(في ناديهم) أي مجالسهم؟ (قال: كانوا يخذفون) بالخاء والذال المعجمتين أي يرمون الناس بالنواة والحصاة المأخوذة فيما بين الإصبعين (ويسخرون من أهل الطريق) أي من المارين عليهم من المسافرين والمجاوزين. والحديث رواه البغوي في تفسير بسنده ولفظه: عن أم هانىء قَالَت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: وتأتون في ناديكم المنكر؟ قالت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال ﷺ : كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون بهم، ويروى أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مرّ بهم عابر سبيل خذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، فقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض بذلك.
وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم، وعن عبد الله بن سلام كان يبزق بعضهم على بعض، وعن مكحول قال: من أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريق الأصابع بحناء، وحل الإزار، والصفير، والخذف، واللواطة.
- حديث نكاح المحرم
وبه (عن سماك عن ابن جبير عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة) بنت الحارث (وهو محرم).
стр. 282
والحديث بعينه رواه أصحاب الكتب الستة إلا البخاري، وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصح نكاح المحرم لما رواه الجماعة إلا البخاري، عن أبي عثمان بقوله: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح". رواه مسلم وأبو داود، وفي رواية ولا يخطب وهو محمول على الكراهة عند الشافعي، وزاد ابن حبان، ولا يخطب عليه.
وبه (عن سماك وعن عياش الأشعري، عن أبي موسى الأشعري) أسلم قديماً بمكة هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينة ومنهم جعفر ورسول الله ﷺ بخيبر (أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾) أي في الآية المعروفة من سورته، كما هو مذهب أبي حنيفة خلافاً للشافعي.
والحديث رواه النسائي أنه ﵊ سجد في ﴿ص﴾ وقال: سجدها نبي الله داود توبة، ونحن نسجدها شكراً، فبين النبي ﷺ السبب في حق داود، وفي حقنا وكونه شكراً لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكراً لتوالي النعم.
- جلوس بعد الفجر
وبه (عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح) أي صلاته، (لم يبرح) بفتح الراء أي لم يزل، ولم يتحول (عن مكانه) أو موضعه، (حتى تطلع الشمس وتبيض) بتشديد الضاد أي ترتفع ويكثر ضياؤها.
والحديث رواه الحاكم ومسلم والثلاثة عن جابر بن سمرة أنه ﵊ كان إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس.
стр. 283
- ذكر إسناده عن زياد بن علاقه
-ذكر إسناده عن زياد بن علاقه بكسر مهملة وخفة لام ثم قاف فهاء.
- حديث قبلة المرأة في الصوم
أبو حنيفة (عن زياد، عن عمر بن ميمون) وهو الأزدي أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي ﷺ ولم يلقه وهو معدود من كبار التابعين من أهل الكوفة.
روى عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وسمع منه إسحاق، مات سنة أربع وسبعين (عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبل) أي بعض نسائه (وهو صائم) فرضاً، أو نفلاً.
والحديث بعينه رواه أحمد والشيخان والأربعة عن عائشة، وفي الصحيحين أنه ﵊ كان يقبلها وهو صائم.
وروى أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة أنه ﵊ سأله رجل عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه له شاب.
قال ابن الهمام: وهذا يفيد التفصيل الذي اعتبرنا من أنه إذا كان لا يأمن فمكروه، وإلا فلا.
стр. 284
وبه (عن زياد عن يزيد بن الحارث، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : فناء أمتي بطعنٍ) أي القتل بالرمح، ونحوه (والطاعون) أي الوباء (قيل يا رسول الله: الطعن قد عرفناه) أي من لغة العرب، (فما الطاعون؟) فإنه لغة غريبة (قال: وخذ أعدائكم) بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة فالذي طعن أعداؤكم (من الجن وفي كل) أي من القتلين ظلماً (شهادة) أي ثوابها حكماً.
(وفي رواية: في كل) أي من النوعين (شهداء) والرواية الأولى رواها أحمد والطبراني عن أبي موسى.
- قراءة الفجر
(أبو حنيفة ومسعر عن زياد عن قطبة بن مالك) بضم القاف وسكون الطاء فموحدة فهاء (قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في إحدى ركعتي الفجر) أي فرض الصبح، (والنخل) بالنصب عطف على ما قبله من قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبَاركاً فَأَنْبَتْنَا به جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ (١) أي المحصود من الزرع ﴿والنَّخل باسقاتٍ﴾ (٢) أي حال كونها طويلات لها طلع أي إحدى ركعتي الفجر.
стр. 285
- حديث ترغيب النكاح
وبه (عن زياد عن عبد الله بن الحارث، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : تزوجوا فإني مُكَاثِرُ بِكُم الأمم) رواه البيهقي عن أبي أمامة ولا تكونوا كرهبانية النصارى.
ورواه أبو داود والنسائي عن مَعقَل بن يسار بلفظ: تزوجوا توددوا، تولدوا فإني مُكاثرٌ بكم.
- فضيلة خلق حسن
وبه (عن زياد، عن أسامة بن شريك) وهو الدنياني الثعلبي حديثه في الكوفيين، وعداده فيهم روى عنه زياد بن علاقة وغيره (قال: شهدت رسول الله ﷺ أي حضرته (والأعراب) أي أهل البادية يسألونه أي سائل، من جملتها (قالوا: يا رسول الله ما خير ما أُعْطِيَ العبدُ) من العلوم والأعمال، والمعارف، والأحوال (قال: خُلُق) بضمتين، أو بضم فسكون (حسنٌ) أي مستحسن
стр. 286
يراعى فيه حق الله وحق عباده وكان له ﵊ حظٌ جسيم في الخلق الكريم كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) والحديث رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، والحاكم عن أسامة بن شريك، ورواه ابن أبي شيبة عن رجل من جهينة مرفوعاً، "خير ما أعطي الرجل المؤمن خلق حسن، وشر ما أعطي الرجل قلب سوء في صورة حسنة".
وروى المستغفر في مسلسلاته، وابن عساكر عن الحسن البصري، عن الحسن بن علي، عن أبي الحسن، عن جد الحسن: أن أحسن الحسن الخلق الحسن.
- حديث التهجد
وبه (عن زياد عن المغيرة) أي ابن شعبة، وقد مرت له ترجمةٌ (قال: كان رسول الله ﷺ يقوم) أي لصلاة التهجد عامة الليل أي أكثره (حتى تورمت قدماه فقال له أصحابه: أليس) أي الشأن، (والله قد غفر لك) بصيغة المجهول، أو المعلوم (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أي من ذنبك اللائق بجنابك فإن حسنات الأبرار سيئات الأحرار والمعنى كما في رواية أتتكلف هذا والحال أن الله جعلك مغفوراً (قال: أَفلا أَكُونُ عبداً شكوراً) وقد سبق الكلام عليه مبنى ومعنى فراجعه.
стр. 287
وبه (عن زياد يرفعه إلى النبي ﷺ فالحديث مرسل وهو حجة عند الجمهور، خلافاً للشافعي (أنه أمر) أي أصحابه أو أمته (بالنصح) أي بالنصيحة، وهو إرادة الخير للمنصوح له (لكل مسلم).
وفي رواية مسلم عن تميم بن أوس الدارمي أن النبي ﷺ قال: "الدِّينُ النصيحة" قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الأربعين والله الموفق والمعين.
-ذكر إسناده إلى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين، سمع أباه وعلياً وغيرهما، كان على قضاء الكوفة بعد شريح، فعزله الحجاج.
- ذكر إسناده عن أبي بردة
- أمتي أمة مرحومة
(أبو حنيفة عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أمتي أمة مرحومة) أي في العقبى، (وإنما عذابها بأيديها) أي بأيدي بعضهم لبعض (في الدنيا) أي فيكون مكفراً لها في الأخرى، (زاد) أي الراوي (في رواية) أي أخرى (بالقتل) ومحله قبل قوله في الدنيا أو بعده والحديث رواه أبو داود والبيهقي،
стр. 288
والحاكم، والطبراني، عن أبي موسى بلفظ: أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا.
- حديث سجدة يوم القيامة
وبه (عن أبي بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان) أي وقع (يوم القيامة) أي يوم يكشف عن ساق (ويدعون) أي الخلق (إلى السجود فلا يستطيعون)، أي الكفار أن يسجدوا (سجدت أمتي) أي جماعة الإجابة مرتين، كما كان في ملتهم من السجدة في صلاتهم كرتين إحداهما مقابلة الأمر والأخرى مقابلة الشكر قبل الأمم، أي قبل سجود سائر أمم الأنبياء من العلماء والأصفياء لحديث: نحن الآخرون السابقون (طويلاً) أي سجوداً طويلاً وزماناً كثيراً وثناءً جميلاً فقال: (فيقال: ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت عدلكم) أي فداءكم (اليهود والنصارى)، أي كفار أهل الكتاب وأمثالهم (فداءكم) أي سبب خلاصكم من النار فيكون عذاب أهل الكتاب مضاعفاً في دار البوار عذاباً لضلالهم.
وبه (عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إن كان يوم القيامة يعطي كل رجل من المسلمين رجلاً من اليهود والنصارى فقال: هذا فداؤك من النار).
стр. 289
وفي رواية: إن هذه الأمة أمة مرحومة، عذابها بأيديها.
وفي رواية مسلم، عن أبي موسى مرفوعاً: إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من هذه الأمة رجلاً من الكفار فيقال له: هذا فداؤك من النار.
وفي رواية إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من هذه الأمة، أي المرحومة رجل من أهل الكتاب فقيل له: هذا فداؤك من النار.
وفي رواية الطبراني والحاكم عن أبي موسى بلفظ: إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى إلى كل مؤمن ملكاً معه كافر فيقول الملك لمؤمن يا مؤمن هاك هذا الكافر فهذا فداؤك من النار.
(وفي رواية: إن هذه الأمة أمة مرحومة، وعذابها بأيديها) كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿أو يَلْبِسكُم شِيَعاً وَيُذيقَ بعضَكُم بأْسَ بعضٍ﴾ (١) وهذا أهون الأمرين المذكورين.
قيل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أو مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ ففي صحيح البخاري، عن جابر قال: لما نزل هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوقِكُم﴾ قال ﵊: أعوذ بوجهك ﴿أو من تحت ارجلكم﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿أو يلبسكم شيعاً، ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال ﷺ : هذا أهون وهذا أيسر.
وفي رواية البخاري عن ابن عمر أنه ﵊ دعا في سجدة ثلاثاً فأعطاه ثنتين ومنعة واحدة. سأله أن لا يسلط على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك.
وسأل أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك، وسأل ألا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك.
стр. 290
- ذكر إسناده عن علي بن الأقمر
- حديث سادل الثوب
(وبه عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة) بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة فتحتية ساكنة فهاء وهو من صغار الصحابة، ذكر أن النبي ﷺ توفى ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه، وروى عنه، مات بالكوفة سنة أربع وسبعين.
روى عنه جماعة من التابعين (أن النبي ﷺ مَرّ برجل سادل) بكسر الدال المهملة أي مسترخ (ثوبه) أي رداءه (فعطفه عليه) أي فرده على كتفه، وهذا من كمال تواضعه ومرحمته على أمته.
(وفي رواية عن علي بن الأقمر، عن النبي ﷺ منقطعاً) هذا على اصطلاح المتقدمين وإلا فعلى طريق المتأخرين يكون مرسلاً، وعلى كل تقدير فهو عند أبي حنيفة وأتباعه حجة إذا كان الراوي ثقة.
وبه (عن علي بن الأقمر، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أراد أحدكم أن يضع خشبةً في حائطِهِ) أي على جداره أو على جدار جاره (فلا يمنعه) أي أحد، أو فلا تمنعه أيها المخاطب.
стр. 291
- حديث ذكر الله تعالى
وبه (عن علي بن الأقمر عن النبي ﷺ مرسلاً (مرَّ بقوم يذكرون الله تعالى).
وذكره أعم من التلاوة والتسبيح والتحميد والتهليل، وأمثال ذلك (فقال: أنتم) أيها القوم (من الذين أمرت أن أصبر نفسي) أي أحبسها (معهم) حيث قال تعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيْدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١) (وما جلس عدلكم) بكسر العين أي مساويكم من الناس، وهو أقل الجمع (فيذكرون الله) أي يدعونه ويعبدونه (إلا حَفَّتهم الملائكة) بتشديد الفاء أي أحاطت بهم ملائكة الرحمة (بأجنحتها) إيماء إلى كمال قربهم بهم وتواضعهم معهم، (وغشيتهم الرحمة)، أي غطتهم الرحمة الإلهية الخاصة بالمتجردين لذكر الله، (وذكرهم الله فيمن عنده) من الملائكة المقربين مباهياً بهم.
والحديث رواه الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة وعن أبي سعيد بلفظ: "ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفَّت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكِيْنَة وذكرهم الله فيمن عنده".
стр. 292
- حديث الجنازة وعدم اتباع المرأة
وبه (عن علي بن الأقمر، عن أبي عطية الوداعي أن رسول الله ﷺ خرج في جنازة) بفتح الجيم وكسرها لغتان فيه (فرأى امرأة تتبع الجنازة فأمر بها) أي بطردها (فطردت) ومع هذا (فلم يكبر) أي على الجنازة (حتى لم يرها) أي حتى غابت عنه مبالغة لزجرها.
- حديث الأكل
وبه (عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : أما) بتشديد الميم (أنا) أي بخلاف غيري، (فلا آكل متكياً)، أي حال كوني مائلاً إلى أحد جانبي، أو مستنداً إلى ما وراء ظهري، أو متربعاً في تمكن مقعدي، ثم استأنف بياناً فقال: (آكل كما يأكل العبد) أي على ركبتيه، أو برفعهما أو برفع إحداهما، (وأشرب كما يشرب العبد) تواضعاً إلى ربه، (وأعبد ربي حتى يأتيني اليقين) أي الموت، فإن المفسرين أجمعوا على تفسيره به، قوله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقيْنُ﴾ (١).
стр. 293
وقد روى الترمذي عن أبي جحيفة صدر الحديث، وهو قوله أمّا أنا فلا آكل متكئاً، وقد أوضحت الكلام في جميع الوسائل بشرح الشمائل.
- ذكر إسناده عن إبراهيم بن المبشر
-بكسر الشين المعجمة المشددة بعد الموحدة على ما في الأصل، والظاهر أنه عن ميسرة بفتح ميم وسكون تحتية وفتح مهملة وهو الطائفي، يعد في التابعين، حديثه في أهل مكة صحيح الحديث ثقة.
- حديث أخلاق النبي ﷺ وتواضعه مع أصحابه
(أبو حنيفة عن إبراهيم، عن أنس قال: ما أخرج رسول الله ﷺ ركبتيه بين يدي جليس له قط)، أي أبداً في جميع عمره، وهذا من كمال تواضعه، وحسن عشرته مع صحابته، وأنه لم يكن يتقدم على أحد منهم، بل يقعد مساوياً بهم في مجالسهم ومحافلهم، (ولا تناول) أي أخذ (أحدٌ يده قط فتركها) أي فنزعها (حتى يكون هو) أي المتناول (يدعها) بفتح الدال، أي يتركها (وما جلس إلى رسول الله
стр. 294
صلى الله عليه وسلم أحد قط، فقام) أي النبي ﷺ (حتى يقوم) أي صاحبه (قبله) مراعاة بحاله (وما وجدت شيئاً) أي من عنبر ومسك وعبير ونحوها (قط) أي في حال من الأحوال (أطيب من ريح رسول الله ﷺ أي التي جبل عليها.
(وفي رواية قال: ما قام إلى رسول الله ﷺ ، رجل في حاجة فانصرف عنه أي النبي ﷺ قبله حتى يكون هو) أي ذلك الرجل (المنصرف) أي أولاً.
(وفي رواية: كان رسول الله ﷺ إذا صافح أحداً لا يترك يده) أي يد صاحبه (إلا أن يكون هو الذي يترك) أي يده ابتداء، والحديث رواه ابن سعد، عن أنس ولفظه: كان ﵊ إذا لقيه أحد من أصحابه، فقام معه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناوله إياه، فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحداً من أصحابه فتناول أذنه ناولها إياه، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه.
وبه (عن إبراهيم عن أنس بن مالك قال: ما مست) بكسر السين الأولى وفتحها، أي ما لمست (بيدي خزاً) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاء، أي نوعاً من الحرير، أو ما يعمل من صوف وحرير (ولا حريراً) أي خالصاً (ألين من كف رسول الله ﷺ ، رواه الترمذي في شمائله للنبي قال: خدمت فما قال لي أفٍّ قط وما قال لشيء صنعته: لم صنعت، ولا لشيء تركته: لم تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً ولا حريراً، ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 295
ولا شممت مسكاً قط، ولا عنبراً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ .
(وفي رواية وما رؤي رسول الله ﷺ مادّاً) أي مطولاً ومجاوزاً (ركبتيه بين جليس) أي مجالس (له قط) وقد سبق تحقيق معناه في حديث نظيره في مبناه.
- حديث قراءة العيدين والجمعة
وبه (عن إبراهيم عن أبيه عن حبيب بن سالم) هو مولى النعمان بن بشير وكاتبه، روى عنه محمد بن الميسرة وغيره، (عن النعمان) بضم أوله ابن بشير هو أول مولود ولد في الأنصار من المسلمين بعد الهجرة، قيل: مات النبي ﷺ ، وله ثمان سنين وسبعة أشهر، ولأبويه صحبة سكن الكوفة، وكان والياً عليها زمن معاوية، ثم وُلِّيَ حمص فدعا لعبد الله بن الزبير فطلبه أهل حمص فقتلوه سنة أربع وستين.
روى عنه جماعة منهم ابنه محمد والشعبي (أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين) أي عيد الفطر والأضحى، وهما عيدا العامَّة وظهورهما للأغنياء (ويوم الجمعة) وهو عيد الفقراء: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ (١) و ﴿هَلْ أتَاك حديثُ الغاشِيَة﴾ (٢).
стр. 296
- حديث المحرم
وبه (عن إبراهيم، عن أبيه قال: سألت ابن عمر: يتطيب المحرم) أي مريد الإحرام (قال: لأن أصبح أنضح) بفتح الضاد المعجمة، أي انفض (قطراناً) بفتح فكسر وبفتحتين وسكون وسط وفيه تلويح إلى قوله تعالى: ﴿سَرَابيلُهُم مِنْ قَطرَانٍ﴾ (١) وهو عصارة الأبهل، وهو حمل شجر كثير ورقه كالطرفاء وثمره كالنبق فيطبخ فيطلى به الإبل الجَرْبى، فيحرق الجرب بحدّته وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة، وتطلى به جلود أهل النار كالقميص يستجمع عليهم لذع القطران، ودهشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين.
وعن يعقوب قطران والقطر النحاس أو الصفر المذاب، والآني المتناهي (أحب إلي من أصبح أنضح طيباً) أي نوعاً من الطيب، (فأتيت عائشة فذكرت لها فقالت: أنا طيبت رسول الله ﷺ فطاف في أزواجه، ثُمَّ أصبَح) يعني تفسير من أحد الرواة أي تريد عائشة أن التقدير أصبح (محرماً) أي صار محرماً للحج أو العمرة.
ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يحمل كلام ابن عمر على استعمال طيب يبقى أثره بعد الوضوء، بخلاف فعله ﵊، والله أعلم بحَقِيقةِ المرام.
стр. 297
- حديث الخلق
وبه (عن إبراهيم عن أبيه، عن مسروق أنه سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ أي عن أخلاقه الكريمة وشمائله العظيمة مجملاً، (فقالت: أما تقرأ القرآن؟) أي فيه التفصيل والبيان، وإجماله (يقول الله ﵎: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). تبارك أي كثرت بركته أي ظهر عظمته.
وبه (عن إبراهيم، عن أبيه، عن مسروق إذا كان حدث عن عائشة) أي حديثاً أيَّ حديث كان (قال: حدثتني الصديقة) بكسر الصاد وتشديد الدال كثير الصدق والتصديق كأبيها، كما أشار إليه بقوله (بنت الصديق المبرأة) أي بالآيات القرآنية (حبيبة رسول الله ﷺ أي محبوبته.
- صوم يوم العاشوراء
وبه (عن إبراهيم، عن أبيه عن حميد بن عبد الرحمن الحميري) بكسر
стр. 298
فسكون ففتح فتحتية نسبة إلى قبيلة، وهو من ثقات البصريين وأئمتهم، تابعي جليل القدر من قدماء التابعين. روى عن أبي هريرة، وابن عباس.
(عن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه يوم عاشوراء) بالمد والقصر، وهو يوم العاشر من شهر محرم: (مُرْ قَوْمَكَ) أي أقَارِبَكَ (وأَهْلَ بَيْتِكَ فَلْيَصُومُوا هَذَا اليَوْمَ) أي فإنه يوم فضيلة وصومه كفارة سنة (قال: إنهم طعموا) أي كلوا واشربوا وهو ينافي أن يصوموا، (قال: وإن كان قد طعموا)، إن وصلية أي مرهم أن يصوموا ولو طعموا حرمة للوقت.
والحديث مذكور في ثلاثيات البخاري، عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء أن من أكل فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل.
وفي رواية أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء، وفي صَحِيح مسلم عن جابر بن سمرة كان النبي ﷺ يأمرنا ويحثنا بصيام يوم عاشوراء، أو يتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يتعاهدنا عنده.
وفي رواية: فلما فرض رمضان، قال: من شاء صام عاشوراء ومن شاء لم يصمه، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الثلاثيات، والله أعلم بحقائق الجليات والخفيات.
стр. 299
- ذكر إسناده عن عطية بن سعد العوفي
ذكر إسناده عن عطية بن سعد العوفي، وهو من أجلاء التابعين.
- فإن الربا قد يكون بالنسيئة
أبو حنيفة (عن عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: الذهب بالذهب) أي يباع أو يبدل (مثلاً بمثل) أي حال كون الأول شبيهاً بالثاني في الوزن دون الوصف من غير زيادة، ولا نقصان (والفضل) من أحد الجانبين (ربا)، أي نوعاً من الربا المحرم لا أنه محصور فيه، فإن الربا قد يكون بالنسيئة (والفضة بالفضة وزناً بوزن، والفضل ربا)، ولا بد من زيادة قيد قبضهما في المجلس كما سيأتي في الحديث الآتي وفي معناهما كل موزون من النقود (والتمر بالتمر مثلاً بمثل) إما بالكيل، أو
стр. 300
بالوزن، (والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلاً بمثل) أي في الكيل وكذا حكم الحنطة والأرز والدخن والذرة (والفضل ربا والملح بالملح مثلاً بمثل والفضل ربا)، وكذا الحكم في جميع المكيلات من المطعومات.
وفي رواية (الذهب بالذهب وزناً بوزن يداً بيد) أي مقبوضين في مجلس واحد، (والفضل ربا والحنطة بالحنطة كيلاً بكيل يداً بيد والفضل ربا والتمر بالتمر)، وفي معناه الرطب بالرطب والعنب بالعنب، والزبيب بالزبيب، (والملح بالملح كيلاً بكيل) أي يداً بيد (والفضل ربا) رواه أحمد ومسلم وأبو دواد وابن ماجه، عن عبادة بن صامت ولفظه: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأوصاف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، وزاد في رواية أحمد ومسلم والنسائي عنه: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، ويداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى والآخد والمعطي سواء.
- عذاب من كذب على رسول الله ﷺ
وبه (عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ كذب علي متعمداً فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ).
стр. 301
(ورواه أبو حنيفة عن أبي روبه) بضم وسكون الواو فموحدة فهاء (شداد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد) فللإمام سندان لهذا الحديث، وتقدم أن هذا الحديث كاد أن يكون متواتراً.
- حديث الشفاعة
وبه (عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أنْ يبعثك رَبُّكَ﴾ أي يتوقع لك أن يقيمك ﴿مقاماً محموداً﴾ (١)، أي يحمدك فيه الأولون والآخرون، (قال) النبي ﷺ في تفسيره (المقام المحمود: الشفاعة) أي جنس شفاعته التي منها الشفاعة العظمى لجميع البرية، ومنها الشفاعة التي هي خاصة لبعض هذه الأمة (يعذب الله قوماً من أهل الإيمان بذنوبهم)، أي من الكبائر والصغائر، (ثم يخرجوا بشفاعة محمد ﷺ فيه وضع الظاهر موضع الضمير.
стр. 302
وقد ورد في حديث صحيح: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (فيؤتى بهم نهراً) بفتح الهاء، وسكون الراء أي نهر من أنهار الجنة (يقال له الحيوان) بفتح الياء، أي نهر الحياة الأبدية والعيشة السرمدية (فيغمسون فيه) ليذهب عنهم جميع ما يكرهون من سواد اللون ونتن الريح، ونحو ذلك، (ثم يدخلون الجنة) أي جُرداً مرداً مطهرين (فيسمون) بفتح الميم المشددة أي فيقال لهم في الجنة الجهنميين لكتابة هؤلاء عتقاء الله من النار على جباههم، (ثم يطلبون إلى الله تعالى) أي متضرعين الله أن يذهب عنهم ما يُعرفون به، (فيذهب عنهم ذلك الاسم) برفع الكتابة المعهودة من سورة الجسم.
(وفي رواية قال: يُخْرِجُ الله قَوْماً مِنْ أهْلِ النارِ) أي عصاة (من أهل الإيمان) وهو طائفة من أهل السنة والجماعة (والقبلة) يشتمل سائر أهل البدعة (بشفاعة محمد ﷺ أي العامة، (وذلك) أي المقام (هو المقام المحمود) عند الملك المعبود حتى فسر بجلوسه على الكرسي والعرش وبه يغبطه الأوَّلون والآخرون (فيؤتى بهم) أي بذلك القوم بعد قبول الشفاعة في حقهم نهراً يقال له: الحيوان على سبيل المبالغة فيلقون وهم كالفحم (فينبتون) أي فيتغير به أحوالهم وألوانهم وأشكالهم (كما ينبت الشعارير) بفتح المثلثة والعين المهملة صغار القثّاءة شبهوا بها لأنها تنبت سريعاً (ثم يخرجون عنه) بصيغة المعلوم والمجهول، وكذا في قوله: (ويدخلون الجنة فيسمون الجهنميين، ثم يطلبون إلى الله)، أي يدعونه (أن يذهب عنهم الاسم فيذهب عنهم) بصيغة المعروف، أو ضده.
стр. 303
وفي الجملة يكرهُ العار حتى في ذلك الدار، ولذا قال بعض الأحرار: النار ولا العار.
(وفي رواية نحوه) أي بمعناه دون مبناه. (وزاد في آخره فيسمون عتقاء الله) أي فيفرحون بهذا اللقب للإضافة إلى الرب، ونظيره ما قيل: لا تدعني إلا بيا عبد الله فإنه أشرف أسمائنا.
قال الجامع: (وروى أبو حنيفة هذا الحديث) أي يفسر أيضاً (عن أبي روبة شداد ابن عبد الرحمن، عن أبي سعيد). وللحديث طرق ثانية كما هي مذكورة في البُدُور السافرة في أحوال الآخرة.
وبه (عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يشكر الله) بالنصب على أنه مفعول بتقدير مضاف، أي نعمه وفاعله (مَن) وهي موصولة بمعنى الذي (لا يشكر الناس) أي إحسانهم، لأن من لم يشكر القليل لا يشكر الجزيل، أو لأن إحسانهم أيضاً من جملة إنعامه سبحانه حيث أجراه على أيديهم، وقد ورد: من أحسن إليه أحد معروفاً، فقال لقائله: جزاك الله خيراً، فقد بالغ في الثناء، والمعنى أنه قد خرج منه بهذا الشكر، وهذا أقل ما يقع مقابله في أمره.
стр. 304
والحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي عن أنس، ولفظه: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله".
وفي رواية الترمذي عن أبي هريرة: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
- حديث الإمام العادل
وبه (عن عطية عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: إن أرفع الناس يوم القيامة إمامٌ عَادِل) لِرِعَايَةِ حق الله في نَفْسِهِ وَعَدَالَتهِ في حَقِّ خَلْقِهِ.
وفي الحديث رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه، عن أبي إسحاق، عن أبي هريرة ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم.
وفي رواية للحاكم والديلمي عن أبي سعيد: "ثلاثة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلاَّ ظله: التاجر الأمين، والإمام المقتصد، وراعي الشمس في النهار".
وفي رواية لأحمد والترمذي والبيهقي عن أبي سعيد: أحب الناس إلى الله وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة: إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشدهم عذاباً: إمام جائر.
أبو حنيفة (عن عطية، عن ابي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ أرادَ الحجَّ) أيَّ ونحوه من العمرة، أو غيرها من العبادات (فليعجل) بفتح الجيم المخففة أي فليسرع؛ أو فليشرع؛ فإن في التأخير كثيراً من الآفات.
والحديث رواه أبو داود وأحمد والحاكم في مستدركه، والبيهقي عن ابن عباس ولفظه: من أراد الحج فليتعجل.
وفي رواية لأحمد وابن ماجه عن الفضل بلفظ: من أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة ويقرض لحاجة.
стр. 305
- حلة السمك
وبه (عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ما جزر) بفتح الجيم والزاي والراء أي كل حوت انكشف (عنه الماء) أي ماء البحر والنهر، (فَكُلْ) واعلم أنه لا يحل حيوان مائي سوى السمك لقوله تعالى: ﴿وَيحَرِّم عليهم الخبائث﴾ (١) وما سوى السمك خبيث، وأخرج أبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي أن طبيباً سأل النبي ﷺ عن الضفدع يجعلها في الدواء، فنهى عن قتلها.
ورواه أحمد وأبو داود والطيالسي في مسانيدهم، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد، وقال المنذري: فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، لأن النبي ﷺ نهى عن قتله والنهي عن قتل الحيوان، إما لحرمة كالآدمي وإما لتحريم أكله والضفدع ليس بمحرم فالنهي منصرف إلى أكله. ثم قيد علماؤنا السمك بأن لم يطف أي لم يَعْلُ على الماء والسمك الطافي يكره أكله لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه.
وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في مصنفهما كراهة أكل الطافي عن جابر ابن عبد الله وعلي، وابن عباس، وابن المسيب، والنخعي وطاوس والزهري.
стр. 306
ثم حل أنواع السمك، وكذا الجراد بلا ذكاة، لما أخرجه ابن ماجه في كتاب الأطعمة من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ودَّمَانِ أَمَّا المَيْتَتَان فالسَّمكُ والجَرادُ، وأمّا الدمان فالكبِدُ والطِّحال".
وبه (عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: لا تزوج المرأة على عمتها وخالتها) تقدم الحديث، وتفصيل مبناه وتحقيق معناه.
- حديث القنوت في الفجر
وبه (عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﵊ أنه لم يقنت) أي في صلاة الفجر (إلا أربعين يوماً) وهو لعارض أنه يعادي قوماً كما بينه بقوله: (يدعو على عصية) بالتصغير قبيلة (وذكوان) بفتح الذال المعجمة طائفة أخرى، (ثم لم يقنت إلى أن مات).
ورواه البزار وابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي، عن عبد الله قال: لم يقنت رسول الله ﷺ إلا شهراً، ثم تركه لم يقنت قبله، ولا بعده، فدل على أن القنوت في الصبح منسوخ، أو مقيد بالنوازل.
وأما ما رواه الدارقطني وغيره عن أنس: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، فمعارض بأن شبابة، روى عن قيس بن ربيع، عن عاصم بن
стр. 307
سليمان، قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قوماً يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر فقال: كذبوا إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً واحداً يدعو على أحياء من أحياء المشركين.
وروى الطبراني عن غالب بن مرقد الطحان، قال: كنت عند أنس ابن مالك شهرين، ولم يقنت في صلاة الغداة.
وقد روى الخطيب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا عليهم.
وقد أخرجه أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ لم يقنت في الفجر قط إلا شهراً واحداً لم ير قَبْلَ ذلك ولا بعده، وإنما قنت في ذلك الشهر يدعو على الناس من المشركين.
وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، وأخرج النسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن أبي مالك سعد بن طارق الأشجعي، عن أبيه: صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي، فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة وقال محمد بن الحسن، حدثنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنين في السفر والحضر، فلم يره قانتاً في الفجر قال ابن الهمام: هذا إسناد لا غبار عليه ولا غبر عليه ....
- طلاق الأمة
وبه (عن عطية عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: طلاق الأمة) أي التي
стр. 308
تحيض، الطلاق والفسخ سواء كانت قناً أو مدبرة، أو أم ولد أو مكاتبة (ثنتان وعدتها حيضتان)، ورواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه عن عائشة، وابن ماجه عن عمر بلفظ: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان.
وفيه نص على أن المراد بالقرء الحيض، كما قال أئمتنا لا الطهر كما قال الشافعي.
- صلاة الجمعة
وبه (عن عطية، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة) بضم الميم أفصح من سكونها (جلس قبل الخطبة) أي قبل شروعها (جلسة خفيفة)، أي حتى يؤذن المؤذن بين يديه ﷺ .
ورواه أبو داود عن ابن عمر بلفظ: كان ﵊ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب.
وبه (عن عطية، عن ابن عمر أنه قرأ على النبي ﷺ أي قوله تعالى:
стр. 309
﴿الله الَّذِي خَلَقَكُم من ضعَفٍ﴾ (١) قرأ حمزة وشعبة وحفص عن ضعف (٢) بفتح الضاد والباقون بضمها، والمعنى من نطفة أي من أدنى ضعف، والتقدير: من ماء ضعيف كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخلُقُكمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٣) (ثم جعل من بعد ضعف قوة)، أي من بعد ضعف الطفولية شباباً، وهو وقت القوة، (ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة) وكان القارىء قرأ بفتح الضاد، وهو لغة تميم فرد عليه وقال: قل من ضُعفٍ بضم الضاد، فإنه لغة قريش، والقارىء منهم، أو لكونه أفصح، أو لما سبق منه في صدر الأئمة من إشباع ميم الجمع، وإدغام القاف في الكاف فمنعه عن الفتح، لأنه يوجد التركيب بين القراءتين المختلفتين، أو كان هذا قبل العلم يجوز القراءة بضم الضاد والله أعلم بحقيقة المراد.
- ذكر إسناده عن يزيد بن عبد الرحمن، أحد أجلاء التابعين .
- قصة الوفاة
أبو حنيفة (عن يزيد عن أنس أن أبا بكر ﵁ رأى من رسول الله ﷺ خفة) أي بصر منه خفة في مرضه الذي توفى فيه (فاستأذنه إلى امرأته) أي بالرواح إليها وهي كانت خارجة عند المدينة، وقوله: بنت خارجة بالنصب على أنها بدل من
стр. 310
امرأته، أو بتقدير أعني، أو يعني وكانت (في حوائط الأنصار) أي كانت امرأته في أحد بساتين بعض الأنصار بعارض من عوارض الدار ويُسمَّى ذلك الموضع السُّنُح بضم السين والنون، وقيل: بسكون، موضع بعوالي المدينة، (وكان ذلك) أي ما رأى فيه من الخفة (راحة الموت) يعني أن الله سبحانه يخفف عن المؤمن ألم شدة مرضه قرب موته، (ولا يشعر) أي بذلك أبو بكر والنبي ﷺ ، فإذا يحتمل مبنياً للفاعل والمفعول.
(ثم توفى رسول الله ﷺ تلك الليلة) أي في غيبة الصديق تهويناً على الصديق، (فأصبح) أي أبو بكر والمعنى: دخل في الصباح (فجعل) أي فشرع يرى (الناس يترامسون) من الرمس، وهو كتمان الخبر، أي يتخافتون (فأمر أبو بكر غلاماً) أي ولداً مملوكاً (ليستمع) الخبر (ثم) واقطع (يخبره) أي يأتيه بأخبارهم، فذهب فجاءه (فقال: أسمعهم يقولون: مات محمد فاشتد أبو بكر) أي سعى في جريه أو اشتد في حزنه، (وهو يقول: واقطع ظهره، فما بلغ أبو بكر المسجد حتى ظنوا أنه لم يبلغ) من شدة بكائه، ووفور كآبته (وأرجف المنافقون) أي اضطربوا في أخبارهم وانقلبوا على إقرارهم فقالوا: لو كان محمد نبياً لم يمت، وهذا جهل واحتج منهم لموت الأنبياء قبلهم، نعم توهم بعض المؤمنين أنه أغمي عليه، أو عرج به كعيسى ﵇، أو أنه يعيش عمراً طويلاً كنوح، أو أنه خاتم الأنبياء فيبقى بين الخلق أجمعين إلى يوم الدين، ومات لكنّ الله سبحانه يرد عليه روحه في الحين.
والحاصل أن موته لم يتحقق عند أكثر المؤمنين، وكان يترتب فتنة عظيمة من
стр. 311
إرجاف المنافقين (فقال): أي عمر، (وقد سل سيفه: لا أسمع رجلاً) أي شخصاً (يقول: مات محمد ﷺ إلا ضربته بالسيف)، وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن شخصاً يقول: مات محمد ﷺ إلا أقطع أيديهم وأرجلهم، (فكفوا) بفتح الكاف وتشديد الفاء المضمومة أي فامتنعوا (لذلك) أي لأجل قول عمر، (فلما جاء أبو بكر والنبي ﷺ مسجى) بتشديد الجيم، أي مغطى ببرده (كشف) أي رفع (أبو بكر الثوب عن وجهه، ثم جعل يلثمه) بفتح المثلثة وكسرها يقبل فاه، وشم الريح، ثم سجاه ببرده ويقول: إن الله طيبك حياً وميتاً. ذكره الطبراني في الرياض.
وفي رواية قبل جبينه، وفي أخرى وضع فاه بين عينيه، (فقال: ما كان الله ليذيقك من الموت مرتين) والمعنى أن هذا الموت محقق وتكراره أمر موهوم غير مصدق أنت أكرم على الله تعالى من ذلك، لأن تكرار الإماتة في الدنيا موجب لزيادة مشقة هنالك.
стр. 312
وفي رواية للبخاري قال: بأبي انت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، اما الموتة التي كنت عليها فقد مُتَّها، (ثم خرج أبو بكر فقال: يا أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات) أي فليس له إله فهو كافر وفيه تعريض للمنافقين، (ومن كان يعبد رب محمد) في دين اليقين كالمؤمنين المخلصين، (فإن رب محمد) تعالى شأنه وعظم برهانه (لا يموت)، فإن حياته أزلية أبدية، (ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمّدٌ إلاّ رَسُوْلٌ﴾ (١) أي عبد أوحي إليه الحق، وبعثه إلى الخلق ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ أي مضوا وماتوا فيمضي ويموت مثلهم، كما أشار إليه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أفإن مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُوْنَ ... كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الموت﴾ (٢).
فالموت كأس وكل الناس شاربه والقبر باب وكل الناس داخله
﴿أفإن مات﴾ أي محمد على فراش السعادة ﴿أو قتل﴾ على سبيل الشهادة ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾ الجملة محط همزة الإنكار، أي أرجعتم إلى ما ورائكم من الكفر، ﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾ أي بارتداده، ﴿فلن يضر الله شيئاً﴾، فإنما يضر نفسه، ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ على إيمانهم وإيقانهم وإحسانهم.
زاد البخاري فضج الناس يبكون (قال): أي أنس (فقال عمر: لكأنا) بتشديد النون (لم نقرأها) أي هذه الآية (قبلها)، أي قبل تلك الحالة (قط)، أي أبداً (فقال الناس مثل مقالة أبي بكر) من كرم السابق وقراءته اللاحِقِ.
стр. 313
- دفن ﷺ آخر يوم الثلاثاء
وفي رواية قال أنس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس كلهم فما سمعت بشراً من الناس إلا يتلوها (قال) أي أنس: (ومات ليلة الإثنين فمكث) بضم الكاف وفتحها أي لبث عندهم (ليلتين) أي تلك الليلة الإثنين (ويومين) وهما يوما الإثنين والثلاثاء (ودفن يوم الثلاثاء) أي في آخره (وكان أسامة بن زيد) أي ابن حارثة، وقد سبق ترجمته، (وأوس) بفتح فسكون (بن خولة) بفتح معجمة (يصبان الماء وعلي والفضل) أي ابن العباس (يغسلانه ﷺ .
والحديث ذكره الطبراني في الرياض له، وخرّج الترمذي معناه بتمامه، وقد غسل ﷺ ثلاث غسلات الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور وغسله علي، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر لحديث علي: لا يغسلني إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عَوْرتي إلا طمِسَتْ عيناه، رواه البزار والبيهقي.
стр. 314
- ذكر إسناده عن موسى بن أبي عائشة
-ذكر إسناده عن موسى بن أبي عائشة، وهو من أكابر التابعين.
- اختلاف في نهي المقتدي عن القراءة خلف الإمام
أبو حنيفة (عن موسى، عن عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ كَانَ له إِمامٌ) أي اقتدى به (فقراءة الإمام له قراءة) فلا يجب (١) على المأموم قراءة ولا يجوز له أن يقرأ وراءه وظاهره الإطلاق يعني سواء كان في الصلاة السرية والجهرية.
وقال محمد: جاز له القراءة بالسر في السرية.
وبه قال مالك، وأطلق الشافعي الجواز بعد إيجاب الفاتحة على المأموم والإمام.
والحديث بعينه. رواه أحمد وابن ماجه وابن منبع وعبد بن حميد عن جابر.
قال ابن الهمام: وقد روى من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر بن عبد الله، وقد
стр. 315
ضعف واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني والبيهقي، وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل.
وقد أرسلهُ مرة أبو حنيفة فيقول: المرسل حجة عند الأكثر على أن أبا حنيفة يرفعه بسند صحيح.
روى محمد بن الحسن في موطئه أنا أبو حنيفة، حدثنا الحسن موسى بن عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر عن النبي ﷺ قال: مَنْ صَلَّى خلف إمام فَإنَّ قراءة الإمام له قراءةٌ وقد روى الحاكم في مستدركه نحوه، وفي موطأ مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
هذا وقد روى ابن حبان عن أنس مرفوعاً أتقرأون خلف الإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه وزِيْدَ في رواية سراً.
وفي رواية أحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن ماجه وغيرهم: أتقرأون خلفي فلا تفعلوا إلا بأم القرآن وفي رواية زيادة سراً في أنفسكم.
وفي رواية أبي داود عن عبادة بن الصامت: لا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن.
وفي رواية الحاكم عن أبي هريرة: من صلى مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه.
وفي رواية لأبي داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: كنا خلف رسول
стр. 316
الله ﷺ في الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت علي القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
(وفي رواية أن رجلاً قرأ خلف النبي ﷺ في الظهر والعصر) ولعله قرأ جهراً، (وأومأ إليه رجل) أي أشار (فنهاه)، أي فانتهى، (فلما انصرف) أي فرغ من الصلاة (قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي ﷺ فتذكرا ذلك) أي فتباحثا (هنالك حتى سمع النبي ﷺ فقال: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام فإِنَّ قراءة الإِمام له قراءة).
ورواه الحاكم بسنده، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى ورجل خلفه يقرأ فجعل رجل من أصحاب النبي ﷺ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل فقال: أتنهاني عن القراءة خلف النبي ﷺ ، فتنازعا حتى ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﵊: "من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة".
(وفي رواية قال: قرأ رجل خلف رسول الله ﷺ وزجل) أي جهراً (فنهاه رسول الله ﷺ ، لأن جهر القراءة يشوش على ما هنالك.
стр. 317
وفي رواية: قام رسول الله ﷺ بالناس فقرأ رجل خلفه، فلما قضى الصلاة) أي أداها (قال: أيكم قرأ خلفي ثلاث مرات) ظرف (قال: فقال رجل أنا يا رسول الله، فقال: من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة وفي رواية قال: انصرف النبي ﷺ في صلاة الظهر أو العصر فقال: من قرأ منكم سبح اسم ربك الأعلى فسكت القوم) أي عن الجواب حتى سأل عن ذلك مراراً (فقال رجل من القوم أنا يا رسول الله فقال: لقد رأيتك تنازعني، أو تخالجني القرآن) أي تخالِطُني فيه.
وفيه إيماء إلى أن قراءته كانت جهرية والله أعلم.
والحديث رواه عبد الرزاق بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الحصين ولفظه: أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى؟ لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها.
ورواه الحاكم عن عبادة بن الصامت، ولفظه: هل قرأ معي أحد منكم سبح اسم ربك الأعلى؟ قلت: من هذا الذي ينازعني عن القرآن؟ إذا قرأ الإمام فلا تقرأوا إلا بأم القرآن فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأها.
ورواه الدارقطني وحسنه وابن ماجه، عن عبادة بن الصامت مرفوعاً، مالي أنازع القرآن؟ لا يقرأ أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن.
стр. 318
- ذكر إسناده عن عبد الله بن حبيب
- من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة
-ذكر إسناده عن عبد الله بن حبيب وهو من التابعين الأجلاء.
أبو حنيفة (عن عبد الله قال: سمعت أبا الدرداء صاحب رسول الله ﷺ صفة كاشفة (قال: بينا) أي بين أوقات (أنا رديف رسول الله ﷺ أي راكب خلفه على دابة (فقال: يا أبا الدرداء) يكعب بلا ألف وقرأ بها، وقد يحذف (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلا الله) أي أقر بوحدانيته (وأني رسول الله ﷺ أي اعترف بنبوتي وانقاد لشريعتي ... (وجبت له الجنة) أي ثبت له، واستحق دخولها أولاً وآخراً ولابد له من حصولها قلت: (وإن زنى، وإن سرق)، وإن عمل الكبائر من حقوق الله، وحقوق عباده (قال): أي أبو الدرداء، (فسكت عني ساعة) لعلي أفهم إطلاق المرام من سياق الكلام (ثم سار ساعة) أي بسير دابته، (فقال: من شهد أن لا إله إلا الله) أي المنعوت بصفات الكمال من الجلال والجمال، (وأني رسول الله) الموصوف بحسن الشمائل، ومكارم الفضائل (وجبت له الجنة) سواء دخل النار لتعذيبه، أودخل الجنة ابتداء لتهذيبه (قلت وإن زنى، وإن سرق) أي وجبت له الجنة بمجرد هذه الشهادة، (قال: فسكت عني ساعة، ثم سار ساعة ثم قال:
стр. 319
"من شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وجبت له الجنة". قال: قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى، وإن سرق)، فلما لم يتبين له فهم المرام مع تدريج الكلام زجره بقوله: (وإن رغم أنف أبي الدرداء) أي التصق أنفه بالتراب حيث بالغ في طلب الجواب (قال): أي عبد الله الراوي (فكأني أنظر إلى إصبع أبي الدرداء) بتثلث الهمزة والباء (السبابة)، أي المسجة (يومىء) بهمز في آخره، ويبدل أي يشير (إلى أرنبة)، أي طرف أرنبته.
وفي الحديث، رد على المعتزلة، والخوارج حيث يقولون: صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة.
والحديث بعينه رواه الطبراني عن أبي الدرداء مختصراً بلفظ: اخرج فنادي في الناس من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق، على رغم أنف أبي الدرداء.
ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبان عن أبي الدرداء بلفظ: ما من رجل يشهد أن لا إله إلا الله إلاَّ دخل الجنة وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء.
ورواه أحمد والشيخان عن أبي ذر: ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قال أبو ذر: قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق قال: في الرابعة وإن رغم أنف أبي ذر.
ورواه الطبراني في الأوسط عن سلمة بن نعيم الأشجعي من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق.
وفي رواية لأحمد عن أبي الدرداء: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة قال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً. قال في الثالثة: على رغم أنف أبي الدرداء.
ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان، وابن ماجه عن أبي ذر مرفوعاً: أتاني جبريل ﵇ فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت
стр. 320
يا جبريل وإن زنى وإن سرق قال: نعم قلت: وإن زنى وإن سرق قال: نعم وإن شرب الخمر.
وصدر الحديث رواه البزار عن عمر ولفظه: من شهد أن لا إله إلا الله يعني، وأن محمداً رسول الله دخل الجنة.
ورواه أحمد ومسلم والترمذي، عن عبادة بن الصامت بلفظ: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار، فإنها بطريق التأبيد حرمت على أهل التوحيد.
ورواه أحمد وابن ماجه، عن أنس: يا معاذ بن جبل ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقاً من قلبه، إلا حرم الله عليه النار قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيبشروا قال: إذاً يتكلوا.
وفي رواية: وإنما أخبر به معاذ عند موته تأثماً أي خروجاً عن ارتكاب إثم كتم العلم.
- ذكر إسناده عن ظريف بن شهاب السعدي
-ذكر إسناده عن ظريف بفتح فكسر فتحتية ففاء ابن شهاب السعدي بفتح السين وضمها وسكون العين وفي آخره ياء النسبة أبو حنيفة عن (ظريف أبي سفيان) بدل مما قبله (عن أبي نضرة) وهو المنذر بن مالك العبدي سمع ابن عمر وأبا سعيد، وابن عباس وروى عن إبراهيم التيمي، وقتادة وسعيد بن يزيد، عداده في تابعي البصرة مات قبل الحسن بقليل.
(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "الوضوء مفتاح الصلاة") أي شرطها الذي لا يمكن أن يدخل فيها إلا به، أو بما يقوم مقامه من الغسل والتيمم، (والتكبير تحريمها) وهو شرط ملاصق بأركانها، وقد عده بعض من