نجاسة كالكلب والخنزير، وقال الحسن: هم نجس العين، فمن صافحهم وجبت عليه غسل يده، هذا وقوله يتنجس: يحتمل أن يكون بضم الجيم مضارعاً وأن يكون بفتحتين مصدراً بمعنى النجاسة أو بفتح وكسر متنجس ويؤيد الأول قوله، وفي رواية المؤمن لايتنجس.
وبه (عن حماد عن حذيفة) وفي هذا الإسناد اللاحق أن جهالة الراوي في الإسناد السابق لا يضر مع احتمال انقطاع والله أعلم بالحقائق (أن رسول الله ﷺ مد يده إليه فأمسكها عنه فقال رسول الله ﷺ : إن المسلم لا ينجس، وهذا الحديث مجمل ما تقدم، وفيه زيادة إفادة أن المؤمن والمسلم واحد شرعاً، وإن فرق بينهما لغة كما حقق في محله هذا، أو في الحديث الأول جمع بين الفعل والقول ليكون أدل على المقصود.
- صيد الكلب
وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي، (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى (بن الحارث) نخعي تابعي جليل سمع ابن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة، (عن عدي بن حاتم) الطائي قدم علي بن أبي طالب وشهد صفين والنهروان، ومات بالكوفة سنة سبع وستين وهو ابن مائة وعشرين روى عنه جماعة
قال: سألت رسول الله ﷺ هذا إجمال وبيانه (فقلت: يا رسول الله إنا نبعث) أي نرسل (الكلاب المعلمة) بفتح اللام المشددة وهي التي يوجد فيها ثلاثة أشياء إذا شليت أي أرسلت أشلشلت إذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل فإذا تعدد ذلك منها كانت معلمة وأقله مرتين عند أبي حنيفة وأحمد وثلاث مرات عند الشافعي ولا يشترط ذلك عند المالكية وقال الحسن يصير معلمة بالمرة الواحدة فيحل قتيلها إذا جرحت بإرسال صاحبها له (فنأكل مما أمسكت علينا فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 72
(إذا ذكرت اسم الله عليه) أي عند إرسالها، وهذا شرط عند أبي حنيفة في حال الذكر، فإن تركها ناسياً حل أو عامداً فلا وقال الشافعي منه وقال داود والشعبي والنخعي وأبو ثور شرطي في الإباحة ممن تركها عامداً او ناسياً لم تؤكل ذبيحنه (ما لم يشتركها كلب غيرها) بتسمية أو بدونها (فأنت) أي كل منها، (وإن قتل) بعد إمساكهما من غير مشاركة غيرها (فلا تأكل وإن قتله يا رسول الله أحدنا يرمي بالمعرض) بكسر الميم سهم بلا ريش، (قال: إذا رميت) أي أردت أن ترمي (فسميت الله فخرق) أي جرح، (فكل، فإن أصاب بعرضه) أي ولم يخرق (فلا تأكل).
وصدر الحديث رواه البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل أخبرنا ثابت بن زيد عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ : قال: إذا أرسلت كلبك وسميت، فأَمسَك، وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالطَّهُ كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل وإذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الأثر، (إلا أثر سهمك) فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل (١) واعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً فذهب أكثر العلماء إلى تحريمه.
وبه قال أبو حنيفة وعطاء وطاوس والثوري والشعبي وهو أصح قولي الشافعي لقوله ﵊: " وإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُل فَإنَّمَا أمْسَكَ علَى نَفْسِهِ" ورخص بعضهم في أكله.
стр. 73
وبه قال مالك لما روي عن أبي الثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه.
وبه (عن حماد عن إبراهيم) أي النخعي (عن همام بن الحارث عن عائشة قالت كنت أفرك) بفتح الراء وقد يضم أي أدلك (المني) أي اليابس (من ثوب رسول الله ﷺ وفي صحيح أبي عوانة عن عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ (إذا كان يابساً وأمسحه أو أغسله) شك الحُميدي (إذا كان رطباً) ورواه الدارقطني وأغسله من غير شك، وفي مسلم أنه ﵊ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه وروى الدارقطني عن عمار بن ياسر قال أتى علي رسول الله ﷺ وأنا على بئر أدلو في ماء ركوة قال يا عمار ما تصنع قلت يا رسول الله بأبي وأمي أغسل ثوبي من نجاسة أصابته فقال يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس: من الغائط والبول والقيء والدم والمني يا عمار ما نخامتك ودموع عينك والماء الذي في ركوتك إلا سواء.
فهذا كله يدل على كون المني نجساً وإن يابسه يطهر بالفرك، ورطبه بالغسل وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك يغسل بالماء رطباً كان أو يابساً، والأصح من مذهب الشافعي وأحمد طهارة المني واستدلا بما روى الدارقطني موقوفاً على ابن عباس، روي مرفوعاً ولا ثبت أخرجه البيهقي من طريق الشافعي موقوفاً، وقال هو الصحيح.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث أنه رأى جرير بن عبد
стр. 74
الله) أي البجلي قال: أسلمت قبل موت النبي ﷺ بأربعين يوماً نزل الكوفة وسكنها زماناً ثم انتقل إلى فرضياء مات بها سنة إحدى وخمسين، روى عنه خلق كثير (توضأ ومسح على خفيه فسأله) أي همام (عن ذلك) أي جوازه حضراً أو سفراً (فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ وإنما صحبته بعد ما نزلت المائدة) فآية الوضوء فيها لم تكن ناسخة، بل المسح محمول على حال لبس الخف، كما أن الغسل محمول على حال كشف الرجل، وبه يجمع بين القراءتين فإن الآية في الجملة مجملة، وفعله ﵊، كأقواله لأحكام القرآن مبينة قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾ (١) وأحاديث المسح على الخفين كاد أن يكون متواتراً، بل هو متواتراً في المعنى وقد أجمعوا على جواز المسح عليهما في السفر والحضر إلا مالك في رواية عنه أنه لا يجوز في الحضر وخالفهم الخوارج والروافض.
- حديث خزيمة
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي مصغراً ابن ثابت، ويكنى أبا عمارة بضم العين الأنصاري الأوسي يعرف بذي الشهادتين شهد بدراً، وما بعدها كان مع علي يوم الصفين فلما قتل عمار بن ياسر جرَّد سيفه فقاتل حتى قتل روى عنه ابناه عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله (أنه مرَّ على رسول الله ﷺ أعرابي) أي بدوي، والجملة حالية (يجحد بيعه) حال أخرى أو استئناف بيان أي ينكر أنه باع فرساً لرسول الله ﷺ (فقال خزيمة: أشهد لقد
стр. 75
بعته) والحال أنه لم يشهده (فقال رسول الله ﷺ من أين علمته) أي كيف يظهر بيعه عندك حتى شهدت به عدم حضورك؟ (قال: تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك) والمعنى أنك صادق مصدوق ونصدقك في المغيبات وهذا من جملة تلك الحالات وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى﴾ (١) فالوحي إما جلي، وإما خفي (قال) أي الراوي أو جرير (فقوله فجعل رسول الله ﷺ شهادته) بدل شهادتي نقلاً بالمعنى والتفاتاً في المبنى (شهادة رجلين) أي بدلها، وفي حكمها.
(وفي رواية أنه مر بأعرابي) أي وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿الأعراب أشَدُ كفراً ونفاقاً وأَجْدرُ أَلاَّ يَعْلمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ (٢) (وهو مع رسول الله ﷺ أي مقارناً له (وهو) أي الأعرابي (يجحد متعاقد عقده) أي ذلك البيع (مع رسول الله ﷺ .
فقال خزيمة أشهد أنك قد بعته (فقال رسول الله ﷺ : من أين علمت ذلك) أي مع أنك ما حضرت هنالك (فقال تجيئنا بالوحي من السماء فنصدقك فإذا
стр. 76
جئت بخبر مما وقع في الأرض، فلا نصدقك؟ قال فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين) في تلك القضية وغيرها (حتى مات) أي النبي ﷺ يعني ولم ينسخ هذا الحكم بغيره والحديث رواه عبد الرزاق، عن خزيمة أن أعرابياً باع من النبي ﷺ فرساً أنثى، ثم ذهب فزاد على النبي ﷺ ، ثم جاحد أن يكون باعها فمر بهما خزيمة بن ثابت، فسمع النبي ﷺ يقول: ابتعتها منك (فقال خزيمة:) نشهد على ذلك فلما ذهب الأعرابي قال له النبي ﷺ : أحضرتنا؟ قال: لا ولكن لما سمعتك تقول قد باعك علمت أنه حق إذ لا تقول إلا حقاً.
قال: فشهادتك شهادة رجلين، (وفي رواية، أجاز شهادته بشهادة رجلين حتى مات ﷺ رواها ابن عساكر والدارقطني في الأفراد عنه أنه جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصوصيات خزيمة لم يشاركه معه فيها أحد من أكابر الصحابة، وفيه دليل على أن أمر الشريعة مفوض إلى رأي النبي ﷺ وتصرفه في حدود الله وأحكامه، ولو كانت في نصوص كلامه. وقد روى أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر، عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ اشترى فرساً من سوار بن قيس المحاربي فجحد، فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له رسول الله ﷺ : ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضراً قال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقاً فقال له رسول الله ﷺ : من شهد له خزيمة، أو شهد عليه فحسبه.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لسودة) أي بنت زمعة، وقد أسلمت قديماً، وبايعت، (وكانت تحت ابن عم لها) أسلم معها وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها فتزوج ﷺ بمكة بعد موت خديجة (حين طلقها: اعتدي) أي بترك الزينة،
стр. 77
ولو كان لم يجز لها أن تتزوج غيره ﷺ بعده لقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تُؤذوا رَسُول الله وَلاَ أَنْ تَنْكَحُوا أَزوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أبداً﴾ (١)
وفي المواهب أن لما كبرت سودة أراد ﷺ طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها انتهى، ويمكن الجمع بأنه ﵊ لما طلقها وما هان عليه فراقها راجعها وأبقاها في عقد نكاحه. ماتت سودة بالمدينة في شوال سنة أربعة وخمسين.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن همام) أي ابن الحارث (أن رجلاً أضافته عائشة) أي تضيفه في دار ضيافتها (أم المؤمنين) بدل أو بيان، أو خبر مبتدأ مقدر، أو نصب على المدح (فأرسلت إليه بملحفة) بكسر الميم وسكون اللام، وفتح الحاء أي بلحاف يتغطى به دفعاً للبرد ونحوه (فالتحف بها الليل) أي ليلة، أو في تلك الليلة (فأصابته جنابة) أي من احتلام وتلطخ الملحفة بمنيه (فغسل الملحفة) كلها احتياطاً في حقها (فبلغ عائشة) أي غسلها (فقالت ما أراد بغسل الملحفة فإنه لم يكن يحتاج إلى غسلها إنما كان يجزئه) من الأجزاء مهموز اللام (يفركه) أي يدلكه (حين كان يابساً لقد كنت أفركه) أي المني (من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يصلي فيه) أي ذلك الثوب، والظاهر أنه كان بعلم النبي ﷺ
стр. 78
خصوصاً إذا تكرر منها مع التفاته ﷺ إلى طهارة ثوبه وفحصه عن حاله.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الفجر) أي صلاته مع الجماعة (ورأسه يقطر) بضم الطاء أي يتقاطر شعر رأسه ماء لقربه من غسل الجنابة كائنة من جماع (ثم يظل صائماً)، وقد سبق الكلام عليه.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل) أي صلاة التهجد على خلاف أنها فرض عليه خاصة، أو نسخ في حقه، وحق أمته عامة، (وأنا نائمة إلى جانبه وجانب الثوب) أي طرف ثوبه الذي كان يصلي به واقع (علي) أي على بدني لكمال قربي منه، وقد مر تحقيقه.
- جبة ضيقة الكمين
وبه (عن حماد عن الشعبي) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة من شعب همدان قبيلة وهو عامر بن شراحيل واشتهر به حتى سمي به، وقيل: إنه منسوب إلى شعبان فإن أهل الكوفة يقولون في النسبة إليه شعبي، وأهل الشام يقولون شعباني ولد في خلافة عمر ﵁ قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال: ما كتبت سواداً في البياض قط ولا حدثت بحديث إلا حفظته قال ابن عُيينة: كان ابن عباس في زمانه وأشعث في زمانه والثوري في زمانه.
قال الزهري: العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة والحسن بالبصرة ومكحول بالشام. مات سنة أربع ومائة، وله اثنان وثمانون سنة (عن
стр. 79
المغيرة بن شعبة الثقفي) أسلم عام الخندق، وقدم مهاجراً نزل الكوفة، ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين وهو أمير لمعاوية بن أبي سفيان وفي الشمائل، عن عروة الشعبي بن مغيرة، عن أبيه قال: (وضأت رسول الله ﷺ بتشديد الضاد أي سكبت عليه ماء وضوئه، ففيه جواز الاستعانة في أمر العبادة، (وعليه جبة) وهي بضم الجيم وتشديد الموحدة ثوب معروف، وقد قيل: جبة البرجنة الردمية كذا في أكثر روايات الصحيحين، وقع في رواية الترمذي رومية ولأبي داود جبة من صوف من جبات الروم، ولا منافاة بينهما لأن الشام حينئذ كانت تحت ملك الروم ويبعد أن يكون نسبة هيئتها المعتاد لنسبها إلى إحداهما، ونسبة خياطتها أو قماشها إلى الأخرى (ضيقة الكمين) بحيث لم تقدر على كشف ساعديه ليغسلهما (فأخرج يديه من تحتها) أي من أسفل الجبة (ومسح على خفيه).
وفي وراية أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فأخرج يديه من أسفل الجبة وفي رواية البخاري عنه قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: أمعك ماء قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة شامية من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما ومسح برأسه وعلى خفيه، وفي رواية مالك وأحمد وأبي داود وكان في غزوة تبوك، وفي الموطأ ومسند أبي داود أن ذلك كان عند صلاة الصبح وفي رواية لمسلم قال: فأقبلت معه حتى وقيه الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم فأدرك النبي ﷺ الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فأفزع ذلك
стр. 80
الناس، وفي أخرى قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن فقال ﷺ دعه، وفي الحديث زوائد وفوائد كوامل ذكرتها في شرح الشمائل.
- التشهد
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي وائل بن أبي أسلم) وقد مر ذكره، (عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ نقول: السلام على الله) وفي رواية زيادة بن عبادة السلام على جبرائيل وميكائيل فيهما قراءة مشهورة (فأقبل علينا النبي ﷺ فقال: إن الله هو السلام) أي بذاته ولا يحتاج إلى الدعاء به من جانب مخلوقاته، (فإذا تشهد أحدكم) أي أراد أن يتشهد، وسمى هذا الدعاء تشهداً لاشتماله على الشهادتين مع زيادة الثناء عليه والسلام على رسوله والصالحين من خلقه (فليقل): أي وجوباً (التحيات لله) أي له خالصاً جميع الدعوات القولية (والصلوات) أي الطاعات البدنية (والطيبات) أي العبادات المالية (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي رأفته وعنايته وبركاته أي النعمة الكثيرة والمنحة العزيزة (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والمؤمنين الكاملين القائمين بحقوق الله تعالى، وحقوق خلقه أجمعين (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
стр. 81
ولم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود، رواه الأئمة الستة بحذف اللام (١)، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم.
وحديث ابن مسعود رواه الأئمة الستة عنه وهو أصح حديث روي في التشهد (٢)، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على ما ذكره الترمذي وتبعه الحافظ العسقلاني والخلاف في الأفضل وإن أردت استيعاب لفظ التشهد بطرقها وما يتعلق بمبانيها مبسوطاً فعليك بشرحنا للحصن الحصين.
(وفي رواية أنهم كانوا يقولون: السلام على جبرائيل السلام على رسول الله) الظاهر أنهم كانوا يقولون من تلقاء أنفسهم، وفيه إشكال يحتاج إلى تحقيق مقال (فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا السَّلام على الله) أي فإن الله هو السلام كما سبق عليه الكلام، (ولكن قولوا: "التحيات لله والصلوات والطَّيبات" إلى آخر التشهد) أي المعروف على ما سبق.
وفي رواية أن رسول الله ﷺ علمهم أي الصحابة وأنا من جملتهم والتحيات إلى آخر التشهد كما سبق.
وفي رواية أن رسول الله علمنا أي معشر الصحابة وأنا من كلهم أو أكثرهم.
وفي رواية البخاري ومسلم والأربعة عن ابن مسعود أنه ﵊
стр. 82
علمني وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن.
وفي شرح الهداية لابن الهمام قال أبو حنيفة: أخذ حماد بن أبي سليمان بيدي، وعلمني التشهد وقال حماد: أخذ إبراهيم بيدي وعلمني التشهد وقال إبراهيم: أخذ علقمة بيدي وعلمني التشهد، وقال علقمة أخذ عبد الله بن مسعود بيدي وعلمني التشهد وقال عبد الله: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وعلمني التشهد كما يعلمني السورة من القرآن، وكان يأخذ علينا بالواو والألف واللام أي بالواو في الصلوات والألف واللام في لفظي السلام، (وفي رواية قال) أي ابن مسعود: (كنا) أي في صدر الإسلام (إذا صلينا مع النبي ﷺ نقول: إذا جلسنا في آخر الصلاة) أي خصوصاً كما في رواية النسائي إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات إلى آخر (السلام على الله السلام على رسول الله) أي جنسه أو خصوصه (على ملائكة) أي عموماً (ما نسميهم من الملائكة) أي بعضهم خصوصاً كجبرائيل (فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا كذا) فإنه ليس من الكلمات التامات، (وقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات) أي إلى آخره.
وبه (عن حماد عن الشعبي، عن إبراهيم بن موسى الأشعري، عن المغيرة بن شعبة أنه) أي المغيرة (خرج مع رسول الله ﷺ في سفر إلى تبوك
стр. 83
فانطلق رسول الله ﷺ أي فذهب (إلى جانب الفضاء فقضى حاجته في الخلاء، ثم رجع وعليه جبة رومية ضيقة الكمين فرفعها) أي الجبة (رسول الله ﷺ أي لإخراج ذراعيه منها (من ضيق كمها) أي من أجله، (قال المغيرة: فجعلت أصُبّ عليه من الماء من إداوة) بكسر أوله أي مِطهرة كائنة معي (فتوضأ وضوءه) أي كوضوء الصلاة المفروضة يعني وضوءاً كاملاً بفروضه وسننه، (ومسح على خفيه ولم ينزعهما) من رجليه، (ثم تقدم) من مكان وضوءه (وصلى) أي صلاة الصبح مع عبد الرحمن بن عوف كما تقدم.
- طلب العلم فريضة
وبه (عن حماد عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود: طَلَبُ العِلمِ) أي ما لا بد منه (فريضة) أي عَيْنيَّة أو مطلق طلب علم الشريعة فريضة منها فرض عين ومنها فرض كفاية (على كل مسلم)، وفي معناه كل مسلمة والحديث رواه الطبراني، عن ابن مسعود والبيهقي، والخطيب عن علي وابن ماجه، عن أنس بزيادة، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب، وابن عبد البر عنه.
стр. 84
- طالب العلم يستغفر له كل شيء
وزاد أن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، قال الديلمي: وروى أيضاً من حديث أبي بن كعب، وحذيفة وسلمان، وسمرة بن جندب، ومعاوية بن جدة وأبي أيوب وأبي هريرة، وعائشة بنت الصديق، وعائشة بنت قدامة، وأم هاني.
قال السيوطي وقد ثبت مخرجها في الأحاديث المتواترة، وقال الزَّركشي: روي من أوجه في كل طرقه مقال، فالحديث حسن فاندفع به قول النووي: إنه ضعيف تبعاً للبيهقي في قوله: متن هذا الحديث مشهور، وإسناده ضعيف، وإن كان معناه صحيحاً.
وقد قال تلميذه الحافظ جمال الدين المنيري، هذا الحديث روي من طرق تبلغ بنية الحسن.
قال شارح الجامع الصغير: وهو كمال فإني رأيت له خمسين طريقاً جمعتها في جزء وحكمت بصحته لكن من القسم الثاني، وهو الصحيح لغيره.
- المدعى عليه أولى باليمين
وبه (عن حماد عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ المُدْعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِاليَمِين) من المدعي (إذا لم يكن) أي لم يوجد (بَيّنَة) أي في القضية، رواه البيهقي، عن ابن عمر مرفوعاً ولفظه للمدعى عليه أولى باليمين، إلا أن تقوم عليه البينة أي فإنه لا يحتاج إلى اليمين.
وقد روى الترمذي، عن ابن عمر مرفوعاً: البينة على المدعي، واليمي
стр. 85
ن على المدعى عليه وفي رواية البيهقي، وابن عساكر عنه، واليمين على من أنكر إلا في القسامة وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر رواه البيهقي، وغيره بإسناد حسن.
وفي الصحيحين ومسند أحمد وسنن ابن ماجه بلفظ لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه والحديث بسطنا عليه الكلام في شرح الأربعين، والله الموفق والمعين.
- الصلاة في الكعبة
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أن رجلاً سأله عن صلاة النبي ﷺ في الكعبة) أي في جوفها (يوم دخلها) وهو عام الفتح أو حجة الوداع (فقال: صَلَّى في الكعبة أربع ركعات فقال) أي سعيد (له) أي لابن عمر: (أرني المكان الذي صلى فيه) أي أكون أصلي فيه إذا دخلتها (قال): أي سعيد (فبعث معه) نقل بالمعنى أو على الإلتفات في المبنى (ابنه) وهو سالم أو غيره (ثم ذهب تحت الاسطوانة) أي الوسطى كما في الرواية الآتية (بحيال الجدعة) بكسر الحاء أي بحذائها والجدعة بكسر الجيم أصل النخلة، ومنه قوله تعالى ﴿وَهزِّي إليك بجِذعِ
стр. 86
النَّخْلَةِ﴾ (١)
وفي رواية أن ابن عمر قال صلى ﷺ في الكعبة أربع ركعات قال) أي سعيد (قلت له) أي لابن عمر (أرني المكان الذي صلى فيه، فبعث معي ابنه فأراني الاسطوانة الوسطى تحت الجدعة)، واعلم أن ابن عمر لم يدخل مع النبي ﷺ كما رواه الشيخان عنه أنه ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة، وعثمان بن طلحة الحجني وبلال ابن رباح فأغلقها عليه، ومكث فيها فسألت بلالاً حين خرج ماذا صنع رسول الله ﷺ فقال: جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى أجمله، وحديث الإمام بينه، ورواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما قدم المكة إلى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة إبراهيم واسماعيل ﵉، وفي أيديهما الأزلام فقال ﷺ قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما قط ثم دخل للبيت فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه ظاهره مناف لما سبق إلا أن يحمل على تعدد وإلا فالمثبت مقدم على النافي على أن حديث أسامة أصح من حديث ابن عباس مع ان أسامة كان معه ﵊، وهو أضبط لكونه كبيراً بخلاف ابن عباس، لأنه لم يكن معه ﵊، وكان صغيراً وإن أردت بسط هذا المبحث فعليك بشرحنا للمحصن الحصين.
- حديث طواف
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال طاف النبي ﷺ بالبيت) أي بيت الله الحرام (وهو شاك) بتخفيف الكاف منوناً اسم فاعل كقاض جملة حالية أي والحال أنه مريض، وأنه يشكو وجعاً في رجله (على راحلة) متعلق بطاف
стр. 87
(يستلم الأركان) أي الركنين اليمانيين إذ يكره استلام الآخرين فإنه بدعة عند الأئمة الأربعة وسببه أنهما ليس بركنين على بناء إبراهيم ﵇ (بمحجنه) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم بعده نون عصى معوّجة لديه، فكان يصيب بها الركن، أو يشير بها إليه ويقبلها ﷺ .
وفي مسند أحمد وصحيح البخاري وغيرهما أنه ﵊ طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر، وفي رواية لأحمد وأبي داود، عن ابن عمر كان ﵊ لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوافه.
وفي رواية مسلم عن أبي الطفيل رأيت النبي ﷺ يطوف على راحلة يستلم الحجر بمحجنة معه، ويقبل المحجنة، (وفي رواية قال: طاف النبي ﷺ أي سعى (بين الصفا والمروة وهو شاك على راحلة) وهذا بظاهره بيان عذره ﵊ في عدم مشيه في طوافه وسعيه، لأنه عدّ من الواجبات عند علمائنا الكرام، لكن أخرج الستة إلا الترمذي، عن ابن عباس أن النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنة، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه، فهذا مانع آخر له ﵊ من المشي في المشاعر العظام ولا منع من الجمع المعتبر عند الأعلام.
هذا وقال في الآثار عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان أنه سعى بين الصفا والمروة مع عكرمة فجعل حماد يصعد الصفا وعكرمة لا يصعدها، فقال حماد: يا عبد الله ألا تصعد الصفا والمروة، فقال: هكذا كان طواف رسول الله ﷺ . قال حماد: فلقيت سعيد بن جبير، فذكرت له ذلك فقال: إنما طاف رسول الله ﷺ على راحلته وهو شاك لا يستلم الأركان إلا بمحجنة فطاف بين الصفا والمروة على
стр. 88
راحلته فمن أجل ذلك لم يصعد.
- حديث المسح
وبه (عن حماد، عن سالم بن عبد الله بن عمر) أي ابن الخطاب يكنى أبا عمر والقريشي العدوي المدنيّ أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم وصلحائهم، مات بالمدينة ستة ومائة (أنه تنازع أبوه وسعد بن أبي وقاص)، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة قال: كنت ثالث الإسلام، وأنا أول من رمى بسهمه في سبيل الله، وكان مُجَاب الدعوات لقوله ﵊ "اللهمَّ سدِّد (١) سهمه وأجب دعوته" مات في قصيرة بالعقيق قريباً من المدينة، فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وله سبع وسبعون سنة، وهو آخر العشرة موتاً، ولاه عمر وعثمان الكوفة. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين (في المسح على الخفين)، هل المسح أفضل أم الغسل أكمل؟ (فقال: سعد امسح) يحتمل الأمر وصيغة المتكلم وهو الأظهر، (وقال عبد الله: ما يعجبني) أي المسح بناء على أن الغسل أنظف وأطهر، (قال سعد: فاجتمعنا) أي أنا وابن عمر (عند عمر) أي وحكينا له بما جرى بينه وبين ولده (فقال عمر) أي لولده (عمك) أي أخو والدك في الدين (أفقه منك سنة) بالنصب، أي من جهة معرفة السنة، ويحتمل الرفع أي هذا المسح سنة أي ثابت بالسنة، فالعمل بها أبعد عن البدعة وأبرأه من التهمة.
قال أبو حنيفة ما قلت بالمسح حتى جاء فيه مثل ضوء النهار، أي من كثرة
стр. 89
الأخبار والآثار، وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر.
وروى ابن المنذر في آخرين عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﵊ مسح على الخفين.
- نفل ﷺ على راحلته
وبه (عن حماد عن مجاهد) أي ابن جبير بفتح الجيم وسكون موحدة مولى عبد الله بن السائب المخزومي من طبقة الثانية من تابعي مكة وفقهائها، كان إماماً في القراءة والتفسير (أنه صحب عبد الله بن عمر من مكة) المعظمة إلى المدينة المكرمة (فصلى) أي ابن عمر (النوافل على راحلته) أي دابة حيث سارت كما أشار إليه بقوله: (قبل المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها وجانبها (يومىء) بضم ياء وسكون واو وكسر ميم فهمز (ويبدل) أي يشير (في ركوعه وسجوده إيماء) وإشارة يطيقه بحيث يخفض سجوده عن ركوعه (إلا المكتوبة والوتر) استثناء أي لكن المفروضة والوتر لا يصليها على راحلته (فإنه كان ينزل لهما عن دابته) لعلو رتبتهما عن النفل ورتبته ففيه دلالة على قول أبي حنيفة إن الوتر واجب، وهو فرض عملي لا اعتقادي لثبوته بدليل ظني بخلاف الصلاة المفروضة فإن دليلها قطعي (قال) مجاهد: (فسألته) أي ابن عمر (عن صلاته على راحلته) أي عن دليل جوازها عليها (ووجهه إلى المدينة) جملة حالية (فقال لي: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته تطوعاً) أي غير الفرض والواجب فشمل
стр. 90
السنن والنوافل (حيث كان وجهه) أين يتوجه إليه ولو لم يكن سمت الكعبة وقعا عليه (يومىء إيماء) أي من غير ضرورة لديه.
- واقعة حال لا عموم لها
وروى الطحاوي، عن حنظلة ابن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلة ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي ﷺ فعل ذلك؛ وأمَّا ما أخرجه الشيخان، عن ابن عمر أنه ﵊ كان يوتر على البعير.
فالجواب عنه أنه واقعة حال لا عموم لها فيجوز كون ذلك لعذر والاتفاق على أن الفرض يصلى على الدابة لعذر الطين والمطر، ونحوه لو كان قبل وجوبه هذه، قد قال ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلله المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَينَما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجهُ الله﴾ (١) نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ما تَوجَهَت به، وفي صحيح مسلم وغيره عنه أنه ﵊ يصلي على راحلته حيث ما توجهت به وقرأ هذه الآية.
- لا يجهرون ببسم الله
وبه (عن حماد عن أنس قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) وظاهره عموم بداية الفاتحة وغيرها من السور، ومفهومه أنهم كانوا يخفون بها، وروى ابن أبي شيبة عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يخفي بسم الله الرحمن الرحيم والاستعاذة، وربنا لك
стр. 91
الحمد، لكنه معارض بما ثبت عن ابن عباس كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، رواه الحاكم، وقال صحيح بلا علة، وصححه الدارقطني إلا ان ابن نمير قال: روينا عن الدارقطني أنه قال: لم يصح من النبي ﷺ في الجهر حديث، وقد روى الطحاوي، وابن عبد البر عن ابن عباس أن الجهر قراءة الأعراب، قال ابن الهمام: عن ابن عباس لم يجهر النبي ﷺ بالبسملة حتى مات.
فقد تعارض ما روى عن ابن عباس فإن سلم فهو محمول على وقوعه أحياناً وابتداء ليعلمهم تقرء فيها فلا يترك كما قال به مالك، وقد أوجب هذا الحمل صريح رواية مسلم عن أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (١) لم يرد نفي القراءة كما استمسك بظاهره مالك، بل عدم السماع للاخفاء بدليل ما صرح به عن أنس فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح.
وعنه صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يخفون بسم الله الرحمن الرحيم، رواه ابن ماجه.
وروى الطبراني عن الحسن، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، ومن تقدم من التابعين، وهو مذهب الثوري.
وقال ابن عبد البر، وابن المنذر، وهو قول ابن مسعود، وابن الزبير، وعمار بن ياسر وعبد بن المغفل، والحسن بن أبي الحسن، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك، وقتادة وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، والزهري، ومجاهد، وحماد وأبي عبيد وأحمد، واسحق.
وروى أبو حنيفة عن طريق بن شهاب أبي سفيان السعدي عن يزيد بن عبد الله
стр. 92
ابن مغفل عن أبيه انه صلى خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فناداه عبد الله إني صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهرون به.
وبه (عن حماد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتُجم وهو محرم) جملة حالية، وهو محمول على أن احتجامه كان في عضو ليس فيه شعر يحتاج إلى حلقه في الاحتجام، وعلى عذر في حقه ﵊.
(عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ بقول امرأة) وهي فاطمة بنت قيس (لا ندري) نحن معاشر الرجال من الصحابة (صدقت) أي تحققت (أو كذبت) فيما توهمت على ما سيأتي فنقول بظاهر الكتاب في السنة المحققة عندنا (المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة) أي في أيام العدة.
واعلم أن المعتدة الرجعية تستحق النفقة والسكنى على الزوج ما دامت في العدة إجماعاً فأما المعتدة بالطلقات الثلاث فلها السكنى حاملاً كانت أو حائلاً عند أكثر أهل العلم، وهو قول الحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري.
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وأما المعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملاً كانت أو حائلاً عند أكثر أهل العلم، وروي عن علي أن لها النفقة من التركة إن كانت
стр. 93
حاملاً حتى تضع وهو قول شريح والشعبي والنخعي، والثوري، واختلفوا في سكناها فقال بعضهم: لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء، وهو قول علي وابن عباس وعائشة.
وبه قال عطاء والحسن وأحد قولي الشافعي، وقال بعضهم: لها السكنى وهو قول عمر وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر وبه قال مالك وسفيان والثوري وأحمد وإسحاق وأحد قولي الشافعي.
وبه قال أبو حنيفة، ويؤيده ما رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي والترمذي، وقال حسن صحيح أن فُرَيعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري لما قتل زوجها جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: فسألته أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة قالت: فقال رسول الله ﷺ : نعم قالت: فانصرفت حتى إذا كنت بالحجرة أو بالمسجد ناداني رسول الله ﷺ أو أمر لي فنوديت له فقال: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه، ولعل مراد عمر ﵁ بالكتاب قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاّ أَنْ يَأتِينَ بفَاحِشة مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أسكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ولا تُضَارُّوهنَّ لِتُضَيِّقوا عَلَيهِنَّ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقَ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) ﴿وَعَلى المولُود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ (٤).
وبالسنة ما رواه مسلم وأبو داود من حديث جابر الطويل في حجة الوداع، وأن لهن عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور
стр. 94
عنه: لا نفقة للمطلقة ثلاثاً أو على عوض إلا إذا كانت حاملاً فبالإجماع، لما روى الجماعة إلا البخاري من حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، أمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم، الحديث.
ولنا ما روي من حديث أبي إسحاق قال: حدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال: لا سكنى لها ولا نفقة، فأخذ الأسود كفاً من حصى فحصيه به، وقال: ويلك تحدث تختل هذا قال عمر لا نترك كتاب الله ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ (١)
وما روى مسلم من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: ما لفاطمة خبر أن تذكر هذا تعني قولها لا سكنى لك ولا نفقة، وفي لفظ البخاري قالت: ما لفاطمة أن لا تتقي الله تعني في قولها لا سكنى ولا نفقة.
- حديث الحج
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها قدمت) أي من المدينة مع النبي ﷺ في حجة الوداع (تمتعة) أي بأن نوت العمرة مفردة وأرادت أن تحج تلك السنة، (وهي حائض) جملة حالية (فأمرها رسول الله ﷺ أن ترفض عمرتها وتتركها فرفضت) عمرتها (واستأنفت بالحج) أي أحرمتها به (حتى إذا فرغت حجها) أي أعماله، في نسخة بالنصب على نزع الخافض حجها (أمرها)
стр. 95
أي النبي ﷺ أن (تصدر) بضم الدال أي تخرج (إلى التنعيم مع أخيها عبد الرحمن) لتأتي عمرة وقضائها، والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بلفظة: لما نزل ﷺ بسرف خرج إلى الصحابة فقال: ومن لم يكن معه هدياً فأحب أن يجعلها عمرة، فليفعل، ومن كان معه هدي فلا.
وحاضت عائشة فدخل عليها ﷺ وهي تبكي فقال: ما يبكيكِ؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك متعة العمرة فقال: وما شأنك قلت: لا أصلي قال: فلا يضرك إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها إلى العمرة.
وفي رواية "قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج حتى جئنا بسرف فطمثت فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: مايبكيكِ؟ فقلت والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: مالك؟ لعلك نفست قلت: نعم، قال هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي حتى تطهري" الحديث، وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة كما اختلف هل كانت متمتعة أم مفردة، وإذا كانت متمتعة فقيل إنها كانت أولاً أحرمت بالحج، وهو ظاهر هذا الحديث، لكن عند البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: وكانت فيمن أهلّ بعمرة، وزاد أحمد وصححه من وجه آخر عن الزهري: ولم أسق هدياً ويحتمل في الجمع أن يقال: أهَلَّت عائشة بالحج مفردة كما صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبي ﷺ أن تفسخ الحج إلى العمرة ضعفاً، ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل المحيض أمرها بالحج.
وقال القاضي عياض واختلف في الكلام على حديث عائشة فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديماً ولا حديثاً، قال ابن عبد الرحمن يريد ليس العمل عليه في رفض العمرة، وجعلها حجاً بخلاف جعل الحج
стр. 96
عمرة فإنه وقع في الصحابة، واختلف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ارفضي عمرتك أي اتركي عمرتك أي اتركي التحلل منها، وأدخلي عليها الحج فتصير قارنة.
ويؤيده قوله في رواية المسلم: وأمسكي عن العمرة أي عن أعمالها، وإنما قالت عائشة: وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالفعل بالعمل أفضل، كما وقع بغيرها من أمهات المؤمنين، واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها: وأرجع إلى بيتي بحجة ليس معها عمرة، أخرجه أحمد، قال صاحب المواهب وهذا يقوي قول الكوفيين إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة وتمسكوا في ذلك بقولها وهي عمرتك، وفي رواية أقضي عمرتك ونحو ذلك، واستدلوا به على أن المرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة، وتهل بالحج مفردة كما صنعت عائشة قال: والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف، حاضت فقال النبي ﷺ : أهلي بحج حتى إذا طهرت طافت بالكعبة ومتعت فقال: قد حللت من حجتك وعمرتك أي أحرمي فقالت: يا رسول الله ﷺ إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت وقال فأعمرها من التنعيم قال فهذا صريح في أنها قارنة، وإنما أعمرها من التنعيم تطيباً لقلباً (١) لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة.
وقد وقع في رواية مسلم وكان ﷺ رجلاً سهلاً إذا هوت الشيء تابعها عليه انتهى.
والمفهوم من كلام ابن الهمام أن الآفاقي إذا أحرم بعمرة قبل أن يطوف فأدخل عليها إحرام حجه كان قارناً، وإن أدخله بعد أن طاف الأكثر كان متمتعاً إن كان الطواف في أشهر الحج، وإن أدخله بعد أن طاف الأقل كان قارناً، وكل من رفض
стр. 97
نسكاً فعليه دم، لما روى أبو حنيفة عن عبد الملك بن مروان بن عمير، عن عائشة أن النبي ﷺ أمر لرفضها العمرة بدم قال: ومعنى حللت من حجتك من عمرتك لا يستلزم الخروج منها بعد قضاء قبل تمامها، بل يجوز ثبوت الخروج من العمرة قبل إتمامها ويكون عليها قضاءها قال الزهري إلى قولها في الرواية الأخرى في الصحيحين ينطلقون بحج وعمرة وانطلق بحج فأقرها على ذلك، ولم ينكر عليها وأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم، وهذا لأنها إذا لم تطف للحيض حتى وقفت بعرفة صارت رافضة العمرة وسكوته ﵊ إلى أن سألته غنما يقتضي تراخي القضاء لا عدم لزومها أصلاً.
- في بيان أكل الضب
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أنه) أي الشأن (أهدي لها ضب) بفتح الضاد بالعجمة وتشديد الموحدة حيوان بري معروف من الحشرات قيل يعيش سبعمائة سنة فصاعداً إذ لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا تسقط له سمن، ومن شعر حاتم الأصم:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
يكفل بالأرزاق للخلق كلهم، ... والضب في البيداء والحوت في البحر
(فسألت) أي عائشة (النبي ﷺ هل يحل أكله فنهى عن أكله فجاء سائل) من الفقراء (فأمرت) أي عائشة (له) أي للسائل (به) أي بالضب بأن يدفع إليه (فقال رسول الله ﷺ إنكاراً عليها (أتطعمين) غيرك من المسلمين (ما لا تأكلين) لقوله
стр. 98
تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)
وقوله تعالى ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) والحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، والحديث يدلُّ على تحريمه أو كراهته.
وقد قال الدميري في حياة الحيوان إنه يحل أكل الضب بالإجماع.
وروى الشيخان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قيل له أحرام هو؟ قال: لا لكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
وفي سنن أبي داود لما رأى النبي ﷺ الضبين المشويين بزق فقال خالد: يا رسول الله أراك تقذرته، وذكر تمام الحديث، وفي رواية المسلم لا آكله ولا أحرمه، وفي الأخرى كلوه فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي.
قال فكل هذه الروايات صريحة في الإباحة ولا يكره أكله عندنا خلافاً لبعض أصحاب أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه، وقال النووي: وما يظنه يصح عن أحمد قال في الاحياء: فالظن بأبي حنيفة أن هذه الأحاديث لم تبلغه ولو بلغته لقال بها قلت هذا من بعض الظن فإن حسن الظن بأبي حنيفة أنه أحاط بالأحاديث الشريفة من الصحيحة والضعيفة، لكنه ما رجح الحديث الدال على الحرمة أو حمله على الكراهة جمعاً بين الأحاديث وعملاً بالرواية والدراية.
- وتر ﷺ في آخر الليل
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن عبد الله الجدلي) بجيم ودال مهملة بفتحتين
стр. 99
إلى جديلة قبيلة (عن أبي مسعود)، وهو عقبة (بن عمرو الأنصاري) ويقال له البدري شهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدراً عند جمهور أهل العلم باليسر وقيل: إنه شهدها، والأول أصح، وإنما نسب إلى ماء بدر لأنه نزله، فنسب إليه وسكن الكوفة ومات في خلافة علي وقتل سنة إحدى وأربعين.
وروى عنه ابنه بشير وخلق، كثير سواه أنه (قال: وتر رسول الله ﷺ أي الوتر (أول الليل) أي تارة (وأوسطه) أخرى، (وآخره) وهو الأكثر وإنما فعل ذلك (لكي يكون) أي والوتر (واسعاً على المسلمين أيُّ ذلك) بتشديد الياء أي أيُّ ذلك الوقت والفعل (أخذوا به كان صواباً) ويوجب ثواباً (غير أنه من طمع قيام الليل) أي واثقاً أنه يقوم في آخره (فليجعل وتره في آخر الليل، فإن ذلك) أي التأخير آخر الليل (أفضل) لكون ثوابه أكمل وبهذا ورد أمر الندب في حديث اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً، رواه الشيخان وأبو داود عن ابن عمر.
(وفي رواية عن عبد الله الجدي عن عقبة بن عامر وأبي موسى) وهو عبد الله ابن قيس الأشعري أسلم بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة ثم سمع أهل السفينة ورسول الله ﷺ بخيبر، ولاه عمر بن الخطاب ببصرة سنة عشرين ففتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان، عزل عنها فانتقل إلى الكوفة بعد التحكيم فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين أنهما قالا: كان رسول
стр. 100
الله ﷺ يُوتر أحياناً أول الليل وأوسطه) أي أحياناً (وآخره) كذلك (ليكون) أي أمر الوتر (سعة) بفتحتين أي واسعة (للمسلمين)، ولا يكون ضيقاً وحرجاً للمتعبدين.
- حديث المسح
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت) سبق ترجمته (عن النبي ﷺ قال في المسح على الخفين)، وفي ذكره بلفظ التثنية إيماء إلى أنه لا يجوز المسح على أحدهما دون الآخر (للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام وليالهن) وفيه حجة على مالك في قوله لا توقيت لمسح الخف بل يمسح لابسه مسافراً كان أو مقيماً ما بدا له ما لم ينزعه أو يصبه جنابة وهو القديم من قولي الشافعي لا ينزع خفيه جملة استئنافية، أي يجوز أن لا ينزعهما إذا لبسهما شرطية آخراً وتنبيه (وهو متوضىء) أي، والحال أنه طاهر وابتداء مدة المسح من الحدث بعد اللبس عند الجمهور، وفي رواية عن أحمد أنه من وقت المسح واختاره ابن المنذر قال النووي: وهو الراجح دليلاً وقال الحسن البصري: من وقت اللبس (وفي رواية المسح على الخفين) أي الصحيحين الطاهرين (للمسافر ثلاثة أيام) أي ولياليها كما مر (وللمقيم يوماً وليلة إن شاء) أي أراد تمام المدة، وفيه إيماء إلى أنه لا يجب عليه نزعهما قبل تمام المدة إذا توضأ أي تطهر قبل أن يلبسهما، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والروايات عند أهلها شهيرة منها ما رواه مسلم عن علي جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام وليالهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم.
стр. 101
وبه (عن حماد بن أبي وائل) وهو شقيق بن أبي سلمة الأسدي الكوفي أدرك الجاهلية والإسلام، وأدرك النبي ﷺ ولم يره ولم يسمع منه، قال: كنت آتي بيت النبي ﷺ ابن عشر سنين أرعى غنماً لأهلي بالبادية، وروى عن خلق من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود، وكان خصيصاً به من أكابر أصحابه وهو كثير الحديث ثقة ثبت حجة مات زمن الحجاج، (عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ إِنَّ الله هُو السَّلامُ) أي من التغيرات والآفات والنقصان في الذات والصفات معطي السلام لمن يشاء من غير الملامة والسآمة، (ومنه السلام) أي يرجي ويُسْتَوْهب ويتوقع في كل من الزمان والمقام والحديث رواه مسلم والأربعة عن ثوبان بلفظ: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
قال شيخ مشايخنا الجزري في التصحيح أما ما يزيد بعد قوله ومنك السلام ومن نحو وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام فلا أصل له عند علمائنا الكرام انتهى.
وفي رواية المسلم والأربعة عن عائشة ﵂ أنه ﵊ كان إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
- ترك الكلام في الصلاة
وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود لما قدم من الحبشة سلم على رسول الله ﷺ وهو يصلي) أي والحال أنه عليه الصلاة والسلام
стр. 102
يصلي فرضاً أو نفلاً (فلم يرد ﵇ كما كان في الصلاة قبل أن يحرم الكلام، (فلما انصرف رسول الله ﷺ أي عن صلاته (قال ابن مسعود): ظناً منه إنَّ عدم ردَّ سلامه نشأ من غضب له ﵇ في مقامه (أعوذ بالله من سخط نعمة الله) أي رسول الله ﷺ فإنه عد نعمته ونعمة الله من أسمائه الكرام (قال النبي ﷺ وما ذاك) أي وأي شيء سبب ذلك التعوذ (قال سلمت عليك) أي على عادتي، (فلم ترد علي) فظننت أنك غضبان علي في حالتي (قال: إن في الصلاة لشُغُلاً) بضمتين وليسكن الثاني وبفتحتين وفتحة أي مشغلة عن رد السلام وغيره من الكلام (قال ابن مسعود فلم نرد) أي نحن معشر الصحابة (السلام على أحد من يومئذٍ) ولا نسلم على أحد أيضاً من حينئذ، وقد روى الترمذي عن زيد بن أرقم قال كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة يكلم الرجل منا حاضراً إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وَقُوْمُوا لله قَانِتِين﴾ (١) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام فالقُنوت بمعنى السكوت وقيل الخضوع، والخشوع.
هذا وقوله ﵊: إن في الصلاة لشغلاً رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه، عن ابن مسعود، وقد رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ وعطس رجل من القوم فقلت له: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمَّيّاه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتوني لكني سكت، فلما صلى رسول الله
стр. 103
صلى الله عليه وسلم دعاني فبأبي وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
- أوصاف زوجة ؟؟
وبه (عن حماد عن إبراهيم قال: أخبرني شيخ من أهل المدينة، عن زيد بن ثابت) أي الأنصاري كاتب النبي ﷺ وكان له حين قدم النبي ﵊ المدينة إحدى عشرة سنة، وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة العالم بعلم الفرائض.
وفي الحديث، وأفرض أمتي زيد بن ثابت، رواه الحاكم عن أنس وهو أحد من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر، ونقله من المصحف في زمن عثمان روى عنه خلق كثير، مات بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة (أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: هل تزوجت يا زيد قال لا قال تزوج تستعف مع عفتك) أي تستزيد العفة على العفة (ولا تزوجن) أي البتة (خمساً) أي من النسوة (قال: ماهن قال: لا تزوجن شهبرة) بفتح شين معجمة وسكون هاء وفتح موحدة (ولا نهبرة) بوضع النون موضع الشين (ولا لهبرة) باللام بدل النون (ولا هبدرة) بفتح الهاء وسكون الموحدة ودالٍ مهملة مفتوحة، (ولا لفوتاً) بفتح اللام وضم الفاء فواو ساكنة فوقية بعدها ألف مقصورة أو ممدودة.
(فقال زيد: يا رسول الله ﷺ لاأعرف شيئاً مما قلت) من غرائب مبانيها
стр. 104
وعجائب معانيها؟ (قال: بلى تعرفها) لتعريفها (أما الشهبرة فالزرقاء البدينة) بصيغة الفعلية أي السمينة كالمدينة، ويحتمل أن يكون نسبة إلى البدن الزرقاء البدنية - زن كبود جشم فربه - فهذا ينبغي أن يشيبني من هويت السمان، وفي القاموس الشهبر الضخم الرأس وامرأة شهبرة مسمنة، وفيها باقية قوة، وفي النهاية الشهبرة والشهربة العجوز الكبيرة (وأما النهبرة فالطويلة المهزولة) زاد في القاموس، والمشرفة على الهلاك (وأما الهبرة فالعجوز المدبرة) أي إلى ورائها المعبر عنها بالمقطعة، ولم يذكر صاحب القاموس هذه المرأة ولا صاحب النهاية (وأما الهبدرة فالقصيرة الذميمة) بالدال المهملة أي القبيحة بالمعجمة هي المذمومة، بأن تكون في غاية القصر لا سيما إذا كانت في نهاية من السمن (فتكون كالمربعة)، وفي النهاية الهبدرة بالعجوز وبا اجكمة الكثيرة الكلام، (وأما اللفوت فذات الولد من غيرك) فهي لا تزال تلتفت إليه وتشتغل به عن الزوج، وكذا في النهاية، وقيده به لأن الولد منه يوجب زيادة المحبة له قال الشيباني: بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية فموحدة بعدها ألف فنون نسبة إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة كذا في طبقات الحنيفة (حكى أبو حنيفة من هذا الحديث طويلاً) أي زماناً كثيراً في مجلس أو مجالس والله أعلم.
والحديث رواه الديلمي، عن أبي هريرة ولفظه تزوج تزد عفةً إلى عفتك، ولا تزوج خمسة لا شهبرة ولا لهبرة ولا نهبرة ولا هبدرة، ولا لفوتاً قال: يا رسول الله ﷺ ما أدري ما قلت شيئاَ؟ قال: لستم عرباً أما الشهبرة، فالطويلة المهزولة، وأما
стр. 105
اللهبرة فالزرقاء البدينة وأما النهبرة فالقصيرة الذميمة، وأما الهبدرة فالعجوز المدبرة، وأما اللفوت فهي ذات الولد من غيرك في الجامع الكبير لشيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي ﵀.
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ لما مرض المرض) بالنصب على أنه مفعول، مطلق صفته (الذي قبض فيه) أي روحه (خف) أي بدنه (من الوجع) بفتحتين بأن سكن بعضه، (فلما حضرت الصلاة) أي الجماعة (قال لعائشة مري أبا بكر فليصل بالناس) فإنه أولى من غيره في مقام الإيناس، (فأرسلت) بصيغة المتكلم أو الغائبة (إلى أبي بكر أن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فأرسل إليها) أي أبو بكر متعذراً عن النيابة مخاطباً إياها (يا بنتاه) بسكون الهاء على صيغة الندبة فإنه في مقام الاستغاثة والاستعانة (إني شيخ كبير) في العمر (رقيق) بالقلب، (وإني متى لا أرى رسول الله ﷺ في مقامه) المكرم أرق بكسر الراء وتشديد القاف أي أضنى (لذلك) وأبكي لفقده ﵊، فيما هنالك (فاجتمعي أنت وحفصة عند رسول الله ﷺ فيرسل إلي عمر ليصلي بهم) فإنه أقوى قلباً مني فلعله يكفني هذا الأمر عَنّي (ففعلت) أي ما ذكر أبي بموافقة حفصة (فقال رسول الله ﷺ أنتن) جمعاً تعظيماً
стр. 106
لهما أو الخطاب يعمهما من غيرهما (صواحب يُوسف) أي كصاحبات يوسف في دلالتكن في غير طريق الحق، والصواب بعدم علمكن بحقيقة هذا الباب (مري أبا بكر فَليُصلِّ بالنَّاس) أي إماماً لهم (فلما نودي بالصلاة) أي أقيم لها سمع النبي ﷺ المؤذن وهو بلال أو غيره (وهو) أي والحال أن المؤذن (يقول حيَّ على الصلاة) أي أولاً أو ثانياً والمعنى هلموا إليها واحضروا لديها (فقال رسول الله ﷺ ارفعوني) أي عن مقامي وأعينوني على قيامي، (فإني أريد أروح إلى الصلاة) فإنها قرة عيني وراحة قلبي بلا ملال كما يشير إليه حديث أرحنا يا بلال فقالت عائشة (قد أمرت) أي أنت أو أنا بأمرك (أبا بكر أن يصلي بالناس، وأنت في عذر) عند الله ثم قال (ارفعوني فإنه جعلت قرة عيني) أي لذة لذاتي، وراحة حياتي (في الصلاة) أي في أدائها مع الجماعة فإنها مشيرة إلى مقام الجمع بين الواحدة والكثرة، وإنها معراج الأرواح، ومدراج الأشباح (قالت عائشة: فرفع بين اثنين) من خدامه، (وقدماه تخدان) بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال أي تخدعان أي تشحان وتوشران في الأرض من كمال ضعفه حال قيامه، (فلما سمع أبو بكر مجيء رسول الله ﷺ أي أدركه مجيئه وصوت رجله ﵊ (تأخر) أي قبل شروعه، (فأومأ) بهمزتين أي فأشار (إليه رسول الله ﷺ أي بعدم التأخر (فجلس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر) أي لأنه جاء من جانب الحجرة، وليقيم أبو بكر بمنزلة الواحد عن يمينه.
стр. 107
(وكان النبي ﷺ حذاءه) أي قبالته متقدماً عليه بعض التقديم (يكبر) أي تكبيرات الصلاة (ويكبر أبو بكر بتكبير النبي ﷺ على هيئة المبلغ كما يفعله المؤذن في زماننا هذا، (ويكبر الناس بتكبير أبي بكر) أي تبعاً (حتى فرغ) أي النبي ﷺ (لم يصل بالناس غير تلك الصلاة حتى قبض وكان أبو بكر الإمام) فيما وراء ذلك من الأيام (والنبي ﷺ وجع)، بفتح فكسر (حتى قبض).
وقال الدمياطي: إن الصديق صلى بالناس سبع عشرة، والحديث رواه الشيخان، وأبو حاتم، واللفظ له عن عائشة لما اشتد به ﷺ وجعه، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق وفي رواية أسيف إذا قام مقامك لا سمَّع الناس من البكاء قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادته مثل مقالتها، فقال إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس.
وفي رواية للبخاري عنها قالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه ابداً، وإني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به.
وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري قالت: قلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فَمُر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ : من أنكس لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس.
هذا وفي الصحيحين عن عائشة لما ثقل رسول الله ﷺ فقال: أصلى الناس؟
стр. 108
قلنا لا هم ينتظرونك للصلاة قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال لنا أصلى الناس: قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن تصلي بالناس فأتاه الرسول وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً فقال: يا عمر صل أنت فقال عمر أنت أحق بذلك، فصلى بهم أبو بكر ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعداً لكن روى الترمذي عن عائشة قالت صلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفى فيه خلف أبي بكر قاعداً، وقال: حسن صحيح.
وأخرج النسائي عن أنس: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر. قال ابن الهمام والجواب من وجهين أما أولاً فلأنه لا يعارض ما في الصحيح، وأما ثانياً فقد قال البيهقي: لا تعارض فالصلاة التي كان فيها إماماً صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأموماً في الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها حتى خرج من الدنيا، ويخالف هذا ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين وكشف الستر ثم إرخائه فإنه كان في الركعة الأولى ثم إنه ﵊ وجد من نفسه خفة فأدرك معه الثانية قال فالصلاة التي صلاها أبو بكر مأموماً صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعلي والتي كان فيها إماماً صلاة الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن عباس وغلام له حصل بذلك الجمع والله أعلم.
والحديث حجة لأبي حنيفة ومن تابعه خلافاً لمحمد ومن وافقه، ومذهب أحمد أنه شرع قائماً ثم جلس صح اقتداء القائمين به وإن شرع جالساً فلا، وظاهر الحديث دليل لأن الظن به ﵊ أنه كبر قبل الجلوس حيث كان قادراً عليه.
стр. 109
- حديث الحج
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها قالت: يا نبي الله) بتشديد الياء أو تخفيفها (يصدر الناس) بضم الدال أي يرجع الناس (بحجة وعمرة) أي جميعاً (وأصدر بحجة) أي (دون) عمرة (فأمر لي النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر فقال انطلق بها إلى التنعيم فليهل) أي فليحرم بعمرة (ثم لتفرغ منها) أي عملها وهو طواف وسعي وحلق، (ثم لتعجل علي) أي تفرغ في ما أتاها إلي (فإني أنتظرها ببطن العقبة) بفتحتين.
- نهى ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضة .
وبه (عن حماد، عن حذيفة قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب) أي المشروبات (في آنية الذهب والفضة، وأن لا نأكل المأكولات فيها، وأن نلبس الحرير والديباج) بكسر الدال ويفتح الثياب المتخذة من الإبريسم وهو نوع من الحرير فارسي معرب وقال (وهي للمشركين في الدنيا ولكم في الآخرة) رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان ولفظه: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة.
وفي رواية للشيخين عن عمر ﵁: لا تلبسوا الحرير فإنه من يلبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ورواه الطبراني في الكبير عن معاوية ولفظه: نهى
стр. 110
النبي ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ونهى عن لبس الذهب والحرير، وروي عن مسلم عن أم سلمة مرفوعاً: أن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم أي يصوت زاد الطبراني إلا أن يتوب.
(أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم والثاء المثلثة، (وحماد بن أبي سليمان، عن عبد الله بن بريدة)، أي السلمي قاضي مرو تابعي مشهور ثقة معروف سمع أباه وغيره من الصحابة، روى عنه ابنه سهل وغيره، ومات بمرو وله أحاديث كثيرة (عن أبيه) وهو بريدة بن الحُصَيب بالتصغير السلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازياً فمات بمرو سنة اثنتين وستين زمن يزيد بن معاوية، روى عن جماعة (عن النبي ﷺ قال: لا تشْرَبْ مُسْكراً) رواه ابن ماجه، عن أبي الدرداء مرفوعاً ولفظه: لا تشرب الخمر فإنه مفتاح كل شيء.
- وأما حديث: كل مسكر حرام فكاد أن يكون متواتراً
وروى أحمد وأبو دتود عن أم سلمة أنه ﵊ نهى عن كل مسكر ومفتر وهو ما يرخي الأعضاء، وأما حديث: كل مسكر حرام فكاد أن يكون متواتراً فقد رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى وأحمد والنسائي، عن أنس وأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن ابن عمر واحمد والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة، وابن ماجه عن ابن مسعود، وفي رواية لأحمد ولمسلم والأربعة، عن ابن عمر بلفظ. كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة.