← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9060

شرح مسند أبي حنيفة

الملا على القاري

Полный текст (602 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾ (١) (فيلقون فيه) بصيغة المجهول، أو المعروف (فينبتون) أي نباتاً ثانياً (وينمون) نمواً سريعاً (كما ينبت التقادير) وهو صغار القثاء، شبهوا بها لأنها تثمر سريعاً (ثم يخرجون) بصيغة المجهول، والفاعل، وكذا قوله (فيدخلون الجنة) وأما قوله (فيسمون الجهنميين) والمجهول متعين (ثم يطلبون إلى الله تعالى) أي متضرعين إليه (أن يذهب عنهم ذلك الاسم)، يعني لكونهم مكتوبين على جباههم، هؤلاء العتقاء من النار (فيذهب عنهم) أي فيمحو ذلك الاسم من جباههم. ومن قلوب أهل الجنة، حتى يصيروا كواحد منهم، وقد سبق نحو ذلك فيما تقدم، والله أعلم. - القياس الكاسد وبه (عن أبيه، عن محمد بن قيس) وهو ابن مخرمة القرشي الحجازي، روى عن أبي هريرة ﵁ وعائشة رضي الّه عنها، وعنه، عبد الله بن كثير، وغيره (قال: سألت ابن عمر أو ابن كثير) شك منه أو من غيره (عن بيع الشحم فقال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم) كما نص الله بقوله: ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُوْمَهُمَا﴾ (٢) الآية (فحرموا أكلها

стр. 562

واستحلوا بيعها وأكل ثمنها) مع أن الآية مطلقة، فقيدوها من تلقاء أنفسهم، فلا يرد أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ﴾ (١) محمول على أكلها، وجاز الانتفاع بجلدها، فإن هذا البيان استفيد من صاحب الشريعة، لا بالرأي الفاسد، والقياس الكاسد، وإن الذي حرم الخمر، حرم بيعها وأكل ثمنها، وقد سبق، بعض الحديث مرفوعاً. وقد روى أحمد والجماعة عن جابر، والشيخان عن أبي هريرة ﵁، وأحمد والشيخان، والنسائي، وابن ماجه، عن عمر مرفوعاً، بلفظ: "قاتل الله اليهود، إن الله ، لما حرم عليهم الشحوم جملوها" بالجيم "ثم باعوها وأكلوا ثمنها". قوله: جملوها: بالجيم، أي أذابوها. - العبرة بخواتيم الأعمال والأحوال (عن أبيه، عن عبد العزيز بن رفيع) بالتصغير، وهو الأسدي المكي، سكن الكوفة، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع ابن عباس، وأتى عليه نيّف وتسعون سنة، (عن مصعب) وهو ابن سعد بن أبي وقاص القرشي، سمع أباه وعلياً، وابن عمر. روى عنه سماك بن حرب وغيره (عن سعد) أحد العشرة المبشرة (عن رسول الله ﷺ ، قال: "ما مِنْ نَفْسٍ) أي من نفوس بني آدم، لأن الكلام فيهم (إلا قد كتب الله أي في اللوح المحفوظ، أو أثبت في القضاء والقدر (مدخلها

стр. 563

ومخرجها) أي الطاعة والمعصية، وطلب الرزق وغيرهما، وهما يحتملان المصدر واسمي الزمان والمكان (وما هي لاقية) أي ملاقية في الدنيا والعقبى، (قيل: ففيم العمل) أي الآن، والحال أن الأمور كلها مفروغ منها في الأزل (يا رسول الله؟ قال: اعملوا) أي لا بد من العمل وظهوره إلى تمام الأجل (فكل ميسر) أي مسهل مهيأ (لما خلق له) أي قدر له من أسباب الأمل (فمن كان من أهل الجنة، يسر لعمل أهل الجنة) أي حتى يموت على عملهم، (ومن كان من أهل النار يُسِّرَ لِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ) حتى يموت على عملهم، فإن العبرة بخواتيم الأعمال، والأحوال. (قال الأنصاري) أي بعض منهم (الآن) أي هذه الساعة (حق العمل) أي ظهر وجه حكمة الأمر بالعمل، وهذا نظير قول زليخا: الآن حصحص الحق، والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة، منها ما أورده صاحب المشكاة في أول كتابه، وقد شرحناها في بابه. - عذاب الكذب على رسول الله ﷺ وبه: (عن أبيه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتعمداً فليتبوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ") قد سبق الكلام عليه، (قال عطية: وأشهد) أي وأحلف (أني لم أكذب على أبي سعيد، وأن أبا سعيد لم يكذب على رسول الله ﷺ في هذا الحديث وغيره.

стр. 564

- قيام الليل (وبه: عن أبيه، عن عبد الرحمن بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاء (عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا زَالَ جبرائيل يوصيني بالجار) أي بالإحسان إليه والتعطف عليه (حتى ظننت) أي حسبت (أنه) أي الله تعالى (يورِّثه) بالتشديد والتخفيف، أي الجار، من مثله، والحديث بعينه، رواه أحمد والشيخان، وأبو داود، والترمذي، عن ابن عمر وأحمد، والستة، عن عائشة ﵂. ورواه البيهقي عن عائشة بلفظ الأصل مع زيادة: (وما زال يوصيني بالمملوك، حتى ظننت أنه يضرب له أجلاً ووقتاً إذا بلغه عتق، وما زال جبرائيل يوصيني بقيام الليل) أي للتهجد والعبادة والقراءة (حتى ظننت) أي علمت وتحققت (أن خيار أمتي لا ينامون إلا قليلاً) كما يدل عليه قوله : ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١) أي من قليل زمانه الذي فيه يرقدون. وفي تفسير قول آخر، وهو: أنهم كانوا قليلاً من الناس موصوفين بأنهم ما يهجعون مطلقاً، أو بعضه على أن ما نافية، وفي قليل من الليل عدم هجوعهم إذا

стр. 565

كانوا يقومون ثلث الليل، أو نحوه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُم اللَّيْلَ إلاّ قَلِيلاً نِصفُهُ أو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيهِ﴾ (١) الآية. وقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدْنَى مِنْ ثُلُثَي الليْلَ ونِصفَهُ وثُلُثهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الّذِينَ مَعَك﴾ (٢). وفي الحديث: أشرافُ أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل، رواه الطبراني والبيهقي. عن ابن عباس (عن أبيه، عن سلمة بن كهيل) بالتصغير (عن أبي عرا، عن ابن مسعود، قال: لا يبقى في النار) أي أحد من المؤمنين مخلداً (إلا من ذكر الله في هذا الآية ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر ... قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين ... وَلَم نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِين﴾ إلى قوله ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافِعين﴾ (٣) سبق الكلام عليه. - الحقب وبه (عن أبيه، عن عاصم) لعله الإمام في القراءة، فإنه شيخ الإمام (عن أبي صالح) وهو ابن الذكوان الزيات السمان من أجلاء التابعين (قال: الحقب) وهو بضم، وبضمتين (ثمانون سنة) أو أكثر، هكذا في القاموس (منها) أي من

стр. 566

الثمانين سنة (أيام عدد أيام الدنيا) لعله أراد عدد أيام خلق أصول الدنيا، المفهوم من قوله ﴿الَّذي خَلَقَ السّموَات والأرضَ فِي سِتَةِ أيَّامٍ﴾ (١) وستة أيام عدد أيام الدنيا باعتبار ما مضى بالنسبة إلى القائل، وإلا فقد ثبت أن عمر الدُنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، وإن آخر من يخرج من الناس من عصاة المؤمنين، من لبث فيها سبعة آلاف سنة، عمر الدنيا، ومع هذا قلنا: فلابد من اعتبار كسر فيها، فأنا نحن الآن في سنة اثني عشر بعد الألف الذي هو السابع، نعم يتجاوز عن خمسمائة، وإلا فلزم أن يكون ثمانية آلاف كما حققه شيخ مشايخنا السيوطي في رسالته الكشف في مجاوزة هذه الأمة من الألف، وخلاصته، أنه أراد الحقب ثمانون سنة، وكل سنة اثنتي عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم ألف سنة. وروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه، كما في تفسير البغوي، لكن لا يخفى أنه لا يندفع به الاشكال الوارد بحسب الظاهر المتبادر في قوله سبحانه ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصاداً ... لِلطَاغِيْنَ مَآباً. لاَبِثِينَ فِيهَا أحقَاباً﴾ (٢) فإن قد يتوهم منه انقطاع العذاب بعد لبث الأحقاب. فالأظهر في الجواب، أن العدد لا مفهوم له، أو هو ليس ظرفاً لما قبله من قوله لابثين، بل لما بعده من قوله ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرداً ولا شَرَاباً ... إلاَّ حَمِيماً وغَسَّاقاً﴾ (٣) فيفيد أنهم بعدها يذوقون أشياء أخر، من ضريع وزقوم، وصديد ونحوها، والمراد، التكثير لا التحديد، فقد قال الحسن: إن الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ فوالله ما هو إلا أنه مضى حقب دخل إلى الأبد، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود.

стр. 567

وروى السدي، عن حرة، عن عبد الله قال: "لو علم أهل النار، أنهم لابثون (يلبثون) في النار عدد حصى الدنيا، لفرحوا، ولو علم أهل الجنة عدد حصى الدنيا، لحزنوا. - حبس جبرائيل وبه (عن أبيه، عن زر) بكسر الزاء وتشديد الراء، وهو ابن حبيش الأسدي الكوفي، عاش في الجاهلية، ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وهو من أكابر القراء المشهورين، من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، سمع عمر ﵁، روى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم، (عن سعد بن جبير) وهو من سادات التابعين، كما سبق ذكره. (عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لجبرائيل ﵇: مَا لَكَ لاَ تَزُورَنَا أكثر مِما تَزُورهُ) فإنا نشتاق إلى لقائك ومشاهدة طلعتك هيأتك (فأنزلت بعد ليال) أي قليلة (﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾) (١) كما هو مبين ﴿لاَ يَعْصُون الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُون مَا يُؤْمَرُون﴾ (٢) (﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾) الآية أي (﴿وما بين ذلك وما كان ربك نسياً﴾) والحديث بعينه رواه البخاري، عن زر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁.

стр. 568

وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: احتبس جبرائيل ﵇ عن النبي ﷺ ، حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فقال: "أخبركم غداً، ولم يقل إن شاء الله تعالى، حتى شَقَّ ذلك على النبي ﷺ ، ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله ﷺ : "أبطأت عليّ حتى ساء ظني واشتقت إليك. فقال جبرائيل: كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست أجست، فأنزل الله تعالى: ﴿وما نتنزل إلا بِأَمْرِ ربك﴾ ونزل: ﴿والضحى﴾، وقوله: ﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾، أي علم ما بين أيدينا من الآخرة والثواب والعقاب، وما خلفنا ما مضى من الدنيا، ﴿وما بين ذلك﴾، ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة. - ما بين النفختين أربعون سنة وقيل ما بين الدنيا من أمر العقبى، وما خلفنا من أمر الدنيا، وما بين ذلك، ما بين النفختين، وهو أربعون سنة، وقيل غير ذلك، قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسيّاً﴾ (١) أي ناسياً، وهو منزه عن النسيان، أو المعنى، أي ما نسيك ربك، أي ما تركك. - معنى إحسان يوسف ﵇ وبه (عن أبيه، عن أبي سلمة بن سبط، قال: كنت عند الضحاك) بن مزاحم (فسأله رجل عن هذه الآية) أي من سورة يوسف ﴿إنَّا نرَاكَ مِنْ المُحْسِنين﴾ (٢) قال

стр. 569

أهل السجن له: (ما كان إحسانه) أي الذين كانوا يرونه (قال) أي الضحاك (كان) أي يوسف (إذا رأى رجلاً مضيقاً عليه) بتشديد التحتية المفتوحة (وسع عليه) أي بما قدر له من المقام والطعام (وإذا رأى مريضاً) أي لا يقوم بخدمته أحد (قام عليه) أي بنفسه، وبخدمته، (وإذا رأى محتاجاً سأل) أي عن حاجته (ولقضاء حاجته) أي وأما راحته. وفي تفسير البغوي، روي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: ﴿إنا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده، وقام عليه، وإذا ضاق المكان وسع عليه، وإذا احتاج، جمع له شيئاً، وكان مع هذا يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة، وكان يسليهم، ويقول: أبشروا واصبروا وتؤجروا. وقيل: إن المعنى ﴿إنا نَرَاكَ من المحسنين﴾، في الرؤيا. - يدرس الإسلام وبه (عن أبيه، عن مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: يدرس الإسلام) بصيغة المجهول: أي ينمحي آثاره ويندرس أقلامه (كما يدرس وشى الثوب) أي إذا عسق، وهو بفتح الواو وسكون الشين المعجمة، نقش الثوب، ويلون كل لون (ولا يبقى) أي ممن أدرك الإسلام (إلا شيخ كبير أو عجوز

стр. 570

فانية) شك من أحد الرواة، والمراد أحد هذين النوعين من جنس المتقدمين، (يقولون: قد كان قوم) أي من المسلمين قبل هذا (ويقولون لا إله إلا الله، وهم) أي هؤلاء الناقلون، (ما يقولون لا إله إلا الله، قال) أي الراوي (فقال: صلة بن زفر) بكسر الصاد وتخفيف اللام، أحد الحاضرين، (فما يغني عنهم يا عبد الله) الله أعلم بالمخاطب، أي أيُّ شيء ينفعهم (لا إله إلا الله) أي مجرد التوحيد، ولو كان مقروناً بإقرار النبوة، لأن هذه الكلمة علم للشهادتين، أو من باب الاكتفاء، لما علم من الدين، أن أحدهما لا يستغني عن الأخرى، وأنهما متلازمان في الاعتبار لمقام اليقين. (وهم لا يصومون ولا يصلون ولا يحجون ولا يصدقون) أي لا يزكون (قال: ينجون بها من النار) أي لقوله ﵊: "مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي رواية: حرم الله عليه النار، وهو: إما محمول على أنهم حينئذ لم يكونوا عالمين بوجوب هذه الأركان، أو ينجون بها في آخر الزمان، ولو كان بعد دخولهم النيران (ثم قال الثانية) أي في المرة الثانية، أو المقالة الثانية (يمد بها صوته، يا صلة ينجون بها من النار). - قيام الساعة وفي هذا الباب روايات كثيرة، وأحاديث شهيرة، منها ما رواه أحمد ومسلم والزهري، عن أنس ﵁ مرفوعاً: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله". وفي رواية أحمد ومسلم، عن ابن مسعود ﵁: "لا تقوم الساعة إلا

стр. 571

على أشرار الناس ورواه الستة والحاكم، عن أبي سعيد ﵁: "ما تقوم الساعة حتى لا يحج البيت". وبه (عن أبيه، عن عبد الملك)، أي ابن عمر، وسبق ذكره (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، قال: "يَدخُلُ قومٌ مِنْ أهْلِ الإِيمانِ يَوْمَ القِيامَةِ النَّارَ بذنوبِهِمْ) أي من الكبائر والصغائر، كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة، (فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم إيمانُكُمْ) أي نفعكم مجرد إيمانكم، حيث دخلتم النار بعصيانكم (ونحن) أي معاشر الكفار وأنتم جماعة الفجار (في دار واحدة نعذب) فهذا من جهلهم بحال عصاة المؤمنين، فإن تعذيبهم لتقريب الكافرين لا كمية ولا كيفية، بل تعذيبهم، إنما هو تأديبهم، وتهذيبهم، (فيغضب الله لهم) أي فيظهر آثار غضبه سبحانه لأجل الإيمان، ولو صدر عنهم بعض العصيان. (فيأمر أن لا يبقى في النار أحد يقول لا إله إلا الله) أي ويعترف مع هذا بنبوة رسول الله ﷺ (فيخرجون، وقد احترقوا حتى صاروا كالحممة السوداء) الحمم كصرد الفحم، وهو الواحدة بها (إلا وجوههم، فإنه) أي الشأن (لا تزرق أعينهم، ولا يسود وجوههم) (١) بتشديد الراء والواو، على صيغة

стр. 572

المجهول، أو بتشديد القاف والدال، على صيغة المعروف فيهما (فيؤتى بهم نهراً على باب الجنة، فيغتسلون فيه، فيذهب عنهم كل فتنة) أي محنة، (وأذى)، أي أذية وبلية (ثم يدخلون الجنة، فيقول لهم الملك) أي واحد من هذا الجنس، أو بعضهم (طبتم) أي طاب باطنكم بالإيمان، وطهر ظاهركم بالنيران (فادخلوها) أي الجنة أو الجنان (خالدين) أي مقدرين الخلود، بلا غاية في الأزمان (فيسمون الجهنميين في الجنة، قال) أي النبي ﷺ (ثم يدعون) أي يطلبون إزالة هذا الاسم عنهم حياء منهم (فيذهب عنهم ذلك الاسم فلا يدعون) بصيغة المجهول، أي فلا يسمون (به) أي بما ذكر أبداً (فإذا خرجوا) أي هؤلاء العصاة (من النار، قال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين، فذلك قول الله (﴿ربما﴾) بالتشديد والتخفيف، وهو التكثير، أو التقليل، وهو المناسب لهذا الحديث الجليل (﴿يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾) (١) قال البغوي في تفسيره: اختلفوا في الحال الذي يتمنى الكافر هذا، قال الضحاك: حالة المعاينة، وقيل يوم القيامة، والمشهور، أنه حين يُخْرِجُ الله تعالى المؤمنين من النار. روي عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله تعالى من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: أَلَسْتُم مُسْلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأخذنا بها، فيغفر الله لهم بفضل رحمته، فيأمر

стр. 573

كل مَنْ كان مِنْ أهل القبلة في النار، فيخرجون منها، فحينئذ ﴿يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾. - اتقوا من فراسة المؤمن وبه: (عن أبيه، عن عطية) العوفي (عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: "اتَقُوا مِنْ فَرَاسَةِ المؤمن") بفتح الفاء، أي إدراكه الكامل (فإنه ينظر بنور الله تعالى، ثم قرأ) النبي ﷺ ، أو الصحابي، استشهاداً، أو اعتضاداً، ﴿إنَّ في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ (١) للمؤتمنين، قال: يحتمل مرفوعاً، وموقوفاً المتفرسين. والحديث بعينه رواه البخاري في تاريخه، والترمذي في جامعه عن أبي سعيد والحاكم، وسمويه، والطبراني، وابن عدي، عن أبي أمامة، وابن جرير، عن ابن عمر، وحكي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه دخل عليه بعض أصحابه، وتدركوا النظر إلى امرأة، فقال: يدخل أحدكم بعين زانية، فقال، أوَحياً بعد رسول الله، قال، لا، ولكن فراسة صادقة، وعلم للفراسة، كان للإمام فيه اليد الطولى، كما هو المشهور في مناقبه. وأما قوله تعالى للمتوسمين، فقال ابن عباس ﵁: الناظرين، وقال مجاهد للمتفرسين، وقال قتادة: للمعبرين، وقال مقاتل: للمتفكرين.

стр. 574

- أول من ضرب الدنانير وبه (عن أبيه، عن أبي سليمان قال: أول من ضرب الدنانير) أي السكة (على الذهب تبع) بضم التاء، وفتح الموحدة المشددة، وهو السعد بن كرب. في القاموس: التبابعة، ملوك اليمن الواحد ككسرى، ولا يسمى به إذا كانت له حمير وحضرموت، ودار التبابعة بمكة، ولد فيها النبي ﷺ . وأما قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ (١) فله قصة طويلة، ذكرها البغوي في تفسيره. وذكر أبو حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب، أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبي ﷺ ، قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وذكر لنا أن كعباً، كان يقول: ذم الله قومه ولم يذمه، وكانت عائشة تقول (لا تَسُبُّوا تُبَّعاً فإنه كان رجلاً صالحاً) وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت، وأورد البغوي بسنده عن سهل ابن سعد، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تسبوا تبعاً، فإنه قد كان أسلم. وأورد أيضاً بسنده المذكور فيه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، من المخرجين عن المقري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أدري تبع، نبياً كان، أو غير نبي"، (وأول من ضرب الدراهم) أي سكه على الفضة (تبع الأصغر، أول من ضرب الفلوس) أي السكة على النحاس

стр. 575

(وأدارها في أيدي الناس، نمرود بن كنعان) في القاموس، نمرود، بالضم، من الجبابرة، ولعله أراد ضم الراء، وإلا فالمشهور على الألسنة، إنما هو فتح النون، وكنعان، وهو ابن سام بن نوح. - الفرق بين الكبرياء والعظمة وبه (عن أبيه، عن عطاء بن السائب) وهو ابن مزيد الثقفي، مات سنة ست وثلاثين ومائة، أو نحوه، لما ذكره صاحب المشكاة، في أسماء رجاله، في فضل التابعين (عن أبي مسلم الأغر) بالغين المعجمة، والراء المشددة (صاحب أبي هريرة ﵁ أي المخصوص به في النفل (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : قال الله تعالى: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي) أي صفتان المخصوصتان بي ليس لأحد أن يشاركهما معي (فمن نازعني واحداً منها) بأن ادعى أنه موصوف بالكبر والتعظيم (ألقيه في جهنم) ولعل الفرق بينهما أن الكبرياء متعلق بالذات، والعظمة بالصفات. والحديث بعينه رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، وابن ماجه أيضاً، عن ابن عباس، ولفظهم: قذفته، بدل ألقيه. وفي رواية للحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي فضحته، ورواه السموية، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵁: قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته.

стр. 576

وبه (عن أبيه، عن إبراهيم) أي النخعي (عن محمد بن المنكدر التيمي) سمع جابراً بن عبد الله وأنس بن مالك، وابن الزبير، وعمه ربيعة، وروى عنه جماعة، منهم الثوري، ومالك، مات سنة ثمانين ومائة، وله نيف وسبعون سنة، وهو تابعي كبير، من مشاهير التابعين وأجلتهم، جمع بين العلم والزهد والعبادة، والدين المتين، والصدق اليقين، (أنه بلغه) أي عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابة موقوفاً، لكنه في حكم المرفوع (إن المتكبر رأسه بين رجليه) أي يجعله الله معكوساً، منكوساً، حيث كان يرتفع برأسه، ويتبختر برجله (في تابوت مقفل عليه) أي مغلق ومضيق، لا يرى وجه الخلق، ولا يرون وجهه، في مقابلة عبوسة وجهه، وإدارة خده عن الخلق، مع نظر في كبره إلى الخلق، (ولا يخرج من التابوت أبداً في النار) أي مادام فيها إن كان مصراً من عصاة أهل الإيمان، أو مخلداً فيها إن كان من أهل الكفر والكفران. وبه (عن أبيه، عن عبد الملك، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله) أي في تفسيره ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين ... عما كانوا يعملون﴾ قال: عن لا إله إلا الله) أي عما يعملون في حق هذه الكلمة، من القيام لحق الله سبحانه، وبمتابعة رسوله ﷺ . وفي تفسير البغوي ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾ (١) يوم القيامة، ﴿عما كانوا

стр. 577

يعملون﴾ في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل، يعني البخاري، قال: عدة من أهل العلم: لا إله إلا الله، ثم هذا سؤال توبيخ وتقريع، فلا ينافي قوله : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَان﴾ (١) فإن المراد به سؤال استعلام. وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الآية: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف، يسألون من بعضها. وبه (عن أبيه، عن حماد) أي ابن سليمان، كوفي، يعد في التابعين، سمع جماعة، روى عنه شعبة، والثوري وغيرهما، كان أعلم الناس، برأي إبراهيم النخعي، يقال: مات سنة عشرين ومائة، (عن إبراهيم) هو النخعي، من أكابر التابعين (قال: يؤم القوم) أي يجوز أن يؤمهم (ولد الزنا) أي ما ورد من أنه أشر الثلاثة (والعبد) مع أنه مملوك، والغالب عليه الجهل، (والأعرابي) وهو البدوي، وقد نزل في حقهم: ﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (٢) (إذا قرأ) أي الواحد منهم (القرآن) وكان من يقرأ القرآن في الصدر الأول عالماً بالسنة والفقه، المتعلق بالصلاة ونحوها. ولذا ورد: يؤمهم أقرأهم. وإنما قال بعض العلماء بكراهية الاقتداء خلف هؤلاء الثلاثة، لأن الغالب عليهم الجهل، بالقراءة والسنة، ولاستنكاف العامة عن الاقتداء بهم. وأما إذا تبين أنهم من أهل العلم، فجاز الاقتداء بهم بلا شبهة، بل ربما

стр. 578

يكونون أولى من غيرهم، ولذا أخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم في المدينة، عند خروجه ﵊ لبعض غزواته، ليؤم الناس، مع كونه أعمى، فإنه يكره إذا كان هنالك من هو أعلم منه، والله أعلم. - إتيان النساء نحو المجاش حرام وبه: (عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: "إتيان النساء) كناية عن جماعهن (نحو المجاش) بفتح الميم، وتشديد الشين، أي الأدبار (حرام") وقد تقدم الكلام عليه. - دواء وبه: (عن أبيه، عن قيس، عن ابن مسلم، عن طارق بن شهاب) يكنى أبا عبد الله البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ ، وليس له سماع منه إلا شاذاً، غزا في خلافة أبي بكر وعمر، ثلاثاً وثلاثين، ومات سنة اثنين وثمانين، (عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ : "إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، إلا السأم) أي الموت الأكبر (والهرم) وهو الموت الأصغر (فعليكم بألبان البقر، فإنها تخلط من كل شيء) تقدم الكلام عليه، فتدبر.

стр. 579

- وضوء وبه (عن أبيه، عن خالد بن علقمة، عن عبد، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه توضأ، فغسل كفيه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً، وغسل قدميه) أي ثلاثاً (وقال هذا وضوء رسول الله ﷺ وقد سبق التحقيق، والله ولي التوفيق. وبه: (عن أبيه، عن إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ ، يصيب أهله) أي يجامع بعض نسائه (في أول الليل، ولا يصيب ماء) أي لا للغسل ولا للوضوء، وهذا لا ينافيه أنه كان يتيمم، وهذا أيضاً وقع أحياناً، وإلا فقد كان يغسل أول الليل، أو يتوضأ (فإذا استيقظ من آخر الليل، عاد) أي إلى الجماع إذا أراد (واغتسل). وهذا الحديث أيضاً تقدم، والله سبحانه أعلم. وبه: (عن أبيه، عن أبي فروة، عن عطاء بن السائب أبي الضحاك) تابعي ثقفي، (عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿آلم﴾) في البقرة

стр. 580

وغيرها (قال: أنا الله أعلم) إيماء إلى أن الهمزة رمز إلى أنا، واللام إلى الجلالة، والميم إلى أعلم، أخذ من كل كلمة حرفاً، مشيراً من أوله، أو وسطه، وآخره إليها ودالاً عليه. وقيل: الهمزة رمز إلى الله تعالى، والميم إلى محمد، واللام إلى جبرائيل، والمعنى: أن الله تعالى أنزل على محمد بواسطة هذا الملك. وفي الأصل زيادة (وأرى) وهذا منقول، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، (في آلمر) أول الرعد. وهنا أقوال أخر، ولغيره من المفسرين، قيل: يبلغ سبعين، والمعتمد عند الجمهور منهم الخلفاء الأربعة في تفسير الحروف المقطعات، أن الله أعلم بمراده بذلك. - نهى ﷺ أن يشرب في آنية فضة عن أبيه، عن أبي قودة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) تقدمت ترجمته في الحديث بعينه (قال: استسقى حذيفة بن اليمان من دهقان، فأتاه بشراب في إناء فضة، فأخذ الإناء، فضرب به وجهه، قال: إن رسول الله ﷺ "نهى أن يشرب في آنية الفضة").

стр. 581

وبه (عن أبيه، عن أبي المنهال) بكسر الميم (عن القعقاع الخششي) بضم الخاء وفتح الشينين المعجمتين، (عن ابن مسعود، أنه قال:) أي موقوفاً، وتقدم عنه مرفوعاً ("حرام أن تؤتى النساء في المجاش"). - لغو اليمين وبه: (عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) في قول الله : (﴿لاَ يُؤَاخِذكُمْ الله باللَّغْوِ في أَيمَانِكُمْ﴾) قالت: هو قول الرجل، لا والله) أي تارة (وبلى والله) ومعناهما كلا والله (ما يصل به كلامه) أي يجري على لسانه عجلة في بيانه لصلة كلام من غير قصد، وعقد كما بينه قوله (مما لا يعقد عليه قلبه حديثاً) أي من قصد اليمين، ولذا قال تعالى: ﴿ولكن يُؤَاخِذكُمْ بما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). والحديث رواه الشافعي ﵀، أنبأنا مالك عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها قالت، لغو اليمين قول الإنسان، لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم. وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة، وبه قال الشافعي. وقال الجمهور، هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق، ثم يتبين له خلاف

стр. 582

ذلك، وهو قول الزهري، والحسن والنخعي، وقتادة، ومكحول. وبه قال أبو حنيفة: وقالوا: لا كفارة فيه، ولا إثم، وقال على ما هو المبين في القضية. وبه قال طاوس، وقال سعيد بن جبير هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحنث فيها بل يحنث ويكفر. وقال مسروق: ليس عليه كفارة، أيكفر خطوات الشيطان. وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية: كفارته أن يتوب عنها، كذا في تفسير البغوي، واعلم أن الحديث رواه أصحاب السنن عن عائشة مرفوعاً، كما ذكره ابن الهمام، ولا يلزم من رواية ابن الهمام هذا أن يكون مذهبه، فإن المعتمد في المذهب أن يمين اللغو هو أن يحلف على أمر وهو يظن أنه كما قال، والأمر بخلافه، وهو مروي عن ابن عباس ﵁. وبه قال أحمد، ولا كفارة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك ﵀، وأحمد ﵀، وقال الشافعي ﵀: فيها الكفارة. - إن شاء الله تعالى وبه (عن أبيه، عن القاسم بن عبد الرحمن) تابعي شامي (عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، قال: مَنْ حلف على يمين) أي محلوف عليه (وقال إن شاء تعالى) أي متصلاً بيمينه (فقد استثنى) أي فلا حنث عليه، وكذا إذا نذر، وقال: إن شاء الله تعالى متصلاً، لا يلزمه شيء، قال محمد: بلغنا ذلك عن ابن

стр. 583

مسعود، وابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وكذا قال موسى: ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ (١) ولم يصبر، ولم يعد مخالفاً لوعده. وقال مالك ﵀: يلزمه حكم اليمين والنذر، لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى، فلا يتغير بذكره حكم. والجمهور على قوله ﵊: "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ وقال إن شَاءَ الله فلا حنث عليه"، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ثم شرط عمل الاستثناء في الإبطال الاتصال، فلو انقطع بتنفيس وسعال، ونحوه، لا يضر. - مسألة إيلاء وبه (عن أبيه، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال في المؤلى) بالهمزة، ويبدل، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فإِنْ فَاؤوا فإنَّ الله غَفُورٌ رَحِيم﴾ (٢) والإيلاء لغة: اليمين، وفي الشرع: هو اليمين على تركِ قربان الزوجة أربعة أشهر (فيئة) أي رجعته المستفادة من قوله سبحانه: فإن فاؤوا (الجماع، إلا أن يكون له عذر) أي مانع من الجماع، كمرض أحدهما، أو امتناعها، أو جهالة مكانها، أو بينهما مسيرة أربعة أشهر (ففيئه باللسان) بأن يقول: فئت إليها، أو رجعت عما قلت، أو راجعتها، أو أبطلت إيلاءها. وكان إبراهيم النخعي يقول: الفيء باللسان على كل حال، فإذا فاء، فعليه

стр. 584

الكفارة بيمينه في قول الفقهاء، إلا الحسن وإبراهيم، وقتادة، فإنهم أسقطوا الكفارة إذا فاء، لقوله تعالى: ﴿فإنَّ الله غفورٌ رَحيم﴾. وقال غيرهم: هذا في إسقاط العقوبة لا الكفارة. - مسألة خلع وبه (عن أبيه، عن أيوب السجستاني: أن امرأة ثابت بن قيس) أي ابن شماس الأنصاري، الخزرجي، شهد له النبي ﷺ بالجنة، وكان خطيب رسول الله ﷺ ، وخطيب الأنصار، وشهد يوم اليمامة مع مسيلمة الكذاب، سنة اثني عشرة، روى عن أنس بن مالك ﵁، وغيره (أتت رسول الله ﷺ ، فقالت لا أنا ولا ثابت) أي: لا أجتمع أنا معه، ولا هو معي، وهو كناية عن عدم إرادتها له (فقال النبي ﷺ : أتختلعين) أي تفتدين مِنْه (بِحَديقَتِهِ) أي أتردين عليه بستانه الذي جعله مهراً لك (فقالت: نعم وأزيد) أي عليه من عندي أيضاً، هذا من كمال كراهتها له، وقوله: أزيد، يحتمل فعلاً، وأفعل (قال) أي النبي ﷺ (أما الزيادة فلا) أي فلا حاجة بها. والحديث رواه البخاري، عن ابن عباس ﵁، بأن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، لا أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، وقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته، قالت: نعم! قال ﷺ : "اقْبل الحَدِيقَة وطَلِّقها تَطْليقَة" انتهى. وليس فيه ذكر الزيادة، وقد رويت مرسلة، ومسندة فروى أبو داود في مراسيله، وعبد الرزاق كلهم عن عطاء، وأقرب الأسانيد، مسند عبد الرزاق، وقال: أخبرنا ابن

стр. 585

جريج عن عطاء جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فقال: أتردين عليه حديقته التي أصدقها؟ قالت: نعم، وزيادة، قال: وأما الزيادة فلا. - المراسيل أصح وأخرجه الدارقطني، كذلك، والمراسيل أصح. وأخرج عن ابن الزبير، أن ثابت بن قيس بن شماس، كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي سلول، وكان أصدقها حديقة، فكرهته، فقال النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ " قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ : "أما الزيادة فلا، ولكن حديقته التي أعطاكِ، قالت نعم"، فأخذها وخلى سبيلها. قال: سمعه أبو الزبير من غير واحد، ثم أخرج عن عطاء أن النبي ﷺ ، قال: لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها. - المرسل حجة عندنا بانفراده وروى ابن ماجه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وفيه: فأمره أن يأخذ حديقته ولا يزداد، فقد علمت أن لا شك في ثبوت هذه الزيادة، لأن المرسل حجة عندنا بانفراده، وعند غيرنا، إذا اعتضد بمرسل آخر يرسل من روى غير رجال الأول بمسند كان حجة، وقد اعتضد بهما هنا جميعاً. هذا، وذكر عبد الرزاق، عن علي: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها، ورواه وكيع، عن أبي حنيفة، عن عمران الهمداني، عن علي، أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وقال طاوس: لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها.

стр. 586

- رؤية الله تعالى وبه: (عن أبيه عن إسماعيل بن أبي خالد، وبنيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم) هو الأضمني البجلي، أدرك زمن الجاهلية، وأسلم، وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه، فوجده قد توفي، يعد في تابعي الكوفة، وقد ذكر في أسماء الصحابة مع اعترافهم بأنه لم ير النبي ﷺ ، وليس في التابعين من روى عن نفسه من العشرة إلا هو، وروى عنه جماعة كثيرة من التابعين، شهد النهروان مع علي، وطال عمره، حتى جاوز المائة، ومات سنة ثمان وتسعين، (قال: سمعت جرير ابن عبد الله) أي البجلي، وقد سبق ذكره (يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) أي رؤية ظاهرة (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْر) أي في كمال الظهور، منزهاً عن الجهة والمقابلة والصورة والهيئة (وَلاَ تَضَامُونَ في رؤيته) بتشديد الميم، مع فتح التاء على حذف أحد التائين، أو بضمها، أي لا تحتاجون أن يضم بعضكم إلى بعض كما هو العادة في رؤية الهلال، يعني يكون رؤية الله على وجه كل أحد في محله، ينظر الله بحسب ما يتجلى عليه. وفي رواية، بتخفيف الميم، من الضم، من هو الضر، وفتح حرف المضارعة، أي لا يضر بعضكم بعضاً في رؤيته، لأجل المزاحمة في مشاهدته، والمعنى السكون في رؤيته، (فانظروا) أي تفكروا واجتهدوا إن كنتم تريدون اللقاء على وجه الكمال والبهاء (أن لا تُغْلَبُوا) بصيغة المجهول، أي لا يغلبكم

стр. 587

الشيطان، ولا يشغلكم الأموال والأهل عن التهيؤ للعبادة في صلاة (قبل طلوع الشمس) فهي صلاة الفجر (وقبل غروبها") وهي صلاة العصر، أو العصر والظهر، وخصا بالذكر، لأن من داوم عليهما، يوفق للمواظبة بالأولى على غيرها (قال حماد) هو ابن الإمام على سياق الكلام (يعني) أي يريد ﵊ من الصلاتين (الغداة) أي الفجر (والعشاء) أي الظهر والعصر، ولا يمكن تفسير العشى مما يشبههما، والمغرب والعشاء، لتقييدها في الحديث بما قبل الغروب. - والأحاديث في هذا الباب مشتهرة كادت أن تكون متواترة ولعل التقييد بالوقتين، للإيماء بأن اللقاء يكون في مقدارهما غالباً لعامة المؤمنين، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُم رِزْقُهُمْ فيها بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ (١) والحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة، كلهم عن جرير، بلفظ: وإنكم سترون ربكم مثل هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، فافعلوا". والأحاديث في هذا الباب مشتهرة، كادت أن تكون متواترة، فيا حسرةً على المعتزلة المنكرة.

стр. 588

- إسناد أبي حنيفة ﵀ عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي ﵀: وقفت على فتيا رفعت إلى الشيخ الولي العراقي صورتها: هل رأى أبو حنيفة أحداً من أصحاب النبي ﷺ ، وهل يعدُّ في التابعين، أم لا؟ فأجاب بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم تصح له رواية عن أحد من الصحابة، وقد رأى أنس بن مالك، فمن يكتفي في التابعين بمجرد رؤية الصحابة، يجعله تابعياً، ومن لم يكتف بذلك، لا يعده تابعياً. ورفع هذا السؤال إلى الحافظ ابن حجر، يعني العسقلاني، فأجاب بما نصه: أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة، لأنه ولد بالكوفة، سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى، فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك، ومات سنة تسعين أو بعدها. - الإمام الأعظم من التابعين وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به، أن أبا حنيفة رأى أنساً، وكان غير هذين من الصحابة في البلاد أحياء قد جمع بعضهم جزء فيما ورد من رواية أبي حنيفة من الصحابة، لكن لا يخلو إسناده من ضعف، والمعتمد على إدراكها ما تقدم، وعلى رؤيته من الصحابة، ما أورده ابن سعد في الطبقات وهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأعصار للمعاصرين له، كالأوازعي بالشام، والحماد بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجي بمكة، والليث بن سعد بمصر، انتهى. وقال السخاوي في شرحه لألفية العراقي، والثنائيات في الموطأ، للإِمام مالك، والوحدان في حديث الإِمام أبي حنيفة، لكن بسند غير مقبول، إذ المعتمد، أنه لا رواية له عن أحد من الصحابة. وفي شرح المشكاة لابن حجر المكي، أدرك الإمام الأعظم ثمانية من الصحابة، منهم أنس وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعيد، وأبو الطفيل، انتهى، وقال: قال الكردري رحمه الله تعالى: جماعة من المحدثين أنكروا ملاقاته مع الصحابة، وأصحابه أثبتوه بالأسانيد الصحاح الحسان، وهم أعرف بأحواله

стр. 589

منهم، والمثبت العدل العالم أولى من النافي، وقد جمعوا مسنداته، فبلغ خمسين حديثاً، برواية الإمام عن الصحابة الكرام، وأنشد بعضهم شعر: كفى النعمان فخراً ما رواه من الأخبار من غرر الصحابة - يقلد التابعي كما يقلد الصحابي وإلى ما ذكرنا، أشار الإمام بقوله: ما جاءنا عن رسول الله ﷺ ، فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن التابعين، فهم رجال، لأنه ممن زاحم التابعين في الفتوى، اللهم إذا كان التابعي يزاحم في الفتوى الصحابي، فإنه يقلد التابعي، كما يقلد الصحابي، وهذا سبب صالح لتقديم مذهبه على سائر المذاهب. - طلب العلم أبو حنيفة (عن أنس بن مالك) وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، سنة أحد وتسعين، وقيل: ثلاث، وله يوم مات من السن مائة وثلاث، وقيل تسع وتسعون، فيكون الإمام يوم وفاته ابن ثلاث عشرة سنة، أو إحدى عشرة سنة، وقد تردد الإمام إلى البصرة، على أن إمكان اللقاء كفاية على الصحيح، (قال؛ قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم") سبق الكلام عليه، مستوفى مبنى ومعنى. - الدال على الخير كفاعله وبه (عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الدال على الخير كفاعله") ورواه البزار عن أنس وابن مسعود والطبراني، عن سهل بن سعد، وعن أبي مسعود، وذكره البارذي في مختصره جامع الأصول، ورواه الترمذي في كتاب العلم بلفظ:

стр. 590

إن الدال على الخير كفاعله، ورواه العسكري، والدارقطني، وغيرهما عن ابن عباس، مرفوعاً، ولفظه: كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، عن أبي مسعود، رفعه: من دل على خير فله مثل أجر فاعله، ورواه أحمد وأبو يعلى والضياعي، عن بريدة وابن أبي الدنيا هي قضاء الحوائج، عن أنس، بلفظ الدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان المكروب، وقد تقدم بسند آخر من الإمام، وسبق عليه الكلام. - الدال على الشر كفاعله وأما حديث الدال على الشر كفاعله، فقد أخرجه أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس، من حديث أنس ﵁، بإسناد ضعيف جداً، قاله العراقي في كتاب الشرق والمحبة والرضى، عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب إغاثة اللهفان، تقدم من أخرجه، والظاهر، أن الإمام أسنده بسندين، بخلاف بقية الأئمة الأعلام، والله أعلم بالمراد، وقد أفرده ابن عساكر أيضاً، عن أبي هريرة هذا الحديث بعينه. - ولادة أبي حنيفة ﵀ قال أبو حنيفة: (ولدت سنة ثمانين) هذا قول الأكثرين، وعلى قول الأقلين: سنة سبعين، (وقدم عبد الله بن أنيس) بتصغير أنس، صاحب رسول

стр. 591

الله ﷺ (الكوفة سنة أربع وتسعين) وهو ممن شهد أحد، أو بعدها، وكان مهاجراً أنصارياً عقبياً (ورأيته وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حبك الشيء يعمي) من الإعماء (ويصم") من الإصمام، والحديث رواه أبو داود، من حديث أبي الدرداء، مرفوعاً، وقد وهم الصنعاني فحكم عليه بالوضع. قال السخاوي: ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، ولا شديد الضعف وحسن، قلت وفي الجامع الصغير للسيوطي، رواه أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو داود عن أبي الدرداء والخرايطي في اعتلال القلوب عن أبي بردة، وابن عباس، عن عبد الله بن أنيس، انتهى. وقد ذكر صدر الأئمة المكي، والسيد الحافظ الديلمي، وبرهان الإسلام الغزنوي، أن الإمام لقي عبد الله بن أنيس. وذكر الكردري: أنه ذكر في المناقب بالإسناد عن أبي داود الطيالسي، قال: سمعت الإمام يقول: قدم علينا بالكوفة عبد الله بن أنيس عام أربع وتسعين، وأنا ابن أربع عشرة سنة، سمعته يقول: قال ﷺ : "حبك الشيء يعم ويصم" لكن في ملاقاة عبد الله بن أنيس، به إشكال، لأن أهل السير والتواريخ مجموعون على أنه مات بالمدينة عام أربع وخمسين قبل ولادة الإمام بسنتين، انتهى، فيحمل الرواية على نوع من المرسل، فتأمل. ثم اعلم أن الحب ربطة القلب بالشيء رغباً وانصباباً، الهم عليه، وانكباب الهمة إليه خالياً، ويتخلف باختلاف كدر القلب، وصفائه، قلوب المالئين إنائه، فمن محب للحق ومحب للباطل، ومحب للعلي الأعلى، ومن متعلق بالأقل،

стр. 592

فمحب الحق أبكم وأصم وأعمى من غير مولاه، ومحب الباطل، لا يبصر ولا يسمع، إلا عمن يهواه، ويتولاه، أهل الله، صم بكم عمي، عما لا يفهم في السر والعلن، مصروفة هممهم إلى تكميل الفرائض والسنن، وسرارهم طاهرة طيبة عن المخالفات، والأحسن، فهم إلى الله ذاهبون، صم بكم عمي، فهم لا يرجعون، أولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيقول لهؤلاء المتدلين بغرور إني في بقيع الطيب مقبور، وما أنت بمسمع من في القبور، ومن تعلق قلبه بغير المولى، خلا عن هذا الصفات، وتولى، وبالهوى في النار هوى، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ومن لم يجعل الله له نوراً، فما له من نور. - تفقه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى (ولدت سنة ثمانين، وحججت مع أبي سنة ست أو تسع وتسعين، وأنا ابن تسعة عشرة فلما دخلت المسجد الحرام، رأيت حلقة) بسكون اللام، وتفتح وتكسر، أي جماعة من الناس (عظيمة) أي كثيرة (فقلت لأبي: حلقة من هذا؟ فقال: حلقة عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاء بعدها همزة (الزبيدي) بفتح الزاي، وكسر الموحدة (صاحب النبي ﷺ ، فتقدمت، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَفَقَّه في دِينِ الله كَفَاهُ الله هَمَّهُ". وفي رواية: ما أهمه) أي في أمر دينه ودنياه، لما ورد: من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله ما أهمه من هم الدين والدنيا ورزقه من حيث لا يحتسب لقوله تعالى:

стр. 593

﴿وَمَنْ يتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويرزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبْ﴾ (١) وقد ورد: إني إله، فإني أرزق عبد المؤمن من حيث لا يحتسب، رواه الديلمي في مسند الفردوس، والبيهقي عن علي ﵁. قال الكردري: وذكر في كتاب المناقب له بعض كتب الفقه أنه لقي عبد الله بن الحارث بن جزء، وهو مات بمصر، سنة خمس أو ست، أو سبع، أو ثمان وثمانين، فسنه إذن من خمس إلى ثمان، يوم موته على هذا، ألا يقتسم كلام أخطب الخطباء، بإسناده عن أبي بن سماعة، عن أبي يوسف ﵀، أن الإمام لقيه حتى حين حجه مع أبيه، وسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تفقه" الحديث، لأن حجة الإمام مع والده، كانت سنة ست وتسعين فلا يتحقق الملاقاة. وذكر برهان الإسلام حسن بن علي الحسين الغزنوي، أنه مات سنة تسع وتسعين، فيمكن الرواية. والأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء، عنه أنه قال: حملني أبي على عاتقته وذهب إلى عبد الله بن الحارث، فقال له: ما تريد؟ قال: أريد أن تحدث إلي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إغاثة الملهوف فرض على كل مسلم، من تفقه في دين الله، الحديث، الصبي الذي على العاتق في العادة إذا كان ابن خمس له وقريباً منه، فيصح من الزمان. وأما من حيث المكان، فلو كان وفاته في آخر التسعين، يصح مكاناً، لكن الحمل على العاتق مشكل مخالف العادة إلا إذا فرض الملاقاة في غير الحرم، فيصح، وإذا كان وفاته في الثمانين، أقول: ولا يبعد أن أباه حمله على عاتقه للازدحام في المسجد الحرام، لا سيما في حلقة صحابي النبي ﷺ ، وقد أراد أنه يراه ويسمع عنه الكلام. والله أعلم بحقيقة المرام، ومثل هذا الحديث رواه

стр. 594

الحسن، عن عمران بن الحصين مرفوعاً: "من انقطع إلى الله تعالى كفاه الله كل مؤنته، ورزقه من حيث لا يحتسب". - يكثر الصدقة ويكثر الاستغفار وبه (عن جابر، عن عبد الله رضي الله تعالى عنهما) مثل هو وأبوه العقبة الثانية، وشهد بدراً وما بعده من المشاهد، وقدم الشام ومصر، ووالده كان من النقباء الاثني عشر، ذلك بعمرة في آخر عمره، مات بالمدينة سنة سبع أو ثمان وسبعين، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو أميرها، قال الكردري: فلا يتصور الملاقاة إلا على قول من قال ولادة الإمام كانت سنة إحدى وسبعين، والأكثر على خلافه، والله تعالى أعلم. (أنه جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما رزقت) بصيغة المجهول أي ما رزقني الله تعالى (ولداً قط، ولا ولد لي) تأكيد لما قبله، والمراد ولا ولد أيضاً سقط (قال) أي النبي ﷺ ("فأين أنت من كثرة الاستغفار) أي لأي شيء غفلت عنه، وأين ذهبت أنت من تكثيره (وكثرة الصدقة ترزق بها) واحدة من الخصلتين، أو بالصدقة، وتعرف ما قبله بالقائلة، فيكون من قبل قوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وِإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ (١) (قال) أي جابر (فكان الرجل يكثر الصدقة. ويكثر الاستغفار) أي بعد ذلك (قال جابر، فولد له

стр. 595

تسعة ذكور) ولعله مقتبس من قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِروا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنينَ﴾ (١) وقد ورد: من أكثر الاستغفار، جعل الله له مِنْ كل غَمٍ فرجاً، ومِنْ كلِّ ضيقٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب، رواه أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكر أنه لقي جابر بن عبد الله، وقال سمعته يقول: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصيحة لكل مسلم. وبه (قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال ابن عبد البر) هو الأسلمي، شهد الحديبية وخيبر وما بعد ذلك من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي بالكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ ، مات سنة سبع وثمانين بالكوفة، وكان النبي هنا دارا في وسلم (٢)، وكان قد كف بصره، وقيل: بل مات بالكوفة سنة ست وثمانين، وقال الكردري: سنة ست أو سبع وثمانين، فيكون سنه على قول الأكثرين يوم مات هذا الصحابي، ستاً أو سبعاً، وعلى قول الأقل، أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين، فعلى القولين يتحقق السماع، ويصح الرؤية والرواية، أما على قول الأقل فظاهر وأما على قول الأكثر، فروى ابن الصلاح، عن موسى بن هارون الجمالي، أحد الحفاظ؛ أنه قال: إذا فرق الصبي بين البقرة والحمار، جاز له سماع الحديث، وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى الخضي أن إلى أحد الحدثين حدوا أوله عن محمود بن الربيع، وذكروا حديث البخاري في صحيحه عنه بعد إذ ترجم متى تصح سماع الصبي؟ بإسناده عن محمود ابن الربيع، قال: عقلت سنه ﷺ ، فحدثتها في وجهي ابن خمس سنين من دنو.

стр. 596

- ابن أربع سنين قرأ القرآن وفي رواية، كان ابن أربع سنين، قال ابن الصلاح: بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: رأيت صبياً ابن أربع سنين حمل إلى المأمون، وقد قرأ القرآن، ونظر في الذي عرضه، إذا جاع بكى. وعن القاضي أبي محمد الأصفهاني، قال: حفظت القرآن ولي خمس سنين، فإذا لا تنكر سماع الإمام من أبي أوفى، وقد ذكر سيد الحفاظ، والديلمي عنه أنه قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حبك للشيء يعمي ويُصم، والدال على الشر كمثله" "والله يحب إغاثة اللهفان" (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ بَنَى لله مَسْجِداً ولو مَفخَض قطاة) المفخض، بفتح الميم والخاء بينهما فاء: الوكر، والقطاة: طائر وأخطاه القطا طائر معروف، وسميت بها لحكاية صوتها، فإنها تقول ذلك. قيل: إن وكد بالشين بمحراب المسجد في استدارية، ولا يكون إلا في الأرض، فيناسب المسجد. وقيل: خرج ذلك مخرج الترغيب بالقليل مخرج الكثير، وهو الظاهر. (بَنى الله تعالى له بيتاً في الجنة) والحديث بعينه رواه ابن حبان وغيره من حديث أبي ذر وابن ماجه من حديث أنس وأحمد، عن ابن عباس بزيادة: لبيضها بعد قطاة، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: "من بَنَى مسجداً بَنَى الله لَهُ بيتاً في الجنة مثله" ورواه ابن ماجه، مثله عن علي، ورواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن عثمان، ولفظه: "مَنْ بَنَى مَسْجداً بَنَى الله له بيتاً في الجنة".

стр. 597

ورواه الطبراني عن أبي أمامة، بلفظ: "من بنى لله مَسْجداً بنى الله له بيتاً في الجَنَّة أوسع منه". وبه: (قال: سمعت واثلة) بكسر المثلثة (بن الأسقع) بالقاف، وهو الليثي، أسلم، والنبي ﷺ يجهز إلى تبوكَ، يقال له أنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أصحاب الصفة، نزل البصرة، ثم نزل الشام، وكان منزله على ثلاثة فراسخ من دمشق، بقرية يقال لها البلاط، ثم تحول إلى بيت المقدس، ومات بها وهو ابن مائة سنة، روى عنه جماعة، (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُظْهِرَنَّ) بالنون الثقيلة (شماتة) في القدح بالبلية (لأخيك) أي المسلم (فيعافيه الله ويبتليك) الظاهر أنهما منصوبان على جواب النهي، ولا يبعد أن يكونا مرفوعين على لغة معروفة مراعاة للسجع، أو المشاكلة. والحديث رواه الترمذي عن واثلة، بلفظ: "لا تُظْهِرَنَّ الشَّمَاتَةَ لأخيك فيرحَمُهُ الله ويبتليك". وفي المناقب، قال الإمام: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يَظُنُّ أَحَدُكُم أنه يُقرب إلى الله تعالى بأقرب من هذه الركعات" يعني الصلوات الخمس، وفي معناه، رواه البخاري عن أبي هريرة من الحديث القدسي: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدٌ بشيءٍ أحبُّ إليَّ مما افترض عليه". - الجراد وبه (قال: سمعت عائشة بنت عجرة تقول: قال رسول الله ﷺ : "أكثر جند

стр. 598

الله) أي أكثر خلقه في الأرض، فيه إيماء إلى قوله تعالى ﴿ولله جُنُودُ السَمَواتِ والأرض﴾ (١) وإشارة إلى كثرته في قوله سبحانه ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِر﴾ (٢) (الجراد لا آكله) أي لعدم موافقة طبعه له (ولا أحرمه) وأجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى في غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، نأكل الجراد، ورواه البخاري وأبو داود، وأبو نعيم، وفيه: يأكله معنا، يعني أحياناً، فلا ينافي ما تقدم من قوله، ولا آكله، أي دائماً، لا بهذا الوقت، ولا يبعد أن يحمل عدم أكله على الحضر، وأكله في السفر إما للضرورة وإما موافقة لمن حضر. وروى ابن ماجه عن أنس قال: إنه قال: كن أزواج النبي ﷺ يتناوبن الجراد في الأطباق وذكره ابن المنذر أيضاً، وليس فيه ما يدل على أكله ﵇ بيقين، ثم قال الأئمة الأربعة: يحل أكله سواء مات حتف أنفه، أو بذكوة، ونحوه، عن أحمد: إذا قتله البرد لم يوكل، وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حل، وإلا فلا. - أحلت لنا ميتتان والدمان وكان سعيد بن المسيب يكره أكل ميت الجراد، إلا إذا أخذ حياً ثم مات. والدليل على عموم حله، قوله ﵇ "أحلت لنا ميتتان والدمان، أما الميتتان، الحوت والجراد. وأما الدمان، فالكبد والطحال" رواه أحمد والشافعي وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً. واختلف العلماء في قتل الجراد إذا دخل بأرض قوم وأصيد، قيل لا يقتل، لأنه خلق عظيم بأرض الله يأكل رزق الله.

стр. 599

ويؤيده قوله ﵇: لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم، رواه الطبراني والبيهقي في شعبه. وعامة الفقهاء: على أنه يحل قتله، لأن في تركه إفساد الأمور. ورخص ﷺ بقتل المسلم إذا أخذ ماله. وأجابوا عن الحديث بأنه محمول على حال عدم إفساده. ثم اعلم أن المحدثين اتفقوا على أن أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا على عهد أبي حنيفة أحياء، وإن تنازعوا في روايته عنهم، وهم: أنس وعبد الله بن أبي أوفى. وقد سبق تاريخهما، وسهل بن سعد بن عدي، مات وهو ابن إحدى وتسعين. وقيل ثمان وتسعين، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة. وأبو الطفيل، عامر بن واثلة الكناني، مات بمكة سنة اثنين ومائة. وهو آخر مَنْ مات مِنَ الصحابة في جميع الأرض، وعليه اتفق المحدثون. وأولُ حجٍ حجَّه الإمامُ مع والده عام ست وتسعين، وهو من كمال العبد العادي، أن قبله يكون موجوداً بمكة، ولم يره الإمام مع والده. وذكر جماعة: أن الإمام لقي معقل بن يسار المزني، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وسكن البصرة بعد موت النبي ﷺ ، وإليه ينسب نهي معقل بالبصرة. روى عنه الحسن وجماعة، ومات زمن عبد الله بن زياد بالبصرة بعد الستين، وقيل في آخر خلافة معاوية. وقد قيل إنه توفي أيام يزيد بن معاوية، وكذا ذكره ابن عبد البر، قيل فيكون موته سنة سبع وسبعين، وولادة الإمام سنة ثمانين، فيكون وفاة الصحابي قبل ولادة الإمام.

стр. 600

وأجيب بأن هذه الملاقاة تكون محمولة على قول الأقل، وهو أنه ولد سنة إحدى وستين، وأنه مات سنة سبع وستين، فيكون الإمام يوم السماع. ابن ست سنين، فتحقق السماع، مع أن الحمل على الإرسال هنا يمكن، فإن التابعي إذا استبان له الإسناد بطرق أرسل، وإذا قال: بطريق: أسند، وذكر إسناد السماع لا ينافي وجود الواسطة، وإن كان فيه نوع من النزاع. - علامات المؤمن وعلامات المنافق وذكر في المناقب انتقال معقلاً يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علامات المؤمن ثلاثة، إذا قال صَدَقَ، وإذا وَعَدَ وَفى، وإذا ائتُمِنَ أدَّى، وعلامات المنافق ثلاث، إذا قال كَذَبَ، وإذا وَعَدَ خَلَف وإذا ائتُمِنَ خَان". وفي رواية الشيخين والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: رقى ﷺ أسترقى منه، وإنما رقى رسول الله ﷺ بالمعوذتين حين طبه بسندين أعظم، فيعلم الله إما إعلاماً يكون الاشتغال بالسبب مأذوناً فيه، كما ترك رسول الله ﷺ في بعض الأحيان الأفضل، ليعلم الجواز، وإما لأنه ﵇ اطلع أن تقدير الله تعالى في الرقى، فكان ذلك امتثالاً للتقدير بالاشتغال، لا الأسباب والتدبير، وكل ما ورد من تداوي رسول الله ﷺ ، محمول على هذه الثانية. قال الكردري: وذكر سيد الحفاظ الديلمي وبرهان الإسلام الغزنوي بأسانيدهم إلى الصحابة عن الإمام أنه قال: سمعت أنساً يقول: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّة، وَلو تَوَكَلْتُم على الله حق توكله، لرزقكم كَمَا يَرزُقُ الطَيْر، تَغْدُو خِمَاصاً وتروحُ بِطَاناً". أقول هذا الحديث: رواه البزار بسنده عن أبي سعيد، ولفظه: "من قال لا إله إلا الله مُخَلِصاً دَخَلَ الجَنَّة".
следующие страницы →