← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9060

شرح مسند أبي حنيفة

الملا على القاري

Полный текст (602 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولم يطل زمانه لم يبطله صلاته عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يبطل بالكلام دون السهو، (وسجد سجدتي السهو، وتشهد فيها) أي عقب سجدة السهو، (ثم سلم عن يمينه، وعن شماله) ظاهره يوافق قول الشافعي في المشهور عنه أن موضع سجود السهو قبل السلام. وقال أبو حنيفة بعد السلام كما في رواية صحيحة عنه ﵇. واعلم أن الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه ﷺ ثلاثة أحاديث. أولها حديث ذي اليدين كما رواه الشيخان عن أبي هريرة في السلام من اثنين في إحدى صلاتي العشاء أما الظهر أو العصر؟ فقال: ذو اليدين يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم أقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا نعم فأتم، ثم سلم، ثم كبر وسجد، ثم رفع. قال ابن سيرين: ثبت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وثانيهما حديث ابن بُحَيْنَة كما رواه مالك في القيام من اثنين. وثالثهما حديث ابن مسعود كما في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فقد أوضحنا هذا الحديث في شرح الشفاء، وما يتعلق به من بحث الحكمة في الإنساء. ومنها قوله ﵊ كما رواه مالك في الموطأ بلاغاً إني لأنسى لأسنَّ وقد قال تعالى: ﴿فَلاَ تَنسَى ... إلاّ ما شَاءَ الله﴾ (١) أو المشيئة لا تكون إلا عن الحكمة. - شرب النبيذ وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة قال: رأيت عبد الله بن مسعود

стр. 37

رضي الله عنه وهو يأكل طعاماً ثم دعا بنبيذ) أي نبذ فيه من نحو تمر أو زبيب أو حنطة، أو شعير ليحلو على ما في النهاية (فشرب) أي ماء (فقلت: رحمك الله تشرب) بتقدير همزة الاستفهام (النبيذ في مجلسك) والأمة تقتدي بك لقوله ﵇ رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، كما رواه الحاكم عن ابن مسعود (فقال) ابن مسعود: (رأيت رسول الله ﷺ يشرب النبيذ، ولولا أني رأيته يشرب) أي منه (ما شربته)، وفي الشمائل للترمذي عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشرب كله الماء والنبيذ والعسل واللبن. وفي صحيح مسلم كان ينبذ له أول الليل ويشربه أي الصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب، وهذا محمول على ما يطبخ. ففي الخلاصة نبيذ التمر أو نبيذ الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة ثم اشتد، فإنه يجوز شربه دون السكر في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، إذا أراد به استمرار الطعام ولم يرد به اللهو. وقال محمد: لا يجوز شربه فقليله وكثيره حرام، قال الفقيه أبو الليث وبه نأخذ وأما إذا كان شربه للهو فقليله وكثيره حرام، وأما الوجه الذي هو حلال بالإجماع فكل شراب لم يمض عليه ثلاثة أيام وهو حلو أما نبيذ الذرة، فقد رواه الطبراني، عن ابن عباس مرفوعاً مدرجه كله حرام أبيضه وأحمره وأصفره وأخضره. - التعجب انفعال النفس وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود

стр. 38

قال: جاء جبرائيل إلى النبي ﷺ في صورة شاب) إشعاراً بأن تحصيل العلوم أولى في أوان الشباب. (ولم يعرفه أحد من الأصحاب) كما ورد لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد (عليه ثياب بيض) بالإضافة، أو بدونها أي ذات إيماء إلى أن تلبس البياض يناسب أهل العلم، فإنه أنظف وأطهر، وفي النظر أنور، وفي بعض الروايات: إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وبهذا تبين أنه لم يكن أمرداً (فقال السلام عليك يا رسول الله) في رواية مسلم خاطبه بيا محمد من دون السلام فيحمل على تعدد الواقعة، أو تكرر خطابه أو اقتصار بعض الرواة على أن الاعتماد على زيادة الثقاة (فقال رسول الله ﷺ : وعليك السلام) والاقتصار عليه من باب الاكتفاء عملاً لبيان أقل الجواز في الجواب. (فقال: يا رسول الله ادنو) أي أقرب، ولا يكون تقصيراً في الأدب (فقال: ادنه) بهاء السكت أو بضمير راجعاً إلى المصدر بصيغة متكلم المفهوم من الفعل أي أدن الدنو كما قيل بهما في قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ (١) على القراءتين فقال الفاء فصيحة أي (فدنا حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) أي فخذي النبي ﷺ كما في رواية النسائي (فقال: يا رسول الله ما الإيمان الشرعي؟ قال: الإيمان) وهو تصديق الجنان وإقرار اللسان (بالله) أي بوجود ذاته وصفاته وشهود توحيده في مصنوعاته (وملائكته) بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (وكتبه) المنزلة من غير تعين عددها (ورسله) إلى أممهم وإلى أنفسهم لتكون شاملة لأنبيائه، وفي بعض الروايات الصحيحة واليوم الآخر، (والقدر (٢) خيره وشره) أي حلوه ومره.

стр. 39

وفي رواية لمسلم وبالقدر كله (قال: صدقت) أي فيما قلت، وحققت (فعجبنا لقوله صدقت) حيث يسأله ويصدقه (كأنه يدري) إذ سؤاله يقتضي عدم علمه وتصديقه يوجب خلاف حاله والتعجب انفعال النفس من الشيء الذي وقع خارج العادة وخفي سببه على أهل السعادة (ثم قال: يارسول الله فما شرائع الإسلام؟) أي معاملة التي تبنى عليها الأحكام؟ (قال) رسول الله ﷺ (إقام الصلاة) أي أداؤها بأركانها وشرائطها (وإيتاء الزكاة) أي إعطاؤها لمستحقيها (وصوم رمضان وغسل الجنابة) وفي أكثر الرواية الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ولعل الرواية السابقة وردت قبل فريضة الحج والشهادتين دخلتا في تعريف الإيمان الشرعي الذي عليه مدار الحكم الفرعي (قال: صدقت فعجبنا لقوله صدقت كأنه يدري) أي ويظهر من نفسه أنه لا يدري ويسمى تجاهل العارف (ثم قال: فما الإحسان) أي الإتقان والإيقان في الإسلام والإيمان (قال (١): أن تعمل الله) وهو أعم من الرواية المشهورة أن تعبد الله (كأنك تراه) ناظراً إليك، وشاهداً عليك، (فإن لم تكن تراه) للحجاب بين يديك (فإنه يراك) بلا شبهة لديك (قال: صدقت) وهو موافق لما في الترمذي من قوله: صدقت في المواضع الثلاثة خلافاً لأكثر الروايات من وقوعه في الأوليين من الحالات

стр. 40

(وقال: فمتى قيام الساعة؟) أي متى وقت وقوعها أي القيامة، والمراد بها النفخة الأولى (قال رسول الله ﷺ ما المسؤول (١) عنها) أي عن قيامها (بأعلم من السائل)؟ أي ليس من جنس المسؤول عنها بأعلم من جنس السائل منها، والمعنى أنهما متساويان في نفي العلم بوقتها، لأنه استأثر علمه بها لقوله تعالى: ﴿إنَّ السَّاعة آتِيَة أكاد أُخفيها﴾ (٢) أي عن نفسي لو تصور إخفائها ولقوله : ﴿يَسْئَلونَكَ عَنِ السَّاعة أَيّانَ مرْسَاهَا فيم أنْتَ مِن ذِكْراها إلى رَبّكَ مُنْتَهاها﴾ (٣) وفي بعض الروايات فأخبرني عن أماراتها الحديث بقوله: (فقفى) بتشديد الفاء أي فولَّى (فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل) أي نادوه وأُتوا به (فطلبنا) سعياً وجبراً (فلم نر له أثراً) فأخبرنا النبي ﷺ (فقال) أي السائل الجليل (جبرائيل ﵇، جاءكم) أي أتاكم كما في رواية (ليعلمكم معالم دينكم) أي الشريعة التي يرجع إليكم منافعه. والظاهر أنه ﵊ أيضاً ما عرفه أولاً يؤيده ما في صحيح ابن حيان: والذي نفسي بيده ما شبهه عليّ منذ أتاني قبل مرته هذه، وما عرفته حتى ولا أعلم أن هذا الحديث ذكره النووي في أربعينه برواية عمر بن الخطاب وقد بسطنا الكلام في شرح ذلك الكتاب. والحديث رواه مسلم عنه وعن أبي هريرة نحوه، ولعل الواقعة متعددة لاختلاف الألفاظ الواردة (سفيان بن عيينة) وهو إمام عالم ثبت حجة زاهد ورع مجمع على صحة حديثه سمع الزهري وخلقاً كثيراً، روى عنه الأعمش والثوري

стр. 41

وشعبة والشافعي وأحمد وغيرهم، ولد بالكوفة للنصف من شعبان سنة سبع ومائة. قال في آخر حجة حجها وافيت هذا الموضع سبعين مرة في كل مرة أقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأله فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة. ودفن بالحجون. وقد روى له الشيخان وهو ممن روى عن الإمام كما ذكره الكردري، وقد قال سفيان بن عيينة من أراد المغازي فالمدينة، ومن أراد المناسك فمكة، من أراد الفقه فالكوفة يلازم أصحاب أبي حنيفة، قال الصولي دخلت على سفيان بن عيينة، وبين يديه قرصان من شعير فقال: يا أبا موسى إنهما طعامي منذ أربعين سنة، وكان ينشد شعر: خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقا وتفردي بالسؤود وقال سويد بن سعيد، عن سفيان بن عيينة قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة قدمت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة. فقال أبو حنيفة: هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار فاجتمعوا علي فحدثتهم، وقال أبو سليمان الجوزجاني: سمعت حماد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة، كنا في المسجد الحرام، وأبو حنيفة مع عمرو ابن دينار فقال له: يا أبا حنيفة كلمة تحدثنا فقال: يا أبا محمد حدثهم، ولم يقل يا محمد وحماد بن زيد أحد الأعلام، روى له الأئمة الستة قال ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه منه ولا أعلم منه عاش إحدى وثمانين سنة، وتوفي في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة. وقد أخذ الفقه عن أبي حنيفة وهو الراوي عنه أن الوتر فريضة، وأما عمرو بن دينار ويكنى بأبي يحيى، فروى عن سالم بن عبد الله بن عمرو وغيره، وعنه الحمادان، ومعتمر وجماعته، ومن هو مشايخ الإمام من التابعين الكرام، وفي

стр. 42

شرح الوقاية للشمني أن الشافعي روى في مسنده، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله (الولاء كلحمة النسب لا يباع). - اجتماع أبي حنيفة والأوزاعي: قال ابن عيينة: (اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي) وهو من أكابر المجتهدين ومن أجلاء التابعين حتى إذا ركب كان الثوري ومالك في ركابه أحدهما ليسوق، والآخر يقود (في دار الحناطين بمكة) أي مكان البياعين للحنطة واليوم يقال له: سوق الحبابين ولا يبعد أن يراد به دار العطارين على أن المراد بهم البياعون للحنوط بفتح وضم طيب بخلط للميت (فقال الأوزاعي لأبي حنيفة ما بالكم) والخطاب؟ بالجمع للتعظيم أو له ولأصحابه أو للكوفيين والمعنى ما شأنكم وحالكم (لا ترفعون أيديكم) في الصلاة (عند الركوع) أي حال إرادة الانخفاض إليه (وعند الرفع منه) كما يفعله أهل المدينة وغيرهم؟ (فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله ﷺ فيه شيء) أي حديث غير معارض لغيره يجب به العمل، فإنما أطلق الكلام لأنه ادعى الإلزام، وإذا تعارض الحديثان تساقطا. والأصل عدم الرفع لأن مبنى الصلاة على السكون في الشرع، وما يقال بترجيح أحدهما (قال: كيف لا يصح) أي على الإطلاق أنه بحيث لا يعارض بما هو أرجح في مقام الوفاق، (وقد حدثني الزهري)، وهو محمد بن شهاب

стр. 43

أعلم الفقهاء والمحدثين والعلماء والأعلام من التابعين بالمدينة السكينة، روى عنه قتادة ومالك، ومكحول وغيرهم مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة (عن سالم) أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وثقاتهم مات بالمدينة سنة ست ومائة، (عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب) وترجمته مشهورة فيما بين الأصحاب قال جابر بن عبد الله ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال هو بها ما خلا عمر وابنه عبد الله، قال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف ألف إنسان، وزادا (عن)، وفي نسخة (أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذاء منكبيه) وهو مختار الشافعية، أو أذنيه وهو مختار الحنفية (إذا افتتح الصلاة) وهو سنة متفق عليها، وإن اختلفوا في هيئتها (وعند الركوع) أي قصده (وعند الرفع منه). وبه قال (١) مالك، والشافعي، وأحمد (فقال أبو حنيفة: وحدثنا حماد) أي ابن سليمان الأشعري (عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، والأسود) كلاهما (عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه) أي في آخر أمره وانقضاء عمره (إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود لشيء من ذلك) الرفع فيما هنالك، وبه يجمع بين الروايات بدليل الترجيح من جهة الثقات ويندفع ما يرد أن النفي غير معتبر في معرض الإثبات. (فقال الأوزاعي) ترجيحاً لسنده على معتمده (أحدثك عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله) وهم أجلاء في الرواية مع قلة الواسطة فإن إسناده ثلاثي

стр. 44

(وتقول) في معارضتي: (حدثني حماد عن إبراهيم) وهما غير مشهورفي نقل السنة بالنسبة إلى ما تقدم مع كثرة الواسطة، فإن إسناده رباعي (فقال أبو حنيفة) معرضاً عن طول السند وقصره: فإنه لا يضر مع حجة طرقه، وربما يزيد قوة في تحققه (كان حماد أفقه) أي أعلم بمعنى الحديث (من الزهري)، وإن كان هو أشهد برواية السنة، (وكان إبراهيم أفقه من سالم) أيضاً بالمعنى المتقدم، (وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه)، وغير العبارة مراعاة للأدب معه، كما أشار إليه بقوله، (وإن كان لابن عمر صحبة) أي شرف الصحبة وهذا بالنسبة إلى ابن عمر وعلقمة. وأما بالنسبة إلى الأسود فبينه بقوله: (وله) أي لابن عمر (فضل صحبة) ليس فيه شبهة، (فالأسود له فضل) كثير من جهة الفقاهة (وعبد الله بن مسعود هوعبد الله) الذي فضله مشهور غير مجحود، والتركيب من قبيل قوله شعر: أنا أبو النجم وشعري شعري فلا يرد أن المبتدأ هو عين الخبر، ولا بد من المغايرة بينهما فتدبر (١)، (وسكت الأوزاعي) في ذلك المقام على طريق الإلزام أو قطعاً للمنازعة والخصام قال ابن

стр. 45

الهمام فترجح الإمام بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهو المذهب المنصور عندنا، انتهى. فمن زعم أن ما أورده البخاري من صحيحه في بابه لم يبلغ أبا حنيفة وأصحابه خرج عن حد الانصاف، ودخل في باب الاعتساف ثم مما يؤيد أكثر الفقه في مقام الترجيح ما ورد في الحديث الصحيح: "نَضَّرَ الله امرء سَمَعَ مِنَّا شَيئاً وبَلَّغَهُ كما سمعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى مِنْ سامع" رواه أحمد والترمذي وابن حيان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعاً، وفي رواية رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. هذا وروى الطحاوي، ثم البيهقي من حديث الحسن بن عباس بسند صحيح عن الأسود وقال رأيت عمر بن الخطاب رفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. وروى الطحاوي وبسنده إلى علي ﵁ أنه رفع يديه في أول التكبير ثم لم يعد وأما ما في الترمذي عن علي أنه ﵇ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا [قضى] قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع كذلك صححه الترمذي فمحمول على النسخ للاتفاق على نسخ الرفع عند السجود. والحاصل أن الأخبار والآثار متعارضة فلا بد من الجمع بينهما بأن يقال: بسنِّيَّةِ الأمرين كما قال بعضهم: وهو ظاهر، أو يترجح أحد الجانبين، فقد روى أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم قال: ذكر عنده وائل بن حجر أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه عند الركوع وعند السجود: فقال أعرابي: لم يصل مع النبي ﷺ صلاة أدى قط فهو أعلم من عباد الله وأصحابه حفظ ولم يحفظوا وفي رواية بشرائع وقد حدثني من لا أحصي عن عبد الله أنه رفع يديه في بدءِ الصلاة فقط، وحكاه عن النبي ﷺ وعبد الله عالم بشرائع الإسلام وحدوده متفقدة الأحوال النبي ﷺ وعبد الله عالم يلازم له في إقامته وأسفاره، وقد صلى مع النبي ﷺ ما لا يحصى، فيكون

стр. 46

الأخذ به عند التعارض أولى إعاده صريحاً لتقدم ذكر سفيان جملة معترضة. - يجمع الله العلماء يوم القيامة (أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يَجْمَعُ العُلمَاء يَوْمَ القيَامَةِ) أي في منزل الكرامة (فيقول: إني لم أجْعَلْ حكمتي) أي معرفتي كتابي وسنة نبي (في قلوبكم)، وفيه إيماء إلى أن الإعتبار بالعلم الداخل في القلب الموجب لتقوي الراء، وقد ورد العلم علمان: علم اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذلك العلم النافع. رواه ابن أبي شيبة والحاكم عن الحسن مرسلاً والخطيب عنه، عن جابر مرفوعاً وروى الديلم في مسند الفردوس، عن علي ﵁ من ازداد علماً ولم يزد في الدنيا زهداً لم يزد من الله إلا بُعْداً (ألا وأنا أريد بكم الخير) في الدنيا والآخرة (اذهبوا إلى الجنة) والدرجات الفاخرة (فقد غفرت لكم) ما صدر عنكم (على ما كان منكم) من تقصير في عمل أو تطويل في أمل. (وبه عن حَمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود قال: أن رسول الله ﷺ أكل من ذبيحة امرأة) أي مسلمة لقوله ﵊: "ذَبِيحةُ المُسلِم حَلالٌ" رواه أبو داود، في مراسيله، وقد أجمعوا على تحليل ذبيحة المسلم العاقل الذي يمكن منه الذبح سواء في ذلك الذكر والأنثى (ونهى) أي رسول الله ﷺ (عَن قَتل المرأة) أي إذا أسرت إلا إذا كانت ملكة، او ذات

стр. 47

رأي ملكة، وهذا باتفاق الأئمة. واختلفوا في قتل المرتدة عند عدم التوبة، فتحبس عند أبي حنيفة، وتقتل عند غيره، وقد أوضحت المسألة مع الأدلة في شرح الشفا، وأما في القصاص فلا خلاف أنه تقتل المرأة بالرجل، ولم يقل أحد بالمفهوم المخالف في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَصَاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى﴾ (١). (وبه عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يُعرف بالليل) أي يعرفه غيره في ظلمة الليل، أي إذا قيل يتوجه من بيته إلى المسجد، (بالريح الطيب الذي كان يفوح منه مع عدم تطيبه)، كما عرف من فضائله من جنس شمائله، والحديث رواه الدارمي والبيهقي، وأبو نعيم أنه لم يكن يمر بطريق فيتبعه أحد إلا عرف سلكه من طيب عرقه، وروى أبو يعلى والبزار بسند صحيح أنه كان إذا مر من طريق وجدوا منه رائحة الطيب وقال مرَّ رسول الله ﷺ من هذا الطريق، وروى أحمد والبخاري عن أنس ما شممت ريحاً قط، ولا مسكاً ولا عنبر أطيب من ريح رسول الله ﷺ . (وبه عن حمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: انكسفت الشمس) (٢) أي تغيرت وانكدرت (يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من

стр. 48

جارية قبطية اسمها مارية، وكان الناس يزعمون على طريق الجاهلية التابعين للحكماء والفلاسفة أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لولادة عظيم أو لموته (فقام رسول الله ﷺ فخطب) أي قائماً في مقام أو على منبره، وقف نظامه وأثنى بمحامد ربه في كلامه (فقال إنَّ الشَمْس والقَمَر آيتَان) عظيمتان من آيات الله الآفاقية، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الشَمْسَ وَالقَمَرَ آيتينِ﴾ (لا تنكسفان) بالتأنيث لتغليب الشمس فإنها أقوى، وهو الأنسب وبالتذكير لتغليب القمر وهو أقرب والأصح أن الكسوف والخسوف يطلق على كل منهما إلا أن الكسوف في الشمس والخسوف في القمر أكثر ومنه قوله تعالى وخسف القمر، والحاصل أنهما لا يتغيران (لموت أحد ولا لحياته) أي ولادته، (فإذا رأيتم ذلك) أي ما ذكر من كسوف أو خسوف (فصلوا) أي بجماعة في الكسوف مع إمام الجمعة وفرادى في الخسوف على طريق السنة، ويصلى للكسوف فرادى كما يصلى جماعة بالاتفاق، والحديث في البخاري ورواه الترمذي في الشمائل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام يصلي، ولما صلى ركعتين انجلت الشمس، وقد ركع في كل ركعة ركوعاً، وفي رواية النسائي فصلى بهم ركعتين كما يصلون، وروى ابن حيان أنه ﵊ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم. وقد بسطت الكلام على هذا المقام في الحرز الثمين لشرح الحصن الحصين. (واحمدوا الله) على آلائه واشكروا على نعمائه (وكبروه) أي عظموه ووقروه (وسبحوه) أي تنزهوا عن كل ما لا يليق بذاته وصفاته (حتى ينجلي) أي تنكشف أيهما انكشفت وهذه الخطبة بمجرد الموعظة فقد قال أبو حنيفة ﵁ وأحمد لا تُسنَ لِكُسُوفِ الشَمسِ وَلاَ لخُسوف القَمْرِ خُطْبَةٌ.

стр. 49

وقال الشافعي: تسن لهما خطبتان، (ثم نزل رسول الله ﷺ وصلى ركعتين) أي كصلاة الصبح عند أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي وأحمد: ركعتان في كل ركعة منها قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان، ثم قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يخفي القراءة، وقال أحمد: يجهر بها. - صلاة السفر وبه (عَنْ حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في السفر) أي الشرعي المختلف حده في الفقه العرفي (ركعتين) أي قصراً للرباعي، والمواظبة المفهومة من كان الدالة على المداومة تفيد وجوب القصر كما قال أبو حنيفة، لا الرخصة كما قال به الأئمة الثلاثة، (وأبو بكر وعمر ﵄ أي كذلك (لا يزيدون) أي الثلاثة عليه أي على ما ذكر من الركعتين (إلا في المغرب)، والجملة استئنافية بيانية أو حالية مؤكدة. - صلاة في الخمرة وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: ناوليني الخمرة) وهي بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم حصيرة صغيرة منسوجة من سعف النخل وترمل بالخيوط، وقد صح عن ميمونة أنه ﵊ كان يصلي على الخُمرة، رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم عن المغيرة أنه عليه الصلاة والسلام

стр. 50

كان يصلي على الحصيرة والفروة المدبوغة، وروى ابن ماجه عن ابن عباس أنه ﵊ كان يصلي على بساط، وفيه رد على الرافضة حيث لا يجوزون الصلاة والسجدة إلا على الأرض، وجنسها وإن كان هو الأفضل اتفاقاً. وروي عَنْ مالك كراهة الصلاة على غير الأرض، وجنسها (فقالت) معتذرة بناء على ظنها أنه لا يجوز لها أن تتناول السجادة التي بمنزلة المسجد في مرتبة السعادة (إني حائض) يعني، وليس للحائض أن تدخل المسجد، فكذا ينبغي لها أن لا تأخذ السجادة، وإلا ظهر أنها توهمت أنها نجسة، وليس لها أن تمسك السجادة لئلا يتنجس (فقال ﵊: إنَّ حَيْضَتَكِ) بكسر الحاء اسم للحيض، وهو المراد هنا وأما بالفتح فالمدة منه (ليست في يدكِ) وهو كناية عن أن بدنها طاهر، إنما يمنع الحائض من الجماع فالنجاسة حكمية لا حقيقية، كما قالت اليهود والطائفة الرافضية. (وبه عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً) أي شعيراً، (ورهنه درعاً)، ومات ﷺ وهي مرهونة وكان وصّى علياً بفكها منه. (وبه عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خيّرنا) أي معشر أمهات المؤمنين (رسول الله ﷺ بين موافقته ومفارقته (فاخترناه) أي جميعنا (إلا واحدة) اختارت الدنيا على الآخرة فرأوها في آخر العمرة تلقط البعر

стр. 51

(فلم يعد) أي، فلم يحسب النبي ﷺ (ذلك) الاختيار (طلاقاً) في ذلك المقام. ورواه البخاري ولفظه: فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئاً، واختلف أهل العلم في حكم التخيير فقال عمر بن مسعود وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها تقع طلقة واحدة، وهو قول أبي حنيفة، وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي إلا أن عند أبي حنيفة طلقة بائنة، وعند آخرين رجعية، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، وهو قول الحسن، وبه قال مالك. وروى عن علي ﵁ أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة قال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيُها النبي قُلْ لأَزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتُها فَتَعَالَينَ أمَتِعْكُنَّ﴾ أي متعة الطلاق ﴿وَأُسَرحكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ... وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدارَ الآخرةَ فَإنَّ الله أَعَدَّ لِلمُحسنَات مِنْكُنَّ أجراً عظِيماً﴾ (١) وفي صحيح مسلم قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فأذن له، فدخل فوجد النبي ﷺ جالساً وحوله نساؤُهُ واجماً ساكتاً قال في نفسه: لأقولن شيئاً أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي ﷺ "وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة: يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألين رسول الله ﷺ شيئاً ليس عنده ثم اعتزلهنَّ شهراً أي كاملاً، أو تسعاً وعشرين يوماً، ثم نزلت هذه الآية قال: فبدأ بعائشة فقال يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت: فيك يا رسول الله أستشير أبوي، بل

стр. 52

أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال: لا تسألني امرأة منهن، إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً، وفي رواية كانت تحت رسول الله ﷺ يومئذ تسع نسوة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله، والدار الآخرة، ورؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ وتابعنها على ذلك. قال قتادة فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: لا يحل لك النساء من بعد. - فضائل الإمام زفر زفر وهو ابن هزيل بن قيس الغبري البصري الكوفي كان يفضله الإمام ويقول: هو أقيس أصحابي، وقال أبو حنيفة في خطبة زواج زفر إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامه في شرفه وحسبه وعلمه، وكان أبوه من أهل أصبهان، وفي طبقات مجد الدين أن زفر حفظ القرآن في سنتين من آخر عمره، فرُئِيَ بعد موته في المنام فسئل ما حالك فقال: لولا السنتين لهلك زفر، وكان جامعاً بين العلم والعبادة، وصاحب الحديث والسُّنَّة روى عنه أبو نعيم وغيره، وذكر الإمام محمد بن الحسن الختني، عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم تنفذ أن تذكر الدنيا بين يديه، وإذا ذكره واحد منا قام عن مجلسه وتركه، وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله، وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أكره زفر على أن يلي القضاء، فأبى وهدم منزله، واختفى مدة، ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانياً واختفى كذلك حتى عفي عنه، كذا ذكره الكردري، ولعله هذا في آخر عمره فلا ينافي ذكره في الطبقات أنه تولى قضاء البصرة. ولد سنة عشر ومائة وتوفي بالبصرة سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثمان وأربعون سنة.

стр. 53

- لا نأخذ بالرأي ما دام أثر روي عنه أنه قال: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وعن عصمت قال زفر: ما تمنيت البقاء قط، وما مال قلبي إلى الدنيا، وعن بشر بن القاسم سمعته يقول: لا أخلف بعد موتي شيئاً أخاف عليه الحساب، فلما مات زفر قدم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم. وعن عكرمة قال: لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال: هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا، وعن الحسن بن زياد كان زفر والداود متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمع بينهما، وعن هلال بن يحيى جاء داود وقعد على مزبلة، ثم جاء زفر وقعد معه. - قول زفر وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلاً جاء إلى الإمام فقال لا أدري أطلقت امرأتي أم لا قال: لا عليك حتى تتيقن بالطلاق، ثم سأل الثوري، فقال: لا تضرك الرجعة فسأل عن (١) شريك قال: طلقها ثم أرجعها فجاء إلى زفر، وحكى له الأقاويل، فقال: أما الإمام فقد أفتى بالفقه، والثوري بالورع، وأما شريك بالعقل، فأضرب لكم مثلاً: إن رجلاً شك أنه هل أصاب ثوبه نجس، أم لا فقال الإمام: لا عليك قبل العلم بالنجاسة، وأما الثوري فقال لو غسلته لا عليك، وأما شريك قال: بل عليك، ثم اغسله. (قال) أي زفر، (سمعت أبا حنيفة يقول) جملة حالية أي (سمعت حماداً) أي ابن أبي سليمان (يقول كنت) أي أنت (إذا نظرت إلى إبراهيم) أي النخعي، وكذا غيرك بدليل قوله (فكل من رأى هديه) بفتح فسكون، أي سمته

стр. 54

في طريقه بدليل قوله (وسيرته) في متابعة شريعة وحقيقة (يقول: كان هديه هدي علقمة ويقول) أي إبراهيم (من هدي علقمة كان هديه هدي عبد الله) أي ابن مسعود، (يقول:) أي علقمة (من رأى هدي عبد الله (١) كان هديه هدي رسول الله ﷺ لكثرة متابعة في أقواله وأفعاله وسائر أحواله الموجبة لكماله في عاجله ومآله. - نوم الجنب وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب) جملة حالية (توضأ وضوءه للصلاة) أي لتكون طهارة في الجملة، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، والحديث رواه الشيخان، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة بلفظ: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة، ويؤخذ منه أنه لو كسل أحد من الوضوء أيضاً تيمم، فإنه نوع طهارة، فهو خير من أن ينام على حدث، أو جنابة. ثم رأيت الطبراني في الأوسط روى عن عائشة كان إذا وقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم انتهى، وكان أحياناً يغتسل وينام، وهذا كله مبني على الاستحباب إذ ورد في هذا الباب أنه ﵊ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن عائشة ﵂.

стр. 55

- رفع القلم وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: رُفِع الَقَلمُ) أي بكتابة الإثم عن ثلاثة أشخاص: (عن الصبي حتى يكبر) بفتح الموحدة أي يبلغ. (وعن المجنون حتى يفيق) بضم الياء وكسر الفاء حتى يعقل، (وعن النائم حتى يستيقظ) أي يتنبه. (وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن حماد عن سعيد بن جبير) أي الأسدي الكوفي أحد الأعلام التابعين قتله الحجاج في شعبان سنة خمسة وتسعين ومات الحجاج في رمضان بعده بخمسة عشر، وقد وقعت الأكلة في بطنه ولم يسلط بعد على أحد لدعاء سعيد: لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، ودفن سعيد بظاهر واسط العراق، وقبره بها يزار (عن حذيفة) أي ابن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ (قال: قال رسول الله ﷺ : رفع القلم) أي التكليف بالشرع الشريف (عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم) أي يبلغ إما بالإحتلام أو بالسن أو بالإحبال، وقد روى أحمد وأبو داود الحاكم عن عمر وعلي ولفظهما: رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يتبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم.

стр. 56

- إن أولادكم من كسبكم (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ إن أولادكم) ذكوراً وإناثاً (من كسبكم) أي من جملة مكسوباتكم، (وهبة الله لكم) كالتفسير لما قبله (يهب لمن يشاء إناثاً) قُدِّمْنَ تسلية لأهلهن وإيماء إلى تقدم بركتهن (ويهب لمن يشاء الذكور) استشهاداً واعتضاداً للحكم المذكور، والحديث رواه البخاري والترمذي، والنسائي وابن ماجه، عن عائشة بلفظ: أن أطيب أكلتكم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم. - قراءة في الوتر في ثلاث ركعاته وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة: كان) أي النبي ﷺ دائماً وغالباً (يوتر) أي يصلي الوتر (بثلاث) أي من السور على طريق الاستحباب من أن ضم السور مطلقاً عام في الإيجاب (يقرأ في الأولى) من الركعات (بعد الفاتحة ﴿بسبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية ﴿بقل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية ﴿بقل هو الله أحد﴾ (وفي رواية) أي لأبي حنيفة، أو لعائشة (كان رسول الله ﷺ يقرأ في

стр. 57

الركعة الأولى من الوتر) أي من ركعات الثلاث (بأم الكتاب) وهي الفاتحة و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية بأم القرآن، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثالثة بأم الكتاب، و ﴿قل هو الله أحد﴾ والحديث رواه أبو داود، والترمذي والنسائي، وأحمد وابن ماجه، وابن حبان، عن جماعة من الصحابة بلفظ إذا صلى الوتر، ثلاثاً فيقرأ الأولى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾. وفي رواية لأبي حنيفة بسنده عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث، وقد رواه النسائي وابن السني كلاهما عن ابن ابزي، وزاد ولا يسلم إلا في آخرهن، ورواه الحاكم وقال عثمان على شرطهما، عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه لا يسلم إلا في آخرهن، وكذا روى النسائي والحاكم وقال عثمان، على شرطهما، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، ولا يسلم في ركعتي الوتر، وفي رواية لابن ماجه والنسائي أنه ﵊ كان يوتر ويقنت قبل الركوع. - مواقيت الإحرام وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس) أي وعظهم (فقال من أراد منكم الحج) أي قصد إحرامه (فلا يحرمن إلا من الميقات) أي لا بعده إذ يجوز إجماعاً قبله بل هو أفضل بشرط، (والمواقيت) جمع ميقات وهو الوقت المعين استعير للمكان المبين،

стр. 58

والمواقيت (التي وقتها) بتشديد القاف أي عينها وبينها (لكم) أي لأجل إحرامكم (نبيكم) أي هو ينبىء وغيري من بعدكم ﷺ لأهل المدينة) خبر مقدم (ومن مر بها) ولمن مر بها، أي ولمن وصل إليها (من غير أهلها) كأهل الشام وغيرهم (ذو الحليفة) مبتدأ مؤخر (ولأهل الشام) على عادتهم القديمة، (ومن مر بها) من غير أهلها كأهل مصر وغيرهم (الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء، وهو المسمى اليوم بالرابغ (ولأهل نجد ومن مر بها) من غير أهلها (قرن) بفتح القاف، وسكون الراء قرن المنازل وهو موضع معروف ووهم الجوهري في ضبطه بفتحتين فإنه قبيلة ينسب إليه أويس (ولأهل اليمن ومن مر بها غير أهلها) كأهل الهند (يلملم) ويقال المسلم، (ولأهل العراق) من الكوفيين والبصريين (ولسائر الناس) أي لمن مر على طريقهم (ذات عرق) بكسر فسكون، والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقَّتَ لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم ممن هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل من مكة. وأما توقيت ذات عرق ففي مسلم عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال مَهَلَّ أهل المدينة إلى أن قال ومهل أهل العراق من ذات عرق، وفيه شك من الراوي في رفعه هذه المرة، ورواه مرة أخرى على ما أخرجه ابن ماجه عنه ولم يشك، ولفظه ومهل أهل الشرق ذات عرق، وكذا أخرجه البزار في مسنده عن ابن عباس، وأخرج أبو داود عن عائشة أنه ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق وكذا أخرجه عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر. وبه (عن حمَّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم) عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول

стр. 59

الله ﷺ أي أحياناً (يخرج إلى صلاة الفجر) أي فرض الصبح لأهل الجماعة، (ورأسه) أي وشعره (يقظ) بضم القاف، أي يقطر (من غسل الجنابة) أي من أثر غسلها (باحتلام وجماع) الواو بمعنى التنويعية ويحتمل الترديدية، فإنه قد ورد أن النبي ﷺ محفوظ الاحتلام والأظهر أن يكون جماع عطف تفسيره بجنابة، ويؤيده ما سيأتي من رواية فيها بلفظ من جنابة من جماع، (ثم يظل) بفتح الظاء المعجمة أي يصير في نهاره (صائماً) للفرض أو النفل. والحديث رواه مالك وأصحاب الكتب الستة عن عائشة وأم سلمة بلفظ: كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم، وقد أجمعوا على أن من أصبح صائماً وهو جنب أن صومه صحيح، وأن المستحب أن يغتسل قبل طلوع الفجر، وعن بعض السلف أنه يبطل صومه ويمسك ويقضي، وعن الحسن إن أخره بغير عذر بطل، وعن النخعي إن كان نوى الفرض يقضي. وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن علقمة، عن عائشة) أي بنت الصديق (أم المؤمنين) أي أحد الزوجات الطاهرات (قالت: لما أغمي) بصيغة المجهول ونائب الفاعل (على رسول الله ﷺ قال: مروا أبا بكر) الخِطَابُ لأهل بيت النبوة أو لعائشة ولمن حولها أو بها وحدها والجمع لتعظيمها (فليصلِّ بالناس) أي إماماً لهم

стр. 60

في مقام الإيناس، وفيه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة وكذا قال بعض (١) الصحابة: قد رضيه النبي ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا (فقيل) أي فقالت عائشة أو حفصة يا رسول الله ﷺ (إن أبا بكر رجل حصر) بفتح الحاء والصاد أي بخيل كما في النهاية، أو ضيق الصدر على ما في القاموس، (وهو) أي والحال أن أبا بكر (يكره أن يقوم مقامك)، أي لا يهون عليه أن يقف في مكانك، ويرى نفسه أن تخلفه في مقام شأنك، أو يغلب عليه البكاء. حين يتذكر الغيبة، عن الحضرة ويتصور انتقالك من دار الفناء إلى دار البقاء قال: (إفعَلوا مَا آمركُمْ به) ولا تعتذروا بمثل هذا المقالات في حقه، وفي بعض الروايات إنكن صواحبات يوسف يعني أن كيدكن عظيم، إذ قصدت عائشة بهذا لاسشآم الناس به بقيام مقامه في المحراب والله أعلم بالصواب، وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في كتابنا المرقاة شرح المشكاة. وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد أنه سأل عائشة عما يقطع الصلاة) أي من المارين فقالت (يا أهل العراق) أرادت به بعض الكوفيين (تزعمون الحمار والكلب والسنور) بكسر السين المهملة وتشديد النون المفتوحة، أي الهرة (يقطعون الصلاة إذا مر بين يدي المصلي، ولم يكن له سترة)، وفيه تغليب ذوي الغفول على غيرهم قرنتمونا معشر النساء

стр. 61

بهم) أي بالحمار والكلب والهرة ومثالهم. ولعل وجه صيغة جمع المذكر الموضوع لذوي العقول على طريق المشاكلة والمقابلة (أدرأ) بفتح أمر الخطاب العام لسائل وغيره من الأنام أي ادفع (المار) مطلقاً (ما استطعت)، بالإشارة أو اليد على وجه اللطافة؛ (فإن اندفع) فبها (وإلا فلا يضرك) من يمر إلا نفسه فإنه لا يقطع صلاتك شيء. والأحاديث الواردة في قطعها محمول على قطع كمال الحضور فيها فإن القلب يتشوش بمشاهدة شيء يمر بين يديه، وفي كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة لو مر بين يدي المصلي مارٌّ لم تبطل صلاته، عند الثلاثة، وإن كان المار حائضاً أو حماراً أو كلباً أسود. وقال أحمد يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. وممن قال بالبطلان عند مرور ما ذكر ابن عباس وأنس والحسن البصري (كان النبي ﷺ يصلي، وأنا نائمة إلى جنبه) أي في غاية من قربه، كما يشير إليه (عليه ثوب جانبه عَلَي)، وفيه دليل على أنه يجوز صلاة الرجل إلى جنب امرأة مطلقاً، كما قاله مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة يبطل صلاة الرجل إلى جنبه إذا حاذته امرأة في صلاة مشتركة أداء وتحريمه بشروط آخر محل بسطها كتب الفقه وكأنها ﵂ استدلت بهذا الحديث أنه لا فرق في مقام قرب المرأة بين أن يكون في جنب المصلي، أو بين يديه، (وفي رواية قالت، كان رسول الله ﷺ وأنا معترضة) أي نائمة أو مضطجعة بالعرض بينه وبين القبلة هذا أقوى في مقام القبلة لما سبق من المقالة، فإن بقائها معترضة أقوى من مرورها.

стр. 62

(وبه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ سلم قال الولد) ذكراً كان أو أَنْثى إذا حصل بِطَريق السفاح لاَ عَلى وَجهِ النِكَاحْ (لِلِفِرَاش) بكسر الفاء وهو ما يسترك كناية عن المرأة تكون محصنة (١) أو غيرها حُرَّة كانت أو أمة (وللعاهر) بكسر الهاء أي الرجل الزاني، إذا كان محصناً (الحجر) أي الرجم أو التراب كناية عن قتله، والحديث صحيح مشهور كاد أن يكون متواتراً، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، عن عائشة، والثلاثة عن أبي هريرة. وأبو داود، عن عثمان. والنسائي، عن ابن مسعود، وعن ابن الزبير. وابن ماجه، عن عمر وأبي أمامة. وبه (عن حماد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله) أي ابن مسعود قال: (قال رسول الله ﷺ مَا بَيْنَ السُّرةِ إلى الرُّكْبَةِ عَوْرَةً) الحديث رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن جعفر، وروى الدارقطني، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما فوق الركبة من العورة، وما أسفل من السرة من العورة، ورواه أيضاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: فإِن ما تحت سُرُّته إلى ركبته عورة، وعن علقمة، عن علي كرّم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : "الركبةُ مِنَ العَورَة" واعلم أن ستر العورة عن الأجنبي واجب الإجماع، وهو مشروع في الصلاة حتى عن نفسه إلا عند مالك، فإنه قال بوجوبه، كما قال به أئمتنا في حال طوافه، واتفقوا على أن السرة من الرجل ليست

стр. 63

بعورة، وأما الركبة فقال مالك والشافعي وأحمد ليست من العورة، وقال أبو حنيفة إنها منها. وبه عن بعض الشافعية، وقيل العورة هي السوءتان وبه قال بعض أصحاب الظاهر وأصل ذلك كله قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) أي قبل ودبر. - الولاء لمن أعتق وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأول وهي اسم جارية (لتعتقها فقالت مواليها) بفتح الميم أي أهلها: (لا نبيعها إلا أن تشترط) بصيغة المتكلم أو الغائبة، أو المجهول الغائب؛ أي تشترط (الولاء) بفتح الواو، وهي عبارة عن عصوبة مواخية، وعصوبة النسب يرث منها المعتق والمعنى: أن يكون الولاء لنا قالت عائشة: (فذكرت ذلك) بصيغة المتكلم والمعنى: سألت عن صحة ما صدر عنهم هنالك (النبي ﷺ فقال: الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) سواء شرط، أو لم يشترط، فإن الشرط الذي يخالف الشرع باطل، والحديث المرفوع رواه أحمد والطبراني، عن ابن عباس، وقد جاء من عائشة ألفاظ مختلفة بطريق متعدد في بعضها أمور مشكلة تولينا بحلها في فتح الوفاء لشرح الشفاء. وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ لما مرض المرض الذي فيه قبض) أي وجه الشريف (استحل) أي التمس من سائر نسائه (أن يكون في بيتي أيام مرضه) لعدم قدرته على القسم بينهن، ولوجود المشقة عليه

стр. 64

في تردده إليهن (فأحللن له) أي أجزن له، (وجعلنه في حل) من جهة رضائه (قالت): أي عائشة (فلما سمعت ذلك)، أي إحلالهن في قيامه عندي (فقمت مسرعة فَكَنَستُ) أي أنظفت (بيتي) أي حجرتي (وليس لي خادم) أي من يخدمني، ويعينني (وفرشته فراشاً) بكسر الفاء أي ما يفرش للاضطجاع (حشو مرفقه) بكسر الميم وفتح الفاء أي مُخَدَّتُه (الإذْخِر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمة نبت معروف بمكة المكرمة، (فأتى رسول الله ﷺ يهادي) بضم الياء وكسر الدال أي يمشي بين رجلين معتمداً عليهما من قوة ضعفه، وكثرة تمايله (حتى وضع على فراش). وفي البخاري قالت عائشة لما ثقل مرض رسول الله ﷺ استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ابن عبد المطلب، وبين رجل آخر، قال عبد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة، قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب الحديث. وفي رواية مسلم عن عائشة فخرج بين الفضل بن عباس ورجل آخر، وفي أخرى رجلين أحدهما أسامة. وعند الدارقطني أسامة والفضل، وعند ابن سعد الفضل وثوبان، وعند ابن حبان في أخرى بريرة ونوبة بضم النون وسكون الواو وموحدة اسم أمة، والجمع بين الروايات على تقدير ثبوتها عن الثقاة بأن يقال تعدد خروجه متعددة من اتكأ عليه. ولكن خروجه الأخير إلى بيت عائشة ما يتصور فيه التعدد إلا باعتبار أول

стр. 65

خروجه بين رجلين، وأول دخوله عند هاتين جاريتين ولا يبعد أن هذه الجماعة كلهم كانوا معه ومتقاربين حوله بحيث أشبه حالهم كما يشير إليه إبهام الرجل الآخر في قول عائشة، وإلا فحاشا أنها كانت نكرت علياً حتى ما أحبت أن تذكره بلسانها هذا. وكان ابتداءُ مرضه ﵊ في بيت ميمونة أو زينب بنت جحش، أو ريحانة، والمعتمد هو الأول على أنه يحمع بالابتداء الحقيقي والإضافي نظراً إلى حال مرضه من شدته وضعفه، ويؤيده ما رواه أحمد والنسائي، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أتى ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول وارأساه قال: بل أنا وارأساه ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك، ودفنتك فقالت لكأني به والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. وروى أحمد عن عائشة أنه ﷺ قال لنسائه أني لا أستطيع أن أدور في بيوتكن فإن شئتن أذنتن لي، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه عند الاسمعيل كان يقول: أين أنا حرصاً على بيت عائشة، فلما كان يومي أذن له نساؤه. وذكر ابن سعد بإسناد صحيح، عن الزهري أن فاطمة هي التي خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف ولامتنع من الجمعة، والله أعلم. وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى بياض قدمي رسول الله ﷺ وحيث أتى الصلاة في مرضه)، وفي البخاري من حديث أنس أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الإثنين، وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ وقد كشف سترة حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم

стр. 66

فرحاً برسول الله ﷺ فأشار إليهم ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. - تأكيد أمر الإمامة وفي رواية فتوفي من يومه وفيه إشارة إلى تأكيد أمر الإمامة المشير إلى حجة الخلافة للصديق وتقرير بمنصبه في مقام التحقيق والله ولي التوفيق. - خيار العتق وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن عائشة أنها أعتقت بَرِيرة ولها زوج مولى) أي معتق لأبي أحمد (فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها ففرق بينهما) بمجرد فسخها فإن خيار العتق لا يحتاج إلى القضاء بخلاف خيار البلوغ كما صرح به ابن الهمام، (وكان زوجها حراً) اعلم أن الأمة إذا أعتقت خيرت سواء كانت تحت حر أو عبد، وقال الشافعي لا خيار لها وزوجها حر، وبه قال مالك وأحمد ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بريرة وعدمها فمما يدل على أنه حر ما رواه الجماعة إلا مسلماً من حديث إبراهيم،، عن الأسود، عن عائشة واللفظ للبخاري أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها، وإن أهلها يشترطون ولاءها فقال: أعتقيها فإنما الولاء لمن أعتقها قالت: فاشتريتها فأعتقتها، قال: وخيرت نفسها وقالت: لو أعطيت كذا، وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حراً. ورواه البخاري أيضاً من حديث الحكم، عن إبراهيم، وفي آخره قال الحكم: وكان زوجها حراً، ومما يدل على أنه عبداً ما روى الجماعة إلا مسلماً، عن عكرمة، عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبداً أسوداً يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي دموعه تسيل على لحيته.

стр. 67

فقال النبي ﷺ للعباس: "يَا عَبَّاسُ ألاَ تَعْجَبُ مِنْ شِدَّةِ حُبّ مُغِيث بَريرَة ومِنْ شِدَّة بُغْضها مُغيثاً" فقال لها ﵇ لو راجعتيه فقالت يا رسول الله أتأمرني به فقال ﵊: إنّمَا أنَا شَافع، قالت: لا حاجة لي فيه. قال الطحاوي وإذا اختلفت الآثار وصحت الأخبار وجب التوفيق كما هو شأن أهل التحقيق فتقول: أنا وجدنا الحرية تعقب الرقبة، ولا تنعكس القضية، فيحمل على أنه كان حراً عندما خيرت عبداً قبله، ثم أسند عن طاوس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت ولو كانت تحت قرشي. وعن ابن سيرين والشعبي: تخير حراً كان زوجها أو عبداً، وعن مجاهد: تخير، وإن كانت تحت أمير المؤمنين. - حديث أهل النار وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن ربعي) بكسر راء وسكون موحدة وعين مهملة بعدها ياء النسبة من أجلاء التابعين (بن حراش) بكسر الحاء المهملة وفتح راء فألف معجمة، (عن حذيفة) أي ابن اليمان (أن رسول الله ﷺ قال: يخرج الله قوماً من الموحدين) أي من المؤمنين (من النار بعد ما امتحشوا) بصيغة الفاعل افتعال من المحش، بمهملة فمعجمة احتراق الجلد واللحم وظهور العظم أي احترق لحماً فصاروا فحماً أي كالفحم في سواده، (فيدخلهم الجنة) وفق مراده (فيستغيثون بالله) في إذهاب علامة كونهن في النار سابقاً (بما يسميهم) أي بسبب تسميتهم (أهل الجنة) إياهم الجهنميين، (فيذهب الله عنهم) تلك العلامة ويطيب عيشهم في دار السلامة من غير الملامة، والحديث رواه الحافظ أبو

стр. 68

نعيم كما ذكره القرطبي في حديث طويل يقول الله: يا جبرائيل انطلق فأخرج من النار من أمة محمد فيخرجهم وقد امتحشوا فيلقيهم في نهر على باب الجنة يقال له نهر الحيوان، فيمكثون فيه حتى يعودوا أنضر ما كانوا ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوب على جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد ﵊ فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك فيتضرعون إلى الله تعالى أن يمحو عنهم تلك التسمية فيمحوها عنهم. وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ ضعفة أهله) بفتحتين جمع ضعيف، وأراد النساء والصغار (منهم من جمع) وهو من أسماء مزدلفة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ (١) (بليل) أي في ليلة بعد مضي أكثره، وهذا دليل على جواز ترك وقوف الصبح به، عن عذر، (وقال لهم: لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) عملاً بالسنة، وإلا فيجوز بعد فجر النحر عند الأئمة الأربعة، وفيه دليل لنا على أنه لا يجوز رميه في الليل، كما لا يجوز طواف الإفاضة قبل الصبح، وبه قال مالك، وجاز عند الشافعي وأحمد بعد نصف الليل، وقال مجاهد والنخعي والثوري: ولا يجوز إلا بعد طلوع الشمس عملاً بظاهر الحديث، وقد روى أصحاب (٢) السنن الأربعة، عن عطاء، عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس وأمرهم أن لا ترموا الجمرة إلا مصبحين ورواه الطحاوي، ولفظه لا ترموا الجمرة إلا مصبحين، ودليل الشافعي وأحمد ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي ﷺ

стр. 69

رخص الدعاء أن يرموا ليلاً، وذكره أيضاً في مصنفه عن عطاء مرسلاً. - والليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة دون اللاحقة ورواه الدارقطني بسند ضعيف وزاد فيه وأية ساعة شاؤوا من النهار وحمله صاحب الهداية من أصحابنا على الليلة الثانية والثالثة لما عرف أن وقت رمي كل يوم إذا دخل من النهار وامتد إلى آخر الليلة التي يتلو ذلك النهار فيحمل على ذلك جمعاً بين الأخبار والليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة، دون اللاحقة. - كسب الحلال فرض عين وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : إذا ماتَ أحدكم مغموماً) أي حزيناً بحيث يغمّ فؤاده (مهموماً) تأكيد لما قبله من سبب العيال وكسب الحلال الذي هو فرض عين عند أهل الكمال (كان) في تلك الحال (أفضل عند الله من ألف ضربة بالسيف في سبيل الله) فإنه فرض كفاية في غالب الأحوال. - طلب الحلال جهاد وقد روى القضاعي عن ابن عباس؛ وأبو نعيم في الحلية: طلب الحلال جهاد، وروى الطبراني عن ابن مسعود طلب الحلال فريضة. وروى الديلمي عن أنس طلب الحلال واجب على كل مسلم، وروى ابن عساكر، عن أنس من مات كالاً في طلب الحلال مات مغفوراً له. - أجمع العلماء على نجاسة الخمر إلا ما حكي عن داود فإنه قال بطهارتها وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال، لعنت الخمر) يحتمل

стр. 70

أن يكون بصيغة المتكلم المعلوم وأن يكون على بناء المجهول للمؤنث، وهو الأظهر الموافق لرواية الأكثر (وعاصرها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها) ظاهره أنه موقوف، ولكنه في الحكم مرفوع، وقد رواه أبو داود والحكم، عن ابن عمر مرفوعاً: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحصلة والمحمولة إليه وآكل ثمنها أو أجمع الأئمة على نجاسة الخمر إلا ما حكي عن داود أنه قال بطهارتها مع تحريمها. - المؤمن ليس يتنجس وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن رجل) في جهالة الراوي أبحاث محله أصول الحديث، وقد شرحت شرح النخبة الذي هو عمدة أهل التحديث. (عن حذيفة أن رسول الله ﷺ مد يده إليه) أي إلى حذيفة، ولعله أراد المصافحة به (فدفعها عنه) بأن جذب يد نفسه عن يد النبي ﷺ كما يحس في رواية (فأمسكها عنه) رعاية للأدب حيث زعم أنه يتنجس بالجنابة ظاهراً فلا يكون طاهراً (فقال رسول الله ﷺ : "مَا لَك) أي شَيْءٍ باعِث لَكَ على فِعلَكَ أو مانع لك عن أخذك (قال: إني جنب فقال رسول الله ﷺ : أرنا يدك) أي أعطنا إياها (فإن المؤمن ليس يتنجس") أي حقيقة لا ظاهراً ولا باطناً وإنما يتنجس حكماً في أحكام مخصوصة بخلاف الكافر فإنه نجس باطناً وقد يتنجس أيضاً ظاهراً كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وهذا قول الجمهور وقال ابن عباس أعيانهم

стр. 71

نجاسة كالكلب والخنزير، وقال الحسن: هم نجس العين، فمن صافحهم وجبت عليه غسل يده، هذا وقوله يتنجس: يحتمل أن يكون بضم الجيم مضارعاً وأن يكون بفتحتين مصدراً بمعنى النجاسة أو بفتح وكسر متنجس ويؤيد الأول قوله، وفي رواية المؤمن لايتنجس. وبه (عن حماد عن حذيفة) وفي هذا الإسناد اللاحق أن جهالة الراوي في الإسناد السابق لا يضر مع احتمال انقطاع والله أعلم بالحقائق (أن رسول الله ﷺ مد يده إليه فأمسكها عنه فقال رسول الله ﷺ : إن المسلم لا ينجس، وهذا الحديث مجمل ما تقدم، وفيه زيادة إفادة أن المؤمن والمسلم واحد شرعاً، وإن فرق بينهما لغة كما حقق في محله هذا، أو في الحديث الأول جمع بين الفعل والقول ليكون أدل على المقصود. - صيد الكلب وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي، (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى (بن الحارث) نخعي تابعي جليل سمع ابن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة، (عن عدي بن حاتم) الطائي قدم علي بن أبي طالب وشهد صفين والنهروان، ومات بالكوفة سنة سبع وستين وهو ابن مائة وعشرين روى عنه جماعة قال: سألت رسول الله ﷺ هذا إجمال وبيانه (فقلت: يا رسول الله إنا نبعث) أي نرسل (الكلاب المعلمة) بفتح اللام المشددة وهي التي يوجد فيها ثلاثة أشياء إذا شليت أي أرسلت أشلشلت إذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل فإذا تعدد ذلك منها كانت معلمة وأقله مرتين عند أبي حنيفة وأحمد وثلاث مرات عند الشافعي ولا يشترط ذلك عند المالكية وقال الحسن يصير معلمة بالمرة الواحدة فيحل قتيلها إذا جرحت بإرسال صاحبها له (فنأكل مما أمسكت علينا فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 72

(إذا ذكرت اسم الله عليه) أي عند إرسالها، وهذا شرط عند أبي حنيفة في حال الذكر، فإن تركها ناسياً حل أو عامداً فلا وقال الشافعي منه وقال داود والشعبي والنخعي وأبو ثور شرطي في الإباحة ممن تركها عامداً او ناسياً لم تؤكل ذبيحنه (ما لم يشتركها كلب غيرها) بتسمية أو بدونها (فأنت) أي كل منها، (وإن قتل) بعد إمساكهما من غير مشاركة غيرها (فلا تأكل وإن قتله يا رسول الله أحدنا يرمي بالمعرض) بكسر الميم سهم بلا ريش، (قال: إذا رميت) أي أردت أن ترمي (فسميت الله فخرق) أي جرح، (فكل، فإن أصاب بعرضه) أي ولم يخرق (فلا تأكل). وصدر الحديث رواه البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل أخبرنا ثابت بن زيد عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ : قال: إذا أرسلت كلبك وسميت، فأَمسَك، وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالطَّهُ كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل وإذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الأثر، (إلا أثر سهمك) فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل (١) واعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه. وبه قال أبو حنيفة وعطاء وطاوس والثوري والشعبي وهو أصح قولي الشافعي لقوله ﵊: " وإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُل فَإنَّمَا أمْسَكَ علَى نَفْسِهِ" ورخص بعضهم في أكله.

стр. 73

وبه قال مالك لما روي عن أبي الثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه. وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي (عن همام بن الحارث عن عائشة قالت كنت أفرك) بفتح الراء وقد يضم أي أدلك (المني) أي اليابس (من ثوب رسول الله ﷺ وفي صحيح أبي عوانة عن عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ (إذا كان يابساً وأمسحه أو أغسله) شك الحُميدي (إذا كان رطباً) ورواه الدارقطني وأغسله من غير شك، وفي مسلم أنه ﵊ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه وروى الدارقطني عن عمار بن ياسر قال أتى علي رسول الله ﷺ وأنا على بئر أدلو في ماء ركوة قال يا عمار ما تصنع قلت يا رسول الله بأبي وأمي أغسل ثوبي من نجاسة أصابته فقال يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط والبول والقيء والدم والمني يا عمار ما نخامتك ودموع عينك والماء الذي في ركوتك إلا سواء. فهذا كله يدل على كون المني نجساً وإن يابسه يطهر بالفرك، ورطبه بالغسل وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك يغسل بالماء رطباً كان أو يابساً، والأصح من مذهب الشافعي وأحمد طهارة المني واستدلا بما روى الدارقطني موقوفاً على ابن عباس، روي مرفوعاً ولا ثبت أخرجه البيهقي من طريق الشافعي موقوفاً، وقال هو الصحيح. وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث أنه رأى جرير بن عبد

стр. 74

الله) أي البجلي قال: أسلمت قبل موت النبي ﷺ بأربعين يوماً نزل الكوفة وسكنها زماناً ثم انتقل إلى فرضياء مات بها سنة إحدى وخمسين، روى عنه خلق كثير (توضأ ومسح على خفيه فسأله) أي همام (عن ذلك) أي جوازه حضراً أو سفراً (فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ وإنما صحبته بعد ما نزلت المائدة) فآية الوضوء فيها لم تكن ناسخة، بل المسح محمول على حال لبس الخف، كما أن الغسل محمول على حال كشف الرجل، وبه يجمع بين القراءتين فإن الآية في الجملة مجملة، وفعله ﵊، كأقواله لأحكام القرآن مبينة قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾ (١) وأحاديث المسح على الخفين كاد أن يكون متواتراً، بل هو متواتراً في المعنى وقد أجمعوا على جواز المسح عليهما في السفر والحضر إلا مالك في رواية عنه أنه لا يجوز في الحضر وخالفهم الخوارج والروافض. - حديث خزيمة وبه (عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي مصغراً ابن ثابت، ويكنى أبا عمارة بضم العين الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين شهد بدراً، وما بعدها كان مع علي يوم الصفين فلما قتل عمار بن ياسر جرَّد سيفه فقاتل حتى قتل روى عنه ابناه عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله (أنه مرَّ على رسول الله ﷺ أعرابي) أي بدوي، والجملة حالية (يجحد بيعه) حال أخرى أو استئناف بيان أي ينكر أنه باع فرساً لرسول الله ﷺ (فقال خزيمة: أشهد لقد

стр. 75

بعته) والحال أنه لم يشهده (فقال رسول الله ﷺ من أين علمته) أي كيف يظهر بيعه عندك حتى شهدت به عدم حضورك؟ (قال: تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك) والمعنى أنك صادق مصدوق ونصدقك في المغيبات وهذا من جملة تلك الحالات وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى﴾ (١) فالوحي إما جلي، وإما خفي (قال) أي الراوي أو جرير (فقوله فجعل رسول الله ﷺ شهادته) بدل شهادتي نقلاً بالمعنى والتفاتاً في المبنى (شهادة رجلين) أي بدلها، وفي حكمها. (وفي رواية أنه مر بأعرابي) أي وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿الأعراب أشَدُ كفراً ونفاقاً وأَجْدرُ أَلاَّ يَعْلمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ (٢) (وهو مع رسول الله ﷺ أي مقارناً له (وهو) أي الأعرابي (يجحد متعاقد عقده) أي ذلك البيع (مع رسول الله ﷺ . فقال خزيمة أشهد أنك قد بعته (فقال رسول الله ﷺ : من أين علمت ذلك) أي مع أنك ما حضرت هنالك (فقال تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك فإذا
следующие страницы →