Полный текст (240 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شفاعة الأنبياء والملائكة والموحدين من هذه الأمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الأحباب! إن لرسولنا ﷺ شفاعة عامة، ثم شفاعة في استفتاح باب الجنة، ثم شفاعة في عصاة الموحدين من النار، وتبقى شفاعة الملائكة وسائر النبيين والمؤمنين الصادقين المخلصين.
جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] وفي باب: بدء الخلق.
وفي باب: الرقاق، ورواه جمع كبير من صحابة النبي ﷺ ، يقول: فتبقى شفاعة الملائكة وسائر النبيين والمؤمنين، فتذهب الملائكة فتخرج من النار من مات لا يشرك بالله شيئاً، ممن شاء الله جل وعلا لهم أن يخرجوا منها، وتبقى شفاعة النبيين، فيشفع النبيون لمن شاء الله ، وتبقى شفاعتكم أنتم أيها الموحدون! فإن من مات على التوحيد صادقاً مع الله خالصاً لله فإنه من أهل الشفاعة.
وإن من أمة الحبيب من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم سبعون ألفاً، والحديث في صحيح مسلم، اللهم اجعلنا منهم يا كريم يا تواب! فيشفع المؤمنون عند ربهم جل وعلا لإخوانهم من المؤمنين الصادقين، يقول الحبيب ﷺ : (فتشتد مناشدة المؤمنين لربهم يناشدون الله مناشدة شديدة: يا ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا فشفعنا فيهم)، اللهم لا تجعلنا جسراً يعبر الناس عليه إلى الجنة، ويلقى به في النار.
تشتد مناشدة المؤمنين الصادقين لربهم، فيشفعهم الله في إخوانهم من المؤمنين، ويقول الله لهم: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه من النار، فيذهب المؤمنون إلى النار فيخرجون من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ويعودون إلى الله ويقولون: يا ربنا! شفعنا في إخواننا -المرة الثانية- فيقول الله جل وعلا لهم: اذهبوا فأخرجوا من النار من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، فيذهبون فيخرجون من النار من عرفوهم بهذا، ويعودون إلى الله ويقولون: يا ربنا! شفعنا في إخواننا -للمرة الثالثة- فيقول الله جل وعلا لهم: اذهبوا فأخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فيذهبون، فيخرجون من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) هكذا شَفَّع اللهُ الرسولَ ﷺ ، وشَفَّع اللهُ الملائكة، وشَفَّع اللهُ النبيين، وشّفَّع اللهُ المؤمنين.
стр. 37
شفاعة الجبار
فيقول الجبار جل وعلا -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم - (شفع الأنبياء والملائكة وسائر النبيين، وبقيت شفاعتي -وهو الحليم الكريم- فيقبض الله جل وعلا قبضة من النار -ولا يعلم قدر عظم قبضة العزيز الجبار إلا هو سبحانه- فيقبض الحق ﵎ قبضة من النار -أي: من أهل النار- فيخرجون وهم كالفحم قد امتحشوا -أي: صاروا كالفحم- فيخرجون إلى نهر في الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم توضع في رقابهم الخواتيم، يخرجون من هذا النهر كحبات اللؤلؤ فيدخلون الجنة بغير عمل عملوه، فيقول أهل الجنة: هؤلاء هم عتقاء الرحمن من النار).
هذا هو موضوع الشفاعة أيها الأحباب! بإيجاز شديد، وإن فإن الأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً وقد بلغت حد التواتر.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٧] لا يملك الشفاعة إلا الله، ولا يأذن بها إلا لمن يشاء من عباده ويرضى، وأول من يشفع في الخلق رسول الله ﷺ ، ولا يستحق الشفاعة إلا أهل التوحيد والإيمان، فأحق الناس بشفاعة الرسول ﷺ : من قال: لا إله إلا الله، وجاهد شيطانه ونفسه وهواه.
стр. 38
أهمية إخلاص العمل لله وحده
وقد بيّن الحق سبحانه حال المتقين وحال المشركين أثناء العرض على رب العالمين، فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٧] فلا نجاة إلا بصدق التوحيد لله جل وعلا، ولا فوز إلا باتباع الرسول ﷺ ، فإن أناساً سيذهبون إليه يوم القيامة، فيتساقط لحم وجوههم حياءً من رسول الله؛ لأنهم زعموا المحبة وهم أهل بدع وأهل هوى! زعموا المحبة وعطلوا السنن! زعموا المحبة وحاربوا الشرع! زعموا المحبة وابتعدوا عن رسول الله! فكيف ستذهب إلى الحبيب ﷺ ؛ لتطلب من رسول الله الشفاعة وأنت بعيد عن منهجه؟! فيا من حاربت الله! ويا من أعلنت الحرب على شرع رسول الله ﷺ ! وقلت: إن اللحية عفن، وإن النقاب رجعية وتخلف وعودة إلى الوراء! يا من استهزأتم بشرع الرسول ﷺ ! وقلتم: إن شرع رسول الله ﷺ ليس فيه إلا سفك الدماء وإقامة الحدود! اعلموا أن لحم وجوهكم سيتساقط يوم القيامة، من حيائكم وخجلكم إذا التقيتم برسول الله ﷺ ، فوحدوا الله حق التوحيد، واصدقوا مع محرر العبيد ﷺ في اتباع سنته والتزام منهجه وطريقته.
هذان هما الطريقان الموصلان إلى الله جل وعلا، وهما سبب قبول الأعمال: إخلاص لله، ومتابعة لرسول الله ﷺ ، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً، إن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فجردوا توحيدكم لله، وجردوا أعمالكم لله، وجردوا عباداتكم لله، ولا تراقبوا إلا الله، ولا تخافوا إلا من الله، واعلموا أن الضار هو الله، وأن النافع هو الله، واعلموا علم اليقين أن من أراد الله له العزة فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يذلوه.
ومن أراد الله له الذلة فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يعزوه.
ومن أراد الله له الغنى فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يفقروه.
ومن أراد الله له الفقر فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يغنوه.
ومن أراد الله له الحب في قلوب الناس فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يبعدوه.
ومن أراد الله له البعد عن قلوب الناس فلن يستطيع أهل الأرض -وإن اجتمعوا- أن يقربوه.
إن الضار هو الله، وإن النافع هو الله: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
هذا هو تجريد التوحيد لله جل وعلا، وهذه هي النجاة، فقولوا: لا إله إلا الله بإخلاص، وقولوها بصدق ويقين، ونفذوا مقتضياتها، والتزموا بشروطها؛ لأن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، فلنقل: لا إله إلا الله بألسنتنا، ونصدق بقلوبنا، وننفذ بجوارحنا وأركاننا، فليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم! وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
اللهم توفنا على التوحيد الصادق يا رب العالمين! اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين! اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع الغلاء عن شعبنا، اللهم ارفع الغلاء عن شعبنا، وارفع الضيق والهم والغم عن بلادنا، واقبلنا وتقبل منا يا ربنا! ووفق ولاة أمورنا للعمل بكتابك والاقتداء بشرع نبيك ﷺ .
وسبحانك اللهم بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 39
المسيح الدجال
خروج المسيح الدجال من علامات الساعة الكبرى، وهو أولها، وفتنة تعد أعظم فتنة على وجه الأرض؛ فما من نبي إلا وحذر منها، فينبغي لكل مسلم أن يعلم صفة الدجال -لا سيما أن النبي ﷺ قد وصفه لنا وصفاً دقيقاً- ليحذره، وأن يعلم ما هي سبل النجاة من هذه الفتنة العظيمة، ومن هذا الخطر المستطير.
стр. 40
أهمية الكلام على الدار الآخرة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا المسجد المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (في رحاب الدار الآخرة)، سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ بالموت وتنتهي بالجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
الهدف من هذه السلسلة تذكير الناس بحقيقة الدنيا، وإيقاظهم من غفلتهم ورقدتهم الطويلة، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يَخِصِّمُون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
فطوبى لعاقل فَطِنٍ سمع دروس هذه السلسلة فحاسب نفسه قبل أن يحاسب بين يدي ملك الملوك جل وعلا، طوبى لعاقل فطن سمع هذه السلسلة فعرف حقيقة دار الغرور واستعد ليوم البعث والنشور، لاسيما ونحن نعيش الآن زماناً، قد انصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، وانشغلوا بكثير من الماديات والشهوات والرغبات والنزوات، حتى ذهب الخوف من القلوب فتراكمت الذنوب على الذنوب.
إذاً: فالحديث عن الدار الآخرة ليس من باب الترف الفكري، ولا من باب الثقافة الذهنية الباردة، التي لا تتعامل إلا مع الأذهان فحسب، كلا! بل إن حديثنا عن الدار الآخرة، ينبع من إيماننا باليوم الآخر، الذي هو ركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا، كما في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، حينما سأل المصطفى عن أركان الإيمان، فقال الحبيب المحبوب: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره).
فلا يمكن لمؤمن على الإطلاق أن يؤمن باليوم الآخر إلا إذا عرف أحواله وأهواله، ووقف على هذا العلم الذي لا يمكن أن يتلقاه إلا من خلال دراسته لكتاب الله وسنة حبيبه رسول الله ﵌، فإذا استقرت حقيقة الإيمان باليوم الآخر في قلب عبد تقي مؤمن نقي، دفعه هذا العلم بهذا اليوم إلى الاستقامة على منهج الله، وإلى السير على طريق رسول الله، وهذه هي الغاية المرضية لله ولحبيبنا رسول الله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهذا هو درسنا الرابع من دروس هذه السلسلة العلمية الهامة.
стр. 41
خروج الدجال أول علامة من علامات الساعة الكبرى
وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي عن العلامات الصغرى التي ستقع بين يدي الساعة، وحديثنا من اليوم إن شاء الله تعالى عن العلامات الكبرى التي ستقع قبل قيام الساعة مباشرة، وقد ذكر النبي هذه العلامات في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال حذيفة: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال المصطفى: ما تذاكرون؟ فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال المصطفى: (إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وهي: الدخان، والدجال، والدابة، ونزول عيسى بن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).
ولقد ذكر المصطفى ﷺ هذه العلامات بغير هذا الترتيب في روايات أخرى صحيحة، والذي يترجح من الأخبار كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن خروج الدجال هو أول الآيات العظام التي تؤذن بتغير الأحوال على وجه الأرض، وتنتهي هذه المرحلة بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات التي تؤذن بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يكون في نفس اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها، والله أعلم.
ولكن على أيّ حال فإن العلامات الكبرى ستقع متتابعة، فهي كحبات العقد إذا انفرطت منه حبة تتابعت بقية الحبات.
وليس هذا من عندي، بل هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ففي الحديث الذي رواه أحمد والحاكم في مستدركه وصححه على شرط مسلم وأقره الحافظ الذهبي والألباني من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (الأمارات -أي: العلامات- الكبرى خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً).
стр. 42
صفة الدجال وعظم فتنته
واسمحوا لي أن أستهل الحديث اليوم -مع حضراتكم- في العلامات الكبرى، وعن الآية العظيمة الأولى التي تؤذن بتغير الأحوال على وجه الأرض، ألا وهي المسيح الدجال، وسوف أخصص اليوم اللقاء كله لفتنة المسيح الدجال، وقد أؤجل الحديث عن بعض العلامات في الجمع المقبلة بحسب تقدير الله جل وعلا، وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف أركز الحديث عن فتنة المسيح الدجال في العناصر المحددة التالية: أولاً: الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض.
ثانياً: وصف دقيق للدجال وفتنته.
ثالثاً: ما السبيل إلى النجاة؟ فأعرني قلبك جيداً وأعرني سمعك تماماً، والله أسأل أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 43
الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم
أولاً: الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض، ربما -لأول مرة- يسمع كثير منكم هذا الموضوع وأنا واحد من هذا الكثير، فإني ما وقفت على فتنة الدجال إلا في الأسبوعين الماضيين، وأنا أتقلب وأتجول بين بطون الكتب والمراجع والمجلدات، أقول لكم: والله ما عرفت خطر فتنة الدجال إلا من أسبوعين فقط، فتدبر معي -أيها الحبيب- وقف على خطر هذه الفتنة!، فالدجال أعظم فتنة على وجه الأرض من يوم أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة.
لماذا سمي الدجال بالمسيح الدجال؟ سمي بالمسيح؛ لأن عينه ممسوحة، قال المصطفى: (الدجال ممسوح العين) وسمي بالدجال؛ لأنه يغطي الحق بالكذب والباطل، وهذا دجل، فسمي بالدجال.
فتنة الدجال فتنة عظيمة!! قال المصطفى -والحديث رواه مسلم من حديث عمران بن حصين: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال).
وأنا اليوم لن أتكلم بكلمة من عند نفسي؛ لأن هذا غيب لا ينبغي أن نتكلم فيه إلا بكلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فسأخرج من حديث لأنتقل إلى حديث آخر، ولن أحدثكم إلا حديثاً صحيحاً كعادتنا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصادقين.
فأقول: روى ابن ماجة في سننه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك، وصحح الحديث الشيخ الألباني من حديث أبي أمامة الباهلي، أن الحبيب النبي ﵌ قال: (إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ أن ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة المسيح الدجال، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد أنذر قومه من الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج الدجال -وأنا بين أظهركم- فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج الدجال من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم).
ويا لها والله من كرامة لأمة الحبيب المحبوب، قال: (وما من نبي إلا وقد أنذر قومه من الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج -وأنا بين أظهركم- فأنا حجيج لكل مسلم)، أي: إن خرج الدجال والحبيب بيننا فلا نحزن، ولكن مات المصطفى ولم يخرج الدجال بعد، وهو خارج لا محالة.
قال: (وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه)، أي: سترد أنت عن نفسك بنفسك، فكل امرئ حجيج نفسه، قال: (والله خليفتي على كل مسلم) وهذه كرامة من الله أن يكون الله جل وعلا خليفة على كل مسلم في فتنة الدجال، بعد موت سيد الرجال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.
стр. 44
وصف النبي للدجال
ففتنة الدجال عظيمة! أعظم فتنة على وجه الأرض بشهادة الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
لذا وصف النبي الدجال وصفاً دقيقاً محكماً، وَبَين لنا فتنته بياناً شافياً؛ حتى لا يغتر بالدجال وفتنته أحد من الموحدين لله رب العالمين فتدبر معي وهذا هو عنصرنا الثاني.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ﵄ قال: (قام رسول الله في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، ولقد أنذر نوح قومه الدجال، ولكن سأقول لكم في الدجال قولاً لم يقله نبي لقومه: ألا فاعلموا أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)، وصف عجيب! وفى رواية (أعور العين اليمنى)، وفي رواية أخرى صحيحة (أعور العين اليسرى)، والروايتان في صحيح مسلم.
(اعلموا أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)، جل جلال الله، جل ربنا عن الشبيه وعن النظير وعن المثيل لا كفء له، ولا ضد له، ولا ند له، ولا مثل له، ولا زوج له، ولا ولد له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ثم قال المصطفى ﵊: -والحديث رواه مسلم من حديث أنس -: (الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مسلم).
ماذا تريد بعد ذلك من الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الذي قال ربه في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهو يصفه لك؛ لتعرفه إن خرج بين أظهرنا، فيقول لك: (الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مسلم).
وفى رواية حذيفة في صحيح مسلم قال: (الدجال، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن: كاتب وغير كاتب).
سيحزن الآن والد من آباءنا الكرام ويقول: أنا لا أقرأ، فهل إذا خرج الدجال لا أستطيع أن أقرأ كلمة (كافر) بين عينيه؟ أقول لك: أبشر! المهم أن تحقق الإيمان بالله، فرسول الله قال: (مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن: كاتب وغير كاتب)، يعني إن كنت تقرأ أو إن كنت أميّاً لا تقرأ، فيومها سيوفقك الله بإيمانك أن تقرأ كلمة (كافر) بين عيني الدجال.
والكتابة بين عينيه كتابة حقيقية ليست مجازية، لا ينبغي أن نصرف لفظ النبي أبداً، الكتابة على جبين الدجال كتابة حقيقية، لذا وردت رواية في صحيح مسلم أن النبي قرأ الكلمة بحروفها، قال: (ك، ف، ر) فتهجاها بحروفها.
فالكتابة على جبينه بين عينيه كتابة حقيقية، وليست مجازية، قد جعلها الله من الأدلة القاطعة على كفره وكذبه، ومن رحمة الله أن لا يقرأ هذه الكلمة إلا من وحد الله جل وعلا وآمن بالله .
стр. 45
أحاديث في فتنة الدجال
ووصف النبي فتنته وأستحلفك بالله أن تتدبر معي هذا المطلع العجيب!
стр. 46
مع الدجال نهران يجريان
روى مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال المصطفى ﷺ : (لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال، معه نهران يجريان -انظر إلى الفتن الخطيرة التي ستعصف بقلوب كثير من الخلق- أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تَأَجَّج -أي: تشتعل- فإن أدرك أحدكم الدجال فليأت النهر الذي يراه ناراً تأجج، وليغمض عينه، وليطأطئ رأسه، وليشرب منه؛ فإنه ماء بارد).
تدبر كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: (إن أدرك أحدكم الدجال فليأت النهر الذي يراه ناراً تتأجج) أي: لا تخش نار الدجال؛ فهو دجال يغطي الحق بالكذب والباطل، فإن رأيت ناره فاعلم بأنها ماء عذب بارد طيب.
ولن يجعلك تفعل ذلك الفعل يومها إلا إيمانك بالله وبحبيبك رسول الله.
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم لـ حذيفة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (يخرج الدجال وإن معه ماءً وناراً، فما يراه الناس ماءً فهي نار تحرق، وما يراه الناس ناراً فهو ماء بارد عذب).
لا تنس أن الذي يخبرك بهذا هو الصادق الذي قال: (وأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال).
стр. 47
يمكث الدجال أربعين يوماً في الأرض
وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁ أنه قال: سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن المدة التي سيمكثها الدجال في الأرض، فقال الحبيب: (أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كسائر أيامكم، قالوا: يا رسول الله! اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم واحد؟!).
انظر إلى همم الرجال، وهم يسألون الرسول عن الصلاة في هذا اليوم! لتعرف الفارق بين هؤلاء الأطهار وبيننا في هذه الأيام، فهم يسألون النبي عن الصلاة، ويسألون النبي عن النجاة، فمنهم من ذهب إليه؛ ليقول يا رسول الله!: (حدثني بأمر أعتصم به، فقال له: قل: ربي الله، ثم استقم)، ومنهم من قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، فأجابه النبي بحديثه الطويل، وكان السائل هو معاذ بن جبل ﵁.
وهاهم الصحابة في هذا الحديث يسألون النبي عن الصلاة في هذا اليوم، هل تكفيهم صلاة يوم واحد، قال: (لا، اقدروا له قدره)، يعنى صلوا الفجر وعدوا الساعات التي كانت قبل ذلك بين الفجر والظهر، فصلوا الظهر، وعدوا الساعات التي كانت قبل ذلك بين الظهر والعصر، فصلوا العصر، وهكذا، ولا تصلوا في هذا -اليوم الذي هو كسنة- صلاة يوم واحد، بل صلوا صلاة سنة.
قال: (ثم ينطلق إلى قوم آخرين، فيقول لهم: أنا ربكم، فيقولون له: لا، ويكذبونه ويردون عليه دعوته، فلا ينطلق الدجال عنهم إلا وقد أصبحوا ممحلين)، أي: ذهب كل شيء من المال الذي كان بأيديهم بالأمس القريب؛ فتنة عظيمة حيث يضيع كل المال بين أيديهم، يقول المصطفى: (ويمر على خربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوز الخربة كيعاسيب النحل) أي: كجماعات النحل تمشي وراءه، فتن رهيبة!
стр. 48
قتل الدجال للشاب المؤمن
ثم تزداد فتنته: فيرى شاباً من المسلمين فينادي عليه الدجال، ويأخذه، ويشق الدجال هذا الشاب نصفين، فتقع القطعتان على الأرض، فيمشي الدجال بين القطعتين أمام الناس، ويقول للشاب: قم، فيستوي الشاب حياً بين يديه، وهذا أمر لا يكاد العقل أن يدركه أو أن يستوعبه، لولا أن أخبر به الصادق المصدوق.
وفي رواية أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، يقول المصطفى ﵌: فيخرج إليه شاب فيلقاه مسالح الدجال -ومسالح الدجال: أتباعه من اليهود الذين يحملون السلاح- فيقول مسالح الدجال لهذا الرجل المؤمن من أتباع الحبيب محمد: إلى أين؟ فيقول: إلى هذا الذي خرج -أي: إلى الدجال- فيقولون له: أوما تؤمن بربنا؟ فيقول الرجل المؤمن: ما بربنا خفاء -يعني: لو نظرت إلى الدجال فسأعرفه- فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أو ليس قد نهانا ربنا -أي: الدجال- أن نقتل أحداً دونه، فينطلقون بهذا الرجل المؤمن إلى الدجال، فإذا نظر المؤمن إليه، وقرأ بين عينيه الكلمة التي أخبر عنها الصادق (كافر) صرخ المؤمن وقال: أنت المسيح الدجال الذي ذكره لنا رسول الله ﷺ .
يقول المصطفى: فيأمر الدجال بقتله، فيوضع المنشار في مفرق رأسه ويشقه الدجال نصفين، ثم يقول الدجال لهذا الشاب المؤمن: قم.
فيستوي الشاب قائماً أمام عينيه وبين يديه وهو يضحك، فيقول له الدجال: أتؤمن بأنني ربك، فيقول المؤمن: والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فأنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله، ويلتفت المؤمن إلى الجموع من حوله ويقول: أيها الناس! هذا هو المسيح الدجال، ووالله لن يستطيع أن يفعل ذلك بأحد بعدي كما أخبرنا المصطفى.
يقول رسول الله: فيقوم الدجال ليذبحه، فلا يمكنه الله من ذلك، فيأخذه الدجال من بين يديه ورجليه، ويريد أن يلقي به في ناره، فيظن الناس أنه قد قذف به في النار، وإنما ألقي في الجنة.
ثم قال الحبيب: هذا أعظم الناس شهادة عند الله جل وعلا، أي: هذا الرجل المؤمن من أتباع المصطفى أعظم الناس شهادة عند الله جل وعلا، فهو الذي سيبين كذب الدجال وبطلان ادعاءات الدجال، ويحذر المؤمنين من فتنته؛ لأنه آمن برسول الله وصدق خبره، وبهذا الإيمان قرأ بين عينيه كلمة (كافر)، وقال للجموع من حوله: هذا هو الدجال الذي ذكره لنا رسول الله ﵌.
стр. 49
الجساسة والدجال
أختم الحديث عن فتنة الدجال بحديث عجيب غريب رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، من حديث فاطمة بنت قيس عن تميم الداري.
وهذا الحديث عندما وقفت عليه كاد عقلي أن يطيش، مع أنني قرأت الحديث قبل ذلك، لكن لما تدبرت المعاني كاد -والله- عقلي أن يطيش.
الحديث -كما قلت- رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، وفيه أن فاطمة ﵂ قالت: سمعت منادي رسول الله يقول: (إن الصلاة جامعة، إن الصلاة جامعة، تقول: فخرجت إلى المسجد، وصليت خلف رسول الله، وكنت في النساء اللاتي تلي ظهور الرجال -أي: كانت في الصف الأول في النساء الذي يقف مباشرة خلف آخر صف للرجال- فلما قضى رسول الله صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك -بأبي هو وأمي- ثم قال: أيها الناس! ليلزم كل إنسان منكم مصلاه) أي: ليجلس كل واحد منكم مكانه، فجلس الصحابة.
ثم قال: (هل تعلمون لِمَ جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال رسول الله: أما إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، وإنما جمعتكم اليوم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاءني اليوم فبايعني وأسلم لله، وحدثني حديثاً أحببت أن أحدثكم به)، وهذه من أعظم مناقب تميم الداري.
وقال النووي أيضاً: وفيه جواز حديث الفاضل عن المفضول، أي: يجوز أن ينقل الفاضل حديثاً عن رجل يقل عنه في الفضل والكرامة، فلقد نقل المصطفى -وهو من هو- حديثاً عن تميم الداري.
قال النووي: وفيه كذلك جواز قبول خبر الآحاد الذي أنكره بعض الطوائف، فلقد قبل النبي خبر تميم الداري وهو واحد فرد.
فماذا قال المصطفى ﷺ ؟ وتدبر معي جيداً قال: (حدثني تميم أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام -ولخم وجذام قبيلتان عربيتان مشهورتان- فلعب بنا الموج في البحر شهراً كاملاً، ثم أرفأنا إلى جزيرة وسط البحر- يعني: ألجأهم الموج إلى جزيرة وسط البحر- فدخلوها، فإذا هم أمام دابة أَهْلَبَ كثير الشعر، فقالوا لها: ويلك من أنت؟ فقالت: أنا الجساسة.
قالوا: وما الجساسة؟ قالت: انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدَّيْرِ؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، يقول: ففزعنا منها لما سمت لنا رجلاً وظننا أنها شيطانة، فتركناها وأسرعنا إلى الدَّير، فرأينا رجلاً عظيم الخلق مقيداً بالحديد، فقلنا: ويلك! من أنت؟ فقال لهم: قد قدرتم على خبري، فأخبروني أنتم: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم من العرب ركبنا السفينة فلعب بنا الموج شهراً، فأرفأنا إلى جزيرتك، فلقيتنا هذه الدابة، وقالت لنا: انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأتينا إليك وقد خشينا أن تكون شيطانة.
فقال لهم: أخبروني عن نخل بَيْسَانَ؟ فقالوا: وعن أيّ شأنها تستخبر؟ فقال هذا الرجل المقيد بالحديد: هل يثمر نخلها؟ فقالوا: نعم، نخلها يثمر، فقال: يوشك أن لا يثمر.
ثم قال لهم هذا الرجل المقيد بالحديد: أخبروني عن بحيرة طبرية؟ قالوا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: ماؤها كثير، فقال الرجل المقيد بالحديد: يوشك أن يجف ماؤها.
ثم قال: أخبروني عن نبي الأميين هل خرج؟ قالوا: نعم، خرج، بل وهاجر الآن من مكة إلى يثرب، فسألهم: ماذا صنع مع العرب؟ فقالوا: أظهره الله عليهم، فقال لهم: أوقد كان ذلك، قالوا: نعم، فقال هذا الرجل: خير لهم أن يطيعوه، خير لهم أن يطيعوه -أي: أن يطيعوا هذا النبي ﷺ ثم قال لهم: أما أنا فأخبركم؛ أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها، إلا مكة والمدينة فإنهما محرمتان عليّ، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما وجدت ملكاً على بابها بالسيف، فإنه على كل نقب من أبواب مكة والمدينة ملائكة يحرسونها بأمر الله جل وعلا).
стр. 50
مقتل الدجال
أيها الأحبة الكرام! هذا قليل من كثير، فلا زال في الجُعْبَة، أو في الكتب -بمعنى أحرى- الكثير عن فتنة الدجال، ولقد لخصت وأجملت لكم ما يَسَّر الله ؛ لنقف على خطورة هذه الفتنة، ثم لأعرج بعد جلسة الاستراحة على سبيل النجاة من فتنة الدجال، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وقبل أن أجلس جلسة الاستراحة، قد يسألني الآن مسلم تغيظ قلبه من الدجال وفتنته، ويقول لي: يا أخي! لا تدعنا هكذا بل بشر قلوبنا، وأسعد قلوبنا: هل سيقتل الدجال؟ ومن الذي سيقتله؟
و
الجواب
أبشر! سيُقتل الدجال، يقتله عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
أين يقتله؟ ومتى يقتله؟ اسمع الجواب من رسول الله، والحديث رواه ابن ماجة في سننه والحاكم في المستدرك، وصحح الحديث الألباني من حديث أبي أمامة الباهلي أنه ﷺ قال: بينما إمام المسلمين يصلي بهم الصبح في بيت المقدس -اللهم فُكَّ أسره، ورده إلى المسلمين ردّاً جميلاً، وطهره من دنس اليهود برحمتك يا رب العالمين- إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فإذا نظر إليه إمام المسلمين عرفه)، فمن أدبه الذي تعلمه من رسول الله، وعلمه إياه دين الله أنه إذا رأى عيسى، يتقهقر إمام المسلمين للخلف؛ ليفسح القبلة لنبي الله عيسى، ليصلي بالمؤمنين أتباع سيد النبيين محمد.
قال: (فيأتي عيسى ﵇ ويضع يده في كتف إمام المسلمين، ويقول له: لا، بل تقدم أنت فَصَلِّ؛ فالصلاة لك أقيمت -وفي لفظ: فإمامكم منكم يا أمة محمد! - ويصلي نبي الله عيسى خلف إمام المسلمين لله رب العالمين، فإذا ما أنهى إمام المسلمين الصلاة قام عيسى، وقام خلفه المسلمون، فإذا فتح عيسى باب بيت المقدس رأى المسيح الدجال ومعه سبعون ألف يهودي بيدهم السلاح، فإذا نظر الدجال إلى نبي الله عيسى ذاب كما يذوب الملح في الماء، ثم يهرب، يقول المصطفى: فينطلق عيسى وراءه، فيمسك به عند باب لُدّ الشرقي)، كلام دقيق من الصادق كأنه يرى الأحداث أمام عينيه، وكأن الله كشف له الحُجُب فرأى كل شيء بأبي هو وأمي.
قال: (فيمسك به المسيح عند باب لد الشرقي -و (لد) مدينة معروفة بفلسطين- فيقتله نبي الله عيسى)، ويستريح الخلق من شر الدجال ومن فتنة الدجال، أسأل الله أن يقينا وإياكم من فتنته، بل ومن الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن.
وأخيراً: ما السبيل إلى النجاة؟ والجواب بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 51
سبيل النجاة من المسيح الدجال
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! كان ولابد أن أجيب على هذا
السؤال
ما السبيل إلى النجاة من فتنة الدجال؟ والجواب من سيد الرجال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ومن والاه، تدبر الجواب جيداً
стр. 52
حفظ سورة الكهف
روى ابن ماجة في سننه والحاكم في مستدركه وصححه الألباني؛ قال ﷺ : (من حفظ عشر آيات من سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال).
وفي لفظ: (من حفظ عشر آيات من أوائل سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال).
وفى لفظ: (من حفظ عشر آيات من آخر سورة الكهف).
وأنا أقول لك: هل تقف على خطر فتنة الدجال ولا تشرع من اليوم في حفظ سورة الكهف بكاملها، احرص على حفظ السورة من الآن، واجتهد أن تعمل بها قدر الاستطاعة والإمكان، فمن حفظ عشر آيات من سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال.
стр. 53
الفرار إلى مكة أو المدينة
كذلك من السبل للنجاة منه أن تفر إلى بلد الله الحرام أو إلى طيبة طيبها الله، فمكة والمدينة محرمتان على الدجال أن يدخلهما، فلا يستطيع الدجال أن يدخل مكة ولا أن يدخل المدينة، فهذه أيضاً من سبل النجاة، فإن يسر الله أن تفر إلى بلد الله الحرام أو إلى مسجد رسول الله ﵊ أو إلى المدينة، فهذا سبيل من سبل النجاة، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم وفاة في أرض حبيبه المصطفى، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
стр. 54
توحيد الله تعالى وتحقيق الإيمان
ولا أجد لك سبيلاً للنجاة أكرم وأشرف وأَجَلَّ وأعظم وأطيب من أن توحد الله جل وعلا، وأن تصحح إيمانك به ، ألم يقل لك المصطفى بأنه لا يقرأ كلمة (كافر) بين عيني الدجال إلا مؤمن وحد الكبير المتعال؟! واعلم بأن الإيمان ليس كلمة يرددها لسانك فحسب، بل الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان -يعني: بالقلب- وعمل بالجوارح والأركان.
ولابد أن تعلم أن له أركاناً ألا وهي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه.
فحقق الإيمان أيها الحبيب الكريم! فلا أجد لنفسي ولك أعظم وأجل من الإيمان؛ لينجينا الله من فتنة الدجال، بل من كل الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولنسعد إن شاء الله تعالى -والمشيئة هنا للتحقيق- بصحبة سيد الرجال في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا * قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١١٠].
فلا أجد لنفسي ولك -أيها الحبيب الكريم- أعظم من تحقيق الإيمان وتحقيق التوحيد لرب العالمين.
стр. 55
تصحيح المعتقد في الله
قال الله في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عَنَان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة).
قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا في الدنيا وفي الآخرة بين يدي الله، وتسعدوا بصحبة رسول الله في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فحققوا التوحيد والإيمان، فإن من أعظم الأسباب للوقاية من فتنة المسيح الدجال، أن نصحح معتقدنا وأن نقوي إيماننا.
أسأل الله جل وعلا أن يقينا وإياكم من فتنة الدجال، اللهم نجنا من فتنة الدجال، اللهم نجنا من فتنة الدجال، اللهم اختم لنا منك بخاتمة الموحدين يا كبير! يا متعال! اللهم ارزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ورضواناً، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
اللهم أسعد قلوبنا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم بلدنا مصر من الأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن وسائر بلاد المسلمين.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة، ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 56
طلوع الشمس من مغربها
الأمور العظيمة لا تقع فجأة ومباغتة، بل لابد لها من مقدمات وإرهاصات، ومن ذلك قيام الساعة، فإنه أعظم حوادث هذا الكون؛ ولذلك كانت هناك علامات سابقة لهذا الحدث مؤذنة بقربة ووقوعه، ومن تلك العلامات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة تكلم الناس، وظهور الدخان العظيم، وثلاثة خسوفات في الأرض، ثم خروج نار عظيمة من قعر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر.
стр. 57
الشمس آية دالة على وحدانية الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا جميعاً مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، أقدمه الآن لنفسي وإخواني وأخواتي من المسلمين والمسلمات في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، لعل الغافل أن يتنبه، ولعل النائم أن يستيقظ، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون وهذا هو لقاؤنا السابع من لقاءات السلسلة الكريمة، ولا زلنا بحول الله ومدده نتحدث عن العلامات الكبرى للساعة، والتى ذكرها الحبيب المصطفى ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى ﵁ قال: (اطلع علينا النبي ﷺ ونحن نتذاكر فقال المصطفى: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة يا رسول الله.
فقال ﷺ : إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات وهي: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).
وقد تكلمنا في اللقاءات الماضية على التوالي عن: الدجال، وعن نزول عيسى ﵇، وعن يأجوج ومأجوج، وسأتحدث اليوم -إن شاء الله تعالى- عن بقية العلامات الواردة في الحديث؛ نظراً لأن المادة العلمية الصحيحة في بقية هذه العلامات مادة قليلة مقتضبة.
العلامة الرابعة: طلوع الشمس من مغربها الشمس منذ أن خلقها الله تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، بصورة متكررة منتظمة لا تتخلف يوماً ولا تتأخر، بصورة تطالع الأنظار والمدارك؛ لتستنطق الفطرة السوية للإنسان بوحدانية الرحيم الرحمن، قال جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
آية من الآيات التي تستنطق الفطرة السليمة النقية بوحدانية الله جل وعلا، علامة بارزة على قدرة الله.
ولذا نرى نبياً من أنبياء الله -وهو خليل الله إبراهيم- قد تحدى بهذه الآية العظيمة طاغية من طواغيت أهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] رد النمرود بن كنعان الطاغية المجرم على إبراهيم فقال: (أنا أحيي وأميت) ولكن أين يذهب هذا الغر الجاهل بحجته الفاسدة أمام نبي من أنبياء الله؟! فقال له الخليل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
فالشمس منذ خلقها الله تشرق من المشرق وتغرب في المغرب بصورة منتظمة متكررة، لا تكاد تتخلف أو تتأخر يوماً من الأيام، حتى إذا جاء الوعد الموعود استأذنت الشمس ربها أن تشرق كعادتها من المشرق فلا يأذن لها.
стр. 58
حديث: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس)
تدبر معي قول الصادق المصدوق، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوماً والشمس تغرب: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة لله جل وعلا)، لا تتعجل فكل شيء في هذا الكون يسجد لله، قال جل في علاه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] فكل شيء في الكون يسجد لرب الأرض والسماء، إلا كفرة الإنس والجن.
انظر إلى الكون كله من عرشه إلى فرشه، ومن سمائه إلى أرضه؛ لتتعرف على وحدانية الله وعظمة الخالق جل في علاه، انظر إلى السماء وارتفاعها، وإلى الأرض واتساعها، وإلى الجبال وأثقالها، وإلى الأفلاك ودورانها، وإلى البحار وأمواجها، وإلى كل ما هو متحرك، وإلى كل ما هو ساكن، والله إن الكل يقر بتوحيد الله، ويعلن السجود لله، ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا من غفل من الإنس والجن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة كيف نمت من حبة وكيف صارت شجرة ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الثمرة ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة وانظر لتلك الشمس التي جذوتها مستعرة فيها ضياء وبها حرارة منتشرة ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الشررة ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة الشمس والبدر من آيات قدرته والبر والبحر فيض من عطاياه الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف له حمداً في خلاياه والناس يعصونه جهراً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه قال المصطفى ﷺ : (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قال الصحابة: الله ورسوله أعلم.
فقال الصادق المصدوق: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة لله ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها -أي: من المشرق- يقول المصطفى: فلا تزال كذلك، لا يستنكر الناس منها شيئاً).
الشمس تشرق كل صباح من المشرق، وتغرب كل يوم في المغرب، لا يستنكر الناس من أمرها ولا من شأنها شيئاً، فلا تزال كذلك حتى تجري ثم تستقر في مكانها تحت العرش، كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي وأصبحي طالعة من مغربك، فتصبح الشمس طالعة من المغرب، انتهى نظامها المعتاد، انتهت مدة حياة هذا الكون، ستبدل الأرض غير الأرض، وستبدل السماوات ليبرز الجميع للوقوف بين يدي الملك ﷻ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح الشمس طالعة من المغرب انظر إلى هذا العجب!! ووضحت هذا المعنى رواية ابن مردويه بسند حسن بشواهده من حديث عبد الله بن أبي أوفى أن الصادق المصدوق ﷺ قال: (ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليالٍ من لياليكم) وفي الوقت المحدد يضغط المنبه على ساعة الوقت لصلاة الفجر، فتستيقظ فتنظر إلى ساعة الوقت فترى الليل ما زال مخيماً! لعل الساعة قد خانت! ثم تستيقظ فترى الليل ما زال مخيماً بظلامه! ثم تستيقظ فترى الليل ما زال مخيماً بظلامه! فتتعجب! طال وقت النوم! (ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون- يعرفها القائمون بالليل لله رب العالمين، انظر إلى فضل قيام الليل، حتى في أحلك الأزمات -يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، فبينما هم كذلك صاح الناس بعضهم في بعض، فيفزعون إلى المساجد، فبينما هم كذلك إذ بهم يرون الشمس قد طلعت من مغربها).
الله أكبر! ما الذي يترتب على هذه الآية العظيمة؟! تدبر هذا الكلام جيداً! الذي يترتب على ذلك أن المصطفى ﷺ قال: -كما في رواية أبي ذر التي ذكرتها آنفاً-: (أتدرون متى ذاكم؟!) أي: أتدرون متى تطلع الشمس من مغربها؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذاك حين ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]).
أغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها، إذا عاد الكافر إلى الله لا يقبل الله منه الإيمان، انتهى الأوان، إذا تاب العاصي إلى الله لا يقبل الله منه التوبة، ذكرت في الدنيا فما تذكرت! وعظت في الدنيا فما اتعظت! ذكرناك بالقرآن وذكرناك بحديث النبي ﵊ فأبيت إلا الإنكار، وأبيت إلا العناد والإصرار، وتماديت في المعاصي والضلال والطغيان، وإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق عليك باب التوبة يا مسكين! قال المصطفى ﷺ : (إذا طلعت الشمس من مغربها ورآها الناس آمنوا كلهم أجمعون، ويومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ثلاثة إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدخان)، فإذا طلعت الشمس من المغرب، وخرجت الدابة من الأرض، وخرج الدخان؛ إن تاب الكافر إلى الله لا يقبل الله منه، وإن تاب العاصي إلى الله لا يقبل الله منه، فأذكر نفسي وأذكرك الآن -أيها الحبيب- بالمبادرة إلى التوبة إلى الله قبل أن يغلق الله باب التوبة علينا.
المصطفى ﷺ يقول -والحديث رواه أحمد بسند صحيح-: (لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل).
أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها الغافل! أيها المضيع للتوحيد! أيها المضيع للصلاة! أيها المضيع للزكاة! أيها العاق لوالديه! أيها المنصرف عن الله! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب قال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).
إذا طلعت الشمس من المغرب أغلق باب التوبة، فهنيئاً لمن طلعت الشمس عليه من مغربها وهو مستقيم على طاعة الله، اللهم اجعلنا من أهل الإيمان والاستقامة، ووفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك يا رب العالمين.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
стр. 59
خروج الدابة
ما أحدثكم به الآن من هذه العلامات هو ما صح عن الصادق ﷺ ، أما ما عدا ذلك فلن تجد إلا ضعيفاً وموضوعاً.
العلامة الخامسة من علامات الساعة الكبرى خروج الدابة.
ما هي الدابة؟ قال جل وعلا في سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢].
يا إلهي! دابة تتكلم!! دابة تنطق!! وتكلم الناس كلاماً مفهوماً واضحاً! بل وتقيم عليهم الحجة، وتذكرهم بأنهم كانوا لا يوقنون بآيات الله! وكانوا لا يصدقون بآيات الله جل وعلا! قال المصطفى ﷺ -والحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو -: (أول أشراط الساعة: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى -أي: في نفس اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب- فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً).
يعني: لو خرجت الدابة فسوف تطلع الشمس من مغربها في نفس الوقت، وإن أشرقت الشمس من مغربها، فسوف تخرج الدابة في نفس اليوم، (أيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً).
الدابة أمر عجيب لو تدبرته كاد قلبك أن ينخلع! دابة تخرج وتجوب الأرض كلها، تفرق هذه الدابة بين المؤمن والكافر! وتعلِّم المؤمن بعلامة، وتعلِّم الكافر بعلامة، تسم الكافر على أنفه فيسود وجهه! وتسم المؤمن فيضيء وجهه كأنه كوكب دري، أمر عجب!! ورد في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وصححه شيخنا الألباني أن النبي ﷺ قال: (تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم) (تسم الناس): أي: تعلِّم الناس.
على الخراطيم: أي: على الأنوف.
تسم الدابة أنف كل واحد على ظهر الأرض.
وخذ هذا الحديث العجب الذي رواه أحمد في المسند والترمذي في السنن، وللأمانة العلمية التي اتفقنا عليها فإن الشيخ الألباني -حفظه الله- قد ضعف إسناد الحديث، ومدار الحديث على علي بن زيد بن جدعان، قال الألباني: فيه ضعف، إلا أن العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد صحح إسناد الحديث وقال: علي بن زيد بن جدعان مختلف فيه، والراجح عندنا توثيقه؛ لذا صحح العلامة أحمد شاكر إسناد هذا الحديث، وقال الإمام الترمذي: حديث حسن؛ قال ﷺ : (تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان، فتسم الدابة أنف الكافر -أي: تعلم الدابة أنف الكافر- وتجلو وجه المؤمن -أي: ويضيء وجه المؤمن- كأنه كوكب دري، حتى أن أهل الخوان الواحد -أي: المائدة- يجتمعون على طعامهم فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر!).
لأن الدابة بينت وأوضحت الحقيقة، وميزت المؤمنين من الكفار.
وقد غالى بعض الناس في وصف الدابة، وأعطوا لخيالهم العنان، فوصفوا الدابة وصفاً درامياً خيالياً عجيباً، فمنهم من قال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، وقوائمها قوائم بعير إلى آخر هذا الوصف الدرامي، الذي لا يصلح إلا أن يكون في فلم لواحد من هؤلاء الكذابين، ولا يجوز لأحد يحترم عقله ويحترم نفسه أن يعطي لخياله العنان ليصف الدابة بهذه الأوصاف، إذ إن أمور الغيب -ومنها: الدابة- لا يجوز لأحد البتة أن يتكلم فيها بكلمة إلا بدليل صحيح عن الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
стр. 60
الدخان من علامات الساعة الكبرى
العلامة الخامسة: الدخان.
والدخان هو آخر العلامات التي سيشهدها المؤمنون على ظهر الأرض، وبقية العلامات لا يراها المؤمنون، ولا يشهد عذابها الموحدون، بل لا تقوم إلا على الكفرة الفجرة من شرار الخلق.
الدخان علامة كبرى، قال عبد الله بن مسعود ﵁: إن هذا الدخان كان علامة من العلامات التى وقعت فى الدنيا بدعاء النبي ﷺ على المشركين.
والدخان قد وقع بالفعل، ولكن الدخان الوارد في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري الذي هو علامة من علامات الساعة الكبرى يختلف تمام الاختلاف عن تلك العلامة التي رآها المشركون في مكة؛ بدعاء الصادق ﷺ عليهم.
قال تعالى في حق هذه العلامة: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] أي: واضح بين ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١].
وإذا خرج الدخان فلا يقبل الله التوبة كما تقدم، وبعد ظهور هذا الدخان يبعث الله ريحاً ألين من الحرير، وظيفتها قبض أرواح المؤمنين على ظهر الأرض، فلا يبقى على ظهر الأرض مؤمن.
يقول المصطفى ﷺ : (فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الخلق) أي: الكفرة الفجرة الذين لم يؤمنوا بالله .
وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق).
وفي رواية مسلم من حديث أنس أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله).
كلمة (الله) لا تقال في الأرض أبداً؛ لأن الموحدين قد قبضوا، ولأن المؤمنين قد ماتوا، فلا يبقى إلا الكفرة الذين لا يعرفون الله، ولا يوحدون الله جل وعلا، وعلى هؤلاء تقوم الساعة، بل وتقوم عليهم بقية العلامات الكبرى التي هي عذاب في عذاب، وبلاء في بلاء.
ما هي هذه العلامات؟!! العلامات المتبقية أربع هي:
стр. 61
الخسوف الثلاثة
الخسوف الثلاثة: فيقع الخسف الأول بالمشرق والخسف -كما هو معلوم- انشقاق الأرض، قال تعالى حكاية عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١].
فيقع الخسف الأول بالمشرق، على شرار الخلق، وأين المؤمنون؟ قد قبضوا، وهذا من رحمة الله بالموحدين.
والخسف الثاني: بالمغرب، والخسف الثالث بجزيرة العرب.
стр. 62
خروج نار عظيمة من قعر عدن
وبعد هذه الخسوف تخرج العلامة الأخيرة من علامات الساعة الكبرى ألا وهي: نار ضخمة تخرج من قعر عدن (مدينة عدن المعروفة في اليمن) فتطرد الناس جميعاً إلى محشرهم.
عبد الله بن سلام هو حبر اليهود الذين وحد الله وآمن برسول الله ﷺ ، فيوم أن وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجراً، ذهب عبد الله بن سلام إليه فقال: لما نظرت إلى وجه النبي عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فآمن بالنبي ﷺ بعد أن سأل النبي ﷺ أسئلة جيدة، ومن بين هذه الأسئلة: ما هي أول أشراط الساعة؟ فقال المصطفى ﵊: (أول أشراط الساعة نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) رواه البخاري من حديث أنس.
وقد يلمح طالب العلم الذكي تعارضاً ظاهراً بين رواية أنس في صحيح البخاري التي فيها: (أول أشراط الساعة نار) وبين رواية حذيفة بن أسيد الغفاري التي فيها: (وآخر ذلك نار)، ولكن لا تعارض، فقول النبي ﷺ في رواية حذيفة: (وآخر ذلك نار) أي: هي العلامة الأخيرة بالنسبة لما سبقها من العلامات في الدنيا، وفي رواية البخاري: (وأول أشراط الساعة نار) أي: أنها العلامة التي إن وقعت وقعت القيامة بعدها: من النفخ في الصور، والبعث من القبور، وتغير كل شيء، هذا كله يبدأ بعد خروج هذه النار.
стр. 63
أنواع الحشر
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنين على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير وعشرة على بعير، وتحشر بَقيَّتَهُم النار، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا).
قال العلامة القرطبي في كتابه التذكرة: والحشر هو الجمع، حشر الناس: أي: جمع الناس، وفي هذا إشكال لدى بعض أهل العلم، قالوا: هل هذا الحشر في الدنيا أو في الآخرة؟ قال القرطبي: الحشر: هو الجمع، وهو أربعة أنواع: الحشر الأول والثاني في الدنيا، والحشر الثالث والرابع في الآخرة.
أما الحشر الأول: فهو المذكور في قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
الحشر الثاني: هو الحشر الوارد في حديث حذيفة: وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم، وهذا هو الحشر الثاني، فحشر النار للناس لا يكون إلا في الدنيا.
الحشر الثالث: حشر الناس من القبور وغيرها بعد البعث.
الحشر الرابع: حشر الناس إلى الجنة أو إلى النار، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنان.
والذي عليه جمهور المحققين من العلماء: أن الحشر الوارد في حديث حذيفة -الذي هو علامة من العلامات الكبرى- لا يكون إلا في الدنيا، والدليل الصحيح الصريح على ذلك: أن النبي ﷺ قد ذكر أن الحشر الذي يكون في الآخرة يحشر فيه المؤمنون والكافرون، أما هذا الحشر فليس فيه إلا الكفار، أما المؤمنون فإن الله يبعث إليهم ريحاً تقبض أرواحهم قبل هذا الحشر.
أما حشر الآخرة فيحشر فيه المؤمن والكافر حفاة عراة غرلاً كما في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (تحشرون حفاة عراة غرلاً قالت عائشة: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال المصطفى: يا عائشة! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك!).
وفي رواية أنس أنها قالت: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! واسوأتاه! فقال لها: يا عائشة لقد نزلت على آية لا يضرك أكان عليك ثياب أم لا، وتلى النبي قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]).
تذكر وقوفك يوم العرض عُريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك ياعبدُ يعلى مَهَلٍ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كان لما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً فى النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سُكَّانا أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 64
هدم الكعبة من علامات الساعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وهكذا تنتهي علامات الساعة الكبرى التي ذكرها المصطفى ﷺ في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري الذي كنا معه طيلة اللقاءات الأربعة الماضية.
وهناك علامة أخرى عجيبة غريبة، إذا وقعت كادت أن تخلع القلوب، وهي لم ترد في حديث حذيفة، ألا وهي هدم الكعبة! بيت الله الذي تهوي إليه الأفئدة، وتحن إليه القلوب، الذي قال في حقه علام الغيوب: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] (مثابة للناس)، أي: لا يملون منه، كلما نظروا إليه وانصرفوا عنه تجدد الشوق إليه والحنين لزيارته ورؤيته، هذا البيت المشرف العظيم من علامات الساعة الكبرى أن يهدم حجراً حجراً! إن عيسى بن مريم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال عليه من الله ما يستحقه، ويدعو الله أن يهلك يأجوج ومأجوج، فيستجيب الله دعاءه، ويهلك يأجوج ومأجوج، وينزل مطراً فتصبح الأرض كالزُلقة أو كالزَلقة أو كالزُلفة، أي: كالمرآة في صفائها ونقائها، ثم تخرج البركة من الأرض، وتنزل الرحمات، ويعيش الناس في أمن وسلام طيلة وجود نبي الله عيسى، ويذهب نبي الله عيسى ليحج بيت الله الحرام.
إذاً: يبقى الحج حتى في عهد نبي الله عيسى، فإذا قدر الله على عيسى الموت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فإنه يموت في المدينة المنورة، ويصلي عليه المسلمون من أمة محمد، ويدفنونه مع الحبيب المصطفى في الحجرة المباركة.
بعد ذلك تقع العلامات التي ذكرت الآن، ولا يبقى إلا شرار الخلق، تمحى آيات المصحف، ولا يقول أحد في الأرض: لا إله إلا الله، ولا يحجون البيت، بل ولا يعرفون عن البيت شيئاً، ومن بين هؤلاء الأشرار رجل من الحبشة، والنبي ﷺ قد وصف شكله وكأنه ينظر إليه وهو يهدم الكعبة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥].
يقول المصطفى: (لا تقوم الساعة حتى يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة).
رجل يقال له ذو السويقتين من الحبشة، وفي رواية البخاري من حديث ابن عباس قال المصطفى ﷺ : (كأني أنظر إليه: أسود أفحج- أي: متسع ما بين ساقيه- ينقض الكعبة حجراً حجراً) وبهذا تنتهى الحياة الدنيا بحلوها ومرها، بحلالها وحرامها، بخيرها وشرها، ولا يبقى إلا الكفرة من شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، فيأمر الله جل وعلا إسرافيل ﵇ أن ينفخ النفخة الأولى، ألا وهي: نفخة الفزع، مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، ينفخ إسرافيل في الصور نفخة الفزع فتتزلزل الأرض، وتنفصل عرى هذا الكون، وتدك الجبال بالأرض دكاً دكاً، وتنسف الجبال نسفاً نسفاً، وتثور البحار والأنهار، وتتحول إلى برك ضخمة من النار، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٨].
والله أسأل أن يسترنا في الدنيا والآخرة.
اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها -يا مولانا- أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضي ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض.
اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض واسترنا يوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين.
اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم وحد صفوف المسلمين، وألف بين قلوبهم وأرواحهم يا أرحم الراحمين! واجعل الدائرة على كل من ناصبهم العداء يا رب العالمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون به إلى الجنة ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 65
النفخ في الصور
النفخ في الصور هو نقطة التحول الكبرى في هذا الكون؛ إذ به تبدأ سلسلة أهوال يوم القيامة المروعة! والنفخ في الصور إيذان بخراب هذا الكون، وانتهاء الحياة الدنيا، وبداية الحياة الأخرى، التي أول أيامها يوم القيامة.
стр. 66
صفة الصور وصاحبه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية كريمة، تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بحقيقة الدنيا، وإيقاظهم من غفلتهم الطويلة؛ ليقدموا على الله جل وعلا قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، وهذا هو لقاؤنا الثامن من لقاءات هذه السلسلة الكريمة.
وكنا قد أنهينا الحديث -بفضل الله جل وعلا- في اللقاءات الماضية عن علامات الساعة الكبرى التي ذكرها النبي ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: (اطلع علينا النبي ﷺ يوماً ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال المصطفى: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).
وبعد هذه العلامات تقوم الساعة مباشرة، بأمر الله جل وعلا لإسرافيل أن ينفخ في الصور؛ لتبدأ القيامة بأحداثها المسلسلة المروعة! وهذا هو حديثنا اليوم مع حضراتكم عبر هذه المراحل.
أسأل الله أن يسترنا وإياكم فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه على كل شيء قدير.
وكما تعودنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم -في هذه المرحلة من مراحل الساعة- في العناصر التالية: أولاً: ما هو الصور؟ ومن صاحبه؟ ثانياً: نفخة الفزع.
ثالثاً: نفخة الصعق.
وأخيراً: نفخة البعث.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال.
أولاً: ما هو الصور؟! ومن صاحبه؟ والجواب مباشرة من سيدنا رسول الله ﷺ ، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (جاء أعرابي إلى النبي فقال: يا رسول الله! ما الصور؟ فقال المصطفى: قرن ينفخ فيه)، والقرن هو البوق، ولا يعلم عظم هذا البوق إلا الملك.
وصاحب هذا القرن، أي: صاحب هذا الصور باتفاق أهل العلم: هو إسرافيل، ومن هو إسرافيل؟ هو ملك كريم من ملائكة الله جل وعلا، وكّله الله بالنفخ في الصور، فمنذ أن خلق الله الخلق خلق الصور فدفعه لإسرافيل، ووكله الملك بالنفخ فيه، لذا فإن إسرافيل ينظر دائماً إلى عرش الملك جل وعلا لا يطرف بعينه منذ أن خلقه الله، مستعد للأمر من الملك في أي لحظة من اللحظات.
روى الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وهو كما قال من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أطرف صاحب الصور منذ أن خلقه الله ووكله بذلك)، (ما أطرف) يعني: ما أغمض عينه طرفة واحدة، (فهو ينظر إلى العرش متى يؤمر، مخافة أن يؤمر بالنفخة قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان).
لم يغمض عينه ولم يطرف طرفة واحدة، يخشى إن أطرف فأغمض في هذه اللحظات أن يأتي الأمر من رب الأرض والسماوات، لذا فقد هيأه الله ﷻ لأن يكون دائماً مستعداً، لذا يقول الحبيب المصطفى بأبي هو وأمي ﷺ -والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني بشواهده من حديث أبي سعيد الخدري -: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنا جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر من الله جل وعلا؟!) أي: كيف أنعم بلذة العيش؟! كيف أنعم بلذائذ هذه الحياة وقد التقم صاحب القرن القرن؟! أي: صاحب الصور الصور، وأصغى سمعه وحنا جبهته، ينظر إلى عرش الرحمن! ينتظر متى يؤمر من الله في أيِّ لحظة من اللحظات، فثقل ذلك على أصحاب النبي وشق ذلك عليهم، فقالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ فقال لهم: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)، وفى رواية: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا).
بل وقد حدد لنا المصطفى ﷺ اليوم الذي سيأمر الله فيه إسرافيل بالنفخ في الصور، ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة)، وفي راوية أخرى: (وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فيأمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور في يوم جمعة، ومتى هو؟ الله أعلم، وقد ذكرنا أن القيامة لن تقوم إلا على شرار الخلق، على الكفرة المجرمين، إذ إن رب العالمين يرسل ريحاً طيبة باردة لتقبض أرواح المؤمنين على ظهر الأرض، حتى لو دخل المؤمن كهفاً أو جبلاً دخلت له هذه الريح لتقبض روحه! ولا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
стр. 67
نفخة الفزع
يأمر الله إسرافيل أن ينفخ النفخة الأولى ألا وهي نفخة الفزع وهذا هو عنصرنا الثاني.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧].
(وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) عرفنا الصور وعرفنا صاحبه الذي سينفخ فيه.
(فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) اختلف أهل العلم فيمن استثنى الله ﷻ ، فقال بعض أهل العلم: إنهم الأنبياء، ومنهم من قال: إنهم الشهداء، والذي أجزم به: أنه لم يرد لنا في ذلك خبر صحيح عن الصادق المصدوق ﷺ ، فما سكت الله عنه ورسوله، فلسنا في حاجة إلى أن نبحث عنه.
(فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ينفخ إسرافيل نفخة فتنفك كل صلات هذا الكون وروابطه! وتتزلزل الأرض كالقنديل المعلق في سقف المسجد! وترتج بأهلها رجَّات عنيفة مزمجرة، فيفزع الناس، وما من أحد يسمع هذه الصيحة إلا وقد رفع ليتاً -أي: رفع صفحة عنقه- وأمال الأخرى يستمع إلى هذه الصيحة التي قد أفزعت كل حي من أهل السماء ومن أهل الأرض! ولم لا؟! تصور معي هذه المشاهد التي تخلع القلب؛ لتقف على حجم الفزع، فالشمس قد ذهب ضياؤها وأظلمت، والكواكب تناثرت وتمزقت هنا وهنالك البحار والأنهار تحولت إلى نار متأججة مشتعلة! والجبال العملاقة دكت في الأرض فتحولت إلى قطع صغيرة متفتتة كالعهن المنفوش، أي: كالصوف الممزق! تصور معي هذه المشاهد؛ لتقف على حجم الفزع الذي ينتاب أهل الأرض: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢].
وقال النبي ﷺ : (من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين، فليقرأ (إذا الشمس كورت)، وليقرأ (إذا السماء انفطرت)، وليقرأ (إذا السماء انشقت)).
بعد هذه النفخة يحدث الانقلاب في الكون كله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] الشمس التي تضيء لنا الشمس التي تمدنا بالدفء والحرارة والضياء ذهب ضياؤها وأظلمت! وقال ابن عباس: كورت أي: جمعت ووضعت تحت العرش.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه ﷺ نظر يوماً إلى الشمس فقال لأصحابه: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة لله جل وعلا).
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] أظلمت وتناثرت وذهب ضياؤها وتشتت! ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] الجبال العملاقة يدكها الله في الأرض دكاً، فتتحول إلى قطع صغيرة متناثرة كالعهن المنفوش أي: كالصوف المنفوش.
تدبر معي قول الملك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٥ - ١١١].
حتى الجبال؟! نعم، حتى الجبال.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] العشار: هي النوق، وهي من أغلى ما يمتلكه العربي في الجزيرة.
إذا سمع الناس نفخة الفزع، وفزع أهل الأرض فإن من يمتلك هذه العشار لا يلتفت إليها، ولم تعد تمثل له أي شيء أو أي قيمة؛ لأنه قد وقع بأهل الأرض ما يشغلهم عن كل زخارف هذه الحياة.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] السباع المفترسة والأليفة الوديعة تحشر كلها، يمشي المفترس إلى جوار الوديع لا ينظر إليه، ولا يجري بين يديه، فقد أدركت زلزلة الساعة وفزع القيامة! فترى الوحوش قد نزلت من الجبال إلى السهول والوديان، الكل قد جاء في ذلة وانكسار للواحد الجبار! ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] هذه المياه التي كانت سبباً للحياة يحولها الله إلى حمم إلى كتل نارية محرقة، يعود الماء إلى أصله من الأكسجين والهيدروجين، فيتحول الماء إلى نار مشتعلة متأججة.
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير:٧] زوجت أرواح المؤمنين بالحور العين في جنات رب العالمين، أو قرنت الأرواح بالأجساد، أو قرن الكافرون بالشياطين.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] لماذا قتلت وهي التي لا ذنب لها؟! ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] فتحت، اقرأ كتابك، هل يقول: أنا لا أستطيع القراءة، أنا كنت أمياً؟! لا، اليوم ستقرأ بأمر الملك ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١] أي: طويت كطي السجل للكتب، يطوي الملك ﷻ السماء والأرض.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] تأججت واشتعلت نيرانها، وجاءت تتلمظ وهي تقول: هل من مزيد؟! هل من مزيد؟! ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١٣] قربت للمتقين قربت للموحدين قربت للمؤمنين! ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] علم كل إنسان حقيقة أقواله وحقيقة أعماله، سترى كل شيء قدمت، وكل كلمة تكلمت، وكل ما فعلت قد سطر عليك في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى.
وتدبر معي بعد ذلك: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٥].
وتدبر معي بعد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٢] أي: حكم عليها أن تأذن وتخضع لأمر الملك ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٣ - ٤] تخلت عن حملها الثقيل، فأخرجت كل ما في جوفها، وكل ما في بطنها من بني الإنس من يوم أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 68
حال الناس يوم الفزع
تدبر هذه المشاهد لتقف على حجم الفزع، ولك أن تعلم أن المرأة الحامل إذا رأت هذه المشاهد سقط حملها، بل حتى الأم التي ألصقت رضيعها في صدرها لترضعه إذا رأت هذه المشاهد ألقت ولدها: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧].
تدبر معي قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، وتدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٥٠].
قف مع قول الله جل وعلا: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) أي: خلت من القلوب، أين القلوب؟!! خرجت، خرجت! من أين؟! من الصدور، إلى أين؟!! إلى الحناجر.
لماذا؟!! من الفزع!! قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر:١٨]، الله أكبر يخرج القلب من الهول من الفزع ينظر المرء إلى هذه المشاهد فينخلع قلبه! يفارق القلب مكانه في الصدر، ويرتفع إلى الحنجرة: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] إنه قمة الفزع!
стр. 69
نفخة الصعق
قال ﵊: (بين النفختين أربعون قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوماً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت).
ما معنى (أبيت)؟ يعني: أبيت أن أسأل عن ذلك رسول الله، فعلم هذه الأربعين عند رب العالمين.
بعد أربعين يأمر الله جل وعلا إسرافيل أن ينفخ في الصور النفخة الثانية، ألا وهي نفخة الصعق، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء.
وقد اختلف أهل العلم في عدد النفخات، فمنهم من قال: ينفخ إسرافيل نفختين اثنتين؛ الأولى نفخة الفزع والصعق في آن واحد، وتبنى هذا الرأي الحافظ ابن حجر والإمام القرطبي في التذكرة وقال: إن الصعق ملازم للفزع، أي: فزعوا فزعاً ماتوا منه، ولذا فـ الحافظ والإمام القرطبي يقولان بنفختين اثنتين.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن كثير والإمام ابن العربي إلى أن الله يأمر إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث، وهذا هو الذي أميل إليه لأن صريح القرآن يقول ذلك، فلقد فرق الله في صريح القرآن بين نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وبعدها تكلم عن نفخة البعث فقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ) أي: فمات كل من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، من المستثنى؟! قال بعض أهل العلم: هم الملائكة.
ومنهم من قال: بل هم جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش فقط.
ومنهم من قال: هم الحور العين في جنات رب العالمين.
ومنهم من قال: هم الشهداء، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.
ومنهم من قال: نبي الله موسى ﵇ هو المستثنى في قوله تعالى: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) واحتجوا على ذلك بحديث صحيح رواه البخاري أنه ﵌ قال: (أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة، فإذا أنا بموسى آخذ بالعرش، فلا أدري أكان ممن أفاق قبلي أم كان ممن استثناهم الله جل وعلا؟!).
ولذا أقول: الجزم بمن استثنى الله في هذه الآية غير دقيق، فإذا كان المصطفى لم يجزم بذلك في حق نبي الله موسى، فلا ينبغي لأحد بعد المصطفى من أهل العلم قاطبة أن يجزم بمن استثناهم الله في الآية، فعلم هذا لا ينال إلا بالخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ .
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) صعق أي: مات كل حي وبقي الحي الذي لا يموت.
ورد في حديث الصور الطويل الذي رواه البيهقي والطبراني والطبري وابن أبي حاتم وغيرهم، وللأمانة العلمية التي اتفقنا عليها فإن الحديث بطوله ضعيف، ومداره على إسماعيل بن رافع، وإسماعيل بن رافع من الضعفاء كما قال علماء الجرح والتعديل، وفي هذا الحديث: (يأتي ملك الموت للملك، فيقول المَلِك لِمَلَك الموت: يا ملك الموت من بقي؟ -وهو أعلم ﷻ فيقول: بقي جبريل وإسرافيل وميكائيل وحملة العرش وبقيت أنا، فيقول الملك ليمت جبريل وميكائيل -لام الأمر- ليمت إسرافيل، ليمت حملة العرش، ويبقى ملك الموت، فيأتي للملك فيقول له الملك: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول: بقيت أنا، فيقول الملك: وأنت خلق من خلقي، وخلقتك لما ترى، فمت يا ملك الموت، فيموت ويبقى الحق الذي لا يموت).
سبحان ذي الملك والملكوت! سبحان ذي العزة والجبروت! سبحان من كتب الموت على جميع الخلائق وهو الحي الباقي الذي لا يموت.
(يا ملك الموت وأنت خلق من خلقي وخلقت لما ترى فمت، فيموت ملك الموت) مات جبريل مات إسرافيل مات ميكائيل مات حملة العرش، مات الملائكة مات الملوك مات الزعماء مات الرؤساء مات الوزراء مات الفقراء مات كل حي على ظهر الأرض ولا يبقى إلا الملك، فيطوي الملك السماوات بيمينه، ويطوي الملك الأرض بشماله، فيتكلم ﷻ في هذا السكون المهيب، فما من سائل غيره ساعتها ولا مجيب، يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! ثم يقول ﷻ : لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على ذاته ويقول: لله الواحد القهار.
قال ﷻ : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦].
أين الظالمون؟! أين الفراعنة؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! أين من اغتروا بالكراسي الزائلة؟! أين من فتنوا بالمناصب الفانية؟! أين من اغتروا بالأموال والعمارات والسيارات والدولارات؟! أين الظالمون؟!! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان؟ أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل يبقي الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان قال ﷻ : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
وقال ﷻ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، مهما عشت فأنت راحل، ومهما أحببت فأنت مفارق، ومهما جمعت فأنت تارك.
فيا أخي الحبيب! يا من أجلسك الله على الكرسي، يا من هيأ الله لك المنصب! إن الكرسي زائل، وإن المنصب فانٍ، وإن الحي ﷻ هو الباقي، فاعلم بأنك راحل فإياك أن تغتر بمنصبك، وإياك أن تفتن بكرسيك، فلا تستغل الكرسي إلا لمرضاة الله وطاعته، واعلم بأن الكرسي إما أن يقربك إلى جنة الله، وإما أن يقربك إلى النار، فاتخذ الكرسي وسيلة إلى جنة العزيز الغفار، لا إلى هذه النار، أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من حرها.
انظر إلى من سبقك، لو دام الكرسي لغيرك والله ما وصل إليك.
أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا ينادي الملك ويقول سبحانه: أنا الملك، أين الجبارون؟!! أنا الملك، أين المتكبرون؟!! ذهبوا وهلكوا وماتوا وأفناهم رب العباد.
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل إنها الحقيقة الكبرى التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر وأديب، أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة العبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً وكرهاً العصاة والطائعون، وشرب كأسها الأنبياء والمرسلون، إنها الحقيقة الكبرى في هذا الوجود بعد حقيقة التوحيد، بعد لا إله إلا الله.
فيا أيها الأحبة! إن الحياة على ظهر هذه الأرض موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً، فيموت الصالحون والطالحون، يموت المجاهدون والقاعدون، يموت ذوو الاهتمامات العالية والغايات النبيلة، ويموت التافهون الحريصون على الحياة بأيِّ ثمن، الكل يموت.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
أسأل الله جل وعلا أن يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه ولي ذلك ومولاه.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 70
نفخة البعث
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وأخيراً: نفخة البعث، وأرى عقارب الساعة بين يدي تطاردني، لذا فأنا مضطر لإرجاء الحديث عن نفخة البعث إلى اللقاء المقبل إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، إذ إن هذه النفخة -كما سترون إن شاء الله- لا تحتاج إلى لقاء فحسب، بل تحتاج إلى لقاءات، وسأختصر الحديث عنها.
نفخة البعث: هي النفخة التي يأمر الله فيها إسرافيل أن ينفخ في الصور، بعد أن يحييه الملك جل وعلا بعد موته، فإن أحياه أمره أن يلتقم الصور مرة أخرى، فإذا أمره الله بعد الأربعين التي لا يعلمها إلا رب العالمين نفخ إسرافيل في الصور، فقام أهل القبور بين يدي العزيز الغفور، قال المصطفى كما في صحيح مسلم: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم، ومنه يركب).
ما هو عجب الذنب؟ عظمة صغيرة دقيقة في آخر السلسلة الفقرية لكل إنسان على ظهر الأرض، هذه العظمة لا تزيد عن حبة العدس، عظمة صغيرة تسمى بعجب الذنب، كل الجسد في القبر يبلى إلا هذه العظمة، والله يعلم عظمة كل إنسان خلقه من آدم إلى يوم القيامة.
فيأتي الملك بهذه العظمة الدقيقة، ويخلق منها جسد صاحبها، كيف ذلك؟ الجواب في الشهر المقبل -إن شاء الله تعالى- إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً على أحد منا إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا عيباً إلا سترته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا، والصدق في أعمالنا، واليقين في أحوالنا، وباعد بيننا وبين الرياء والنفاق كما باعدت بين المشرق والمغرب يا أرحم الراحمين! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين اللهم لا تحرم بلدنا مصر من الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وجميع بلاد المسلمين اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 71
نفخة البعث
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن قضية مهمة من قضايا العقيدة، ألا وهي الإيمان بالبعث بعد الموت، فقد تكلم الشيخ عن حقيقة البعث وإنكار الكفرة له بين يدي رسول الله ﷺ ، ودلل بما ذكره الله في محكم كتابه في قصة الرجل الذي مر على القرية، وقصة نبي الله إبراهيم ﵇، ثم ذكر كيفية بعث الله للخلق بعد الموت.
стр. 72
حقيقة البعث
الحمد لله الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، فهو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر الذي لا شيء فوقه، وهو الباطن الذي لا شيء دونه، سبحانه سبحانه سبحانه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيءٍ قدير.
أحبتي في الله! لا زلنا نعيش بفضل الله جل وعلا، مع قول الله ﵎: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف:١٨٧] أي: كأنك عالم بوقت وقوعها: ﴿يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
ولا زلنا الليلة إن شاء الله جل وعلا، نعايش أحداث الساعة، تلك الأحداث المرعبة المزلزلة، وقد انتهينا في الليلة الماضية من النفخة الأولى ألا وهي: نفخة الصعق، ونحن الليلة على موعدٍ -أيها الأخيار- مع النفخة الثانية ألا وهي: نفخة البعث.
وذلك مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] هذه هي النفخة الثانية بنص حديث مسلم ونحن إن شاء الله جل وعلا نلتزم بما ورد في الأحاديث الصحيحة ففيها الغنية، وفيها الكفاية إن شاء الله تعالى.
(ثم نفخ فيه أخرى) أي: في الصور (فإذا هم قيامٌ ينظرون) وأعيروني القلوب والأسماع؛ لأن قضية البعث من القضايا التي شكك فيها المشككون قديماً وحديثاً.
стр. 73
إنكار الكفار للبعث
إن من الكافرين والعياذ بالله من أنكر قضية البعث في القديم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ومنهم من زعم أنه سيعيش وسيموت إلا أنه لن يبعث بعد الموت، كما أخبر ربنا جل وعلا عن هذا الصنف الخبيث في سورة التغابن، فقال : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] لتبعثن: لام التوكيد.
стр. 74
من حلف بغير الله فقد أشرك
الرسول ﷺ يأمره الله جل وعلا في هذه الآية أن يقسم بذاته، وهنا ينبغي أن أذكر أحبابي وإخواني بأن الله جل وعلا، إن كان يأمر نبيه ﷺ ، أن يقسم إن كان مقسماً بالله جل وعلا، أفيحل لنا نحن إذا أردنا أن نقسم وأن نحلف بغير الله جل وعلا؟ كلا والله، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله: (من حلف بغير الله فقد أشرك).
أيها الحبيب والكريم! أعلمُ يقيناً أنك تحب الحبيب المصطفى، ولكن حبيبك المصطفى ﷺ يأمرك ويجب عليك أن تُذعن لأمره وتطيع، يأمرك الحبيب ألا تقسم به، أي لا تقل: والنبي، ولا والولي، ولا وحياة أولادي، ولا وحياة زوجتي، ولا كذا ولا كذا، وإنما يعلمك حبيبك المصطفى ﷺ إن كنت حالفاً ومقسماً أن تحلف بالله جل وعلا، لأنه لا يجوز لك البتة أن تحلف إلا بالله ﵎: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (من حلف بغير الله فقد أشرك).
فلا تقل أيها الحبيب: والنبي كذا، كلا، هذا لا يصح ولا يجوز.
وأيضاً: إن تعرضنا لهذه الجزئية فأذكرك -أيها الحبيب في الله- وأقول لك: كن على يقينٍ بأن الأمر كله لله جل وعلا، وبأن الضر والنفع بيد الله جل وعلا، فإن كان لا يصح لك أن تحلف إلا بالله؛ فإنه لا يصح لك بحالٍ أن تسأل غير الله، إياك أن تسأل نبياً ولو كان الحبيب المصطفى ﷺ ، وإياك أن تسأل ولياً، إن كان لا يصح لك أن تسأل الحبيب محمداً، فهل يصح لك أن تسأل من دونه ولياً؟ كلا والله؛ لأنه لا يملك لك الضر والنفع إلا ملك الملوك وجبار السماوات والأرض كما ورد في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وأحمد بسندٍ صحيحٍ، أنه قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت) اسأل من النبي أو الولي، اسأل مَن يا أحباب؟! الله جل وعلا، انتبه أيها الكريم (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، واعلم أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌ أبشر بخيرٍ فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارضَ به إن الذي يكشف البلوى هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرةً لا تجزعنّ فإن الصانع الله
والله مالك غير الله من أحدٍ فحسبك الله في كلٍ لك الله
لا تسأل إلا الله جل وعلا؛ لأن الذي يملك الضر والنفع هو الله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].
فلا تحلف إلا بالله، ولا تسأل إلا الله، ولا تستعن إلا بالله، وانتبه -أيها الحبيب- ولا تذبح إلا لله، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، لا عقر في الإسلام، ولا نذر في الإسلام إلا للرحيم الرحمن.
وانتبه أيها الحبيب! إن كان ذبحك لله؛ فليكن نذرك لله، لا تنذر لنبي ولا تنذر لولي؛ لأن هذا من الشرك الذي حذرنا منه الحبيب المصطفى ﷺ ، من حلف فليحلف بالله، ومن نذر فليكن نذره لله، ومن ذبح فليكن ذبحه لله، ومن طاف فليكن طوافه ببيت الله، إياك أن تطوف بغير بيت الله، لا تطف بقبر محمد ﷺ ولا بقبر غيره من الأولياء والصالحين، وإنما فليكن طوافك ببيت رب العالمين، كما أمرك ربك جل وعلا، بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] فقط واللام للأمر.
هذه هي العبادة الصافية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
أيها الحبيب! لا تظن أن محبتك للنبي ﷺ هي أن تسأل رسول الله، أو أن تطلب من رسول الله، أو أن تستغيث برسول الله، أو أن تلجأ إلى رسول الله، كلا.
لا تقل ما قاله من قبل هؤلاء:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العممِ
وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فأين الله؟ أين الله جل وعلا؟! الذي يجب أن يسأل، وأن يستغاث به وحده، وأن يسأل وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يفوض إليه الأمر وحده، وأن يذبح إليه وحده، وأن ينذر إليه وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن تصرف العبادة كلها لله جل وعلا وحده.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] بلى وربي، يأمر الله نبيه أن يقسم به، فيجب عليّ وعليك أن أقسم بربي جل وعلا، لا بالنبي ﷺ ، ولا بالولي.
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] وبالرغم من ذلك كذب الذين كفروا ربنا جل وعلا، وسخر الكافرون من قول نبينا ﷺ ، فقالوا كما قال الله عنهم في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] قل: يا محمد ﷺ : ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٥٠ - ٥٢] كونوا ما شئتم سيبعثكم الذي خلقكم أول مرة.
стр. 75
قصة العاص بن وائل
ولقد ذهب أُبي بن خلف وقيل العاصي العاص بن وائل بعظامٍ باليةٍ -أيها الأحباب- يفتها بين يديه، وقد ذهب إلى الحبيب المصطفى ﷺ ، وقال له: (يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً -أتدرون ماذا قال ﷺ ؟ - قال له: نعم يميتك، ثم يبعثك، ثم يدخلك جهنم) فنزل قول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩] جل جلال الله، الذي خلقك أول مرة من النطفة المهينة الحقيرة، أليس بقادرٍ على أن يبعثك مرةً أخرى؟! بلى وعزة ربنا إنه لقادر: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧].
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ حسن من حديث بشر بن جحاش القرشي ﵁: (أن النبي ﷺ بصق يوماً على كفه ووضع النبي إصبعه عليها ثم قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه -انتبه أيها الحبيب- حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت منك التراقي قلت: أتصدق) وأنّ أوان الصدقة ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٣٩] أليس ذلك بقادر! قولوا: بلى وعزة ربنا كما قالها قتادة ﵁: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] بلى.
وفي الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك) أسمعت أيها الحبيب! الله جل وعلا يقول: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك) كذبت ربك يا ابن آدم! وشتمت ربك يا ابن آدم! صاحب الفضل والإنعام والإكرام والإحسان!!: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فقوله: إن الله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة:١١٦]) وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد.
جل جلال الله، كذب الإنسان ربه بقوله: لن يبعثني الله جل وعلا، وشتم الإنسان ربه بقوله: بأن الله جل وعلا قد اتخذ ولدا، ورحم الله إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد يوم أن كان ينظر إلى نصرانيٍ -ولا تقولوا مسيحي- يوم أن كان ينظر إلى نصراني فيغمض عينه، ويصرف بصره عنه، ويقول: إني لا أطيق أن أرى من سب الله جل وعلا!! سبوا الله مسبةً عظيمة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
следующие страницы →