إطلاق بل يقولون إنا مؤمنون إن شاء الله تعالى (فقال: ما لهم لا يقولون) أي وأي شيء مانع من إطلاق قولهم إنا مؤمنون، يشكون، ولا يترددون، بل يوقنون، قال علقمة: يقولون (إنا إذا أثبتنا لأنفسنا الإيمان جعلنا أنفسنا من أهل الجنة) والمعنى إن الله أخبر المؤمنين الجنة، فإذا ادعينا أنا مؤمنون، يلزم منه القول بأنا من أهل الجنة وأهل الجنة مهملون كما قال تعالى: ﴿فَرِيْقٌ فِيْ الْجَنَّةِ وَفَرِيْقٌ فِيْ الْسَّعِير﴾ (١) وكما ورد هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي، وفيه بحث، إذ السؤال عن قضية، والإشكال من جهة الإجمال في الاستقبال، ولذا قال المحققون حتى من الشافعية أن المخالفة لفظية لا حقيقة، فإن من قال أنا مؤمن يريد إيمان الحال، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، يريد الموافقات في الاستقبال، والله أعلم بحقيقة الأحوال (قال) أي عطاء (سبحان الله) تنزيه أريد به التعجب (هذا) أي التزام الذي (تصوره من خدع الشيطان) أي من تلبساته، وحبائله، أي إنكاره بأن يقربهم إلى التردد والشك في الإيمان، ولو صورة ليتوصل به إلى عدم الجزم والإيقان (ألجأهم) أي اضطرهم (إلى أن وفقوا لأعظم منة الله عَلَيْهِمْ، وهو الإسلام) أي الانقياد الظاهري والباطني الموجب للشكر المستوجب للمزيد من الثبات والدوام عليه المقتضي لدخول الجنة والقرب لديه. (وخالفوا سنة رسول الله ﷺ أي حيث لم يرو عنه ﷺ ، استثناء في إيمانه، ولا أعلم أحداً يستثنى في إيقانه، بل قال تعال
стр. 387
ى (أولئك) هم المؤمنون حقاً (أولئك) هم الكافرون حقاً، ولا واسطة بينهما أصلاً وقطعاً في الحال المرتهنة مع احتمال تغير الحال باعتبار الخاتمة (رأيت أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم (يثبتون الإيمان لأنفسهم) أي من غير ترددهم في قولهم، ولا استثناء في مقولهم (يذكرون ذلك) أي يروون مثل ذلك (عن رسول الله ﷺ أي قولاً وفعلاً وتقريراً (أفعل بهم الله) للقوم المذكورين (يقولون): خبر معناه أي يقولوا، والمعنى ليقولوا (إنا مؤمنون، ولا يقولوا إنا من أهل الجنة) إذ لا يلزم ذلك من وجود ما هنالك (فإن الله لو عذب أهل سماواته) أي من الملائكة المقربين (وأهل أرضه) أي من الأنبياء والمرسلين (يعذبهم وهو غير ظالم لهم) إذ الظلم لا يتصور عنه سواء يكون بمعنى وضع الشيء في غير محله، أو بمعنى التعدي في ملك غيره.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلعَبِيدِ﴾ (١) وقال : ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢).
وقال أهل السنة والجماعة: إن الله سبحانه لا يجب عليه إثابة مطيع ولا عقوبة عاص (فقال له علقمة: يا أبا محمد إن الله لو عذب الملائكة الذين لم يعصوه) صفة كاشفة، أو احترز به من نحوها، روت وما روت (طرفة عين) أي غمضتها (عذبهم
стр. 388
وهو غير ظالم بهم) وعلى هذا القياس، ولو عذب الأنبياء المعصومين، وإنما تركهم لظهور أمرهم في باب المقالية من علو قدرهم، فكان همزة الاستفهام مقدرة على قوله: عذبهم ليصح (قال) أي علقمة (نعم، قال) أي ثم قال علقمة (هذا) أي الذي ذكر إجمالاً (عندنا عظيم) أي أمره (فكيف نعرف هذا) أي تفصيلاً (فقال له با ابن أخي) أي في الدين، فإن المؤمنين أخوة في مقام اليقين (من هنا) أي هذا الباب الذي هو طريق التحقيق (ضل أهل القدر) المعتزلة، وسائر أهل البدعة (فإياك أن تقول بقولهم) أي في هذه المسألة (فإنهم أعداء الله) أي أعداء دينه (الرادون على الله) أي ما ورد في كلام وصح في حديث رسوله، بتمامه على وجه وضوحه ونظامه (أليس يقول الله للنبي) ﷺ (قل فلله الحجة البالغة) أي البينة الواضحة، بلغت غاية المثابة والقوة على الثبات المدعى من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. (فلو شاء لهداكم أجمعين) أي بالتوفيق بها والحمل عليها، ولكن شاء هداية قوم وضلالة آخرين، وقد اتفق كلمة السلف على ما ورد من قوله ﷺ : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فسبحان الله أن يجري في ملكه إلا ما يشاء من الخير والفحشاء (فقال له علقمة: اشرح) أي أوضح (يا أبا محمد شرحاً) أي إيضاحاً (يذهب عن قلوبنا هذه الشبهة) أي بالكلية في قطع القضية (فقال: أليس الله ﵎ دال الملائكة على تلك الطاعة) أي هداهم إليها (وألهمهم إياها) أي وفقهم عليها
стр. 389
(وعزمهم عليها) في كثرة الطاعة والعصمة عن المخالفة (وجبرهم على ذلك) أي وقهرهم على هنالك بحيث لا يتصور أنهم يعصون الله ما آمرهم، ويفعلون ما يؤمرون (قال) أي علقمة (نعم، فقال) أي عطاء (وهذه) أي وهذه المذكورات (نعم) أي كثيرة تدخل في محظورات (أنعم الله بها عليهم قال: فلو طالبهم) أي الله (بشكر هذه النعم) أي القيام بأداء حقها، كما هو لائق لمنعمها (ما قدروا على ذلك) واعترفوا بقولهم ما عبدناك حق عبادتك، ولعجزوا عن الشكر وقصروا عن الذكر (وكان له) أي الله (سبحانه أن يعذبهم بتقصير الشكر، وهو غير ظالم لهم) ومضمون هذا الحديث الشريف روي موقوفاً عن بعض الصحابة، ومرفوعاً عن معتصم.
فرواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له، وقد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أن الله عذب أهل سمواته، وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا، لدخلت النار قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك.
ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك.
стр. 390
- ذكر إسناده عن عبد العزيز بن رُفيع
-ذكر إسناده عن عبد العزيز بن رُفيع بضم الراء، وفتح الفاء وسكون الياء، وهو الأسيدي المكي، سكن الكوفة، وهو من مشاهير التابعين، وثقاتهم، سمع ابن عباس، وأنس بن مالك، وأتى عليه نيف وتسعون سنة.
- حديث قدر
أبو حنيفة (عن عبد العزيز) أي المشار إليه (عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص) بضم الميم وفتح العين، سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر.
وروى عنه سماك بن حرب، وغيره (عن أبيه) وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة (قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نفس) أي من نفس بني آدم (إلا وقد كتب الله مدخلها) مكان دخولها، وزمانه وسائر شأنه من أول ولادته إلى انتهاء نشأته (ومخرجها) أي مكان خروجها، وزمانه، وهو منتهى أجله، ومقتضى علمه، ومنقطع عمله (وما هي لاقية) أي ملاقية فيما بعد الحالتين من ابتداء البعث إلى الأبد، سواء يكون من أهل الجنة، أو العقوبة، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿يَا أيُّها
стр. 391
الإِنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ (١) والكدح، السعي (فقال رجل من الأنصار) ظناً منه أن العمل يوجب الثواب، ويقتضي العقاب في هذا الباب من غير ما سبق في هذا الكتاب (ففيم العمل إذاً) أي إذا كان الأمر مفروغاً إليه، وليس بمستأنف، مبني على خير العمل وشره (يا رسول الله) إيماء إلى أن هذا سؤال استفهام واستعلام لا إنكار، لما ورد من كلام (فقال: اعملوا) أي لا تتركوا العمل، فإنكم مأمورون بتحسين الأعمال وتزيين الأحوال (فكل ميسر) أي مسهل أو موفق (لما خلق) أي من الأعمال في الحال والاستقبال خيراً وشراً.
وهذا مجمل الكلام، وأما تفصيل المرام، فقوله (أهل الشقاوة فيسروا بعمل أهل الشقاوة) من الكفر والمعصية (وأما أهل السعادة فيسروا عمل أهل السعادة) أي من الإيمان والطاعة (فقال الأنصاري: الآن حق العمل) أي ثبت ظهور فائدة العمل، ونتيجة الأمل.
(وفي رواية: اعملوا، فكل ميسر) أي لعمل خاص (مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجَنَّة) أي في علم الله وكتابه (يُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّة، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ النَّار، فَقَال الأَنْصَارِيُّ: الآنَ حَقَّ العَملُ)، ولِهَذَا قَالَ ابْنُ عَطَاء
стр. 392
فِي حُكْمِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ قَدَرَكَ عَنْهُ، فانْظُرْ فِيمَا ذَاكَ يُقَيِّمُكَ.
- الأعمال بالخواتيم
وقد ورد من أراد أن يعلم منزلته عنده، فلينظر كيف منزلة الله من قلبه.
وهذا معنى قول بعض السلف: اعرض نفسك على كتاب الله من قوله : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ... وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (١) وهذا أمر مطرد كلي، وهو لا ينافي تخلف فرد جزئي بانقلاب بره فجوراً، وبانعكاس فجوره براً، فإن الأعمال بالخواتيم.
والحديث رواه الشيخان، عن علي كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السعادةِ، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أعْطى وَاتّقَى ... وَصَدَّقَ بِالْحُسِنَى﴾ (٢) الآية. وقد بسطت شرح هذا الحديث، وما قبله في المرقاة شرح المشكاة.
- تفريق النكاح
وبه (عن عبد العزيز، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن امرأة توفي عنها زوجها) أي ولها ولد منه (ثم جاء عم ولدها) وهو أخو زوجها (فخطبها) أي هي تريده (فأبى الأب أن يزوجها) أي إياه، لأمر من الأهواء (وزوجها آخر) أي من
стр. 393
خاطب غيره، وهي مكرهة (فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك) أي المذكور من حال الزوجين (له) أي للنبي ﷺ (فبعث إلى أبيها) أي ليحضر (فحضر، فقال: ما تقول هذه) أي المرأة أكاذبة في قولها أم صادقة؟ (قال: صدقت) أي في مقالتها (ولكن زوجتها ممن هو خير منه) أي من عم ولدها، إما حسباً أو نسباً أو غيرهما (ففرق بينهما) أي بين المرأة والزوج الآخر (وزوجها عم ولدها).
(وفي رواية) أي أخرى (عن ابن عباس، أن أسماء) اسم امرأة (خطبها عم ولدها، ورجل آخر) أي أبيها متعلق بخطب (فزوجها) أي أبوها (من الرجل) أي الآخر (فأتت النبي ﷺ ، فاشتكت ذلك إليه) أي فرافعت خصومتها بين يديه (ضرعها من الرجل) إلى كله، ففسخها وفرقها، (وزوجها عم ولدها).
(وفي رواية) أي أخرى، عن ابن عباس، أو غيره (أن امرأة توفي زوجها فخطبها عم ولدها، فزوجها أبوها بغير رضاها من رجل آخر، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فدعا النبي ﷺ ، قال: أزوجتها) أي بغير رضاها (قال: زوجتها
стр. 394
ممن هو خير منه) أي ممن تريده وتحبه (ففرق النبي ﷺ بينها وبينه، وزوجها من عم ولدها).
- الثيب أحق بنفسها من وليها
(وفي رواية، أن امرأة توفي عنها زوجها، ولها منه ولد، فخطبها عم ولدها، وأبى أبوها، فقالت: زوجنيه، فأبى، وزوجها غيره بغير رضى منها، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك لهُ، فسأله) أي أباها (عن ذلك) أي إبائه (فقال: نعم، زوجتها من هو خير لها من عم ولدها، ففرق بينهما، وزوجها من عم ولدها) فهذا كله صريح في أن الثيب أحق بنفسها من وليها، ولو زوجها أبوها من كفء لها.
وفي صحيح مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك، في الموطأ: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها، والأيم، بتشديد الياء المكسورة، من لا زوج لها بكراً كانت، أو ثيباً، وكذا لا يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح عندنا، خلافاً للشافعي ومعنى الإجبار، أن يباشر العقد، فينفذ عليها، شاءت أو أبت.
ومبنى الخلاف، أن علة ثبوت ولاية الإجبار هو الصغر، أو البكارة فعندنا
стр. 395
الصغر، وعند الشافعي البكارة فابتنى عليه ما إذا زوج الأب الصغيرة، فدخل وطلقت قبل البلوغ، لم يجز للأب تزويجها عنده، حتى تبلغ، فشاور بعدم البكارة.
وعندنا له تزويجها لوجود الصغر.
والحاصل، أن الكلام هنا في الكبيرة، أعم من البكر والثيب، فيشترط رضاها، أما الثيب، فقد سبق ذكرها وهو متفق عليه، أما البكر ففي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، من حديث ابن عباس، أن جارية بكراً أتت رسول الله ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، خيرها النبي ﷺ ، وهذا حديث صحيح، كما صرح به ابن الهمام، قال ابن القطان، حديث ابن عباس هذا صحيح، وليست هذه خنساء بنت خزام، التي زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهته، فرد النبي ﷺ نكاحه، فإن هذه بكر، وتلك ثيب، انتهى.
على أنه روي أن خنساء أيضاً، كانت بكراً، أخرج النسائي في سننه حديثاً، وفيه أنها كانت بكراً، لكن رواية البخاري تترجح.
ويحتمل تعددها، قال ابن القطان: والدليل على أنهما يثبتان لهما الخيار، ما أخرج الدارقطني عن ابن عباس، أن النبي ﷺ رد نكاح ثيب وبكر، أنكحهما أبوهما وهما كارهتان.
- لا تسبوا الدهر
وبه (عن عبد العزيز، عن ابن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) أي خالقه ومصرفه في الخير والشر.
وفي النهاية كان من شأن العرب تذم الدهر، وتسبه عند النوازل والحوادث، ويقولون آباءهم، وقد ذكره والدهر عنهم في كتابه العزيز، لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾ (١) والدهر اسم للزمان
стр. 396
الطويل، ومدة الحياة الدنيا، فنهاهم النبي ﷺ عن ذم الدهر، وسبه، أي لا تسبوا فاعل هذه الأشياء، فإنهم إذا سبوه، وقع السب على الله تعالى، لأنه هو الفعال لما يريد، والحديث بعينه رواه مسلم عن أبي هريرة.
- ذكر إسناده عن عبد الكريم بن أمية
- خروج النساء إلى العيدين
ذكر إسناده عن عبد الكريم بن أبي أمية، بضم، ففتح، فتشديد تحتية وهو من أجلاء التابعين. أبو حنيفة: (عن عبد الكريم، عن أم عطية) هي النُسَيْبَة، بضم النون وفتح السين المهملة، وسكون الياء وفتح الباء، بنت كعب، وقيل بنت الحارث الأنصارية، بايعت النبي ﷺ ، فَتُمَارِضُ المَرْضَى، وَتُدَاوِي الجرحى (قالت: كان) أي النبي ﷺ (يرخص للنساء) أي جميعهن من الشوائب وغيرهن (في الخروج) أي جواز خروجهن (إلى العيدين) أي صلاتهما (من الفطر والأضحى) بيان لما قبلهما.
وفي شرح الهداية، لابن الهمام، وتخرج العجائز للعيد لا الشوائب، يعني لفساد أهل الزمان من الرجال والنسوان.
(وفي رواية: قالت: إن) مخففة من الثقيلة، أي قد كانت (الطامث) أي الحائض (لتخرج) أي إلى مصلى العيد (فتجلس في عرض النساء) بفتح العين، أي في جانب منهن، احترازاً من قطع صفهن (فتدعو) أي تارة (وتؤمن أخرى)
стр. 397
ليحصل لها البركة في العيدين.
(وفي رواية، قالت: أمرنا) أي معشر النساء (رسول الله ﷺ ، أن تخرج) بصيغة الغائبة، أو الغائب (يوم النحر ويوم الفطر) أي فيهما إلى مصلى هما (ذوات الخدر) أي المخدرات من وراء الأستار، كالأبكار (الحيض) بضم فتحتية مشددة مفتوحة، جمع الحائض، فأما الحيض (فيعتزلن الصلاة)، فإنهن ممنوعات منها (ويشهدن الخير) أي ويحضرن عبادة أهل الخير (ودعوة المسلمين) وترك القرينة بوضوح أمرهن في زيادة المشاركة من العبادة والطاعة (فقالت امرأة: يا رسول الله أفإن كانت إحدانا ليس لها جلباب) بكسر الجيم، أي إزار، وبرقع ونحوهما، يتعذر خروجها بدونه (قال: لتلبسها) بضم التاء، وكسر الباء، أي ينبغي أن تعيرها (أختها) في النسب أو الدين إذا كانت أغنى منها (من جلبابها) إذا تَعَذَّر عندها، أو إذا تعذر حضورها بنفسها.
هذا، وروى أبو حنيفة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ، أنه كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (١) و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ الغَاشِيَة﴾ (٢).
ورواه أبو حنيفة مرة في العيدين فقط كذا ذكره ابن الهمام.
- شفعة الجار
وبه: (عن عبد الكريم عن المسور) بكسر الميم، وفتح الواو (بن مخرمة)
стр. 398
بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة فراء مفتوحة، يكنى أبا عبد الرحمن الزهري القرشي، وهو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به إلى المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وقبض النبي ﷺ وله ثمان سنين، وسمع منه وحفظ عنه، وكان فقيهاً من أهل الفضل والدين، لم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة، فلم يزل بها حتى مات معاوية، وكره بيعة يزيد، فثم مقيماً بمكة إلى أن بعث يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ابن الزبير، فأصاب المسور حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجرة، فقتله، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين.
روى عنه خلق كثير (قال: أراد سعد) وهو ابن أبي وقاص (ببيع دار له، فقال لجاره: خذها بسبعمائة، فإني قد أعطيت بها) بصيغة المجهول أي أعطاني الناس بدلها (ثماني مائة درهم، ولكن أعطيتكها) أي بأنقص من قيمتها، واكتفيت بأصل ثمنها (لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بشفعته" وهذا من كمال سخاوته، وجمال رحمته ورأفته.
والحديث المرفوع، رواه أحمد والأربعة عن جابر، ولفظه: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً".
ورواه البخاري، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، عن أبي رافع، والنسائي، وابن ماجه، عن اليزيد بن سويد بلفظ، "الجار أحق بصقبه" بفتح المهملة، وقاف، أي بما يليه، وبقربه.
стр. 399
(وفي رواية عن المسور) يعني شيخ عبد الكريم (عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية، فجيم، يكنى أبا عبد الله الحارثي الأنصاري، أصابه سهم يوم أحد، فقال له رسول الله ﷺ : أنا شهيد لك يوم القيامة، وانفضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة.
روى عنه خلق كثير (قال: عرض علي سعد بيتاً) أي شراء دار ملك له (فقال: خذه) أي خذ البيت بثمنه، ولا تتوقف في أخذه (أما) أي تنبيه (إني قد أعطيت به) أي بمقابلته (أكثر مما تعطي) وفق ما أطلبه منك، ولكنك أحق به فاخترتك على غيرك في أخذه (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بشفعته") أي من غيره، لكن بقيمته، وإنما سامح سعد رضي الله تعالى عنه في ترك زيادته لكمال مروءته، وسخاوته.
(وفي رواية عن المسور، عن رافع، مولى سعد، أنه قال لرجل يعني) أي يريد بضمير، أنه سعداً، وقوله: خذ هذا البيت (بأربع مائة) مقول سعد (أَمَا) بتخفيف الميم للتنبيه (إني أعطيت به ثمان مائة درهم، ولكني أعطيتكه) وروى أنقص عن ثمنه (لحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، يقول: "الجار أحق بشفعته").
стр. 400
(وفي رواية، عن سعد بن مالك) يعني ابن أبي وقاص (أنه عرض بيتاً له على جاره) أي الملاصق داره بداره (بأربعمائة) بناء على المسامحة (وقال: قد أعطيت به ثماني مائة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بِصَقْبهِ") اعلم أن الشفعة شرعاً بملك العقار على مشتريه جبراً، بمثل ثمنه، وثبتت للخليط، وهو الشريك الذي يقاسم في نفس المبيع، ثم للخليطِ في حق المبيع، كالشرب والطريق خاصتين، ثم لجار ملاصق بالشروط المعروفة في الفقه فعندنا: الشفعة لكل واحد من هذه الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، كما ذكره الترمذي في جامعه، وقال مالك، والشافعي، وأحمد، لا شفعة للجار، لمروي البخاري عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة.
ولنا: ما روى أبو داود، في البيوع، والترمذي في الأحكام، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الشروط عن قتادة، عن الحسن بن سمرة، أن النبي ﷺ قال: "جار الدار أحق بدار الجار، أو الأرض. ورواه أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وفي بعض ألفاظهم، الجار أحق بشفعة الدار.
فإن قيل: المراد بما رويتم، الجار الذي يكون شريكاً، لما أخرجه البخاري عن عمرو بن الثريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى رسول الله ﷺ فقال: يا سعد، أتبع مني بيتي في دارك، فقال: والله ابتاعهما فقال المسور: والله لتبتاعهما، فقال سعد: والله لا أزيد على أربعة آلاف منجمة، أو مقطعة،
стр. 401
قال أبو رافع: لقد أعطيت بهما خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بصقبه" وفي رواية، بسقبة، ما أعطيتكها بأربعة آلاف درهم، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار، فأعطاهما إياه.
أجيب: بأن هذا معارض لما أخرجه النسائي وابن ماجه، عن عمرو بن الثريد، عن أبيه، أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرضي ليس لي أحد فيها شريك، ولا قسم إلا الجوار، فقال: الجار أحق بصقبه. هذا وأجيب عن حديث جابر، بأن تخصيص ما لم يقسم بالذكر، لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وقوله: استحقاق الشفعة للجار، مع ما روينا من وقوع الإخبار، ولو سلم أنه من كلام سيد الأبرار، فمعناه، لا شفعة بسبب القسمة لتوهم أن القسمة تثبت بها الشفعة كالبيع، لما فيها من معنى التمليك من كل واحد من الشريكين للآخر.
- حديث ركوب الهدي
وبه: أي بسند أبي حنيفة (عن عبد الكريم) أي ابن أمية المذكور (عن أنس، أن النبي ﷺ رأى رجلاً) وهو مبهم لم يعرف (ليسوق هديه) أي يمشي وراءها ويزجرها، والمراد بها الإبل هنا (فقال: اركبها) لأنه ﵊ علم أنه أتعبه السفر في ذلك المقام.
والحديث في الصحيحين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ رأى رجلاً ليسوق هديه، فقال: اركبها قال، إنها هدية، قال: اركبها، قال: فرأيته راكبها يسار النبي ﷺ ، وقد اختلف في ركوب البدن الهدية المهداة، فعن بعضهم أنه واجب لإطلاق هذا الأمر، مع ما فيه من مخالفة لسيرة الجاهلية، وهو مجانبة السائبة
стр. 402
والوصيلة والحامي.
ورد هذا بأنه ﵊ لم يركب هديه، ولم يركبه، ولا أمر الناس بركوب هداياهم.
ومنهم من قال له: أن يركبها مطلقاً من غير حاجة، تمسكاً بإطلاقه هذا.
وقال أصحابنا والشافعي: لا يركبها إلا عند الحاجة حملاً للأمر المذكور على أنه كان لما رأى من حاجة الرجل إلى ذلك، ويؤيده ما في صحيح مسلم عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن ركوب الهدي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها. وفي الكافي للحاكم: فإن ركبها أو حمل متاعه عليها للضرورة ضمن ما نقصها ذلك، يعني أن نقصه ذلك ضمنه نقصان ما هنالك.
- مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان
وبه (عن عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم ميم، فخاء معجمة، ثم راء مكسورة (عن طاوس) بالصرف إذ ليس فيه إلا العلمية بخلاف داود، فإن فيه زيادة، وهي العجمة، وهو ابن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، روى عن جماعة من الصحابة، وعنه الزهري، وخلق سواه، وقال عمرو ابن دينار ما رأيت مثل طاوس، كان رأساً في العلم والعمل، مات بمكة سنة خمس ومائة.
(قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله) أي سؤالاً علمياً (فقال: يا أبا عبد الرحمن) كناه تعظيماً له (أرأيت) أي أعلمت أو المعنى أخبرني عن حال الذين (يكسرون أغلاقنا) أي أقفالنا (ويفتحون أبوابنا، وينقبون بيوتنا) أي جدرانها
стр. 403
(ويغيرون على أمتعتنا) من الإغارة، أي ويأخذون أسبابنا على وجه التعدي (أكفروا) أي بهذه الأفعال ونحوها من الأحوال (قال: لا) فيه رد على الخوارج، حيث قالوا بكفر مرتكب الكبيرة من السرقة والغصب والظلم، خلافاً لمذهب أهل السنة والجماعة.
وأعرب المعتزلة في قولهم: أنه يخرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر (قال) أي الرجل السائل (أرأيت هؤلاء الذين يتاولون علينا) أي من الخوارج والبغاة (ويسفكون دماءنا) أي يريقونها، والمعنى: يبيحون قتلنا بتأويلات فاسدة، وآراء كاسدة (أكفروا به، قال: لا) أي لأنهم أخطأوا في اجتهادهم، ووقعوا في خلاف مرادهم فتوهموا أنا نستحق القتل لما صدر عنا من التقصير في الدين على زعمهم.
والحاصل، أنهم وغيرهم لم يكفروا (حتى يجعلوا مع الله شيئاً) أي شريكاً، وفي معناه كل ما يوجب كفراً فأما المعاصي، فلا يخرج المؤمن عن إيمانه، وهذا كله مقتبس من قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (١) (قال طاوس: وأنا أنظر إلى إصبع ابن عمر، وهو يحركها) إشارة إلى التوحيد، ومقام التفريد (ويقول سنة رسول الله ﷺ أي هذا شريعته وطريقته (وهذا
стр. 404
الحديث) وإن كان بظاهره (موقوفاً، لكن رواه جماعة) أي آخرون (فرفعوه) أي نقلوه (عن رسول الله ﷺ بهذا المبنى أو المعنى.
ولا يبعد أن يكون عن، بمعنى الباء لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (١)
- حديث مسح الخفين
وبه (عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن إبراهيم) أي النخعي (حدثني من سمع جرير بن عبد الملك) الظاهر أنه تابعي، إذ لم يذكره ابن عبد البر في الاستيعاب لتراجم الأصحاب، فالحديث مرسل، وهو حجة عندنا، وعند الجمهور (يقول: رأيت رسول الله ﷺ يمسح الخفين بعدما أنزلت سورة المائدة) في ذكرها، إن المسح عليهما بيان لقراءة الجر في أرجلكما، كما أن الغسل المستفاد من قراءة النصب مبين بغسل الرجلين الخاليين من الخفين.
وحاصله، أن الآية باعتبار اختلاف الرواية مجملة بينها صاحب الرسالة ﷺ ومن الفائدة البصيرة أن سورة المائدة آخر ما نزلت، فلا يجوز أن تكون منسوخة.
стр. 405
- ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي
- إفطار صوم في السفر
ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي.
أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، (عن الهيثم بن حبيب الصرفي) أحد التابعين الأجلاء (عن أنس بن مالك، قال: خرج رسول الله ﷺ لليلتين اختلتا) أي بقيتا من شهر رمضان (من المدينة) متعلق بخرج (إلى مكة) أي يقصد فتحها (فصام حتى أتى قديداً) وهو بالتصغير، موضع بين الحرمين (مشى الناس إليه الجهد) بضم الجيم، وفتحها، أي المشقة من جهة الصوم في تلك الحالة، حيث لا يمكنهم مخالفته ﵇ في العمل بالرخصة، وترك العزيمة (فأفطر) لما رأى بهم من الضرورة (فلم يزله بمفطر حتى أتى مكة) وفيه تنبيه على أن الصوم في السفر أفضل، لمن يكون له قوة، كما يشير إليه إطلاق قوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١).
وأما حديث "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي الْسَّفَر" فمحمول على حالة الضعف والضرورة، والحديث رواه عبد الرزاق في جامعه، ولفظه: "خرج رَسُولُ الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان حتى مر بقديد في الطريق، وذلك في نحو الظهيرة، فعطش الناس، فجعلوا يمدون أعناقهم، وتتوق أنفسهم إليه، فدعى رسول الله ﷺ بقدح ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس ثم شرب، فشرب الناس".
وَرَوَى أيقد، عن أبي جعفر، قال: لما أن كان النبي ﷺ مخرجه للفتح بعسفان، أو بالكديد، نُووِلَ قدحاً، وهو على راحلته في شهر رمضان، فجعلت
стр. 406
الرفاق تمر به والقدح على يده، ثم شرب، فبلغه بعد ذلك أن أناساً صاموا، فقال: أولئك العاصون.
وروى أحمد، عن ابن سعد والترمذي، بسند حسن، عن عمر، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في رمضان، يوم بدر، ويوم الفتح، فأفطر فيهما.
- وظيفة صبح وشام
وبه (عن الهيثم، عن أبي صالح) وهو ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة وهو مولى جويرية بنت الحارث، زوج النبي ﷺ وهو تابعي جليل، مشهور، كثير الحديث، واسع الرواية.
روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعنه ابنه سهيل، والأعمش (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح) أي يدخل في الصباح وهو أول النهار (أعوذ بكلمات الله التامات) أي الجامعات الكاملات وهي الآيات القرآنية المشتملة على المعجزات، وهي التامة، الكافيات للبليات والآفات (ثلاث مرات) أي متواليات على ما هو الظاهر (لم يضره عقرب حتى يمسي) أي يدخل في المساء، وهو أول الليل، وقيل آخر النهار، على اختلاف في أوله (ومن قال) أي كذلك (حين يمسي، لم يضره عقرب حتى يصبح).
(وفي رواية، قال): أي النبي ﷺ (من قال: أعوذ بكلمات الله التامات حين يصبح قبل طلوع الشمس ثلاث مرات، لم يضره عقرب يومئذ) أي في يوم ذلك
стр. 407
(وإذا قال حين يمسي) أي ثلاث مرات (لم يضره عقرب ليلته) أي في ليلة ذلك.
والحديث رواه الطبراني في الأوسط، بلفظ: من قال حين يصبح وحين يمسي.
وفي رواية، حين يمسي فقط، وكذا في رواية مسلم، والأربعة، والدارمي، وابن السني عن معقل بن يسار، وفي الأذكار للنووي، روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب حتى لدغني البارحة، قال: أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرك.
وروينا في كتاب ابن السني، وقال فيه: من قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ثلاثاً لم يضره. انتهى.
وفي رواية للترمذي بسند حسن: من قال حين يمسي ثلاث مرات لم يضره حية في تلك الليلة، قال سهيل: فكان أهلنا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم، فلم تجد وجعها.
هذا، وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان، والمستغفري في الدعوات، والبيهقي في الشعب، عن علي أنه قال: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة فلما فرغ قال: لعن الله العقرب، لا تدع مصلياً ولا غيره، ولا نبياً ولا غيره إلا لدغته، وتناول نعله فقتله بها، ثم دعا بماء وملح، وجعل يمسح عليها ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحدَ﴾ والمعوذتين.
وروى ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ خطب الناس وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب.
وبه (عن الهيثم عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان
стр. 408
رسول الله ﷺ يصيب من وجهها) أي باللمس أو القبلة (وهو صائم) أي فرضاً أو نفلاً، والجملة حالية، تعني كلام أحد الروايات، أي تريد عائشة بهذه الإصابة القبلة، لما صرحت بها في رواية أخرى، فقد روى أحمد والشيخان، والأربعة، عن عائشة، أنه ﵊ كان يقبل وهو صائم، وقد سبق بعض ما يتعلق به.
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رخص رسول الله ﷺ في ثمن كلب الصيد) وقد روى أحمد والنسائي، عن جابر أنه ﵊، نهى في ثمن الكلب، إلا الكلب المعلم.
وفي رواية الترمذي، نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد.
واعلم أن بيع العين الطاهرة صحيح بالاتفاق، وأما بيع العين النجسة في نفسها، كالكلب، والخنزير، والخمر، والسرجين هل تصح أم لا؟ قال أبو حنيفة: يصح بيع الكلب والسرجين، وأن يُوَكّلَ المسلمُ ذمياً في بيع الخمر وأتباعها
واختلف أصحاب مالك في بيع الكلب، فمنهم من أجازه مطلقاً، ومنهم من كرهه، ومنهم من خص الجواز بالمأذون في إمساكه.
وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز بيع شيء من ذلك أصلاً، ولا قيمة للكلب إن قتل أو أتلف، كذا في اختلاف الأئمة.
قال الدميري في حياة الحيوان: لا يصح بيع جميع الكلاب عندنا، خلافاً لمالك، فإنه أباح بيعها.
стр. 409
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع غير العقور، انتهى، وفي فتاوي قاضي خان أن بيع الكلب المعلم عندنا جائز، ومفهومه، عدم جواز بيع الكلب، إذا لم يكن معلماً، وهو المطابق لرواية هذا الحديث، والله أعلم.
- أكل الأرنب
وبه: (عن الهيثم، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج غلام من الأنصار قبل أحد) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي إلى جانب أحد، وهو بضمتين، جبل عظيم بقرب المدينة، وقد ورد في حقه، "أحد جبل يحبنا ونحبه"، (فمر) أي فذهب في طريقه (فاصطاد أرنباً) وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى (فلم يجد) أي معه (ما يذبحها) أي من آلات الحديد، كالسكين ونحوه (فذبحها بحجر) أي حاد (فجاء بها إلى رسول الله ﷺ قد علقها بيده، فأمره بأكلها).
وفيه تنبيه على جواز الذبح بكل ما فيه حدة، إذ المقصود هو إخراج الدم، واستثنى السن والظفر القائمين، أي غير المنزوعين، إذ يموت الحيوان بذلك خنقاً، بخلاف ما إذا كانا منزوعين، فإنه يجوز الذبح بهما، لكنه يكره لما فيه من استعمال جزء الآدمي.
(وفي رواية: أن رجلاً أصاب أرنبين، فذبحهما بمروة) بفتح الميم (يعني الحجر) أي الأبيض البراق، وهو أصلب الحجارة (فأمره النبي ﷺ بأكلها).
стр. 410
(وفي رواية: أصاب رجل من بني سلمة أرنباً، فأخذ، فلم يجد سكيناً، فذبحها بحجر، فأمره النبي ﷺ بأكلها). واعلم، أنه يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى، أنهما كرها أكلها.
أما حجتنا، ما رواه الإمام الأعظم والهمام الأقدم، وقد روى الجماعة عن أنس، قال: أنفخنا أرنباً بمر الظهران فسعى القوم عليها، فغلبوا، فأدركتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، فبعث رسول الله ﷺ بوركها وفخذها، فقبله.
وفي البخاري، في كتاب الهبة، أن رسول الله ﷺ قبله وأكل منه.
وروى أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان، عن محمد بن صفوان، أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين وأتي النبي ﷺ ، فأمره بأكلها.
واحتج ابن أبي ليلى، ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله، ولا أُحَرِّمُه، قال: قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: فإني اجتنبت لأنها تدمى، أي تحيض، وغاية هذا الحديث استقذارها، مع جواز أكلها، وليس ما يدل على تحريمها، ولا تكريمها، ولا كراهتها.
- إذا تعارضتا تساقطتا
وبه (عن الهيثم، عن رجل، عن جابر بن عبد الله) أي الأنصاري، قال:
стр. 411
(اختصم رجلان في ناقة، كل واحد منهما يقيم البينة) أي الشهود (أنها ناقة نتجتها) أي أولدها (في ملكه، قضى بها النبي ﷺ للذي في يده) ترجيحاً لجانبه.
(وفي رواية: أن الرجلين أتيا رسول الله ﷺ في ناقة) أي لأجل ناقة (تخاصما البينة أنه له فأقام هذا) أي أحدهما (أنه نتجتها، وأقام هذا) أي الآخر (بينة أنه نتجتها، فجعلها رسول الله ﷺ للذي في يده) فإن البيِّنتين لما تعارضتا، تساقطتا، فرجح صاحب اليد، لأن الأصل فيه أنها ملكه.
- حج الحائض
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قدمت) مع رسول الله ﷺ (عام الفتح وهي متمتعة) أي ناوية للعمرة، في أشهر الحج (وهي حائض) أي فلم تقدر أن تطوف لعمرتها (فأمرها النبي ﷺ أي برفض العمرة بالشروع في إحرام الحج (فرفضت عمرتها) أي فتركت أعمالها، فاستقبلت بأعمال الحج، وذبحت لرفضها كما سيأتي في الحديث الذي يليه.
стр. 412
وفي المواهب اللدنية، لما نزل ﷺ بسرف خرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن معه هدي، وأحب أن يجعلها عمرة، فليفعل - ومن كان معه هدي فلا. وحاضت عائشة فخرج عليها ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك، فطمثت العمرة، قال: وما شأنك؟ قالت: لا أصلي، قال: فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها، أي العمرة، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وفي رواية قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا يذكر إلاَّ الحج حين جئنا بسرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: والله إني لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: مالك، لعلك نفثت، أي حضت، قلت: نعم، قال: هذا شيء كتبه الله على ابن آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، "الحديث".
وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، كما اختلف، هل كانت متمتعة، أم مفردة؟ أم قارنة؟ وإذا كانت متمتعة، فقيل إنها أولاً أحرمت بالحج، هو ظاهر الحديث، لكن في حجة الوداع من المغازي عند البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة، وزاد أحمد من وجه آخر، ولم أسق هدياً، وهذا يقوي قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك بقوله ﵊ لها: "دعي عمرتك".
وفي رواية: ارفضي عمرتك لمسلم، أمسكي، أي عن عمرتك.
وفي رواية: اقضي عمرتك، وقد استدل الكوفيون بذلك على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة، فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردة، كما صنعت عائشة.
стр. 413
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ ذبح لرفضها العمرة بقرة) وهذا زيادة خير منها، وإلا كان ذبح الشاة تكفيها ..
- البول في الماء يوجب الرسومة
وبه: (عن الهيثم الصواف) أي بياع الصوف، وهو لا ينافي كونه ابن حبيب الصيرفي (عن محمد بن سيرين) هو من أجلاء التابعين (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبال) أي فضلاً أن يغاط، أو المراد بالبول، المعنى الأعم، والمراد، أن لا يلقى النجس (في الماء الدائم) أي الراكد الواقف (ثم يغتسل) بالنصب (منه أو يتوضأ) وهو عندنا محمول على ما إذا لم يكن عشراً في عشر، وعند غيرنا على ما عدا القلتين، وهذا إذا كان النهي تحريماً، ولا يبعد أن يكون تنزيهاً، فإنه ولو كان الماء كثيراً فإنه يوجب الوسوسة في الطهارة.
وقد روى أبو داود عن مكحول مرسلاً أن رسول الله ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه.
والحديث الذي رواه الإمام أخرجه مسلم عن جابر بلفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد.
ورواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه.
وفي رواية لمسلم قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناول تناولاً.
- جواز القراءة في الجهر
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، أن أبا بكر وعمر
стр. 414
رضي الله تعالى عنهما سمرا) بفتح الميم، أي سمرا في أول الليل، وتحدثا عند رسول الله ﷺ (ذات ليلة) أي ليلة من ليالي (قال) أي ابن مسعود، أو الرجل عنه (فخرجا) أي الشيخان (وخرج) أي النبي ﷺ (معهما، فمروا) أي ثلاثتهم (بابن مسعود) فيه وضع الظاهر موضع الضمر، على أنه نوع التفات منه على الأول، فتأمل، (وهو يقرأ)، أي والحال، أن ابن مسعود يقرأ القرآن في صلاة أو غيرها بصوت حسن، وأداء مستحسن.
وفي رواية ابن عبد الله: وافتتح بالنساء (فقال النبي ﷺ : من سره) أي أعجبه (أن يقرأ القرآن كما أنزل) أي مرفَّلاً طرياً معدلاً، لا تغييراً ولا تبديلاً (فليقرأ) أي القرآن (على قراءة ابن أم عبد) يعني ابن مسعود، وفيه منقبة عظيمة في حضرة جماعة جسيمة، (وجعل) أي وشرع النبي ﷺ يقول (لهُ) أي لابن مسعود وهو غائب عنه (سل) أي اطلب (ما شئت تعطيه) بصيغة المجهول (فأتاه أبو بكر وعمر) أي بعد مفارقتهما ﷺ ، إما في آخر الليل، وإما في أول النهار (يبشرانه) أي يريدان بإتيانهما إليه أن يبشراه بما صدر عن صدر الأنبياء من مدح قراءته، وأمره بالدعاء وإجابته (فسبق أبو بكر أو عمر إليه) أي في النزول عليه، وفي الكلام لديه (فبشره) أي إجمالاً (وأخبره) أي تفصيلاً (أن النبي ﷺ قد أمر بالدعاء، فقال) أي ابن مسعود (في دعائه: اللهم إني أسألك إيماناً دائماً) أي مستمراً مستقراً (لا يزول) تفسير لما قبله، أو تأكيد له، وفي رواية: إيماناً لا يرتد، وهذا يدل على كمال خوفه من سوء الخاتمة. (ونعيماً لا تنفذ) بفتح الفاء، فدال المهملة، أي لا يفنى ولا يحول، وهذا يشير إلى كمال زهده في الدنيا، ورغبته في نعيم العقبى (ومرافقة نبيك في جنة الخلد)
стр. 415
وهذا يشير إلى علو همته، ورفعة مرتبته، حيث أراد قرب المولى بوسيلة المصطفى.
وفي رواية أبي عبد الله، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حزيم، وابن أبي داود، وابن الأنباري معاً، في المصحف وعبد الرزاق، وابن حبان، والدارقطني في الأفراد، وابن عساكر، وابن نعيم في الحلية، وأبي يعلى عن قيس ابن مروان أنه أتى عمر، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف من ظهر قلبه، فغضب، وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شفتي الرجل، فقال: ومن هو ويحك؟ قلت: عبد الله بن مسعود، فقال: فما زال يطفأ ويسر عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك، والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أعلم بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك: "كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ ، وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله ﷺ يسمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله ﷺ يقول: "سل تعط، قلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه، فبشره والله ما سابقته إلى خير إلا سبقني إليه".
ورواه ابن عساكر، عن كميل، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت مع رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر، ومن شاء الله، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال رسول الله ﷺ : من هذا الذي يقرأ؟ فقيل له: هذا عبد الله بن أم عبد، فقال: إن عبد الله يقرأ القرآن غضاً كما أنزل، فأثنى عبد الله على ربه وحمده كأحسن ما أثنى عبد على ربه، ثم سأله، فاحتجى المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ويقيناً لا ينفد، ومرافقة محمد ﷺ في أعلى عليين في جنات الخلد، وكان رسول الله ﷺ يقول: سل تعطه، فانطلقت لأبشره، فوجدت أبا بكر قد سبقني، وكان سباقاً بالخير.
قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ عن عمر ما تقدم أول، واشتهر
стр. 416
كذا في الجامع الكبير، ولا مانع من الجمع بالحمل على تعدد القضاء، والله سبحانه أعلم.
(وفي رواية عن الهيثم، عن عبد الله) أي ابن مسعود، ولم يذكر رجلاً، فيحتمل أن الحديث موصُولاً من وجه، مقطوعاً من وجه آخر، فتدبر، وعلى كل تقدير، فهو معمول عندنا، (أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما سمرا عند النبي ﷺ أي في ليلة المشاورة في قضية (فخرجا، وخرج معهما، فمروا بابن مسعود) أي في المسجد (وهو يقرأ القرآن في الصلاة) أي صلاة التهجد (فقال النبي ﷺ : "مَنْ أَحَبَ أَنْ يَقْرأَ الْقُرآنَ غَضّاً" أي طرياً (كما أنزل) أي من غير تغير من لحن وغيره (فليقرأ على قراءة ابن أم عبد الله) يعني ابن مسعود (وجعل) أي النبي ﷺ عند دعاء ابن مسعود بعد فراغ قراءته (يقول) أي في حقه (سل تُعْطه) شهادة له أن قراءته مقبولة، ودعوته مستجابة (وذكر) أي الهيثم (تمام الأول) أي بقية الحديث السابق كما تقدم والله أعلم.
- أكل الأرنب
وبه (عن الهيثم، عن موسى بن طَلْحَة) يكنى بأبي عيسى التيمي، القرشي، سمع جماعة من الصحابة، مات سنة أربع مائة (عن أبي الحوكية) بفتح مهملة، وسكون واو وكسر قاف، وتحتية مشددة، أحد أجلاء التابعين (عن عمر
стр. 417
رضي الله عنه، قال: أتي رسول الله ﷺ أي جيء (بأرنب) بفتح الهمزة والنون، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، وهو اسم جنس، يقع على الذكر والأنثى، فأمر أصحابه، فأكلوا، فيه تنبيه على أنه أتي مطبوخاً، وليس فيه ما يدل صريحاً على أنه ﵊ ما أكله، لكن رواه أبو دواد في سننه من حديث خالد بن الحويرث، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال في الأرنب: إنها تحيض، وخالد بن الحويرث قال ابن مسعود: لا أعرفه.
وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
ويؤيده أنه روى البيهقي عن ابن عمر أن النبي ﷺ جيء له بأرنب، فلم يأكلها، ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض، انتهى، والظاهر أن ضمير زعم، لابن عمر، فتدبر، ولو صح امتناعه ﵊ عن أكله بمقتضى طبعه فحيث أمر أصحابه بأكله دل على أنه حلال في أصله (وقال للذي جاء بها: ما لك) أَيْ أَيُّ مانع لك حال كونك (لاتأكل منها) بمقتضى الطبع، أو لمانع من الشرع (قال: إني صائم، قال: وما صومك) أي فرض بقضاء، أو نذر، أو غيرهما (قال: تطوع) أي هو نافلة، وكان في غير الأيام الفاضلة، (قال: فهذا) أي اخترت (البيض) أي أيامها، باعتبار لياليها المقمرة، من الثلاث عشر والأربع عشر والخمسة عشر، وفيه ترغيب الأفضل والأكمل فتامل.
واعلم أن أكل الأرنب يحل عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى، أنهما كرها أكلها، وحجة الجمهور ما رواه الجماعة، عن أنس، قال: أنفخنا أرنباً بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا،
стр. 418
فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها، فقبله، زاد البخاري في كتاب الهبة، وأكل منه، ولفظ أبي داود: وكنت غلاماً خزوراً، بتشديد الزاء وتخفيفها، أي مرهقاً، فصدت أرنباً فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى النبي ﷺ ، وقد سئل ﷺ فقال: هي حلال.
وروى أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان عن محمد بن صفوان، أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين وأتى النبي ﷺ ، فأمره بأكلها.
واحتج ابن أبي ليلى، ومن وافقه، بما رواه الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: قلت يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قال: قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمى، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الضبع، قال: ومن يأكل الضبع؟ قال الترمذي: وإسناده ليس بالقوي، ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وفي بعض الروايات، وسألته عن الذئب؟ فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير، وليس في شيء من الأحاديث، وإن ضعفت، ما يدل على تحريم الأرنب، وغاية هذين الخبرين، استقذارها مع جواز أكلها.
وبه (عن الهيثم، عن عامر) أي شراحيل (الشعبي) بفتح فسكون، وهو الكوفي، أحد الأعلام ولد في خلافة عمر، روى عن خلق كثير، وعنه أمم، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال: ما كتبت سواداً في البيضاء قط، ولا حدثت بحديث إلا حفظته، قال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.
وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة،
стр. 419
والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، مات سنة أربع ومائة، وله اثنتان وثمان سنة.
(قال) أي الهيثم (كان) أي الشعبي (يحدث عن المغازي) أي غزوات النبي ﷺ ، وما يتعلق بها من سراياه، وما يجري مجراه (وابن عمر يسمعه قال) أي عمر (حين سمع حديثه) أي حديث الشعبي في المغازي (إنه) أي الشعبي، أو الشأن (يحدث) أي الشعبي (كأنه شهد القوم) أي حضر مع الذين كانوا في تلك الغزوات وشاهدوا تلك الحركات والسكنات.
وبه (عن الهيثم، عن أم ثور، إحدى التابعيات، عن ابن عباس، أنه قال: لا بأس أن تصل المرأة شعرها بالصوف) أي ونحوه من الحرير، والكتان وأمثالهما (إنما نهى) أي وصلها إياه (بالشعر فإنه من باب الغش)، وروى من غشنا فليس منا.
(وفي رواية) أي لها عنه (لا بأس بالوصل) أي بوصل الشعر (إذا كان) أي الموصول به (شعر بالرأس) أي بشعره، فعموم حديث: لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، على ما رواه أحمد، وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر، تكون مخصوصاً بهذا.
стр. 420
- أكبر بناته ﷺ زينب ﵂، وقيل رقية ﵂.
وبه (عن الهيثم عن) موسى (ابن كثير) أحد أكابر التابعين (أن عمر مر بعثمان ﵄ وهو) أي والحال أن عثمان (حزين) أي آثار الحزن ظاهر عليه (قال: ما يحزنك)؟ بضم الياء، فكسر الزاي، وبفتح الياء، وضم الزاي، أي شيء يوقعك في الحزن (قال: ألا أحزن) بفتح الهمزة والزاء، وهو لازم، أي لا أهتم (وقد انقطع الصهر) أي نعت التصاهر (بيني وبين رسول الله ﷺ أي بحسب الظاهر (وذلك) أي القول (حدثان) بفتح الحاء والدال، ونصب النون، أي أوائل (ماتت بنت رسول الله ﷺ وهي رقية ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده ﵊.
وقد ذكر الزبير بن بكار، وغيره، أنها أكبر بناته ﵊، وصححه الجرجاني، والأصح الذي عليه الأكثرون، أن زينب أكبرهن (وكانت) أي رقية (تحته) أي في عصمة نكاح عثمان، فتوفيت، والنبي ﷺ ببدر.
وعن ابن عباس، لما أخبرني النبي ﵊ برقية، قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات، أخرجه الدولاني. (فقال له عمر: أزوجك حفصة ابنتي، فقال): أي عثمان (له حتى أستأمر) أي أستأذن (رسول الله ﷺ ، فأتاه) أي جاء عمر رسول الله ﷺ (فقال له) أي لعمر (رسول الله ﷺ : "هل لك أن أدلك على صهر هو خير لك من عثمان، وأدل عثمان على صهر هو خير له منك، فقال):
стр. 421
أي عمر (نعم، فقال: "زوجني حفصة، وأزوج عثمان ابنتي) أي أم كلثوم فقال: (نعم، ففعل رسول الله ﷺ أي كلا الأمرين.
وفي رواية أخرجها الخجندي، أنه لما توفيت رقية، خطب عثمان ابنة عمر، فرده، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: يا عمر، أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك، قال: نعم يا نبي الله، فقال: تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي، انتهى.
ولا يبعد أن يجمع بين الروايتين، أن عمر رده أولاً، ثم عرض عليه ثانياً، وكان تزويج عثمان بأم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة تسع منها، وبهما لقب عثمان بذي النورين.
وروي أنه ﵊، قال له: والذي نفسي بيده، لو أن عندي مائة بنت، يمتن واحدة بعد واحدة، لزوجتك أخرى، هذا جبرائيل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجكها. رواه الفضائلي.
- أداء النافلة بالجماعة
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلى برجل) أي إماماً له (فصلى) أي الرجل (خلفه) أي وراءه، ويحتمل أنه وقف عن يمينه
стр. 422
متأخراً، فتصرف عليه، وصلى وراءه (وامرأة) أي وصلت امرأة (خلف ذلك) أي الرجل، مراعاة لحق الصف، ولئلا تبطل صلاة الرجل، لو حاذته في صلاة مشتركة أداء، وتحريمه بشروط المذكورة في كتب الفقه (صلاتهم جماعة) جملة حالية، أو استئنافية.
والظاهر، أن هذه الصلاة، كانت نافلة، فدل على جوازها إذا لم تكن علانية، وهذا وقد أجمعوا على أن أقل الجمع الذي ينعقد به صلاة الجماعة في الفرض والنفل، غير الجمعة اثنان، إمام ومأموم قائم عن يمينه، إلا أن عند أحمد، إذا كان المأموم واحداً، ووقف عن يسار الإمام، فإنه صلاته تبطل.
ولعله استدل بما وقع لابن عباس في اقتدائه بالنبي ﷺ في صلاة التهجد عند بيتوته في بيت ميمونة خالته أم المؤمنين، وقد وقف عن يساره ﵊، فأداره إلى يمينه الكريمة. والحديث رواه الشيخان وغيرهما.
- حديث القدر
وبه (عن الهيثم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : يجيء قوم يقولون: لا قدر) أي تقدير الله في الأشياء قبل خلقها، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأَرْضِ وِلاَ في أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتاَب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ (١).
стр. 423
- الزندقة هو الخروج عن الشريعة باطناً مع أنه يؤيدها ظاهراً
وهذا دليل صريح على أن القدرية المذمومة هم النافون للقدر، لا المثبتون له (ثم يخرجون منه) أي من هذا الابتداع الناشىء عن ترك الاتباع (إلى الزندقة) وهي الخروج عن الشريعة، باطناً، مع انقيادها ظاهراً. (فإذا لقيتموهم فلا تسلموا عليهم) والظاهر أنهم إن سلموا علينا، لا يستحقوا الرد زجراً عليهم. فإن المبتدعة شر من الفسقة، وكان فرض الكفاية يسقط لأعذار شرعية كما يدل عليه قوله: "وإن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشيعوهم" ومن جملة التشييع، الصلاة عليهم، وحضور دفنهم (فإنهم شيعة الدجال) أي أشياعه، وأتباعه، أو مقدمته (ومجوس هذه الأمة) أي أمة الدعوة، أو الإجابة، بناء على خلاف في كفرهم.
وإنما شبهوا بالمجوس، لأن المجوس يقول بإلهين، وهم يقولون: بأن أفعال العباد مستقلة لهم، فكأنهم يقولون بتعدد الآلهة، لأن الله ، وهو المنفرد، بأنه فعال لما يريد، ولا خالق سواه، هل من خالق غير الله (حق على الله) أي ثابت في حكمه أو واجب عليه بمقتضى أخباره، إذ لا خلف في وعده ووعيده (أن يلحقهم) أي القدرية (بهم) أي بالمجوس (في النار) ولو لم يكونوا مخلدين فيها كما يشير إليه الإلحاق، فإن النار أعدت للكافرين بالأصالة، وللفاجرين بالتبعية.
والأحاديث في ذم القدرية من المعتزلة وغيرهم من أهل البدعة، مشهورة، وفي كتب الحديث مسطورة.
стр. 424
- عائشة رضي الله تعالى عنها مبشرة بالجنة
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة) وهو مولى ابن عباس، وسبق ذكره (عن ابن عباس أنه استأذن على عائشة) أي ليعودها في مرضها (فأرسلت إليه) أي اعتذرت (إني أجد غماً) أي هماً كثيراً (وكرباً) أي قبضاً كبيراً (فانصرف) أي ارجع، فإني لم أرد أن أقابلك في هذا الحال، وأكالمك على هذا المنوال (فقال للرسول: ما أنا بالذي ينصرف حتى أدخل) قصد أن يفرج كربها ويزيل غمها بما يلائم مقامها (فرجع الرسول، فأخبرها بذلك) أي بما صدر عن ابن عباس هنالك (فأذنت له) أي بالدخول (فدخل عليها) من وراء حجابها (فقالت: إني أجد غماً وكرباً) أي شديداً (وأنا مشفقة) أي خائفة (مما) أي عن حال (أخاف) أي أعلم وأظن (أن أهجم عليه) أي من الموت على ما صدر لي من بعض النقصان أو الفوت (فقال لها ابن عباس: أبشري، فوالله لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "عائشة في الجنة) ولا شك أن تكوني معه ﵊ في الدرجة العالية (وكان رسول الله ﷺ أكرم على الله أن يزوجه جمرة من جمر جهنم) فيه إشارة إلى بشارة عدم سبق العذاب لها على دخول الجنة لها (فقالت: فرجت عني) أي أزلت عني غمي وكربي (فرج الله عنك) أي كل كرب وغم، أو عند الموت، جزاءً وفاقاً، وقد ورد أحاديث كثيرة في
стр. 425
فضلها، منها: قوله ﵊ لعائشة أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة، رواه الحاكم في مسنده.
ومنها قوله ﵊: "إني ليهوِّن عَليَّ الموتَ أني رأيتك زوجتي في الجنة"، رواه الطبراني في الكبير.
- أداء الصلاة مع الجماعة بعد أدائها مفردة
وبه (عن الهيثم، عن جابر بن الأسود، أو الأسود بن جابر، عن أبيه) أي جابر، وهو إذا أطلق، فالمراد به جابر بن عبد الله الأنصاري، والله أعلم، (أن رجلين) أي من أهل المدينة (صليا الظهر في بيوتهما) أي منفردين (على عهد النبي ﷺ أي في زمانه ﵊ (وهما يريان) بضم أوله، أي يظنان (أن الناس قد صلوا) أي في المسجد جماعة (ثم أتيا في المسجد) أي بعد فراغ صلاتهما (فإذا) للمفاجأة (رسول الله ﷺ في الصلاة) أي في أولها أو آخرها (فقعدا ناحية من المسجد، وهما يريان) أن يتوهمان الصلاة أي إعادتها والاقتداء بها نافلة، لا تحل لهما، حيث أنهما قد صليا (فلما انصرف رسول الله ﷺ ، ورآهما) أي على حالهما المشابه بحال المنافقين، أو الكافرين، (أرسل إليهما) أي بطلبهما (فجيء بهما وفرائصهما ترتعد) جمع فريصة، وهي أوداج العنق واللحمة بين الجنب والكتف، لا تزال ترتعد (مخافة أن يكون قد حدث) أي نزل (في أمرهما شيء) أي من الوحي الجلي أو الخفي، ويكون موجباً لغضبه عليه الصلاة