← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9060

شرح مسند أبي حنيفة

الملا على القاري

Полный текст (602 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أي عمر (نعم، فقال: "زوجني حفصة، وأزوج عثمان ابنتي) أي أم كلثوم فقال: (نعم، ففعل رسول الله ﷺ أي كلا الأمرين. وفي رواية أخرجها الخجندي، أنه لما توفيت رقية، خطب عثمان ابنة عمر، فرده، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: يا عمر، أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك، قال: نعم يا نبي الله، فقال: تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي، انتهى. ولا يبعد أن يجمع بين الروايتين، أن عمر رده أولاً، ثم عرض عليه ثانياً، وكان تزويج عثمان بأم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة تسع منها، وبهما لقب عثمان بذي النورين. وروي أنه ﵊، قال له: والذي نفسي بيده، لو أن عندي مائة بنت، يمتن واحدة بعد واحدة، لزوجتك أخرى، هذا جبرائيل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجكها. رواه الفضائلي. - أداء النافلة بالجماعة وبه (عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلى برجل) أي إماماً له (فصلى) أي الرجل (خلفه) أي وراءه، ويحتمل أنه وقف عن يمينه

стр. 422

متأخراً، فتصرف عليه، وصلى وراءه (وامرأة) أي وصلت امرأة (خلف ذلك) أي الرجل، مراعاة لحق الصف، ولئلا تبطل صلاة الرجل، لو حاذته في صلاة مشتركة أداء، وتحريمه بشروط المذكورة في كتب الفقه (صلاتهم جماعة) جملة حالية، أو استئنافية. والظاهر، أن هذه الصلاة، كانت نافلة، فدل على جوازها إذا لم تكن علانية، وهذا وقد أجمعوا على أن أقل الجمع الذي ينعقد به صلاة الجماعة في الفرض والنفل، غير الجمعة اثنان، إمام ومأموم قائم عن يمينه، إلا أن عند أحمد، إذا كان المأموم واحداً، ووقف عن يسار الإمام، فإنه صلاته تبطل. ولعله استدل بما وقع لابن عباس في اقتدائه بالنبي ﷺ في صلاة التهجد عند بيتوته في بيت ميمونة خالته أم المؤمنين، وقد وقف عن يساره ﵊، فأداره إلى يمينه الكريمة. والحديث رواه الشيخان وغيرهما. - حديث القدر وبه (عن الهيثم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : يجيء قوم يقولون: لا قدر) أي تقدير الله في الأشياء قبل خلقها، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأَرْضِ وِلاَ في أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتاَب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ (١).

стр. 423

- الزندقة هو الخروج عن الشريعة باطناً مع أنه يؤيدها ظاهراً وهذا دليل صريح على أن القدرية المذمومة هم النافون للقدر، لا المثبتون له (ثم يخرجون منه) أي من هذا الابتداع الناشىء عن ترك الاتباع (إلى الزندقة) وهي الخروج عن الشريعة، باطناً، مع انقيادها ظاهراً. (فإذا لقيتموهم فلا تسلموا عليهم) والظاهر أنهم إن سلموا علينا، لا يستحقوا الرد زجراً عليهم. فإن المبتدعة شر من الفسقة، وكان فرض الكفاية يسقط لأعذار شرعية كما يدل عليه قوله: "وإن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشيعوهم" ومن جملة التشييع، الصلاة عليهم، وحضور دفنهم (فإنهم شيعة الدجال) أي أشياعه، وأتباعه، أو مقدمته (ومجوس هذه الأمة) أي أمة الدعوة، أو الإجابة، بناء على خلاف في كفرهم. وإنما شبهوا بالمجوس، لأن المجوس يقول بإلهين، وهم يقولون: بأن أفعال العباد مستقلة لهم، فكأنهم يقولون بتعدد الآلهة، لأن الله ، وهو المنفرد، بأنه فعال لما يريد، ولا خالق سواه، هل من خالق غير الله (حق على الله) أي ثابت في حكمه أو واجب عليه بمقتضى أخباره، إذ لا خلف في وعده ووعيده (أن يلحقهم) أي القدرية (بهم) أي بالمجوس (في النار) ولو لم يكونوا مخلدين فيها كما يشير إليه الإلحاق، فإن النار أعدت للكافرين بالأصالة، وللفاجرين بالتبعية. والأحاديث في ذم القدرية من المعتزلة وغيرهم من أهل البدعة، مشهورة، وفي كتب الحديث مسطورة.

стр. 424

- عائشة رضي الله تعالى عنها مبشرة بالجنة وبه (عن الهيثم، عن عكرمة) وهو مولى ابن عباس، وسبق ذكره (عن ابن عباس أنه استأذن على عائشة) أي ليعودها في مرضها (فأرسلت إليه) أي اعتذرت (إني أجد غماً) أي هماً كثيراً (وكرباً) أي قبضاً كبيراً (فانصرف) أي ارجع، فإني لم أرد أن أقابلك في هذا الحال، وأكالمك على هذا المنوال (فقال للرسول: ما أنا بالذي ينصرف حتى أدخل) قصد أن يفرج كربها ويزيل غمها بما يلائم مقامها (فرجع الرسول، فأخبرها بذلك) أي بما صدر عن ابن عباس هنالك (فأذنت له) أي بالدخول (فدخل عليها) من وراء حجابها (فقالت: إني أجد غماً وكرباً) أي شديداً (وأنا مشفقة) أي خائفة (مما) أي عن حال (أخاف) أي أعلم وأظن (أن أهجم عليه) أي من الموت على ما صدر لي من بعض النقصان أو الفوت (فقال لها ابن عباس: أبشري، فوالله لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "عائشة في الجنة) ولا شك أن تكوني معه ﵊ في الدرجة العالية (وكان رسول الله ﷺ أكرم على الله أن يزوجه جمرة من جمر جهنم) فيه إشارة إلى بشارة عدم سبق العذاب لها على دخول الجنة لها (فقالت: فرجت عني) أي أزلت عني غمي وكربي (فرج الله عنك) أي كل كرب وغم، أو عند الموت، جزاءً وفاقاً، وقد ورد أحاديث كثيرة في

стр. 425

فضلها، منها: قوله ﵊ لعائشة أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة، رواه الحاكم في مسنده. ومنها قوله ﵊: "إني ليهوِّن عَليَّ الموتَ أني رأيتك زوجتي في الجنة"، رواه الطبراني في الكبير. - أداء الصلاة مع الجماعة بعد أدائها مفردة وبه (عن الهيثم، عن جابر بن الأسود، أو الأسود بن جابر، عن أبيه) أي جابر، وهو إذا أطلق، فالمراد به جابر بن عبد الله الأنصاري، والله أعلم، (أن رجلين) أي من أهل المدينة (صليا الظهر في بيوتهما) أي منفردين (على عهد النبي ﷺ أي في زمانه ﵊ (وهما يريان) بضم أوله، أي يظنان (أن الناس قد صلوا) أي في المسجد جماعة (ثم أتيا في المسجد) أي بعد فراغ صلاتهما (فإذا) للمفاجأة (رسول الله ﷺ في الصلاة) أي في أولها أو آخرها (فقعدا ناحية من المسجد، وهما يريان) أن يتوهمان الصلاة أي إعادتها والاقتداء بها نافلة، لا تحل لهما، حيث أنهما قد صليا (فلما انصرف رسول الله ﷺ ، ورآهما) أي على حالهما المشابه بحال المنافقين، أو الكافرين، (أرسل إليهما) أي بطلبهما (فجيء بهما وفرائصهما ترتعد) جمع فريصة، وهي أوداج العنق واللحمة بين الجنب والكتف، لا تزال ترتعد (مخافة أن يكون قد حدث) أي نزل (في أمرهما شيء) أي من الوحي الجلي أو الخفي، ويكون موجباً لغضبه عليه الصلاة

стр. 426

والسلام عليهما (فسألهما) أي عن وجه امتناع اقتدائهما (فأخبراه الخبر، فقال: إِذَا فَعَلْتُمَا ذَلِكَ فَصَلِّيا مع الناس، واجعلا الأولى هي الفريضة) أي والثانية نافلة. وفيه إشارة إلى أنه إنما يصلي نافلة، إذا لم يكن الوقت مكروهاً لأدائها، فلا يصلي بعد الصبح، ولا بعد العصر، ولا بعد المغرب، لامتناع ثلاث ركعات نفلاً، ولعدم اقتصاره على ركعتين، وازدياد على ثلاث، للزوم مخالفة الإمام. وعن ابن عمر قال: إن كنت قد صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة في المسجد مع الإمام، فصل معه غير صلاة الصبح، وصلاة المغرب، فإنهما لا يصليان مرتين، رواه عبد الرزاق، والعصر في حكم الصبح. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: إذا أعاد المغرب، يشفع بركعة، رواه ابن أبي شيبة، وهو محمول على فرض وقوعه، فإنه أولى من الاقتصار على الثلاثة، والله أعلم. وفي الحديث، دليل على أن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة، كما قاله أحمد، وإلا كانت الثانية فرضاً. وفيه تنبيه، على أن الإعادة ممنوعة، وأن القول بأن الثانية هي الفريضة، ضعيف. وكذا القول، بأنه مبهم مفوض إلى الله ، إذ لا بد أن يكون الصلاة متعينة لتكون الأحكام عليها متفرعة. (قيل: قد روى هذا الحديث جماعة) أي من الرواة (عن أبي حنيفة، عن

стр. 427

الهيثم، فلم يجاوزوا الهيثم) أي في إسنادهم (فقالوا: عن الهيثم يرفعه إلى النبي ﷺ فيكون الحديث مرسلاً أو مقطوعاً، وهو حجة عندنا. وأصل الحديث، ورد عن يزيد بن الأسود، على ما رواه أبو داود والحاكم، والبيهقي، بلفظ: "إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الإمام، ولم يصل، فليصل معه، فإنها نافلة". وفي رواية لأحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، عنه أيضاً بلفظ: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". وفي رواية للبيهقي عن ابن عمر، ولفظه: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما الإمام فصليا معه، فيكون لكما نافلة، والتي في رحالكما فريضة. وعن ابن عمر أنه سئل عن الرجل يصلي الظهر في بيته، ثم يأتي المسجد والناس يصلون، فيصلي معهم، فأيتهما صلاته؟ قال: الأولى منهما صلاته، وعن علي في الذي يصلي وحده، ثم يصلي في الجماعة، قال: أيتهما صلاته: قال: الأولى منهما صلاته. وعن علي في الذي يصلي وحده، ثم يصلي في الجماعة، قال: صلاته الأولى، رواه ابن أبي شيبة. وأَمَّا مَا في أبي داود والنسائي، عن سليمان بن يسار، قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، قال: "لاَ تُصَلُّوا صَلاَةً في يوم مرتين" فمحمول على أنه قد صلى تلك الصلاة جماعة، لما روى مالك في الموطأ، ثنا نافع، أن رجلاً سأل ابن عمر، يسأل، فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدركت

стр. 428

الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه، فقال ابن عمر: نعم، فقال أيتهما أجعل صلاتي، فقال ابن عمر: ليس ذلك إليك؛ إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء، وقال مالك: هذا من ابن عمر دليل على أن الذي روى عن سليمان بن يسار عنه، إنما أراد كلتيهما على وجه الفرض، إذا صلى في جماعة، فلا يعيد. قال ابن الهمام: وفيه نفي لقول الشافعية بإباحة الإعادة مطلقاً، وإن صلاها في جماعة. والله أعلم. - إذا دخل العشر الأواخر شد ﷺ الميزر وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا دخل شهر رمضان نام) أي أحياناً، في أول الليل (وقام) أي للصلاة أحياناً، أو نام أول الليل وقام آخره، وهذه عادته المستمرة (وإذا دخل العشر الأواخر) وهو وقت الاعتكاف (شد الميزر) بكسر الميم، أي ربط الإزار ربطاً شديداً، أو كناية عن ترك الجماع، أو عن كثرة العبادة كما يعبر عنها بالتشمير أيضاً، ويشير إليه قوله (وأحيا الليل) أي غالبه، أو كله، والظاهر هو الأول، إذ لم يرو صريحاً أنه ﵊ ترك المنام في الليل جميعه. والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عنها، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد الميزر.

стр. 429

وروى في حديث مسلم عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. - حديث الإمارة وبه (عن الهيثم، عن الحسن) أي البصري، فإنه المراد إذا أطلق عند المحدثين (عن أبي ذر) سبق ذكره (قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر الإِمرَة) بكسر الهمزة: الإمارة والحكومة (أمانة) أي عظيم، حيث يتعلق بها حقوق الله وحقوق عباده (فإتيانه فيها خير) ولعل هذا هو المعنى لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ (١) الآية. ويؤيده قوله ﵊: "كُلُّكُمْ رَاعِ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" نعم، يتفاوت مراتب الرعاء (وهي) أي قبول هذه الأمانة الكبرى (يوم القيامة) وهي موقف الحساب والعذاب (خزي) أي فضيحة (وندامة) أي ليس فيها منفعة (إلا من أخذها من حقها) أي على وجه استحقاقها، علماً وحلماً، لا تسلطاً وظلماً (وأدَّى الذي عليه) أي من الواجب في حكومته عن العدالة (وأنَّى ذلك) استفهام استبعاد، أي يستبعد وجود ذلك غالباً فيها هنالك، فعلى العاقل أن لا يرمي نفسه في المهالك. (وفي رواية عن أبي حنيفة، عن أبي عَسَّال) بفتح العين، وتشديد السين

стр. 430

(عن الحسن، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال لي: الإِمرةُ أمانةٌ، وهي يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها من حقها، وأدى الذي عليه، وأنَّى ذلك يا أبا ذر). والحديث بعينه، إلا باختلاف تقديم يا أبا ذر، وتأخره، وهذا يدل على كمال ضبط الإمام وحفظه في اختلاف المتن، وتعدد الإسناد، فعلم أنه خير أمة، عالم واحد في إيراد المراد. - المستحب في اللحية، قدر القبضة وبه (عن الهيثم، عن رجل، أن أبا قحافة) بضم قاف، وخفة مهملة، ثم فاء، فهاء، وهو عثمان بن عامر، والد الصديق الأكبر القرشي التيمي الملكي، أسلم يوم الفتح، وعاش إلى خلافة عمر، ومات سنة أربع عشرة، وله تسع وتسعون سنة، روى عنه الصديق وأسماء بنت أبي بكر (أتى النبي ﷺ ولحيته قد انتشرت) أي باعتبار كثرة شعرها (قال) أي الراوي (فقال) يعني النبي ﷺ (لو أخذتم) أي لو أخذ بعضكم أيها الصحابة، لكان حسناً، ولو للتمني، ولا يحتاج إلى جواب (وأشار) أي النبي ﷺ (بيده إلى نواحي لحيته) فالإشارة قامت مقام العبارة. فالتقدير: لو أخذتم نواحي لحيته طولاً وعرضاً، وتركتم قدر المستحب، وهو مقدار القبضة، وهي الحد المتوسط بين الطرفين المذمومين من إرسالهما مطلقاً، ومن حلقها

стр. 431

وقصها على وجه استئصالها، وفي حديث الترمذي، عن ابن عمر، أنه ﵊ كان يأخذ من لحيته، من عرضها وطولها. - من مات يوم الجمعة وُقِيَ عذاب القبر وبه (عن الهيثم، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يوم الجمعة) أي مؤمناً، (وُقِيَ) بصيغة المجهول، أي حفظ (عذاب القبر) أي مطلقاً، أو شدته، أو بخصوصه، أو كل يوم جمعة. والحديث رواه ابن ماجه، عن عكرمة بن خالد المخزومي، قال: مَنْ مَاتَ يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، أو ليلة القدر، وختم بخاتم الإيمان، وقي عذاب القبر. وأخرجه الترمذي، والطبراني، وأبو نعيم، عن عبد الله مرفوعاً: مَنْ مَاتَ يوم الجُمُعَةِ وُقِيَ من فتنة القبر. ورواه أبو نعيم. في الحلم، وعن جابر بلفظ: مَنْ مَاتَ يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة أخر من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء. ووقع في بعض الروايات، من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد، ووقي من فتنة القبر. وفي رواية لأحمد والترمذي عن عائشة مرفوعاً، ما من مسلم مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله تعالى فتنة القبر.

стр. 432

- حديث الدخان وبه (عن الهيثم، عن السبعي، عن مسروق، عن عبد لله) أي ابن مسعود، (قال: قد مضى الدخان والبطشة على عهد رسول الله ﷺ لا أنهما يأتيان في آخر الزمان. اختلفوا في الدخان والبطشة المذكورين في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِين﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ (٢) ففي البخاري، سأل محمد بن كثير عن سفيان بن منصور، والأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، وقال بينما رجل يحدث في كندة، فقال يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود، وكان متكئاً، فنهض، فجلس، فقال من علم شيئاً فليقل، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم، لا أعلم، الله ورسوله أعلم فإن الله تعال قال لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفين﴾ (٣) وإن قريشاً أبطأوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة، والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فقرأ: ﴿فَارتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخّانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عائدون﴾ فتكشف عنهم عذاب الآخرة إذا

стр. 433

جاء، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الَبطْشَةَ الكُبْرى﴾ يعني يوم بدر. وقال البغوي: وهذا قول ابن مسعود، وأكثر العلماء، وقال الحسن ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾، يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس، قال: يوم الدخان يجيء قبل قيام الساعة، ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويقترن المؤمن كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر، والحسن. وفي البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله ﷺ : أول آيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن اليمن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم حيث قالوا، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان، فتلا هذه الآية ﴿فَارْتَقِب يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ تملأ ما بين المشرق والمغرب، تمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن، فيصيبه منه الزكام، وأما الكافر كهيئة السكران، يخرج من منخريه وأذنيه، ودبره، ولا يخفى أن قول ابن مسعود أصبح في تفسير الآية؛ إذ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا العَذَابَ قَليلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ (١) كالتصريح بمقصوده، فإنه لا يتصور كشف عذاب الآخرة لا قليلاً ولا كثيراً، وكذا عودهم إلى شدة الكفر غير متصور حينئذ. فتعيَّن أن يحمل على عذاب الدنيا، وأنهم عائدون في كفرهم نقضاً لعهدهم. ويؤيده أيضاً قوله: ﴿يَومَ نَبْطُشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا منتقمون﴾ إنه يوم بدر، ولا يبعد حمل الآية على المعنى الأعم، والله أعلم. - وهذه الكذبة: ربما إنها يقال ليست بمذمة من وجه وبه (عن الهيثم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال: ما كذبت

стр. 434

منذ أسلمت، إلا واحدة) أي مرة أو كذبة واحدة، ثم بينها بقوله (كنت أرحِّل) بتشديد الحاء المهملة، أي أصنع رحل الدابة، وهي للبعير بمنزلة السرج للفرس. وفي القاموس: رحل البعير كمنع حُطَّ عليه الرحل (لرسول الله ﷺ ، فأتى) أي جاء (المدينة رحال) بتشديد الحاء المهملة، أي صانع الرحل المشهور في صنعته العلم بطريقته (من الطائف) وهو موضع معروف من الحجاز (فقال) أي مشيراً إليَّ أو مستشيراً عليَّ (أي الراحلة) أي، أيُّ صاحبة الرحل، وإلا فقد يطلق الراحلة على الناقة الجيدة، مع قطع النظر عن رحلها، كما ورد الناس، كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (أحبُّ إلى رسول الله) أي أعجب وأحسن لديه (قلت: الطائفية المكية) ومآلهما متحد في الكيفية (قال) أي ابن مسعود (كان) أي النبي ﷺ (يكرهها) وإنما كان يحب المدينة، نظراً إلى حب أهلها في مقام رحلها (فلما رحل) أي الناقة لرسول الله ﷺ (أتى بها) أي الراحلة (فلما رآها على غير حالها المعتاد في رحالها، قال: "من رحلنا هذه الراحلة") استفهام إنكار وتعجب (قال:) أي أحد من الحاضرين، او ابن مسعود على التفات (رحالك الذي أتيت به من الطائف) أي على زعم أن رحله مستحسن (فقال: "ردوا الراحلة لابن مسعود") أي ليرحل على معرفته بها، وهذه الكذبة ربما يقال إنها ليست مذمومة من وجه، إذ هي في سبيل الله ورضى رسوله ﷺ ، حيث خاف أن يفوته هذه الخدمة المعظمة. ونظير هذه القضية، أنه ﵊ تزوج بامرأة، وهي من أجمل

стр. 435

النساء فخفن الأزواج المطهرات أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يحب إذا دنا منك أن تقولي: أعوذ بالله منك، فقالت ذلك، فقال: "قد عذت بمعاذ، وطلقها وسرحها إلى أهلها"، وكانت تسمي نفسها الشقية. - احتياط مال اليتيم وبه (عن الهيثم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت: ﴿إنَّ الذينَ يأكُلُون أَمْوَالَ اليَتامَى ظُلماً﴾) أي متعدياً (﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهم﴾) أي ملئها (﴿نَاراً﴾) والتقدير يأكلون ناراً واقعة في بطونهم، كما هي كائنة في ظهورهم، وسُمي مال اليتيم ناراً باعتبار مآله إذا أكل ظلماً (﴿وسيصلون﴾) بصيغة المعروف، أو المجهول، أي وسيدخلون (﴿سَعيراً﴾) (١) أي ناراً تُسَعَّرُ لَهُم وتتوقد عليهم (عدل) أي تأخر (من كان يتولى أموال اليتامى فلم يقربوها) أي خوفاً من وقوع الظلم الموجب لدخول النار (وشق عليهم حفظها) أي بلسان شق عليهم ضبطها بانفرادها (وخافوا الإثم على أنفسهم) أي في خلطها، أو مطلقاً (فنزلت الآية) أي الآتية، (فخفف عليهم) أي القضية، وهي قوله تعالى: (﴿يسألونك﴾) أي يتساءلون الحال أو بيان المقال (﴿عن اليتامى﴾) أي أخذ أموالهم والاختلاط معهم في أحوالهم (﴿قُلْ إصلاحٌ لهم﴾) أي لأموالهم (﴿خير﴾) أي من تركها الموجب لضياع

стр. 436

أموالهم (﴿وإن تخالطوهم﴾) أي في حال الأكل، الآية (﴿فإخوانكم﴾) أي فهم إخوانكم حقيقة، أو حكماً، فإن المؤمنين أخوة، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (﴿والله يعلم المفسد﴾) في أعماله (﴿من المصلح﴾) في أحواله، وفي هذا وعد ووعيد لمربي اليتيم وأمثاله (﴿ولو شاء الله لأَعْنَتَكُمْ﴾) (١) أي لأوقعكم في العنت، وهو المشقة والمحنة، بعدم جواز المخالطة. ولكن ما شاءها، فلم يقع العنت، لأنه سبحانه قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يُريدُ الله بكُم اليُسْرَ وَلاَ يُريدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (٣) وقال : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) أي طاقتها (﴿إنَّ الله عَزِيْزٌ﴾) أي غالب على أمره (﴿حَكيم﴾) في تدبيره. وفي تفسير البغوي، قال ابن عباس، وقتادة: "لما نزلت الآية: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنَ﴾ (٥) وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُون أَمْوَالَ اليتامى ظلْماً﴾ (٦) الآية تَحَرَّج المسلمون من أموال اليتامى تحرجاً شديداً، أي تحولوا اليتامى عن أموالهم، حتى كان يصنع لليتيم طعام، فيفضل منه شيء، فيتركونه، ولا يأكلونه حتى يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فسألوا رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لهم خَيْر﴾ أي الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض خير وأعظم أجراً. قال مجاهد: يوسع عليه من طعام نفسه، ولا يتوسع من طعام اليتيم ﴿وإن تخالطوهم﴾، هذا إباحة المخالطة، أي أن تشاركوهم في أموالهم وتخالطوهم بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم ﴿فإخوانكم﴾، والإخوان يعين بعضهم بعضاً، ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح، ﴿والله يعلم

стр. 437

المفسد﴾ لأموالهم ﴿من المصلح﴾ لها، يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، وإفساد مال اليتيم وآكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح. وبه (عن الهيثم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ ضحَّى) بتشديد الحاء (بكبشين) أي الحمل، او الأنثى، إذا طلعت رباعيته (أشعرين) أي شعرهما كثير (أملحين) الملحة بالضم، بياض يخالط سواداً (أحدهما عن نفسه) الشريفة، على خلاف في أن الأضحية كانت واجبة عليه، أو مستحبة مندوبة إليه، (والآخر) عمن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (من أمته) أي ممن لم يقدر على التضحية. (وفي رواية نحوه) أي بمعناه أو بسنده (ولم يذكر جابر بن عبد الله) فيكون الحديث مرسلاً. - إسناده عن قيس بن مسلم - لبن البقر دواء ذكر إسناده عن قيس بن مسلم أحد أجلاء التابعين. أبو حنيفة: (عن قيس، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود، عن

стр. 438

النبي ﷺ قال: "عليكم بألبان البَقَر") جمع اللبن، باعتبار أنواعها، أو مقابلة الجمع بالجمع. والبقر اسم جنس، فيذكر ويؤنث، ولذا قال (فإنها) أو الضمير راجع إلى المفردة المفهومة من الجنس أي، فإن البقر (ترم) بضم الراء وكسرها، وتشديد الميم، أي تأكل وترعى (من كل شجرة) أي فيكون كالمعجون المركب المعتدل الموافق بمزاج كل أحد، وفيه تنبيه على الاحتراز من لبن البقرة الجلالة (وفيها) أي في ألبانها (شفاء) أي من كل داء، أو في الجملة، وظاهر الإطلاق الأول، فهو المنقول. ويؤيده رواية الحاكم، عن ابن مسعود، بلفظ: عليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر، وهو شفاء من كل داء. - لم ينزل الله داء إلا أنزل معه الدواء وبه (عن قيس، عن طارق، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لم ينزل الله دَاءً إلاَّ أَنْزَلَ مَعَهُ الدَّوَاء") أي لذلك الداء "إلا الهرم" بفتحتين، وهو كبر السن وما يترتب عليه من ضعف القوى (فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من الشجر). والحديث رواه الحاكم عن ابن مسعود، بلفظ: إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء، الحديث. (وفي رواية: إن الله لم يجعل في الأراضي داءً إِلاَّ جعل له دواء، إلا الهرم والسأم) أي الموت. (فعليكم بألبان البقر فإنها) أي ألبانها (تخلط من كل شجر).

стр. 439

(وفي رواية: ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء إلا السأم والهرم، فعليكم بألبان البقر، فإنها) أي ألبانها (تخلط من كل الشجر) أي من كل نوع من جنسها. وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل شفاء، وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم بسند صحيح، عن ابن مسعود: عليكم بألبان البقر فإنها دواء، وألبانها شفاء، وإياكم ولحومها، فإنها داء. وفي رواية لابن السني، وأبي نعيم، عن صهيب بلفظ: عليكم بألبان البقر، فإنها شفاء، وسمنها دواء، ولحمها داء. وفي رواية (إنَّ الله لم يَضَع في الأرض داءً، إلا وَضَعَ لَهُ شِفاءً، ودواءً، غَير السأم، فعليكم بألبان البقر، فإنها تخلط من كل الشجر). وفي رواية للحاكم عن ابن سعيد: أن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السأم، وهو الموت. ورواه أحمد عن طارق بن شهاب، ولفظه: إن الله تعالى، لم يضع داء إلا وضع له شفاء، فعليكم ... الحديث. وفي رواية ابن عساكر، عن طارق بن شهاب، عليكم بألبان الإبل والبقر، فإنها تَرُمُّ الشجر كله، وهو دواء من كل داء.

стр. 440

- أفضل الحج العج والثج وبه: (عن قيس، عن طارق، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الحج العج والثج)، بتشديد الجيم في الكل (فأما العج فالعجيج) أي رفع الصوت بالتلبية (وأما الثج، فثج البُدن) بفتحتين، وهي الإبل، وكذا البقر عندنا، والمعنى سيلان دمائها. (قال بعضهم: فثج الدم) أي صبه وإراقته تقرباً إلى الله. وفي رواية: وأما الثح، فنهر الهدي، وهو شامل الإبل والبقر والغنم، ثم الظاهر أن التفسير من ابن مسعود، ولا يبعد أن يكون مرفوعاً. والحديث رواه الترمذي عن ابن عمر والبيهقي، عن أبي بكر، وأبي يعلى، عن ابن مسعود "أفضل الحج العج والثج". - تعرض الأعمال يوم الخميس ويوم الجمعة وبه (عن قيس، عن طارق، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ليلة جمعة إلا وينظر الله ") أي بنظر الرحمة (إلى خلقه ثلاث مرات) الظاهر أن مرة في الثلث الأول، ومرة في الثلث الأوسط، والأخرى في

стр. 441

الثلث الأخير (يغفر الله لمن لا يشرك به شيئاً) أي من الأشياء، ومن الإشراك، فيشمل الشرك الجلي والخفي، فإن الرياء والسمعة شرك خفي. وروى ابن عساكر، عن أبي هريرة مرفوعاً، إن الأعمال تعرض يوم الخميس ويوم الجمعة فيغفر الله لكل عبد لا يشرك به شيئاً، إلا رجلين كانت بينهما شحناء. فإنه يقول أخروا هذين حتى يصطلحا.

стр. 442

- ذكر إسناده عن القاسم بن عبد الرحمن -ذكر إسناده عن القاسم بن عبد الرحمن، أي الشامي مولى عبد الرحمن بن الخالد، سمع أبا أمامة، روى عنه العلاء وابن الحارث، وغيره، قال عبد الرحمن ابن يزيد: ما رأيت أحداً أفضل من القاسم مولى عبد الرحمن، كذا في أسماء الرجال لصاحب المشكاة. والمفهوم مما سيأتي، أن القاسم هذا سبط ابن مسعود. - حديث اختلاف الثمن أبو حنيفة: (عن القاسم، عن أبيه، عن جده، أن عبد الله بن الأشعث بن قيس) أي ابن معد يكرب، كنيته أبو محمد الكندي، قدم على النبي ﷺ في وفد كندة، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، وكان رئيساً في الجاهلية، مطاعاً في قومه، وكان وجيهاً في الإسلام، ولما مات النبي ﷺ ، ارتد عن الإسلام، ثم راجع في خلافة أبي بكر. ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين، وصلى عليه الحسين بن علي، روى عنه نفر (اشترى من ابن مسعود رقيقاً) أي مملوكاً، وهو اسم جنس، يقع على المفرد وغيره، ولهذا قال: (من رقيق الإمارة) بكسر الهمزة، أي الخلافة (فتقاضاه) عبد الله، أي ثمنه (فاختلفا) أي في قدره (فقال الأشعث: اشتريت منك بعشرة آلاف درهم، وقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفاً) أي ألف درهم (فقال عبد الله: اجعل بيني وبينك رجلاً) أي يكون حكماً يفصل بيننا بوجه شرعي من الكتاب أو السنة (فقال الأشعث: فإني أجعلك بيني وبين نفسك) أي حكماً عدلاً،

стр. 443

والمعنى أني أرضى بما تقول فيَّ، وتحكم عليَّ، فإنك عالم عامل، وحكم عادل (قال عبد الله: فإني سأقضي بيني وبينك بقضاء سمعته من رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيِّعان) بتشديد التحتية المكسورة، أي المتبايعان، وهما البائع والمشتري (في شيء) عن مقدار الثمن ونحوه، ولم يكن بينهما بينة يشهد لأحدهما له، أو عليه، فإنه لو اختلفا في قدر الثمن، حكم لمن برهن، وذلك لأن في الجانب الآخر، ليس إلا مجرد الدعوى، والبينة أقوى، وأما إذا لم يبرهن (فالقول ما قال البائع) فإما أن يرضى المشتري به (أو يترادان البيع) أي يفسخانه، وأما إذا برهنا، فلمثبت الزيادة وهو البائع، لأن البينة شرعت للإثبات، ولا تعارض في الزيادة. وفي المبسوط: وإن عجزا عن إقامة البينة، رضي كل بالزيادة، (وإلا تحالفا) أي حلف كل واحد منهما على الدعوى الآخر، إذا استحلف القاضي، والقياس: أن يكون الحلف على منكر الزيادة، لأنهما اتفقا على أصل البيع، وادعى البائع زيادة في الثمن، والمشتري منكر، فالقول قول المنكر مع يمينه، لكنا تركنا القياس بالحديث المشهور، وهو قوله ﵊: "إذَا اخْتَلَفَ المتَبايِعَان وَالسِّلْعَةَ قائمَةٌ بِعَيْنِها، تحالفا وترادا" انتهى، وصفة اليمين: أن يحلف البائع بالله ما باعه بألف، ويحلف المشتري، ما اشتراه بألفين، لكن لا يحلف المنكر بعد هلاك المبيع. (وفي رواية عن القاسم، عن أبيه) أي عبد الرحمن (عن جده) أي عبد الله (قال: قال رسول الله ﷺ : "وإذا اخْتَلَف البيعان والسلعة") بكسر أوله، وهي

стр. 444

المبيع (قائمة) أي موجودة حاضرة (فالقول قول البائع، أو يترادان، زاد في رواية: البيع) وهو مفعول به ليترادان. (وفي رواية: إذا اختلف المتبايعان) أي المتعاقدان، في قدر الثمن (فالقول قول البائع، أو يترادان، وفي رواية عن عبد الله، أن الأشعث اشترى منه رقيقاً، فتقاضاه) أي عبد الله (واختلف في قدر الثمن، فقال عبد الله: بعشرين ألفاً) أي من الدرهم (بعته وقال الأشعث: بعشرة آلاف) أي من الدرهم (اشتريته، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَان فاَلْقَولُ للبائِع، أو يَتَرادَّان"). والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي، عن ابن مسعود، مرفوعاً بلفظ: إذا اخْتَلَفَ البَيْعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُما بَيِّنَة، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السلعة، أو يتتاركان. وفي رواية للترمذي والبيهقي عنه: إذا اختلف البيعان، فالقول قول البائع، والمتبايع بالخيار. وفي رواية لابن ماجه عنه: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه فالقول ما قال البائع، ويتركان المبيع.

стр. 445

- حديث السلام وبه (عن القاسم، عن أبيه) أي عبد الرحمن (عن عبد الله) وهو جده على ما تقدم، وأريد به ابن مسعود والله أعلم (قال: كان رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه ويساره تسليمتين) يسلم عن يمينه تسليمة، وعن يساره أخرى. والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن مسعود، ولفظ النسائي: كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيسر، وصححه الترمذي، وهو أرجح ما أخذ به مالك، من رواية عائشة، أنه ﵊ كان يسلم في الصلاة بتسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن، لتقدم الرجال خلف الإمام دون النساء، فالحال أكشف الرجال مع أن الثانية اختص من الأولى، فلعلها خصت عمن كان بعيداً، كذا قرره ابن الهمام، وفيه: أن عائشة ليست مما لا يخفى عليها إذا صلى النبي ﷺ في بيتها، ولعل الجمع بينهما، أنه ﵊ كان يفعل في بعض النوافل، مثل رواية عائشة وفي الفرائض، مثل رواية ابن مسعود، ثم بلغني عن مالك أنه حمل حديث عائشة على حال الانفراد، والله أعلم بالمراد. - قطع يد السارق وبه: (عن القاسم، عن أبيه، عن جده عبد الله قال: كان) أي كان الشأن (تقطع اليمين) أي يمين السارق (على عهد رسول الله ﷺ في عشرة دراهم، وفي

стр. 446

رواية إنما كان القطع) أي قطع اليد (في عشرة دراهم) وروى ابن ماجه عن أنس مرفوعاً: لا يقطع السارق في أقل من عشرة دراهم، ورواه أحمد عن ابن عمر ومرفوعاً: لا قطع فيما دون عشرة دراهم. - خطبة النكاح وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة) ولما كانت الحاجة عامة قال: (يعني النكاح) وهو تفسير من أحد الرواة (أن) بفتح الهمزة وكسرها (الحمد لله) أي ثابت مستمرة (نحمده) في جميع أحوالنا (ونشكره) على حمده وسائر أفعالنا (ونستعينه) على جميع أمورنا (ونستغفره) من تقصيرنا (ونستهديه) في طاعتنا ومهماتنا (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي من أخلاقنا الذميمة (من يهدي الله فلا مضل له) من شيطان ونفس (ومن يضلله فلا هادي له) من نبي وولي (ونشهد أن لا إله إلا الله وحده) لا شريك له (ونشهد أن محمداً عبده ورسوله) أي وحبيبه وخليله (﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾) (١) وهو أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وقيل: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاتَقوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) (﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأنْتُم مُسلِمُون﴾) أي

стр. 447

منقادون لله، مطيعون، وقيل متزوجون (﴿واتَقُوا الله الذي تساءلون به﴾) أي يتساءلون به والمعنى، بعضكم بعضاً في حال التعاطف، والتراحم بالله سبحانه، بتشديد السين وتخفيفها (﴿والأرحام﴾) بالنصب واعطف على الجلال، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، إذ أوجب عليكم أن تصلوها. وقرأ حمزة بالخفض، على أنه عطف على الضمير المجرور في به، وهو فصيح على الصحيح (﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾) (١) أي مراقباً على أفعالكم، ومحافظاً لأحوالكم، ومجازياً بأعمالكم (﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾) في جميع أحوالكم (﴿وقُولُوا قَولاً سديداً﴾) أي صواباً مستقيماً (﴿يصلح لكم أعمالكم﴾) فيه إيماء إلى أن سداد الأقوال سبب لصلاح الأعمال (﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾) ما صدر عنكم في بعض الأحوال (﴿ومَنْ يُطِع الله ورسوله﴾) في قوله وفعله (﴿فقد فاز فوزاً عظيماً﴾) (٢) أي أفلح وظفر على مقصوده ظفراً جسيماً. والحديث رواه الأربعة والحاكم، وأبو عوانة، كلهم عن ابن مسعود، قال الترمذي: حسن، ورواه أحمد والدارمي أيضاً بألفاظ مختلفة، بينتها في شرح الحصن الحصين. وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة

стр. 448

الصلاة) وهي الثناء على الله سبحانه (في القعدة) يعني يريد بها ابن مسعود (التشهد) أي المروي المشهور عنه، وقد سبق الكلام عليه رواية ودراية. - الاستثناء في الحلف وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ) أي محلوف عليه (واستثنى) أي قال: إن شاء الله، بلسانه متصلاً بيمينه (فله ثنياه) أي استثناه معتبر له. والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم، بسند صحيح، عن ابن عمر، بلفظ "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى" أي فصح استثناؤه، ولا يحنث إذا خالف. وبه (عن القاسم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، أَوْ قال ما لم أقل) أو للشك من الراوي؛ أو للتنويع في الرواية (فليتبوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النار) هذا حديث مشهور، كاد أن يكون متواتراً، فقد رواه أحمد والشيخان والأربعة والحاكم والطبراني والدارقطني والخطيب وغيرهم بروايات متعددة عن الصحابة، فيهم العشرة المبشرة، بلفظ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، وفي بعض الروايات: مَنْ قال ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.

стр. 449

- إسناده عن خالد بن علقمة إسناده، عن خالد بن علقمة؛ أحد أكابر المحدثين، شرحته. - مسح الرأس ثلاثاً وهو أبو حنيفة (عن خالد، عن عبد خير) من التابعين ابن يزيد يكنى أبا عمارة الداني، يقال إنه أدرك زمن النبي ﷺ ، أسلم إلا أنه لم يلقه، وصحب علياً، وهو من أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، أتى عليه مائة وعشرون سنة (عن علي ﵁ أنه دعا بماء) أي طلب ماء الوضوء (فغسل كفيه) أي إلى رسغيه (ثلاثاً، ومضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً) أي على حدة، كما هو الوجه المختار (وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه) أي إلى مرفقيه (ثلاثاً ومسح رأسه) أي كله على ظاهره (ثلاثاً) كما ذهب إليه الشافعي، ولا يبعد أن يحمل ثلاثاً على ثلاث أوقات، ليطابق ما صح من مسح الرأس مرة في عدة روايات (وغسل قدميه) أي إلى كعبيه (ثلاثاً) وفي هذا رد على مدعين من أشياعه، وحمله على التقية، ساقط في مقام تحقيق القضية (ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ أي مثل وضوئه. - مسح الرأس مرة (وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن خالد، عن عبد خير، عن علي ﵁، أنه دعا بماء، فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض فاه ثلاثاً، واستنشق) أي أنفه

стр. 450

(ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه، ومسح برأسه) مرة أي واحدة (وغسل قدميه ثلاثاً، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ أي صفة وضوءه ﷺ (كاملاً) أي آتياً على وجه الكمال من مراعاة الفرض والسنة، وهذا لأنه ﵊، أحياناً غسل أعضاءه مرة مرة، وأحياناً مرتين مرتين، ولم يزد على ثلاث أبداً، بل ورد وعيد في الزيادة عليها ووعد من الإسراف، ولو على نهر جار. (وفي رواية أنه) يعني علياً (دعا بماء فأتي بإناء فيه ماء وهو طست) بسين مهملة، وروى بمعجمة، وهو إما عطف، تفسير لإناء، أو صحف، أو بالواو، ولما يأتي من أن الإناء كان مفتوحاً (قال عبد خير، ونحن) أي معشر أصحاب علي كرم الله وجهه (ننظر إليه) أي نظاراً عليه (لنطلع على ما يقع لديه، فأخذ بيده اليمنى الإناء، فأكفى) أي فأراق (على يده اليسرى ثم غسل يديه إلى رسغيه ثلاث مرات) أي خارجاً عن الإناء (ثم أدخل يده اليمنى الإناء، فملأ يده، ومضمض واستنشق فعل هذا) أي ما ذكر من المضمضة والاستنشاق، (ثلاث مرات) أي بمياه جديدة، مفصلات على ما هو الصحيح من روايات متعددات، (ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده) أي جنسها الشامل لليمنى واليسرى، وأراد ذراعيه (إلى المرافق) أي منتهياً إليها. وفيه رد على الشيعة، حيث عكسوا فيها (ثلاث مرات ثم أخذ الماء بيده، ثم مسح) أي

стр. 451

فمسح (بها رأسه مرة) واحدة (ثم غسل قدميه) أي كل واحدة منهما ولذا (قال: ثلاثاً، ثلاثاً) بالتكرار (ثم غرف) أي أخذ الماء بكفه (فشرب منه) أي من سؤر الوضوء، فإنه مستحب (ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ بضم التاء، أو فتحها، أي استعمال الطهارة (فهذا طهوره) أي مثله. (وفي رواية، أنه دعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم أخذ ماء في كفه) أي ولم يكتف بما في يده من البلل (فصبه) أي فوضعه (على صلعته) بفتحتين، وبضم فسكون، أي مقدم شعره، على رأسه، فإنه كرم الله وجهه كان صلعاً. وفي القاموس، الصلع محركة انحسار شعر مقدم الرأس، لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة، وقصورها عنها، واستيلاء الجفاف عليها ولتطامن الدماغ عما يُماسُّه من القحف، فلا يسقيه سقيه إياه؛ وهو ملاق صلع كفرح، وهو أصلع، وهي صلعاء صلع وصلعان بضمهما، وموضع الصلع الصلعة، محركة أيضاً ويضم. (ثم قال) أي علي (من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ فلينظر إلى هذا) أي طهوري، فإنه نظيره وعلى صفته. وفي رواية عن علي أنه توضأ، أي غسل أعضاء وضوئه ثلاثاً، وقال: هذا

стр. 452

وضوء رسول الله ﷺ ، وفي شرح ابن الهمام. قال أبو داود ورواه وكيع عن إسرائيل، قال: توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقط، قال: وأحاديث عثمان الصحاح كلها يدل على أن المسح مرة واحدة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. وقالوا: ومسح برأسه، ولم يذكروا عدداً. انتهى. - مسح الرأس بيد واحدة وروي عن أبي داود والطبراني، عن علي، في حكاية المسح ثلاثاً (قال عبد الله بن محمد) أحد رواة هذا الحديث (عن يعقوب) يعني يريد عبد الله، به عمن روى عن أبي حنيفة في هذا الحديث (عن خالد) أي بسنده المتقدم، أو بإسناد منقطع أو مرسل (إن النبي ﷺ مسح رأسه ثلاثاً) أي بناء (على أنه وضع يده على يافوخه) أي مقدم رأسه (ثم مد يده إلى مؤخر رأسه، ثم إلى مقدم رأسه) أي ثم إلى مؤخر رأسه (فجعل ذلك) ما ذكر (ثلاث مرات) أي دفعات في الصورة، وهو في الحقيقة مرة واحدة، وإنما وقع مرات للاستيعاب، ولا يبعد أن يحمل على أنه وضع يديه على مقدم رأسه، ومده إلى مؤخره ثم مد يده اليمنى على طرفه الأيمن واليسرى على طرفه الأيمن، ويمكن أنه وضع يداً واحدة على مقدم رأسه، ومسحه إلى آخره، ثم وضعها على طرفه الأيمن ثم الأيسر ومسحها، ولا يضر الانفصال في المسح فإنه في حكم الإيصال على طرفه الأيمن، ثم الأيسر والله أعلم بالأحوال فقوله: (لأنه لم يباين يده) أي لم يفارق من رأسه لبيان الأفضل، ولهذا يمسح الأذنين بماء الرأس مع أنه يفصل نعم إلا أن يحمل أن يضع ثلاث أصابع وهي ما عدا المسبحة والإبهام، ثم يمسح بهما الأذنين على ما هو المعروف في وصفها، (ولا أخذ الماء ثلاث مرات)، كما يقول الشافعي: فإنه إذا تعدد المسح على موضع واحد صار غسلاً (فهو) أي ففعله

стр. 453

كرم الله وجهه "كمن جعل الماء في كفه ثم مد يده إلى كوعه" بضم الكاف، طرف الزند الذي يلي الإبهام، كالكاع أو هما طرف الزندين في الذراع مما يلي الرسغ على ما في القاموس، وهو المراد هنا. وأما الباع فقدر مد اليدين كالبوع بضم ويقال: فلان ما يعرف بوعه من كوعه، والمعنى إلى كوعه أولاً وإلى ذراعيه ثانياً ولا يسمى مرتين حقيقة بل صورة، وهذا التأويل لازم جمعاً بين الأحاديث. هذا وروى الحسن عن أبي حنيفة في مجرد إذا مسح ثلاثاً بماء واحد كان مسنوناً (ألا ترى أنه) أي علياً (بين الأحاديث التي روى عنه) أي بقية أصحابه (وهم الجارود ابن يزيد) أي العبدي قدم على النبي ﷺ سنة تسع وأسلم مع وفد عبد القيس، ثم إنه سكن البصرة وقيل: بأرض فارس في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين روى عنه جماعة (وخارجة بن مصعب) أي ابن الزبير وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (وأسد ابن عمر أن المسح كان مرة واحدة وبين) أي علي (أن معناه ما ذكرنا) أي على ما قدمناه. - الإمام قد يصيب، وقد يخطىء قال أبو حنيفة: وقد روى عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ كثيرة) بالجر صفة أصحاب (على هذا اللفظ) متعلق بروى (وبيانه أن النبي ﷺ مسح رأسه ثلاثاً منهم عثمان، وعلي وابن مسعود وغيرهم ﵃ قال البيهقي: وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان مكرراً للمسح إلا أنه مع

стр. 454

خلاف الحفاظ ليس بحجة عند أهل العلم (فهل كان معناه) أي معنى تثليث مسح الرأس (محمولاً إلا على ما ذكرنا) لا على ما فهم الشافعي وأصحابه (فمن جعل أبا حنيفة غالطاً في رواية المسح ثلاثاً) أي مع أنه يقل بظاهره (فقد وهم) أي أخطأ فيما وهم وسهى فيما فهم، (وكان هو) أي الملفظ (بالغلط أولى) أي أحق (وأخلق) أي أجدر وأليق (وقد غلط شعبة)، وهو إمام جليل يسمى أمير المؤمنين في علم الحديث، (وفي هذا الحديث) أي في إسناده (غلطاً فاحشاً) أي ظاهراً (عند الجمع)، أي جميع المحدثين، (وهو) أي غلط (رواية هذا الحديث عن مالك عن عرفة) بضم مهملة فسكون راء وضم فاء رواهما طاوس (عن عبد خير. عن علي فصحف) أي حرف شعبة (الإسمين في إسناده، فقال: بدل خالد مالك، وبدل علقمة عرفطة) وهما غلطان في الحقيقة، (ولو كان هذا الغلط أو نحوه من أبي حنيفة لنسبوه) أي أعداؤه من المحدثين، أو الفقهاء المحدثين (إلى الجهالة)، ما أي في الحديث، (ولقلة المعرفة) أي بالأسانيد، (ولأخرجوه من الدين) أي نقصاً من غير اليقين، مع أنه أفضل المجتهدين. (وهذا) أي ما ذكر من النسبة المذمومة (من قلة الورع) أي من عدم التقوى (واتباع الهوى) من جهة التعصب الذي عمه البلوى، وذلك لأن الإمام قد يصيب، وقد يخطىء والإنسان قد يسهو وينسى وكل أحد يقبل كلامه ويرد إلا المعصوم من جانب الله الأحد على أن الإنسان مأخوذ من النسيان، فسبحان من لا ينسى وقد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَنْسَى ... إِلاَّ مَا شَاءَ الله﴾ (١)

стр. 455

- في كل من الطعن والطاعون شهادة وبه (عن خالد بن علقمة عن عبد الله بن الحارث) أحد أجلاء التابعين (عن أبي موسى) الأشعري، (عن النبي ﷺ قال: (فَنَاءُ أُمتي) أي أكثر موتهم (بالطعن، والطاعون فقيل: يا رسول الله هذا الطعن قد علمناه) أي عرفناه في لغتنا أن المراد به طعن السلاح من نحو السيف والرماح (فما الطاعون؟) أي الدال على المبالغة في مقام الطعن حيث يقع الطعن ولا يرى ولا يمكن دفعه بالماعون (قال: وَخَزَ أَعْدَائِكم من الجِنّ) والوخز كالوعد الطعن بالرمح وغيره إلا أنه لا يكون نافذاً لكن الغالب يكون مهلكاً (وفي كل) أي من الطعن والطاعون (شهادة) أي إما حقيقة، أو حكماً. والحديث بعينه رواه أحمد والطبراني في الكبير، عن أبي موسى، وفي الأوسط عن ابن عمر. - إسناده عن الحارث بن عبد الرحمن - بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً إسناده عن الحارث بن عبد الرحمن. أبو حنيفة، (عن الحارث) أي المذكور (عن أبي الجلاس) بضم الجيم وتخفيف اللام (قال: كنت ممن) أي من جمع (سمع من عبد الله الشيباني كلاماً عظيماً) بما يتعلق بذات الله تعالى أو صفاته أو نحو ذلك مما يعظم شأنه هنالك (فأتينا به علياً)

стр. 456

أي أحضرناه عند علي، (ونحن ننهى) أي نضرب وندق عنقه في طريقه، (فوجدنا علياً في الرحبة) بفتح الحاء وسكون أي رحبة مسجد الكوفة وهو ساحته وصنعة الموضع للطهارة والحكومة وأمثالها (مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) ثبت أنه ﵊ استلقى على هذه الهيئة وجاء عنه أيضاً أنه نهى عنها وجمع بينهما أن النهي هو الذي يتوهم معه كشف بعض العورة (فسأله) أي علي (عن الكلام) أي الذي (نكلم به فتكلم به، فقال: أترويه عن الله) أي وحياً بادعاء النبوة أو إلهاماً بادعاء الولاية (أو عن كتابه) تصريحاً أو تلويحاً، (أو عن رسوله) بواسطة، أو بغيرها فإن طرق العلم منحصرة فيها (فقال: لا) أي لا رواية عن شيء من ذلك (قال: فعن ما) أي فعن من تروي؟ (قال: عن نفسي) أي من تلقاء نفسي، ومن جهة عقلي، (قال: أما) للتنبيه أنك (لو رويت عن الله ﵎ أي بدعوى الوحي، أو الإلهام، (أو عن كتابه) أي بالزيادة عليه أو بتأويل لديه، (أو عن رسوله) بالافتراء عليه، (ضربت عنقك) أما سياسته أو لارتدادك، (ولو رويته عني أوجعتك عقوبة) أي تعزيراً (فكنت كاذباً) أي مردود الشهادة (ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً) أي دجالون، (وأنت منهم) هذا من كلام علي خطاباً له، فهذا من علامات النبوة في أشراط الساعة. والحديث المرفوع رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة ولفظه: إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم. (وفي رواية عن أبي جلاس قال: كنت فيمن) أي في جملة من (سمع

стр. 457

من عبد الله الشيباني كلاماً عظيماً فأتينا به علياً، فوجدناه في الرحبة مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى فسأله عن الكلام) أي عن كلام ذلك؛ (فتكلم) أي وفق ما هنالك (فقال: أترويه عن الله، أو عن كتابه، أو عن رسوله) ضربت عنقك إلى أن (قال: لا. قال: فعن من ترويه؟ قال: عن نفسي، قال: أما إنك لو رويت عن الله؛ أو عن كتابه، أو عن رسوله ضربت عنقك، ولو رويت عني أوجعتك عقوبة، فكنت كاذباً، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً فأنت منهم"). وبه (عن الحارث عن أبي صالح) سبق أنه ذكوان السمان الزيات المدني تابعي جليل مشهور كثير الرواية واسع الدراية (عن أم هانىء) بكسر النون بعدها همزة أخت علي بن أبي طالب (أن النبي ﷺ يوم فتح مكة) أي عنوة أو صلحاً، ويؤيد الأول قوله: (وضع لأمته) بسكون الهمزة وتخفيف أي أدرعه، (ودعا بماء) أي فأتى به (فصبه)؛ أي فأفاضه عليه أي على بدنه جميعاً. والمعنى أنه اغتسل، (ثم

стр. 458

دعا بثوب واحد) أي فلبسه واكتفى به (فصلى فيه) أي ركعتين (زاد) أي أبو صالح (في رواية) أي عنها (متوشحاً) أي حال. - حديث صلاة الضحى (وفي رواية أن النبي ﷺ وضع لامته يوم فتح مكة، ثم دعا بماء فأتي به في جفنة) أي صحفة كبيرة (فيها خبز العجين) الظاهر أنه من مقلوب الكلام أي عجين الخبز، والمعنى فيها أثر عجين، وفيه دليل على أن الماء إذا اختلط بطاهر وتوضأ أي للتنظيف، أو لقصد الطواف ونحوه لم يضره إلا إذا أخرجه عن طبع الماء، (فاستتر بثوب فاغتسل ثم دعا بثوب فتوشح به، ثم صلى ركعتين). قال أبو حنيفة: (وهي الضحى) وهذه الصلاة صلاة الضحى، أو صلاته هي وقت الضحى، وإنما لم تحمل صلاته على شكر الوضوء فإنه ليس له صلاة على حدة كما حققه حجة الإسلام في الإحياء. وروى الترمذي في شمائله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانىء، فإنها حدثت أن رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل فسبح ثماني ركعات، ما رأيت صلاته قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود، وقد بسطت هذه المسألة في شرح الشمائل والعدد لا مفهوم له عند جميع أرباب الفهم فلا يتوهم التنافي بين ركعتين، وبين غيرهما. (وفي رواية أن النبي ﷺ وضع يوم فتح مكة لامته، ودعا بماء فأتي به في جفنة

стр. 459

وفيها أثر عجين، فاغتسل) أي بالماء الذي فيه، (وصلى أربعاً أو ركعتين في ثوب واحد متوشحاً) يحتمل أن يكون كل منها قيداً واقعياً ويحتمل احترازياً فيه أن باقي صلاته كان بهيئة أخرى، أو في ثوبين. (وبه عن أبي هند عن عامر) أي الشعبي أنه كان (يحدث عن مغازي رسول الله ﷺ أي صفات غزواته ﷺ في حلقة بفتح الحاء واللام وتسكن (فيها ابن عمر) أي في داخلها أو قريباً منها (فقال ابن عمر: أنه) أي عامر (يحدث حديثاً) أي ثابتاً حديثاً صحيحاً (كأنه شهد القوم) أي حضرهم حال رحالهم وقتالهم وسائر أفعالهم وعرف رجالهم وبقية أحوالهم. - الشك في الإيمان كفر وبه (عن الحارث عن أبي مسلم الخولاني) وهو عبد الله بن الشوب الزاهد لقي أبا بكر وعمر ومعاذاً، روى عنه جماعة وله مناقب كثيرة، مات سنة اثنين وستين. وخولان بفتح المعجمة قبيلة باليمن (قال: لما نزل معاذ) أي ابن جبل (حمص) بكسر أوله اسم بلدة قريبة من دمشق الشام (أتاه رجل شاب فقال: ما ترى في رجل وصل الرحم وبرّ) أي وأحسن إلى الناس (وصدق الحديث) بتخفيف الدال أي

стр. 460

وصدق في كلامه، ولم يكذب (وأدى الأمانة) أي من غير الخيانة (وعفف بطنه وفرجه) أي صار عفيفاً من جهة بطنه، حيث لم يأكل الحرام ومن جهة فرجه فاحترز من الزنا ونحوه (وعمل ما استطاع من خير من) طاعة فرضاً أو نفلاً (غير أنه شك في الله) أي في توحيد ذاته وما يتعلق بتحقيق بعض صفاته (ورسوله) أي في نبوته أو معجزاته أو عموم رسالاته (قال): أي معاذ (إنها) أي الريبة التي مرادف (الشك يحبط ما كان سعيها من الأعمال) أي التي شرط في صحتها الإيمان المتحقق في الحال والمآل (قال) أي الرجل السائل (فما ترى في رجل ركب المعاصي) أي ارتكبها (وسفك الدماء) أي فعل ما هو أقبحها (واستحل الفروج) أي فروج المحرمات (والأموال) أي أموال الناس، المعنى عامل فيها معاملة المستحل في مباشرتهما وإلا فالاستحلال الحقيقي كفر بلا شبهة فيها (غير أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله مخلصاً) أي أتيا بالخلاص من الشك والريبة، وعن الرياء والسمعة، (قال معاذ: أرجو) أي له النجاة لإيمانه، (وأخاف عليه) أي من جهة عصيانه، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، (وهذا) أي الذي صدر عن معاذ من الجوابين هو المطابق لمذهب أهل السنة والجماعة في المسألتين (قال الفتى: والله إن كانت) أي الريبة هي التي (أحبطت ما معها من عمل) أي من طاعات (ما يضر هذه) أي الشهادة مع الإخلاص (ما عمل معها) أي من المنكرات، (ثم انصرف فقال معاذ: ما أزعم أن رجلاً أفقه بالسنة) أي بالشريعة
следующие страницы →