← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9060

شرح مسند أبي حنيفة

الملا على القاري

Полный текст (602 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ([عن] الإمام أبو حنيفة ﵁ وعلم الحديث) (٨٠ - ١٥٠ ه ـ) [تمسك الإمام بالسنة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السنة هي الأصل الثاني بعد كتاب الله تعالى في استنباط الأحكام الشرعية وعليه إجماع الأمة .. وقد أثير لغط حول أمرين: أولهما: مدى اعتماد أبي حنيفة على السنة. والثاني: مقدار الأحاديث التي استدل بها أبو حنيفة .. أما مدى اعتماد الإمام على السنة فنتبينه من خلال منهجه في الاستنباط وشروط قبول الأخبار عنده .. ومن أصوله رحمه الله تعالى: -١ - قبول مرسلات الثقات إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها، والاحتجاج بالمرسل كان سنة متوارثة جرت عليه الأمة في القرون الفاضلة حتى قال ابن جرير: رد المرسل مطلقاً بدعة حدثت في رأس المائتين. -٢ - ومن أصوله عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمعة عنده بعد استقرائه موارد الشرع، فإذا خالف خبر الآحاد تلك الأصول يأخذ بالأصل عملاً بأقوى الدليلين، وَيعُد الخبر المخالف له شاذاً. وليس في ذلك مخالفة للخبر الصحيح، وإنما فيه مخالفة لخبر بدت علة فيه للمجتهد. وصحة الخبر فرعُ خلوه من العلل القادحة عند المجتهد. -٣ - ومن أصوله: عرض أخبار الآحاد على عمومات الكتاب وظواهره فإذا خالف الخبر

стр. 2

عاماً أو ظاهراً في الكتاب، أخذ بالكتاب وترك الخبر عملاً بأقوى الدليلين، لأن الكتاب قطعي الثبوت، وظواهره وعموماته قطعية الدلالة عنده. أما إذا لم يخالف الخبر عاماً أو ظاهراً في الكتاب بل كان بياناً لمجمل فيه فيأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان. -٤ - ومن أصوله في الأخذ بخبر الآحاد: أن لا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية أو قولية عملاً بأقوى الدليلين. -٥ - ومن أصوله، أن لا يعارض خبر مثله، وعند التعارض يرجح أحد الخبرين على الآخر، بوجوه ترجيح تختلف أنظار المجتهدين فيها ككون أحد الراويين فقيهاً أو أفقه بخلاف الآخر. -٦ - ومن أصوله أن لا يعمل الراوي بخلاف خبره، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، فإنه مخالف لفتيا أبي هريرة فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة. -٧ - ومن أصوله. ردُّ الزائد - متناً كان أو سنداً - إلى الناقص احتياطاً في دين الله تعالى. -٨ - ومن أصوله: عدم الأخذ بخبر الآحاد فيما تعمُّ به البلوى - أي فيما يحتاج إليه الجميع حاجة متأكدة مع كثرة تكرره - فلا يكون طريق ثبوت ذلك غير الشهرة أو التواتر، ويدخل في ذلك الحدود والكفارات التي تُدرأ بالشبهة. -٩ - ومن أصوله: أن لا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم. -١٠ - ومنها استمرار حفظ الراوي لمرويّه من آن التحمل إلى آن الأداء من غير تخلل نسيان. -١١ - ومنها عدم مخالفة - الخبر للعمل المتوارث بين الصحابة والتابعين وبمقتضى هذه القواعد ترك الإمام أبو حنيفة ﵀ العمل بأحاديث كثيرة من الآحاد ...

стр. 3

والحق أنه لم يخالف الأحاديث عناداً، بل خالفها اجتهاداً لحجج واضحة ودلائل صالحة، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران (١). هذا، وأما مقدار الأحاديث التي استدل بها في مذهبه .. فالجواب عليه ما ثبت في المسانيد الخمس عشرة المنسوبة إليه .. بل ومضافاً إليها من الأحاديث والآثار الثابتة في السند المتصل وهي بالآلاف والتي تصدى لجمعها في وقت مبكر غير واحد من العلماء والذي وصلنا منها ما جمعه الطحاوي في معاني الآثار ومشكل الآثار وهو من الفقهاء المتقدمين رتبة وتاريخاً في المذهب، وما جمعه أخيراً السيد محمد مرتضى الزبيدي في كتابه الموسوم بـ (عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة مما وافق فيه الأئمة الستة أو أحدهم) والذي جاء في مقدمته: ما نصه: قصدت بهذا التألبف الردُّ على بعض المتعصبين ممن اعتسف عن واضح المشارع، ونسب إلى إمامنا أنه يقدم القياس على النص الثابت عن الشارع، ولعمري هذه النسبة إليه غير صحيحة، فإن الصحيح المنقول في مذهبه تقديم النص على القياس (٢). والمقصود بالنص هنا هو الحديث الشريف بالجملة .. وإن كان عبارة النص تشمل الآية الكريمة عند العلماء .. وقد أجمعوا على أن القرآن مقدم على ما سواه. ولكن لماذا سيقت التهمة في مواجهة الإمام أبي حنيفة .. يجيب الزبيدي قائلاً: إن مذاهب الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم منسوجة من الشريعة المطهرة سداها ولحمتها لا سيما مذهب إمامنا الأعظم، لكن وجوه استنباطه تدق عن إدراك عقول طلبة العلم، وما يوجد في بعضها مما يخالف ظاهر الأحاديث فهو بالنسبة إلى مدارك أفهامنا، وإلا فقد صح عنده من قوله ﷺ أو فعله أو من آثار الصحابة ما قام عنده بمقام اليقين وجعله حجة، ثم أيده بالنظر فيه والاستكشاف لما يعارضه ويخالفه.

стр. 4

ولا يقول عاقل إن الإمام ﵁ يجد في مسألة نصاً عن الشارع ويخالفه بقياس أو رأي .. حاشاه من رأي أو قياس يخالفان الشريعة. والذي أجمع عليه أهل مذهبه أنه ﵁ يأخذ بخبر النبي ﷺ ما جاء، فإن اختلف خبران وكان لأحدهما وجه في التأويل يوافق به الخبر الآخر الذي ليس له إلا وجه واحد في الظاهر وفق بينهما. فإن لم يجد خبراً عن النبي ﷺ أخذ من آثار الصحابة ما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه ويسمى ذلك اجتهاداً (١) كما أثر عنه ﵁ قوله: كذب والله وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس!! وقال نحن لانقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ مسكوتاً عنه على منطوق به (٢). وقال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي محدث الديار المصرية في (عقود الجمان): كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، وذكره الذهبي في طبقات الحفاظ - ولقد أجاد وأفاد. وفي سبب قلة الرواية عنه .. بالمقارنة مع بقية الفقهاء يقول الصالحي: إنما قلّت الرواية عنه -وإن كان متسع الحفظ - لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه. كما قلّت رواية أمثال أبي بكر وعمر من كبار الصحابة ﵃ إلى كثرة اطلاعهم.

стр. 5

وقد كثرت رواية من دونهم بالنسبة إليهم (١). وعليه لا بد من الاعتراف بأن أبا حنيفة لم يكن من رواة مئات الآلاف من الأحاديث، وإنما كان عنده صناديق من الحديث انتقى منها نحو أربعة آلاف حديث. نصفه من حمَّاد بن أبي شيبة شيخه الخاص الذي تخرج به. ونصفه الآخر من باقي شيوخه، وكان يكتفي فيما سوى ذلك بالاطلاع على باقي الأحاديث من رواية أصحابه البارعين في شتى العلوم أركان المجمع الفقهي الذي كان يرأسه هو وتبحث فيه المسائل من كل ناحية ثم تثبت في الديوان (٢). - تشدد الإمام في الرواية: وأما تشدده رحمه الله تعالى في شروط قبول الأحاديث التي تُروى آحاداً فكان مبعثه الاحتياط البالغ لدين الله، وذلك أن وضع الأحاديث في عصره قد كثر كثرة مزعجة من الزنادقة والمبتدعة فاضطره ذلك إلى تشدده في شرط الصحيح ولهذا قال العلماء: إن أبا حنيفة لم يخالف الأحاديث عناداً بل خالفها اجتهاداً لحجج واضحة ودلائل صالحة وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حسَّاد أو جهال بمواقع الاجتهاد (٣). هذا وأن أبا حنيفة ممن تذكر آراؤهم في مصطلح الحديث، فكيف يكون قليل البضاعة فيه، ثم يعتبر عند علماء ذلك الفن من الأئمة الذين تدون آراؤهم في قواعد الحديث ورجاله، ويعتمد مذهبه بينهم ويعوَّل عليه رداً أو قبولاً؟. ولقد كتب أبو حنيفة عن أربعة آلاف شيخ، حتى عده الذهبي في تذكرته التي هي ثبت الحفاظ، وحدث عنه يحيى بن نصر فقال: دخلت عليه في بيت مملوء كتباً فقلت له: ما هذا؟ فقال: هذه الأحاديث ما حدثت منها إلا اليسير الذي ينتفع به.

стр. 6

- الإسناد الإسناد مطلوب في الدين، رغَّبت إليه أئمة الشرع المتين، وجعلوه من خصائص أمة محمد سيد المرسلين، بل وحكموا عليه بكونه سنةً من سنن المرسلين. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، وعنه ﵀ مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سُلَّم (١). وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل (٢). وقال الشافعي ﵁: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليلٍ (٣). وقال أبو حاتم محمد بن ادريس الرازي: لم يكن في أمة من الأمم مُذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة (٤). وهكذا فإن الإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسنادٌ موصول إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (٥).

стр. 7

ولم يصنف الإمام الأعظم ﵁ كتاباً في الأخبار والآثار كما صنف الإمام مالك ﵁ الموَطأ؛ وإنما كان يملي فروع الفقه على تلاميذه، فإذا احتاج إلى دليل مسألة حدَّثهم عن شيوخه من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، وآثار التابعين: بالسند المتصل تارة وأخرى بلاغاً وتعليقاً أو انقطاعاً، ولم يجلس للتحديث كعادة المحدثين، ولهذا قلَّت روايته في الحديث، وإلا فهو من الحفاظ المكثرين المتقنين، كتب عن أربعة آلاف من أئمة الحديث وأحاديثه كثيرة. روي عن يحيى بن نصر قال: دخلت عليه في بيت مملوء كتباً: فقلت له ما هذا؟ فقال: هذه الأحاديث، ما حدثت بها إلا اليسير الذي ينتفع به .. وقد عُني تلاميذه، شكر الله سعيهم - بما سمعوه من الآثار، وجمعوها في تصانيف مفردة مرتبة على أبواب الفقه ... منهم: وجاء بعد هؤلاء أبو محمد عبد الله بن محمد البخاري الحارثي المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، فصنف مسنداً كبيراً حوى طرق أحاديثه فاجتهد وأجاد .. ثم اختصره القاضي الإمام صدر الدين موسى بن زكريا الحصكفي المتوفى سنة ٦٥٠ هـ بالقاهرة، ثم رتبه الشيخ محمد عابد السندي المدني على أبواب الفقه وهو الشهير اليوم بمسند أبي حنيفة وشرحه العلامة والأستاذ محمد حسن السنبلي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ - مسانيد الإمام أبي حنيفة جمع محمد بن محمود العربي محتداً، الخوارزمي مولداً في كتابه الموسوم: بجامع الإمام الأعظم - خمسة عشر من مسانيده التي جمعها له فحول علماء الحديث وهي: الأول: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث الحارثي المعروف بعبد الله الأستاذ ﵀ رحمة واسعة.

стр. 8

الثاني: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل رحمه الله تعالى. الثالث: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو الحسين محمد بن مطهر بن موسى بن عيسى بن محمد رحمه الله تعالى. الرابع: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى. الخامس: مسند له جمعه الشيخ الإمام الثقة العدل أبو بكر محمد بن عبد الباقي ابن محمد الأنصاري رحمه الله تعالى. السادس: مسند له جمعه الإمام الحافظ صاحب الجرح والتعديل أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني رحمه الله تعالى. السابع: مسند له رواه عنه الإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي رحمه الله تعالى الثامن: مسند له جمعه الإمام الحافظ عمر بن الحسن الأشناني رحمه الله تعالى. التاسع: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد بن خلي الكلاعي رحمه الله تعالى. العاشر: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن خسرو البلخي رحمه الله تعالى. الحادي عشر: مسند له جمعه الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله تعالى ورواه عنه يسمى: نسخة أبي يوسف. الثاني عشر: مسند له جمعه الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى ورواه عنه يسمى: نسخة محمد، مطبوع ومتداول. الثالث عشر: مسند له جمعه ابنه الإمام حمّاد بن أبي حنيفة ورواه عن أبيه رضي الله تعالى عنهما.

стр. 9

الرابع عشر: مسند له أيضاً جمعه الإمام محمد بن الحسن معظمه عن التابعين ورواه عنه يسمى: الآثار. مطبوع ومتداول. الخامس عشر: مسند له جمعه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السغدي رحمه الله تعالى (١). هذا، واستخرج جميع ما في هذه المسانيد الإمام الخوارزمي ورتبها على أبواب الفقه في مجلدين طبعا في الهند سنة ١٣٣٢ هـ.

стр. 10

- ترجمة الشارح الملاّ علي القاري (١٠١٤ هـ) [للشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان] هو نور الدين علي بن سلطان بن محمد الهروي المكي الحنفي المعروف بالقاري. عرف بالقاري لأنه كان إماماً في القراءات، وأحد صدور العلم الأفاضل، وعمدة المحققين الأماثل، والإمام الفقيه المحدث الأصولي المفسر المقرىء المتكلم النّظار الفرضي الصوفي المؤرخ والنحوي والأديب. مولده: ولد ببهراة - أعظم مدن خراسان - ورحل إلى مكة المكرّمة واتخذها داراً وأخذ عن جماعة من المحققين. وكان سبق أن تلقى عن علماء هراة فجمع الفضل من أطرافه بتلقين العلم عن علماء العرب والعجم، وذكر أنه كان يكتب في كل عام مصحفاً بخطه الجميل، وعليه طرز من القراءات والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وآتاه الله الذكاء النادر، والعقل الراجح، والفهم الدقيق، والصبر على التنقيح والتدقيق، والشغف العجب بالتحقيق، مع البيان السهل القريب .. وألَّف التآليف الفريدة التي أربت على ١٢٥ مؤلفاً ما بين كتاب يزيد على عشرة مجلدات ورسالة في ورقات في الفقه والحديث والتفسير والقراءات والأصول وعلم الكلام والفرائض والتصوف والتاريخ والطبقات والتراجم والأدب، واللغة والنحو وعلم الوضع وغيرها. بلغة سهلة ممتعة، وعبارات جامعة مانعة، واستيفاء للبحث نادر غريب. قال اللكنوي: وكل مؤلفاته نفيسة في بابها، فريدة مفيدة بلَّغَتهُ إلى مرتبة

стр. 11

المجددين على رأس الألف من الهجرة. مؤلفاته: أهمها: شرح المشكاة، وشرح الشمائل، وشرح الشفا، وشرح الشاطبية، وشرح الوقاية، وفتح باب العناية بشرح النقاية. شرع في تحقيقه العلامة الفاضل الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة وأنجز الجزء الأول ويا ليته يتم .. ، وله الثمار الجنية في أسماء الحنفية .. وغير ذلك قال العصامي في وصفه: الجامع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النبوية أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لا سيما الشافعي وأصحابه واعتراضه على الإمام مالك في إرسال يديه .. وسبب له ذلك متاعب كثيرة .. ولكن الشوكاني ينتصر له بقوله: أقول: هذا دليل على علو منزلته، فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه سواء كان قائله عظيماً أو حقيراً. وكانت وفاته رحمه الله تعالى ١٠١٤ أربع عشر وألف ودفن بالمعلاة. ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغائب في جمع هائل تقديراً منهم لإمامته في العلم والدين رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه. هذا: وأما ترجمة المصنف (الحصكفي) فقد وردت في مقدمة هذا المصنف من قبل الشارح فنحيل القارىء الكريم إليها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بيروت في ١٤ ذي القعدة سنة ١٤٠٤ هـ ١٠ آب (اغسطس) سنة ١٩٨٤ م الشيخ خليل محيي الدين الميس مدير أزهر لبنان

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة [للإمام القاري] - الحمد لله الذي هدانا إلى الملة الحنيفة السمحاء، وبين لنا طرق الشريعة والحقيقة بواسطة الأنبياء والعلماء والأصفياء، والصلاة والسلام على سيد الرسل وسند الأولياء وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء والاهتداء. أما بعد: فيقول عبد المعتصم بالكتاب القديم والحديث القويم المحتاج إلى ربه الكريم الباري علي بن سلطان محمد القاري: إن هذا فتح لطيف وشرح شريف للمسند المستند إلى الإمام الأعظم والهمام الأقدم أبي حنيفة النعمان بلَّغَهُ الله على [هكذا في نسختنا، ولعله "عَلِيّ". دار الحديث] غرف الجنان وتوالى عليه أنواع الغفران وأصناف الرضوان (بسم الله الرحمن الرحيم) الذي هو مفتاح كل كتاب كريم، (وعلى رسوله) في مقام التعظيم (الصلاة والتسليم)، وزيادة التشريف والتكريم، (الحمد لله) على كل آلائه ونعمائه (الذي شرع) أي بين، أو عين (لنا ديناً) نَتَديّنُ به قويماً دائماً ليس في أصله عوج، ولا في فرعه حرج، وهدانا إليه بفضله ومنته صراطاً مستقيماً موصلاً في الدنيا إلى حصول معرفته وقربته، وفي العقبى إلى وصول جنته ورحمته (وأحمده) بخصوص هذه النعمة الجزيلة والتحية الجميلة (وأشكره على أن جعل هذه الأمة المكرمة، متمسكين بأذيال الكتاب المستطاب، والسنة المعظمة) تعلماً في مقام الكمال وتعليماً في حال الإكمال، عن عيسى ﵇: من عَلِم وعملَ وعلّم يدعى في الملكوت

стр. 13

عظيماً. (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً بالذات لا شريك له في الصفات، وإبراز المصنوعات، (وأشهد أن محمداً عبده القائم) بحقوق العبودية ورسوله المخبر عن الله بما يستحق من أوصاف الربوبية (بعموم الرسالة) المثقلين، بل لعموم أجزاء الكونين تشريفاً له وتكريماً، لأنه مظهراً الاسم الأعظم في وجه الأتم، الجامع لنعوت الكمال وصفات الجلال والجمال، (صلى الله عليه) بتواتر إيصال الرحمة والمنة والمنحة إليه، (وعلى آله) أي أقاربه (وأصحابه) ولو من أجانبه وأزواجه أمهات المؤمنين وأنصاره في إقامة الدين (وأتباعه) في مقام اليقين، (وذرياته) أي أولاده الطيبين، وأحفاده أجمعين (وسلم) أي الله (تسليماً) كثيراً إلى يوم الدين، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين. (أما بعد) أي البسملة، والحمد له والتصلية التي يحصل بذكرها الطمأنينة والسكينة والتسلية (فهذا الكتاب) الذي سيذكر عن قريب بعون رب مجيب (مسند الإمام الأعظم) أي المقتدى الأقوم والمستند الأكرم الأفخر (أبي حنيفة النعمان) بن الثابت في ميدان البيان ﵁، وعليه الرضوان، وبلغه نهاية درجات الجنان ومناقبة كثيرة ومراتبه شهيرة غير محتاجة إلى البيان، وقد قام بحقها بعض الأعيان. (ولما كان) الإمام مشتغلاً باستخراج المسائل من الدلائل، وصار وسائل كل طالب وسائل في باب الدراية لم يظهر منه إلا قليل من رواية، وكذلك كان أجلاء

стр. 14

الصحابة كأبي بكر (١) وعمر (٢) ﵄ مشتغلين بالعمل في غاية من الرعاية مشتغلين عن نقل الأحاديث والرواية، لأن العمل هو المقصود، والمعول في مقام الهداية والنهاية، وأنشد فارس بن االحسن في شعره المستحسن. يا طالب العلم الذي ... ذَهَبتُ بمدته الرواية كن في الرواية ذا العناية ... بالدراية والرعاية وارو القليل وراعه ... فالعلم ليس له نهاية ومن المعلوم أن [من] لم يكن محيطاً بعلم الكتاب والسنة لم يتصور أن يكون إماماً مقتدى للأمة، ويكون الفقهاء كلهم عيالاً له في تقويم الملة لا سيما في الصدر الأول مع وجود المجتهدين من الأئمة، وقال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا أبي قال: أملى علينا أبو يوسف، قال قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا ما يحفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدث به، وحاصله: أنه لم يجوِّز له الرواية بالمعنى، ولو كان مرادفاً للمبنى خلافاً للجمهور من المحدثين، فإنهم جوزوا رواية المعنى لا سيما عند نسيان المبنى. فقلت رواية أبي حنيفة لهذه العلة الشريفة، وله (٣) ﵁ مسانيد كثيرة وأسانيد شهيرة بلغت خمسة عشر مسنداً جمعها بعض الفضلاء واعتنى بضبطها طائفة من العلماء، وأخيرها هذا المسند المعتمد الذي هو من رواية الخصكفي بفتح الخاء

стр. 15

المعجمة وسكون الصاد المهملة ففاء مفتوحة فكاف فياء نسبة كذا رأيته مضبوطاً بخط شيخنا مولانا عبد الله السندي ﵀. لكن في جواهر المضية في طبقات الحنفية للعلامة الشيخ عبد القادر القرشي الحصكفي بفتح الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف، وفي آخرها الفاء نسبة إلى حصن (١) كيفا مدينة من ديار بكر، ونسبة موسى بن زكريا بن إبراهيم ابن محمد بن ساعدي القاضي الإمام العلامة صدر الدين روى كتاب الشمائل للترمذي عن الإمام افتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي بسماعه من أبي الفتح عبد الرشيد بن النعمان بن عبد الرزاق الولوالجي، وأبي الفتح عمر بن علي بن أبي الحسن الكرابيسي (٢)، والصائب بن علي بن الحسن ابن بشير بن عبد الله النفاش، عن أبي شجاع عمر بن محمد بن عبد الله البستاني البلخي، عن أبي القاسم محمد بن عبد الله الخليلي، أنا الشريف أبو القاسم علي ابن أحمد الخزاعي، حدثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشافعي حدثنا أبو موسى محمد ابن عيسى الترمذي: ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وحدث بالقاهرة وصُلِبَ، سمع منه الدمياطي الحافظ، وذكره في معجم شيوخه، ومات بالقاهرة سنة خمسين وستمائة ودفن جوار السيدة نفيسة. واعلم (٣) أن له مشايخ كثيرة من الصحابة والتابعين وأتباعهم وصلت جملتهم أربعة آلاف كما قال بعض أرباب الأنصاف في باب الاعتراف.

стр. 16

غدا مذهب النعمان خير المذاهب ... فذا القمر الوضّاح خير الكواكب ثلاثة آلاف وألف شيوخه ... وأصحابه مثل النجوم الثواقب فإن قلت: مشايخ البخاري ربما بلغ عشرة آلاف فلا تفاضل. قلت: ليس من يروى عنه الحديث كمن يروى عنه الفقه، فإن الذي يروى عنه الفقه لا بد أن يكون فقيهاً عالماً، والذي يروى عنه الحديث: لا يلزم أن يكون بهذه الصفة حتى كثر رواة الحديث وقل الفقهاء (١). والحاصل (٢) أن أكثر مشايخ الإمام كانوا جامعين بين الرواية والدراية، وأكثر مشايخ البخاري بارز بعلو الإسناد في الرواية، وقد أشار ﷺ إلى الأحسن في الوعاية حيث قال: "نَضَّر الله امرءٍ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاها وأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلَ فِقهٍ غَيرَ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِل فِقهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" رواه الترمذي وغيره عن زيد بن ثابت. وقد ذكر الإمام النسفي صاحب المنظومة بإسناده إلى محمد بن سلمة قال: خرجت إلى البصرة في طلب الحديث فأخرج شيخ مسند الإمام وأملى فامتنع بعضهم عن الكتابة فأمسك الشيخ أياماً عن الحديث ثم قال: أدركت مجلسه وكان يحضره فلان وفلان وهؤلاء يكتبون حديثه فتشفعنا إليه بالله تعالى حتى حدثنا بأحاديث قيل وكان امتناع المتعنت عن الكتابة بناء على ظن أن الإكثار من الفقه يخل بحفظ الحديث فجعل المنقبة مثلبة، ثم هذا المسند المعتمد لم يذكر إلا بعض مشايخه الكرام من المحدثين الأعلام، ولهذا قال جامعه: ذكر إسناده (عن حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري) قال العلامة الكردري في مناقب الإمام، فذكر مشايخ الكرام حماد

стр. 17

ابن مسلم أبو سليمان الأشعري مولى ابراهيم بن مَهُ أبي موسى الأشعري تابعي كوفي سمع إبراهيم النَّخَعِي وأعلم الناس برأيه، مات سنة عشرين ومائة، وقد قال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: ما رأيت أفقه من حماد ولا أجمع للعلوم من عطاء بن أبي رباح. وقال صاحب المشكاة في أسماء رجاله حماد بن أبي سليمان، واسم أبي سليمان مسلم: تابعي سمع جماعة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما، انتهى. وكان لا يكلم في حوائجه الدنيوية وفقه ما لم يفصل بين كلمتين من كلامه بتسبيحةٍ، وكان يقول: أستحي أن أجد في ديواني سطراً ليس فيه تسبيح. وكان يقول ربما انتهت رأي برأي أبي حنيفة ﵀ وأقوالي بقوله. (أبو حنيفة) أي روى، (عن حماد) المذكور، (عن إبراهيم) أي النخعي وهو تابعي جليل، عن الأسود أي ابن يزيد، واعلم أن في اصطلاح المحدثين محمولة للسماع والإجازة لكن عنعنة المعاصر محمولة على السماع، سواء ثبت اللقاء بينهما أم لا عند الجمهور، خلافاً للبخاري حيث يشترط اللقاء، ولا شبهة في ثبوت اللقاء بين الإمام ومشايخه الكرام فتنبه لهذا المقام (إن عمر بن الخطاب دخل على النبي ﷺ في شكاة) بكسر الشين المعجمة وفي آخره تاء، أي في مرض ومحنة (شكاها) أي تعب فيها من شدة أذاها فإذا للمفاجأة (هو) أي النبي ﵊ (مضطجع على عباءة) بفتح أول أي كساء خشن (قطوانية) بفتح القاف والطاء المهملة نسبة إلى موضع بالكوفة وهي عباءة بيضاء قصيرة الخمل كما في النهاية (ومرفقه) (١) بكسر الميم وفتح الفاء فيجوز العكس وبهما قُرِىء في قوله تعالى: ﴿وَيُهَيءُ لَكُمُ مِنْ أَمرِكُمْ مرْفقاً﴾ (٢) وفي القاموس المرفقة كمكنسة المخدة (من

стр. 18

صوف) أي وجهها صوف (حشوها إذْخِر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين، وفي آخرها راء نبت معروف بمكة (فقال)، أي عمر (بأبي أنت وأمي)، أي فديتهما بك يا رسول الله والجملة معترضة إذ المقصود من المقول قوله (كسرى) بكسر الكاف وفتح الراء وإمالته لقب ملك الفرس، (وقيصر) كجعفر لقب ملك الروم (على الديباج) بكسر الدال المهملة معرب مشهور، أي هما ونحوهما قاعدون أو راقدون على الحرير فوق السرير (وأنت) مع كمال الجلالة في مقام الرسالة (على هذه الحالة) التي تورث الملالة فقال ﵊: (يَاعُمَر أنْت) في هذا المَقَام (أما تَرْضَى) القِسمة الإلهية "وَفَقَ الإرادة الأَزَليَّة (أنْ يكُون لهُما الدنْيَا) الفَانِية (وَلَنا الآخِرَةُ) البَاقِيَة". وذكر البغوي في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلا َيغُرَّنَكَ تَقلبُ الذين كَفَروا في البِلاد مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُم جَهَنَّمُ وبِئسَ المِهَادْ لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُم لَهُم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِندِ الله وَمَا عِنْدَ الله خَيرٌ لِلأبْرارِ﴾ (١) أنها نزلت في المشركين وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين، فقال بعض المؤمنين إن أعداء الله فيما ترى من النعماء ونحن في الجهد والبلاء فأنزل الله هذه الآية تسلية للأحياء. وفي البخاري عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب، قال "جئت فإذا رسول الله ﷺ في مشربه أي غرفة، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا وهو ما يدبغ به حصوراً (٢) وفي نسخة مصوباً

стр. 19

وعند رأسه أُهُب معلقة جمع إهاب فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال ﷺ : مَا يُبكِيكَ؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت يا رسول الله فقال: "أما تَرْضى أنْ يكُون لهُما الدُّنيا ولَنا الآخرة" (ثم إنَّ عمر مسَّه) أي مسَّ النبي ﷺ وجسَّه ليدرك بيده ما أحسَّه (فإذا هو في شدَّة الحمَّى) وغاية البلوى، كما روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا روى الحاكم وقال: صحيح الإسناد كلهم من رواية أبي سعيد الخدري أنه ﵊ كانت عليه قطيفة فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك فقال: "إنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلينَا البَلاَءُ ويضاعَفُ لَنَا الأجْر" (فقال) أي عمر (تحم) بضم التاء وفتح الحاء وتشديد الميم أي تصيبك الحمى، (هكذا) أي بهذه المثابة من الشدة في الإصابة، (وأنت رسول الله) والرسالة غاية الرتبة في المختبر ونهاية المرتبة في العزة (فقال: إِنَّ أَشَدَّ هَذِهِ الأمَةِ بَلاءَ نَبِيُّهَا ثُمّ الخَيِّرُ) بتشديد التحتية المكسورة أي المبالغ في الخير (ثم الخير) أي وهلم جرَا من أمته على مقدار خيريته بين خلق الله وبريته، (وكذلك كانت الأنبياء) ﵈ (قبلكم) أي مبتلين بأنواع البلاء على مقدار مراتبهم في مقام الولاء (والأمم) أي وكذا حال أممهم على قدر ألمهم. والمعنى أنه لن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً. وأخرج النسائي وصححه الحاكم من حديث فاطمة أخت حذيفة بن اليمان قالت أتيت النبي ﷺ في الشتاء تعوده فإذا يُقَطَّرُ عليه من شدة الحمى فقال: "إنَّ مِن أشد النَّاسِ بَلاَءً الأنبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ َيلُونَهُمْ" وقد روى أحمد والبخاري والترمذي، وابن ماجه، عن سعد مرفوعاً " أشد النَّاس بلاءً الأنبياء ثُمَّ الأَمثَلُ [فالأمثل] يُبْتَلى الَّرجُلُ على حَسَبِ دينه فَإنْ كَانَ في دِينِه صَلباً اشْتَدَّ بَلاؤه وإن

стр. 20

كان في دينه دقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة" ورواه ابن ماجه في سننه وأبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ "أشد النَّاس بلاء الأنبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يُجوّبُها أي يحصل جيباً لها فيلبسها فيبتلى بالقمل حتى يقتله، ولقد كان أحدهم أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء". ومجمل الكلام أن البلاء علامة الولاء فإنه إما سبب لإعلاء الدرجات كما في الأنبياء وإما لإمحاء السيئات كما في الأولياء مع أن هذه الدار مشوبة بالأكدار سواء فيها الفجار والأبرار كما أشار إليه قوله سبحانه: ﴿إنْ تَكُونُوا تَألمُونَ فَإنَّهُمْ يَأَلمُونَ كَمَا تَأَلمُونَ وتَرجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرجُونَ﴾ (١). وبه أي بسند أبي حنيفة (عن حماد) أي ابن سليمان، (عن إبراهيم النخعي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ إنه) أي الشأن (ليهون) بفتح اللام والياء وضم الهاء أي يسهل (عَليَّ المَوتُ) أي مجيئه وفي نسخة بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الواو المكسورة أي ليخفف عَليَّ ألم الموت وشدته (إني رأيتك) أي أبصرتك حال كونك زوجتي أو عَلِمْتُكِ (في الجنة) في مقام قربتي وهذا يدل على غاية من المحبة التي أزاله (٢) عنه نهاية من المحنة (وفي رواية إني رأيتك زوجتي في الجنة ثم التفت) أو قال في مجلس آخر (هون علي الموت لأني رأيتك بت عائشة في الجنة) أي معي في الجنة واستدل بهذا الحديث ونحوه

стр. 21

على أنها أفضل من فاطمة لأنها إنما تكون مع علي كرم الله وجهه فيما له من المنزلة، وقد يؤخذ بظاهر الحديث أنها أفضل من خديجة أيضاً وبالأولى أن تكون أفضل من سائر النساء وقد أوضحت هذه المسألة في بعض التصانيف المفصلة، وقد ورد عنه ﵊ أن الله سبحانه جعل زوجتي في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأخت موسى رواه الطبراني، عن سعد بن جنادة هذا. [شرح المسند] - عائشة أفضل من سائر النساء وفي حديث أخرجه العقيلي انه ﵊ قال لها في مرضه: "آتيني بِسواك َرطْبٍ فأمْضِغِيه ثُم آتيني بِهِ أمْضَغُه لِكي يختلط ريقي بريقك لِكَي يَهُونَ عَليَّ عِندَ المَوت" قال الحسن لما كرهت الانبياء الموت أي كراهة طَبيعة هون الله ذلك عليهم بلقاء الله وبكل ما أحبوه من تحفة أو كرامة حتى أن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو محب لذلك لما قد ُمثِّلَ له. وفي المسند عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضاً أن النبي ﷺ قال: "إنَّهُ لَيهُونُ عَليَّ لأنِي رأيتُ بَياضَ كَفِّ عائِشَة رضِي الله تعالى عَنهَا في الجَنَّةِ" وخرجه ابن سعد وغيره مرسلاً أن ﷺ قال: " لقَدْ رأيْنَا في الجَنَّة حَتَّى يَهُونَ عَليَّ بذَلِكَ مَوتي كأني أرَى كَفَّها" يعني عائشة. فلقد كان ﵊ يحب عائشة حباً شديداً حتى لا يكاد يصبر عنها فمثلت له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته، فإنَّ الموت إنما يطلب باجتماع الأحبة. (وبه) أي وبسند أبي حنيفة، (عن حماد) أي ابن أبي سليمان، (عن إبراهيم) أي النخعي، (عن الأسود، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الله تَعَالى ليكتُبُ للإنْسَان) أي من أهل الإيمان (الدرجة العليا في الجنة)

стр. 22

العالية الغالية، (ولا يكون له من العمل) أي في الكلمة والكيفية (ما يبلغها) بتشديد اللام المكسورة وتخفيفها أي شيئاً يوصله إليها (فلا يزال يبتليه (١) الله بأنواع البلية حتى يبلغها) أي الله أو الابتلاء إلى الدرجة العلية، ويحتمل أن يكون بفتح الياء وضم اللام أي حتى يصل تلك المرتبة السنية، وقد ورد عنه ﵊ أن الله تعالى ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه رواه الحاكم. وفي رواية البيهقي والطبراني، عن حذيفة مرفوعاً: إن الله تعالى ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده للخير وإن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام. وروى أحمد وغيره عن رجل من بني سليم مرفوعاً: "إِنَّ الله تعالى يَبتلي العَبدَ فيما أَعْطَاهُ فَإنْ رَضِيَ بِما قَسمَ الله لَهُ بُورِكَ لَهُ ووسعهُ، وإنْ لَمْ يَرضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلى ما كَتَبَ لَه". وروى الطبراني عن جبير بن مطعم مرفوعاً: إن الله تعالى يبتلي عبده المؤمن بالسقم حتى يكفر عنه كل ذنب. وفي رواية لأبي حنيفة (عن إبراهيم النخعي) وقد عُدَّ من مشايخ الإمام الكردَرِي سمع ابراهيم النخعي، وكان أعلم الناس برأيه مات سنة عشرين ومائة (عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: "ما شبعنا) أهل بيت النُّبُوَّةِ (ثلاثة أيَامٍ وَليالِيها عَنْ خُبز) أي بُرٍّ أو شَعِير" كما في رواية (متتابعاً) أي متوالياً بل كان الشبع متراخياً من الخبز معدوماً أو مستمراً (حتى فارق محمد ﷺ وفيه تنبيه على أن الفقير

стр. 23

الصابر أفضل من الغني الشاكر، وإن فقره ﵊ كان اختيارياً لا اضطرارياً إذ عرضت عليه الدنيا بأسرها فأعرض عنها ولم يقبل شيئاً من أسرها، وقال، أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر ثم أتته الدنيا أيضاً بكثرها فلم يلتفت إلى جمعها ولم يرض بمنعها فقام في مقام الإيثار وبذلها على الفجار والأبرار (وما زالت الدنيا علينا كدرة وعسرة) بفتح وكسر فيهما أي متكدرة بحسب الصورة ومتعسرة بسبب الضرورة (حتى فارق ﷺ الدنيا وانتقل) إلى الدار العليا، (فلما فارق محمد ﷺ الدنيا) وتركنا في المحنة والبلايا (صُبًّت) بصيغة المجهول أي كبت الدنيا (علينا صباً كثيراً) ولم يكن هذا خيراً بالنسبة إلينا (وفي رواية صب الدنيا علينا صباً) أي بوضع الظاهر موضع المضمر (وفي رواية: "ما شَبِعَ آل مُحمد ﷺ ثَلاثَة أيّامٌ مُتَوالِية مِنْ خُبزِ البُر) وهو لا ينافي ما سبق أن قيد يخبز الشعير، وإن كان المراد به البر، فهذا محمول على بعض الأوقات والله أعلم بالحالات. وروى أحمد والترمذي وابن ماجه، عن ابن عباس أنه ﵇ كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً هو وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير وقد بسطنا الدلائل بفتح هذه الفضائل في شرح الشمائل. وبه (عَنْ حَماد عَنْ إبراهيم النخعي، عن علقمة) أي ابن أبي علقمة بلال مولى عائشة أم المؤمنين، روى عن أنس بن مالك، وعن أمه وعنه مالك بن أنس وسليمان بن بلال وغيرهما (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يسلَّم) حين انتهاء صلاته (عن يمينه) لكونها أشرف جهاته (قائلاً:

стр. 24

السلام عليكم ورحمة الله) ناوياً من معه من مصلين والملائكة المقربين (حتى يرى) بضم الياء وفتح الراء ويبالغ في ميله حتى يبصر (شق وجهه) بكسر الشين أي طرف خده، (وعن يساره مثل ذلك) أي ويسلم عن جهة يساره كما تقدم فعلاً وقولاً وقصداً، وفي رواية حتى يرى بياض خده الأيمن فيه لطافة، (وعن شماله مثل ذلك) أي مثل ما ذكر هنالك. والحديث عن ابن مسعود رواه أصحاب السنن الأربعة، ولفظ النسائي كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر، وصححه الترمذي وهو أرجح مِمَّا أخذ به مالك من رواية عائشة أنه ﵊ كان يسلم في الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن. - حديث الاستخارة وبه (عن حماد عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد الله (١)). أي ابن مسعود فإنه المراد عند الإطلاق في مصطلح المحدثين وفيه إيماء إلى أنه أكمل وأفضل من سائر العبادلة، ولذا لم يعده في مقام المماثلة. (قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا معشر الصحابة الاستخارة) أي طلب الخير (في الأمر) أي في المهم المحتمل للخير والشر إذ لا استخارة في فعل نفس

стр. 25

الطاعة ولا في ترك نفس المعصية، والمعنى أنه كان يبالغ في تعليمنا دعاء الاستخارة في ظهور الأمر والشأن (كما يعلمنا السورة من القرآن)، وقد ورد مختصراً اللهم خِرْ لي واختر لي، ولا تَكِلْني إلى اختياري، وفي رواية اللهم خِر لي، واجعل الخيرة فيه، وكذا ورد اللهم اهدني لأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، وقد جاء مطولاً كما بينه بقوله (١) (وفي روايته) عن ابن مسعود وغيره (قال: قال رسول الله ﷺ إذا أراد) أي إذا قصد. (وفي رواية إذا هم أحدكم أمراً) من الأمور ويكون متردداً فيه بين فعله وتركه لعدم معرفة خيره وشره في عالم الظهور (فليتوضأ) أي وضوء حسناً يستوعب فرائض وسنناً (وليركع من باب إطلاق الجزء على الكل، أي ليصل (ركعتين) أي شفعاً من الصلاة فإنه أقلها ويقرأ فيهما الكافرون والإخلاص أو آية ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَختَارُ مَا كَان لهُمْ الخِيرَةُ سُبحَانَ الله وَتَعالى عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (٢) وآية ﴿ومَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنةٍ إذا قَضَى الله ورَسُولُهُ أمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخيرَةُ مِن أمرِهِم ومَنْ يَعْصِ الله ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبيِناً﴾ (٣). وفي رواية (من غير الفريضة) اهتماماً باستقلال هذه الفضيلة (ثم ليقل) بلسانه حاضراً بجنانه (اللهم) أي يا الله آمنّا بخير وادفع عنا كل ضير (إني أستخيرك) أي أطلب خيرك، وأطلب منك الخير والعلم به في هذا الأمر

стр. 26

(بعلمك) أي بسبب علمك المحيط بالخير والشر والنفع والضر كما أشار إليه قوله : ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لكُم وَعَسَى أَنْ تُحِبُوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعلَمُون﴾ (١) (وأستقدرك) أي أطلب منك أن تجعل لي على الخير قدرة وقوة (بقدرتك) أي بحولك وإرادتك والباء فيهما للاستعانة أي أطلب منك خيراً مستعيناً بعلمك وقدرتك أو للاستعطاف أي بحق علمك وحرمة قدرتك. وفي رواية النسائي وأستهديك بقدرتك وأسألك من فضلك أي العظيم كما في أكثر الروايات. وفي رواية البزار عن ابن مسعود وأسألك من فضلك برحمتك فإنهما بيدك لا يملكهما أحد سواك (فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر) بكسر الدال، وهو الرواية في أكثر الأصول فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، والرواية الأولى تناسب ترتيب ما تقدم، والأخرى تلائم ما أخر من قوله (وأنت علام الغيوب) بضم الغين وكسرها، أي كثير العلم بما غاب من العباد، (اللهم إن كان هذا الامر) الذي يريده كما في رواية البزار (خيراً لي في معيشتي). وفي رواية البزار في ديني ودنياي، (وخيراً لي في عاقبة أمري فيسره لي) أي فسهله كما في رواية وفي رواية أخرى فوفقه أي اجعله وفق مقصودي وبارك لي فيه (وزاد) أي ابن مسعود في رواية كما في رواية البزار (وإن كان غيره) أي غير ذلك كما في رواية أي غير الأمر المذكور أو المحصور (خيراً) أي لي كما في رواية (فاقدر) بضم الدال أي فقدر لي الخير. وفي رواية فوفقني للخير (حيث كان) الخير (ثم رضني به) بتشديد الضاد

стр. 27

المكسورة أي أرضني كما في رواية، والحديث بطوله في البخاري والأربعة عن جابر ورواه ابن حيان، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم، عن أبي أيوب بروايات مختلفة وعبارات مؤتلفة، وقد بسطت الكلام عليها في الحرز الثمين شرح حصن الحصين. وقد روى الحاكم والترمذي، عن سعيد بن أبي وقاص مرفوعاً من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى، ومن شقاوته تركه استخارة الله تعالى. وروى الطبراني في الأوسط عن أنس ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، وقال بعض الحكماء: من أعطي أربعاً لم يُمنع أربعاً من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يُمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يُمنع الخير ومن أعطي المشورة لم يُمنع الصواب. وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقَمَة عَنْ عبد الله بن مسعود قال: جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل يبقى أحد من الموحدين) أي المؤمنين، أو غير المشركين ليشتمل الموحدين من أهل الجاهلية (في النار) أي في قعر دار البوار معذباً على وجه الإكثار (قال: نَعَم) يَبْقَى (رَجَلٌ يَكونُ فِي قَعْرِ جَهنّم يُنادِي بالحَنّان المنّان) إما بطريق الثناء، وإما على وجه النداء وهما بتشديد النون فيهما للمبالغة من الحنان بالخفة وهو الرحمة ومن المنة بمعنى العطية، وبمعنى الامتنان فإنه يمن على عباده بالنعمة كقوله تعالى: ﴿بَل الله يَمُنُّ عَلَيْكُم﴾ (١) الآية وعن علي كرم الله وجهه: الحنان من يقبل على من أعرض عنه والمنان من يبدأ

стр. 28

بالنوال قبل السؤال، وقد عدا من الاسم الأعظم والله أعلم والمعنى أنه يبالغ في ذكرهما (ويرفع صوته بهما حتى يسمع صوته جبرائيل ﵇ فيعجب) بفتح الجيم أي فيتعجب (من ذلك القنوت) في ذلك المقام، (فقال) أي جبرائيل (العجب) أي هذا العجب الذي منه ينبغي أن يتعجب (العجب) كرر للمبالغة، وروي بالنصب أي أعجب العجب أو أعجب لعجب، (ثم لم يصبر) أي جبرائيل (حتى يصير) أي يرجع ويسير (بين يدي عرش الرحمن) أي قدامه طالباً مرامه (ساجداً) لربه وحامداً أوعابداً (فيقول الله ﵎ أي له مشاهداً لفعله، ومشاهداً لقوله (ارفع رأسك) حتى ادفع بأسك (يا جبرائيل) الأمين، فيرفع رأسه ذلك الحين (فيقول) أي الله (تعالى ما رأيت من العجائب أي شيء) علمت من الغرائب (والله أعلم) أي منه ومن غيره (بما رآه) في جميع المراتب (فيقول يا رب) أي يا ربي خصوصاً ورب العالمين عموماً (سمعت صوتاً) أي غريباً من قعر جهنم قريباً ينادي صاحب ذلك الصوت (بالحنان المنان فتعجبت من ذلك الصوت) البهي الشأن في ذلك المكان (فيقول الله) عز اسمه ومسماه (تبارك) خيراته ومبراته (وتعالى) ذاته وصفاته أن يشبهها مخلوقاته ومصنوعاته (يا جبرائيل اذهب إلى مالك) خازن النار هنالك، (وقل له أخرج منها العبد الذي ينادي بالحنان والمنان) في ذلك الزمان (فيذهب جبرائيل ﵇ إلى باب من أبواب جهنم) لطلب المرام (فيضربه) أي فيدق الباب (فيخرج إليه مالك للجواب).

стр. 29

(فيقول جبرائيل ﵇: إن الله ﵎ يقول أخرج العبد الذي ينادي بالحنان والمنان، فيدخل) أي مالك في طبقات النار (فيطلب ذلك العبد) في تلك الدار (فلا يوجد) إشارة إلى كمال فنائه في مقام عنايته، (وإن مالكاً) أي والحال أن مالكاً (أعرف بأهل النار من الأم) أي الأمهات، ولو من الحيوانات (بأولادها) من الذكور والبنات فيخرج حيراناً (فيقول لجبرائيل) معتذراً (إن جهنم زفرت) بفتح الفاء يقال: زفر النار سمع لتوقدها صوتاً. والمعنى توقدت وصاحت زفرة عظيمة (لا أعرف الحجارة من الحديد) في تلك الحال، (ولا الحديد من الرجال فيرجع جبرائيل ﵇ حتى يصير بين يدي عرش الرحمن ساجداً) ولإظهار العبودية وفق عابداً (فيقول ﵎: ارفع رأسك يا جبرائيل)، فإنك رفيع القدرعند ربك الجليل (لم) أي لأي شيء (لم تجيء لعبد) أي باحضاره عندي فيقول (يا رب إن مالكاً يقول معذرة إن جهنم قد زفرت زفرة لا أعرف الحجر من الحديد) في المقام الشديد (ولا الحديد من الرجال) من شدة الأهوال (فيقول الله قل لمالك) أي على لساني (إن عبدي في قعر كذا وكذا) من مكان البلايا، (وفي سر كذا وكذا) من

стр. 30

الخفايا (وفي زاوية كذا وكذا) من الزوايا (فيدخل) الفاء فصيحة أي فيجيء جبرائيل إلى مالك (فيخبره) بما تقرر هنالك (فيدخل) مالك ثانياً (فيجده في المحل الذي قيل له) إنه فيه مطروحاً منكوساً، أي مقلوباً معكوساً (مشدوداً) أي مربوطاً (ناصيته) منضمة (إلى قدميه ويداه إلى عنقه) أي معه مغلولاً أو مسلسلاً (واجتمعت عليه، الحيات والعقارب) وتعلقت به في جميع جهاته من المشارق والمغارب (فيجذبه جذبة) أي فيأخذه أخذة قوية توترة في المراتب حتى تسقط عنه الحيات والعقارب (ثم يجذبه جذبة أخرى) أقوى من الجذبة الأولى بإذن المولى (حتى تنقطع منه السلاسل والأغلال) ويرتفع عنه الأهوال (ثم يخرجه من النار فيصيره) أي فيجعله مغموساً في (الحياة) التي ليس بعدها الممات (ويدفعه) أي يسلمه (إلى جبرائيل) وهو الروح الأمين (فيأخذه) أي جبرائيل بناصيته ويمدّه مدّاً أي يجره جراً إلى ناصية (فما مر به) جبرائيل (على ملأ) أي على جمع أشراف (من الملائكة إلا وهم يقولون أف) بفتح الفاء المشدودة وبكسرها وقد تنون. وهذه الثلاث قراءات، وفيها أربعون لغات أي يتضجر (لهذا العبد حتى يصير) أي جبرائيل (بين يدي عرش الرحمن ساجداً فيقول الله ﵎: ارفع رأسك يا جبرائيل) ليكون شاهداً مشاهداً (فيقول الله): أي لذلك العبد (عبدي) أي يا عبدي: (ألم أخلقك بخلق حسن) بفتح الخاء أي بصورة حسنة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أَحْسَنِ تقْويم﴾ (١)، (ألم أرسل إليك رسولاً) يدلك عليَّ (ألم

стр. 31

يقرأ) أي الرسول (عليك كتابي) ليهديك إليَّ (ألم يأمرك) أي الرسول (بالمعروف وينهك) أي ولم يمنعك (عن المنكر) تخويفاً لما لدي (حتى يقر العبد بذنبه) ويعترف بسوء نسبه وحلم ربه (فيقول الله تعالى: فلم فعلت كذا وكذا) من المناهي والملاهي (فيقول العبد: يارب ظلمت نفسي) ظلماً كثيراً في المعصية (حتى ألقيت في النار) بسببه (كذا وكذا خريفاً) أي سنةً، لكن مع هذا كله (لم أقطع رجائي منك) مع خوفي آخر أمري (بالحنان والمنان) لرفع عسري، (فأخرجتني بفضلك من دار الملامة فارحمني) برحمتك العامة وأدخلني دار السلامة (فيقول الله ﵎: اشهدوا يا ملائكتي بأني رحمته أعطيته جنة فيها نعمة. وقد ذكر عند الحسن البصري أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد وبعدما عذب ألف عام ينادي يا حنان يا منان فبكى الحسن البصري وقال: ليتني كنت هناد فتعجبوا منه فقال: ويحكم أليس يوماً يخرج في الجملة ولا يخلد فيها كذا في منهاج العابدين للغزالي. وفي الشمائل للترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلَمُ أول رَجُلٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ، وآخر رَجُلٍ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ يُؤْتى بالرَّجُل يَوْمَ القِيَامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ومحونا عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقول أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة،

стр. 32

فيقول: إن [لي] ذنوباً ما أراه ههنا" قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأَعرِفُ آخر أهل النَّار خُروجاً، رجلٌ يَخرجُ مِنْها زَحفْاً فيقال له: انطلق فادخل الجنَّة، قَال فَيذْهبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاس أخذُوا المنازل فيرجع فيقُولُ تَمَنَّ فَيَتمَنى فيُقالُ لَهُ فَإنَّ الذي تمنيْت وعَشَرةَ أضْعَافِ الدُّنْيَا قال فيقول: نَعَم أتسخر بي، وأَنْتَ المَلِك؟ " قَالَ فَلقَد رأيتُ رسول الله ﷺ ضحك حتى بَدتْ نَواجِذُهُ. - استلام الحجر وبه (عن حمَّاد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ما انتهيت إلى رُكنِ اليَمَاني) بالتخفيف والتشديد (إلا لقيت عنده جبرائيل ﵇"، وعن عطاء) وعطاء هذا ابن رباح وهو من مشايخ الإمام، فقد روى الترمذي في كتاب العلل من الجامع الكبير: حدثنا محمد بن غيلان عن جرير عن يحيى الجماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن رباح. وفي الميزان للذهبي سمعت أبا حنيفة يقول ما رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي ما أتيت لشيء إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث لم يظهرها قال: (قيل رسول الله ﷺ تكثر من الاستلام الركن اليماني قال: مَا أَتيْتُ عَلَيْهِ قَط إلا وجبرائيل قائم عنده يستغفر لمن يستلمه) أخرجه الأزرقي.

стр. 33

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: على الركن اليماني ملكان يُؤمِّنانِ على دعاء مَن مَرَّ بهما وإن على الحجر الأسود ما لا يحصى، أخرجه الأزرقي موقوفاً، ومثل ذلك لا يقال إلا عن توقيف ... فيكون في الحكم مرفوعاً ويؤيده ما أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مَرَرْتُ بِالرَّكْنِ اليَمَانِي إلاَّ وعِنْدَهُ ملك ينادي آمين آمين" فإذا مررتم به فقولوا: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وَكَّلَ الله بِهِ يعنِي الرَّكْنُ اليَمَانِي سَبْعِينَ مَلكاً مَنْ قَالَ اللهمَّ إني أسْألكَ العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنيَا والآخرة ربَّنَا آتِنَا في الدُّنيَا الخ" قالوا آمين رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف لكنه قوي حيث يعمل به في فضائل الأعمال والله أعلم بالأحوال. - حديث بروع بنت واشق وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقمَة، عن عبد الله بن مسعود في المرأة المعهودة) من نساء زمانه (توفي عنها زوجها ولم يفرض) أي: والحال أن زوجها لم يقدر (لها صداقها) بفتح الصاد وتكسر أي مهراً (ولم يكن دخل بها) أي يطأها ولم يحصل له خلوة صحيحة معها، واختلف الصحابة في حقها فقال ابن مسعود: (لها صُدَقة نسائها) بضم الصاد، وفتح الدال وكغرفة وصدقة بضمتين وفتحتين أي مهر أمثالها من نساء قومها (ولها الميراث) كاملاً (وعليها العدة) أي عدة الوفاة (فقال مَعقِلْ): بفتح الميم وكسر القاف (بن سنان) بكسر السين ممنوعاً (الأشجعي) منسوب إلى قبيلة من بني أشجع، شهد فتح مكة ونزل الكوفة وحديثه

стр. 34

فيهم وقتل يوم الحرة صبراً، روى عنه علقمة، والحسن، والشعبي، وغيرهم (أشهد أن رسول الله ﷺ قضى) أي حكم (في بروع) بكسر الموحدة عند المحدثين وبفتحها عند الفقهاء، وسكون الراء، وفتح واو وعين مهملة (بنت واشق) بكسر الشين المعجمة مثل ما قضيت الخطاب لابن مسعود. وفي تفسير المعالم عند قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيكُمْ إنْ طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أوْ تَفْرضُوا لَهُنَّ فَرِيضةً﴾ (١) ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبة بأن يفرض لها صداقاً، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها، وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الدخول والفرض، فاختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا. فذهب جماعة إلى أن لا مهر لها، وهوقول عليٍّ وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ﵃، كما لو طلقها قبل الفرض والدخول. وذهب قوم إلى أن لها المهر، لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روى علقمة، عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكْسَ ولاَ شطط، أي لا نقص ولا زيادة، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود غاية الفرح. قال الشافعي: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون

стр. 35

النبي ﷺ ، وإن لم يثبت فلا مهر لها، ولها الميراث. وكان علي ﵁ يقول في حديث بروع: لا يقبل قول أعرابي من أشجعي على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ انتهى. قال شيخنا رئيس المفسرين في زمانه البُسحي عطية السلمي المكي الشافعي رحمة الله تعالى عليه: فقد ثبت حديثها، أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ولم يتفرد به معقل بن سنان، بل قال هو وجماعة من أشجع لابن مسعود: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله ﷺ ، كما رواه هؤلاء الأئمة وأحد قولي الشافعي قاله قياساً، ولو ثبت عنده الحديث لما خالف فيه وهو المرجح عند النووي والقول الثاني رجحه الشافعي. وبه (عَنْ حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. أن رسول الله ﷺ صلى صلاة إما الظهر، وإما العصر) شك من عند الرواة (فزاد في ركعة أو نقص، فلما فرغ وسلم فقيل له: أحدث) أي تجدد حكم (في الصلاة) أي في عدد ركعاتها (أم نسيت) في زيادتها ونقصانها؟ (قال: "أُنسَى كَمَا تُنسُون") بصيغة المجهول مخففين، وفي نسخة على بناء الفاعل فيهما ويجوز تشديد سينهما لكن يؤيد الأول (قوله فإذا أنسيت) بصيغة المفعول من الإنساء من باب الأفعال (فذكروني)، ولفظ الشيخ إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، (ثم حول وجهه إلى القبلة)، وهذا كان قبل تحريم الكلام في الصلاة وإفساده به، وكذا الكلام في تحويل وجهه إن كان مع تغير صدره. واعلم أنه إذا تكلم في الصلاة أو سلم ناسياً أو جاهلاً بالتحريم، أو سبق لسانه

стр. 36

ولم يطل زمانه لم يبطله صلاته عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يبطل بالكلام دون السهو، (وسجد سجدتي السهو، وتشهد فيها) أي عقب سجدة السهو، (ثم سلم عن يمينه، وعن شماله) ظاهره يوافق قول الشافعي في المشهور عنه أن موضع سجود السهو قبل السلام. وقال أبو حنيفة بعد السلام كما في رواية صحيحة عنه ﵇. واعلم أن الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه ﷺ ثلاثة أحاديث. أولها حديث ذي اليدين كما رواه الشيخان عن أبي هريرة في السلام من اثنين في إحدى صلاتي العشاء أما الظهر أو العصر؟ فقال: ذو اليدين يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم أقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا نعم فأتم، ثم سلم، ثم كبر وسجد، ثم رفع. قال ابن سيرين: ثبت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وثانيهما حديث ابن بُحَيْنَة كما رواه مالك في القيام من اثنين. وثالثهما حديث ابن مسعود كما في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فقد أوضحنا هذا الحديث في شرح الشفاء، وما يتعلق به من بحث الحكمة في الإنساء. ومنها قوله ﵊ كما رواه مالك في الموطأ بلاغاً إني لأنسى لأسنَّ وقد قال تعالى: ﴿فَلاَ تَنسَى ... إلاّ ما شَاءَ الله﴾ (١) أو المشيئة لا تكون إلا عن الحكمة. - شرب النبيذ وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة قال: رأيت عبد الله بن مسعود

стр. 37

رضي الله عنه وهو يأكل طعاماً ثم دعا بنبيذ) أي نبذ فيه من نحو تمر أو زبيب أو حنطة، أو شعير ليحلو على ما في النهاية (فشرب) أي ماء (فقلت: رحمك الله تشرب) بتقدير همزة الاستفهام (النبيذ في مجلسك) والأمة تقتدي بك لقوله ﵇ رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، كما رواه الحاكم عن ابن مسعود (فقال) ابن مسعود: (رأيت رسول الله ﷺ يشرب النبيذ، ولولا أني رأيته يشرب) أي منه (ما شربته)، وفي الشمائل للترمذي عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشرب كله الماء والنبيذ والعسل واللبن. وفي صحيح مسلم كان ينبذ له أول الليل ويشربه أي الصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب، وهذا محمول على ما يطبخ. ففي الخلاصة نبيذ التمر أو نبيذ الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة ثم اشتد، فإنه يجوز شربه دون السكر في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، إذا أراد به استمرار الطعام ولم يرد به اللهو. وقال محمد: لا يجوز شربه فقليله وكثيره حرام، قال الفقيه أبو الليث وبه نأخذ وأما إذا كان شربه للهو فقليله وكثيره حرام، وأما الوجه الذي هو حلال بالإجماع فكل شراب لم يمض عليه ثلاثة أيام وهو حلو أما نبيذ الذرة، فقد رواه الطبراني، عن ابن عباس مرفوعاً مدرجه كله حرام أبيضه وأحمره وأصفره وأخضره. - التعجب انفعال النفس وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود

стр. 38

قال: جاء جبرائيل إلى النبي ﷺ في صورة شاب) إشعاراً بأن تحصيل العلوم أولى في أوان الشباب. (ولم يعرفه أحد من الأصحاب) كما ورد لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد (عليه ثياب بيض) بالإضافة، أو بدونها أي ذات إيماء إلى أن تلبس البياض يناسب أهل العلم، فإنه أنظف وأطهر، وفي النظر أنور، وفي بعض الروايات: إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وبهذا تبين أنه لم يكن أمرداً (فقال السلام عليك يا رسول الله) في رواية مسلم خاطبه بيا محمد من دون السلام فيحمل على تعدد الواقعة، أو تكرر خطابه أو اقتصار بعض الرواة على أن الاعتماد على زيادة الثقاة (فقال رسول الله ﷺ : وعليك السلام) والاقتصار عليه من باب الاكتفاء عملاً لبيان أقل الجواز في الجواب. (فقال: يا رسول الله ادنو) أي أقرب، ولا يكون تقصيراً في الأدب (فقال: ادنه) بهاء السكت أو بضمير راجعاً إلى المصدر بصيغة متكلم المفهوم من الفعل أي أدن الدنو كما قيل بهما في قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ (١) على القراءتين فقال الفاء فصيحة أي (فدنا حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) أي فخذي النبي ﷺ كما في رواية النسائي (فقال: يا رسول الله ما الإيمان الشرعي؟ قال: الإيمان) وهو تصديق الجنان وإقرار اللسان (بالله) أي بوجود ذاته وصفاته وشهود توحيده في مصنوعاته (وملائكته) بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (وكتبه) المنزلة من غير تعين عددها (ورسله) إلى أممهم وإلى أنفسهم لتكون شاملة لأنبيائه، وفي بعض الروايات الصحيحة واليوم الآخر، (والقدر (٢) خيره وشره) أي حلوه ومره.

стр. 39

وفي رواية لمسلم وبالقدر كله (قال: صدقت) أي فيما قلت، وحققت (فعجبنا لقوله صدقت) حيث يسأله ويصدقه (كأنه يدري) إذ سؤاله يقتضي عدم علمه وتصديقه يوجب خلاف حاله والتعجب انفعال النفس من الشيء الذي وقع خارج العادة وخفي سببه على أهل السعادة (ثم قال: يارسول الله فما شرائع الإسلام؟) أي معاملة التي تبنى عليها الأحكام؟ (قال) رسول الله ﷺ (إقام الصلاة) أي أداؤها بأركانها وشرائطها (وإيتاء الزكاة) أي إعطاؤها لمستحقيها (وصوم رمضان وغسل الجنابة) وفي أكثر الرواية الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ولعل الرواية السابقة وردت قبل فريضة الحج والشهادتين دخلتا في تعريف الإيمان الشرعي الذي عليه مدار الحكم الفرعي (قال: صدقت فعجبنا لقوله صدقت كأنه يدري) أي ويظهر من نفسه أنه لا يدري ويسمى تجاهل العارف (ثم قال: فما الإحسان) أي الإتقان والإيقان في الإسلام والإيمان (قال (١): أن تعمل الله) وهو أعم من الرواية المشهورة أن تعبد الله (كأنك تراه) ناظراً إليك، وشاهداً عليك، (فإن لم تكن تراه) للحجاب بين يديك (فإنه يراك) بلا شبهة لديك (قال: صدقت) وهو موافق لما في الترمذي من قوله: صدقت في المواضع الثلاثة خلافاً لأكثر الروايات من وقوعه في الأوليين من الحالات

стр. 40

(وقال: فمتى قيام الساعة؟) أي متى وقت وقوعها أي القيامة، والمراد بها النفخة الأولى (قال رسول الله ﷺ ما المسؤول (١) عنها) أي عن قيامها (بأعلم من السائل)؟ أي ليس من جنس المسؤول عنها بأعلم من جنس السائل منها، والمعنى أنهما متساويان في نفي العلم بوقتها، لأنه استأثر علمه بها لقوله تعالى: ﴿إنَّ السَّاعة آتِيَة أكاد أُخفيها﴾ (٢) أي عن نفسي لو تصور إخفائها ولقوله : ﴿يَسْئَلونَكَ عَنِ السَّاعة أَيّانَ مرْسَاهَا فيم أنْتَ مِن ذِكْراها إلى رَبّكَ مُنْتَهاها﴾ (٣) وفي بعض الروايات فأخبرني عن أماراتها الحديث بقوله: (فقفى) بتشديد الفاء أي فولَّى (فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل) أي نادوه وأُتوا به (فطلبنا) سعياً وجبراً (فلم نر له أثراً) فأخبرنا النبي ﷺ (فقال) أي السائل الجليل (جبرائيل ﵇، جاءكم) أي أتاكم كما في رواية (ليعلمكم معالم دينكم) أي الشريعة التي يرجع إليكم منافعه. والظاهر أنه ﵊ أيضاً ما عرفه أولاً يؤيده ما في صحيح ابن حيان: والذي نفسي بيده ما شبهه عليّ منذ أتاني قبل مرته هذه، وما عرفته حتى ولا أعلم أن هذا الحديث ذكره النووي في أربعينه برواية عمر بن الخطاب وقد بسطنا الكلام في شرح ذلك الكتاب. والحديث رواه مسلم عنه وعن أبي هريرة نحوه، ولعل الواقعة متعددة لاختلاف الألفاظ الواردة (سفيان بن عيينة) وهو إمام عالم ثبت حجة زاهد ورع مجمع على صحة حديثه سمع الزهري وخلقاً كثيراً، روى عنه الأعمش والثوري
следующие страницы →