Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُصَوِّرِ النَّسَمِ فِي شَبَكَاتِ الْأَرْحَامِ بِلَا مُظَاهَرَةٍ وَمَعُونَةٍ، وَمُقَدِّرِ الْقَسَمِ لِطَبَقَاتِ الْأَنَامِ بِلَا كُلْفَةٍ وَمَئُونَةٍ، شَارِعِ مَشَارِعِ الْأَحْكَامِ بِلُطْفِهِ وَأَفْضَالِهِ، نَاهِجِ مَنَاهِجِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِكَرَمِهِ وَنَوَالِهِ، مُبْدِعِ فَرَائِدِ الدُّرَرِ مِنْ خَطَرَاتِ الْفِكْرِ بِسَحَائِبِ فَضْلِهِ وَإِكْرَامِهِ، مُنْشِئِ لَطَائِفِ الْعِبَرِ مِنْ شَوَاهِدِ النَّظَرِ بِرَوَاتِبِ طُولِهِ وَإِنْعَامِهِ، الَّذِي أَكْمَلَ بِعِنَايَتِهِ رَوْنَقَ الدِّينِ وَأُبَّهَةَ الْإِسْلَامِ، وَصَيَّرَ بِرِعَايَتِهِ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ مُرْتَفِعَةَ الْأَعْلَامِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا تَاهَ فِي وَصْفِهِ أَفْهَامُ الْعُقَلَاءِ، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا حَارَ فِي قَدْرِهِ أَوْهَامُ الْأَلِبَّاءِ، عَلَى مَا أَوْضَحَ مَنَاهِجَ الشَّرْعِ وَرَفَعَ مَعَالِمَهُ، وَأَحْكَمَ قَوَاعِدَ الدِّينِ وَأَثْبَتَ دَعَائِمَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً رَسَخَتْ عُرُوقُهَا فِي صَمِيمِ الْجَنَانِ، وَدَعَتْ صَاحِبَهَا إلَى نَعِيمِ الْجِنَانِ.
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي جَبَلَهُ اللَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ، وَبَعَثَهُ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ، فَأَبَانَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَثَارَهُ، وَأَضَاءَ سُبُلَ الْيَقِينِ وَمَنَارَهُ، حَتَّى سَطَعَ نُورُ الشَّرْعِ عَنْ ظَلَامِ الْجَفَاءِ بِحُسْنِ عِنَايَتِهِ، وَظَهَرَ نُورُ الدِّينِ عَنْ أَكْمَامِ الْخَفَاءِ بِيُمْنِ كِفَايَتِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - الَّذِينَ لَمْ تُسْتَرْ أَقْمَارُ دِينِهِمْ بِغَمَامِ الشَّكِّ وَالْبَدَاءِ، وَلَمْ تَحْتَجِبْ أَنْوَارُ يَقِينِهِمْ بِأَكْمَامِ الْأَهْوَاءِ، صَلَاةً تَتَجَدَّدُ عَلَى تَعَاقُبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَتَتَزَايَدُ عَلَى انْتِقَاصِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(وَبَعْدُ) فَإِنَّ عُلُومَ الدِّينِ أَحَقُّ الْمَفَاخِرِ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّبْجِيلِ، وَأَوْلَى الْفَضَائِلِ بِالتَّفْضِيلِ وَالتَّحْصِيلِ، إذْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ لِنَيْلِ السَّعَادَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمِرْقَاةُ الْمَنْصُوبَةُ إلَى الْفَوْزِ بِالْكَرَامَاتِ فِي الْعُقْبَى، بِنُورِهَا يُهْتَدَى مِنْ ظُلُمَاتِ الْغَوَايَةِ
стр. 2
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَبِيُمْنِهَا يُرْتَقَى مِنْ حَضِيضِ الْجَهَالَةِ إلَى ذُرْوَةِ الِاجْتِهَادِ، لَا سِيَّمَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ أَصْعَبُهَا مَدَارِكَ، وَأَدَقُّهَا مَسَالِكَ، وَأَعَمُّهَا عَوَائِدَ، وَأَتَمُّهَا فَوَائِدَ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَتْ لَطَائِفُ عُلُومِ الدِّينِ كَامِنَةَ الْآثَارِ، وَنُجُومُ سَمَاءِ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ مَطْمُوسَةَ الْأَنْوَارِ، لَا تَدْخُلُ مَيَامِنُهُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ، وَلَا تُدْرَكُ مَحَاسِنُهُ بِالِاسْتِقْصَاءِ.
ثُمَّ إنَّ كِتَابَ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمَنْسُوبَ إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُعَظَّمِ، وَالْحَبْرِ الْهُمَامِ الْمُكَرَّمِ، الْعَالِمِ الْعَامِلِ الرَّبَّانِيِّ، مُؤَيِّدِ الْمَذْهَبِ النُّعْمَانِيِّ، قُدْوَةِ الْمُحَقِّقِينَ أُسْوَةِ الْمُدَقِّقِينَ صَاحِبِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْكَرَامَاتِ السَّنِيَّةِ مَفْخَرِ الْأَنَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَزْدَوِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجِنَانِ، امْتَازَ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ شَرَفًا وَسُمُوًّا، وَحَلَّ مَحَلَّهُ مَقَامَ الثُّرَيَّا مَجْدًا وَعُلُوًّا، ضَمَّنَ فِيهِ أُصُولَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ، وَأَدْرَجَ فِيهِ مَا بِهِ نِظَامُ الْفِقْهِ وَقِوَامُهُ، وَهُوَ كِتَابٌ عَجِيبُ الصَّنْعَةِ رَائِعُ التَّرْتِيبِ، صَحِيحُ الْأُسْلُوبِ مَلِيحُ التَّرْكِيبِ، لَيْسَ فِي جَوْدَةِ تَرْكِيبِهِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِهِ مِرْيَةٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ عَبَّادَانَ قَرْيَةٌ، لَكِنَّهُ صَعْبُ الْمَرَامِ، أَبِي الزِّمَامِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ لُطْفِهِ وَغَرَائِبِهِ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْإِحَاطَةِ بِطُرَفِهِ وَعَجَائِبِهِ، إلَّا لِمَنْ أَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَحْصِيلِهِ، وَشَدَّ حَيَازِيمَهُ لِلْإِحَاطَةِ لِجُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ، بَعْدَ أَنْ رُزِقَ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ ذِهْنًا جَلِيًّا، وَذَرْعًا مَنْ هُوَ أَجَسُّ أَضَالِيلِ الْمُنَى خَلِيًّا، وَقَدْ تَبَحَّرَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفُرُوعِ، وَأَحَاطَ بِمَا جَاءَ فِيهَا مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ.
وَقَدْ سَأَلَنِي إخْوَانِي فِي الدِّينِ، وَأَعْوَانِي عَلَى طَلَبِ الْيَقِينِ، أَنْ أَكْتُبَ لَهُمْ شَرْحًا يَكْشِفُ عَنْ أَوْجُهِ غَوَامِضِ مَعَانِيهِ نِقَابَهَا، وَيَرْفَعُ عَنْ اللَّطَائِفِ الْمُسْتَتِرَةِ فِي مَبَانِيهِ حِجَابَهَا، وَيُوَضِّحُ مَا أُبْهِمَ مِنْ رُمُوزِهِ وَإِشَارَاتِهِ الْمُعْضِلَةِ، وَيُبَيِّنُ مَا أُجْمِلَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَعِبَارَاتِهِ الْمُشْكِلَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي لَمَّا اسْتَسْعَدْت بِخِدْمَةِ شَيْخِي، وَسَيِّدِي وَسَنَدِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الرَّبَّانِيُّ، وَالْقَرْمُ الْمُدَقِّقُ الصَّمَدَانِيُّ، نَاصِبُ رَايَاتِ الشَّرِيعَةِ، كَاشِفُ آيَاتِ الْحَقِيقَةِ، فَتَّاحُ أَقْفَالِ الْمُشْكِلَاتِ، كَشَّافُ غَوَامِضِ الْمُعْضِلَاتِ، فَخْرُ الْحَقِّ وَالدِّينِ، مَلَاذُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَالَمِينَ، قُطْبُ الْمُتَهَجِّدِينَ، خَتْمُ الْمُجْتَهِدِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسِ الْمَايَمُرْغِيُّ أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ سِجَالَ إنْعَامِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهِ شَآبِيبَ إكْرَامِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَنَشَأْت فِي حِجْرِهِ بِرَوَاتِبِ بِرِّهِ وَأَفْضَالِهِ، وَرُبِّيتُ فِي بَيْتِهِ بِصَنَائِعِ جُودِهِ وَنَوَالِهِ، لَعَلِّي فُزْت بِدُرَرٍ مَنْ غُرَرِ فَرَائِدِهِ.
وَأَخَذْتُ حَظًّا وَافِرًا مِنْ مَوَائِدِ فَوَائِدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُخْتَصًّا مِنْ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ بِاتِّفَاقِ الْأَنَامِ بِتَحْقِيقِ دَقَائِقِ مُصَنَّفَاتِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَاسْتَعْفَيْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ وَتَشَبَّثْتُ بِأَهْدَابِ الْمَعَاذِيرِ، عِلْمًا مِنِّي بِأَنِّي لَسْت مِنْ فُرْسَانِ هَذَا الْمَيْدَانِ، وَلَا لِي بِالْإِبْلَاءِ فِي مَوَاقِفِهِ يَدَانِ، وَأَيْنَ أَنَا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَحَيَّرَتْ الْفُحُولُ فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، بَعْدَ تَهَالُكِهِمْ فِي بَحْثِهِ وَتَنْقِيرِهِ، وَعَجَزَتْ التَّحَارِيرُ عَنْ دَرْكِ مُعْضِلَاتِهِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَفْكِيرِهِ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِلْحَاحِ عَلَيَّ، وَالْإِقَامَةَ فِي مَوَاقِفِ الِاقْتِرَاحِ لَدَيَّ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إنْجَاحِ مَسْئُولِهِمْ، وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْ تَحْقِيقِ مَأْمُولِهِمْ، فَأَجَبْتهمْ إلَى مُلْتَمَسِهِمْ تَفَادِيًا مِنْ عُقُوقِهِمْ، وَسَعْيًا
стр. 3
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
أُصُولُ بَزْدَوِيٍّ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى أَدَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَشَرَعْت فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْمُهِمِّ، وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ الْمُدْلَهِمِّ، مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ الْكَرِيمِ الْجَلِيلِ، رَاجِيًا مِنْهُ أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، مُتَوَكِّلًا عَلَى كَرَمِهِ الشَّامِلِ فِي طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِإِتْمَامِهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى إنْعَامِهِ الْعَامِّ فِي سُؤَالِ التَّيْسِيرِ لِابْتِدَائِهِ وَاخْتِتَامِهِ.
رَاغِبًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ مَا أُقَاسِيهِ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، مُتَعَوِّذًا بِهِ مِنْ أَنْ يَتَلَقَّانِي بِسَخَطِهِ وَعِقَابِهِ الْأَلِيمِ، مُبْتَهِلًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَحْفَظَنِي عَنْ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ، وَيُلْهِمَنِي طَرِيقَ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَأَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ بِبَرَكَاتِ جَمْعِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ كَاشِفًا عَنْ غَوَامِضَ مُحْتَجِبَةٍ عَنْ الْأَبْصَارِ نَاسَبَ أَنْ سَمَّيْتُهُ كَشْفَ الْأَسْرَارِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كِتَابًا سَبَقَ عَامَّةَ الشُّرُوحِ تَرْتِيبًا وَجَمَالًا، وَفَاقَ نَظَائِرَهُ تَحْقِيقًا وَكَمَالًا، وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ، عَرَفَ دَعْوَى الصِّدْقِ مِنْ الْخِلَافِ، ثُمَّ إنِّي، وَإِنْ لَمْ آلُ جُهْدًا فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَتَرْتِيبِهِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ جِدًّا فِي تَسْدِيدِهِ وَتَهْذِيبِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ عَثْرَةٌ وَزَلَلٌ، وَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ خَطَأٌ وَخَطَلٌ، فَلَا يَتَعَجَّبُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْتَنْكِفُهُ بَشَرٌ وَقَدْ رَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لَهُ إنِّي صَنَّفْت هَذِهِ الْكُتُبَ فَلَمْ آلُ فِيهَا الصَّوَابَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَنْهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ قَرَأْت كِتَابَ الرِّسَالَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ثَمَانِينَ مَرَّةً فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكُنَّا نَقِفُ عَلَى خَطَإٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيهِ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابٌ صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ فَالْمَأْمُولُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ جَانَبَ التَّعَصُّبَ وَالتَّعَسُّفَ وَنَبَذَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ التَّكَلُّفَ وَالتَّصَلُّفَ، أَنْ يَسْعَى فِي إصْلَاحِهِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، أَدَاءً لِحَقِّ الْأُخُوَّةِ فِي الْإِيمَانِ، وَإِحْرَازًا لِحُسْنِ الْأُحْدُوثَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَإِدْخَارًا لِجَزِيلِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُثِيبُ عَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ سَتَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَغَفَرَ ذُنُوبَهُ.
حَدَّثَنِي بِهَذَا الْكِتَابِ شَيْخِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِسَرَخْسَ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَلَكِيَّةِ الْعَبَّاسِيَّةِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسْتَاذُ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا مُظْهِرُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّتَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَرْدَرِيُّ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى بَابِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ وَمِنْهُ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْقَرْمُ الْهُمَامُ بَدْرُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْكَرْدَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ رَاوِيًا عَنْ حَالِهِ هَذَا قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخُ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْجَلِيلِ الرِّشْدَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَمُقْتَدَى الْأُمَّةِ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ النَّسَفِيُّ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ قَدَّسَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ (الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ) جَرَتْ سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِذِكْرِ الْحَمْدِ فِي أَوَائِلِ تَصَانِيفِهِمْ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّهُ مُعَنْوَنٌ بِهِ وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَالْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا يُقَالُ حَمِدْته عَلَى إنْعَامِهِ وَحَمِدْته عَلَى شَجَاعَتِهِ وَاللَّامُ فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ
стр. 4
مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا وَنُورًا مُضِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
الْجِنْسِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ أَيْ الْحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ اسْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ يَجْرِي فِي وَصْفِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لَا شَرِكَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أَيْ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ غَيْرَهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ الْخَلِيلِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ الْحَمْدُ بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَالْعَلَمِ لِلذَّاتِ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ فَكَانَ إضَافَةُ الْحَمْدِ إلَيْهِ إضَافَةً لَهُ إلَى جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ اخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ قَالَ ﵇ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِلصِّفَاتِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّةِ التَّأْلِيفِ أَنْ يُوَافِقَ التَّحْمِيدُ مَضْمُونَهُ.
وَغَرَضُ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ بَيَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا قَالَ " خَالِقِ النَّسَمِ " إذْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النَّفْسِ لِتَعْرِفَ مَا شُرِعَ لَهَا مِثْلُ الْعُقُودِ وَمَا شُرِعَ عَلَيْهَا مِثْلُ الْوَاجِبَاتِ وَالْخَالِقُ هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَالنَّسَمَةُ الْإِنْسَانُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالنَّسَمُ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَفِي الْمُغْرِبِ النَّسَمَةُ النَّفْسُ مِنْ نَسَمَ الرِّيحُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا النَّفْسُ وَمِنْهَا أَعْتَقَ النَّسَمَةَ وَاَللَّهُ بَارِئُ النَّسَمِ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مُحْتَاجًا إلَى الْعَطَاءِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ رَازِقِ الْقَسَمِ أَيْ مُعْطِي الْعَطَايَا، وَالرِّزْقُ الْعَطَاءُ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَوْلِك رَزَقَهُ اللَّهُ وَالْقَسَمُ جَمْعُ قِسْمَةٍ بِمَعْنَى الْقَسْمِ، وَهُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ مِنْ الْخَيْرِ وَفِي ذِكْرِ الرِّزْقِ دُونَ الْإِعْطَاءِ لُطْفٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّزْقَ مَا يُفْرَضُ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُفْرَضُ لِلْعُمَّالِ مِثْلُ الْمُقَاتِلَةِ وَالْإِنْسَانُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى كَسْبٍ وَعَمَلٍ فَكَانَ ذِكْرُ الرِّزْقِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً مِنْ ذِكْرِ الْعَطَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ صَنْعَةِ التَّرْصِيعِ.
قَوْلُهُ (مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ) الْإِبْدَاعُ الِاخْتِرَاعُ لَا عَلَى مِثَالٍ وَالْبَدَائِعُ جَمْعُ بَدِيعٍ بِمَعْنَى مُبْتَدِعٍ أَيْ مُخْتَرِعِ الْمَوْجُودَاتِ بِلَا مَادَّةٍ وَمِثَالٍ بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ وَحِكْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَفِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدُونِ الْوَاوِ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ خَالِقِ النَّسَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَلْقَ مِثْلِ هَذَا الْمَوْجُودِ الَّذِي فِيهِ أُنْمُوذَجٌ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ حَتَّى قِيلَ هُوَ الْعَالَمُ الْأَصْغَرُ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَغَرَائِبِ حِكْمَتِهِ ثُمَّ هَذَا الْجِنْسُ لَمَّا خُلِقُوا عَلَى هِمَمٍ شَتَّى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَهْوَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ لَا يَكَادُونَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى شَيْءٍ وَيَبْعَثُ لِكُلِّ وَاحِدٍ هِمَّتَهُ إلَى مَا يَسْتَلِذُّ طَبْعُهُ وَفِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي فِي الْعَاجِلِ إلَى التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي وَفِي الْآجِلِ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، شَرَعَ الشَّرَائِعَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَامِعًا لَهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ مُسْتَقِيمٍ فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَالشَّرْعُ الْإِظْهَارُ وَشَرَعَ لَهُمْ كَذَا أَيْ بَيَّنَ وَالشَّرَائِعُ جَمْعُ شَرِيعَةٍ، وَهِيَ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّينِ ثُمَّ ضَمَّنَ الشَّارِعُ مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّصْيِيرِ فَانْتَصَبَ دِينًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ جَاعِلُ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا أَوْ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الشَّرَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِوُجُودِ مَعْنَى الصِّفَةِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ كَمَا انْتَصَبَ قُرْآنًا عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ أَيْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صَالِحًا وَالدِّينُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ وَالرِّضَى الْمَرْضِيُّ وَوَصَفَهُ بِهِ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] أَيْ اخْتَرْته لَكُمْ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ
стр. 5
وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ وَنَيْلِ أَسْبَابِ الْغُفْرَانِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الشَّرَائِعِ مَشْرُوعَاتُ هَذِهِ الْمِلَّةِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ دِينًا عَلَى صِيغَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﵉ لَقِيلَ أَدْيَانًا رَضِيَّةً وَأَنْوَارًا مُضِيئَةً وَالنُّورُ لُغَةً اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْجِدَارِ وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ أَنْ تَصِيرَ الْمَرْئِيَّاتُ بِسَبَبِهِ مُتَجَلِّيَةً مُنْكَشِفَةً وَلِذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ تَسْمِيَةُ الدِّينِ نُورًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِلْبَصِيرَةِ كَمَا أَنَّ النُّورَ الْجُسْمَانِيَّ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْأَشْيَاءِ لِلْبَصَرِ وَالْإِضَاءَةُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٍ قَالَ النَّابِعَةَ الْجَعْدِيِّ:
أَضَاءَتْ لَنَا النَّارُ وَجْهًا أَغَرَّ ... مُلْتَبِسًا بِالْفُؤَادِ الْتِبَاسَا
يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ... لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا
، فَاسْتَعْمَلَهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَاللُّزُومُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنْ النُّورِ وَأَتَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى الشَّمْسِ وَالنُّورُ إلَى الْقَمَرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] ثُمَّ الشَّيْخُ وَصَفَ الدِّينَ بِالنُّورِ أَوَّلًا كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢] أَيْ جَعَلْنَا الْإِيمَانَ نُورًا وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] أَيْ دِينِهِ ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْإِضَاءَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي حَقِّ الْمُتَمَسِّكِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ نُورِ الْقَمَرِ ثُمَّ يَتَزَايَدُ بِالتَّأَمُّلِ وَالِاسْتِدْلَالِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ضَوْءَ الشَّمْسِ.
وَلِأَنَّ الْخَلْقَ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ ظَلْمَاءَ قَبْلَ الْبَعْثِ فَكَانَ ظُهُورُ الدِّينِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ نُورِ الْقَمَرِ فِي الظُّلْمَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ثُمَّ ازْدَادَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ بِمَنْزِلَةِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ؛ فَلِهَذَا وَصَفَهُ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّ اسْتِنَارَةَ الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ بِهَذَيْنِ الْكَوْكَبَيْنِ فَوَصَفَهُ بِالنُّورِ وَالْإِضَاءَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ) الذِّكْرُ هَهُنَا الشَّرَفُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أَيْ شَرَفُكُمْ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] قِيلَ ذِي الشَّرَفِ وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَالْمَطِيَّةُ الْمَرْكَبُ وَالْمِطَاءُ الظَّهْرُ، وَهَذَا الْكَلَامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمَطِيَّةَ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ فَكَذَلِكَ الدِّينُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ دَارُ السَّلَامِ وَسُمِّيَتْ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ لِسَلَامَةِ أَهْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النِّعَمِ عَنْ الْآفَاتِ وَالْفِنَاءِ أَوْ لِكَثْرَةِ السَّلَامِ فِيهَا قَالَ تَعَالَى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وَالسَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأُضِيفَتْ الدَّارُ إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهَا.
قَوْلُهُ (أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ) وَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي جَلَائِلِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَعَرَفَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَفِي بِالْقِيَامِ بِمُوَاجَبِ حَمْدِهِ كَمَا هُوَ يَسْتَحِقُّهُ، وَإِنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ النَّجَاةِ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِإِعَانَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ قَالَ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ يَعْنِي أَحْمَدُهُ عَلَى حَسَبِ وُسْعِي وَطَاقَتِي وَبِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْمِيدِ لَا عَلَى حَسَبِ النِّعَمِ إذَا لَيْسَ ذَلِكَ وُسْعَ أَحَدٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ثُمَّ الْإِمْكَانُ أَعَمُّ مِنْ الْوُسْعِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ قَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَغَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ نَسْفَ الْجِبَالِ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَالْوُسْعُ رَاجِعٌ إلَى الْفَاعِلِ وَالْإِمْكَانُ إلَى الْمَحَلِّ وَخَصَّ طَلَبَ الرِّضْوَانِ أَيْ الرِّضَا بِالِاسْتِعَانَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ قَالَ ﵇ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ»
стр. 6
وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَصْحَابِهِمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْدَوِيُّ ﵀: الْعِلْمُ نَوْعَانِ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَضَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُنَا أَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَعَامَّةَ أَصْحَابِهِمْ ﵏ وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي ذَلِكَ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ) أَيْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ أَيْ مُتَابِعِيهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْآلِ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا قَالَ ﵇ «آلِي كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ» وَتَخْصِيصُ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ لِزِيَادَةِ التَّعْظِيمِ وَتَقْدِيمِ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَامَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ لَا لِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَا فَضْلَ لِوَلِيٍّ عَلَى نَبِيٍّ قَطُّ.
[الْعِلْم نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ]
قَوْلُهُ (الْعِلْمُ نَوْعَانِ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ إذْ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ كَانَ دَوْرًا وَقِيلَ إنَّهُ صِفَةٌ تُوجِبُ فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ وَقَوْلُهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّنِّ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ يَنْتَفِي بِهَا عَنْ الْحَيِّ الْجَهْلُ وَالشَّكُّ وَالظَّنُّ وَالسَّهْوُ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ ﵀ أَنَّهُ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهَا الْمَذْكُورُ لِمَنْ قَامَتْ هِيَ بِهِ ثُمَّ أَنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ عِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَسَائِرِ عُلُومِ الْفَلْسَفَةِ كَمَا يَتَنَاوَلُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُهُ بِالنَّوْعَيْنِ وَاكْتِفَاؤُهُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُ الْحَيَوَانِ بِأَنَّهُ نَوْعَانِ: إنْسَانٌ وَفَرَسٌ مُنْحَصِرًا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَقْيِيدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْعِلْمُ الْمُنْجِي أَوْ الْعِلْمُ الَّذِي اُبْتُلِينَا بِهِ نَوْعَانِ، وَكَانَ الشَّيْخ ﵀ أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ الْعِلْمُ نَوْعَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا لِعَدَمِ ظُهُورِ فَائِدَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَانْحِصَارِ الْفَائِدَةِ فِيهَا عَلَى النَّوْعَيْنِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّك لَا تَعُدُّهُمْ عُلَمَاءَ فِي مُقَابَلَتِهِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعِلْمُ الصِّفَاتِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ قَدِيمَةً غَيْرَ مُحْدَثَةٍ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لَا كَمَا زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَلَا كَمَا زَعَمَتْ الْكَرَّامِيَّةُ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوعَاتِ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَالْأَحْكَامِ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْمَشْرُوعَاتِ لَكِنَّهَا لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ بِمُحْكَمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَهَذَا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ النَّفْسِ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَبِحَقِّيَّةِ الْقُرْآنِ وَانْتَحَلُوا نِحْلَةَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُمْ بِسَبَبِ أَهْوَائِهِمْ خَرَجُوا عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ وَنَبَذُوا التَّوْحِيدَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَأَنْكَرُوا الصِّفَاتِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ زَاعِمِينَ أَنَّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَمَحْضُ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ مَنْ أَنْكَرَ الرِّسَالَةَ وَالْقُرْآنَ مِثْلُ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ فَلَا يَنْفَعُ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِإِنْكَارِ الْخَصْمِ حَقِيَتَهُمَا فَيُتَمَسَّكُ إذَنْ بِالْمَعْقُولِ الصِّرْفِ. وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ الْهَوَى مَيَلَانُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَالْبِدْعَةُ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ فِي الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَعْنِي يَتَمَسَّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُجَانِبًا لِهَوَى نَفْسِهِ وَمُجَانِبًا لِمَا أَحْدَثَهُ غَيْرُهُ فِي الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَلَا يُحْمَلُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ وَلَا عَلَى مَا يُوَافِقُ مَا أَبْدَعَهُ غَيْرُهُ مِثْلُ مَا قَالَتْ الرَّافِضَةُ الْمُرَادُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمِنْ الظُّلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا﴾ [الفرقان: ٢٨] عُمَرَ وَمِثْلُ
стр. 7
وَإِثْبَاتَ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا كُلَّهَا وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ وَصَنَّفَ كِتَابَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَكِتَابَ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِثْلُ حَمْلِهِمْ الْمَشِيئَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] وَنَظَائِرُهُ عَلَى مَشِيئَةِ الْقَسْرِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِعَدَمِ دُخُولِ الشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ أَيْ عَقِيدَةِ الرَّسُولِ وَالْجَمَاعَةِ أَيْ عَقِيدَةِ الصَّحَابَةِ، أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا أَيْ أُسْتَاذِيّنَا وَالسَّلَفُ جَمْعُ سَالِفٍ مِنْ سَلَفَ يَسْلُفُ سَلَفًا إذَا مَضَى وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِمْ أَيْ أَكْثَرُهُمْ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْبِدْعَةِ مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ إبْطَالُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ اسْتِدْلَالًا بِمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَدَفْعُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الرَّأْيَ عَلَى السُّنَّةِ فَبَدَأَ أَوَّلًا بِإِبْطَالِ دَعْوَى الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ سَمَّاهُ أَكْبَرَ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ وَعَظَمَتَهُ بِحَسَبِ شَرَفِ الْمَعْلُومِ وَلَا مَعْلُومَ أَكْبَرُ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ أَكْبَرَ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ فَقَالَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ صِفَةٌ وَلَا اسْمٌ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِعِلْمِهِ وَالْعِلْمُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَقَادِرًا بِقُدْرَتِهِ وَالْقُدْرَةُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَخَالِقًا بِتَخْلِيقِهِ وَالتَّخْلِيقُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَفَاعِلًا بِفِعْلِهِ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ فَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَلَا مُحْدَثَةٍ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ أَوْ مُحْدَثَةٌ أَوْ وَقَفَ فِيهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتُ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا فَقَالَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ آمَنْت بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ كَسْبُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا.
وَهِيَ كُلُّهَا بِمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَائِهِ وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَأَمَّا مَسْأَلَتَا الِاسْتِطَاعَةِ وَالْأَصْلَحِ فَمَا وَجَدْتُهُمَا فِي النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدِي مِنْ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَيْضًا مَا يُوجِبُ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُمَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَإِثْبَاتُ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَيْضًا وَأَثْبَتَ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ فِيهِ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ بَلْ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ وَقَالَ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّهُ أَثْبَتَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ فِي مَبَاحِثِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ) أَيْ قَالَ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَدُوًّا، وَإِنْ رَكِبَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بَعْدَ أَنْ لَا يَدَعَ التَّوْحِيدَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ يَرْتَكِبُ الْعَظِيمَ مِنْ الذَّنْبِ فَاَللَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَلْبِهِ لَكَانَ الِاحْتِرَاقُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ ﵀ فَمَا قَوْلُك فِي أُنَاسِ رَوَوْا أَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا زَنَى يُخْلَعُ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يُخْلَعُ عَنْهُ الْقَمِيصُ ثُمَّ إذَا تَابَ أُعِيدَ إلَيْهِ إيمَانُهُ أَتُكَذِّبُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ أَوْ تُصَدِّقُهُمْ
стр. 8
وَيَتَرَحَّمُ لَهُ وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ نَاظَرْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَاتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ وَصَحَّ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنْ صَدَّقْت قَوْلَهُمْ فَقَدْ دَخَلْت فِي قَوْلِ الْخَوَارِجِ، وَإِنْ كَذَّبْت قَوْلَهُمْ قَالُوا أَنْتِ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّهُمْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رِجَالٍ شَتَّى حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﵇ قَالَ الْعَالِمُ ﵀ أُكَذِّبُ هَؤُلَاءِ وَلَا يَكُونُ تَكْذِيبِي لَهُمْ تَكْذِيبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ عَمَّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْجَوْرِ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقُرْآنَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَصْدِيقًا بِالنَّبِيِّ وَبِالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهًا لَهُ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] فَقَوْلُهُ مِنْكُمْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا وَلَا نُكَفِّرُ مُسْلِمًا بِذَنْبٍ مِنْ الذُّنُوبِ.
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا وَلَا نُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ وَنُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا حَقِيقَةً، وَيُتَرَحَّمُ لَهُ أَيْ يُدْعَى لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَيُقَالُ ﵀ «قَالَ ﵇ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَوْ كَانَ أَبُوك إسْلَامِيًّا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ» أَيْ لَقُلْنَا لَهُ ﵀ وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ أَخْبِرْنِي عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ أَهُوَ أَفْضَلُ أَمْ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاللَّعْنَةِ قَالَ الْعَالِمُ ﵀ الذَّنْبُ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ غَيْرِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ فَأَيُّ الذَّنْبَيْنِ رَكِبَ هَذَا الْعَبْدُ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ لَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَالدُّعَاءُ لِأَهْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالْمَغْفِرَةِ أَفْضَلُ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إذَا لَيْسَ شَيْءٌ يُطَاعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَجَمِيعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَرَائِضِهِ فِي جَنْبِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَصْغَرُ مِنْ بَيْضَةٍ فِي جَنْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُنَّ فَكَمَا أَنَّ ذَنْبَ الْإِشْرَاكِ أَعْظَمُ كَذَلِكَ أَجْرُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَعْظَمُ، وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا أَيْ إمَامًا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالشَّيْءُ إذَا بُولِغَ فِي وَصْفِهِ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلِلْفَرَسِ الْجَوَادِ إنَّهُ لَذُو صِدْقٍ أَيْ صَادِقِ الْحَمْلَةِ وَصَادِقِ الْجَرْيِ كَأَنَّهُ ذُو صِدْقٍ فِيمَا يَعُدُّك مِنْ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] ، وَفِي إضَافَتِهِ إلَى صِدْقٍ دَلَالَةٌ عَلَى زِيَادَةِ فَضْلٍ، وَإِنَّهُ مِنْ السَّوَابِقِ الْعَظِيمَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ فِيهِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ كُنْت رَجُلًا أُعْطِيت جَدَلًا فِي الْكَلَامِ فَمَضَى دَهْرٌ فِيهِ أَتَرَدَّدُ وَبِهِ أُخَاصِمُ وَعَنْهُ أُنَاضِلُ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْخُصُومَاتِ بِالْبَصْرَةِ فَدَخَلْتهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أُقِيمُ سَنَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَكُنْت قَدْ نَازَعْت طَبَقَاتِ الْخَوَارِجِ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَطَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَكُنْت بِحَمْدِ اللَّهِ أَغْلِبُهُمْ وَأَقْهَرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَحَدَّ جَدَلًا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مُمَوَّهٌ يَقْبَلُهُ الْقُلُوبُ وَكُنْت أُزِيلُ تَمْوِيهَهُمْ بِمَبْدَأِ الْكَلَامِ وَأَمَّا الرَّوَافِضُ وَأَهْلُ الْإِرْجَاءِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ فَكَانُوا بِالْكُوفَةِ أَكْثَرَ وَكُنْت قَهَرْتهمْ بِحَمْدِ اللَّهِ أَيْضًا وَكُنْت أَعُدُّ الْكَلَامَ أَفْضَلَ الْعُلُومِ وَأَرْفَعَهَا فَرَاجَعْت نَفْسِي بَعْدَمَا مَضَى لِي فِيهِ عُمْرٌ وَتَدَبَّرْت فَقُلْت إنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِّي اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ لَمْ يَكُنْ يَفُوتُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وَكَانُوا عَلَيْهِ أَقْدَرَ وَبِهِ أَعْرَفَ وَأَعْلَمَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ ثُمَّ لَمْ يَتَهَايَئُوا فِيهِ مُتَنَازِعِينَ وَلَا مُجَادِلِينَ وَلَمْ يَخُوضُوا فِيهِ بَلْ أَمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ وَنُهُوا أَشَدَّ النَّهْيِ وَرَأَيْت خَوْضَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ وَكَلَامَهُمْ فِيهِ، عَلَيْهِ تَجَالَسُوا وَإِلَيْهِ دَعَوْا وَكَانُوا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ وَالْمُنَازَعَةَ فِيهِ
стр. 9
وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِ الْمَبْسُوطِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ الِاعْتِزَالِ وَإِلَى سَائِرِ الْأَهْوَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَيَتَنَاظَرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ السَّابِقِينَ وَتَبِعَهُمْ التَّابِعُونَ فَلَمَّا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أُمُورِهِمْ ذَلِكَ تَرَكْنَا الْمُنَازَعَةَ وَالْخَوْضَ فِي الْكَلَامِ وَرَجَعْنَا إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَشَرَعْنَا فِيمَا شَرَعُوا وَجَالَسْنَا أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ مَعَ أَنِّي رَأَيْت مَنْ يَنْتَحِلُ الْكَلَامَ وَيُجَادِلُ فِيهِ قَوْمًا لَيْسَ سِيمَاهُمْ سِيمَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْهَاجُهُمْ مِنْهَاجَ الصَّالِحِينَ رَأَيْتهمْ قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً أَفْئِدَتُهُمْ لَا يُبَالُونَ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ فَهَجَرْتهمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
قَوْلَهُ (وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ تَفَرَّقُوا أَوَّلًا عَلَى سِتِّ فِرَقٍ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْخَارِجِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُرْجِئَةِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً فَصَارَ الْكُلُّ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً عَلَى مَا عُرِفَ فَفِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَقَالُوا فِي قَوْمٍ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِالتَّحَرِّي فَوَقَعَ تَحَرِّي كُلِّ أَحَدٍ إلَى جِهَةٍ إنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إمَامِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ فِي زَعْمِهِ مُخْطِئٌ فَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ لَمَا صَحَّ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ صَلَّوْا كَذَلِكَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا حَكَمُوا بِفَسَادِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَقِّيَّةَ كُلِّ جِهَةٍ مُخْتَصَّةٌ بِمُتَحَرِّيهَا إذْ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ كُلَّ جِهَةٍ فِيهَا حَقٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ قُلْنَا إذَا كَانَ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ الْغَيْرُ الْحَقِّيَّةَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ غَيْرُ الْمُضْطَرِّ الْحِلَّ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ وَهَهُنَا اعْتَقَدَهُ مُخْطِئًا مُطْلَقًا فَأَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا لَمَا أَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ كَالْمُتَوَضِّئِ إذَا اقْتَدَى بِالْمُتَيَمِّمِ صَحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَإِنْ كَانَ جَوَازُ الْأَدَاءِ بِالتَّيَمُّمِ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَإِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مِيرَاثٍ قُسِّمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْوَرَثَةِ لَا آخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَارِثِ هُوَ شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ جَوْرٌ سَمَّى اجْتِهَادَ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَوْرًا وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُ لَمَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالْجَوْرِ وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ إنْ لَمْ آتِك غَدًا إنْ اسْتَطَعْت فَكَذَا إنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لِلْعُرْفِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ صُدِّقَ دِيَانَةً حَتَّى لَا يَحْنَث وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا بِجَوَازِ إمَامَةِ الْفَاسِقِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِكُفْرِ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَإِمَامَةُ الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ وَلِمَذْهَبِ الرَّافِضَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لِصِحَّةِ الْإِمَامَةِ الْإِمَامَ الْمَعْصُومَ وَقَالُوا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ وَقَالُوا بِفَرْضِيَّةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الرَّوَافِضِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك
стр. 10
وَأَنَّهُمْ قَالُوا بِحَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِبْصَارِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ وَحَقِّيَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ وَحَقِّيَّةِ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْيَوْمَ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهَذَا فَصْلٌ يَطُولُ تَعْدَادُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك مِنْ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى التَّمَكُّنِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ بِقَوْلِهِ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ الْعَقْدِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ﵏ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْعِزِّ بِالْعَرْشِ وَيُوهِمُ حُدُوثَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَالْحَدِيثُ شَاذٌّ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْحَلِفِ بِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الذَّاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَأَنَّهُ مِنْ إيمَانِ السَّفَلَةِ أَيْ الْجَهَلَةِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ بِمَعْنَى الْعُضْوِ الْجَارِحَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ أَيْضًا.
وَقَالُوا إذَا ارْتَكَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّطْهِيرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَنَدَمٍ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي سَرِقَةِ الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَضُرُّ ذَنْبٌ مَعَ الْإِيمَانِ كَمَا لَا يَنْفَعُ طَاعَةٌ مَعَ الْكُفْرِ وَبَنَوْا مَسَائِلَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَفِيهَا رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُجْبِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَخَصَّ نَفْيَ الِاعْتِزَالِ عَنْهُمْ بِالذِّكْرِ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَّمَ نَفْيَ جَمِيعِ الْأَهْوَاءِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ هُمْ الْمُدَّعُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّهُمْ قَالُوا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَسَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى حَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّيَّةِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُءُوسِهِمْ بِلَا شَبِيهٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ، وَحَقِّيَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَإِعَادَةُ الرُّوحِ إلَى الْعَبْدِ فِي قَبْرِهِ حَقٌّ وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ حَقٌّ كَائِنٌ وَعَذَابُهُ حَقٌّ كَائِنٌ لِلْكُفَّارِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ وَلِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت أَبِي عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَقُّ هُوَ فَقَالَ هُوَ حَقٌّ أَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَحَقِّيَّةُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَعْنِي أَقَرُّوا بِخَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِأَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ كَذَا ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَمُوتُ الْحُورُ أَبَدًا وَلَا يَفْنَى عَذَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا ثَوَابُهُ سَرْمَدًا، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ بَعْدَمَا طَالَ مُنَاظَرَتُهُمَا وَظَهَرَ مُكَابَرَتُهُ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ، وَهُوَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ رَئِيسُ الْجَبْرِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِمَوْجُودَتَيْنِ الْيَوْمَ.
وَإِنَّمَا تُخْلَقَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَذَا سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا أَنَّهُمَا مَعَ أَهَالِيِهِمَا تَفْنَيَانِ، وَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ دُونَ الْإِقْرَارِ وَأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ الْعِبَادَ فِيمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالشَّجَرَةِ تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ وَالْإِنْسَانُ مُجْبَرٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ وَلَا اخْتِيَارَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْكِفَايَةِ وَتَسْمِيَتُهُ إيَّاهُ كَافِرًا إمَّا بِاعْتِبَارِ غُلُوِّهِ فِي هَوَاهُ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الشَّتْمِ، وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ وَالصِّرَاطِ وَالشَّفَاعَةِ كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]
стр. 11
وَ النَّوْعُ الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ وَهُوَ الْفِقْهُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: عِلْمُ الْمَشْرُوعِ بِنَفْسِهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي إتْقَانُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا وَضَبْطُ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى لَا يَصِيرَ نَفْسُ الْعِلْمِ مَقْصُودًا فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْأَوْجَهُ كَانَ فَقِيهًا
ــ
[كشف الأسرار]
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١] ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء: ٧١] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَقَوْلُهُ ﵇ «إنَّ الصِّرَاطَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى وَجْهِ جَهَنَّمَ أَوْ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ، وَهَذَا أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ الِاعْتِقَادُ بِهِ
[النَّوْع الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ وَهُوَ الْفِقْهُ]
قَوْلُهُ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ) ، وَهُوَ الْفِقْهُ سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ فَرْعًا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْأَدِلَّةِ الْكُلِّيَّةِ فِيهِ مِثْلُ كَوْنِ الْكِتَابِ حُجَّةً مَثَلًا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَعَلَى صِدْقِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ الرَّسُولُ ﵇، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَكَانَ هَذَا النَّوْعُ فَرْعًا لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إذْ الْفَرْعُ عَلَى مَا قِيلَ هُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، أَيْ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ كَانَ فِقْهًا، عِلْمُ الْمَشْرُوعِ بِنَفْسِهِ، أَيْ عِلْمُ الْأَحْكَامِ مِثْلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْهِيِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، إتْقَانُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، أَيْ أَحْكَامُ الْعِرْفَانِ بِذَلِكَ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ أَيْ ذَلِكَ الْإِتْقَانُ هُوَ، مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا، أَيْ مَعَ مَعَانِيهَا كَقَوْلِك دَخَلْت عَلَيْهِ بِثِيَابِ السَّفَرِ أَيْ مَعَهَا وَاشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِلِجَامِهِ وَسَرْجِهِ أَيْ مَعَهُمَا أَوْ مَعْنَاهُ مُلْتَبِسَةٌ بِمَعَانِيهَا وَكَانَتْ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةً مَوْقِعَ الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أَيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَعَانِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ وَالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تُسَمَّى عِلَلًا، وَكَانَ السَّلَفُ لَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْمَعْنَى أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ» أَيْ عِلَلٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إحْدَى بِلَفْظَةِ التَّأْنِيثِ وَثَلَاثٍ بِدُونِ الْهَاءِ، وَضَبْطُ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا أَيْ الْأُصُولِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذَا النَّوْعِ مَعَ فُرُوعِهَا مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] كِنَايَةٌ عَنْ الْحَدَثِ، فَهَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَيَعْرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عَنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ فَإِذَا أَتْقَنَ الْمَعْرِفَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَرَفَ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَمِثَالُ ضَبْطِ الْأَصْلِ بِفَرْعِهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الشَّكَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ فَإِذَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ وَقَدْ تَيَقَّنَ بِالْحَدَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ لَا نَفْسُهُ إذْ الِابْتِلَاءُ يَحْصُلُ بِهِ لَا بِالْعِلْمِ نَفْسِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْخَ قَسَّمَ نَفْسَ الْعِلْمِ أَوَّلًا ثُمَّ أَدْخَلَ الْعَمَلَ فِي قِسْمَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِّ الْعِلْمِ وَحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أَدْخَلَ الْعَمَلَ فِي التَّقْسِيمِ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْعِلْمُ الْمُنْجِي وَالنَّجَاةُ لَيْسَتْ إلَّا فِي انْضِمَامِ الْعَمَلِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْعَمَلَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ وَفِي هَذَا النَّوْعِ بِالْجَوَارِحِ مَعَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دُخُولَ الْعَمَلِ فِي التَّقْسِيمِ يَضُرُّ بِهِ لِأَنَّك إذَا فَسَّرْت الْحَيَوَانَ مَثَلًا بِأَنَّهُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَقَسَّمْته بِأَنَّهُ أَنْوَاعُ إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَكَذَا وَكَذَا ثُمَّ فَسَّرْت الْإِنْسَانَ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَدُخُولُ النُّطْقِ فِي التَّقْسِيمِ لَا يَضُرُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُغَايِرًا لِلْحَيَوَانِيَّةِ حَقِيقَةً لِوُجُودِ الْحَيَوَانِيَّةِ بِكَمَالِهَا مَعَ زِيَادَةِ قَيْدٍ فَكَذَا الشَّيْخُ قَسَّمَ الْعِلْمَ بِالنَّوْعَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ الْفِقْهُ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ الْمُنْضَمُّ إلَيْهِ الْعَمَلُ فَكَانَ صَحِيحًا
стр. 12
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى عِلْمَ الشَّرِيعَةِ حِكْمَةً فَقَالَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ الْحِكْمَةَ فِي الْقُرْآنِ بِعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَالَ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] أَيْ بِالْفِقْهِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةُ: فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ فَكَذَلِكَ مَوْضِعُ اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْفِقْهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِصِفَةِ الْإِتْقَانِ مَعَ اتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرْسَلْت فِيهَا قَرْمًا ذَا إقْحَامِ ... طِبًّا فَقِيهًا بِذَوَاتِ الْإِبْلَامِ
سَمَّاهُ فَقِيهًا لِعِلْمِهِ بِمَا يَصْلُحُ وَبِمَا لَا يَصْلُحُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَمَنْ حَوَى هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَانَ فَقِيهًا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهُوَ فَقِيهٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]
ــ
[كشف الأسرار]
مُسْتَقِيمًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ادَّعَى فَقَالَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ حِكْمَةً وَالْحِكْمَةُ لُغَةً اسْمٌ لِلْعِلْمِ الْمُتْقَنِ وَالْعَمَلِ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ ضِدَّهُ السَّفَهُ، وَهُوَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ مُوجِبِ الْعَقْلِ وَضِدُّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا وَعَنْ الْقَبَائِحِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَكَمَةِ الْفَرَسِ، وَهِيَ الَّتِي تَمْنَعُهُ عَنْ الْحِدَّةِ وَالْجَمُوحَةِ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ وَالْحَكِيمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي كُنْهُهَا مَا يَرُدُّ الْعَقْلَ مِنْ الْخَوْضِ فِي مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَبَانِي الْعُبُودِيَّةِ فَلَأَنْ يَعُودَ الْعَقْلُ مُعْتَرِفًا بِقُصُورِهِ أَحْمَدُ لَهُ مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِإِرْبِهِ فِي أُمُورِهِ وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ كَأَنَّهُ قَالَ فَقَدْ أُوتِيَ أَيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ وَالْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ تَعِظُهُ أَنَّك تُنَاصِحُهُ بِهَا وَتَقْصِدُ نَفْعَهُ فِيهَا وَوَصَفَ الْمَوْعِظَةَ بِالْحُسْنِ دُونَ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْعِظَةَ رُبَّمَا آلَتْ إلَى الْقُبْحِ بِأَنْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَوَقْتِهَا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ» فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَحَسَنَةٌ أَيْنَمَا وُجِدَتْ إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَوْلِ الصَّوَابِ وَالْفِعْلِ الصَّوَابِ.
قَوْلُهُ (قَالَ الشَّاعِرُ) ، وَهُوَ رُؤْبَةُ أَرْسَلْت فِيهَا أَيْ فِي النُّوقِ وَكَلِمَةُ فِي لِبَيَانِ مَوْضِعِ الْإِرْسَالِ وَمَحَلُّهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] لَا لِتَعْدِيَةِ الْإِرْسَالِ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ تَعَدَّى إلَيْهِ بِإِلَى، وَالْقَرْمُ الْبَعِيرُ الْمُكَرَّمُ الَّذِي لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يُذَلَّلُ وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْفَحْلَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّيِّدِ قَرْمٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ، وَالْإِقْحَامُ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الشِّدَّةِ وَفِي تَاجِ الْمَصَادِرِ الْإِقْحَام در آوردن جيزي در جيزي بِعُنْفٍ وَالطِّبُّ هُوَ الْمَاهِرُ بِالضِّرَابِ وَالْأَبْلَامِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ بَلَمَةٍ يُقَالُ نَاقَةٌ بِهَا بَلَمَةٌ شَدِيدَةٌ إذَا اشْتَدَّتْ ضَبْعَتُهَا أَيْ رَغْبَتُهَا إلَى الْفَحْلِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ أَبْلَمَتْ النَّاقَةُ إذَا وَرِمَ حَيَاؤُهَا مِنْ شِدَّةِ الضَّبَعَةِ وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْبَيْتِ هُوَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ فِيهِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْفَقِيهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْفِقْهَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، فَمَنْ حَوَى أَيْ جَمَعَ.
هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ، كَانَ فَقِيهًا مُطْلَقًا أَيْ كَامِلًا تَامًّا، وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ يَجْمَعُهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى وَجْهٍ أَوْ وَجْهَيْنِ، فَهُوَ فَقِيهٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِوُجُودِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْحَقِيقَةِ دُونَ الْبَعْضِ وَيُسَمِّي الشَّيْخُ هَذَا النَّوْعَ حَقِيقَةً قَاصِرَةً قَوْلُهُ (وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ) أَيْ دَعَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ الْفِقْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِفَضَائِلِ الْفِقْهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ آيَةٍ وَحَدِيثٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْفَضَائِلَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وَقَوْلُهُ ﵇ «وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَلِلْعَالِمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ سُئِلَ عَنْ شِرَارِ الْخَلْقِ فَقَالَ اللَّهُمَّ غُفْرًا حَتَّى كُرِّرَ عَلَيْهِ فَقَالَ هُمْ الْعُلَمَاءُ السُّوءُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَثَبَتَ أَنَّ مُطْلَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا تَوْضِيحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» وَرَدَ فِيمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ
стр. 13
وَصَفَهُمْ بِالْإِنْذَارِ وَهُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» وَقَالَ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَأَمَّا مَنْ أَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ وَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فَهُوَ سُخْرَةُ الشَّيْطَانِ وَضَحِكَتُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي بَيَانِ تَبْدِيلِ أَسَامِي الْعُلُومِ أَنَّ النَّاسَ تَصَرَّفُوا فِي اسْمِ الْفِقْهِ فَخَصُّوهُ بِعِلْمِ الْفَتَاوَى وَالْوُقُوفِ عَلَى دَقَائِقِهَا وَعِلَلِهَا وَاسْمُ الْفِقْهِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَانَ مُنْطَلِقًا عَلَى عِلْمِ الْآخِرَةِ وَمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ آفَاتِ النُّفُوسِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْآخِرَةِ وَحَقَارَةِ الدُّنْيَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَالْإِنْذَارُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعِلْمِ دُونَ تَفَارِيعِ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَفْقَهُ الْعَبْدُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي ذَاتِ اللَّهِ» وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا وَسَأَلَ فَرْقَدُ السِّنْجِيُّ الْحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَهُ فَقَالَ إنَّ الْفُقَهَاءَ يُخَالِفُونَك فَقَالَ الْحَسَنُ ثَكِلَتْك أُمُّك فُرَيْقِدُ وَهَلْ رَأَيْت فَقِيهًا بِعَيْنِك إنَّمَا الْفَقِيهُ هُوَ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ الْبَصِيرُ بِذَنْبِهِ الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ الْوَرِعُ الْكَافُّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ اسْمُ الْفِقْهِ مُتَنَاوِلًا لِهَذِهِ الْعُلُومِ وَلِلْفَتَاوَى أَيْضًا فَخُصَّ بِالْفَتَاوَى لَا غَيْرُ فَتَجَرَّدَ النَّاسُ بِهِ لِأَغْرَاضِ الْجَاهِ وَالِاسْتِتْبَاعِ اسْتِرْوَاحًا بِمَا جَاءَ فِي فَضِيلَةِ الْفِقْهِ قَوْله تَعَالَى.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] اللَّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ نَفِيرَ الْكَافَّةِ عَنْ أَوْطَانِهِمْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُمْكِنٌ وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ وَأَمْكَنَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَى مَفْسَدَةٍ لَوَجَبَ لِوُجُوبِ التَّفَقُّهِ عَلَى الْكَافَّةِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ فَلَوْلَا نَفَرَ أَيْ فَحِينَ لَمْ يُمْكِنْ نَفِيرُ الْكَافَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فَهَلَّا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ طَائِفَةٌ أَيْ مِنْ كُلِّ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ يَكْفُونَهُمْ النَّفِيرَ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ لِيَتَكَلَّفُوا الْفَقَاهَةَ فِيهِ وَيَتَجَشَّمُوا الْمَشَاقَّ فِي أَخْذِهَا وَتَحْصِيلِهَا وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ وَلِيَجْعَلُوا غَرَضَهُمْ وَمَرْمَى هِمَّتِهِمْ فِي التَّفَقُّهِ إنْذَارَ قَوْمِهِمْ وَإِرْشَادَهُمْ وَالنَّصِيحَةَ لَهُمْ لَا مَا يَنْتَحِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ وَتَؤُمُّونَهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ الرَّكِيكَةِ مِنْ التَّصَدُّرِ وَالتَّرَؤُّسِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الْبِلَادِ وَالتَّشَبُّهِ بِالظَّلَمَةِ فِي مَلَابِسِهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَمُنَافِسَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَفُشُوِّ دَاءِ الضَّرَائِرِ بَيْنَهُمْ وَانْقِلَابِ حَمَالِقَ أَحَدِهِمْ إذَا لَمَحَ بِبَصَرِهِ مَدْرَسَةً لِآخَرَ أَوْ شِرْذِمَةً جَثَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَهَالُكَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَوْطِئَ الْعَقِبِ دُونَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَمَا أَبْعَدَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إرَادَةَ أَنْ يَحْذَرُوا اللَّهَ فَيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَعْدَمَا أُنْزِلَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ الْآيَاتِ الشِّدَادِ اسْتَبَقَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ آخِرِهِمْ إلَى النَّفِيرِ وَانْقَطَعُوا جَمِيعًا عَنْ اسْتِمَاعِ الْوَحْيِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْفِرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إلَى الْجِهَادِ وَيَبْقَى أَعْقَابُهُمْ يَتَفَقَّهُونَ حَتَّى لَا يَنْقَطِعُوا عَنْ التَّفَقُّهِ الَّذِي هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ لِأَنَّ الْجِدَالَ بِالْحُجَّةِ أَعْظَمُ أَثَرًا مِنْ الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ وَقَوْلُهُ لِيَتَفَقَّهُوا الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْفِرَقِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ الطَّوَائِفِ النَّافِرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ وَلِيُنْذِرَ الْفِرَقُ الْبَاقِيَةُ قَوْمَهُمْ النَّافِرِينَ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِمَا حَصَّلُوا فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِمْ مِنْ الْعُلُومِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ لِلطَّائِفَةِ النَّافِرَةِ
стр. 14
وَأَصْحَابُنَا هُمْ السَّابِقُونَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا وَالدَّرَجَةُ الْقُصْوَى فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُلَازَمَةِ الْقُدْوَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْمَدِينَةِ لِلتَّفَقُّهِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] لِأَنَّا نَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْآيَاتِ الَّتِي تُوجِبُ نَفَرَ الْكُلِّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَوْ هِيَ نَازِلَةٌ حَالَ كَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَتِلْكَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ أَوْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ هُجُومِ الْعَدُوِّ وَتِلْكَ عَلَى حَالَةِ الْهُجُومِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَالْإِنْذَارُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يُنْذَرُ بِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا كَمَنْ أَشَارَ إلَى طَعَامٍ لَذِيذٍ وَقَالَ لَا تَأْكُلُوهُ، فَإِنَّهُ مَسْمُومٌ ثُمَّ أَخَذَ فِي أَكْلِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِنْذَارِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْفُقَهَاءَ بِالْإِنْذَارِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أُنْذِرُوا بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ وَالْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ أَقْوَامًا عَلَى الْإِنْذَارِ بِدُونِ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وَبِقَوْلِهِ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَقَدْ حَرَّضَهُمْ هَهُنَا عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ أَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فِقْهًا فَهِمَ وَفَقِهَ فَقَاهَةً إذَا صَارَ فَقِيهًا
قَوْلُهُ (وَأَصْحَابُنَا) أَيْ أَصْحَابُ مَذْهَبِنَا وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَصْحَابُهُ، هُمْ السَّابِقُونَ أَيْ الْمُتَقَدِّمُونَ، فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ الْفِقْهِ ذَكَرَ ضَمِيرَ الْفَصْلِ لِيَدُلَّ عَلَى نَوْعِ تَخْصِيصٍ وَحَصْرٍ أَيْ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالسَّبْقِ فِيهِ لَا غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُمْ أَحَدٌ فِي تَخْرِيجِ الْمَسَائِلِ وَتَصْحِيحِ الْأَجْوِبَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ غَايَتَهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي تِلْكَ، وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا أَيْ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي لَا مَنْزِلَةَ فَوْقَهَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْوَى تَأْنِيثُ الْأَعْلَى وَالْأَقْصَى، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُقْلَبَ وَاوُ الْقُصْوَى يَاءً كَوَاوِ الْعُلْيَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَوَاوُ فُعْلَى تُقْلَبُ يَاءً فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَاوِ أَيْضًا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ عَلَى سَبِيلِ الشُّذُوذِ كَمَا جَاءَتْ بِالْيَاءِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ، وَإِذَا كَانَتْ اللَّامُ وَاوًا فِي فُعْلَى، فَإِنَّهَا تُقْلَبُ فِي الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ إلَى الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مِثْلُ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْيَا وَقَدْ قَالُوا الْقُصْوَى فَجَاءَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا جَاءَ قَوِدَ وَاسْتَحْوَذَ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ الْقُصْوَى كَالْقَوْدَى فِي مَجِيئِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ جَاءَ الْقُصْيَا إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُصْوَى أَكْثَرُ كَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ اسْتَصْوَبَ مَعَ مَجِيءِ اسْتَصَابَ وَأَغْلَيْت مَعَ غَالَتْ، الرَّبَّانِيُّ فِي الْمُتَأَلِّهِ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْكَشَّافِ الرَّبَّانِيُّ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ كَاللِّحْيَانِيِّ وَالنُّورَانِيِّ وَقَدْ جَاءَ رَبَّى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَالْقِيَاسُ هُوَ الْفَتْحُ وَالْبَاقِي مِنْ تَغَيُّرَاتِ النَّسَبِ، وَالْقُدْوَةُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ
стр. 15
وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي أَمَّا الْمَعَانِي فَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ حَتَّى سَمَّوْهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ اسْمٌ لِلْفِقْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَهُمْ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
كَالْأُسْوَةِ مِنْ الْايتِسَاءِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَيُقَالُ فُلَانٌ قُدْوَةٌ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَازِمُونَ طَرِيقَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ فِي أَخْذِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ ثُمَّ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْقِيَاسِ وَيَسْلُكُونَ نَهْجَهُمْ وَلَا يَخْتَرِعُونَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مَا يُخَالِفُ طَرِيقَتَهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِنْبَاطِهَا.
قَوْلُهُ (وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي) وَلَمَّا طَعَنَ الْخُصُومُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ﵏ أَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ الرَّأْيِ دُونَ الْحَدِيثِ يَعْنُونَ بِهِ أَنَّهُمْ وَضَعُوا الْأَحْكَامَ بِاقْتِضَاءِ آرَائِهِمْ فَإِنْ وَافَقَ الْحَدِيثُ رَأْيَهُمْ قَبِلُوهُ وَإِلَّا قَدَّمُوا رَأْيَهُمْ عَلَى الْحَدِيثِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَعْنَهُمْ بِقَوْلِهِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ الْمُصَنِّفَ ﵀ نَاظَرَ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي أَلْوَانِ تَحْصِيلِهِ بِبُخَارَى بِإِشَارَةِ أَخِيهِ شَيْخِ الْأَنَامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَأَفْحَمَهُ فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ الْمَعَانِيَ قَدْ تَيَسَّرَتْ لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَكِنْ لَا مُمَارَسَةَ لَهُمْ بِالْحَدِيثِ فَبَلَغَ الشَّيْخَ فَرَدَّهُ فِي هَذَا التَّصْنِيفِ وَقَالَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي أَمَّا الْمَعَانِي فَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ أَيْ سَلَّمُوهَا لَهُمْ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا أَمَّا إجْمَالًا؛ فَلِأَنَّهُمْ سَمَّوْهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ تَعْبِيرًا لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَمَّوْهُمْ بِذَلِكَ لِإِتْقَانِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْمَعَانِي مِنْ النُّصُوصِ لِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ وَدِقَّةِ نَظَرِهِمْ فِيهَا وَكَثْرَةِ تَفْرِيعِهِمْ عَلَيْهَا وَقَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فَنَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إلَى الْحَدِيثِ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ إلَى الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ هُوَ نَظَرٌ الْقَلْبِ يُقَالُ رَأَى رَأْيًا بَدَلُ ديد وَرَأَى رُؤْيَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ بخواب ديد وَرَأَى رُؤْيَةً بجشم ديد وَفِي الْمُغْرِبِ الرَّأْيُ مَا ارْتَأْهُ الْإِنْسَانُ وَاعْتَقَدَهُ وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اجْتَمَعْت مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَلَسْنَا أَوْقَاتًا وَكَلَّمْته فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَفْقَهَ مِنْهُ وَلَا أَغْوَصَ مِنْهُ فِي مَعْنَى وَحُجَّةٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَتَفَقَّهَ بِهَا وَعَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الشَّافِعِيَّ ﵀ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَلْزَمْ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَاَللَّهِ مَا صِرْت فَقِيهًا إلَّا بِاطِّلَاعِي فِي كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ لَحِقْته قَدْ لَازَمْت مَجْلِسَهُ وَبَلَغَ ابْنَ سُرَيْجٍ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُ وَقَالَ يَا هَذَا أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ سَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمْ الرُّبْعَ قَالَ كَيْفَ ذَاكَ فَقَالَ الْعِلْمُ قِسْمَانِ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ وَأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسَائِلَ فَسُلِّمَ لَهُ النِّصْفُ ثُمَّ أَجَابَ فِيهَا وَوَافَقُوهُ فِي النِّصْفِ أَوْ أَكْثَرَ فَسُلِّمَ لَهُ الرُّبْعُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا خَالَفُوهُ فِي الْبَاقِي، وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمْ ذَلِكَ فَبَقِيَ الرُّبْعُ مُتَنَازَعًا فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَهُمْ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا أَمَّا تَفْصِيلًا فَلِمَا رُوِيَ عَنْ حَيِّ بْنِ آدَمَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ فِي الْحَدِيثِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا كَمَا فِي الْقُرْآنِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ جَمَعَ حَدِيثَ أَهْلِ بَلَدِهِ كُلِّهِ فَنَظَرَ إلَى آخِرِ مَا قُبِضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِهِ فَكَانَ فَقِيهًا وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: عَجَبًا لِلنَّاسِ يَقُولُونَ إنِّي أَقُولُ بِالرَّأْيِ وَمَا أُفْتِي إلَّا بِالْأَثَرِ وَعَنْ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْآثَارِ
стр. 16
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَوَّزُوا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِقُوَّةِ مَنْزِلَةِ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ وَعَمِلُوا بِالْمَرَاسِيلِ تَمَسُّكًا بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَرَأَوْا الْعَمَلَ بِهِ مَعَ الْإِرْسَالِ أَوْلَى مِنْ الرَّأْيِ، وَمَنْ رَدَّ الْمَرَاسِيلَ فَقَدْ رَدَّ كَثِيرًا مِنْ السُّنَّةِ وَعَمِلَ بِالْفَرْعِ بِتَعْطِيلِ الْأَصْلِ وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ عَلَى الْقِيَاسِ وَقَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ نَصْرٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ عِنْدِي صَنَادِيقُ مِنْ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجْت مِنْهَا إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ لِلْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَعَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقِيهًا مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ وَاسِعَ الْمَالِ صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَثِيرَ الصَّمْتِ هَارِبًا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اتَّبَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَوْلٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَخَذَ بِهِ وَإِلَّا قَاسَ فَأَحْسَنَ الْقِيَاسَ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ (أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ) أَبُو حَنِيفَةَ وَأَمْثَالُهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْهِدُ جَهْدَهُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ عَلَى السُّنَّةِ فَلَا يُفَارِقُهَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَعَادِي السُّنَّةِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْخُصُومَاتِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ.
وَأَمَّا إجْمَالًا فَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَالْمُرْسَلُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ مَا يَرْوِيهِ التَّابِعِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ، وَالْمَرَاسِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ كَالْمَنَاكِيرِ لِلْمُنْكَرِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، تَمَسُّكًا بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، السُّنَّةُ أَعَمُّ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ وَالْقَوْلَ وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِالْقَوْلِ.
وَقِيلَ إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَامَّ قَدْ خُصَّ مِنْهُ فَأَكَّدَهُ بِذِكْرِ الْحَدِيثِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا، وَرَأَوْا أَيْ اعْتَقَدُوا الْعَمَلَ بِهِ أَيْ بِالْمُرْسَلِ مَعَ صِفَةِ الْإِرْسَالِ، أَوْلَى مِنْ الرَّأْيِ، أَيْ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، كَثِيرًا مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَرَاسِيلَ فَبَلَغَ دَفْتَرًا قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَعُمِلَ بِالْفَرْعِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، بِتَعْطِيلِ الْأَصْلِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِهِ يَعْنِي عَمِلَ بِالْقِيَاسِ مُعَطِّلًا لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مُقَرِّرًا لِلْأَصْلِ لَا مُعَطِّلًا لَهُ، وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِرِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، عَلَى الْقِيَاسِ، حَتَّى قَدَّمُوا رِوَايَةَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوَّضَةِ وَقَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لِاحْتِمَالِ السَّمَاعِ مِنْ الرَّسُولِ عَلَى مَا يُعْرَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ وَأَبْوَابِ النَّسْخِ، وَإِذَا أَثْبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ الْمَتْنِ وَمَعَ ذَلِكَ قَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَرِوَايَةَ الْمَجْهُولِ عَلَى الْقِيَاسِ فَلَوْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْحَدِيثَ فِي صُورَةِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثٍ آخَرَ ثَابِتٍ عِنْدَهُمْ يُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ أَوْ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي الْكُتُبِ الطِّوَالِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّأْيُ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى السُّنَّةِ كَمَا ظَنَّهُ الطَّاعِنُ فَكَلَّا قَوْلُهُ (لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ) أَيْ بِاسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِيهِ بِأَنْ يُدْرِكَ مَعَانِيَهُ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْأَحْكَامِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ وَالْأَخْذِ بِهِ إلَّا بِانْضِمَامِ الْحَدِيثِ إلَيْهِ، مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سُئِلَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَبِيَّيْنِ ارْتَضَعَا لَبَنَ شَاةٍ هَلْ ثَبَتَتْ بَيْنَهُمَا حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا ثَبَتَتْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ كُلُّ صَبِيَّيْنِ اجْتَمَعَا عَلَى ثَدْيٍ وَاحِدٍ حَرُمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَأَخْطَأَ لِفَوَاتِ الرَّأْيِ.
وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيَّيْنِ لَا بَيْنَ الشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ، وَسَمِعْت
стр. 17
وَلَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْحَدِيثَ أَوْ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَلَا يُحْسِنُ الرَّأْيَ فَلَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى وَقَدْ مَلَأَ كُتُبَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَمَنْ اسْتَرَاحَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَنْ بَحْثِ الْمَعَانِي وَنَكَلَ عَنْ تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ انْتَسَبَ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْكِتَابُ لِبَيَانِ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا وَتَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ شَيْخِي ﵀ أَنَّهُ قَالَ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يُوتِرُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ مَنْ اسْتَنْجَى فَلْيُوتِرْ، وَنَظِيرُ الثَّانِي أَنَّ الرَّأْيَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ نَجِسَةٍ كَمَا هِيَ لَيْسَتْ بِحَدَثٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَكِنْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهَا حَدَثٌ فَوَجَبَ تَرْكُهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِسْقَاءُ فِي الصَّوْمِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لَهُ بِمُقْتَضَى الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ وَالصَّوْمُ إنَّمَا يَفْسُدُ مِمَّا يَدْخُلُ لَكِنْ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ فَيُتْرَكُ الرَّأْيُ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ الْآخَرِ، وَلَا يَتَخَالَجَنَّ فِي وَهْمِك مَا وَقَعَ فِي وَهْمِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَسْتَقِيم الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ وَلَا الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ مُقْتَضٍ لِلدَّوْرِ فَيَكُونُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الدَّوْرِ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرًا إلَى الْآخَرِ كَمَا إذَا قِيلَ لَا يُوجَدُ الْخَمْرُ إلَّا بِالْعِنَبِ وَلَا الْعِنَبُ إلَّا بِالْخَمْرِ فَيَبْطُلُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إلَى الْحَدِيثِ وَلَا الْحَدِيثُ إلَى الرَّأْيِ وَلَكِنَّ افْتِقَارَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى الْآخَرِ فِي أَمْرٍ آخَرَ هُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْحَادِثَةِ كَعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يَفْتَقِرُ كُلُّ وَصْفٍ إلَى الْآخَرِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الدَّوْرِ فِي شَيْءٍ.
وَهُوَ كَمَا يُقَالُ لَا يَصِيرُ السُّكْرُ سَكَنْجَبِينًا إلَّا بِالْخَلِّ وَلَا يَصِيرُ الْخَلُّ كَذَلِكَ إلَّا بِالسُّكَّرِ فَكَانَ تَوَقُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي صَيْرُورَتِهِ سَكَنْجَبِينًا لَا فِي وُجُودِهِ فَكَذَا هَهُنَا فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَا الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَيْضًا وَلَيْسَ فِيهَا دَوْرٌ كَمَا تَرَى، يُقَالُ اسْتَرَاحَ فُلَانٌ بِزَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو أَيْ طَلَبَ رَاحَةَ نَفْسِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِزَيْدٍ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ عَمْرٍو وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» ، فَمَنْ اسْتَرَاحَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، أَيْ اكْتَفَى بِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ بَحْثِ الْمَعَانِي، وَنَكَلَ عَنْ تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ، أَيْ أَعْرَضَ مِنْ نَكَلَ عَنْ الْعَدُوِّ وَعَنْ الْيَمِينِ إذَا جَبُنَ، لِبَيَانِ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا، أَيْ مَعَ مَعَانِيهَا الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِثْلُ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَى تَمَامِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَتَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا، يَعْنِي بَيَّنَ فِيهِ الْأُصُولَ ثُمَّ بَنَى عَلَى كُلِّ أَصْلٍ فُرُوعَهُ مِمَّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِيهِ، عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ، قَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ كِتَابًا أَطْوَلَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَبَسَطَ فِيهِ الْكَلَامَ بَسْطًا، وَكَانَ فِي مُطَالَعَةِ شَيْخِي ﵀ فَوَعَدَ أَنَّ هَذَا التَّصْنِيفَ أَوْجَزَ مِنْهُ، وَمَا تَوْفِيقِي، مِنْ بَابِ إضَافَةِ الصَّدْرِ إلَى الْمَفْعُولِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ، فَإِنَّ التَّوْفِيقَ هَهُنَا مَصْدَرُ وُفِّقَ الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ لَا مَصْدَرُ وَفَّقَ أَيْ وَمَا كَوْنِي مُوَفَّقًا لِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِيمَا قَصَدْت مِنْ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَوُقُوعِهِ مُوَافِقًا لِرِضَاءِ اللَّهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَوْفَقَ رَبَّهُ فِي إمْضَاءِ الْأَمْرِ عَلَى سُنَنِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْيِيدَ فِي ذَلِكَ، وَالتَّوْفِيقُ جَعْلٌ الشَّيْءِ مُوَافِقًا لِلشَّيْءِ وَتَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ أَفْعَالَهُ الظَّاهِرَةَ مُوَافِقَةً لِأَوَامِرِهِ مَعَ بَقَاءِ اخْتِيَارِهِ فِيهَا وَأَنَّ نِيَّاتِ قَلْبِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا يُحِبُّهُ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي حِصَصِ الْأَتْقِيَاءِ، وَالتَّوَكُّلُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ مَعَ رِعَايَةِ الْأَسْبَابِ، وَالْإِنَابَةُ الْإِقْبَالُ إلَيْهِ. وَقِيلَ التَّوْبَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إلَى اللَّهِ وَالْأَوْبَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الطَّاعَةِ إلَيْهِ بِأَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَى طَاعَتِهِ بَلْ عَلَى فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَالْإِنَابَةُ
стр. 18
اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
ــ
[كشف الأسرار]
الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكَانَتْ أَعَمَّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، وَفِي تَقْدِيمِ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ عَلَى الْفِعْلِ أَشَارَ إلَى التَّخْصِيصِ كَمَا فِي إيَّاكَ نَعْبُدُ أَيْ أَخُصُّهُ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَأَخُصُّهُ بِالْإِقْبَالِ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَالْأَحْوَالِ
[أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ]
قَوْلُهُ (اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ إلَى قَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ) اعْلَمْ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ تَنْبِيهًا لِلسَّامِعِ عَلَى أَنَّ مَا يُلْقَى إلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ كَلَامٌ يَلْزَمُ حِفْظُهُ وَيَجِبُ ضَبْطُهُ فَيَتَنَبَّهُ السَّامِعُ لَهُ وَيُصْغِي إلَيْهِ وَيُحْضِرُ قَلْبَهُ وَفَهْمَهُ وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وَلَا يُضَيِّعُ الْكَلَامَ فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا حَسُنَ مَوْقِعُ وَاسْتَمِعْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] ، وَهُوَ كَمَا يُرْوَى عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ لِمُعَاذٍ ﵁ اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَك ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ» ، وَالْأُصُولُ هَهُنَا الْأَدِلَّةُ إذْ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِ وَمَرْجِعُ الْأَحْكَامِ إلَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَالشَّرْعُ الْإِظْهَارُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ إمَّا بِمَعْنَى الشَّارِعِ كَالْعَدْلِ وَالزَّوْرِ بِمَعْنَى الْعَادِلِ وَالزَّائِرِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَدِلَّةُ الشَّارِعِ أَيْ الْأَدِلَّةُ الَّتِي نَصَبَهَا الشَّارِعُ عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةٌ وَيَكُونُ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِضَافَةِ تَعْظِيمُ الْمُضَافِ كَقَوْلِك بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَالضَّرْبِ بِمَعْنَى الْمَضْرُوبِ وَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِ أَيْ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تُثْبِتُ الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةٌ وَيَكُونُ اللَّامُ لِلْجِنْسِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِضَافَةِ تَعْظِيمُ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِك أُسْتَاذِي فُلَانٌ وَكَقَوْلِنَا اللَّهُ إلَهُنَا وَمُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا أَيْ الْمَشْرُوعَاتُ الَّتِي تَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مُعَظَّمَةٌ يَلْزَمُ رِعَايَتُهَا وَيَجِبُ تَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ.
ثُمَّ الْمَشْرُوعُ يَتَنَاوَلُ الْعِلَلَ وَالْأَسْبَابَ وَالشُّرُوطَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْجَمِيعَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إثْبَاتِ مَا سِوَى الْأَحْكَامِ فَالْمَعْنَى مَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْمَشْرُوعَاتُ أَرْبَعَةٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُثْبِتُ الْجَمِيعَ أَوْ الْبَعْضَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامَ لَا غَيْرَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالْمَعْنَى الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْأَحْكَامُ أَرْبَعَةٌ، أَوْ هُوَ اسْمٌ لِهَذَا الدِّينِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا كَالشَّرِيعَةِ يُقَالُ شَرْعُ مُحَمَّدٍ كَمَا يُقَالُ شَرِيعَتُهُ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْفِقْهِ إلَى لَفْظِ الشَّرْعِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ سِوَى الْقِيَاسِ لَا تَخْتَصُّ بِالْفِقْهِ بَلْ هِيَ حُجَّةٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَفْظَةُ الشَّرْعِ أَعَمُّ وَيُطْلَقُ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ كَإِطْلَاقِهِ عَلَى فُرُوعِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الْآيَةَ فَيَكُونُ إضَافَةُ الْأُصُولِ إلَى الشَّرْعِ أَعَمَّ فَائِدَةً وَأَكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلْأُصُولِ، ثُمَّ قَدَّمَ الْكِتَابَ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ مُطْلَقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَأَعْقَبَهُ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا حُجَّةً ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ كَمَا سَتَعْرِفُ، وَأَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْهُمَا لِتَوَقُّفِ مُوجِبِيَّتِهِ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ الثَّلَاثَةَ مَعَ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهَا حُجَجٌ مُوجِبَةٌ لِلْأَحْكَامِ قَطْعًا وَلَا تَتَوَقَّفُ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ عَلَى شَيْءٍ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِ وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ ابْتِدَاءً كَانَ فَرْعًا لَهُ.
وَإِلَى هَذِهِ الْفَرْعِيَّةِ أَشَارَ
стр. 19
وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِقَوْلِهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ أَيْضًا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي مَحَلِّ الْقِيَاسِ بِدُونِهِ كَانَ أَصْلًا لِلْحُكْمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ فَلَمَّا كَانَ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ فِي الْأَصْلِ وَقَطْعِيَّتُهُ بِعَارِضٍ وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْأُصُولِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَبَعْدَ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا أَثَرُهُ فِي تَغْيِيرِ وَصْفِ الْحُكْمِ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ لَا فِي إثْبَاتِ أَصْلِهِ وَأَثَرُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأُصُولِ فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ؛ فَلِهَذَا وَجَبَ تَمْيِيزُهُ عَنْهَا، وَالِاسْتِنْبَاطُ اسْتِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ يُقَالُ نَبَطَ الْمَاءُ مِنْ الْعَيْنِ إذَا خَرَجَ وَالنَّبَطُ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ أَوَّلَ مَا تُحْفَرُ وَسُمِّيَ النَّبَطُ بِهَذَا الِاسْمِ لِاسْتِخْرَاجِهِمْ مِيَاهَ الْقِنَى فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَسْتَخْرِجُهُ الرَّجُلُ بِفَرْطِ ذِهْنِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالتَّدَابِيرِ فِيمَا يَعْضُلُ وَيُهِمُّ فَكَانَ فِي الْعُدُولِ عَنْ لَفْظِ الِاسْتِخْرَاجِ إلَى لَفْظِ الِاسْتِنْبَاطِ إشَارَةً إلَى الْكُلْفَةِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعْنَى مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي بِهَا عَظُمَتْ أَقْدَارُ الْعُلَمَاءِ وَارْتَفَعَتْ دَرَجَاتُهُمْ، فَإِنَّهُ،
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ
، وَإِلَى أَنَّ حَيَاةَ الرُّوحِ وَالدِّينِ بِالْعِلْمِ وَالْغَوْصِ فِي بِحَارِهِ كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْجَسَدِ وَالْأَرْضِ بِالْمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩] ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] .
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إلَّا الْعَالِمُونَ» الْحَدِيثَ، ثُمَّ مِثَالُ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْكِتَابِ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا قِيَاسًا عَلَى الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ الثَّابِتِ حُكْمُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] ، وَمِنْ السُّنَّةِ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ قِيَاسًا عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» الْحَدِيثَ، وَمِنْ الْإِجْمَاعِ سُقُوطُ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّزَةٍ قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْبَدَلِ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَوْجَبُوا قِيمَةَ الْوَلَدِ وَسَكَتُوا عَنْ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْبَدَنِ صَارَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِهَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، قَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ انْحِصَارِ الْأُصُولِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الْحُكْمَ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْوَحْيِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَتْلُوًّا، وَهُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِنَظْمِهِ الْإِعْجَازُ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْكِتَابُ وَالثَّانِي هُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالرَّأْيِ الصَّحِيحِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ رَأْيَ الْجَمِيعِ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقِيَاسُ وَالثَّانِي الِاسْتِدْلَالَاتُ الْفَاسِدَةُ.
وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَصَرَهَا بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَتْلُوًّا فَهُوَ الْكِتَابُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ السُّنَّةُ وَيَدْخُلُ فِيهَا أَقْوَالُ النَّبِيِّ وَأَفْعَالُهُ، وَالثَّانِي إنْ شُرِطَ فِيهِ عِصْمَةُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِقْرَاءِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمُوجِبَةَ لِلْأَصَالَةِ لَمْ تَقُمْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ حَصْرَهَا عَلَى الْأَرْبَعَةِ
стр. 20
أَمَّا الْكِتَابُ فَالْقُرْآنُ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ.
(أَمَّا الْكِتَابُ فَالْقُرْآنُ) اعْلَمْ أَنَّ الْحَدَّ وَنَعْنِي بِهِ الْمُعَرِّفَ لِلشَّيْءِ لَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَحَقِيقِيٌّ، فَاللَّفْظِيُّ هُوَ مَا أَنْبَأَ عَنْ الشَّيْءِ بِلَفْظٍ أَظْهَرَ عِنْدَ السَّائِلِ مِنْ اللَّفْظِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ مُرَادِفٍ لَهُ كَقَوْلِنَا الْعُقَارُ الْخَمْرُ وَالْغَضَنْفَرُ الْأَسَدُ لِمَنْ يَكُونُ الْخَمْرُ وَالْأَسَدُ أَظْهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْعُقَارِ وَالْغَضَنْفَرِ، وَالرَّسْمِيُّ هُوَ مَا أَنْبَأَ عَنْ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ لَهُ مُخْتَصٍّ بِهِ كَقَوْلِك الْإِنْسَانُ ضَاحِكٌ مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ عَرِيضُ الْأَظْفَارِ بَادِي الْبَشَرَةِ، وَالْحَقِيقِيُّ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَاهِيَّةِ تَمَامِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ كَقَوْلِك فِي جَسَدِ الْإِنْسَانِ هُوَ جِسْمٌ نَامٍ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ، فَالْأَوَّلَانِ مُؤْنَتُهَا خَفِيفَةٌ إذْ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمَا تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَوْ ذِكْرُ وَصْفٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْدُودُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْحَقِيقِيُّ فَمِنْ شَرَائِطِهِ أَنْ يُذْكَرَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْحَدِّ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفُصُولِ وَأَنْ يُذْكَرَ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ وَاحِدٌ وَأَنْ يُقَدَّمَ الْأَعَمُّ عَلَى الْأَخَصِّ وَأَنْ لَا يُذْكَرَ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ مَعَ وُجُودِ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَأَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْوَحْشِيَّةِ الْغَرِيبَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ الْبَعِيدَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْإِيجَازِ فَإِنْ أَتَى بِلَفْظٍ مُسْتَعَارٍ أَوْ مُشْتَرَكٍ وَعَرَفَ مُرَادَهُ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ فَلَا يَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ كَشَفَ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِذِكْرِ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ وَغَيْرُهُ تَزْيِينَاتٌ وَتَحْسِينَاتٌ فَلَا يُبَالِي بِتَرْكِهَا لَكِنْ مِنْ شَرْطِ الْجَمِيعِ الِاطِّرَادُ.
وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَالِانْعِكَاسُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا عُدِمَ الْحَدُّ عُدِمَ الْمَحْدُودُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا لَمَا كَانَ مَانِعًا لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ الْمَحْدُودِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَكِسًا لَمَا كَانَ جَامِعًا لِكَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ الْمَحْدُودِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِحَدٍّ حَقِيقِيٍّ سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ تَعْرِيفَ مَجْمُوعِ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ أَوْ تَعْرِيفُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْكِتَابِ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا حَتَّى دَخَلَ فِيهِ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ فِيهِ لِلْكِتَابَةِ فِي الْمُصْحَفِ وَالنَّقْلِ وَهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قُرْآنًا بِدُونِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِعْجَازِ وَهُوَ مَعْنًى ذَاتِيٌّ لِهَذَا الْكِتَابِ الْمَحْدُودِ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ حَدٌّ رَسْمِيٌّ وَأَحْسَنُ الْحُدُودِ الرَّسْمِيَّةِ مَا وُضِعَ فِيهِ الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ وَأُتِمَّ بِاللَّوَازِمِ الْمَشْهُورَةِ فَلَا جَرَمَ قَالَ فَالْقُرْآنُ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْقِرَاءَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ، أَيْ قِرَاءَتَهُ وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ هَهُنَا فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُقْرَأُ مِنْ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ الْمُنَزَّلِ عَنْ غَيْرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَعَنْ الْوَحْيِ الَّذِي لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُنَزَّلِ مَا أُنْزِلَ نَظْمُهُ وَمَعْنَاهُ وَالْوَحْيُ الَّذِي لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ لَمْ يُنَزَّلْ إلَّا مَعْنَاهُ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَمَّا أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ أَوْ نَحْوِهَا.
وَبِقَوْلِهِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ عَمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَتْ أَحْكَامُهُ مِثْلُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، وَبِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا عَمَّا اخْتَصَّ بِمِثْلِ مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّا نُقِلَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ نَحْوُ قَوْلِهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ، وَبِقَوْلِهِ بِلَا شُبْهَةٍ عَمَّا اخْتَصَّ بِمِثْلِ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مِمَّا نُقِلَ بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْجَصَّاصِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَشْهُورَ أَحَدَ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا احْتِرَازًا عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ بِلَا شُبْهَةٍ تَأْكِيدًا، وَهَذَا
стр. 21
الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِلَا شُبْهَةٍ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَوْضِعُ صَالِحٌ لِلتَّأْكِيدِ لِقُوَّةِ شَبَهِ الْمَشْهُورِ بِالْمُتَوَاتِرِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ هَذَا تَعْرِيفَ الْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِعْجَازِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لَا عَلَى كَوْنِهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يُتَصَوَّرُ الْإِعْجَازُ بِمَا لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّقْوِيم؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ لَيْسَ بِمُعْجِزٍ، وَهُوَ مِنْ الْكِتَابِ كَذَا قِيلَ؛ وَلِأَنَّ أَصَالَتَهُ لِلْأَحْكَامِ وَكَوْنُهُ حُجَّةً فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ الْإِعْجَازِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَقِيلَ هُوَ حَدٌّ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ عَلَمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ كَالتَّوْرَاةِ اسْمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلِ اسْمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى عِيسَى ﵉ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَمَّا الْكِتَابُ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقُرْآنِ وَأَنَّهُ.
وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَكِنَّهُ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَوْضَحُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ الْكِتَابِ؛ فَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِهِ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَبِالْمَكْتُوبِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ لَا عَنْ الْوَحْيِ الْغَيْرِ الْمَتْلُوِّ كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ بِدَاخِلٍ لِيَجِبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَالْبَاقِي عَلَى مَا فَسَّرْنَا فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ قَيْدٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ هَذَا تَعْرِيفًا لِلْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقُرْآنُ حَقِيقَةً وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ اسْمَ الْقُرْآنِ حَقِيقَةً لِلْبَعْضِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ لِلْكُلِّ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَعْرِيفًا لَفْظِيًّا لِلْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرَكِ عُمُومٌ عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هَذَا تَحْدِيدٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لِلْمُصْحَفِ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ دَوْرٌ أَوْ هُوَ بَاطِلٌ، قُلْت لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَافَ لُغَةً جَمْعُ الصَّحَائِفِ فِي شَيْءٍ لَا جَمْعَ صَحَائِفِ الْقُرْآنِ لَا غَيْرَ يُقَالُ أَصْحَفَ أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ الصُّحُفُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُصْحَفُ حَقِيقَتُهُ مَجْمَعُ الصُّحُفِ وَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً لَهُمْ قَبْلَ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ بَلْ قَبْلَ إنْزَالِ الْقُرْآنِ؛ وَلِكَوْنِ مَعْنَاهُ مَعْلُومًا سَمَّوْهُ مُصْحَفًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي صَحَائِفَ أَوَّلًا فَجَمَعُوهُ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَسَمَّوْهُ بِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ بِهَذَا الِاسْمِ إذَا وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنِّي قَدْ رَأَيْت دَفَاتِرَ مِنْ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ الْأَوَّلُ الْمُصْحَفُ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ احْتِرَازًا عَمَّا لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْقُرْآنِ أَصْلًا إنْ جَازَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِثْلُ مَا ارْتَفَعَ بِالنِّسْيَانِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْمُصْحَفُ عَلَى الْمَعْهُودِ وَأَنْ يُمْنَعَ لُزُومُ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ، فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلْكِتَابِ وَتَوَقُّفُ وُجُودِ الْمُصْحَفِ فِي الذِّهْنِ عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْلُومٌ عِنْدَ السَّامِعِ مُتَصَوَّرٌ فِي ذِهْنِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكِتَابُ مَعْلُومًا لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقُرْآنُ مَعْلُومًا لَهُ لَمَا صَحَّ جَعْلُ الْقُرْآنِ مَطْلَعَ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ الْمَذْكُورُ عَلَى تَعْرِيفِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ الْقُرْآنُ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّاتِ الْمَصَاحِفِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَصَاحِفِ مَا جَمَعَتْهُ الصَّحَابَةُ مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ فِي الْمُصْحَفِ فَيَنْدَفِعُ
стр. 22
، وَهُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا
ــ
[كشف الأسرار]
الدَّوْرُ.
فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى اطِّرَادِ هَذَا الْحَدِّ التَّسْمِيَةُ سِوَى الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الْحَدِّ وَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا جَوَازُ الصَّلَاةِ وَلَا حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَمَنْ أَنْكَرَهَا لَا يَكْفُرُ وَانْتِفَاءُ اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، قُلْنَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ عِنْدَنَا بَلْ هِيَ آيَةٌ مُنَزَّلَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِي الْمُصَلِّي يَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ وَيُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَفَصَلُوهَا عَنْ الثَّنَاءِ وَوَصَلُوهَا بِالْقِرَاءَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَمْرُ بِالْإِخْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَإِنَّهَا تُقْرَأُ تَبَرُّكًا كَالْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهَا كُتِبَتْ مَعَ الْقُرْآنِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ وَابْتِدَاءَ أُخْرَى حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ» وَكَذَا انْتَقَلَتْ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّاتِ الْمَصَاحِفِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ حَتَّى كَانُوا يُمْنَعُونَ مِنْ كِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ مَعَ الْقُرْآنِ وَمِنْ التَّعْشِيرِ وَالنَّقْطِ كَيْ لَا يَخْتَلِطَ بِالْقُرْآنِ غَيْرُهُ فَلَوْ أَبْدَعَ لَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ سُكُوتُ أَهْلِ الدِّينِ عَنْهُ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ فِي الدِّينِ لَا سِيَّمَا وَرَأْسُ السُّوَرِ يُكْتَبُ بِخَطٍّ يَتَمَيَّزُ عَنْ الْقُرْآنِ بِالْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ عَادَةً وَالتَّسْمِيَةُ تُكْتَبُ بِخَطِّ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ فَيُحِيلُ الْعَادَةُ السُّكُوتَ عَلَى مَنْ يُبْدِعُهَا لَوْلَا أَنَّهُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَكِنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ لَمَّا لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهَا مِنْ السُّورَةِ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَأَئِمَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي كَوْنِهَا مِنْ السُّورَةِ وَأَدْنَى أَحْوَالِ الِاخْتِلَافِ الْمُعْتَبَرِ إيرَاثُ الشَّبَهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ كَوْنُهَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَحَدِيثُ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرْ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ وَكُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ بِهَا كَمَا تُكْتَبُ عَلَى صُدُورِ الْكُتُبِ وَتُذْكَرُ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ ذِي خَطَرٍ لَا لِكَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِهِ يَمْنَعُ الْإِكْفَارَ.
وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَقَدْ ذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِهَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً شُبْهَةٌ إذْ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا إلَى رَأْسِ الْآيَةِ آيَةٌ تَامَّةٌ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي كَوْنِهَا آيَةً فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
وَأَمَّا جَوَازُ قِرَاءَتِهَا لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فَذَلِكَ عِنْدَ قَصْدِ التَّيَمُّنِ كَمَا جَازَ لَهُمَا قِرَاءَةُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] عَلَى قَصْدِ الشُّكْرِ فَأَمَّا عِنْدَ قَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَلَا؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ حُرْمَةَ قِرَاءَتِهَا عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ (وَهُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا) إلَى قَوْلِهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْ الْمَبْسُوطِ، أَرَادَ بِالنَّظْمِ الْعِبَارَاتِ وَبِالْمَعْنَى مَدْلُولَاتِهَا، ثُمَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ الَّذِي مَعْنَاهُ الرَّمْيُ يُقَالُ لَفَظَ النَّوَى أَيْ رَمَاهُ وَلَفَظَتْ الرَّحَى بِالدَّقِيقِ أَيْ رَمَتْ بِهِ إلَى ذِكْرِ النَّظْمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَتَعْظِيمٍ لِعِبَارَاتِ الْقُرْآنِ، وَفِي تَعْرِيفِ الْخَاصِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرَ اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ لَا مِنْ حَيْثُ، إنَّهُ خَاصُّ الْقُرْآنِ
стр. 23
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يَجِبُ فِيهِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ، وَالْمُرَادُ مِنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ جُمْهُورُهُمْ وَمُعْظَمُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِدَلِيلِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدَهُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَعَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا فَرْضٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَرَدَّ الشَّيْخُ ﵀ ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى فَسَادِهِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَنَا أَيْ الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ مَذْهَبَهُ مِثْلُ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ فِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا.
وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّاعِمُ بِقَوْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَبْنَى النَّظْمِ عَلَى التَّوْسِعَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ خُصُوصًا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ إذْ هِيَ حَالَةُ الْمُنَاجَاةِ، وَكَذَا مَبْنَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى التَّيْسِيرِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُقْتَدِي بِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ عِنْدَنَا وَبِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ مُخَالِفِنَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالرُّكْنِ الْأَصْلِيّ وَهُوَ الْمَعْنَى، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ نَزَلَ أَوَّلًا بِلُغَةِ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهَا أَفْصَحُ اللُّغَاتِ فَلَمَّا تَعَسَّرَ تِلَاوَتُهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ نَزَلَ التَّخْفِيفُ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَذِنَ فِي تِلَاوَتِهِ بِسَائِرِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَسَقَطَ وُجُوبُ رِعَايَةِ تِلْكَ اللُّغَةِ أَصْلًا وَاتَّسَعَ الْأَمْرُ حَتَّى جَازَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا بِلُغَتِهِمْ وَلُغَةِ غَيْرِهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا كَافٍ شَافٍ» فَلَمَّا جَازَ لِلْعَرَبِيِّ تَرْكُ لُغَتِهِ إلَى لُغَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ حَتَّى جَازَ لِلْقُرَشِيِّ أَنْ يَقْرَأَ بِلُغَةِ تَيْمٍ مَثَلًا مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى لُغَةِ نَفْسِهِ جَازَ لِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا تَرْكُ لُغَةِ الْعَرَبِ مَعَ قُصُورِ قُدْرَتِهِ عَنْهَا وَالِاكْتِفَاءُ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ سُقُوطَ لُزُومِ النَّظْم عِنْدِهِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالسَّلَمِ وَسُقُوطِ شَطْرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ اللُّزُومُ أَصْلًا فَاسْتَوَى فِيهِ حَالُ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ خَاصَّةً تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ حَتَّى يَكْفُرَ كَوْنُ مَنْ أَنْكَرَ النَّظْمَ مُنَزَّلًا
١ -
وَحُرْمَةَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَحُرْمَةَ الْمُدَاوَمَةِ وَالِاعْتِيَادِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ النَّظْمُ لَازِمٌ كَالْمَعْنَى، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَحُرْمَةُ مَسِّ مُصْحَفٍ كُتِبَ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ عَلَى اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهَا رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ وَمَا ذَكَرْنَا جَوَابُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَالشَّيْخُ ﵀ بَنَى عَلَى أَصْلِهِمْ لَا عَلَى مُخْتَارِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ النَّظْمَ إنْ فَاتَ فَالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ قَائِمٌ فَيَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ احْتِيَاطًا لَا عَلَى أَنَّ النَّظْمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلْقُرْآنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا اخْتِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَسْتَقِمْ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّظْمَ عِنْدَهُمَا كَالْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: جَوَازُ الصَّلَاةِ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمُنَزَّلِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ قِيَاسًا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي حَقِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَعْنِي حُرْمَةَ التِّلَاوَةِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ وَالْمَعْنَى حَتَّى لَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ بِالْفَارِسِيَّةِ جَازَ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ مِنْ أَرْكَانِ
стр. 24
وَجَعْلُ الْمَعْنَى رُكْنًا لَازِمًا وَالنَّظْمِ رُكْنًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ رُخْصَةٌ بِمَنْزِلَةِ التَّصْدِيقِ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ وَالْإِقْرَارُ رُكْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ــ
[كشف الأسرار]
الصَّلَاةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مُشَارَكَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ مُطْلَقُ السُّجُودِ فَيَجُوزُ أَنْ تُلْحَقَ بِالصَّلَاةِ بِوَاسِطَتِهَا وَرُكْنِيَّةُ النَّظْمِ قَدْ سَقَطَتْ فِي الصَّلَاةِ فَتَسْقُطُ فِيمَا أُلْحِقَ بِهَا، وَعَنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ الْمَكْتُوبَ أَوْ الْمَقْرُوءَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا فَيَحْرُمُ مَسُّهُ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ وَقِرَاءَتُهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَشْمَلُ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ وَقَدْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ بِكَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ غَيْرُ مُؤَوَّلَةٍ وَلَا مُحْتَمَلَةٍ لِلْمَعَانِي وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَخْتَلَّ نَظْمُ الْقُرْآنِ زِيَادَةَ اخْتِلَالٍ بِأَنْ قَرَأَ مَكَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] مَعِيشَةً تَنْكًا أَوْ مَكَانَ ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] سَزَاءً أَمَّا لَوْ قَرَأَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجْنُونًا أَوْ زِنْدِيقًا وَالْمَجْنُونُ يُدَاوَى وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ.
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَرُبَتْ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْفَصَاحَةِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَرَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَعَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
قَوْلُهُ (وَجَعَلَ الْمَعْنَى رُكْنًا لَازِمًا) إلَى قَوْلِهِ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْمَعْنَى لَازِمًا فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ لَا فِي حَالَةِ الْعَجْزِ وَالنَّظْمِ رُكْنًا قَابِلًا لِلسُّقُوطِ رُخْصَةً فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَمَا جَعَلَ التَّصْدِيقَ فِي الْإِيمَانِ لَازِمًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْإِقْرَارَ رُكْنًا زَائِدًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عِنْدَ الْعُذْرِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى فِيهِمَا؛ لِأَنَّ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى لَا يَفْتَرِقَانِ فِي السُّقُوطِ حَالَةَ الْعَجْزِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يَفْتَرِقُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ فِي اللُّزُومِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ؛ فَلِهَذَا وَجَبَ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى حَالَةَ الْقُدْرَةِ كَمَا وَجَبَ فِي الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، ثُمَّ الْغَرَضُ مِنْ إعَادَةِ قَوْلِهِ وَالنَّظْمِ رُكْنًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا تَحْقِيقُ كَوْنِهِ زَائِدًا بِإِتْمَامِ تَشْبِيهِ الرُّكْنَيْنِ بِالرُّكْنَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَسْمِيَةُ الْإِقْرَارِ رُكْنًا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ فَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَهُوَ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ تَسْمِيَةُ النَّظْمِ رُكْنًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ حَالَةَ الْقُدْرَةِ كَمَا لَا يُسْتَبْعَدُ تَسْمِيَةُ مَا هُوَ زَائِدٌ عَلَى أَصِلْ الْفَرْضِ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ رُكْنًا بَعْدَمَا صَارَ مَوْجُودًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ فِي الِابْتِدَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ لَمَّا جَازَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَعْنَى عِنْدَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قُرْآنًا إذْ لَا جَوَازَ لِلصَّلَاةِ بِدُونِ الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ مُتَنَاوِلًا لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ كِتَابَةِ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ فِي الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ بِالتَّوَاتُرِ وَمَا تَعَلَّقَ الْمَعْنَى بِهِ مِنْ الْعِبَارَةِ الْفَارِسِيَّةِ مَثَلًا لَيْسَ بِمَكْتُوبٍ فِي الْمُصْحَفِ وَلَا مَنْقُولٍ بِالتَّوَاتُرِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا أَوْ لَا يَكُونُ الْمَعْنَى بِدُونِ النَّظْمِ قُرْآنًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الصَّلَاةُ، قُلْنَا إنَّمَا جَازَ الِاكْتِفَاءُ عِنْدَهُ بِالْمَعْنَى إمَّا لِقِيَامِ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ قِيَامَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى أَوْ لِقِيَامِ الْعِبَارَةِ الْفَارِسِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْقُرْآنِ مَقَامَ النَّظْمِ الْمَنْقُولِ كَمَا
стр. 25
وَإِنَّمَا يُعْرَفُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ بِمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً وَالثَّانِي فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ وَالثَّالِثُ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ فَيَكُونُ النَّظْمُ الْمَكْتُوبُ الْمَنْقُولُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا وَحُكْمًا فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ وَيَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا وَيُفَسَّرُ قَوْلُهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِالْكِتَابَةِ وَالنَّقْلِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا أَوْ نَقُولُ هُوَ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْنَى بِدُونِ النَّظْمِ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْمَحْدُودِ بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَاهُ وَيُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وُجُوبُ رِعَايَةِ الْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ لِدَلِيلٍ لَاحَ لَهُ فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ.
[مَا يَعْرِف بِهِ أَحْكَامُ الشَّرْعِ أَرْبَعَة أَقْسَام]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً]
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ) أَيْ لَا يُعْرَفُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ أَوْ أَحْكَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى فَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْأَقْسَامِ لِتَحْصُلَ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ، أَيْ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَقْسَامُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ احْتِرَازًا عَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْحِكَمِ وَغَيْرِهَا إذْ هُوَ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ، وَلَا يُقَالُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ وُجُوبَ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ وَجَوَازَ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ عِبَارَاتِ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاحْتِرَازُ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْجَمِيعِ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَعْرِفَتُهَا بِالْجَمِيعِ بَلْ تَثْبُتُ بِبَعْضِ النُّصُوصِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَيَصِحُّ هَذَا الِاحْتِرَازُ قَوْلُهُ (الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ) وَجْهُ الشَّيْءِ طَرِيقُهُ يُقَالُ مَا وَجْهُ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ مَا طَرِيقُهُ.
وَقَدَّمَ النَّظْمَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْمَعْنَى مُقَدَّمٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْنَى طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا وَكَذَا قُدِّمَ الْمُفْرَدُ عَلَى الْمُرَكَّبِ لِهَذَا، صِيغَةً وَلُغَةً، قِيلَ لِكُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَادَّةِ تَرْكِيبِهِ وَمَعْنًى صِيَغِيٌّ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ هَيْئَتِهِ أَيْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَتَرْتِيبِ حُرُوفِهِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ اسْمٌ مِنْ الصَّوْغِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْهَيْئَةِ لَا فِي الْمَادَّةِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ حُرُوفِ ضَرَبَ اسْتِعْمَالُ آلَةِ التَّأْدِيبِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لَهُ وَمِنْ هَيْئَتِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَتَوَحُّدُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَتَذْكِيرُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ كُلُّ مَعْنًى بِاخْتِلَافِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَفَتَحَ وَيَضْرِبُ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ يَخْتَصُّ الْهَيْئَةُ بِمَادَّةٍ فَلَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَادَّةِ كَمَا فِي رَجُلٍ مَثَلًا، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ حُرُوفِهِ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ جَاوَزَ حَدَّ الْبُلُوغِ وَمِنْ هَيْئَتِهِ كَوْنُهُ مُكَبَّرًا غَيْرَ مُصَغَّرٍ وَوَاحِدٌ غَيْرُ جَمْعٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الْهَيْئَةُ فِي أَسَدٍ وَنِمْرٍ عَلَى شَيْءٍ وَفِي بَعْضِهَا كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ الْحُرُوفُ ثُمَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ دَلَالَةُ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ فِي الْخَاصِّ دَلَالَةُ حُرُوفِ أَسَدٍ مَثَلًا عَلَى الْهَيْكَلِ الْمَعْرُوفِ وَدَلَالَةُ هَيْئَتِهِ عَلَى تَوَحُّدِهِ وَكَوْنِهِ مُكَبَّرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ الْخَاصُّ عَنْ الْخُصُوصِ بِالتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَافْهَمْ، وَفِي الْعَامِّ دَلَالَةُ حُرُوفِ أَسَدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلَالَةُ هَيْئَتِهِ عَلَى تَكَثُّرِهِ وَعُمُومِهِ، وَفِي الْمُشْتَرَكِ دَلَالَةُ حُرُوفِ الْقُرْءِ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ الطُّهْرِ، وَدَلَالَةُ الْهَيْئَةِ عَلَى التَّوَحُّدِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا تَرَادُفٌ وَالْمَقْصُودُ تَقْسِيمُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ فَالشَّيْخُ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى مِثْلِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهَذَا الْفَنِّ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ النَّظْمِ نَفْسِهِ بِحَسَبِ تَوَحُّدِ مَعْنَاهُ وَتَعَدُّدِهِ،
وَالثَّانِي فِي تَقْسِيمِهِ
стр. 26
وَالرَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ وَالْمَعَانِي عَلَى حَسَبِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَإِصَابَةِ التَّوْفِيقِ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْمَعْنَى لِلسَّامِعِ وَخَفَائِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْبَيَانِ هَهُنَا إظْهَارُ الْمَعْنَى أَوْ ظُهُورُهُ لِلسَّامِعِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْبَيَانُ بِذَلِكَ النَّظْمِ،
وَالثَّالِثُ فِي تَقْسِيمِ النَّظْمِ بِحَسَبِ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا لَا بِالْوَضْعِ وَأَشَارَ إلَى جَانِبِ الْمُتَكَلِّمِ بِقَوْلِهِ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَإِلَى جَانِبِ اللَّفْظِ وَاتِّصَافِهِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِقَوْلِهِ: وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ،
وَالرَّابِعُ فِي وُجُوهِ الْوُقُوفِ أَيْ وُقُوفِ السَّامِعِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ، وَقِيلَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ أَقْسَامُ النَّظْمِ، وَهَذَا قِسْمُ الْمَعْنَى بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ النَّظْمَ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: فِي وُجُوهِ النَّظْمِ فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَذَكَرَ الْمَعَانِي فِي هَذَا الْقِسْمِ وَكَوْنُ الدَّلَالَةِ وَالِاقْتِضَاءِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ، وَكَذَا كَوْنُ الْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ، وَإِنْ كَانَتْ نَظْمًا إلَّا أَنَّ نَظَرَ الْمُسْتَدِلِّ إلَى الْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ إذْ الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ إبَاحَةَ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ مَثَلًا ثَبَتَ بِالْمَعْنَى الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لَا بِعَيْنِ النَّظْمِ إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ النَّظْمِ وَالْعِبَارَةِ سُمِّيَ الِاسْتِدْلَال بِهِ اسْتِدْلَالًا بِالْعِبَارَةِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْنَى الثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ فَصَلَحَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْنَى بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَقْسَامِ لِلنَّظْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَقْسَامِ لِلنَّظْمِ وَبَعْضُهَا لِلْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيَّنَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ لَهُ فَيَكُونُ الدَّلَالَةُ وَالِاقْتِضَاءُ رَاجِعَيْنِ إلَى الْمَعْنَى وَالْبَاقِي أَقْسَامُ النَّظْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّظْمُ، وَالْمَعْنَى دَاخِلَيْنِ فِي كُلِّ قِسْمٍ إذْ هُوَ فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا فَكَانَ الْخَاصُّ اسْمًا لِلنَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، وَكَذَا الْعَامُّ وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الدَّلَالَةَ وَالِاقْتِضَاءَ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا لَا يُفْهَمُ بِدُونِ اللَّفْظِ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ جَعَلَ مَعْرِفَةَ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَعَانِي مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْكِتَابِ وَفِيهِ تَسَاهُلٌ وَتَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ هِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي أَقْسَامِ الْكِتَابِ دُونَ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تُعَدَّ الْمَعَانِي بِدُونِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا جَعَلَ مَعْرِفَةَ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا مِنْ أَقْسَامِ الْكِتَابِ تَسَامُحًا، ثُمَّ ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ لِلْكَلَامِ مَعْنًى بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَمَعْنًى بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ وَتَقَرُّرًا عَلَى الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ أَوْ تَجَاوُزًا عَنْهُ بِحَسَبِ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَاسْتِعْمَالِهِ فَإِذَا قُلْت زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مَثَلًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَلَهُمَا جَمِيعًا مَعْنًى بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ إسْنَادُ الِانْطِلَاقِ إلَى زَيْدٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ بِحَسَبِ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَقْرِيرُهُ إيَّاهُمَا فِي مَوْضُوعِهِمَا فَبِقَوْلِهِ الْمُرَادُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْقِسْمِ وَبِقَوْلِهِ وَالْمَعَانِي إلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ.
مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا أَيْ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الْعَبْدِ، وَإِصَابَةِ التَّوْفِيقِ، مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ قَوْلُهُ ﷻ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] ، قِيلَ الْمَاءُ الْقُرْآنُ، نَزَلَ لِحَيَاةِ الْجَنَانِ، كَالْمَاءِ لِلْأَبْدَانِ، وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ يَخْتَلِفُ فِي ضِيقِهَا وَسِعَتِهَا وَأَصْلِهَا وَصِفَتِهَا، فَيُقَرُّ فِيهَا بِقَدَرِ إقْرَارِهَا وَالْيَقِينِ، وَتَوْفِيقِ رَبِّهَا وَالتَّلْقِينِ، مَا هُوَ أَصْفَى مِنْ الْمَاءِ الْمُعَيَّنِ، وَمِنْهُ قِيلَ:
جَمِيعُ الْعِلْمِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ
стр. 27
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُؤَوَّلُ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَرْبَعَةٍ أُخْرَى فِي مُقَابَلَتِهَا وَهِيَ الْخَفِيُّ وَالْمُشْكَلُ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الِاسْتِدْلَال بِعِبَارَتِهِ وَبِإِشَارَتِهِ وَبِدَلَالَتِهِ وَبِاقْتِضَائِهِ وَبَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قِسْمٌ خَامِسٌ، وَهُوَ وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَعْرِفَةُ مَوَاضِعِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
تَقَاصَرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الرِّجَالِ
وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ قَدْ تَتَأَكَّدُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ وَتَسْتَفِيدُ بِهِ زِيَادَةَ وُضُوحٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا؛ وَلِهَذَا قِيلَ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَمَّا لَمْ يُخَالِفْ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ ظُهُورٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذْ الْخَاصُّ يُخَالِفُ الْعَامَّ وَالْحَقِيقَةُ تُخَالِفُ الْمَجَازَ اخْتَصَّهُ بِذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ فِي قِسْمٍ آخَرَ عَلَى حِدَةٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ فِي انْحِصَارِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وُجُوهٌ وَأَحْسَنُهَا مَا أَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ النَّظْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى نَفْسِ النَّظْمِ فَقَطْ أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ،
وَالثَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى تَصَرُّفِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ بَيَانٍ أَيْ إلْقَاءُ مَعْنًى إلَى السَّامِعِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَالثَّانِي هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ ثُمَّ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَفْسُ النَّظْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْخَاصُّ أَوْ أَكْثَرَ بِطَرِيقِ الشُّمُولِ وَهُوَ الْعَامُّ، أَوْ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرَجُّحِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَاقِي وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ، أَوْ مَعَ تَرَجُّحِهِ وَهُوَ الْمُؤَوَّلُ.
وَلَا يُفِيدُ التَّرَجُّحَ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ احْتِرَازًا عَنْ الْمُفَسَّرِ كَمَا قَيَّدَهُ الْبَعْضُ فَقَالَ مِنْ غَيْرِ تَرَجُّحِ الْبَعْضِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ أَوْ مَعَ تَرَجُّحِهِ بِهِ، وَهُوَ الْمُؤَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى حِينَئِذٍ دَاخِلًا فِي قِسْمِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ الْأَوْلَى تَرْكُ التَّقْيِيدِ وَمَنْعُ التَّرَجُّحِ فِي الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالُ غَيْرِهِ وَفِي الْمُفَسَّرِ بَطَلَ جَانِبُ الْمَرْجُوحِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى صَارَ كَالْخَاصِّ بَلْ أَقْوَى فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِهِ فَإِنْ احْتَمَلَ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيلَ فَهُوَ النَّصُّ وَإِلَّا، فَإِنَّ قَبِلَ النَّسْخَ فَهُوَ الْمُفَسَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْمُحْكَمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ الْمُرَادِ فَإِمَّا إنْ كَانَ عَدَمُ ظُهُورِهِ لِغَيْرِ الصِّيغَةِ أَوْ لِنَفْسِهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْخَفِيُّ وَالثَّانِي فَإِنْ أَمْكَنَ دَرْكُهُ بِالتَّأَمُّلِ فَهُوَ الْمُشْكِلُ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ مَرْجُوًّا فِيهِ فَهُوَ الْمُجْمَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْجُوًّا فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ،
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الِاسْتِعْمَالِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَجَازُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمُرَادِ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ الصَّرِيحُ وَإِلَّا فَهُوَ الْكِنَايَةُ،
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَهُوَ قِسْمُ الِاسْتِثْمَارِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالنَّظْمِ أَوْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ فَهُوَ الْعِبَارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْإِشَارَةُ وَالثَّانِي إنْ كَانَ مَفْهُومًا لُغَةً فَهُوَ الدَّلَالَةُ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا شَرْعًا فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا لُغَةً وَلَا شَرْعًا فَهِيَ التَّمَسُّكَاتُ الْفَاسِدَةُ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نَضْرِبَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ صَفْحًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الِانْحِصَارَاتِ غَيْرُ تَامٍّ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ بَلْ يُتَمَسَّكُ فِيهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فِي حَقِّ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ وَالِاسْتِقْرَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ قَوْلُهُ (مَعْرِفَةُ مَوَاضِعِهَا) أَيْ مَآخِذُ اشْتِقَاقِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ أَسْمَاءٌ لِأَقْسَامِ الْكِتَابِ، فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَسْمَاءٍ لِلْأَقْسَامِ وَقَوْلُهُ صِيغَةً وَلُغَةً إلَى نَفْسِ ذَلِكَ الْقِسْمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 28
وَمَعَانِيهَا وَتَرْتِيبِهَا وَأَحْكَامِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِالْإِيمَانِ صِيغَةً وَلُغَةً ثُمَّ سُمِّيَ هَذَا اللَّفْظُ بِالْعَامِّ فَمَأْخَذُ اشْتِقَاقِ هَذَا الْقِسْمِ الْعُمُومُ وَقِسْ عَلَيْهِ، وَتَرْتِيبِهَا.
أَيْ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَمَا فِي النَّصِّ مَعَ الظَّاهِرِ أَوْ فِي الْوُجُودِ كَمَا فِي الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ، وَمَعَانِيهَا، أَيْ حَقَائِقِهَا وَحُدُودِهَا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَحْكَامِهَا، أَيْ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ بِهَا مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا قَطْعًا أَوْ ظَنًّا وَوُجُوبِ التَّوَقُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ عَامَّةُ الشَّارِحِينَ: لَمَّا انْقَسَمَ مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ الْكِتَابِ عِشْرِينَ قِسْمًا ثُمَّ انْقَسَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ صَارَ أَقْسَامُ الْكِتَابِ ثَمَانِينَ قِسْمًا، وَلَكِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ عَلَى أَنْوَاعٍ، تَقْسِيمُ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ قَيْدٌ، وَهُوَ التَّقْسِيمُ الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَقْسَامٍ، فَإِنَّك إذَا قَسَّمْت الْجِسْمَ إلَى جَمَادٍ وَحَيَوَانٍ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِسْمًا، وَإِذَا قَسَّمْت الْحَيَوَانَ إلَى إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَطَيْرٍ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِسْمًا وَحَيَوَانًا، وَتَقْسِيمُ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ.
وَلَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ اسْمَ الْإِنْسَانِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ بَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَقْسِيمُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى عَالِمٍ وَكَاتِبٍ وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ أَيْضًا، وَمِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي الْجَمِيعِ مَنْ يُوصَفُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الْعِلْمِ وَبِالْبَيَاضِ دُونَ السَّوَادِ وَبِالْعَكْسِ لِيَتَمَيَّزَ كُلُّ قِسْمٍ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْخَارِجِ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ فِيهِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مَأْخَذِ الْعَامِّ مَثَلًا بِأَنَّهُ عَامٌّ وَلَا عَلَى مَأْخَذِ الْمَجَازِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَأَصْلُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ الْكِتَابُ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاصِّ وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَقْسَامِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ؛ وَلِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَأْخَذِ اشْتِقَاقِ لَفْظِ الْخَاصِّ لَيْسَ وَصْفًا لِحَقِيقَةِ الْخَاصِّ، وَهُوَ لَفْظُ الطَّوَافِ أَوْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَثَلًا كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ مَأْخَذِ اشْتِقَاقِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ وَصْفًا لِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ لَيْسَتْ مِنْ أَوْصَافِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ الْإِنْسَانُ أَقْسَامٌ قِسْمٌ مِنْهُ أَنَّ مَأْخَذَ اسْمِهِ الْإِنْسُ وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرَسِ فِي الشَّرَفِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ أَوْصَافِ كُلِّ فَرْدٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِهِ إذْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ الْخَاصُّ الَّذِي مَأْخَذُ اشْتِقَاقِ اسْمِهِ كَذَا أَوْ مَعْنَاهُ كَذَا أَوْ حُكْمُهُ كَذَا لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلُّ قِسْمٍ عَنْ غَيْرِهِ بِمَا يَخُصُّهُ لِيَظْهَرَ فَائِدَةُ التَّقْسِيمِ وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَاصَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَالْعَامَّ كَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْأَقْسَامِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ لَازِمَةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ كُلِّ قِسْمٍ إذْ مَا مِنْ خَاصٍّ إلَّا وَلِاسْمِهِ مَأْخَذٌ وَلَهُ مَعْنًى وَحُكْمٌ وَتَرْتِيبٌ فَكَيْفَ يَتَمَيَّزُ خَاصٌّ عَنْ خَاصٍّ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ الْإِنْسَانُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مِنْهُ عَرِيضُ الْأَظْفَارِ وَقِسْمٌ مِنْهُ مُسْتَوِي الْقَامَةِ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ لَوَازِمِ كُلِّ فَرْدٍ فِيمَ
стр. 29
وَأَصْلُ الشَّرْعِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَصِّرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ بَلْ يَلْزَمُهُ مُحَافَظَةُ النَّظْمِ وَمَعْرِفَةُ أَقْسَامِهِ وَمَعَانِيهِ مُفْتَقِرًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَعِينًا بِهِ رَاجِيًا أَنْ يُوَفِّقَهُ بِفَضْلِهِ.
أَمَّا الْخَاصُّ فَكُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ
ــ
[كشف الأسرار]
يَتَمَيَّزُ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَلَا يُقَالُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ فَيَكْفِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ التَّقْسِيمِ، لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي التَّقْسِيمِ إذْ التَّكَلُّفُ إلَى هَذَا الْحَدِّ فِي التَّقْسِيمِ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّك لَا تَجِدُ تَقْسِيمًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعُلُومِ خُصُوصًا فِي الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَثَبَتَ أَنَّ تَقْسِيمَ الْكِتَابِ عَلَى ثَمَانِينَ قِسْمًا غَيْرُ مُتَّضِحٍ بَلْ الْأَقْسَامُ عِشْرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَلَكِنْ لِكُلِّ قِسْمٍ مَعْنًى وَحُكْمٌ وَتَرْتِيبٌ وَلِاسْمِهِ مَأْخَذٌ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ قِسْمًا كَلَامًا أَيْضًا.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّيْخَ ﵀ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ قِسْمٌ خَامِسٌ أَنَّهُ قَسِيمُ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِمَا ذَكَرْنَا بَلْ أَرَادَ أَنَّ مَعْرِفَةَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ فَكَأَنَّهُ قِسْمٌ خَامِسٌ لَهَا، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ الْمُفَصَّلُ هُوَ السُّبْعُ الثَّامِنُ مِنْ الْكَشَّافِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْكَشَّافِ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ مِنْهُ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ (وَأَصْلُ الشَّرْعِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ) خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ تُوجَدُ فِيهِمَا دُونَ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ تَثْبُتُ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ لِلْبَاقِي عَلَى مَا قِيلَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَقَوْلُ الرَّسُولِ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ ﷻ وَالْكِتَابُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ هُوَ أَصْلَ الْكُلِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّا لَا نَعْرِفُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ لِأَنَّا لَا نَسْمَعُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ جَبْرَائِيلُ ﵇ فَيَكُونُ مَعْرِفَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ فَيَكُونُ هُوَ الْأَصْلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَفَرْعٌ لَهُمَا ثُبُوتًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ أَصْلًا مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَصِّرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، أَيْ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ فِي بَيَانِ الْكِتَابِ دُونَ السُّنَّةِ؛ فَلِهَذَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، وَمُحَافَظَةُ النَّظْمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْحِفْظِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النِّسْيَانِ أَيْ يَحْفَظُهُ وَيَضْبِطُ أَقْسَامَهُ وَمَعَانِيَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْمُحَافَظَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ التَّرْكِ وَالتَّضْيِيعِ أَيْ بِجَعْلِهِ نُصْبَ عَيْنِهِ وَأَمَامَ نَفْسِهِ جَاهِدًا فِي مَعْرِفَةِ أَقْسَامِهِ وَمَعَانِيهِ غَيْرِ مُجَاوِزٍ عَنْ حُدُودِهِ، وَقَوْلُهُ مُفْتَقِرًا مُسْتَعِينًا رَاجِيًا أَحْوَالٌ عَنْ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يَلْزَمُهُ.
[تَعْرِيف الْخَاصُّ]
قَوْلُهُ (أَمَّا الْخَاصُّ إلَى آخِرِهِ) فَقَوْلُهُ كُلُّ لَفْظٍ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَالْمُهْمَلَاتِ وَمَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ بِالطَّبْعِ كَأَخِ عَلَى الْوَجَعِ وَأَحْ عَلَى السُّعَالِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْجِنْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ذَكَرْنَا، فَبِقَوْلِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى، خَرَجَ غَيْرُ الْمُسْتَعْمَلَاتِ عَنْ الْحَدِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى أَوْ تَعْيِينُ اللَّفْظَةِ بِإِزَاءِ مَعْنًى بِنَفْسِهَا لَازَمَتْهُ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى النَّاشِئَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، وَبِقَوْلِهِ وَاحِدٍ خَرَجَ، الْمُشْتَرَكُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَخَرَجَ الْمُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمُطْلَقَ خَاصًّا وَلَا عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵏ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ لِلْوَحْدَةِ وَلَا لِلْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ، خَرَجَ الْعَامُّ، فَإِنَّهُ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ شَامِلٍ لِلْأَفْرَادِ إذْ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاحِدٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ
стр. 30
وَانْقِطَاعِ الْمُشَارَكَةِ وَكُلُّ اسْمٍ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ اخْتَصَّ فُلَانٌ بِكَذَا أَيْ انْفَرَدَ بِهِ وَفُلَانٌ خَاصُّ فُلَانٍ أَيْ مُنْفَرِدٌ بِهِ وَالْخَاصَّةُ اسْمٌ لِلْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلِانْفِرَادِ عَنْ الْمَالِ وَعَنْ أَسْبَابِ نَيْلِ الْمَالِ فَصَارَ الْخُصُوصُ عِبَارَةً عَمَّا يُوجِبُ الِانْفِرَادَ وَيَقْطَعُ الشَّرِكَةَ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْخَارِجِ أَفْرَادٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَقَوْلُهُ وَانْقِطَاعِ الْمُشَارَكَةِ، تَأْكِيدٌ لِلِانْفِرَادِ وَبَيَانٌ لِلَازِمِهِ وَبَيْنَهُمَا نَوْعُ تَغَايُرٍ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَانْقِطَاعُ الْمُشَارَكَةِ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ حَقِيقَتُهُ، وَهُوَ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْ الْمَجَازَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِرَادَةِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ إنَّمَا يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصِلْ الْوَضْعِ فَلَا يَكُونُ الْحَقِيقَةُ أَوْ الْمَجَازُ دَاخِلًا فِيهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَلْ إنَّمَا يَصِيرُ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ إرَادَةُ مَوْضُوعِهِ أَوْ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ إنَّمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا إذَا اُعْتُبِرَ مُجَرَّدًا عَنْ الْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ إرَادَةٌ لَمْ يَبْقَ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْجَمِيعِ لَا يَصِحُّ وَبِإِرَادَةِ الْبَعْضِ لَمْ يَبْقَ الِاشْتِرَاكُ وَلَكِنَّ الِاشْتِرَاكَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعِ وَصَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُؤَوَّلُ، فَإِنَّهُ مَعَ انْضِمَامِ الْإِرَادَةِ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَمْ يَثْبُتْ يَقِينًا فَلَمْ تُخْرِجْهُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْمُفَسَّرِ، فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ الْأَوَّلَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ الْوَضْعِ فَقَدْ حَصَلَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لِمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ صِيغَةُ فَرْدٍ كَرَجُلٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا لَا يَدُلُّ رَجُلٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مُسَمًّى وَاحِدٍ، قُلْنَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ عَنَى يَعْنِي عِنَايَةً وَمَعْنًى وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ هَهُنَا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ جِهَتَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ جِنْسٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] وَزَوَالُ مَعْنَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِإِرَادَةِ الْمَفْعُولِ لَا يَمْنَعُ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ رَتْقًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] لَمْ يُثَنِّ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى مَرْتُوقَتَيْنِ لِبَقَاءِ صِيغَةِ الْمَصْدَرِ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَأْكِيدُهُ بِالْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ (وَكُلُّ اسْمٍ) إنَّمَا ذَكَرَ الِاسْم هَهُنَا دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَخَّصِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسَمَّى الْمَعْلُومِ لَا يَكُونُ إلَّا اسْمًا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَى تَحْصُلُ بِالْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ هُنَا احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُشَخَّصَاتِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ اسْمٌ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَا عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى إنْ كَانَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُشَخَّصَاتُ وَغَيْرُهَا فَيَكُونُ الْحَدُّ تَامًّا مُتَنَاوِلًا خُصُوصَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْعَيْنِ وَيَكُونُ إفْرَادُ خُصُوصِ الْعَيْنِ بِالذِّكْرِ لِقُوَّةِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إذْ لَا شَرِكَةَ فِي مَفْهُومِهِ أَصْلًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخُصُوصِ، وَهَذَا كَتَخْصِيصِ أُولِي الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا لِقُوَّةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّرَجَةِ وَالشَّرَفِ وَكَتَخْصِيصِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ لِقُوَّةِ مَنْزِلَتِهِمَا وَشَرَفِهِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا هُوَ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ يَكُونُ هَذَا تَعْرِيفًا لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ الِاعْتِبَارِيِّ وَالْحَقِيقِيِّ لَا تَعْرِيفَ
стр. 31
فَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْجِنْسِ قِيلَ إنْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ النَّوْعِ قِيلَ رَجُلٌ، وَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْعَيْنِ قِيلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَهَذَا بَيَانُ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى.
ــ
[كشف الأسرار]
الْخَاصِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ، وَقِيلَ تَعْرِيفُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ فَصَارَ الْخُصُوصُ عِبَارَةً عَمَّا يُوجِبُ الِانْفِرَادَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ الْخَاصُّ اسْمٌ لِفَرْدٍ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ تَحْدِيدِ كُلِّ قِسْمٍ بِحَدٍّ عَلَى حِدَةٍ بَيَانُ أَنَّ الْخُصُوصَ يَجْرِي فِي الْمَعَانِي وَالْمُسَمَّيَاتِ جَمِيعًا بِخِلَافِ الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْمُسَمَّيَاتِ فَيَكُونُ فِي هَذَا تَحْقِيقٌ لِنَفْيِ الْعُمُومِ عَنْ الْمَعَانِي؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي حَدِّ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ مَعَانٍ أَوْ أَسَامٍ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَجْرِي فِي الْقِسْمَيْنِ كَالْخُصُوصِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا يَكُونُ الْمُجْمَلُ دَاخِلًا فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ خَاصٌّ سَوَاءٌ كَانَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ خُصُوصِيَّةَ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاقِعِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِلِ وَالسَّامِعِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَعَلَى مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ لَا يَدْخُلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ اتَّفَقَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْخَاصِّ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ وَالْمُجْمَلُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْبَيَانِ فَيَكُونُ خِلَافَ الْخَاصِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُجْمَلُ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَرَّضَ لِلْوَحْدَةِ بِقَوْلِهِ وَاحِدٍ وَالْمُجْمَلُ لَا يُعْرَفُ وَحْدَةُ مَفْهُومِهِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْوَحْدَةِ كَمَا لَا يُمْكِنُ بِالْكَثْرَةِ فَلَا يَدْخُلُ وَبَعْدَ لُحُوقِ الْبَيَانِ بِهِ وَمَعْرِفَةِ وَحْدَةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَبْقَ مُجْمَلًا فَيَدْخُلُ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْجِنْسِ قِيلَ إنْسَانٌ) الْجِنْسُ أَعْلَى مِنْ النَّوْعِ اصْطِلَاحًا، وَتَسْمِيَةُ الْإِنْسَانِ جِنْسًا وَالرَّجُلِ نَوْعًا عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ وَاصْطِلَاحِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى اصْطِلَاحَاتِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا حُدُودَهُمْ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ تَعْرِيفَاتٍ تُوقَفُ بِهَا عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ وَيَحْصُلُ بِهَا التَّمْيِيزُ تَرْكًا مِنْهُمْ لِلتَّكَلُّفِ وَاحْتِرَازًا عَمَّا لَا يَعْنِيهِمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ دُونَهَا، قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا كِتَابٌ فِقْهِيٌّ لَا نَشْتَغِلُ فِيهِ بِصَنْعَةِ التَّحْدِيدِ فِي كُلِّ لَفْظٍ بَلْ نَذْكُرُ مَا يُعَرِّفُ مَعَانِيَهَا وَيَدُلُّ عَلَى حَقَائِقِهَا وَأَسْرَارِهَا بِالْكُشُوفِ وَالرُّسُومِ.
وَقَالَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَنَحْنُ لَا نَذْكُرُ الْحُدُودَ الْمَنْطِقِيَّةَ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ رُسُومًا شَرْعِيَّةً يُوقَفُ بِهَا عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ كَمَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْفِقْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى اسْتِبْعَادِهِمْ ذَكَرَ كَلِمَةَ كُلَّ فِي الْحُدُودِ بِأَنَّهَا لِإِحَاطَةِ الْأَفْرَادِ وَالتَّعْرِيفِ لِلْحَقِيقَةِ لَا لِلْأَفْرَادِ وَلَا إلَى اسْتِنْكَارِهِمْ كَوْنُ الرَّجُلِ نَوْعًا لِلْإِنْسَانِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعُ الْأَنْوَاعِ إذْ لَيْسَ بَعْدَهُ نَوْعٌ عِنْدَهُمْ فَحَكَمُوا تَارَةً عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ نَظَرًا إلَى فُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ فَقَالُوا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَظَهَرَ أَنَّهُ أَمَةٌ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ مَعَ أَنَّ اخْتِلَافَ النَّوْعِ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَحَكَمُوا تَارَةً بِكَوْنِهِمَا نَوْعَيْ الْإِنْسَانِ نَظَرًا إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، فَهَذَا بَيَانُ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى أَيْ مَا ذَكَرْنَا بَيَانُ مَعْنَى الْخَاصِّ لُغَةً وَبَيَانُ مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَأَمَّا بَيَانُ تَرْتِيبِهِ وَحُكْمِهِ فَسَيَأْتِي.
стр. 32
ثُمَّ الْعَامُّ بَعْدَهُ وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَمَعْنَى قَوْلِنَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ هُنَا وَمَعْنَى قَوْلِنَا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى هُوَ تَفْسِيرٌ لِلِانْتِظَامِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ إنَّمَا يَنْتَظِمُ الْأَسْمَاءَ مَرَّةً لَفْظًا مِثْلُ قَوْلِنَا زَيْدُونَ وَنَحْوُهُ أَوْ مَعْنًى مِثْلُ قَوْلِنَا مِنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا وَالْعُمُومُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الشُّمُولُ يُقَالُ مَطَرٌ عَامٌّ أَيْ شَمِلَ الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا وَخِصْبٌ عَامٌّ أَيْ عَمَّ الْأَعْيَانَ وَوَسِعَ الْبِلَادَ
ــ
[كشف الأسرار]
[تَعْرِيف الْعَامُّ]
قَوْلُهُ (ثُمَّ الْعَامُّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْخَاصِّ فِي الْوُجُودِ لَا عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ وُجُودًا فِي الذِّهْنِ، كُلُّ لَفْظٍ فَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِالذِّكْرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، وَالْمُرَادُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِقَرِينَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ بِالطَّبْعِ، وَقَوْلُهُ يَنْتَظِمُ، أَيْ يَشْمَلُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَعْنَيَيْنِ بَلْ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ، وَقَوْلُهُ جَمْعًا، احْتِرَازٌ عَنْ التَّثْنِيَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ بَلْ هِيَ مِثْلُ سَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ فِي الْخُصُوصِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ حَدُّ الْعَامِّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الشَّيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ فَصَاعِدًا، وَعَنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ دِيَارِنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ شَرْطٌ وَحَدُّ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ عَنْ النَّكِرَاتِ فِي الْإِثْبَاتِ وُحْدَانًا وَتَثْنِيَةً وَجَمْعًا؛ لِأَنَّ رَجُلًا يَصْلُحُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ وَقِسْ عَلَيْهِ رَجُلَيْنِ وَرِجَالًا، وَبِقَوْلِهِمْ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الَّذِي لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ إذَا عَمَّ كَالْعُيُونِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ وَالِاجْتِمَاعُ عِنْدَنَا وَيَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ فَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَامًّا وَعِنْدَنَا يَجُوزُ لِبَقَاءِ الْعُمُومِ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ.
وَلِهَذَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ لِقَوْلِهِ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَيَتَنَاوَلُ جَمْعًا مِنْ الْجُمُوعِ لَا الْكُلَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّيْخَ قَدْ نَصَّ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْ لِحَقِيقَةِ الْعُمُومِ تَنَاوُلَ الْكُلِّ قَالَ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ.
قَوْلُهُ (وَمَعْنَى قَوْلِنَا مِنْ الْأَسْمَاءِ) يَعْنِي مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، فَقَوْلُهُ يَعْنِي لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلُ بِمَعْنَى أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَحَلِّ التَّفْسِيرِ كَكَلِمَةٍ أَيْ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ وَنَعْنِي بِالْأَسْمَاءِ هَهُنَا الْمُسَمَّيَاتِ، ثُمَّ قِيلَ تَفْسِيرُ الْأَسْمَاءِ بِالْمُسَمَّيَاتِ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ عِنْدَنَا احْتِرَازٌ عَنْ التَّسْمِيَاتِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ التَّسْمِيَةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] أَيْ التَّسْمِيَاتُ وَقَوْلُهُ ﵇ «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» وَيُقَالُ مَا اسْمُك أَيْ مَا تَسْمِيَتُك فَإِذَا احْتَمَلَ الِاسْمُ التَّسْمِيَةَ اُحْتُرِزَ عَنْهَا وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَعَانِي، فَإِنَّ الِاسْمَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَخَّصِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى وَقَدْ اخْتَارَ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مَعَ الْمَعَانِي كَمَا سَيَأْتِي؛ فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالْمُسَمَّيَاتِ.
قَوْلُهُ (لَفْظًا) أَيْ صِيغَتُهُ تَدُلُّ عَلَى الشُّمُولِ كَصِيَغِ الْجُمُوعِ مِثْلُ زَيْدُونَ وَرِجَالٌ، أَوْ مَعْنًى أَيْ عُمُومُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصِّيغَةِ كَمِنْ وَمَا وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى حَيْثُ تَنَاوَلَتْ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِاسْمِ جَمْعٍ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ ﵀، وَلَا يُقَالُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِجَامِعٍ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ وَنَحْوَهَا عَامَّةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا
стр. 33
وَنَخْلَةٌ عَمِيمَةٌ أَيْ طَوِيلَةٌ وَالْقَرَابَةُ إذَا تَوَسَّعَتْ انْتَهَتْ إلَى صِفَةِ الْعُمُومَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكِتَابِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا هَذَا الْحَدُّ إذْ هِيَ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ بَلْ عُمُومُهَا ضَرُورِيٌّ كَمَا عُرِفَ، لِأَنَّا نَقُولُ الْحُدُودُ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ وَعُمُومُهَا مَجَازِيٌّ لِصِدْقِ حَدِّ الْمَجَازِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ رَجُلًا فِي قَوْلِهِ مَا رَأَيْت رَجُلًا لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ إذْ الرَّجُلُ وُضِعَ لِلْفَرْدِ وَأُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ الْعُمُومُ هَهُنَا بِقَرِينَةِ النَّفْيِ كَمَا أُرِيدَ بِالْأَسَدِ الشُّجَاعُ فِي قَوْلِهِ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي بِقَرِينَةِ الرَّمْيِ لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى مَجَازِيَّتِهِ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ عَدَمُ دُخُولِهَا فِي الْحَدِّ صِحَّتَهُ، عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عُمُومَهَا حَقِيقِيٌّ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْحَدِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِبَيَانِ الْعَامِّ صِيغَةً وَلُغَةً بِدَلَالَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ لَا لِمُطْلَقِ الْعَامِّ، وَعُمُومُ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالصِّيغَةِ بَلْ بِالضَّرُورَةِ وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ جَامِعٌ مَانِعٌ لِلْعَامِّ الصِّيغِيِّ فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْوَضْعُ فِي اللَّفْظِ بِأَنْ أُجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ لَكَانَ الْحَدُّ مَتْنًا لَا لَهَا إذْ هِيَ لَفْظٌ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ مَعْنًى فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَدَّ جَامِعٌ كَمَا أَنَّهُ مَانِعٌ قَوْلُهُ (وَنَخْلَةٌ عَمِيمَةٌ أَيْ طَوِيلَةٌ) قِيلَ لَمَّا كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا كَثِيرَةً شَمِلَتْ الْهَوَاءَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ إذَا طَالَتْ تَشَعَّبَتْ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا لَمْ تَطُلْ، وَالْقَرَابَةُ إذَا تَوَسَّعَتْ انْتَهَتْ إلَى صِفَةِ الْعُمُومِيَّةِ، فَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الْقَرَابَةِ الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الْأُبُوَّةُ ثُمَّ الْأُخُوَّةُ ثُمَّ الْعُمُومَةُ فَبِهَا تَنْتَهِي وَتَتَوَسَّعُ وَلَيْسَ بَعْدَهَا قَرَابَةٌ أُخْرَى إذْ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَرْعٌ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَلِهَذَا انْتَهَتْ الْمَحْرَمِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْقَرَابَةِ إلَى الْعُمُومَةِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إلَى فُرُوعِهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ لِلْخُؤُولَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ قَرَابَةُ الْأَبِ إذْ النَّسَبُ إلَى الْأَبَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ﵀ عَرَّفَ الْعَامَّ كَمَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالتَّسْمِيَاتِ.
كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَالِانْتِظَامَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: وَأَمَّا الْعَامُّ فَمَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى كَقَوْلِك الشَّيْءُ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَلِكُلِّ مَوْجُودٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْإِنْسَانُ اسْمٌ عَامٌّ فِي جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَفْرَادٍ وَلِكُلِّ فَرْدٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَنَقُولُ مَطَرٌ عَامٌّ إذَا عَمَّ الْأَمْكِنَةَ فَيَكُونُ عَامًّا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْحُلُولُ بِالْأَمْكِنَةِ لَا بِأَسْمَاءٍ يَجْمَعُهَا الْمَطَرُ، فَسِيَاقُ كَلَامِهِ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ التَّسْمِيَاتُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلِكُلِّ مَوْجُودٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَلِكُلِّ فَرْدٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيُشِيرُ أَيْضًا إلَى أَنَّ الِانْتِظَامَ لَفْظًا أَنْ يَشْمَلَ اللَّفْظُ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً كَالشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَغَيْرَهَا وَالِانْتِظَامُ مَعْنًى أَنْ يَحِلَّ الْمَعْنَى مَحَالَّ كَثِيرَةً فَدَخَلَ الْمَحَالُّ الْمُخْتَلِفَةُ تَحْتَ الْعُمُومِ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى كَمَعْنَى الْمَطَرِ لَمَّا حَلَّ مَحَالَّ كَثِيرَةً دَخَلَتْ الْمَحَالُّ تَحْتَ لَفْظِ الْمَطَرِ دُخُولَ الْمَوْجُودَاتِ تَحْتَ لَفْظِ الشَّيْءِ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ حُلُولُهُ بِهَا لَا بِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْمَحَالِّ بِخِلَافِ الشَّيْءِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا انْتَظَمَهُ.
فَالشَّيْخُ ﵀ لَمَّا رَأَى أَنَّ انْتِظَامَ اللَّفْظِ لِمَدْلُولَاتِ الْأَسْمَاءِ لَا لِلْأَسْمَاءِ وَأَنَّ دُخُولَ الْمَحَالِّ تَحْتَ لَفْظِ الْمَطَرِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّعْرِيفَاتِ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَالِانْتِظَامَ اللَّفْظِيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ احْتِرَازًا عَمَّا اخْتَارَهُ
стр. 34
وَهُوَ كَالشَّيْءِ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ عِنْدَنَا وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْقَاضِي الْإِمَامُ وَاخْتِيَارًا لِلْأَصْوَبِ وَوَافَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ وَغَيْرُهُمَا، فَالشَّيْءُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَنَحْوُهَا عَامٌّ لَفْظِيٌّ فِي اخْتِيَارِ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَعَامٌّ مَعْنَوِيٌّ فِي اخْتِيَارِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ كَالشَّيْءِ) هَذَا مِنْ نَظَائِرِ الْعَامِّ الْمَعْنَوِيِّ وَالْغَرَضُ مِنْ إيرَادِهِ بَعْدَمَا أَوْرَدَ نَظِيرَ الْمَعْنَوِيِّ مَرَّةً أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ عَامٌّ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ كَمَا ظَنَّهُ الْقَاضِي وَأَنَّهُ عَامٌّ لَا مُشْتَرَكٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا تَمَسَّكُوا فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَقَالُوا الشَّيْءُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْيَانُ وَالْأَعْرَاضُ اعْتَرَضَ الْخُصُومُ وَقَالُوا قَدْ خُصَّ مِنْهُ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بَعْدَ الْخُصُوصِ لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ ظَنِّيًّا، فَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَامٌّ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُخْتَلِفَةَ الْحَقَائِقِ وَلَئِنْ اُعْتُبِرَ مَعْنَى الْوُجُودِ؛ فَلِذَلِكَ أَيْضًا مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْوُجُودَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالْبَاصِرَةِ لِجَوَازِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي وَاسْتِحَالَتِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُحْدَثُ يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْقَدِيمِ تَحْتَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَالْعَامَّةُ سَلَّمُوا عُمُومَهُ وَقَالُوا: إنَّهُ عَامٌّ بِاعْتِبَارِ مُطْلَقِ الْوُجُودِ، فَإِنَّهُ مُتَّحِدٌ وَاخْتِلَافُ الْحَقَائِقِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ تَحْتَ أَمْرٍ عَامٍّ، فَإِنَّ لَفْظَ الْعَرَضِ يَتَنَاوَلُ الْأَضْدَادَ وَكَذَا لَفْظُ اللَّوْنِ يَتَنَاوَلُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ بِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهُمَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَتَعَرَّفُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ مَنَعُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ، وَقَالُوا التَّخْصِيصُ إنَّمَا يَجْرِي فِيمَا يُوجِبُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ دُخُولَ الْمَخْصُوصِ فِيهِ لَوْلَا الْمُخَصِّصُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُوجِبُ دُخُولَ الْمُخَاطَبِ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ دَخَلْت الدَّارَ وَضَرَبْت جَمِيعَ مَنْ فِيهَا وَأَخْرَجْتهمْ مِنْهَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ دُخُولَهُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ لِيَصِيرَ ضَارِبًا نَفْسَهُ وَمُخْرِجًا لَهَا فَلَا يُعَدُّ هَذَا تَخْصِيصًا، وَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي مِنْ نِسَائِي مَنْ شِئْت وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لَا يَدْخُلُ الْمُخَاطَبَةُ فِي هَذَا الْخِطَابِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَا يَقَعُ فَكَذَا هَذَا، وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لِإِخْرَاجِ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ.
وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، وَهَذَا سَابِقٌ، وَأَكْثَرُهُمْ سَلَّمُوا كَوْنَهُ مَخْصُوصًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا صَيْرُورَتَهُ ظَنِّيًّا بِمِثْلِ هَذَا التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي تَخْصِيصٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ أَوْ التَّفْسِيرَ كَمَا سَتَعْرِفُ، فَأَمَّا فِيمَا لَا يَقْبَلُهُ فَلَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ دَلَائِلِ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُمْ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ، فَكَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ
стр. 35
وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ ﵀ أَنَّ الْعَامَّ مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ أَوْ الْمَعَانِي وَقَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي سَهْوٌ مِنْهُ أَوْ مُؤَوَّلٌ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَتَعَدَّدُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهَا وَتَغَايُرِهَا وَعِنْدَ اخْتِلَافِهَا وَتَغَايُرِهَا لَا يَنْتَظِمُهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ بَلْ يَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَهَذَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَمَّا تَعَدَّدَ مَحَلُّهُ يُسَمَّى مَعَانِيَ مَجَازًا لِاجْتِمَاعِ مَحَالِّهِ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَالْمَعَانِي
ــ
[كشف الأسرار]
يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ عِنْدَنَا، وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِهِمْ، وَقَوْلُهُ عِنْدَنَا احْتِرَازٌ عَنْ الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ لَا عَنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا سَهْوٌ مِنْهُ) أَيْ قَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي سَهْوٌ مِنْهُ، وَفِي ذِكْرِ السَّهْوِ دُونَ الْخَطَإِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ إذْ لَا عَيْبَ فِي السَّهْوِ لِلْإِنْسَانِ وَالسَّهْوُ مَا يَنْتَبِهُ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ وَالْخَطَأُ مَا لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ أَوْ يَنْتَبِهْ بَعْدَ إتْعَابٍ كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ: ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ أَرَادَ مِنْ قَوْلِهِ جَمْعًا مِنْ الْمَعَانِي تَعَدُّدَهَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعَانِي حَقِيقَةً لَا يَكُونُ بِتَعَدُّدِ أَفْرَادِهَا فِي الْخَارِجِ بَلْ بِتَعَدُّدِهَا فِي الذِّهْنِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، فَإِنَّك إذَا رَأَيْت إنْسَانًا وَثَبَتَ فِي ذِهْنِك مَعْنَاهُ ثُمَّ رَأَيْت آخَرَ وَآخَرَ لَا يَثْبُتُ مَعْنًى آخَرُ فِي ذِهْنِك.
وَإِنْ كَانَ إنْسَانِيَّةُ زَيْدٍ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ إنْسَانِيَّةِ عَمْرٍو وَخَالِدٍ وَلَكِنْ إذَا رَأَيْت أَسَدًا أَوْ ذِئْبًا أَوْ فَرَسًا أَوْ غَيْرَهَا يَثْبُتُ مَعْنًى آخَرُ فِي ذِهْنِك غَيْرَ الْأَوَّلِ فَثَبَتَ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعَانِي إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَنَاوَلُهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ؛ لِأَنَّ أَفْرَادَ الْعَامِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَّفِقَةً، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْمَعَانِي اخْتَلَفَتْ أَفْرَادُ الْعَامِّ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظٍ وَاحِدٍ إلَّا بِطَرِيقِ الْبَدَلِ وَذَلِكَ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا وَلَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا لَفْظُ الْعَرَضِ أَوْ الْأَعْرَاضِ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً فِي ذَوَاتِهَا بَلْ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَرْضًا، وَهَذَا مَعْنًى وَاحِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْبَيَاضَ أَوْ السَّوَادَ أَوْ الْحَرَكَةَ أَوْ السُّكُونَ؛ لِأَنَّهُ سَوَادٌ أَوْ بَيَاضٌ أَوْ حَرَكَةٌ أَوْ سُكُونٌ بَلْ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُسْتَحِيلَ الْبَقَاءِ فَيَكُونُ كَالشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ لَا غَيْرُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ بِإِزَاءِ السَّوَادِ أَوْ الْبَيَاضِ، فَإِنَّهُ لَوْ فُسِّرَ مَعْنَاهُ بِأَنَّهُ السَّوَادُ أَوْ الْبَيَاضُ أَوْ نَحْوُهُ يُخْطِئُ لُغَةً، وَقَوْلُهُ اخْتِلَافُهَا وَتَغَايُرُهَا تَرَادُفٌ هَهُنَا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَخَصَّ مِنْ التَّغَايُرِ لِاسْتِلْزَامِهِ التَّغَايُرَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَعَانِيَ مَجَازًا لِتَعَدُّدِهِ فِي الْخَارِجِ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَحَالِّ الْمُتَعَدِّدَةِ كَالْخِصْبِ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ مَجَازًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا بُدَّ لِلْعَامِّ مِنْ مَعْنًى مُتَّحِدٍ يَشْتَرِك فِيهِ أَفْرَادُ الْعَامِّ لِيَصِحَّ شُمُولُهُ إيَّاهَا بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا أَفْرَادُ الْعَامِّ مُتَّفِقَةُ الْحُدُودِ وَذَلِكَ كَلَفْظَةِ مُسْلِمُونَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَشْخَاصَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَهَا إلَّا بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ مُتَعَدِّدًا فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ إسْلَامَ زَيْدٍ غَيْرُ إسْلَامِ عَمْرٍو.
وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا حَقِيقَةً سَمَّاهُ مَعَانِيَ مَجَازًا فَيَصِيرُ مَا ذُكِرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي التَّحْقِيقِ، وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: وَالْمَعَانِي بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لِيَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ الْعَامِّ مَا يَتَنَاوَلُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ مَعَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَتْ مُتَّفِقَةً، وَلَكِنَّهُ سَمَّاهُ مَعَانِيَ مَجَازًا، وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعَامِّ عِنْدَنَا أَيْضًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَكَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كِتَابِهِ أَيْ بِالْوَاوِ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ يَأْبَى هَذَا
стр. 36
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْعَامُّ يَشْمَلُ كِلَيْهِمَا فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ فَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يَشْمَلَ اللَّفْظُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي وَجَعْلِ الْمَعَانِيَ مَجَازًا عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَكِنَّ أَخَاهُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا الْيُسْرِ ﵀ ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْجَصَّاصَ بِقَوْلِهِ أَوْ الْمَعَانِي لَمْ يُرِدْ عُمُومَ الْمَعَانِي وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ عَمَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ.
وَإِذَا قَالَ الْحَرَكَاتُ عَمَّ الْحَرَكَاتِ كُلَّهَا، وَهِيَ الْمَعَانِي فَيَجْعَلُ أَبُو الْيُسْرِ الْمَعَانِيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهَا كَمَا فِي قَوْلِنَا الْمَعَانِي وَالْعُلُومُ وَالْأَعْرَاضُ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا عَامٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِجَمْعٍ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ وَلَكِنْ بِمَعْنًى مُتَّحِدٍ يَشْمَلُ الْكُلَّ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَعْنَى وَالْعِلْمِ وَالْعَرَضِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لَفْظٌ آخَرُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَامُّ قِسْمَيْنِ: مَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَا يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ بِمَعْنًى يَعُمُّهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي وَيَكُونُ حَدُّهُ مُتَعَرِّضًا لِلْقِسْمَيْنِ فَيَكُونُ جَامِعًا وَلَا يَتَعَرَّضُ حَدُّ الْمُصَنِّفُ إلَّا لِقِسْمٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسَمَّى مَفْهُومُ اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُهَا، وَعَنْ هَذَا قِيلَ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ هُوَ لَفْظٌ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمَفْهُومَاتِ بِالْوَضْعِ، وَلَكِنَّ طَعْنَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ فَافْهَمْ.
وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَمِلِ لَا لِلْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ إذْ الْعَامُّ نَعْتٌ فَاعِلٌ كَمَا فِي قَوْلِنَا الرِّجَالُ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْعُمُومِ لَا الْأَفْرَادُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَهُ وَهَهُنَا الشَّامِلُ هُوَ اللَّفْظُ سَوَاءٌ اشْتَمَلَ عَلَى أَعْيَانٍ أَوْ عَلَى مَعَانٍ فَيَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعُمُومِ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَمَّا الْمَعْنَى إذَا شَمِلَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ لَفْظُهُ عَلَى الشُّمُولِ كَمَعْنَى الْمَطَرِ أَوْ الْخِصْبِ إذَا شَمِلَ الْأَمْكِنَةَ وَالْبِلَادَ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ إلَّا مَجَازًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُوصَفُ بِهِ حَقِيقَةً، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ حَدُّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يَنْتَظِمُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً؛ وَلِهَذَا تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِلَّفْظِ فَقَالَ كُلُّ لَفْظٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ عِنْدَهُ وَصْفُ الْمَعْنَى بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِهِ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً فِي الْمَعَانِي كَمَا هُوَ فِي الْأَلْفَاظِ يُقَالُ عَمَّهُمْ الْخِصْبُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. ﵀
[تَعْرِيف الْمُشْتَرَكُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَاتِ مُشْتَرَكَةٌ وَالصِّيغَةُ مُشْتَرَكٌ فِيهَا، وَقَوْلُهُ احْتَمَلَ كَذَا أَيْ بِالْوَضْعِ عُرِفَ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَقْسِيمُ نَفْسِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَالْمَجَازُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِرَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ
стр. 37
أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ مُرَادًا بِهِ مِثْلُ الْعَيْنِ اسْمٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ وَعَيْنِ الرُّكْبَةِ وَعَيْنِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِثْلُ الْمَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ يُوهِمُ أَنَّ عَدَدَ الثَّلَاثِ شَرْطٌ فِي الِاشْتِرَاكِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْعُمُومِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الِاسْمَيْنِ أَيْضًا كَالْقُرْءِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي حَدِّهِ هُوَ اللَّفْظَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَضْعًا أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ، فَاحْتُرِزَ بِالْمَوْضُوعَةِ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَضْعًا أَوَّلًا عَنْ الْمَنْقُولِ، وَبِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ عَنْ مِثْلِ الشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةَ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي مَعْنَاهُ أَوْ مُسَمًّى مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِهِمَا لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى يَشْمَلُهَا بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ الْمَعَانِي لَكِنْ لَا لِاخْتِلَافِهَا فِي ذَوَاتِهَا بَلْ بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ أَوْ فِي التَّحْدِيدِ إنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ فَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ، فَهُوَ جَائِزٌ لِعَدَمِ الِاخْتِلَالِ فِي التَّعْرِيفِ، ثُمَّ إنْ تَنَاوَلَ الْقِسْمَيْنِ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَهُوَ تَقْسِيمُ الْمَحْدُودِ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْسِيمُ الْحَدِّ كَمَا لَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْمَحْدُودِ لِتَنَاوُلِ التَّرْكِيبِ إيَّاهُمَا وَلَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ مَا لَهُ أَبْعَادٌ ثَلَاثَةٌ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْحَدِّ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَيَفْسُدُ فَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا مِنْ تَقْسِيمِ الْحَدِّ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ كُلُّ لَفْظٍ اُحْتُمِلَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُشْتَرَكُ مَا احْتَمَلَ وَاحِدًا مِنْ مَفْهُومَاتِ اللَّفْظِ كَمَا إنَّ قَوْلَهُ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى تَقْسِيمٌ لِلْمَحْدُودِ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ يَنْتَظِمُ، وَقَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْلِك تَبَحَّرَ فُلَانٌ فِي الْعُلُومِ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ أَيْ مَعَ.
وَالْعَامِلُ فِيهِ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ فِي الظَّرْفِ، وَمَحَلُّ الظَّرْفِ النَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ لِ " اسْمًا "، وَاللَّامُ فِي الْمَعَانِي بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ احْتَمَلَ اسْمًا اسْتَقَرَّ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مُخْتَلِفَةً مَعَانِيهَا، وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ حَالٌ مِنْ الْمَعَانِي وَمِنْ الْأَسْمَاءِ جَمِيعًا بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ احْتَمَلَ، وَاللَّامُ فِي الْجُمْلَةِ بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ أَيْ وَاحِدٌ مِنْ مَفْهُومَاتِهِ، " وَمُرَادًا " تَمْيِيزٌ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْمَعَانِي إنْ كَانَ مَفْهُومَاتُ الْأَلْفَاظِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ لَفْظِ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالذَّهَبِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هَهُنَا الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةُ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتُ أَيْ الْأَعْيَانُ فَالْعَيْنُ عَلَى هَذَا نَظِيرُ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَا الْمَوْلَى وَالْقُرْءُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَنَظِيرُ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعَانِي الْإِخْفَاءُ لِلْإِظْهَارِ وَالسِّرِّ وَالنَّهَلُ لِلرَّيِّ وَالْعَطَشِ وَلَفْظُ بَانَ بِمَعْنَى انْفَصَلَ وَظَهَرَ وَبَعُدَ.
وَقَوْلُهُ
стр. 38
وَالْقُرْءُ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْأَسْمَاءِ قِيلَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْءِ أَيْ مِثْلُ الْقُرْءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ دُونَ الْقُرْءِ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَالِانْتِقَالِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمُوعِ أَيْ هَذِهِ النَّظَائِرُ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا مِنْ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ اسْمٌ أَيْضًا لِلدِّينَارِ وَالْمَالِ النَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَالدَّيْدَبَانِ وَالْمَطَرِ الَّذِي لَا يَقْلَعُ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسُ الشَّيْءِ يُقَالُ هُوَ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَالنَّاسُ الْقَلِيلُ يُقَالُ بَلَدٌ قَلِيلُ الْعَيْنِ أَيْ قَلِيلُ النَّاسِ وَمَاءٌ عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ يُقَالُ نَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَيْنِ وَحَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَعَيْبٌ فِي الْجِلْدِ يُقَالُ فِي الْجِلْدِ عَيْنٌ، وَأَعَادَ لَفْظَةَ مِثْلَ فِي الْمَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى إذًا؛ وَلِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ كَالضِّدَّيْنِ وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ الْوَهْمُ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ضِدِّهِ لِغَايَةِ الْبُعْدِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ بِالِاتِّفَاقِ فَالشَّيْخُ أَزَالَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِإِيرَادِ هَذَيْنِ النَّظِيرَيْنِ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَثْبُتُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ أَوْرَدَ نَظِيرًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَهُوَ الصَّرِيمُ تَوْضِيحًا لِمَا ادَّعَاهُ إذْ هُوَ أَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِالْعُمُومِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُشْتَرَكِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمَهُ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالْفَهْمِ فِي حَقِّ السَّامِعِ لِتَرَدُّدِ الذِّهْنِ بَيْنَ مَفْهُومَاتِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِكْشَافُ إمَّا لِهَيْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِلِاسْتِنْكَافِ مِنْ السُّؤَالِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ فَيَقَعُ فِي الْجَهْلِ وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَهْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي وُقُوعِ الْأَغْلَاطِ حُصُولُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى أَنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمٍ خَاصٍّ فَيَقَعُ تَلَفُّظُهُ بِالْمُشْتَرَكِ عَبَثًا؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّ السَّامِعَ تَنَبَّهَ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ مَعَ أَنَّ السَّامِعَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا فَيَتَضَرَّرُ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْطِ فُلَانًا عَيْنًا، وَأَرَادَ بِهِ خُبْزًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ مِنْ الْأَعْيَانِ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا فَيَتَضَرَّرُ السَّيِّدُ، فَهَذَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْوَضْعِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَهُ لَمَّا أَبَى ذَلِكَ بَقِيَ اقْتِضَاءُ الْمَرْجُوحِيَّةِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ أَصْلٍ، يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُشْتَرَكِ اسْمًا خَاصًّا آخَرَ بِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مُرَادِفًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ إمَّا لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنْ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ، وَقَدْ اشْتَهَرَ فِي قَوْمٍ فَوَضَعَهُ ثَانِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَاشْتُهِرَ فِي آخَرِينَ ثُمَّ تَرَاضَى الْكُلُّ عَلَى الْوَضْعَيْنِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الْوَاضِعِينَ بِأَنَّ مَا وَضَعَهُ وَاضِعٌ لِمَعْنًى وَضَعَهُ آخَرُ لِآخَرَ ثُمَّ اشْتَهَرَ كَلَامُهُمَا بَيْنَ الْأَقْوَامِ أَوْ لِلْقَصْدِ إلَى تَعْرِيفِ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ إذْ هُوَ مَقْصُودٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالتَّفْصِيلِ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَيْفَ أَجْمَلَ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ ذَهَابِهِمَا
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْغَارِ وَقَالَ مَنْ هُوَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ يَهْدِينِي السَّبِيلَ.
وَإِنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ فُورَكٍ فَلِلِابْتِلَاءِ كَمَا فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ فَيَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ بِالْوَضْعِ خِلَافًا لِقَوْمٍ لِمَا سَنَذْكُرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ لَا الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ إذْ مِنْ شَرْطِ الْإِرَادَةِ الْخُطُورُ بِالْبَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِهَذَا وَلِذَاكَ وَيَكُونُ غَافِلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لِغَفْلَتِهِ عَنْ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَجْزَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَعْنَى وَبِدُونِ هَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت كُلُّ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ يَسْتَحِقُّ كُلُّ دَاخِلٍ دِرْهَمًا وَلَوْ قُلْت جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَيَسْتَحِقُّ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ إذَا صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ فِي الْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ لَا كَاسْتِعْمَالِ الْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مَعًا أَوْ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلَ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مَتَى تَجَرَّدَ الْمُشْتَرَكُ عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ لَا يَجِبُ فَصَارَ الْعَامُّ عِنْدَهُمَا قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُهَا.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ حَقِيقَةً تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَقِيلَ أُرِيدَ بِالسُّجُودِ، وَهُوَ لَفْظٌ وَاحِدٌ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ سُجُودَ النَّاسِ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ غَيْرُ سُجُودِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ سُجُودِ النَّاسِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ لَا الْخُشُوعُ تَخْصِيصُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِالسُّجُودِ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي السُّجُودِ بِمَعْنَى الْخُشُوعِ، وَبِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أُرِيدَ بِهِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً قَالَ لَا يَسْبِقُ الْمَجْمُوعُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ يَسْبِقُ أَحَدُ مَفْهُومَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ فَلَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ وَفِيهِ تَقْلِيلُ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا لَوْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا مَعًا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ لِكَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ مُرِيدًا لِأَحَدِ مَفْهُومَيْهِ خَاصَّةً ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُمَا غَيْرَ مُرِيدٍ إيَّاهُ أَيْضًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَفْهُومِ
стр. 40
وَلَا عُمُومَ لِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّرِيمِ اسْمٌ لِلَّيْلِ وَالصُّبْحِ جَمِيعًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ
ــ
[كشف الأسرار]
الْآخَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ إرَادَةِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ مُرَادًا وَغَيْرَ مُرَادٍ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّفْظَ بِمَنْزِلَةِ الْكِسْوَةِ لِلْمَعَانِي وَالْكِسْوَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَسِبَهَا شَخْصَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ تَمَامَ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ الْآخَرِ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ نَعَمْ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ جُزْءًا لِمَعْنًى فَيَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الْوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ مَا وَضَعَهُ إلَّا لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَفْهُومَاتِهِ فَقَطْ وَلَا يَحْصُلُ الِابْتِلَاءُ وَلَا التَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا حِينَئِذٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الْأُولَى فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّجُودِ هُوَ الْخُشُوعُ وَالِانْقِيَادُ عَلَى مَا قِيلَ، وَهُوَ يَعُمُّ الْجَمِيعَ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَكَثِيرٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ أَيْ وَيَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ سُجُودَ طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ فَيَكُونُ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ.
وَكَذَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ هُوَ الْعِنَايَةُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ فَيَعُمُّ الرَّحْمَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، أَوْ تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَعَكْسُهُ إنَّمَا يَجُوزُ لِمُلَازَمَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ الْجُزْءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُلِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ وَالْكُلُّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجُزْءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْوَجْهَ مُسْتَلْزِمٌ لِلذَّاتِ وَالذَّاتُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ أَيْضًا فَيَجُوزُ ذِكْرُ الْوَجْهِ وَإِرَادَةُ لَازِمِهِ وَعَكْسُهُ فَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْيَنْبُوعَ الَّذِي هُوَ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشَّمْسَ وَلَا الْبَاصِرَةَ وَلَا الذَّهَبَ بِوَجْهٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَكَيْفَ يَسْتَلْزِمُهَا وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِهَا بِوَجْهٍ لَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْبَاقِي مَفْهُومًا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ بِوَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا لَا يَجُوزُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَعُمُّ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ كَالنَّكِرَةِ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرَ عَيْنٍ، وَقِيلَ لَا يَعُمُّ فِيهِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِالنَّكِرَةِ أَنَّ عُمُومَهَا فِي النَّفْيِ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً صِدْقُ خَبَرِهِ لَا بِمُوجِبِ اللَّفْظِ وَمِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّك لَوْ قُلْت مَا رَأَيْت عَيْنًا وَأَرَدْت بِهِ الْيَنْبُوعَ دُونَ سَائِرِ مَفْهُومَاتِهِ لَكُنْت صَادِقًا وَإِنْ تَعَمَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَفْهُومِ، بِخِلَافِ قَوْلِك مَا رَأَيْت رَجُلًا كَذَا فِي الْمِيزَانِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَهُ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ يَمِينَهُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ وَفِيهِ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ، وَهُوَ بُغْضُهُ إيَّاهُمْ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ بَلْ اللَّفْظُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ، فَإِنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ صِفَةُ الْوُجُودِ، فَكَانَ مُنْتَظِمًا لِلْكُلِّ كَذَا هَذَا هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمَالَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ قَوْلُهُ (وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ) إنَّمَا
следующие страницы →