- حرمت الخمر والسكر من كل شراب
(أبو حنيفة: عن أبي عون محمد الثقفي الحجازي) الظاهر أنه محمد بن أبي بكر بن عوف الثقفي الحجازي، روى عن أنس بن مالك، وعنه جماعة (عن عبد الله بن شداد) بتشديد الدال الأولى (عن ابن عباس) أي موقوفاً: (أنه قال: حرمت الخمر) أي مطلقاً (قليلها) أي ولو قطرة مخلوطة أو غيرها (وكثيرها) وهو ما يبلغ حد السكر (وما بلغ السكر) أي وحرم قدر ما تبلغ السكر (من كل شراب) أي يكون غيرها.
(وفي رواية عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها) أي بذاتها، قال ابن الهمام: والرواية المعروفة فيه بالباء لا باللام انتهى. ويفيد قوله بعينها، أنه يحرم شربها وبيعها وأكل ثمنها (قليلها وكثيرها) وهذا مستفاد من الكتاب والأحاديث المشهورة من السنة (والسكر من كل شراب) كذا في الأصل.
وقال ابن الهمام: الرواية والمسكر من كل شراب، ولفط السكر تصحيف، والمعنى أن كل شراب غيرها، فما حرم بعينه، بل إذا بلغ حد سكر.
وقد ورد كل مسكر حرام، ورواه أحمد والشيخان وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي موسى، وأحمد، والنسائي، وابن عمر والنسائي وابن ماجه، عن ابن مسعود.
стр. 527
وفي رواية أحمد ومسلم والأربعة عن ابن عمر بلفظ: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، ولم يتب، لم يشربها في الآخرة.
وما رواه أبو داود والترمذي، عن عائشة ﵂، بلفظ: كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام.
وفي لفظ الترمذي: الحُسُرَةُ منه حرام، قال الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه.
وفي رواية النسائي وابن حبان: نهى عن قليل ما أسكر كثيره، فتعلق بظاهره الشافعي رحمة الله عليه، حتى قال أصحابه بحرمة أكل الجوز الهندي والزعفران، ونحوهما، ولو شيئاً قليلاً.
قال ابن الهمام: والخلاف إنما يتعلق في غير الخمر من الأنبذة بالسكر، وفي الخمر بشرب قطرة واحدة، وعند الأئمة الثلاثة ﵏: كل ما أسكر كثيره، حرم قليله وحد به، لقوله ﵊: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، رواه مسلم.
- التشبيه بحذف أداته
وفي رواية أحمد، وابن حبان في صحيحه، وعبد الرزاق: وكل خَمرٍ حرام، لكن كلها محمولة على التشبيه بحذف أداته، فكل مسكر حرام، كزبد السكر، أي في حكمه، ثم لا يلزم من التشبيه عموم وجهه في كل صفة، فلا يلزم من ثبوت هذه الأحاديث، ثبوت الحد بالأشربة، التي هي غير الخمر، بل تصحيح الحمل المذكور فيها ثبوت حرمتها في الجملة، أما قليلها وكثيرها، أو كثيرها المسكر منها، وحمل بعضهم على ما به حصل السكر، وهو القدح الأخير.
وقد أسند إلى ابن مسعود ﵁ أنه قال: كل مسكر حرام هي الشربة
стр. 528
التي أسكرتك. أخرجه الدارقطني وكذا نقل عن إبراهيم النخعي، قيل، وإنما منع قليلها، لأنه يجر غالباً إلى كثيرها. فهو من قبل منع الأعمى حول الجب مخافة أن يقع فيه.
هذا وروى الدارقطني في سننه: أن أعرابياً شرب من إداوة عمر نبيذاً فسكر منه، فضربه الحد، فقال الأعرابي: إنما شربته من إداوتك، فقال عمر: إنَّما جلَدْناكَ بالسكر.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن حبان بن مخارق، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ سافر رجلاً في سفر، وكان صائماً، فلما أفطرا هوى إلى قربة لعمر معلقة فيه نبيذ، فشربه، فسكر. فضربه عمر الحد، فقال: إنما شربته من قربتك، فقال له عمر ﵁: إنما جلدناك لسكرك.
وروى الدارقطني عن الشعبي، أن رجلاً شرب من إداوة علي بصفين، فسكر، فضربه الحد.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بنحوه، وقال: فضربها به ثمانين.
- تعدد الطرق يرقي الحديث إلى حد الحسن
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال في سكر النبيذ، ثمانين، فهذه الأحاديث، وإن ضعف بعضها، فبتعدد الطرق، يرتقي إلى حد الحسن، ثم هذا الذي ذكر من أن حد الخمر والسكر من غيرها ثمانون سوطاً، وهو مذهبنا، وهو قول مالك ﵀، وأحمد ﵀.
وفي رواية عن أحمد، وهو قول الشافعي ﵀، أربعون، إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده ثمانين، جاز على الأصح، وتحقيق هذا المرام، في شرح الهداية لابن الهمام.
стр. 529
- إسلام الوحشي
أبو حنيفة: عن محمد بن السائب الكلبي، أحد أكابر المحدثين (عن أبي صالح) وهو ذكوان السمان، وتقدم ذكره، (عن ابن عباس ﵁ أن وحشياً) أي ابن حرب النحشي من سودان مكة، مولى جبير بن مطعم (لما قتل حمزة ﵁ وهو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وذلك في غزوة أحد، وكان وحشي يومئذ كافراً (مكث) بفتح الكاف وضمها، أي لبث (زماناً) أي على كفره (ثم وقع في قلبه الإسلام) أي بعد الطائف، (فأرسل إلى رسول الله ﷺ أي مخبراً (أنه) أي الشأن (قد وقع في قلبه الإسلام) أي محبته (وقد سمعتك) أي بلغني عنك (تقول عن الله تعالى) أي ناقلاً عن كتابه (﴿وَالّذِينَ لاَ يَدعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ﴾) أي يوحدون الله تعالى (﴿ولا يقتُلُونَ النَّفْسَ الّتي حَرَّمَ الله إِلاّ بالحَقِّ﴾) أي بأمره (﴿ولا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ﴾) أي ما ذكر من الشرك، وقتل النفس بغير الحق والزنا (﴿يَلْقَ أثاماً﴾) أي بالقصر والإشباع أي جزاء إثمه (﴿يُضاعَف﴾) بالجزم والرفع، ويضعف بالتشديد (﴿له العذاب يَوْمَ القيامة ويخلد﴾) أي يدوم (﴿فيه﴾) أي العذاب المخلد (﴿مهاناً﴾) (١) أي مذللاً (قال وحشي: فإني قد فعلتهن) أي الأفعال الثلاثة السابقة
стр. 530
جميعاً (فهل لي من رخصة) أي للدخول في الإسلام (قال: فنزل جبرائيل، فقال:) يا محمد (قل له ﴿إلا من تاب﴾) أي عن الشرك وسائر أنواع الكفر (﴿وآمن﴾) أي بجميع ما يجب به الإيمان (﴿وعمل عملاً صالحاً﴾) أي بعد إسلامه من صلاة وصوم وزكاة وحج ونحوها (﴿فأولئك﴾) أي التائبون الثابتون (﴿يبدل الله سيئاتهم﴾) أي السابقة (﴿حسنات﴾) أي لاحقة (﴿وكان الله غفوراً﴾) لمن تاب (﴿رحيماً﴾) (١) لمن آب.
لا يقال ظاهر بأنه سكوت عن معرض البيان فإن استثناء التوبة لما معروف عند الأعيان في كثير منه، أي القرآن، ولا يبعد أن الاستثناء لما بلغ الوحشي، فاستثناء بما قبله من غير اطلاع على ما بعده، ومن اللطائف أن قلندرا قيل له: لم لا تصلِّ، فقال: لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ﴾ فأجيب، بأن اقرأ ما بعدها، ﴿وأنتم سكارى﴾ (٢).
ومن هذا القبيل الاشكال السابق في قوله سبحانه ﴿وما هم بخارجين منها﴾ (٣) ودفعه باقرأ ما قبله. ﴿إن الذين كفروا﴾ (قال): أي ابن عباس (فأرسل رسول الله ﷺ بهذه الآية) أي التي فيها الاستثناء إليه، (فلما قرأت عليه، قال وحشي: إن في هذه الآية شروطاً) وكان يظن أن العمل الصالح شرط صحة الإيمان، كما ذهب إليه بعض أهل البدعة، ولم يدر أنه شرط كمال الإيمان، وسبب الخلاص من الدخول في النيران والوصول ابتدأ إلى الدرجات العالية في الجنان، (وأخشى أن لا آتي بها) أي بالأعمال الصالحة من ارتكاب المأمورات واجتناب المحظورات ولما أحقق أن أعمل عملاً صالحاً، أم لا، أي بأن أعيش حتى أعمل عملاً صالحاً بعد الإسلام، أو أراد
стр. 531
عملاً مقبولاً، وهو غيب لا يدرى، (فهل عندك شيء ألين من هذا) أي أوفق، وأرجى، وأرفق، من هذا الكلام المذكور (يا محمد قال): أي الراوي، فنزل جبرائيل بهذه الآية، أي بنزولها وبإقرائها عليه (﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾) (١) أي بغير توبة في القضيتين، وإنما يكون هذا ألين لدلالته الصريحة على أن الأعمال الصالحة ليست بشرط الإيمان بل لكماله في مقام العرفان، وأنه إذا صدر عنه شيء من العصيان يكون تحت المشيئة بين الغفران وبين نوع من العذاب من غير خلود في النيران، قال: (فكتب رسول الله ﷺ بهذه الآية، فبعث إلى وحشي قال: فلما قرأت له، قال إنه) أي الله (يقول: ﴿إنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وأنا لا أدري) أي لا أعلم الغيب (لعلي أن لا أكون) أي داخلاً (في مشيئته إن شاء لي المغفرة ولو كانت الآية: ويغفر ما دون ذلك، ولم يقل: لمن يشاء، كان ذلك) أي أوفق لما هنالك (فلعل عندك أوسع) أي في باب المغفرة (من ذلك، يا محمد، فنزل جبرائيل بهذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أسْرَفُوا على أَنْفُسِهمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إنَّ
стр. 532
الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم﴾) (١) سبق بعض الكلام عليه (قال: فكتب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي هذه الآية (وبعث بها إلى وحشي فلما قرأت عليه قال: أما هذه الآية) أي بظاهرها، فنعم أوسع من غيرها، (ثم أسلم) ولا يتوهم أن الآية على عمومها، وأنها ناسخة لما قبلها، فإن آية ﴿إنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى آخره، محكمة بإجماع الأئمة، مع أن الأخبار لا تنسخ عند العلماء الأحبار، فلابد في هذه الآية من قيد المشيئة إن كان الخطاب للمؤمنين لما سبق من الآية، أو من تقييد الذنوب لما سبق في حال الكفر، إن كان الخطاب للكافرين، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلِّذِْينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ (٢) (فأرسل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت فاذن لي في لقائك) أي ملاقاتك، أو في مشاهدة رؤيتك، (فأرسل إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وَارِ) من الموارات، أى استر (عني وجهك فإني لا أستطيع) أى بمقتضى الجبلة البشرية (أن أملأ عيني من قاتل حمزة عمي) والظاهر أنه ما رأى النبي ﷺ وما رآه ﵇ بعد الإسلام، فلا يعد من الصحابة الكرام. فذكره معهم مسامحة لبعض العلماء الأعلام.
روي أنه ﵊ خرج يوم أحد يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد يفرز بطنه عن كبده، ومثل به فجُدع أنفه وأذناه، ونظر ﵊ إلى شيء لم يُنظر إلى شيء أوجع لقلبه منه، فقال: رحمة الله عليك،
стр. 533
لقد كنت فعولاً للخير، وموئلاً للرحمة، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزلت عليه خواتيم سورة النحل، فصبر وكَفَّرَ عن يمينه وأمسك عما أراد.
وروى ابن السيرين مرفوعاً: "سَيِّدُ الشُّهَدَاء يَوْمَ القِيَامَةِ حَمْزة بن عَبْدِ المُطَّلِبْ".
وعن أبي هريرة ﵁: وقف ﵊ على حمزة وقد قتل ومثل به، فلم ير منظراً كان أوجع لقلبه منه. رواه صاحب الصفوة.
وعند ابن هشام، أنه ﵊ قال: لن أصاب بمثلك أبداً ما أوقفت موقفاً قط أغيظ لي من هذا.
وعن ابن شاذان من حديث ابن مسعود ﵁: ما رأينا رسول الله ﷺ باكياً قط أشد من بكائه على حمزة ﵁، وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته، وأنحب حتى نشغ، أي شهق، حتى بلغ به لغشي من البكاء يقول: يا حمزة ياعم رسول الله وأسد رسوله: ياحمزة يا فاعل الخيرات، ياحمزة يا كاشف الكرب، ياحمزة يا ذابّ عن وجه رسول الله ﷺ ، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى على جنازة، كبر عليها أربعاً. وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، رواه البغوي في معجمه.
(قال): أي الراوي (فسكت وحشي حتى كتب مسيلمة) بضم الميم، وفتح السين المهملة وسكون التحتية، وفتح اللام، وهو المشهور بالكذاب (إلى رسول الله ﷺ وهذه سورة الكتاب (من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله) إشارة إلى المشاركة في ميدان الرسالة، كما صرح به في قوله (أما بعد) أي بعد
стр. 534
السلام (فقد أُشْرِكْتُ) بصيغة المجهول (في الأرض) أي معك في الرسالة (فلي) أي ولأتباعي (نصف الأرض ولقريش) أي ولك ولقومك (نصفها، غير أن قريشاً يعتدون) أي يتجاوزون عن الحد، (فيريدون أن يأخذوا الأرض كلها) وهذه كلمة حق أجرى الله على لسانه أنه أريد به الباطل، قال: (فقدم بكتابه إلى رسول الله ﷺ رجلان، فلما قرىء على رسول الله ﷺ الكتاب، قال للرسولين) أي رسولي مسيلمة (لولا أنتما رسولان) أي الرسول العرفي لا يقتل عادة (لقتلتكما، ثم دعا بعلي بن أبي طالب ﵁، فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله) أي الصادق في دعواه (إلى مسيلمة الكذاب) في دعوة النبوة والرسالة (السلام على من اتبع الهدى) أي طريق الحق، لا من اتبع الباطل والهوى (أما بعد) أي بعد ما ذكر (فإن الأرض لله) أي حقيقة (يورثها) أي يعطيها خلقاً بعد خلق (من يشاء من عباده) أي من المؤمنين والكافرين، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَالعَاقِبَةُ﴾ (١) أي وآخرة الأمر، والعاقبة المحمودة،
стр. 535
أو والدار الآخرة الباقية التي هي العاقبة بهذه الدار الفانية ﴿للمتقين﴾ أي من الشرك والمعاصي (وصلى الله على سيدنا محمد، قال: فلما بلغ وحشياً ما كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ أي من دعوى المشاركة معه في باب الرسالة (أخرج المذراع) الأظهر أنه الذراع، أو المراد به آلة الذرع، يعني الحربة الذي قتل به حمزة (فصقله) أي فحدده (وَهَمَّ بقتل مسيلمة، فلم يزل على عزمه من ذلك حتى قتل يوم اليمامة) فقال: قتلت خير الناس، وشر الناس بحربتي هذه، ونزل الشام ومات بحمص.
روى عنه ابناه إسحاق وحيرب وغيرهما، وعن سعيد بن المسيب، كان يقول: أعجب لقاتل حمزة كيف ينجو، حتى أنه مات غريقاً في الخمر، رواه الدارقطني على شرط الشيخين.
وقال ابن الهمام: بلغني أن وحشياً لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان (١)، فكان ابن عمر يقول: لقد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة ﵁ هذا، وتفصيل قصة مسيلمة في كتب السير مسطور، وعند أرباب الحديث المشهور.
- حرمة الخمر
أبو حنيفة (عن محمد بن قيس الهمداني، عن أبي عامر الثقفي، أنه كان
стр. 536
ليهدي للنبي ﷺ كل عام راوية من خمر) أي قبل تحريمها (وفي رواية، أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا عامر كان يهدي للنبي ﷺ كل عام راوية من خمر، فأهدى في العام الذي حرمت فيه الخمر راوية) أي منها على عادته (كما كان يهدي له قبل ذلك بها، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا عامر إن الله تعالى قد حرم الخمر، فلا حاجة لنا في خمرك، قال: خذها فبعها فاستعن بثمنها على حاجتك، فقال: يا أبا عامر، إنَّ الله حَرَّمَ الخمر، وشُربَها وبَيْعَها وأكل ثمنها).
стр. 537
- إسناده عن محمول بن راشد النهد
إسناده عن محمول بن راشد النهد، بفتح فسكون، أحمد بن محمد بن إسماعيل الكوفي.
(عن يعقوب بن يوسف بن زياد، عن ابن جناد) بضم الجيم (عن إبراهيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ : كان يقرأ في الجمعة) أي في ركعتي صلاة الجمعة: (سورة الجمعة والمنافقون) أي إيثاراً للمؤمنين، وإنذاراً للمنافقين.
- فضيلة عشر ذي الحجة
أبو حنيفة: (عن محمول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير ﵁، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ("ما من أيام أفضل
стр. 538
عند الله من أيام عشر الأضحى") الظاهر أنها بعد العشر الأخير من رمضان ("فأكثروا فيهن من ذكر الله") أي أنواع طاعته، وأصناف عبادته.
ورواه الترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة بلفظ: ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتقبل به فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة، بقيام ليلة القدر.
- حديث القاضي
أبو حنيفة: (عن الحسن بن عبد الله، عن حبيب بن الثابت، عن أبيه) أي ثابت، وهو من جماعة من الصحابة والتابعين، ولم أدر من المراد به (قال: قال رسول الله ﷺ : القضاة) جمع قاض، وفي معناه المفتي (ثلاثة) أي أنواع (قاضيان) أي حاكمان شرعاً أو سياسة (في النار) أي في المال، أو باعتبار مباشرة أسبابها في الحال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِيْنَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لفِي نَعِيم ... وإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيم﴾ (٢) (قاض) أي أحدهما أو منهما قاض (يقضي في الناس بغير علم) أي من الكتاب والسنة، أو المأخوذ منهما (ويؤكل) أي يطعم (بعضهم مال بعض)، أي بالباطل بناء على غرضه الفاسد العاطل.
стр. 539
- السنة مبينة لأحكام الكتاب
والمعنى أنه الجاهل (وقاض) أي ومنهما قاضي (عالم، إلا أنه يترك) علمه وراء ظهره، (ويقضي بغير الحق لأجل الرشوة) ونحوها (فهذان) أي القاضيان الموصوفان (في النار) هذا نتيجة، فذلك ذكرت تأكيداً للقضية، (وقاض يقضي بكتاب الله) أي بعلم الشريعة المستفاد من الكتاب والسنة التي هي مبينة لأحكامه والمعنى: يقضي بالحق عالماً به (فهو في الجنة) وهذا نادر في زماننا، نسأل الله العافية. ولعل هذا وجه تأخير ذكره.
والحديث رواه الطبراني عن ابن عمر ﵄، بلفظ: القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض قضى بالهوى، فهو في النار، وقاض قضى بغير علم، فهو في النار، وقاض قضى بالحق، فهو في الجنة.
رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم في مستدركه عن بريدة: القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار.
- حديث القلب
(عن الحسن) أي البصري (عن الشعبي) بفتح أوله تابعي جليل (عن النعمان بن بشير) بضم النون، يكنى أبا عبد الله الأنصاري، ولأبويه صحبة سكن
стр. 540
الكوفة، وقد سبق ذكره (عن النبي ﷺ قال: إن في الإنسان) أي في جسده، كما في رواية (مُضْغَةً) أي قطعة لحم صنوبري (إذا صلحت) بفتح اللام وضمها (صلح بها سائر الجسد) أي بسببها ولأجلها، لأن مدار الأعمال على صحة العقيدة وحسن الأصول (فإذا سقمت) بكسر القاف، وضمها، أي فسدت، كما في رواية (سقم بها سائر الجسد) فهو بمنزلة الملك في الأعقار في مرتبة الرعايا (ألا) للتنبيه (وهي) أي تلك المضغة (القلب) وسمي به لتقلبه بين أصابع الرب.
والحديث رواه أصحاب الكتب الستة، والمذكور بعض مرويهم، وقد بسطت الكلام عليه في شرح الأربعين، والله الموفق والمعين.
- حديث الحب
(عن الحسن، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مثلُ المؤمنين في توادِّهم) بتشديد الدال، أي تحابهم وحبهم (كمثل جسد واحد إذا اشتكى الرأس) أي العضو، كما في رواية، وخص لأنه رئيس الأعضاء (تداعى له) أي وافقه (سائره) أي باقي الجسد (بالسهر) بفتحتين، أي عدم النوم (والحمى) بضم الحاء وتشديد الميم مقصوراً، أي بألمه وشدة حرارته.
стр. 541
والحديث بعينه رواه أحمد ومسلم عن النعمان، بلفظ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
- اتقاء الشبهات
وبه: (عن الحسن، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان يقول على المنبر) أي حال كونه خطيباً، أو واعظاً (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلال بَيِّن) أي ظاهر مبين معين، (والحرام بَيِّن) أي يعرفه كل أحد من المسلمين، (وبين ذلك) أي ما ذكر من الأمرين (أمور مشتبهات) أي لها شبه إلى الحرمة، ولها شبه إلى الحلية لا يعلمهنَّ كثير من الناس، وإنما يعرف حكمهن العلماء (فمن اتقى الشبهات) أي وصار العمل من الأتقياء (استبرأ لدينه وعرضه) أي طلب البراءة لهما فلا أحد يقدر أن يطعن في ديانته، ولا في مروءته.
والحديث بطوله، رواه الجماعة، على ما ذكر في الأربعين للنووي، وقد أوضحت الكلام عليه، كما قدمت الإشارة إليه، وفي حديث الطبراني عن عمر مرفوعاً: الحلال بيِّن والحرام بيِّن، فَدَعْ ما يُريبكَ إلى ما لا يُريبكَ ..
وفي الترمذي وابن ماجه، والحاكم، عن سليمان: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه) وما سكت عنه فهو مما عفى عنه.
стр. 542
- صلة الرحم
أبو حنيفة: (عن ناصح بن عبد الله، ويقال ابن عجلان) بفتح أوله لقلة العملي التابعين، ذكر له في باب الشفقة والرحمة، روى عن سماك، ويحيى بن كثير، وعنه يحيى بن يعلى، وإسحاق السلولي.
وناصح، ضعفه بعضهم، وأبوه عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل الحافظ. روى عن مالك، وعنه أبو ادود، وقال: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يعظمه، ومن أركان الدين، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، (عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة) سبق ذكرهما (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس مما عُصِيَ الله به) بصيغة المجهول (شيء هو أعجل عقاباً) أي أسرع عقوبة (في الدنيا من البغي) وهو الخروج على السلطان بغير حق، أو مطلق الظلم والتعدي على الخلق (ومَا مِنْ شَيءٍ أطْيَع به أَسْرَع ثواباً) أي مثوبة في الدنيا (من الصلة) أي صلة الرحم (واليمين الفاجرة) أي الكاذبة لا سيما إذا أخذ بها مال مسلم (تدع الديار) أي تركه دار صاحبها (بلاقع) جمع بلقع، وبهاء القُفر، أي صحراء، وهو كناية عن خراب حاله، وسوء مآله.
والحديث رواه البيهقي بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، ولفظه: ليس شيء أطيع الله تعالى فيه أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع.
стр. 543
(وفي رواية: ليس شيء أعجل عقوبة من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجر تَدع الدِّيَار بَلاَقِع) أي فوارغ من أهلها.
- وعيد قسم كاذب
(وفي رواية: ما من عمل أطِيع الله فيه بأعجل ثواباً من صلة الرحم، وما من عمل عُصِيَ الله فيه بأعجل من عقوبة البغي، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع).
(وفي رواية: ما من شيء أعجل عقوبة مما يعصى الله فيه) أي من جملة المعاصي (من البغي) متعلق بأعجل، ورواه أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم عن أبي بكرة، بلفظ: "ما مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أن يَجعل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة، من قطيعة الرحم، والخيانة، والكذب، وأن أعجل الطاعة ثواباً، صلة الرحم، حتى أن أهل البيت ليكونون فخرة، فتنموا أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا.
وبه (عن ناصح، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 544
قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة) أي صلاتها ودعاءها (كما يعلمنا السورة من القرآن) سبق الكلام عليه.
- طلب العلم فريضة على كل مسلم
وبه: (عن ناصح، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طَلَبُ العِلمِ فريضَة على كُلِّ مُسْلِم") الحديث مشهور. رواه ابن عدي والبيهقي، عن أنس ﵁، والطبراني في الأوسط، والخطيب عن حسين ﵁ بن علي ﵁. والطبراني في الأوسط، عن ابن عباس ﵁. وتمام، عن ابن عمر. والطبراني في الكبير، عن ابن مسعود والخطيب، عن علي والطبراني في الأوسط. عن ابن عباس ﵁، والبيهقي، عن أبي سعيد.
وفي رواية لابن ماجه، عن أنس: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وواضع العلم عند غير أهله، كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب".
وروى ابن عبد البر في العلم عن أنس ﵁، بلفظ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم، يستغفر له كل شيء. حتى الحيتان في البحر".
واعلم أن ورود الأحاديث من طرق كثيرة، وتعددها، يوجب القول بحسن الحديث، فلا ينافي ما قال البيهقي، من أن متنه مشهور، وإسناده ضعيف.
стр. 545
وقد روي من أوجه كلها ضعيفة، وسئل الإمام أحمد، فيما حكاه الجوزي عنه في العلل المتناهية، فقال: إنه لا يصح عندنا في هذا الباب شيء، أي لا يصح، وكذا قول إسحاق بن راهوية، إنه لم يصح، فإنه لا ينافى أنه يحسن هذا.
وقال العراقي: وقد صحح بعض الأئمة بعض طرقه، وقال المزني: إن طرقه تبلغ به رتبة الحسن.
وقال الديلمي: روى أيضاً من حديث أبي بن كعب، وحذيفة ﵁، وسلمان وسمرة بن جندب، ومعاوية بن جيده، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وعائشة بنت الصديق. وعائشة بنت قدامة وأم هاني، وقد ثبت مخارجها في الأحاديث المتواترة، كذا ذكره شيخ مشايخنا، جلال الدين السيوطي.
وقال الزركشي: روى من أوجه في كل طرقه مقال.
وأخرجه ابن ماجه عن كثير بن شنظير، عن محمد بن سيرين بن كثير، مختلف فيه، والحديث حسن، وقال ابن عبد البر: روي من وجوه، كلها معلول، وقال ابن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس في طلب العلم فريضة أصح من هذا، يعني من سنده الذي ذكره هذا.
وفي شرح الجامع الصغير للعلقمي، سئل النووي عن هذا الحديث، فقال: إنه ضعيف، وإن كان معناه صحيحاً. وقال تلميذه الحافظ: هذا الحديث روي من طرق تبلغ رتبة الحسن، وهو كما قال: فإني رأيت له خمسين طريقاً، جمعتها في جزء، وحكمت بصحته. لكنه من القسم الثاني، وهو الصحيح لغيره، قلت: وقد سبق أن بعضهم صحح بعض طرقه، فهو من القسم الثاني من الصحيح لذاته، ثم اعلم أن المراد بهذا العلم، هو الذي لا يسع البالغ العاقل، جهله، أو علم ما يطرأ له خاصة، أو أراد أنه فريضة على كل مسلم حتى يقوم به من فيه الكفاية.
стр. 546
ثم روي عن ابن المبارك أن سئل عن تفسير هذا الحديث، فقال: ليس هو الذي تظنون، إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه، فيسأل عنه حتى يعلمه. وقال البيضاوي: المراد بالعلم هنا، ما لا مندوحة للعبد عن تعلمه، كمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته، ونبوة رسوله، وكيفية الصلاة، فإن علمه فرض عين. وقال الشيخ السهروردي: قيل هو علم الإخلاص بمعرفته آفات النفوس، وما يفسد الأعمال، لأن الإخلاص مأمور به، وقيل: معرفة الخواطر، إذ به يعرف الفرق بين لمة الملك، ولمة الشيطان، وقيل هو طلب علم الحلال، حيث كان أكل الحلال فريضة، وقيل: هو علم البيع والشراء، والنكاح والطلاق، إذا أراد الدخول في شيء من ذلك يجب عليه طلب علمه، وقيل هو طلب علم الفرائض الخمس التي بني الإسلام عليها.
وقيل هو علم التوحيد بالنظر والاستدلال، وقيل: هو طلب علم الباطن، وما يزداد به العبد يقيناً، والله أعلم.
- حديث السواك
أبو حنيفة (عن علي بن الحسن الردَّاد) بتشديد الراء (عن تمام) بتشديد الميم الأولى (عن جعفر بن أبي طالب) وهو ذو الجناحين، أسلم قديماً، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً برسول الله ﷺ ، روى عنه ابنه عبد الله، وخلق كثير من الصحابة والتابعين، قتل شهيداً يوم مؤتة سنة ثمان، وله إحدى وأربعون سنة، فوجد فيما أقبل من جسده، تسعون ضربة، ما بين طعنة برمح وضربة بسيف (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ دخلوا على النبي ﷺ فقال: "إني أراكم قُلَّحاً) بضم القاف وتشديد المفتوحة، وبالحاء المهملة، جمع
стр. 547
قالح من القلح محركة صفرة الأسنان (اسْتَاكُوا) أمر من الاستياك، وهو استعمال السواك (فلولا أن أشق على أمتي) أي بتكليف أمر صعب (لأمرتهم) أي وجوباً، وإلا فقد أمرتهم ندباً (بالسواك عند كل صلاة) أي عند وضوئها، كما في روايات أُخر، وهو الأحوط، لئلا ينقض وضوءه عند إرادة الصلاة، بخروج دمه عند استعمال السواك، وإلا فلا منع، ولا مانع من الجمع.
وفي رواية: "مالي أراكم تدخلون عليَّ قُلحاً، اسْتَاكُوا" أي في أيِّ وقت كان. وفيه تنبيه على المبالغة، ليزول المقصود ويحصل النظافة.
وقد روى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: "عليكم بالسِّواك فإنه مطيبة للفم، مرضاة للرب".
وفي رواية عبد الجبار الخولاني ﵀، عن أنس ﵁ بلفظ: "عليكم بالسواك، فنِعْمَ الشيء السِوَاك، يذهب بالخفرة، وهو صفرة، تعلو الأسنان، وَيَقْرَعُ البَلْغَم، وَيَجْلُو البَصَر، وَيَشُدُّ اللثَّة، ويذهب بالبَّخر، وُيصْلِحُ المَعدة، وَيَزيدُ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ وَيَحمُدُ المَلاَئِكَةَ، وَيُرضي الرَّب، ويُسْخِطُ الشَيْطَان. (فلولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يستاكوا عند كل صلاة، أو عند كل وضوء) أو للتنويع، أو للشك، والله أعلم.
والحديث رواه مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، وأحمد، وأبو داود، والنسائي عن زيد بن خالد.
وفي رواية لمالك ﵀، والشافعي ﵀، والبيهقي، عن أبي
стр. 548
هريرة ﵁، بلفظ: "لَوْلاَ أَنْ أشُقَّ عَلَى أمَّتي لأَمَرْتهم بالسِّوَاكِ مع كُلِّ وُضُوء".
وفي رواية لأحمد والنسائي، عن أبي هريرة بلفظ، لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك.
ورواه الحاكم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ ولفظه: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم الوضوء (أي وجوده) عند كل صلاة".
وفي رواية للحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ﵁: "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء".
- المسح على الخفين
ما سمع بهذا الأمر قبل هذه، ولذا أنكره
أبو حنيفة: (عن أبي بكر الجهم) بفتح الجيم وسكون الهاء (عن ابن عمر، قال: قدمت على غزوة العراق) أي على أهلها، أو عسكرها (فإذا سعد بن مالك) وهو سعد بن أبي وقاص ﵁ أحد العشرة المبشرة، وقد سبق ذكره (يمسح على الخفين، فقلت: ما هذا؟) أي المسح عليها، فكأنه ما رأى هذا الفعل، وما سمع بهذا الأمر قبل هذه، ولذا أنكره (فقال: يا ابن عمر إذا قدمت على أبيك فاسأله عن ذلك) أي فإنه أعرف بما هنالك، (قال: فأتيته)، أي أبي، (فسألته، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح فمسحنا) أي تبعاً له، ولا نعرف وجهه، إذ لا يحتاج إلى دليله غير هذا، وهذا لا ينافي ما قال بعضهم، إن آية الوضوء مجملة، باعتبار
стр. 549
القراءتين، وفعله ﵊ مبين لها، غسل الرجلين، ومسح على الخفين.
(وفي رواية قال: قدمت العراق) أي بنية الغزو، (فإذا سعد بن مالك يمسح على الخفين، فقلت: ما هذا قال: إذا قدمت على عمر فاسأله؟ فقال: قدمت على عمر فسألته، فقال: رأيت رسول الله ﷺ ، يمسح فمسحت).
(وفي رواية، قال: قدمت العراق، لغزوة جلولا) بفتح الجيم واللام، موضع ببغداد، ولها وقعة معروفة، (فرأيت سعد بن أبي وقاص ﵁، يمسح على الخفين) فقلت ما هذا يا سعد (قال: إذا لقيت أمير المؤمنين) يعني عمر ﵁، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين (فاسأله: قال فلقيت عمر، فأخبرته بما صنع) أي سعد، من المسح (فقال عمر صدق سعد) أي في فعله المطابق لنقله (رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فصنعته).
стр. 550
(وفي رواية) أي عن ابن عمر (قدمنا على غزوة العراق، فرأيت سعد بن أبي وقاص، يمسح على الخفين، فأنكرت عليه، فقال لي: إذا قدمت على عمر فاسأله عن ذلك، قال ابن عمر: فلما قدمت عليه، سألته، وذكرت له ما صنع سعد، فقال: عمك) أي أخو أبيك في الدين (أفقه منك، رأينا) أي أنا وهو وغيره (رسول الله ﷺ يمسح، فمسحنا) وهذا صريح في أن المسح ثابت أولاً، وليس بمنسوخ آخراً، وقد سبق تحقيق هذا المرام فيما سبق من الكلام.
- صلاة الوتر
أبو حنيفة (عن أبي يعقوب العبدي، عمن حدثه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زادكم صلاة) أي على الصلوات الخمس المفروضة، فإن الزيادة لا بد أن يكون من جنس المزيد فيه (وهي وتر) أي صلاة وتر، فيكون فرضاً إلا أنه لما كان الدليل ظنياً، قال إمامنا بأنه واجب، أي اعتقاداً، وفرض عملاً.
стр. 551
وفي رواية: إن الله افترض عليكم، أى بالصلوات الخمس، وزادكم الوتر، أي صلاته.
(وفي رواية: إنَّ الله زادَكُم صَلاَة الَوتر) وسبق عن الحسن نقل الإِجماع على أنه ثلا ث ركعات.
(وفي رواية: إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فحافظوا عليها) وقد قيل إن الصلاة الوسطى هي الوتر، وكان هذا الحديث مأخذه حيث خص بالمحافظة عليها طبق قوله سبحانه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوّاتِ والصَّلاَةِ الوُسطى﴾ (١) والحديث رواه جماعة من المحدثين، عن جمع من الصحابة، فرواه ابن راهويه في مسنده، عن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، عنه ﵊، قال: "إن الله زادكم صلاة هي لكم خير من حمر النعم: الوتر، وهي لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
ورواه الطبراني والدارقطني عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵁، وأخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه أنه ﵊: أمرنا فاجتمعنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى زادكم صلاة، فأمرنا بالوتر.
ورواه الحاكم، عن عمرو بن العاص، قال: سمعت أبا نضرة الغفاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها، ما بين العشاء إلى طلوع صلاة الصبح".
стр. 552
ورواه الحاكم وأبو داود والترمذي وابن ماجه: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الله أمَرَكُمْ بصلاةٍ هيَ خيرٌ من حُمر النِّعَمِ، وهي الوتر، فجعلها لكم ما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، لتفرد التابعي عن الصحابي، يعني، وهو غير مضر، وقول الترمذي: غريب، لا ينافي الصحة، لما عرف في محله من الأصول، وكذا القول في كتابه، حسن صحيح غريب.
وما نقل عن البخاري، من أنه أعله بقوله: لا يعرف سماع بعض هؤلاء من بعض، فبناءً على اشتراط العلم باللقى والصحيح اللقاء بإمكان اللقى هذا.
وقد روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني".
- الوتر واجب على كل مسلم
ورواه الحاكم وصححه، وأخرج البزار عن الأسود، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : "الوتر واجب على كل مسلم".
وبه (عن أبي يعقوب، عمن حدثه، عن سعد بن مالك، قال: كنا نطبق) بتشديد الموحدة المكسورة، أي نجعل اليدين على الفخذين في الركوع (ثم أمرنا بالركب) بضم ففتح، جمع الركبة، أي بأخذها حال الركوع.
стр. 553
وقد روى الطبراني في معجمه عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال له: "يا بني، وإذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وفرج بين أصابعك، وارفع يديك عن جنبيك".
- نهى ﷺ عن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف
وبه (عن أبي يعقوب، عمن حدثه، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي ﷺ بعث عتاب) بتشديد الفوقية (بن أسيد) بفتح فكسر (إلى أهل مكة) أي أميراً، وهو قرشي أموي، أسلم يوم الفتح، يوم خروجه ﵊، إلى حنين، فولاه عليها، وقبض النبي ﷺ ، وهو عامل عليها، وأقره أبو بكر عليها، إلى أن مات بها في سنة ثلاث عشر، يوم موت أبي بكر، وكان من سادات قريش، خيراً صالحاً، قيل: نزلت فيه: ﴿وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلياً واجْعَلْ لنَا من لَدُنْكَ نصيراً﴾ (١) (فقال أنههم) أمر، من نهى ينهى (عن شرطين، في بيع، وعن بيع وسلف) في رواية الترمذي والنسائي، عن أبي هريرة، أنه ﵊ نهى عن بيعين في بيعة.
قال صاحب النهاية، هو أن يقول، بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، فلا يجوز، لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره، فيقع عليه العقد، قال: ومن صوره: أن يقول: بعتك هذا بعشرين، على أن بعتني ثوبك
стр. 554
بعشرة، فلا يصح الشرط الذي فيه، ولأنه يسقط بسقوط بعض الثمن، فيصير الثاني مجهولاً، وقد نهى عن بيع وشرط، وبيع وسلف، وهما هذان الوجهان، انتهى.
وهذا يفيد أن شرطاً في بيع أيضاً منهي عنه، إلا أن يكون شرطاً مما يقتضيه العقل، ومحل بسطه كتب الفقه، والتقييد بقول في بيع يفيد أن الشرط في النكاح غير مفسد، (وعن ربح ما لم يضمن) وهو بيع ما اشتراه قبل قبضه، فربح كذا في النهاية (وعن بيع ما لم يقبض).
والحديث رواه الطبراني، عن حكيم بن حزام، ولفظه: نهى عن سلف وشرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وربح ما لم تضمن.
- الحجامة غير مفطر للصيام، كما هو مذهب الجمهور خلافاً لأحمد
أبو حنيفة: (عن أبي السوَّاد) بتشديد الواو، ويقال: أبو السوداء، وهو السلمي (عن ابن حاجب، عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله ﷺ احتجم بالقاحة) بالقاف والحاء المهملة، موضع بين مكة والمدينة (وهو صائم) أي فرضاً أو نفلاً، والجملة حالية، وفي رواية قال: احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة، وهو محرم، أي بالحج والعمرة، وهذا محمول على أن الاحتجام وقع في موضع لم يحتج إلى قطع شعره، أو على عذر ويوجب كفارة صائم، وهذا يدل على أن الحجامة غير مفطر للصيام، كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأحمد حيث تعلق بظاهر الحديث، أفطر الحاجم والمحجوم.
رواه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن ثوبان، قال السيوطي في الجامع الصغير، وهو متواتر، أي معنى، وتأويله
стр. 555
المشهور، أنهما تعرضا للإفطار، وقيل إنه منسوخ.
وقد روى الترمذي: ثلاث لا يفطرن الصيام، الحجامة، والقيء، والاحتلام، ورواه أكثر أيضاً من حديث ابن عباس ﵁، ولفظه: تقديم القيء، قال: وهذا من أحسنها إسناداً واجتهاداً.
وروى البخاري وغيره، أنه ﵊ احتجم وهو محرم. واحتجم وهو صائم.
وقيل لأنس ﵁: كنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: لا، إلا من أجل الضعف، رواه البخاري. وقال أنس: أول ما كرهت الحجامة للصائم، ابن جعفر بن أبي طالب، احتجم وهو صائم، فمر برسول الله ﷺ فقال: أفطر هذا، ثم رخص ﵊ في الحجامة بعد للصائم، وكان أنس ﵁ يحتجم وهو صائم، رواه الدارقطني.
وقال في رواية: كلهم ثقات، لا أعلم له علة.
- أجرة الحجام
(وفي رواية: أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجرة) أي أجرته (ولو كان) أي أجر الحجام (خبيثاً) أي حراماً (ما أعطاه) وفيه رد لمن قال بكراهة أكله، وأنه ينبغي أن يطعم عبده، أو ذريته.
وقد روى ابن ماجه، عن أبي مسعود، أنه ﵊: نهى عن كسب الحجام، فالنهي محمول على التنزيه، لا على التحريم، بدليل فعله ﵊.
стр. 556
- نهي متعة النساء
أبو حنيفة: (عن يونس بن عبد الله، عن أبيه ربيع بن سبرة) بفتح السين وسكون الموحدة (الجهني، عن أبيه) أي هو سبرة بن معبد الجهني، سكن المدينة، روى عنه ابنه الربيع، وعداه في المصريين (قال: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء، يوم فتح مكة) وصورة النكاح المتعة، أن يقول الرجل لامرأة خالية من الموانع، أتمتع بك عشرة أيام، مثلاً، أو متعيني نفسك أياماً، أو عشرة أيام، لم يذكر أياماً، بكذا من المال.
(وفي رواية: نهى عن المتعة) أي متعة النساء (عام الحج) أي سنة حجة الوداع، فيكون تأكيداً لما قبله، وإيذاناً بأنه ناسخ لما قبلها، ولما بينها من إباحتها، فإنه تعدد إباحتها وتحريمها.
(وفي رواية: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء عام الفتح) في صحيح مسلم، أنه ﵊ حرمها يوم الفتح.
وفي الصحيحين، أنه ﵊ حرمها يوم فتح خيبر، والتوفيق، أنها مرتين، المتعة ولحوم الحمر الأهلية، والتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة.
وقيل لا يحتاج إلى الناسخ، لأنه ﷺ كان أباحها ثلاثة أيام، فبانقضائها، ينتهي الإباحة، وذلك لما قال محمد بن الحسن في الأصل: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 557
أنه أحل المتعة ثلاثة أيام من الدهر في غزاة غزاها، اشتد على الناس فيها العزوبة، ثم نهى عنها.
وفي صحيح مسلم عنه ﷺ : كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وقد حرم الله ذلك إلى يوم القيامة.
والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة، وفي كتاب السير مسطورة، وابن عباس ﵁، صح رجوعه بعد ما اشتهر عنه من إباحتها.
وقيل، إنما أباح للمضطر.
والحاصل، أنه لا خلاف في تحريمها من الأئمة، إلا طائفة من الشيعة.
- من نسب إباحة المتعة إلى الإمام مالك فقد أخطأ
وأما في الهداية من قوله: وقال مالك ﵀ هو جائز: فقال ابن الهمام: نسبته إلى مالك غلط، والله أعلم.
- مسند حماد بن أبي حنيفة
مسند حماد بن أبي حنيفة ﵀، هو حماد بن نعمان الإمام ابن الهمام، تفقه على أبيه، وأفتى في زمنه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو في طبقة أبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد وكان الغالب عليه الورع.
أبو حنيفة: قال الفضل بن دكين: تقدم حماد بن النعمان، إلى شريك بن عبد الله، في شهادة فقال له شريك: والله إنك لعفيف النظر والفرج خيار مسلم، توفي سنة ست وسبعين ومائة، لما توفي أبوه، كان عنده ودائع كثيرة من ذهب وفضة، وغير ذلك، وأربابها غائبون، وفيهم أيتام، فحملها ابنه حماد إلى القاضي لتسليمها منه، فقال له القاضي: لا نقبلها منك ولا نخرجها من عندك فإنك أصل لها وموضعها، فقال له حماد: زنها واقبضها، وتبرأ ذمته، أبي حنيفة ﵀، ثم افعل ما بدا لك، ففعل القاضي ذلك، وبقي في وزنها أياماً، فلما أكل وزنها،
стр. 558
استرد حماد، فلم يظهر، حتى دفعها إلى غيره.
- حرمة الوطء من جانب الدبر
(حماد) أي روى عن أبي حنيفة ﵀ والده (عن أبي الهيثم) بفتح الهاء وسكون التحتية، وفتح المثلثة (المكي، عن أبي يوسف بن ماهك) بفتح الهاء بمنع الصرف، (عن حفصة زوج النبي ﷺ وهي بنت عمر رضي الله تعالى عنه، تزوجها في سنة ثلاث، وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها حيث نزل الوحي "راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة".
وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، ماتت سنة خمس وأربعين، وهي ابنة ستين وقد روى ابن عساكر، عن هند بن أبي هالة، مرفوعاً "إن الله أمرني أن لا أتزوج إلا أهل الجنة (أن امرأة أتتها) أي جاءتها (مستغيثة، فقالت: إن زوجي يأتيني) أي يجامعني (مجنبة) بضم الميم وكسر النون المخففة، أو بفتحها مشددة، أي حال كوني على جنبي، (فبلّغه) بتشديد اللام (تكرهه) أي فعله ذلك (فبلغ ذلك) أي الكلام (إلى النبي ﷺ ، فقال: لا بأس إذا كان) أي الجماع (في صمام واحد) بكسر الصاد، يقال صمام لقارورة بكسرها سدادها، كذا في القاموس، فهو كناية عن الفرج، واحتراز عن الدبر.
وفي النهاية: الصمام المسلك، وهو طهر، فتدبر.
وفي حديث الترمذي. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁،
стр. 559
قال: جاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال حولت رحلي البارحة، فلم يزد عليه شيئاً، وأوحى الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة.
- كنت أوسع على الموسر
وبه: (عن أبيه، عن أبي مالك الأشجعي، قال: حدثني ربعي) بكسر الراء (بن حراس) بكسر الحاء (عن حذيفة ﵁ أي ابن اليمان (قال: يؤتى بعبد الله تعالى) إلى موضع حكمه (يوم القيامة) أي للمحاسبة (فيقول) أي العبد (أي رب) أي يا رب (ما عملت إلا خيراً) أي طاعة (ما أردت به) أي بذلك الخير (إلا لقاءك) أي ابتغاء رضائك لا سمعة، ولا رياء لسواك (فكنت أوسع على الموسر) أي على الغني زيادة في توسعه (وأندر) من الإندار بالدال المهملة (عن المعسر) أي أسقط الدين عنه والمعنى: لا تجاوزه وأسامحه (فيقول الله تعالى: أنا أحق بذلك) أي التجاوز منك (تجاوزوا) أمر للملائكة (عن عبدي) أي المتجاوز جزاء وفاقاً (فقال أبو مسعود الأنصاري) شهد العقبة الثانية، سكن الكوفة، ومات
стр. 560
في خلافة علي رضي الله تعالى عنه، روى عنه ابنه بشير، وخلق سواه، وأشهد على رسول الله ﷺ ، أنه رأى (حذيفة ﵁ سمعه) أي الحديث السابق (عنه) أي الكوفي، سمعت عنه ﷺ .
- المقام المحمود والشفاعة الكبرى
وبه (عن أبيه، عن عطية العوفي، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، نسبة إلى قبيلة بني خدرة، وهو سعيد بن مالك الأنصاري ﵁، كان من الحفاظ المكثرين، والعلماء، والفضلاء، والعقلاء.
روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع، وله أربع وثمانون سنة (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول): بقراءتي (عسى)، أتوقع (أن يبعثك ربك) أي يقيمك (مقاماً محموداً) أو يحشرك في مقام محمود، قال: يحتمل موقوفاً ومرفوعاً، (يخرج الله ﵎ قَوْماً من النَّارِ) أي جماعة شاملة من الرجال والنساء (من أهل الإيمان والقبلة) أي ملة أهل الإسلام (بشفاعة محمد رسول الله ﷺ ، فذلك) أي مقام شفاعته المذكور (هو المقام المحمود) أي من جملته، فإن حقيقته هو الشفاعة الكبرى الشاملة للخلق طراً (فيؤتى بهم) بإخراجين من النار (نهراً) بفتح الهاء وتسكين (ويقال له الحيوان) بفتح الحاء والياء، أي نهر الحياة الكاملة، ومنه قوله تعالى: ﴿وإنَّ الدَّارَ الآخِرَة
стр. 561
لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾ (١) (فيلقون فيه) بصيغة المجهول، أو المعروف (فينبتون) أي نباتاً ثانياً (وينمون) نمواً سريعاً (كما ينبت التقادير) وهو صغار القثاء، شبهوا بها لأنها تثمر سريعاً (ثم يخرجون) بصيغة المجهول، والفاعل، وكذا قوله (فيدخلون الجنة) وأما قوله (فيسمون الجهنميين) والمجهول متعين (ثم يطلبون إلى الله تعالى) أي متضرعين إليه (أن يذهب عنهم ذلك الاسم)، يعني لكونهم مكتوبين على جباههم، هؤلاء العتقاء من النار (فيذهب عنهم) أي فيمحو ذلك الاسم من جباههم. ومن قلوب أهل الجنة، حتى يصيروا كواحد منهم، وقد سبق نحو ذلك فيما تقدم، والله أعلم.
- القياس الكاسد
وبه (عن أبيه، عن محمد بن قيس) وهو ابن مخرمة القرشي الحجازي، روى عن أبي هريرة ﵁ وعائشة رضي الّه عنها، وعنه، عبد الله بن كثير، وغيره (قال: سألت ابن عمر أو ابن كثير) شك منه أو من غيره (عن بيع الشحم فقال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم) كما نص الله بقوله: ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُوْمَهُمَا﴾ (٢) الآية (فحرموا أكلها
стр. 562
واستحلوا بيعها وأكل ثمنها) مع أن الآية مطلقة، فقيدوها من تلقاء أنفسهم، فلا يرد أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ﴾ (١) محمول على أكلها، وجاز الانتفاع بجلدها، فإن هذا البيان استفيد من صاحب الشريعة، لا بالرأي الفاسد، والقياس الكاسد، وإن الذي حرم الخمر، حرم بيعها وأكل ثمنها، وقد سبق، بعض الحديث مرفوعاً.
وقد روى أحمد والجماعة عن جابر، والشيخان عن أبي هريرة ﵁، وأحمد والشيخان، والنسائي، وابن ماجه، عن عمر مرفوعاً، بلفظ: "قاتل الله اليهود، إن الله ، لما حرم عليهم الشحوم جملوها" بالجيم "ثم باعوها وأكلوا ثمنها".
قوله: جملوها: بالجيم، أي أذابوها.
- العبرة بخواتيم الأعمال والأحوال
(عن أبيه، عن عبد العزيز بن رفيع) بالتصغير، وهو الأسدي المكي، سكن الكوفة، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع ابن عباس، وأتى عليه نيّف وتسعون سنة، (عن مصعب) وهو ابن سعد بن أبي وقاص القرشي، سمع أباه وعلياً، وابن عمر.
روى عنه سماك بن حرب وغيره (عن سعد) أحد العشرة المبشرة (عن رسول الله ﷺ ، قال: "ما مِنْ نَفْسٍ) أي من نفوس بني آدم، لأن الكلام فيهم (إلا قد كتب الله أي في اللوح المحفوظ، أو أثبت في القضاء والقدر (مدخلها
стр. 563
ومخرجها) أي الطاعة والمعصية، وطلب الرزق وغيرهما، وهما يحتملان المصدر واسمي الزمان والمكان (وما هي لاقية) أي ملاقية في الدنيا والعقبى، (قيل: ففيم العمل) أي الآن، والحال أن الأمور كلها مفروغ منها في الأزل (يا رسول الله؟ قال: اعملوا) أي لا بد من العمل وظهوره إلى تمام الأجل (فكل ميسر) أي مسهل مهيأ (لما خلق له) أي قدر له من أسباب الأمل (فمن كان من أهل الجنة، يسر لعمل أهل الجنة) أي حتى يموت على عملهم، (ومن كان من أهل النار يُسِّرَ لِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ) حتى يموت على عملهم، فإن العبرة بخواتيم الأعمال، والأحوال.
(قال الأنصاري) أي بعض منهم (الآن) أي هذه الساعة (حق العمل) أي ظهر وجه حكمة الأمر بالعمل، وهذا نظير قول زليخا: الآن حصحص الحق، والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة، منها ما أورده صاحب المشكاة في أول كتابه، وقد شرحناها في بابه.
- عذاب الكذب على رسول الله ﷺ
وبه: (عن أبيه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتعمداً فليتبوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ") قد سبق الكلام عليه، (قال عطية: وأشهد) أي وأحلف (أني لم أكذب على أبي سعيد، وأن أبا سعيد لم يكذب على رسول الله ﷺ في هذا الحديث وغيره.
стр. 564
- قيام الليل
(وبه: عن أبيه، عن عبد الرحمن بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاء (عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا زَالَ جبرائيل يوصيني بالجار) أي بالإحسان إليه والتعطف عليه (حتى ظننت) أي حسبت (أنه) أي الله تعالى (يورِّثه) بالتشديد والتخفيف، أي الجار، من مثله، والحديث بعينه، رواه أحمد والشيخان، وأبو داود، والترمذي، عن ابن عمر وأحمد، والستة، عن عائشة ﵂.
ورواه البيهقي عن عائشة بلفظ الأصل مع زيادة: (وما زال يوصيني بالمملوك، حتى ظننت أنه يضرب له أجلاً ووقتاً إذا بلغه عتق، وما زال جبرائيل يوصيني بقيام الليل) أي للتهجد والعبادة والقراءة (حتى ظننت) أي علمت وتحققت (أن خيار أمتي لا ينامون إلا قليلاً) كما يدل عليه قوله : ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١) أي من قليل زمانه الذي فيه يرقدون.
وفي تفسير قول آخر، وهو: أنهم كانوا قليلاً من الناس موصوفين بأنهم ما يهجعون مطلقاً، أو بعضه على أن ما نافية، وفي قليل من الليل عدم هجوعهم إذا
стр. 565
كانوا يقومون ثلث الليل، أو نحوه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُم اللَّيْلَ إلاّ قَلِيلاً نِصفُهُ أو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيهِ﴾ (١) الآية.
وقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدْنَى مِنْ ثُلُثَي الليْلَ ونِصفَهُ وثُلُثهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الّذِينَ مَعَك﴾ (٢).
وفي الحديث: أشرافُ أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل، رواه الطبراني والبيهقي.
عن ابن عباس (عن أبيه، عن سلمة بن كهيل) بالتصغير (عن أبي عرا، عن ابن مسعود، قال: لا يبقى في النار) أي أحد من المؤمنين مخلداً (إلا من ذكر الله في هذا الآية ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر ... قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين ... وَلَم نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِين﴾ إلى قوله ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافِعين﴾ (٣) سبق الكلام عليه.
- الحقب
وبه (عن أبيه، عن عاصم) لعله الإمام في القراءة، فإنه شيخ الإمام (عن أبي صالح) وهو ابن الذكوان الزيات السمان من أجلاء التابعين (قال: الحقب) وهو بضم، وبضمتين (ثمانون سنة) أو أكثر، هكذا في القاموس (منها) أي من