← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9060

شرح مسند أبي حنيفة

الملا على القاري

Полный текст (602 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الله ﷺ في الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت علي القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. (وفي رواية أن رجلاً قرأ خلف النبي ﷺ في الظهر والعصر) ولعله قرأ جهراً، (وأومأ إليه رجل) أي أشار (فنهاه)، أي فانتهى، (فلما انصرف) أي فرغ من الصلاة (قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي ﷺ فتذكرا ذلك) أي فتباحثا (هنالك حتى سمع النبي ﷺ فقال: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام فإِنَّ قراءة الإِمام له قراءة). ورواه الحاكم بسنده، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى ورجل خلفه يقرأ فجعل رجل من أصحاب النبي ﷺ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل فقال: أتنهاني عن القراءة خلف النبي ﷺ ، فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﵊: "من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة". (وفي رواية قال: قرأ رجل خلف رسول الله ﷺ وزجل) أي جهراً (فنهاه رسول الله ﷺ ، لأن جهر القراءة يشوش على ما هنالك.

стр. 317

وفي رواية: قام رسول الله ﷺ بالناس فقرأ رجل خلفه، فلما قضى الصلاة) أي أداها (قال: أيكم قرأ خلفي ثلاث مرات) ظرف (قال: فقال رجل أنا يا رسول الله، فقال: من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة وفي رواية قال: انصرف النبي ﷺ في صلاة الظهر أو العصر فقال: من قرأ منكم سبح اسم ربك الأعلى فسكت القوم) أي عن الجواب حتى سأل عن ذلك مراراً (فقال رجل من القوم أنا يا رسول الله فقال: لقد رأيتك تنازعني، أو تخالجني القرآن) أي تخالِطُني فيه. وفيه إيماء إلى أن قراءته كانت جهرية والله أعلم. والحديث رواه عبد الرزاق بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الحصين ولفظه: أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى؟ لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها. ورواه الحاكم عن عبادة بن الصامت، ولفظه: هل قرأ معي أحد منكم سبح اسم ربك الأعلى؟ قلت: من هذا الذي ينازعني عن القرآن؟ إذا قرأ الإمام فلا تقرأوا إلا بأم القرآن فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأها. ورواه الدارقطني وحسنه وابن ماجه، عن عبادة بن الصامت مرفوعاً، مالي أنازع القرآن؟ لا يقرأ أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن.

стр. 318

- ذكر إسناده عن عبد الله بن حبيب - من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة -ذكر إسناده عن عبد الله بن حبيب وهو من التابعين الأجلاء. أبو حنيفة (عن عبد الله قال: سمعت أبا الدرداء صاحب رسول الله ﷺ صفة كاشفة (قال: بينا) أي بين أوقات (أنا رديف رسول الله ﷺ أي راكب خلفه على دابة (فقال: يا أبا الدرداء) يكعب بلا ألف وقرأ بها، وقد يحذف (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله) أي أقر بوحدانيته (وأني رسول الله ﷺ أي اعترف بنبوتي وانقاد لشريعتي ... (وجبت له الجنة) أي ثبت له، واستحق دخولها أولاً وآخراً ولابد له من حصولها قلت: (وإن زنى، وإن سرق)، وإن عمل الكبائر من حقوق الله، وحقوق عباده (قال): أي أبو الدرداء، (فسكت عني ساعة) لعلي أفهم إطلاق المرام من سياق الكلام (ثم سار ساعة) أي بسير دابته، (فقال: من شهد أن لا إله إلا الله) أي المنعوت بصفات الكمال من الجلال والجمال، (وأني رسول الله) الموصوف بحسن الشمائل، ومكارم الفضائل (وجبت له الجنة) سواء دخل النار لتعذيبه، أودخل الجنة ابتداء لتهذيبه (قلت وإن زنى، وإن سرق) أي وجبت له الجنة بمجرد هذه الشهادة، (قال: فسكت عني ساعة، ثم سار ساعة ثم قال:

стр. 319

"من شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وجبت له الجنة". قال: قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى، وإن سرق)، فلما لم يتبين له فهم المرام مع تدريج الكلام زجره بقوله: (وإن رغم أنف أبي الدرداء) أي التصق أنفه بالتراب حيث بالغ في طلب الجواب (قال): أي عبد الله الراوي (فكأني أنظر إلى إصبع أبي الدرداء) بتثلث الهمزة والباء (السبابة)، أي المسجة (يومىء) بهمز في آخره، ويبدل أي يشير (إلى أرنبة)، أي طرف أرنبته. وفي الحديث، رد على المعتزلة، والخوارج حيث يقولون: صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة. والحديث بعينه رواه الطبراني عن أبي الدرداء مختصراً بلفظ: اخرج فنادي في الناس من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء. ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبان عن أبي الدرداء بلفظ: ما من رجل يشهد أن لا إله إلا الله إلاَّ دخل الجنة وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء. ورواه أحمد والشيخان عن أبي ذر: ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قال أبو ذر: قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق قال: في الرابعة وإن رغم أنف أبي ذر. ورواه الطبراني في الأوسط عن سلمة بن نعيم الأشجعي من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق. وفي رواية لأحمد عن أبي الدرداء: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة قال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً. قال في الثالثة: على رغم أنف أبي الدرداء. ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان، وابن ماجه عن أبي ذر مرفوعاً: أتاني جبريل ﵇ فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت

стр. 320

يا جبريل وإن زنى وإن سرق قال: نعم قلت: وإن زنى وإن سرق قال: نعم وإن شرب الخمر. وصدر الحديث رواه البزار عن عمر ولفظه: من شهد أن لا إله إلا الله يعني، وأن محمداً رسول الله دخل الجنة. ورواه أحمد ومسلم والترمذي، عن عبادة بن الصامت بلفظ: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار، فإنها بطريق التأبيد حرمت على أهل التوحيد. ورواه أحمد وابن ماجه، عن أنس: يا معاذ بن جبل ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقاً من قلبه، إلا حرم الله عليه النار قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيبشروا قال: إذاً يتكلوا. وفي رواية: وإنما أخبر به معاذ عند موته تأثماً أي خروجاً عن ارتكاب إثم كتم العلم. - ذكر إسناده عن ظريف بن شهاب السعدي -ذكر إسناده عن ظريف بفتح فكسر فتحتية ففاء ابن شهاب السعدي بفتح السين وضمها وسكون العين وفي آخره ياء النسبة أبو حنيفة عن (ظريف أبي سفيان) بدل مما قبله (عن أبي نضرة) وهو المنذر بن مالك العبدي سمع ابن عمر وأبا سعيد، وابن عباس وروى عن إبراهيم التيمي، وقتادة وسعيد بن يزيد، عداده في تابعي البصرة مات قبل الحسن بقليل. (عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "الوضوء مفتاح الصلاة") أي شرطها الذي لا يمكن أن يدخل فيها إلا به، أو بما يقوم مقامه من الغسل والتيمم، (والتكبير تحريمها) وهو شرط ملاصق بأركانها، وقد عده بعض من

стр. 321

أركانها ويسمى تحريماً لأنه يحرم على المصلي حينئذٍ أفعال كانت حلالاً له قبل دخوله في الصلاة، (فالتسليم تحليلها) أي الخروج منها به، أو بما يقوم مقامه مما ينافي الصلاة، ولكن الواجب أن يكون بلفظ التسليم، كما أن الواجب أن يكون التحريم بلفظ: التكبير، وإن كان يقوم مقامه غيره من الحمد والتسبيح وكل ما يشعر به التعظيم (وفي كل ركعتين تسليم) أي على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، فالمراد به التشهد الواجب المشتمل على التسليم المذكور، فهو في باب إطلاق الجزء وإرادة الكل (ولا يجزىء صلاة) أي كاملة (إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها) من ضم سورة أو ثلاث آيات وكلاهما عد من الواجبات وأما الفرض فإنه طويلة أو ثلاث آيات قصار خلافاً للشافعي حيث قال بركنية الفاتحة وسنية ما يضم معها. (وفي رواية عن المقري عن أبي حنيفة مثله) أي مثل ما تقدم من الرواية وزاد أي المقري (في آخره، قلت لأبي حنيفة: ما يعني) أي شيء يريد الراوي (بقوله في كل ركعتين تسليم. قال:) يعني (التشهد) (وقال المقري: صدق) أي الراوي، أو أبو حنيفة. (وفي رواية نحوه، وزاد في آخره، ولا يجزي صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ومعها شيء) أي من القرآن، ولو كانت آية، والحديث رواه ابن ماجه في القراءة، عن أبي سعيد بلفظ: الوضوء مفتاح الصلاة والتكبير تحريمها والتحليل تسليمها، ولا تجزىء صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها، وفي ركعتين تسليم: ورواه ابن أبي شيبة وتقي بن مخلد، وابن جرير ورواه أبو يعلى وابن ماجه عن أبي سعيد زاد: وإذا ركع أحدكم فلا يدبح تدبيح الحمار ويقم صلبه، فإن الإنسان يسجد على سبعة أعظم جبهته وكفيه وركبتيه وصدور قدميه، وإذا جلس

стр. 322

فلينصب رجله اليمنى، وليخفض رجله اليسرى وفي رواية الطبراني عن أبي رفاعة بن رفاعة: مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وفي كل ركعتين تسليم ولا صلاة لمن لا يقرأ في كل ركعة بالحمد، وسورة في فريضة وغيرهما. - السجدة على سبعة أعظم وبه (عن أبي سفيان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : الإنسان) أي المصلي في مقام الآيتان (يسجد على سبعة أعظم جبهته) بالجر على البدل (ويديه وركبتيه ومقدم قدميه) أي صدورهما (وإذا سجد أحدكم فليضع كل عضو موضعه)، أي ليعطي كل ذي حق حقه (وإذا ركع فلا يدبح) بتشديد الموحدة المكسورة بعد الدال المهملة (تدبيح الحمار)، وفي النهاية نهى أن يدبح في الصلاة وهو أن يطأطىء رأسه حتى يكون أخفض من ظهره، قال الأزهري: رواه الليث بالذال المعجمة وهو تصحيف. وبه (عن أبي سفيان عن أبي نضرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يمد رجليه فإن الإنسان يسجد على سبعة أعظم جبهته ويديه، وركبتيه ورجليه"). ورواه أحمد ومسلم والأربعة عن العباس مرفوعاً: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه.

стр. 323

(وفي رواية إذا سجد أحدكم فلا يمد رجليه) وفي رواية قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمد رجليه في سجوده. - لا فصْل في الوتر وبه (عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا فصل في الوتر"). فيه دليل على أن الأفضل في الوتر عدم الفصل بتسليم بينهما وفي جوازه خلاف بين الفقهاء وبه. - عدم الجهر بالبسملة (عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل عن أبيه أنه صلى خلف إمام فجهر)، أي الإمام (ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما انصرف) أي كل واحد منهما (قال): أي يزيد مخاطباً الإمام (يا عبد الله) يحتمل أن يكون علماً له أو أراد وصفه به (احبس) بكسر الموحدة، أي امتنع عنا (نغمتك) بفتح النون وسكون الغين المعجمة (هذه) أي نغمتك بالبسملة جهراً (فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وخلف عمر وعثمان، فلم أسمعهم يجهرون بها أي بالبسملة) أصلاً، وهذا يشير إلى أن يزيد هذا صحابي، وأن الحديث متصل مرفوع. قال الجامع: (وروت جماعة هذا الحديث عن أبي حنيفة، عن أبي سفيان، عن يزيد، عن أبيه عن النبي ﷺ أي إخباراً عن فعله ﵊ (قيل): أي قال

стр. 324

بعض المحققين من المحدثين: (وهو) أي هذا السنة (هو الصواب، لأن هذا الخبر مشهور عن عبد الله بن مغفل) أي لا عن أبيه وفيه أنه يكون الحديث بالسند منقطعاً وهو حجة عندنا إذا كان رجاله ثقة، ثم هو معارض بما وقع صريحاً عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي رواية جهر قال: الحاكم: صحيح بلا علة، وصححه الدارقطني، وهذان الحديثان أمثل حديث في الجهر. قال بعض الحفاظ: ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي سنده مقال عند أهل الحديث ثم إن تم فهو محمول على وقوعه أحياناً في أول الأمر ليعلمهم أنها تقرأ فيها، ولهذا ما ورد الجهر بها عن الخلفاء، وإنما أوجب الحمل لصريح رواية مسلم عن أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لم يرد به نفي القراءة، كما تعلق مالك بهذه الرواية، بل المراد نفي السماع للإخفاء بدليل ما صرح به عن أنس فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح. وعنه: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فكلهم يخفون بسم الله الرحمن الرحيم، رواه ابن ماجه وروى الطبراني عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ومن تقدم من التابعين. - ذكر إسناده عن سفيان بن طلحة بن زياد -ذكر إسناده عن سفيان بن طلحة بن زياد وهو من أكابر التابعين. أبو حنيفة (عن أبي سفيان عن أنس قال: احتجم النبي ﷺ بعد ما قال: "أفطر الحاجم

стр. 325

والمحجوم") فيكون الحديث الأول منسوخاً، أو الحكم الأول مخصوصاً لكن الأصل عدم اختصاصه إلا بدليل صريح به واعلم أن الجماعة في مذهب أحمد تفطر لقوله ﵊: "أفطر الحاجم والمحجوم". رواه الترمذي وهو معارض بما سبق، وبما روي أنه ﵊ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، رواه البخاري وغيره. وقيل لأنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ فقال: لا إلا من أجل الضعف رواه البخاري وقال أنس: أول ما كرهت الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذان، ثم رخص ﵊ في الحجامة بعد للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم رواه الدارقطني. وقال في رواية: كلهم ثقات ولا أعلم له علة. - صلاة على الحصير وبه (عن أبي سفيان، عن جابر عن أبي سعد أنه دخل على رسول الله ﷺ فوجده يصلي على حصير ويسجد عليه) وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن ميمون أنه ﵊ كان يصلي على الخُمرة وهي بضم الخاء المعجمة وسكون الميم والراء شيء ينسج من سعف النخل ويرمل بالخيوط وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي، كذا في النهاية. وروى أحمد وأبو داود والحاكم عن المغيرة أنه ﵊ كان يصلي على الحصير، والفروة المدبوغة.

стр. 326

وروى ابن ماجه عن ابن عباس أنه ﵊ كان يصلي على بساط، وفي هذه الأحاديث دلالة على جواز الصلاة على غير الأرض وإن كانت عليها أفضل خلافاً للمالكية والإمامية. (وبه عن أبي سفيان عن الحسن أن رسول الله ﷺ : كان محتبياً) أي جالساً بالاحتباء (من رمد) أي من أجل رمد كان بعينه. - حديث أفضل الأعمال (وبه عن طلحة بن نافع عن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ أي وجه العمل أفضل قال: "الصلاة في مواقيتها") أي مطلقاً أو مقيدة بأوقاتها المختارة، والمعنى الأول أتم وأعم. وقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود مرفوعاً: أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. - ذكر إسناده عن عطاء بن السائب بن الماية - علامة القبر -ذكر إسناده عن عطاء بن السائب بن الماية أي ابن يزيد الثقفي مات سنة ثلاثين ومائة. أبو حنيفة (عن عطاء عن أبيه) يكنى أبا يزيد ولد في السنة الثانية من الهجرة (١) حين حجة الوداع مع أبيه، وهو ابن سبع سنين، روى عنه الزهري وغيره، مات سنة ثمانين (عن ابن عمر قال: انكسفت الشمس) أي تغيرت أو

стр. 327

تسودت (يوم مات إبراهيم) وهو من جارية اسمها مارية أهداها له المقوقس صاحب مصر والاسكندرية (ابن رسول الله ﷺ وقد ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وكانت سلمى زوجة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قابلته، فبشر أبو رافع به النبي ﷺ ، فوهب له عبداً وعِقّ عنه يوم سابعه بكبشين وحلق رأسه يومئذ، وسماه النبي ﷺ يومئذ وتصدق بزنة شعره ورقاً على المساكين، ودفنوا شعره في الأرض وروى ابن أبي حاتم، عن أنس قال: ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مسترضعاً في عوالي المدينة. فكان ينطلق ويحسن معه وكان ظئره قيناً فيأخذه فيقبله، ثم يرجع. وفي حديث جابر أخذ ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى به النخل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فأخذه ﷺ فوضعه في حجره، ثم ذرفت عيناه، ثم قال: إنّا بك يا إبراهيم من المحزونين تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وتوفي وله سبعون يوماً، وقيل غير ذلك وصلى عليه النبي ﷺ بالبقيع وقال: مدفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون ورش قبره وعلَّم بعلامة، وقال ﵊: إن له مرضعاً في الجنة، رواه ابن ماجه (فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقام النبي ﷺ أي في الصلاة (قياماً طويلاً حتى ظنوا) أي الصحابة المقتدون به (أنه لا يركع) أي حتى ينجلي، (ثم ركع فكان ركوعه قدر قيامه) أي مقدار طوله، ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه أي قومته (قدر ركوعه، ثم سجد قدر قيامه)، أي مقدار قومته، (ثم جلس فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده) أي الأول، ثم سجد قدر جلوسه، ثم صلى الركعة الثانية ففعل مثل ذلك أي المذكور

стр. 328

من الإطالة (حتى إذا كانت السجدة) أي الأخيرة فيها بكى (فاشتد بكاؤه فسمعناه وهو يقول: ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (١) (ثم جلس فتشهد ثم انصرف وأقبل عليهم بوجهه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي علامتان من دلالات قدرته (يخوف الله بهما عباده) من إظهار هيبته (لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا كان كذلك) أي فإذا وقع شيء من ذلك بخسوف قمر أو كسوف شمس هنالك (فعليكم بالصلاة). - صلاة الكسوف وفي رواية للبخاري والنسائي عن أبي بكر وعن ابن مسعود وغيرهما بلفظ: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم. وفي رواية أبي داود والنسائي عن قبيصة بن مخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعاً يجر ثوبه، وأنا معه يومئذ بالمدينة فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: إنما هذه الآيات يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتموه فصلوا. وفي حديث البخاري عن أبي موسى: فقام فزعاً يخشى أن يكون الساعة وفي رواية عن عائشة مرفوعاً: فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره بلفظ: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله وإن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، أخرجه أحمد والنسائي، وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم (ولقد رأيتني) أي أبصرت نفسي، وحملت روحي (أدنيت) أي قربت (من الجنة حتى لو

стр. 329

شئت أن أتناول غصناً من أغصانها) أي أغصان أشجارها المشتملة على أثمارها (فقلت: ولو رأيتني أدنيت من النار حتى جعلت أتقي) أي شرعت أحذر وأجتنب لهبها، أو شعلة نارها وظلمة دخانها وغبارها (عليّ وعليكم). - رأى رسول الله ﷺ الجنة والنار في الصلاة وفي رواية للشيخين قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا ثم رأيناك تكفكفت قال: إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر منظراً كاليوم أفظع منها ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا: بِمَ يا رسول الله ﷺ ؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً (ولقد رأيت سارق رسول الله) أي سارق متاعه ﷺ (وفي رواية سارق بيت رسول الله ﷺ أي بعض ما في بيته ﷺ (يعذب بالنار ولقد رأيت فيها) أي في النار (عبد بن دعدع سارق الحاج) المراد به جنس الحجاج (بمحجنة) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم وهو عصا معوجة في رأسها حديدة تتعلق به الأمتعة. (ولقد رأيت فيها امرأة أدماء) أي سمراء في اللون (طويلة) في القامة (حمرية) بكسر أوله أي منسوب إلى قبيلة في اليمن (تعذب في

стр. 330

هرة لها ربطتها) إما عجبة منها، أو لتصييد الفأرة من بيتها (فلم تطعمها) أي من عندها، (ولم تدعها) أي لم تتركها تدور (وحينئذ تأكل من خشاش الأرض) بضم أولها هوامها وحشراتها روى بالمهملة وهو يابس النبات، فهو وهم كذا في النهاية. وفي رواية فرأيت امرأة توجد في بيتها هرة ربطتها حتى ماتت جوعاً أو عطشاً. وفي رواية نحوه أي بمعناه دون مبناه (وفيه) أي في هذا المروي: (ولقد رأيت عبد بن دعدع سارق الحاج بمحجنة مكسرة) في عمله كما بينه بقوله: (فكان إذا أخفى) أي المقر له (ذهب) أي بالمتاع (وإذا رآه أحد) أخذ تعللاً (تعلق بمحجني) من غير علمي وقصدي. وفي رواية كان إذا خفي له شيء ذهب به، وإذا ظهر عليه قال: إنما تعلق بمحجني. وفي رواية فرأى عمرو بن مالك يجد قصبه في النار وكان أول من غير دين إبراهيم ﵊ وعند الإمام أحمد أنه لما أسلم حمد الله وأثنى عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله ثم قال: أيها الناس أنشدكم بالله هل تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما خيرتموني في ذلك؟ فقام رجل، فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الدين عليك، ثم قال: وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الدجال من تبعه لم ينفعه صالح من عمله.

стр. 331

- حديث والدين وبه (عن عطاء عن أبيه عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ أي جاءه (رجل يريد الجهاد فقال: "أحي والداك") أي أبوك وأمك ففيه تغليب (قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد") أي ففي حقهما وخدمتهما فاجتهد فإنه أولى في حقك إذا كانا محتاجين إلى خدمتك ونفقتك والحديث رواه أحمد والشيخان والأربعة عن عمر. - حديث وصية وبه (عن عطاء عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص) وهو أحد العشرة المبشرة (قال: دخل علي) أي لديّ بتشديد الياء (النبي ﷺ والمعنى أنه جاءني حال كونه (يعودني) في مرض عرض بي (فقلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله)، أي أوصي بذلك؟ (قال: لا، قلت: فنصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: "والثلث كثير") - أي فينبغي أن يكون الإيصاء بأقل منه إذا كان أهله فقراء كما بينه ﵊ بقوله: (لا تدع أهلك) أي لا تترك ورثتك (يتكففون الناس) أي يطلبون منهم، ويمدون كفهم إليهم طمعاً في مالهم. (وفي رواية أن رسول الله ﷺ دخل على سعد يعوده قال:) أي النبي

стр. 332

صلى الله عليه وسلم أوصيت؟ ") بتقدير الاستفهام (قال: نعم أوصيت بمالي كله) أي للفقراء والمساكين، ولما لم تجز الوصية زيادة على قدر الثلث منعه عن إيصاء كله، (فلم يزل رسول الله ﷺ يناقصه)، أي يعالجه في النقصان ويبالغه في هذا الشأن (حتى قال:) أي النبي ﷺ عند قول سعد فبالثلث (الثلث)، أي جائز فقد ورد أن إعطاءكم لله ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم على ما رواه الطبراني عن خالد بن عبيد السلمي ("والثلث كثير")، أي بالنسبة إليك. (وفي رواية عن عطاء عن أبيه عن جده)، وقد تقدم ذكرهما (عن سعد قال: دخل رسول الله ﷺ علي أو في بيتي (يعودني) أي يتفقدني بالعيادة التي هي الزيادة عن العيادة (فقلت: يا رسول الله ﷺ أوصي بمالي كله؟ قال: لا قلت فبالنصف؟ قال: لا، قلت فبالثلث قال: فبالثلث). أي أوصي ("والثلث كثير")، أي والحال أنه كثير لأن أهلك فقراء (وإن تدع) أهلك أي تركك ورثتك (بخير) أي من بركتك (خير من أن تدعهم عالة) أي فقراء في مقام الإفلاس (يتكففون الناس). وفي رواية مسلم عن سعد بلفظ: الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك إن تدع أهلك بخير خير من أن تدعهم يتكففون الناس. وفي رواية لأحمد والشيخين والأربعة عن سعد: الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ حتى ما تجعل في فيّ امرأتك.

стр. 333

- حديث النفقة وبه (عن عطاء عن أبيه عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "إنك لن تنفق نفقة تريد بها وجهه") أي الله رضاه لا غرض سواه (إلا أجرت عليها) بصيغة المفعول، أي أثبت على تلك النفقة جزيلة، أو قليلة (حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك) أي فمها ملاطفة بها أو استعانة لها حال ضعفها وقد سبق ما في معناه. - إياكم والظلم وبه (عن عطاء، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظلم") أي اجتنبوا الظلم لا سيما بالتعدي على الغير ("فإن الظلم") أي حقيقته المشتمل على أنواعه ("ظلمات") أي موجب لكثرة الظلمات ("يوم القيامة"). وقد روى الشيخان عن ابن عمر: الظلم ظلمات يوم القيامة. - ذكر إسناده عن علقمة بن مرثد -ذكر إسناده عن علقمة بن مرثد بفتح ميم وسكون راء وفتح مثلثة فدال مهملة. أبو حنيفة (عن علقمة بن بريدة) بالتصغير (عن أبيه وهو بريدة) بن الحصيب

стр. 334

(الأسلمي)، وقد سبق ترجمتهما (قال: قال رسول الله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله") ورواه الطبراني والبزار عن ابن أبي مسعود، عن سهل بن سعد وزاد أحمد وأبو يعلى أيضاً عن بريدة والله يحب إعانة اللهفان، أي إعانة المكروب، وصحيح مسلم عن أبي مسعود رفعه: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. - حديث القدر وبه (عن علقمة عن يحيى عن يعمر) على وزن ينصر (قال: بينما أنا مع صاحب لي بمدينة رسول الله ﷺ إذ بصرنا) بضم الصاد والباء في (بعبد الله بن عمر) للتعدية كقوله: فبصرت به إذ أي رأيناه والمعنى فاجأنا روية (فقلت لصاحبي: هلاّ لك) أي رغبة (أن نأتيه فنسأله عن القدر) أي عن الإيمان من جهة إثباته ونفيه لاختلاف الناس في أمره؟ (قال: نعم فقلت دعني) أي اتركني (حتى أكون أنا الذي أسأله) بدلاً عنك (فإني أعرف به منك) أي أكثر معرفة وأزيد معاشرة (قال: فانتهينا إلى عبد الله فقلت يا أبا عبد الرحمن) وهو كنية (إنَّا) أي معشر التابعين (ننقلب في هذه الأرض) أي نسافر ونتردد في جنسها، أو بخصوص بعضها وهو الذي كثير لغات القدر فيها (فربما قدمنا البلدة) أي بلدة من بلادها (بها قوم يقولون: لا قدر) أي لا قضاء مقدراً وإنما يكون الأمر مستأنفاً ميسراً (فما نرد عليهم) أي فأي شيء نجيبهم ليكون القائل به مختبراً ومحترزاً، (قال: أبلغهم

стр. 335

مني) أي أوصلهم من جانبي وأخبرهم على لساني (إني بريء منهم) وفيه دليل على أن قول الصحابي حجة (١) كما أشار إليه قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (ولو أني وجدت أعواناً) أي مساعدين (لجاهدتم) لترويج أمر الدين إذا كانوا في بلدة مجتمعين (ثم أنشأ) أي شرع وابتدأ (يحدثنا) أي عن النبي ﷺ تقوية لما تقدم (قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ومعه رهط) أي جمع (من الصحابة) أي المخصوصين (إذ أقبل شاب) في السن والقوة (جميل) في الهيئة (أبيض) في الصورة (حسن اللمة) بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر الذي يلم بالمنكب (طيّب الريح، عليه ثياب بيض) بتنوينها وفي نسخة بإضافتها (فقال: السلام عليك يا رسول الله) أي خصوصاً (السلام عليكم) أي متلفتاً لأصحابه عموماً. (قال: فرد عليه رسول الله ﷺ أي سلامه بأحسن رد، (ورددنا معه) أي كذلك، (فقال: ادنو) أي أقرب إليك (يا رسول الله قال "أدن") أي أقرب (فدناه دنوة أو دنوتين) أي قرب خطوة أو خطوتين (ثم قال): أي الرجل (موقراً) أي معظماً لرسول الله ﷺ ثم قال: (ادنو) يا رسول الله (فقال: "ادنه") بهاء السكت، (فدنا حتى التَصَقَ ركبتيه بركبة رسول الله ﷺ ، في بعض الروايات

стр. 336

وضع يديه على فخذيه ﷺ إرادة لكمال التقرب إليه، مع غاية التأدب لديه، (فقال: أخبرني عن الإيمان) أي عن المؤمن به إجمالاً (قال: "أن تؤمن بالله") أي بذاته وصفاته (وملائكته وكتبه ورسله ولقائه") أي بالقبر أو البعث، أو برؤيته في الجنة (واليوم الآخر) من حشره ونشره (والقدر خيره وشره) أي حلوه ومره ونفعه، وضره (من الله) أي من قضائه وأمره بحيث لا يتصور تغيره بغيره، (فقال: صدقت، قال: فعجبنا من تصديقه لرسول الله ﷺ وقوله: صدقت) تفسير لما قبله، (كأنه يعلم) أي الحكم عياناً ويسأل عنه امتحاناً، وقال: (فأخبرني عن شرائع الإسلام) أي فرائضه وأركانه (ما هي؟) أي التي مدارها عليها وأساسها لديها ورجوع سائرها إليها (قال: "إقام الصلاة") أي إقامتها بشرائطها، وأركانها (وإيتاء الزكاة) أي إعطاء ما يجب من المال لمستحقها على وجه تمليكها، (وحج البيت) بفتح الحاء وكسرها أي قصد بيت الله الحرام وسائر المشاعر العظام (لمن استطاع إليه سبيلاً) بالزاد والراحلة ذهاباً وإياباً (وصوم رمضان) أي أيام شهره مع تعظيم أمره ورعاية قدره، (والاغتسال من الجنابة) أي لجميع أعضاء بدنه. وفي الروايات المشهورة بدل هذا الخامس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو كأنه أول أركانه، وهو الموافق لما ورد في الصحيح: "بني الإسلام على خمس" الحديث (قال: صدقت فعجبنا لقوله صدقت).

стр. 337

والحاصل أن السؤال الأول وجوابه تحقيق الإيمان، وتصديقه من جهة الباطني، والثاني انقياد الظاهر، وهذا فرق لغوي، وفي الاعتبار الشرعي مفهوم الإيمان والإسلام واحد، فكل مؤمن مسلم، كما أن كل مسلم مؤمن. نعم يدل الحديث على أن الإيمان في التحقيق مجرد التصديق، وأما الإقرار فشرط لإجراء أحكام الإسلام، وأما بقية الأعمال فمن باب الإكمال، والله أعلم بالأحوال. (قال: فأخبرني عن الإحسان)؟ أي تحسين الإيمان والإسلام في مقام المرام ما هو (قال: "الإحسان أن تعمل لله") وفي الرواية المشهورة أن تعبد الله (كأنك تراه) حاضراً لديك، وناظراً إليك، (فإن لم تكن تراه) أي تشاهده بهذا المنوال، (فإنه يراك) أي فاعلم أنه يراك في جميع الأحوال، فيجب عليك أن تحسن الأعمال (قال:) أي الراوي، (فإذا فعلت ذلك، فأنا محسن) في عمله، (قال: نعم، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الساعة) متى ينتهي أي أين وقت وقوعها؟ (قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل") أي كل مسؤول عنها عاجز من جوابه كالسائل عنها، فإنه سبحانه استأثر بعلمها، فلا يعلمها إلا هو، (ولكن لها أشراطاً) هي علامات تدل على قربها (فهي من الخمس التي استأثر الله بها)، وفي الصحيح مفاتيح الغيب الخمس، فقال: أي فقرأ استشهاداً أو فكر اعتقاداً ﴿إن الله عنده﴾ أي لا عند غيره ﴿علم الساعة﴾، أي علم وقت قيام ساعة القيامة، ﴿وينزل الغيث﴾ في وقت يعلمه، ﴿ويعلم ما في

стр. 338

الأرحام﴾ أي لا يعلمه غيره ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً﴾ أي في المستقبل، ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ عند انتهاء الأجل ﴿إن الله عليم خبير﴾ (١)، بما أراده من الأنبياء والأولياء إلا علم الساعة، فإنه كما في قوله تعالى: ﴿أكاد أخفيها﴾ (٢) أي عن نفسي لو أمكن، وهذا غاية المبالغة، أو أخفي إتيانها فضلاً عن بيان وقتها لحكمة اقتضت إخفاءها (قال: صدقت ثم انصرف) أي ذهب ونحن نراه، قال النبي ﷺ علي بالرجل أي نادوه لي واطلبوه لأجلي، (فقمنا في أثره) بفتحتين وبكسر فسكون أي طالبين في عقبه (لا ندري أين توجه ولا رأينا شيئاً) أي مما يدل عليه، (فذكرنا) ذلك (للنبي ﷺ فقال: "هذا جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم معالم دينكم") أي مجملها أو طريق سؤالها ("والله ما أتاني في صورة") أي من دحية وغيره (إلا وأنا أعرفه فيها إلا هذه الصورة) وقد بسطنا في هذا الحديث المتين في شرح الأربعين، والله الموفق والمعين. - زيارة القبور وبه (عن علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: نهيناكم عن زيارة القبور (فقد أذن) بصيغة المجهول (محمد في زيارة قبر أمه

стр. 339

فزوروها) أي قبوركم، فهذا الحكم ناسخ للأول، وهل يشتمل النساء أو لا فيه خلاف، (ولا تقولوا هجراً) بضم، فسكون أي فحشاً من الكلام كالنياحة وغيرها. وفي رواية ابن ماجه كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين، وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً، (وعن لحوم الأضاحي) أي نهيناكم عن (أن تمسكوها) أي تدخروها، وهو بدل اشتمال عما قبله، (فوق ثلاثة أيام، وإنما نهيناكم) أي أولاً (ليوسع موسركم) أي غنيكم (على فقيركم) رحمة على الفقراء وشفقة على الضعفاء، وزيادة مثوبة للأغنياء، (والآن قد وسع الله عليكم) بإيصال كثرة الخير إليكم، (فكلوا) أي بعضه، أو كله وتزودوا، أي ادخروا لزاد المعاش إن شئتم، لكن الأفضل أن يأكل ثلثه، ويطعم الفقراء ثلثه، ويهدي الجيران ونحوهم ثلثه، ليكون جامعاً بين علم المعاش وزاد المعاد. وفي رواية الترمذي عن بريدة: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له، فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا (وعن الشرب)، أي ونهيناكم عن الشرب (في الحنتم) أي الجرة الخضراء، (والمزفت) أي الظرف المطلي بالزفت وهو القير. وفي رواية عن النقير والدباء والنقير هو المنقور من الخشب والسبب في منعه أن هذه الظروف كانت معدة للخمر فأراد ﷺ المبالغة في منعها، ومنع ملابستها، ثم أذن بقوله: ("فاشربوا") أي الآن (في كل ظرف شئتم) من هذه الظروف وغيرها، (فإن الظرف لا يحل شيئاً) أي حقيقة، (ولا يحرمه") لكن بالجر إلى صورة المعصية، فوجب الكراهية في قرب المعاهدة، (ولا تشربوا مسكراً) أي ولو لم يكن خمراً.

стр. 340

- ولا تشربوا مسكراً وفي حديث مسلم عن بريدة: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل ظرف شئتم من هذه الظروف وغيرها لأن الظرف لا يحل شيئاً في الحقيقة، ولا يحرم، لكن بالجر إلى صورة المعصية يوجب الكراهة في قرب المعادة، ولا تشربوا مسكراً أي ولو لم يكن خمراً. وفي حديث مسلم عن بريدة: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً. وفي رواية ابن ماجه عن بريدة أيضاً كنت نهيتكم عن الأوعية فانبذوا، واجتنبوا كل مسكر. (وفي رواية) أي لأبي حنيفة عن بريدة (أنه قال: "إنا نهيناكم عن ثلاث، عن زيارة القبور فزوروها ونهيناكم أن تمسكوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث أيام فامسكوها وتزودوا فإنما نهيناكم ليوسع غنيكم على فقيركم ونهيناكم أن تشربوا في الدباء) أي النبيذ الكائن في الدباء بالمد، والقصر. وفي رواية نحوه، وفيه: عن النبيذ؛ أي نهيناكم عن الانتباذ في الدباء والختم والمزفت، فاشربوا في كل ظرف، ولا تشربوا مسكراً (فاشربوا فيما بدا لكم) أي ظهر عندكم من الظروف (فإن الظرف) أي جنسه (لا يحل شيئاً ولا يحرمه، ولا تشربوا مسكراً) فإن الله حرمه.

стр. 341

وبه (عن علقمة عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة) أي معها ولأجلها (فأتى قبر أمه فجاء) أي فرجع (وهو يبكي أشد البكاء حتى كادت نفسه تخرج من بين جنبيه) أي من جميع أجزاء جسده، والمعنى أنه قرب أن يموت من شدة حزنه، (قال): أي بريدة، (قلنا): أي نحن معشر الصحابة الحاضرين (يا رسول الله ما يبكيك) أي، أيّ شيء سبب بكائك؟ (قال: "استأذنت ربي قي زيارة قبر أم محمد"). فيه وضع الظاهر موضع المضمر، أي قبر أمي (فأذن لي)، ولعل الحكمة في إذنه ليكون سبباً في تخفيف عذاب أمه (واستأذنته في الشفاعة) أي لرفع عذاب عنها من أجله (فأبى عليّ) أي لم يأذن ولم يقبل مني لقوله سبحانه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء﴾ (١) وهذا دليل صريح في أن أمه ماتت كافرة أنها في النار داخلة مخلدة، وهو الذي اعتقده أبو حنيفة، وذكره في فقهه الأكبر من أن والدي رسول الله ﷺ ماتا على الكفر وعارضه السيوطي في رسائل، وأتى ببعض الدلائل مما ليس تحتها شيء من الطائل، وقد جعلت رسالة مستقلة في تحقيق هذه المسألة، وتدقيق ما يتعلق بها من الأدلة. (وفي رواية لأبي حنيفة عن بريدة قال: استأذن النبي ﷺ ربه) في زيارة قبر أمه، (فأذن له، فانطلق، وانطلق) معه (المسلمون حتى انتهوا إلى قريب من

стр. 342

القبر، فمكث المسلمون) بضم الكاف وفتحه أي فلبثوا (ومضى النبي ﷺ إلى زيارة قبر أمه، فمكث طويلاً أي زماناً أو مكثاً، (ثم اشتد بكاؤه حتى ظننا أنه لا يسكن) أي من البكاء، (فأقبل وهو يبكي فقال له عمر: ما أبكاك يا نبي الله بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي فاستأذنته في الشفاعة فأبى فبكيت رحمة لها) أي بمقتضى الطبيعة، (وبكى المسلمون رحمة للنبي ﷺ أي بموجب الشريعة وهذا الحديث يبطل قول القائل: إنها من أهل الفترة وإنهم لا يعذبون في النار. - حديث عيادة الكافر وبه (عن علقمة عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كنا جلوساً) أي جالسين (عند رسول الله ﷺ فقال لأصحابه) أي الحاضرين (انهضوا) بفتح الهاء أي قوموا بنا (نعود جارنا اليهودي)، فإنه أحد الجيران الثلاثة على ما رواه البزار وأبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم في الحلية، عن جابر مرفوعاً: الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. فأما الذي له حق واحد فجار مشرك له حق الجوار ..

стр. 343

وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار. وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الرحم وحق الجوار. (قال): أي بريدة، (فدخل) أي النبي ﷺ أي على اليهودي، (فوجده في الموت)، أي في سكراته ومقدمة مماته (فسأله) أي عن حاله، ثم (قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) رجاء أن يؤمن به ويجير من النار بسببه، (فنظر إلى أبيه) أي كالمستشير في أمره، (فلم يكلمه أبوه) إيماء إلى عدم رضائه، (فقال له النبي ﷺ : "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فنظر إلى أبيه) أي متوقفاً إذنه فيه (فقال له أبوه) مراعاة لحاضرة: (وأشهد له) بالرسالة العامة، (فقال الفتى: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي أنقذ) أي خلص، (ونجى) بي أي بسببي (نسمة) أي مخلوقاً ذا روح (من النار) أي من عذاب الكفار. (وفي رواية) أخرى (أنه) أي النبي ﷺ (قال ذات يوم) أي يوماً من الأيام (لأصحابه) أي الكرام: (انهضوا بنا نعود جارنا اليهودي قال): أي الراوي، (فوجده في الموت فقال أتشهد أن لا إله إلا الله قال: نعم) لأنه كان من أهل الكتاب وغالبهم أهل التوحيد في هذا الباب (قال: أتشهد أني رسول الله) أي إلى العرب والعجم واليهود والنصارى وغيرهم (قال): أي الراوي (فنظر الرجل إلى أبيه)، وفيه إيماء إلى ميل قلبه إلى الإسلام، (قال: فأعاد عليه رسول الله ﷺ أي

стр. 344

الكلام مرة بعد أخرى (فوصف) أي الراوي (الحديث) أي كلامه ﵇ ثلاث مرات إلى آخره على هذه الهيئة المذكورة المتقدمة (إلى قوله فقال) أي أبوه له: (أشهد، فقال أشهد أنك رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار"). - حديث الجهاد وبه (عن علقمة عن ابن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشاً) أي عسكراً كثيراً كأنه يجوش ويفور من قوة حركته (أو سرية) أي عسكراً قليلاً أقصاه أربعمائة كأنه يخفي في سيره من قلة ومدينة (أوصى أميرهم في خاصة نفسه) أي في ما يتعلق بأمر دينه ودنياه بتقوى الله، أي اكتساب أوامره واجتناب زواجره (وأوصى فيمن معه) أي في حق من سار معه (وتابعه من المسلمين خيراً) أي بالخير والإحسان (ثم قال لهم) أي جميعهم (اغزوا بسم الله) أي مستعيناً به (في سبيل الله) أي طالبين لرضائه (قاتلوا من كفر) أي بالله، لا بغير حق سواه (لا تَغلُّوا) بضم الغين المعجمة، واللام المشددة، أي لا تخونوا في الغنيمة (ولا تغدروا) بكسر الدال المهملة، أي لا تنقضوا العهد بالخديعة (ولا تمثلوا) بضم المثلثة أي لا تقطعوا الأطراف من الأنف والأذن وغيرهما، من هما من الأصناف، فإنه لا منفعة فيها، بل يوجب زيادة الغيظ بسببها، والسلب بمثلها (ولا تقتلوا وليداً) أي مولوداً

стр. 345

صغيراً دون البلوغ، إذ أسره أولى، ونفعه للمسلمين أعلى، لا سيما إذا كان أعلى، إلا إذا كان سلطاناً، أو ولده، فإن في وجوده خوف الفتنة والفساد في عروض شهوده. والحديث رواه مسلم والأربعة، عن بريدة. (وفي رواية) أي لأبي حنيفة، وكذا لأبي داود (شيخاً كبيراً) أي ممن لا يقدر، إلا أن يكون صاحب رأي، أو مدعي ملك. وزاد أبو داود، ولا امرأة، وهي مقيدة بما تقدم، والله أعلم. (فإذا لقيتم عدوكم) أي أعداءكم من الكفار، ولو من أهل الكتاب (فادعوهم إلى الإسلام) أولاً، (فإن أبوا) أي امتنعوا (فادعوهم إلى إعطاء الجزية) أي إن كانوا من أهلها (فإن أبوا، فقاتلوهم) أي بأمره وكونه (فإذا حاصرتم أهل حصنٍ فأرادوكم) أي طلبوا منكم (أن تنزلوهم على حُكْمِ الله) أي فيهم من القتل والسبي والمن (فلا تفعلوا) أي فلا تقبلوا، فإنكم (لا تَدْرونَ ما حُكْمُ الله) أي بخصوصه في حقهم (ولكن انزلوا على حكمكم) أي كلكم أو بعضكم (ثم أحكموا فيهم عابداً بالأنفس) أي بما ظهر لكم من الرأي فيهم (فإن أرادوكم) أي حاولوكم (أن تعطوهم ذمة الله) أي عهده وأمانه خوفاً أن يعجزوا عن القيام بحقه (فأعطوهم ذممكم وذمم

стр. 346

آبائكم) الظاهر أن الواو بمعنى أو (فإنكم إن تخفروا) بضم التاء وكسر الفاء، أي أن تهتكوا (بذمتكم أهون) أي أخف (من أن تخفروا بذمة الله أن تخفروا في رقبتكم). وفي رواية (فإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تعطوهم ذمة الله، ولا ذمة رسوله. ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم أيسر، فإن ذمة الله وذمة رسوله في مقام التعظيم أكبر). - حديث الأذان وبه: (عن علقمة، عن ابن بريدة، أن رجلاً من الأنصار) وهم المؤمنون من أهل المدينة (مر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فرآه حزيناً) أي فرأى الرجل رسول الله ﷺ محزوناً (وكان الرجل) أي الأنصاري، من صفته وعادته وكرمه، وسخاوته (إذا أطعم) أي تغدى، أو تعشى (يجتمع إليه) بصيغة المجهول أي يحضر بعض الفقراء لديه، (فانطلق) أي فذهب الرجل إلى غير محله (حزيناً بما رأى من حزن رسول الله ﷺ بضم الحاء وسكون الزاي، وبفتحتين، وبهما

стр. 347

قرأت في قوله ﴿عَدُوَّاً وَحَزَناً﴾ (١) (فترك طعامه) أي المهيأ له ولأصحابه كرامة (وما كان يجتمع إليه) من أهله وقرابته وفقراء جاره (ودخل مسجده) أي الكائن في محلته (يصلي) جملة حالية أو استئنافية (فبينما هو كذلك) أي حزيناً مصلياً (إذ نعس) أي في صلاته، أو بعد ما فرغ من مناجاته (فأتاه آت في النوم، فقال): أي الآتي (هل علمت مما حزن رسول الله ﷺ بكسر الزاي، أي وهو فعل لازم، بخلاف فتحها، فإنه متعد، ومضارع الأول مفتوح، والثاني مضموم، ومَنْ للتعليل، وما استفهامية، (قال) أي الرجل (لا) أي لا أعلم سببه، ولا أعرف موجبه (قال) أي الآتي (فهو) أي حزنه وهمه (لهذا التأذين) أي لأجل معرفته كيفية التأذين، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة، للمصلي (فآتِهِ) أمر من الإتيان فأحضره (فمره أن يأمر بلالاً أن يؤذن) أي للناس في أوقاتها (فعلم الأذان) أي بجميع كلماته (الله اكبر الله أكبر، مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد ان محمداً رسول الله، مرتين) وفيه دلالة على عدم الترجيع، خلافاً للشافعي ومن تبعه، (حي على الصلاة، مرتين، حي على الفلاح، مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) أي مرة كما هو المستفاد من السكوت عن التكرار.

стр. 348

- الإقامة مثل الأذان (ثم علم الإقامة مثل ذلك) أي مثل الأذان الموصوف بالتكرار، وفيه دلالة على عدم إفراد الإقامة، خلافاً لما ذهب إليه الشافعي، وتبعه طائفة من أهل السنة والجماعة، (وقال في آخر ذلك) أي بعد حي على الفلاح فالمراد بآخره، ما قرب منه، (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) أي مرتين (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله كأذان الناس وإقامتهم) فيه إشارة إلى أن هذا الموصوف من الأذان والإقامة، كان في زمن الصحابة والتابعين الذين هم أفاضل الناس في مقام الاستيناس (فأقبل الأنصاري) أي فخرج من مسجده (فقعد على باب النبي ﷺ أي ينتظر خروجه ﵊ ليذكر له ما رآه في المنام، أو يحصل له إذن بالدخول، وما يترتب عليه من الكلام (فمر أبو بكر ﵁ وأراد الدخول إليه ﷺ (فقال) الأنصاري (استأذن لي) أي بالدخول (وقد رأى) أي والحال أن أبا بكر أيضاً قد رأى (مثل ذلك) أي مثل ما رأى الأنصاري في المنام، فأخبر به النبي ﷺ ليكون من أن يتيقن في كل مرتبة من مراتب اليقين (ثم استأذن الأنصاري، فدخل، فأخبر بالذي رأى، فقال النبي ﷺ : قد أخبرنا أبو بكر مثل ذلك)

стр. 349

وقد روى أن جماعة من الصحابة تواردوا على ما رأى هنالك، (فأُمر بلالاً يؤذن بذلك). (وفي رواية: أن رجلاً من الأنصار، مر برسول الله ﷺ ، فرآه حزيناً) أي محزوناً، قد ظهر عليه آثاره من كثرة حزنه (وكان الرجل ذا طعام يغشى) أي الناس معه (فانصرف) أي عن طريق نية انقلب نيته عن أكله، لنفور طبيعته (لما رأى من حزن رسول الله ﷺ أي من آثار الحزن على طبيعته فترك طعامه، فدخل فوجده يصلي، لما ورد أنه ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولعله مقتبس من قوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (١) الآية (فبينما هو كذلك، إذ نعس، فأتاه آتٍ في النوم فقال له: أتدري ما حزن رسول الله ﷺ أي أتعلم ما سبب حزنه (قال: لا قال: هو النداء) أي عدم معرفته لتفسير الأذان من ألفاظ الثناء والدعاء (فأمره بأن يأمر بلالاً، قال الرجل، فعلمه الأذان) أي هكذا (الله أكبر الله أكبر، مرتين) أي باعتبار الجملتين، وإلا فباعتبار كل جملة، تصير أربع مرات (أشهد ان لا إله إلا الله، مرتين وأشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، حي على الصلاة، مرتين حي

стр. 350

على الفلاح، مرتين، الله أكبر، أي مرة، لا إله إلا الله) أي مرة (ثم علمه الإقامة، كذلك) أي مرتين (ثم قال في آخر ذلك): أي قريباً من آخره، وهو بعد حي على الفلاح (قد قامت الصلاة، مرتين، كأذان الناس وإقامتهم) أي من غير زيادة ولا نقصان (فانتبه الأنصاري، فأتى رسول الله ﷺ فجلس الباب) أي باب بيته ﵊ (فجاء أبو بكر فقال له الأنصاري: استأذن لي، فدخل أبو بكر، فأخبر رسول الله ﷺ أبو بكر بمثل ذلك) أي بمثل ما رأى الأنصاري، لأنه قد رأى كذلك (ثم دخل الانصاري) أي بعد الاستيذان (فأخبر النبي ﷺ بالذي رأى، فقال رسول الله ﷺ : قد أخبرنا أبو بكر) هذا نظير قوله ﵊ سبق عكاشة، (فقال) أي النبي ﷺ : (مُرْ بِلاَلاً بمْثلِ ذَلِكَ) أي حتى يؤذن الناس في وقت، وضع لما هنالك. والحديث رواه الدارقطني، بسند فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار عبد الله بن زيد، يعني إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم كأن رجلاً نزل من السماء، عليه بردان أخضران، نزل على حائط من المدينة، فأذن مثنى، ثم جلس، قال: علمها بلالاً، فقال عمر: رأيت مثل الذي، ولكنه سبقني. قال ابن الهمام، وعبد الرحمن، لم يسمع من معاذ، فإنه ولد لست بقين من

стр. 351

خلافة عمر، فيكون سنه سبع عشرة سنة من الهجرة، ومعاذ توفي سنة تسع عشرة من الهجرة أو ثماني عشرة، وهذا حجة عندنا بعد ثقة الرواة. ولأبي داود، وابن خزيمة، بسند متصل، نحوه، وقال الترمذي في علله الكبير: سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح. هذا وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بسند قال في الإمام: رجاله رجال الصحيحين، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ ، أن عبد الله بن زيد الأنصاري، جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت في المنام كأن رجلاً قام عليه بردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى. قال الطحاوي: تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامة حتى مات، وعن إبراهيم النخعي، كانت الإقامة مثل الأذان، حتى كاد هؤلاء الملوك. فجعلوها واحدة، لسرعة إذا أخرجوا، يعني بني أمية، كما قال أبو الفرج بن الجوزي، كان الأذان مثنى مثنى، والإقامة كذلك، فلما قام بنو أمية، أفردوا الإقامة. واستدل الشافعي على إفرادها في البخاري؛ أن بلالاً يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة. وفي رواية متفق عليها، بذكر الاستثناء. فأخذ بها مالك، ولا يخفي؛ إنما روينا أقوى، فإنه نص على العدد، على وجه الحكاية، كلمات الأذان، فانقطع الاحتمال بالكلية، بخلاف أمر أن يوتر الإقامة، فإن بعد كون الأمر أهون، أمدح، فالإقامة اسم لمجموع الذكر، والله اعلم. - حديث السخي وبه (عن علقمة، عن ابن بريدة، عن أبيه؛ عن النبي ﷺ أي مرفوعاً

стр. 352

(قال) أي بريدة (أتى رجل) أي جاءه ﷺ (فاستحمله) أي طلب منه ما يحمله من دابة (فقال: "ما عندي ما أحملك عليه) ما الأولى نافية، والثانية موصولة، أو موصوفة (ولكن سأدلك على من يحملك) أي لأنه ذو جود، وهو في الكرم مشهور (انطلق إلى مقبرة بني فلان) بفتح الباء، وتضم أي محل قبورهم، وفناء دورهم (فإن فيها شاباً من الأنصار يترامى) أي يتغالب في باب الرمي (مع أصحاب له) أي من الرماة (ومعه بعير له) أي عنده، أو في تصرفه (فاستحمله) بصيغة الأمر، على سبيل الاستدعاء (فإنه سيحملك) أي لما فيه من شيم الكرم (فانطلق الرجل) أي فذهب إلى المقبرة المعروفة (فإذا) للمفاجأة (به) أي بذلك الشاب (يترامى مع أصحاب له؛ فقص عليه الرجل قول النبي ﷺ ، ففرح به) غاية الفرح، حيث شهد له ﷺ بالجود، والكرم. (فاستحلفه بالله، قال: هذا) أي القول (رسول الله ﷺ اطمئناناً لقلبه (فحلف له مرتين أو ثلاثاً) زيادة لمطلوبه من إفادة مرغوبه (ثم حمله) أي علي بعيره (فمر به) أي بالمحمول (إلى النبي ﷺ أي عليه (قال) أي الراوي (فأخبره) أي الرجل للنبي (الخبر) أي خير عطائه (فقال له النبي ﷺ : إنطَلِقْ فإِنَّ الدَّالَ على الخَيْرِ كفاعِلِهِ) وقد روى البزار عن ابن مسعود والطبراني، عن سهل بن سعد، عن أبي مسعود مرفوعاً: الدال على الخير كفاعله.

стр. 353

وزاد أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، وأيضاً عن بريدة، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، عن أنس: إن الله يحب إغاثة اللهفان، أي المكروب. (وفي رواية) أي أخرى لأبي حنيفة (أن رجلاً جاءه) أي جاء النبي ﷺ (يستحمله، فقال: والله أقسم) تأكيداً (ما عندي من شيء) زيد من للاستغراق (أحملك عليه، ولكن انطلق إلى مقبرة بني فلان فإنك ستجد ثم) بفتح المثلثة، وتشديد الميم، هنالك (شاباً من الأنصار يترامى مع أصحاب له، فاستحمله، فإنه سيحملك، فانطلق الرجل حتى أتى المقبرة التي قاله رسول الله ﷺ أي أخبره بها (فقص) أي الرجل (عليه) أي على الأنصاري (القصة) أي المذكورة بتمامها (فاستحلفه، فقال:) أي الرجل (والله الذي لا إله إلا هو أن رسول الله ﷺ أرسلني إليك) أي لأن أستحملك (فأعطاه بعيراً له، فانطلق به الرجل، فأتى به النبي ﷺ ، فقال له) رسول الله ﷺ (انطَلِقْ، فإِنَّ الدَّالَ على الخَيْر كَفَاعِلِهِ) والمقصود من تكرار الإسناد في المتن، فإن كان مؤداهما واحداً، تقوية الحديث، وتأكيد ثبوته. وبه (عن علقمة مرسلاً، عن النبي ﷺ أنه قال: "الحاجُّ مغْفُورٌ لَهُ") أي من

стр. 354

الصغائر، وفي تحت مشيئته الكبائر، إلا ما يمكن تداركه هنالك من قضاء صلاة وصوم ورد مظالم ونحو ذلك (ولمن استغفر) أي الحاج له (إلى انسلاخ المحرم) أي إلى فراغ شهر محرم الحرام، فإنه كان أبعد مسافة من مكة، في تلك الأيام. وقد روى أحمد في مسنده مرفوعاً: إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه وأمره أن يستغفر له قبل أن يبيته، فإنه مغفور له. وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أمامة مرفوعاً الحاج في ضمان الله تعالى، مقبلاً ومدبراً. وروى البيهقي عن أنس مرفوعاً: الحاج والعمار وفد الله تعالى، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم ألف ألف. وزاد في رواية: والذي بعثني بالحق، الدرهم الواحد منها، أثقل من جبلكم هذا، وأشار إلى أبي قبيس. - حديث الرجم وبه (عن علقمة، عن أبي بريدة، عن أبيه، أن ماعز بن مالك) وهو الأسلمي، معدود في الكوفيين، وهو الذي رجمه النبي ﷺ . وروى عنه عبد الله حديثاً واحداً، كذا ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله (أتى النبي ﷺ ، فقال: إن الآخر) أي المتأخر عن الخير، وفي معناه الأبعد، كما في رواية: وهو كناية عن نفسه بوصف ذمه لارتكاب (جرمه قد زنى، فأقم عليه الحد، فرده رسول الله ﷺ ، ثم أتاه الثانية) أي في يوم أو في غده (فقال

стр. 355

له مثل ذلك) أي من الإقرار، والرد، كما فعل هنالك (ثم أتاه الثالثة والرابعة فقال: إن الآخر قد زنى، فأقم عليه الحد، فسأل عنه) أي عن حاله (أصحابه) أي أصحابه المخصوصين به العارفين بكسبه (هل تنكرون من عقله) أي شيئاً من حاله، فيكون مجنوناً، مخبوطاً أو معتوهاً (قالوا: لا، قال: انطلقوا به فارجموا) وذلك لأنه كان محصناً. (قال): أي الراوي (فانطلق به) بصيغة المجهول (فرجم بالحجارة) لكن ذلك المقام قليل الحجارة، فأتم له الرجم وحصل له زيادة الغم (فلما أبطأ عليه القتل) أي الموت بالرجم (انصرف) أي عن ذلك المكان (إلى مكان كثير الحجارة) تهويناً عليه وتسهيلاً لمن حضر لديه في رجمهم إليه، فقام فيه إتمام رجمه (فأتاه المسلمون) أي فتبعوه (فرجموه بالحجارة حتى قتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: هلا خليتم سبيله) أي هلا تركتم رجمه حين انصرف من محله، فيه إشعار بأنه لو رجع عن إقراره قبل الجلد، أو بعد ما أقيم عليه بعض حده، سقط، كما هو مذهبنا، وهو المسطور في كتب الشافعية. وعن أحمد كقوله: وعن مالك في قبول رجوعه روايتان، وعدم قبوله هو قول ابن أبي ليلى. ولنا أن الرجوع خبر يحتمله الصدق، وليس أحد يكذبه فيه، فيستحق به الشبهة في الإقرار السابق عليه، فيندرىء بالشبهة، لأنه أرجح من الإقرار السابق.
следующие страницы →