى ويقول له: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، يقول ﷺ : فيلهمني الله جل وعلا بمحامد وثناء لم يلهم الله بها أحداً من قبلي، فأحمد الله بمحامد علمنيها، ثم أشفع وأقول: يا رب! لقد وعدتني الشفاعة؛ فشفعني في الخلق لتقضي بينهم، فيرد عليه العلي الأعلى ويقول: نعم، آتيكم يا محمد؛ لأقضي بينكم).
هذه هي الشفاعة العامة، وهذه هي الرحمة المطلقة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فيرجع الحبيب ﷺ ؛ ليقف مع الناس في أرض المحشر حتى يجيء الحق جل وعلا مجيئاً يليق بجلاله، فينادي على عباده ويقول: يا عبادي! لقد أنصت إليكم كثيراً في الدنيا، فأنصتوا اليوم إلي.
هذه هي الشفاعة الأولى لنبينا ﷺ .
стр. 34
الشفاعة في استفتاح باب الجنة
أما الشفاعة الثانية: فهي شفاعة الرسول ﷺ في استفتاح باب الجنة، والحديث في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أنا أول الناس شفاعة في الجنة يوم القيامة) أي: أنا أول من يشفع عند الله في أن يفتح الله باب الجنة يوم القيامة، ولقد ورد في صحيح البخاري ومسلم أيضاً من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄، أن النبي ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته في الدنيا، إلا أنا فإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول المؤمنون: من يشفع لنا عند ربنا؛ ليفتح الله لنا باب الجنة؟ -هذا قول المؤمنين- فيذهب المؤمنون إلى آدم، ويقولون له: يا أبانا! اشفع لنا عند ربك، فاستفتح لنا باب الجنة، فيقول آدم: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟! لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى غيري، فيذهب الناس إلى نوح، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم إلى إبراهيم، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم إلى موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم إلى عيسى، فيقول لست بصاحب ذلك، ثم إلى الحبيب ﷺ ، فيقوم الحبيب إلى باب الجنة فيستأذن فيقول له خازن الجنة: من؟ فيقول: محمد بن عبد الله) وهذا أكبر دليل على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢] (فيستأذن النبي ﷺ فيقول خازن الجنة: من؟ فيقول: محمد بن عبد الله، ويرد خازن الجنة ويقول: أمرت ألا أفتح الجنة لأحد قبلك يا رسول الله).
أول من يحرك حلق باب الجنة هو الحبيب المحبوب ﷺ ، ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الترمذي، وعلق عليه صاحب (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد) وقال: إن هذا الحديث معناه صحيح وثابت في الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة، والحديث مروي عن ابن عباس ﵄ قال: (جلس بعض الصحابة ﵃ يتذاكرون في تفاضل الأنبياء، فقال أحدهم: هل هناك بأعجب من أن يتخذ الله من خلقه خليلاً؟! فقال آخر: لقد اصطفى الله آدم على البشرية، فقال آخر: لقد كلم الله موسى تكليماً، فقال آخر: عيسى روح الله وكلمته، فخرج عليهم رسول الله صلى عليه وسلم وقال لهم: لقد استمعت إلى كلامكم وعجبكم، ألا إن إبراهيم خليل الرحمن وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله على البشرية وهو كذلك، وموسى كليم الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر -إنه التواضع-، وأنا أول شافع ومشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق باب الجنة فيدخلنيها ربي ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر) هذه هي الشفاعة الثانية، شفاعة النبي ﷺ في أن يفتح الله جل وعلا للمؤمنين باب الجنة.
стр. 35
الشفاعة في إخراج عصاة الموحدين من النار
أما الشفاعة الثالثة فهي شفاعة النبي ﷺ في عصاة الموحدين الذين دخلوا النار، وهذه الشفاعة أنكرها الخوارج والمعتزلة وقالوا: لا شفاعة في الموحدين الذين دخلوا النار، بل إنهم مخلدون، ونسوا قول الله جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] لا والله، لا يساوي الله بين المؤمن والمشرك على الإطلاق، وبين الكافر والموحد على الإطلاق.
إذاً: الشفاعة الثالثة هي: شفاعة الحبيب المحبوب ﷺ في عصاة الموحدين الذين دخلوا النار، وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلوا كما صلينا، وزكوا كما زكينا، وحجوا كما حججنا، وتصدقوا كما تصدقنا، ولكنهم أصروا على كبيرة من الكبائر وعلى معصية من المعاصي، وهم يعلمون أن الله شدد فيها العقوبة، ولكنهم أصروا على هذه المعصية؛ فأدخلهم الله النار بمعصيتهم، ولكن لهم شفاعة عند نبيهم وحبيبهم ﷺ ، والحديث في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ وغيرهما، أن الرسول ﷺ قال: (أذهب إلى ربي فأنطلق فأسجد تحت العرش -هذا جزء من آخر الحديث- إذا ما نظرت إلى ربي جل وعلا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم ينادى علي ويقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأحمد الله بمحامد علمنيها، فأشفع فيشفعني ربي ، فأذهب إلى عصاة الموحدين في النار، فيحد الله لي حداً -أي: عدداً محدداً ومعيناً- فأذهب إلى النار فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود إلى ربي مرة ثانية، فأستأذن على ربي في دار كرامته، فيؤذن لي، فأسجد لربي إذا ما نظرت إليه، فيدعني ما يشاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فيحد الله لي حداً، فأذهب فأُخرج من النار من عصاة الموحدين ما شاء الله جل وعلا، ثم أعود مرة ثالثة فأستأذن على ربي في دار كرامته، فيؤذن لي، فإذا ما نظرت إلى ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فيحد الله لي حداً، فأذهب فأُخرج من النار من عصاة الموحدين ما شاء الله جل وعلا، ثم أعود في المرة الرابعة، فأستأذن على ربي فيحد لي ربي حداً، فأُخرج من النار من عصاة الموحدين ما شاء الله جل وعلا).
وهذه الشفاعة أنكرها الخوارج والمعتزلة، وآمن بها أهل السنة والجماعة، وهذه هي الشفاعة الثالثة لحبيبنا ومصطفانا ﷺ .
ويبقى بعد كل هذا الكرم، وبعد كل هذا الخير ثلاث شفاعات: الأولى: للملائكة، والثانية: لبقية الأنبياء، والثالثة: للمؤمنين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 36
شفاعة الأنبياء والملائكة والموحدين من هذه الأمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الأحباب! إن لرسولنا ﷺ شفاعة عامة، ثم شفاعة في استفتاح باب الجنة، ثم شفاعة في عصاة الموحدين من النار، وتبقى شفاعة الملائكة وسائر النبيين والمؤمنين الصادقين المخلصين.
جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] وفي باب: بدء الخلق.
وفي باب: الرقاق، ورواه جمع كبير من صحابة النبي ﷺ ، يقول: فتبقى شفاعة الملائكة وسائر النبيين والمؤمنين، فتذهب الملائكة فتخرج من النار من مات لا يشرك بالله شيئاً، ممن شاء الله جل وعلا لهم أن يخرجوا منها، وتبقى شفاعة النبيين، فيشفع النبيون لمن شاء الله ، وتبقى شفاعتكم أنتم أيها الموحدون! فإن من مات على التوحيد صادقاً مع الله خالصاً لله فإنه من أهل الشفاعة.
وإن من أمة الحبيب من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم سبعون ألفاً، والحديث في صحيح مسلم، اللهم اجعلنا منهم يا كريم يا تواب! فيشفع المؤمنون عند ربهم جل وعلا لإخوانهم من المؤمنين الصادقين، يقول الحبيب ﷺ : (فتشتد مناشدة المؤمنين لربهم يناشدون الله مناشدة شديدة: يا ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا فشفعنا فيهم)، اللهم لا تجعلنا جسراً يعبر الناس عليه إلى الجنة، ويلقى به في النار.
تشتد مناشدة المؤمنين الصادقين لربهم، فيشفعهم الله في إخوانهم من المؤمنين، ويقول الله لهم: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه من النار، فيذهب المؤمنون إلى النار فيخرجون من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ويعودون إلى الله ويقولون: يا ربنا! شفعنا في إخواننا -المرة الثانية- فيقول الله جل وعلا لهم: اذهبوا فأخرجوا من النار من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، فيذهبون فيخرجون من النار من عرفوهم بهذا، ويعودون إلى الله ويقولون: يا ربنا! شفعنا في إخواننا -للمرة الثالثة- فيقول الله جل وعلا لهم: اذهبوا فأخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فيذهبون، فيخرجون من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) هكذا شَفَّع اللهُ الرسولَ ﷺ ، وشَفَّع اللهُ الملائكة، وشَفَّع اللهُ النبيين، وشّفَّع اللهُ المؤمنين.
стр. 37
شفاعة الجبار
فيقول الجبار جل وعلا -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم - (شفع الأنبياء والملائكة وسائر النبيين، وبقيت شفاعتي -وهو الحليم الكريم- فيقبض الله جل وعلا قبضة من النار -ولا يعلم قدر عظم قبضة العزيز الجبار إلا هو سبحانه- فيقبض الحق ﵎ قبضة من النار -أي: من أهل النار- فيخرجون وهم كالفحم قد امتحشوا -أي: صاروا كالفحم- فيخرجون إلى نهر في الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم توضع في رقابهم الخواتيم، يخرجون من هذا النهر كحبات اللؤلؤ فيدخلون الجنة بغير عمل عملوه، فيقول أهل الجنة: هؤلاء هم عتقاء الرحمن من النار).
هذا هو موضوع الشفاعة أيها الأحباب! بإيجاز شديد، وإن فإن الأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً وقد بلغت حد التواتر.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٧] لا يملك الشفاعة إلا الله، ولا يأذن بها إلا لمن يشاء من عباده ويرضى، وأول من يشفع في الخلق رسول الله ﷺ ، ولا يستحق الشفاعة إلا أهل التوحيد والإيمان، فأحق الناس بشفاعة الرسول ﷺ : من قال: لا إله إلا الله، وجاهد شيطانه ونفسه وهواه.
стр. 38
أهمية إخلاص العمل لله وحده
وقد بيّن الحق سبحانه حال المتقين وحال المشركين أثناء العرض على رب العالمين، فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٧] فلا نجاة إلا بصدق التوحيد لله جل وعلا، ولا فوز إلا باتباع الرسول ﷺ ، فإن أناساً سيذهبون إليه يوم القيامة، فيتساقط لحم وجوههم حياءً من رسول الله؛ لأنهم زعموا المحبة وهم أهل بدع وأهل هوى! زعموا المحبة وعطلوا السنن! زعموا المحبة وحاربوا الشرع! زعموا المحبة وابتعدوا عن رسول الله! فكيف ستذهب إلى الحبيب ﷺ ؛ لتطلب من رسول الله الشفاعة وأنت بعيد عن منهجه؟! فيا من حاربت الله! ويا من أعلنت الحرب على شرع رسول الله ﷺ ! وقلت: إن اللحية عفن، وإن النقاب رجعية وتخلف وعودة إلى الوراء! يا من استهزأتم بشرع الرسول ﷺ ! وقلتم: إن شرع رسول الله ﷺ ليس فيه إلا سفك الدماء وإقامة الحدود! اعلموا أن لحم وجوهكم سيتساقط يوم القيامة، من حيائكم وخجلكم إذا التقيتم برسول الله ﷺ ، فوحدوا الله حق التوحيد، واصدقوا مع محرر العبيد ﷺ في اتباع سنته والتزام منهجه وطريقته.
هذان هما الطريقان الموصلان إلى الله جل وعلا، وهما سبب قبول الأعمال: إخلاص لله، ومتابعة لرسول الله ﷺ ، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً، إن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فجردوا توحيدكم لله، وجردوا أعمالكم لله، وجردوا عباداتكم لله، ولا تراقبوا إلا الله، ولا تخافوا إلا من الله، واعلموا أن الضار هو الله، وأن النافع هو الله، واعلموا علم اليقين أن من أراد الله له العزة فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يذلوه.
ومن أراد الله له الذلة فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يعزوه.
ومن أراد الله له الغنى فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يفقروه.
ومن أراد الله له الفقر فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يغنوه.
ومن أراد الله له الحب في قلوب الناس فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يبعدوه.
ومن أراد الله له البعد عن قلوب الناس فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يقربوه.
إن الضار هو الله، وإن النافع هو الله: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
هذا هو تجريد التوحيد لله جل وعلا، وهذه هي النجاة، فقولوا: لا إله إلا الله بإخلاص، وقولوها بصدق ويقين، ونفذوا مقتضياتها، والتزموا بشروطها؛ لأن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، فلنقل: لا إله إلا الله بألسنتنا، ونصدق بقلوبنا، وننفذ بجوارحنا وأركاننا، فليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم! وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
اللهم توفنا على التوحيد الصادق يا رب العالمين! اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين! اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع الغلاء عن شعبنا، اللهم ارفع الغلاء عن شعبنا، وارفع الضيق والهم والغم عن بلادنا، واقبلنا وتقبل منا يا ربنا! ووفق ولاة أمورنا للعمل بكتابك والاقتداء بشرع نبيك ﷺ .
وسبحانك اللهم بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 39
المسيح الدجال
خروج المسيح الدجال من علامات الساعة الكبرى، وهو أولها، وفتنة تعد أعظم فتنة على وجه الأرض؛ فما من نبي إلا وحذر منها، فينبغي لكل مسلم أن يعلم صفة الدجال -لا سيما أن النبي ﷺ قد وصفه لنا وصفاً دقيقاً- ليحذره، وأن يعلم ما هي سبل النجاة من هذه الفتنة العظيمة، ومن هذا الخطر المستطير.
стр. 40
أهمية الكلام على الدار الآخرة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا المسجد المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (في رحاب الدار الآخرة)، سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
الهدف من هذه السلسلة تذكير الناس بحقيقة الدنيا، وإيقاظهم من غفلتهم ورقدتهم الطويلة، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يَخِصِّمُون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
فطوبى لعاقل فَطِنٍ سمع دروس هذه السلسلة فحاسب نفسه قبل أن يحاسب بين يدي ملك الملوك جل وعلا، طوبى لعاقل فطن سمع هذه السلسلة فعرف حقيقة دار الغرور واستعد ليوم البعث والنشور، لاسيما ونحن نعيش الآن زماناً، قد انصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، وانشغلوا بكثير من الماديات والشهوات والرغبات والنزوات، حتى ذهب الخوف من القلوب فتراكمت الذنوب على الذنوب.
إذاً: فالحديث عن الدار الآخرة ليس من باب الترف الفكري، ولا من باب الثقافة الذهنية الباردة، التي لا تتعامل إلا مع الأذهان فحسب، كلا! بل إن حديثنا عن الدار الآخرة، ينبع من إيماننا باليوم الآخر، الذي هو ركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا، كما في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، حينما سأل المصطفى عن أركان الإيمان، فقال الحبيب المحبوب: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره).
فلا يمكن لمؤمن على الإطلاق أن يؤمن باليوم الآخر إلا إذا عرف أحواله وأهواله، ووقف على هذا العلم الذي لا يمكن أن يتلقاه إلا من خلال دراسته لكتاب الله وسنة حبيبه رسول الله ﵌، فإذا استقرت حقيقة الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد تقي مؤمن نقي، دفعه هذا العلم بهذا اليوم إلى الاستقامة على منهج الله، وإلى السير على طريق رسول الله، وهذه هي الغاية المرضية لله ولحبيبنا رسول الله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهذا هو درسنا الرابع من دروس هذه السلسلة العلمية الهامة.
следующие страницы →