Полный текст (1 522 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْعَامُّ يَشْمَلُ كِلَيْهِمَا فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ فَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يَشْمَلَ اللَّفْظُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي وَجَعْلِ الْمَعَانِيَ مَجَازًا عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَكِنَّ أَخَاهُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا الْيُسْرِ ﵀ ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْجَصَّاصَ بِقَوْلِهِ أَوْ الْمَعَانِي لَمْ يُرِدْ عُمُومَ الْمَعَانِي وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ عَمَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ.
وَإِذَا قَالَ الْحَرَكَاتُ عَمَّ الْحَرَكَاتِ كُلَّهَا، وَهِيَ الْمَعَانِي فَيَجْعَلُ أَبُو الْيُسْرِ الْمَعَانِيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهَا كَمَا فِي قَوْلِنَا الْمَعَانِي وَالْعُلُومُ وَالْأَعْرَاضُ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا عَامٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِجَمْعٍ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ وَلَكِنْ بِمَعْنًى مُتَّحِدٍ يَشْمَلُ الْكُلَّ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَعْنَى وَالْعِلْمِ وَالْعَرَضِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لَفْظٌ آخَرُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَامُّ قِسْمَيْنِ: مَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَا يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ بِمَعْنًى يَعُمُّهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي وَيَكُونُ حَدُّهُ مُتَعَرِّضًا لِلْقِسْمَيْنِ فَيَكُونُ جَامِعًا وَلَا يَتَعَرَّضُ حَدُّ الْمُصَنِّفُ إلَّا لِقِسْمٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسَمَّى مَفْهُومُ اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُهَا، وَعَنْ هَذَا قِيلَ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ هُوَ لَفْظٌ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمَفْهُومَاتِ بِالْوَضْعِ، وَلَكِنَّ طَعْنَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ فَافْهَمْ.
وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَمِلِ لَا لِلْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ إذْ الْعَامُّ نَعْتٌ فَاعِلٌ كَمَا فِي قَوْلِنَا الرِّجَالُ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْعُمُومِ لَا الْأَفْرَادُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَهُ وَهَهُنَا الشَّامِلُ هُوَ اللَّفْظُ سَوَاءٌ اشْتَمَلَ عَلَى أَعْيَانٍ أَوْ عَلَى مَعَانٍ فَيَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعُمُومِ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَمَّا الْمَعْنَى إذَا شَمِلَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ لَفْظُهُ عَلَى الشُّمُولِ كَمَعْنَى الْمَطَرِ أَوْ الْخِصْبِ إذَا شَمِلَ الْأَمْكِنَةَ وَالْبِلَادَ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ إلَّا مَجَازًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُوصَفُ بِهِ حَقِيقَةً، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ حَدُّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يَنْتَظِمُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً؛ وَلِهَذَا تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِلَّفْظِ فَقَالَ كُلُّ لَفْظٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ عِنْدَهُ وَصْفُ الْمَعْنَى بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِهِ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً فِي الْمَعَانِي كَمَا هُوَ فِي الْأَلْفَاظِ يُقَالُ عَمَّهُمْ الْخِصْبُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. ﵀
[تَعْرِيف الْمُشْتَرَكُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَاتِ مُشْتَرَكَةٌ وَالصِّيغَةُ مُشْتَرَكٌ فِيهَا، وَقَوْلُهُ احْتَمَلَ كَذَا أَيْ بِالْوَضْعِ عُرِفَ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَقْسِيمُ نَفْسِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَالْمَجَازُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِرَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ
стр. 37
أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ مُرَادًا بِهِ مِثْلُ الْعَيْنِ اسْمٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ وَعَيْنِ الرُّكْبَةِ وَعَيْنِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِثْلُ الْمَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ يُوهِمُ أَنَّ عَدَدَ الثَّلَاثِ شَرْطٌ فِي الِاشْتِرَاكِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْعُمُومِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الِاسْمَيْنِ أَيْضًا كَالْقُرْءِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي حَدِّهِ هُوَ اللَّفْظَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَضْعًا أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ، فَاحْتُرِزَ بِالْمَوْضُوعَةِ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَضْعًا أَوَّلًا عَنْ الْمَنْقُولِ، وَبِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ عَنْ مِثْلِ الشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةَ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي مَعْنَاهُ أَوْ مُسَمًّى مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِهِمَا لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى يَشْمَلُهَا بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ الْمَعَانِي لَكِنْ لَا لِاخْتِلَافِهَا فِي ذَوَاتِهَا بَلْ بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ أَوْ فِي التَّحْدِيدِ إنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ فَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ، فَهُوَ جَائِزٌ لِعَدَمِ الِاخْتِلَالِ فِي التَّعْرِيفِ، ثُمَّ إنْ تَنَاوَلَ الْقِسْمَيْنِ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَهُوَ تَقْسِيمُ الْمَحْدُودِ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْسِيمُ الْحَدِّ كَمَا لَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْمَحْدُودِ لِتَنَاوُلِ التَّرْكِيبِ إيَّاهُمَا وَلَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ مَا لَهُ أَبْعَادٌ ثَلَاثَةٌ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْحَدِّ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَيَفْسُدُ فَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا مِنْ تَقْسِيمِ الْحَدِّ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ كُلُّ لَفْظٍ اُحْتُمِلَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُشْتَرَكُ مَا احْتَمَلَ وَاحِدًا مِنْ مَفْهُومَاتِ اللَّفْظِ كَمَا إنَّ قَوْلَهُ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى تَقْسِيمٌ لِلْمَحْدُودِ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ يَنْتَظِمُ، وَقَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْلِك تَبَحَّرَ فُلَانٌ فِي الْعُلُومِ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ أَيْ مَعَ.
وَالْعَامِلُ فِيهِ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ فِي الظَّرْفِ، وَمَحَلُّ الظَّرْفِ النَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ لِ " اسْمًا "، وَاللَّامُ فِي الْمَعَانِي بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ احْتَمَلَ اسْمًا اسْتَقَرَّ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مُخْتَلِفَةً مَعَانِيهَا، وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ حَالٌ مِنْ الْمَعَانِي وَمِنْ الْأَسْمَاءِ جَمِيعًا بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ احْتَمَلَ، وَاللَّامُ فِي الْجُمْلَةِ بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ أَيْ وَاحِدٌ مِنْ مَفْهُومَاتِهِ، " وَمُرَادًا " تَمْيِيزٌ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْمَعَانِي إنْ كَانَ مَفْهُومَاتُ الْأَلْفَاظِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ لَفْظِ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالذَّهَبِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هَهُنَا الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةُ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتُ أَيْ الْأَعْيَانُ فَالْعَيْنُ عَلَى هَذَا نَظِيرُ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَا الْمَوْلَى وَالْقُرْءُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَنَظِيرُ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعَانِي الْإِخْفَاءُ لِلْإِظْهَارِ وَالسِّرِّ وَالنَّهَلُ لِلرَّيِّ وَالْعَطَشِ وَلَفْظُ بَانَ بِمَعْنَى انْفَصَلَ وَظَهَرَ وَبَعُدَ.
وَقَوْلُهُ
стр. 38
وَالْقُرْءُ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْأَسْمَاءِ قِيلَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْءِ أَيْ مِثْلُ الْقُرْءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ دُونَ الْقُرْءِ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَالِانْتِقَالِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمُوعِ أَيْ هَذِهِ النَّظَائِرُ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا مِنْ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ اسْمٌ أَيْضًا لِلدِّينَارِ وَالْمَالِ النَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَالدَّيْدَبَانِ وَالْمَطَرِ الَّذِي لَا يَقْلَعُ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسُ الشَّيْءِ يُقَالُ هُوَ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَالنَّاسُ الْقَلِيلُ يُقَالُ بَلَدٌ قَلِيلُ الْعَيْنِ أَيْ قَلِيلُ النَّاسِ وَمَاءٌ عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ يُقَالُ نَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَيْنِ وَحَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَعَيْبٌ فِي الْجِلْدِ يُقَالُ فِي الْجِلْدِ عَيْنٌ، وَأَعَادَ لَفْظَةَ مِثْلَ فِي الْمَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى إذًا؛ وَلِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ كَالضِّدَّيْنِ وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ الْوَهْمُ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ضِدِّهِ لِغَايَةِ الْبُعْدِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ بِالِاتِّفَاقِ فَالشَّيْخُ أَزَالَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِإِيرَادِ هَذَيْنِ النَّظِيرَيْنِ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَثْبُتُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ أَوْرَدَ نَظِيرًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَهُوَ الصَّرِيمُ تَوْضِيحًا لِمَا ادَّعَاهُ إذْ هُوَ أَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِالْعُمُومِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُشْتَرَكِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمَهُ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالْفَهْمِ فِي حَقِّ السَّامِعِ لِتَرَدُّدِ الذِّهْنِ بَيْنَ مَفْهُومَاتِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِكْشَافُ إمَّا لِهَيْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِلِاسْتِنْكَافِ مِنْ السُّؤَالِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ فَيَقَعُ فِي الْجَهْلِ وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَهْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي وُقُوعِ الْأَغْلَاطِ حُصُولُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى أَنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمٍ خَاصٍّ فَيَقَعُ تَلَفُّظُهُ بِالْمُشْتَرَكِ عَبَثًا؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّ السَّامِعَ تَنَبَّهَ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ مَعَ أَنَّ السَّامِعَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا فَيَتَضَرَّرُ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْطِ فُلَانًا عَيْنًا، وَأَرَادَ بِهِ خُبْزًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ مِنْ الْأَعْيَانِ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا فَيَتَضَرَّرُ السَّيِّدُ، فَهَذَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْوَضْعِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَهُ لَمَّا أَبَى ذَلِكَ بَقِيَ اقْتِضَاءُ الْمَرْجُوحِيَّةِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ أَصْلٍ، يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُشْتَرَكِ اسْمًا خَاصًّا آخَرَ بِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مُرَادِفًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ إمَّا لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنْ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ، وَقَدْ اشْتَهَرَ فِي قَوْمٍ فَوَضَعَهُ ثَانِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَاشْتُهِرَ فِي آخَرِينَ ثُمَّ تَرَاضَى الْكُلُّ عَلَى الْوَضْعَيْنِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الْوَاضِعِينَ بِأَنَّ مَا وَضَعَهُ وَاضِعٌ لِمَعْنًى وَضَعَهُ آخَرُ لِآخَرَ ثُمَّ اشْتَهَرَ كَلَامُهُمَا بَيْنَ الْأَقْوَامِ أَوْ لِلْقَصْدِ إلَى تَعْرِيفِ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ إذْ هُوَ مَقْصُودٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالتَّفْصِيلِ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَيْفَ أَجْمَلَ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ ذَهَابِهِمَا
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْغَارِ وَقَالَ مَنْ هُوَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ يَهْدِينِي السَّبِيلَ.
وَإِنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ فُورَكٍ فَلِلِابْتِلَاءِ كَمَا فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ فَيَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ بِالْوَضْعِ خِلَافًا لِقَوْمٍ لِمَا سَنَذْكُرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ لَا الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ إذْ مِنْ شَرْطِ الْإِرَادَةِ الْخُطُورُ بِالْبَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِهَذَا وَلِذَاكَ وَيَكُونُ غَافِلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لِغَفْلَتِهِ عَنْ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَجْزَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَعْنَى وَبِدُونِ هَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت كُلُّ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ يَسْتَحِقُّ كُلُّ دَاخِلٍ دِرْهَمًا وَلَوْ قُلْت جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَيَسْتَحِقُّ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ إذَا صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ فِي الْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ لَا كَاسْتِعْمَالِ الْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مَعًا أَوْ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلَ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مَتَى تَجَرَّدَ الْمُشْتَرَكُ عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ لَا يَجِبُ فَصَارَ الْعَامُّ عِنْدَهُمَا قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُهَا.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ حَقِيقَةً تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَقِيلَ أُرِيدَ بِالسُّجُودِ، وَهُوَ لَفْظٌ وَاحِدٌ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ سُجُودَ النَّاسِ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ غَيْرُ سُجُودِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ سُجُودِ النَّاسِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ لَا الْخُشُوعُ تَخْصِيصُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِالسُّجُودِ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي السُّجُودِ بِمَعْنَى الْخُشُوعِ، وَبِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أُرِيدَ بِهِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً قَالَ لَا يَسْبِقُ الْمَجْمُوعُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ يَسْبِقُ أَحَدُ مَفْهُومَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ فَلَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ وَفِيهِ تَقْلِيلُ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا لَوْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا مَعًا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ لِكَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ مُرِيدًا لِأَحَدِ مَفْهُومَيْهِ خَاصَّةً ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُمَا غَيْرَ مُرِيدٍ إيَّاهُ أَيْضًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَفْهُومِ
стр. 40
وَلَا عُمُومَ لِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّرِيمِ اسْمٌ لِلَّيْلِ وَالصُّبْحِ جَمِيعًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ
ــ
[كشف الأسرار]
الْآخَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ إرَادَةِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ مُرَادًا وَغَيْرَ مُرَادٍ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّفْظَ بِمَنْزِلَةِ الْكِسْوَةِ لِلْمَعَانِي وَالْكِسْوَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَسِبَهَا شَخْصَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ تَمَامَ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ الْآخَرِ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ نَعَمْ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ جُزْءًا لِمَعْنًى فَيَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الْوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ مَا وَضَعَهُ إلَّا لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَفْهُومَاتِهِ فَقَطْ وَلَا يَحْصُلُ الِابْتِلَاءُ وَلَا التَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا حِينَئِذٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الْأُولَى فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّجُودِ هُوَ الْخُشُوعُ وَالِانْقِيَادُ عَلَى مَا قِيلَ، وَهُوَ يَعُمُّ الْجَمِيعَ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَكَثِيرٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ أَيْ وَيَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ سُجُودَ طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ فَيَكُونُ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ.
وَكَذَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ هُوَ الْعِنَايَةُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ فَيَعُمُّ الرَّحْمَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، أَوْ تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَعَكْسُهُ إنَّمَا يَجُوزُ لِمُلَازَمَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ الْجُزْءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُلِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ وَالْكُلُّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجُزْءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْوَجْهَ مُسْتَلْزِمٌ لِلذَّاتِ وَالذَّاتُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ أَيْضًا فَيَجُوزُ ذِكْرُ الْوَجْهِ وَإِرَادَةُ لَازِمِهِ وَعَكْسُهُ فَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْيَنْبُوعَ الَّذِي هُوَ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشَّمْسَ وَلَا الْبَاصِرَةَ وَلَا الذَّهَبَ بِوَجْهٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَكَيْفَ يَسْتَلْزِمُهَا وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِهَا بِوَجْهٍ لَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْبَاقِي مَفْهُومًا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ بِوَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا لَا يَجُوزُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَعُمُّ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ كَالنَّكِرَةِ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرَ عَيْنٍ، وَقِيلَ لَا يَعُمُّ فِيهِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِالنَّكِرَةِ أَنَّ عُمُومَهَا فِي النَّفْيِ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً صِدْقُ خَبَرِهِ لَا بِمُوجِبِ اللَّفْظِ وَمِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّك لَوْ قُلْت مَا رَأَيْت عَيْنًا وَأَرَدْت بِهِ الْيَنْبُوعَ دُونَ سَائِرِ مَفْهُومَاتِهِ لَكُنْت صَادِقًا وَإِنْ تَعَمَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَفْهُومِ، بِخِلَافِ قَوْلِك مَا رَأَيْت رَجُلًا كَذَا فِي الْمِيزَانِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَهُ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ يَمِينَهُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ وَفِيهِ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ، وَهُوَ بُغْضُهُ إيَّاهُمْ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ بَلْ اللَّفْظُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ، فَإِنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ صِفَةُ الْوُجُودِ، فَكَانَ مُنْتَظِمًا لِلْكُلِّ كَذَا هَذَا هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمَالَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ قَوْلُهُ (وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ) إنَّمَا
стр. 41
لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَحْتَمِلُ الْإِدْرَاكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ لُغَةً
ــ
[كشف الأسرار]
ذُكِرَ هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْفَنِّ جَعَلَ الْكِتَابَ قِسْمَيْنِ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَجَعَلَ كُلَّ كَلَامٍ فِيهِ ظُهُورٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحْكَمِ وَجَعَلَ كُلَّ كَلَامٍ فِيهِ خَفَاءٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمُتَشَابِهِ وَجَعَلَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُجْمَلِ وَجَعَلَ الْمُجْمَلَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ فِي الْقَرَائِنِ إذْ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مَعَ جَمِيعِ أَقْسَامِهِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ فَالْمُصَنِّفُ ﵀ نَفَى ذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ كَذَا سَمِعْت مِنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
فَإِنْ قُلْت هَذَا تَقْسِيمٌ مَعْقُولٌ سَهْلُ الْمَأْخَذِ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ هَذِهِ التَّقَاسِيمُ الْمُعْضِلَةُ الْمُخَالِفَةُ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، قُلْت كَمْ مِنْ شَيْءٍ يَتَرَاءَى أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِذَا كُشِفَ عَنْهُ الْغِطَاءُ بِالتَّأَمُّلِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ فَأَنْعِمْ النَّظَرَ إنَّ الْأَقْسَامَ الْمَذْكُورَةَ هَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا وَجَدْتهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ إذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ ثُمَّ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك النَّصُّ فَتَأَمَّلْ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقْتَضٍ لِقَصْرِ الْكِتَابِ عَلَى الْقِسْمَيْنِ أَوْ لَا وَلَعَمْرِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] مَعْنَاهُ بَعْضُهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ.
وَقَوْلُهُ وَأُخَرُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَهُوَ آيَاتٌ وَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمَا كَيْفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ طُرُقِ الْقَصْرِ، وَهِيَ الْعَطْفُ كَقَوْلِك زَيْدٌ شَاعِرٌ لَا مُنَجِّمٌ أَوْ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِك مَا زَيْدٌ إلَّا شَاعِرٌ أَوْ إنَّمَا كَقَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ ذَاهِبٌ أَوْ التَّقْدِيمِ كَقَوْلِك تَمِيمِيٌّ أَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ شَيْءٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ وَآيَاتٌ أُخَرُ مُفَسَّرَاتٌ وَآيَاتُ أُخَرُ مُجْمَلَاتٌ لَاسْتَقَامَ وَلَوْ اقْتَضَى الْكَلَامُ الْأَوَّلُ الْقَصْرَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ الْعَطْفُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قِيلَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَالْبَاقِي مُتَشَابِهَاتٌ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، وَالْمُحْكَمُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُرْجَى بَيَانُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قِسْمٌ آخَرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الرَّسُولِ ﵇ لِيَصِحَّ إسْنَادُ الْبَيَانِ، إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلَى الْقِسْمَيْنِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ مَا زَعَمْت بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّبْلِيغُ إذْ هُوَ بَيَانٌ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵇ أُمِرَ بِبَيَانِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِ وَالْبَيَانُ الَّذِي أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ مَا نُزِّلَ لَيْسَ إلَّا التَّبْلِيغُ فَأَمَّا بَيَانُ الْمُجْمَلِ فَهُوَ بَيَانٌ لِبَعْضِ مَا نُزِّلَ لَا لِكُلِّهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ فِي الْكِتَابِ قِسْمًا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى بَيَانِ الرَّسُولِ كَالصَّلَاةِ وَالرِّبَا وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُرْجَى بَيَانُهُ وَالْمُحْكَمُ لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ عَلَى الْبَيَانِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْقِسْمَيْنِ وَحَاصِلُهُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْته أَوَّلًا، وَبَيَانُ الْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِ وُجُوهِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ آخَرَ وَقِسْمٌ لَا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيَانِ، فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُجْمَلِ دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا زَعَمَ الْمُخَالِفُ،
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُشْتَرَكَ هُوَ مَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِالتَّأَمُّلِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا بَلْ هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُجْمَلِ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُسَمَّى الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مُشْتَرَكًا مَعَ كَوْنِهِ مُجْمَلًا وَعَلَى
стр. 42
بِرُجْحَانِ بَعْضِ الْوُجُوهِ عَلَى الْبَعْضِ فَقَبْلَ ظُهُورِ الرُّجْحَانِ سُمِّيَ مُشْتَرَكًا.
فَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَمَا لَا يُدْرَكُ لُغَةً لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَمَا تَرَجَّحَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي لَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا أَصْلًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لِدُخُولِ هَذَا الْقِسْمِ فِي حَدِّ الْمُشْتَرَكِ وَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ مَانِعًا.
وَالْبَاءُ فِي " بِالتَّأَمُّلِ " لِلِاسْتِعَانَةِ وَفِي " بِرُجْحَانِ " لِلسَّبَبِيَّةِ وَكِلَاهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِدْرَاكِ، وَلُغَةً تَمْيِيزٌ لِلْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ بَابِ مَلَأَ الْإِنَاءَ عَسَلًا.
وَقَوْلُهُ لُغَةً بَعْدَهُ تَمْيِيزٌ عَنْ النِّسْبَةِ، وَنَظِيرُ مَا يَحْتَمِلُ الْإِدْرَاكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً قَوْله تَعَالَى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا تَأَمَّلُوا فِي مَعْنَى الْقُرْءِ فَوَجَدُوهُ دَالًّا عَلَى الْجَمْعِ وَالِانْتِقَالِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَذَلِكَ فِي الْحَيْضِ دُونَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ هُوَ الدَّمُ وَالِانْتِقَالُ يَحْصُلُ بِالْحَيْضِ إذْ الطُّهْرُ هُوَ الْأَصْلُ، وَتَأَمَّلُوا فِي لَفْظِ الثَّلَاثَةِ فَوَجَدُوهُ دَالًّا عَلَى الْأَفْرَادِ الْكَامِلَةِ وَذَلِكَ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَيْضِ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَعْنَى الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى الطُّهْرِ لَا عَلَى الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الْجَامِعُ وَالدَّمُ لَيْسَ بِجَامِعٍ بَلْ هُوَ مُجْتَمِعٌ.
قَوْلُهُ (لِمَعْنًى زَائِدٍ) ثَبَتَ شَرْعًا كَالرِّبَا، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلزِّيَادَةِ وَهِيَ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِلِاسْتِرْبَاحِ وَكَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ أَوْ تَحْرِيكُ الصَّلَوَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ بِنَفْسِهِ أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً كَالنَّاهِلِ لِلْعَطْشَانِ وَالرَّيَّانِ وَالصَّرِيمِ لِلصُّبْحِ وَاللَّيْلِ وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ حَقِيقَةً وَاسْتِعْمَالًا وَلَا يُمْكِنُ إدْخَالُهُمَا جَمِيعًا فِي الْإِيجَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى مُنْعِمٌ وَالْأَسْفَلُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّعْيِينُ؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ الْأَعْلَى بِالْوَصِيَّةِ مُجَازَاةً وَشُكْرًا لِإِنْعَامِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ الْأَسْفَلَ إتْمَامًا لِلْإِنْعَامِ فَلَا يُوقَفُ عَلَى مُرَادِ الْمُوصِي وَرُبَّمَا يُؤَدِّي التَّعْيِينُ إلَى إبْطَالِ مُرَادِهِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَقَالَ زُفَرُ: ﵀ إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْفَرِيقَيْنِ وَجَعَلَهُ قِيَاسَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَهُ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ يَمِينَهُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْإِيصَاءِ مُخْتَلِفٌ فَأَمَّا الْمَقْصُودُ فِي الْيَمِينِ فَلَا يَخْتَلِفُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُهُ مَجَازًا عَنْ أَحَدِهِمَا بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَيَتَعَمَّمُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ وَصَرَفَهَا إلَى الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْإِنْعَامِ وَاجِبٌ وَإِتْمَامُهُ مَنْدُوبٌ فَصَارَ صَرْفُهَا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَوْلَى، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ إذَا اصْطَلَحُوا عَلَى حَدِّهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَزُولُ بِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ كَذَا فِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْمَلَ قِسْمَانِ مَا لَيْسَ لَهُ ظُهُورٌ أَصْلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالرِّبَا وَمَا لَهُ ظُهُورٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمُشْتَرَكِ الَّذِي انْسَدَّ فِيهِ بَابُ التَّرْجِيحِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ هَذَا أَوْ ذَاكَ وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا آخَرَ وَلَكِنَّهُ مُجْمَلٌ فِي تَعْيِينِ مَا أَرَادَهُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَوْلُهُ لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا إشَارَةٌ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً إشَارَةٌ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي.
[تَعْرِيف الْمُؤَوَّلُ]
[الفرق بَيْن التَّفْسِير وَالتَّأْوِيل]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَكَذَا) قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَبِغَالِبِ الرَّأْيِ وَهُمَا لَيْسَا
стр. 43
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ آلَ يَئُولُ إذَا رَجَعَ وَأَوَّلْتُهُ إذَا رَجَعْتَهُ وَصَرَفْتَهُ؛ لِأَنَّك لَمَّا تَأَمَّلْت فِي مَوْضِعِ اللَّفْظِ فَصَرَفْت اللَّفْظَ إلَى بَعْضِ الْمَعَانِي خَاصَّةً
ــ
[كشف الأسرار]
بِلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْخَفِيَّ وَالْمُشْكِلَ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُجْمَلَ إذَا لَحِقَهَا الْبَيَانُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى مُفَسَّرًا، وَإِذَا زَالَ الْإِشْكَالُ أَيْ الْخَفَاءُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا، وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُؤَوَّلِ وَتَفْسِيرُهُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ هُنَا وَكَذَا الْمُرَادُ مِنْ الْكَلَامِ مَتَى خَفِيَ لِدِقَّتِهِ فَأَوْضَحَ بِالرَّأْيِ كَانَ مُؤَوَّلًا، وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْمُؤَوَّلُ اسْمٌ لِمُشْتَرَكٍ تَنَاوَلَ بَعْضَ مَا دَخَلَ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَيْدَيْنِ لَيْسَا بِلَازِمَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ مَا فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَمِنْ غَالِبِ الرَّأْيِ مَا يُوجِبُ الظَّنَّ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ الْمُؤَوَّلِ مَا تَرَجَّحَ مِمَّا فِيهِ خَفَاءُ بَعْضِ وُجُوهِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَقَوْلُهُ مَا تَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ فَدَخَلَ فِيهِ الْمُفَسَّرُ بِقَوْلِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ اُحْتُرِزَ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ مِمَّا فِيهِ خَفَاءٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالنَّصَّ يَقْبَلَانِ التَّأْوِيلَ أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْمُفَسَّرُ فَوْقَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ قَائِمٌ فِيهِمَا فِي الْمُفَسَّرِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ زَائِدًا لَا عِبَارَةً عَمَّا فِيهِ خَفَاءٌ أَوْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْمُحْتَمَلِ أَيْ الْمُؤَوَّلِ مَا تَرَجَّحَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ بَعْضُ مُحْتَمَلَاتِهِ لِيَتَنَاوَلَ الْجَمِيعَ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى، وَقِيلَ فِي حَدِّ التَّأْوِيلِ هُوَ اعْتِبَارُ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا دَخَلَ الْمُؤَوَّلُ فِي أَقْسَامِ النَّظْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ التَّأْوِيلِ يُضَافُ إلَى الصِّيغَةِ وَاللُّغَةِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الدَّلِيلِ الْأَقْوَى أَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَا إلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مُضَافًا إلَى الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ اللَّاحِقَ بِهِ مِثْلُهُ فِي الْقُوَّةِ فَيَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْمُفَسَّرِ، وَهَذَا كَالْمُجْمَلِ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَكُونُ ذَلِكَ ثَابِتًا قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْبَيَانِ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْمُفَسَّرِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى لَا إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك لِمَا اُلْتُحِقَ بَيَانًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ، ثَبَتَتْ فَرْضِيَّةُ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَصْلَحَ اللَّهُ شَأْنَهُ أَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُؤَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرُوا فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا تَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْ الْخَفِيِّ أَوْ الْمُشْكِلِ بِالرَّأْيِ وَلَا فِيمَا إذَا حُمِلَ الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ عَلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَقْسَامِ الصِّيغَةِ وَاللُّغَةِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ قَيْدًا لَازِمًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُجْمَلُ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَكُونُ الثَّابِتُ بِهِ قَطْعِيًّا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْبَيَانِ لَا يُوجِبُ الْكَشْفَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا مِثْلُ الْقِيَاسِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَا هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ
стр. 44
فَقَدْ أَوَّلْته إلَيْهِ وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةُ الِاحْتِمَالِ بِوَاسِطَةِ الرَّأْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أَيْ عَاقِبَتَهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ إذَا عَرَفْت بَعْضَ وُجُوهِهِ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُفَسَّرًا لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَسُمِّيَ مُفَسَّرًا أَيْ مَكْشُوفًا كَشْفًا بِلَا شُبْهَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ إضَاءَةً لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَسَفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْ النِّقَابَ فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَقْلُوبًا مِنْ التَّفْسِيرِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالثُّبُوتِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُثْبِتُ الْفَرْضِيَّةَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقَعْدَةِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى مُنِعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ، وَوَاجِبٌ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ فَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا وَلَكِنْ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ فَالْقَعْدَةُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْنَاهَا فَرْضًا فَأَمَّا أَنْ يَجِبَ اعْتِقَادُ فَرْضِيَّتِهَا بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ يُضَلَّلُ فَلَا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَمَالِكًا لَمْ يَكْفُرَا بِإِنْكَارِهِمَا فَرْضِيَّتَهَا وَلَمْ يَكْفُرْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِإِنْكَارِهِ رِبَا النَّقْدِ مَعَ لُحُوقِ الْبَيَانِ بِآيَةِ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ أَنْكَرَ تَقْدِيرَ فَرْضِ الْمَسْحِ بِالرُّبْعِ مَعَ لُحُوقِ خَبَرِ الْمُغِيرَةِ بَيَانًا بِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالتَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَالشَّافِعِيُّ بِالْقَطْرِ وَمَالِكٌ بِالِاسْتِيعَابِ وَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ قَطْعًا بِمِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ وَفِي ثُبُوتِهِ بَيَانًا شُبْهَةٌ، أَوَّلْتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ إذَا رَجَعْتَهُ وَصَرَفْته بِفَتْحِ التَّاءَيْنِ، وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةَ الِاحْتِمَالِ أَيْ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] ، أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْكِتَابِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ تَبَيُّنِ صِدْقِهِ وَظُهُورِ صِحَّةِ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ) أَيْ لَيْسَ الْمُؤَوَّلُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا كَالْمُجْمَلِ الَّذِي عُرِفَ مَعْنَاهُ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُفَسَّرٌ وَلَيْسَ بِمُؤَوَّلٍ وَكَذَا الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ أَوْ الْمُشْكِلُ أَوْ غَيْرُهَا إذَا الْتَحَقَ بِهِ بَيَانٌ قَاطِعٌ فَهُوَ مُفَسَّرٌ لَا مُؤَوَّلٌ فَلَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ مُخْتَصًّا بِالْمُجْمَلِ لَكِنَّ غَرَضَهُ إثْبَاتُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ بِآكَدِ الْوُجُوهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَقَالُوا النَّهْيُ وَارِدٌ عَنْ التَّفْسِيرِ دُونَ التَّأْوِيلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ فَقِيلَ التَّفْسِيرُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَأْنِ مَنْ نُزِّلَ فِيهِ وَعَنْ سَبَبِ نُزُولِهِ وَذَلِكَ عِلْمُ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا ذَلِكَ فَهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ بِالرَّأْيِ وَالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ تَبْيِينُ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْمَعَانِي وَلِهَذَا قِيلَ التَّفْسِيرُ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّأْوِيلُ لِلْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ التَّفْسِيرُ بَيَانُ لَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالتَّأْوِيلُ تَوْجِيهُ لَفْظٍ يَتَوَجَّهُ إلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀: هُوَ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ هَذَا فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْمُرَادِ يَكُونُ تَفْسِيرًا صَحِيحًا مُسْتَحْسَنًا، وَإِنْ قَطَعَ عَلَى الْمُرَادِ لَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا، فَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ بَيَانُ عَاقِبَةِ الِاحْتِمَالِ بِالرَّأْيِ دُونَ الْقَطْعِ فَيُقَالُ يَتَوَجَّهُ اللَّفْظُ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْجَهُ لِشَهَادَةِ الْأُصُولِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَوْلُهُ (مَأْخُوذٌ مِنْ كَذَا) مَدَارُ تَرْكِيبِ السَّفَرِ يَدُلُّ عَلَى الْكَشْفِ لِمَا ذُكِرَ، وَمِنْهُ يُقَالُ سَفَرْت الْبَيْتَ أَيْ كَنَسْته،
стр. 45
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَيْ قَضَى بِتَأْوِيلِهِ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ صَاحِبَ وَحْيٍ وَفِي هَذَا إبْطَالُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ تَفْسِيرًا وَقَطْعًا عَلَى حَقِّيَّتِهِ مُرَادًا، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَإِنَّ الظَّاهِرَ اسْمٌ لِكُلِّ كَلَامٍ ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ لِلسَّامِعِ بِصِيغَتِهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِحْلَالِ وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا ازْدَادَ
ــ
[كشف الأسرار]
وَمِنْهُ السَّفِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ مُرَادَ اثْنَيْنِ وَسَافَرَ الرَّجُلُ انْكَشَفَ عَنْ الْبُنْيَانِ وَمِنْهُ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَخْلَاقِ الْمَرْءِ وَأَحْوَالِهِ، فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ أَيْ التَّفْسِيرُ مَقْلُوبًا مِنْ التَّسْفِيرِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ عَلَى وَجْهٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ كَجَبَذَ وَجَذَبَ وَطَسَمَ وَطَمَسَ إلَّا أَنَّهُ قِيلَ السَّفَرُ كَشْفُ الظَّاهِرِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْفَسْرُ كَشْفُ الْبَاطِنِ وَمِنْهُ التَّفْسِرَةُ لِلْقَارُورَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا عِنْدَ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهَا يَكْشِفُ عَنْ بَاطِنِ الْعَلِيلِ فَسُمِّيَ كَشْفُ الْمَعَانِي تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّهُ كَشْفُ بَاطِنِ الْأَلْفَاظِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْسِيرَ هُوَ الْكَشْفُ بِلَا شُبْهَةٍ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «فَلْيَتَبَوَّأْ» أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْ فَقَدْ تَبَوَّأَ أَيْ اتَّخَذَ النَّارَ مَنْزِلًا، قُضِيَ بِتَأْوِيلِهِ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْحَاصِلِ بِالتَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ أَيْ حُكِمَ بِأَنْ مَا صَرَفْت اللَّفْظَ إلَيْهِ وَاجْتَهَدْت فِي اسْتِخْرَاجِهِ، وَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي هَذَا أَيْ الْحَدِيثِ إبْطَالُ قَوْلِهِمْ لِمَا ذُكِرَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ أَيْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ فِي الْخَطَإِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَصَابَ الْحَقَّ غَيْرُهُ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي وُجُوهِ بَيَانِ النَّظْم]
[تَعْرِيف الظَّاهِرَ وَالنَّصّ]
قَوْلُهُ (الظَّاهِرُ اسْمٌ لِكُلِّ) الْمُرَادُ مِنْ الظَّاهِرِ هُوَ الْمُصْطَلَحُ أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي يُسَمَّى ظَاهِرًا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْ قَوْلِهِ مَا ظَهَرَ الظُّهُورَ اللُّغَوِيَّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ إذْ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْعُرْفِيِّ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، وَقِيلَ هُوَ مَا لَا يَفْتَقِرُ فِي إفَادَتِهِ لِمَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّصُّ فَكَذَا) اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَصَدَّى لِشَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْمُخْتَصَرِ ذَكَرُوا أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ إذَا اقْتَرَنَ بِالظَّاهِرِ صَارَ نَصًّا وَشَرْطٌ فِي الظَّاهِرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْنَاهُ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ أَصْلًا فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّصِّ، قَالُوا لَوْ قِيلَ رَأَيْت فُلَانًا حِينَ جَاءَنِي الْقَوْمُ ظَاهِرًا فِي مَجِيءِ الْقَوْمِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالسَّوْقِ وَلَوْ قِيلَ ابْتِدَاءً جَاءَنِي الْقَوْمُ كَانَ نَصًّا فِي مَجِيءِ الْقَوْمِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا سِيقَ لِمَقْصُودٍ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ ظُهُورٍ وَجَلَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْمَسُوقِ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ عِبَارَةُ النَّصِّ رَاجِحَةً عَلَى إشَارَتِهِ، قَالُوا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ وَبِقَوْلِهِ فَازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ وَسِيقَ لَهُ.
قُلْت هَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الظَّاهِرُ مَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] .
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ ظَاهِرٌ يُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِسَمَاعِ الصِّيغَةِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ تَصَانِيفِ أَصْحَابِنَا
стр. 46
وُضُوحًا عَلَى الظَّاهِرِ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَصَّصْت الدَّابَّةَ إذَا اسْتَخْرَجْت بِتَكَلُّفِك مِنْهَا سَيْرًا فَوْقَ سَيْرِهَا الْمُعْتَادِ وَسُمِّيَ مَجْلِسُ الْعَرُوسِ مِنَصَّةً لِأَنَّهُ ازْدَادَ ظُهُورًا عَلَى سَائِرِ الْمَجَالِسِ بِفَضْلِ تَكْلِيفٍ اتَّصَلَ بِهِ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ نَصٌّ فِي بَيَانِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْكَلَامُ لِلْعَدَدِ وَقُصِدَ بِهِ فَازْدَادَ ظُهُورًا عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ وَسِيقَ لَهُ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لِلتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ نَصٌّ لِلْفَصْلِ مِنْ الْبَيْعِ وَالرِّبَا لِأَنَّهُ سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ فَازْدَادَ وُضُوحًا بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا بِمَعْنًى فِي صِيغَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الظَّاهِرُ اسْمٌ لِمَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ السَّمْعِ مِنْ غَيْرِ إطَالَةٍ فِكْرَةٍ وَلَا إجَالَةِ رُؤْيَةٍ نَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ قَوْله تَعَالَى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] ، وقَوْله تَعَالَى، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ أَبُو الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ الظَّاهِرُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا بَعِيدًا نَحْوُ الْأَمْرُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِيجَابُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ وَكَالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَدَمَ السَّوْقِ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ هُوَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَسُوقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ بَيْنَ مَا كَانَ مَسُوقًا وَغَيْرَ مَسُوقٍ وَأَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَذْكُرْ فِي تَحْدِيدِهِ لِلظَّاهِرِ هَذَا الشَّرْطَ، وَلَوْ كَانَ مَنْظُورًا إلَيْهِ لَمَا غَفَلَ عَنْهُ الْكُلُّ، لَيْسَ ازْدِيَادُ وُضُوحِ النَّصِّ عَلَى الظَّاهِرِ بِمُجَرَّدِ السَّوْقِ كَمَا ظَنُّوا إذْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، مَعَ كَوْنِهِ مَسُوقًا فِي إطْلَاقِ النِّكَاحِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَسُوقٍ فِيهِ فَرْقٌ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّوْقِ قُوَّةٌ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الظُّهُورِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ بِالشُّهْرَةِ أَوْ التَّوَاتُرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعَانِي، بَلْ ازْدِيَادُهُ بِأَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ مَعْنًى لَمْ يُفْهَمْ مِنْ الظَّاهِرِ بِقَرِينَةٍ نُطْقِيَّةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهِ سِبَاقًا أَوْ سِيَاقًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالسَّوْقِ كَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا لَمْ تُفْهَمْ مِنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ بَلْ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، عُرِفَ أَنَّ الْغَرَضَ إثْبَاتُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَأَنَّى يَتَمَاثَلَانِ، وَلَمْ يُعْرَفْ هَذَا الْمَعْنَى بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ بِأَنْ قِيلَ ابْتِدَاءً ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: ﵀ وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا يَزْدَادُ بَيَانًا بِقَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ ظَاهِرًا بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ النَّصُّ فَوْقَ الظَّاهِرِ فِي الْبَيَانِ لِدَلِيلٍ فِي عَيْنِ الْكَلَامِ، وَقَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ: النَّصُّ مَا فِيهِ زِيَادَةُ ظُهُورٍ سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَأُرِيدَ بِالْإِسْمَاعِ بِاقْتِرَانِ صِيغَةٍ أُخْرَى بِصِيغَةِ الظَّاهِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، نَصٌّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا حَيْثُ أُرِيدَ بِالْإِسْمَاعِ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ دَعْوَى الْمُمَاثَلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ فَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ ازْدَادَ النَّصُّ وُضُوحًا عَلَى الظَّاهِرِ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ فِي الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعًا بَلْ يُفْهَمُ بِالْقَرِينَةِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِالْكَلَامِ أَنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ لِلْمُتَكَلِّمِ مِنْ السَّوْقِ كَمَا أَنَّ فَهْمَ التَّفْرِقَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً بَلْ بِالْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ التَّفْرِقَةُ وَلَوْ ازْدَادَ وُضُوحًا بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ بَصِيرٍ مُفَسَّرًا فَيَكُونُ هَذَا احْتِرَازًا عَنْ الْمُفَسَّرِ.
يُقَالُ الْمَاشِطَةُ تَنِضُّ الْعَرُوسَ فَتُقْعِدُهَا عَلَى الْمَنَصَّةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ كُرْسِيُّهَا لِتُرَى بَيْنَ النِّسَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، أَيْ مَا حَلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ كَاَللَّاتِي فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ،
стр. 47
وَحُكْمُ الْأَوَّلِ ثُبُوتُ مَا انْتَظَمَهُ يَقِينًا وَكَذَلِكَ الثَّانِي إلَّا أَنَّ هَذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى مِنْهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَقِيلَ مَا ذَهَابًا إلَى الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ مَا سُؤَالٌ عَنْ الصِّفَةِ كَمَا أَنَّ مَنْ سُؤَالٌ عَنْ الذَّاتِ؛ وَلِأَنَّ الْإِنَاثَ مِنْ الْعُقَلَاءِ يَجْرِينَ مَجْرَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] ، مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، مَعْدُولَةٌ عَنْ أَعْدَادٍ مُكَرَّرَةٍ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ التَّصْرِيفَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْعَدْلَيْنِ عَدْلُهَا عَنْ صِيغَتِهَا وَعَدْلُهَا عَنْ تَكَرُّرِهَا، وَهِيَ نَكِرَاتٌ يُعَرَّفْنَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ تَقُولُ فُلَانٌ يَنْكِحُ الْمَثْنَى وَالثُّلَاثَ وَالرُّبَاعَ وَمَحَلُّهُنَّ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ مِمَّا طَابَ تَقْدِيرُهُ فَانْكِحُوا الطَّيِّبَاتِ لَكُمْ مَعْدُودَاتِ هَذَا الْعَدَدِ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَقِيلَ مَا طَابَ أَيْ مَا أَدْرَكَ مِنْ طَابَتْ الثَّمَرَةُ إذَا أَدْرَكَتْ وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الصَّغَائِرِ جَائِزٌ، ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ أَيْ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ مَا يَسْتَطِيبُهُ الْمَرْءُ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ، وَقِيلَ فِي اخْتِيَارِهِ لَفْظَ الْإِطْلَاقِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ وَكَوْنُهَا حُرَّةً يُنَافِي صَيْرُورَتَهَا مَمْلُوكَةً؛ وَلِأَنَّهَا مُكَرَّمَةٌ بِالتَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ، وَصَيْرُورَتُهَا مَوْطُوءَةً مَصَبَّةٌ لِلْمَاءِ الْمَهِينِ يُنَافِي التَّكْرِيمَ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فَفِي قَوْلِهِ الْإِطْلَاقُ إشَارَةٌ إلَى إزَالَةِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ، الضَّمِيرُ فِي لِأَنَّهُ لِلشَّأْنِ.
وَقُصِدَ بِهِ أَيْ قُصِدَ الْعَدَدُ بِالسَّوْقِ، فَازْدَادَ هَذَا الْكَلَامُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، ﴿فَانْكِحُوا﴾ [النساء: ٣] إلَى قَوْلِهِ رُبَاعَ، وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَدَدٍ بِسَبَبِ أَنَّ قَصْدَ الْعَدَدِ بِالْكَلَامِ وَسِيقَ الْكَلَامُ لِلْعَدَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ثُبُوتُ مَا انْتَظَمَهُ يَقِينًا عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا وَكَذَا الثَّانِي، وَهُوَ النَّصُّ عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِ دِيَارِنَا مِنْهُمْ: الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ حُكْمُ الظَّاهِرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا وَوُجُوبُ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا حُكْمُ النَّصِّ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامَّ الْخَالِيَ مِنْ قَرِينَةِ الْخُصُوصِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ قَطْعًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِهِ لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا كُلُّ حَقِيقَةٍ مُحْتَمِلٌ لِلْمَجَازِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ كَذَا فِي الْمِيزَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ الِاحْتِمَالِ.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَعِنْدَنَا لَا عِبْرَةَ لِلِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ؛ لِأَنَّ النَّاشِئَ عَنْ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهِيَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ كَرُخَصِ الْمُسَافِرِ لَا تَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ وَالنَّسَبِ بِالْأَعْلَاقِ وَالتَّكْلِيفِ بِاعْتِدَالِ الْعَقْلِ لِكَوْنِهَا أُمُورًا بَاطِنَةً بَلْ بِالسَّفَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ وَالْفِرَاشِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْأَعْلَاقِ وَالِاحْتِلَامِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْمُسْتَصْفَى الظَّاهِرُ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَالنَّصُّ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ قَالَ النَّصُّ يُطْلَقُ فِي تَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ سَمَّى الظَّاهِرَ نَصًّا فَهُوَ
стр. 48
وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ أَوْ بِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا فَلَحِقَهُ بَيَانٌ قَاطِعٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مُنْطَلِقٌ عَلَى اللُّغَةِ وَلَا مَانِعَ فِي الشَّرْعِ وَالنَّصُّ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ تَقُولُ الْعَرَبُ نَصَّتْ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا إذَا رَفَعَتْ وَأَظْهَرَتْ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ حَدُّ الظَّاهِرِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ وَنَصٌّ.
الثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ هُوَ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا عَلَى قُرْبٍ وَلَا عَلَى بُعْدٍ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ فَكُلُّ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ سُمِّيَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ نَصًّا فِي طَرَفَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ أَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْمُسَمَّى وَنَفْيِ مَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ عَلَى الْقَطْعِ مَعْنًى فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ الْمَقْطُوعِ بِهِ نَصٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا وَظَاهِرًا وَمُجْمَلًا لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ لَا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ التَّعْبِيرُ: بِالنَّصِّ عَمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَقْبُولٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ أَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَلَا يَخْرُجُ اللَّفْظُ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا فَكَانَ شَرْطُ النَّصِّ بِالْوَضْعِ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَبِالْوَضْعِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْمُعْتَضَدُ بِدَلِيلٍ وَلَا حَجْرَ فِي إطْلَاقِ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ الثَّانِي أَوْجَهُ وَأَشْهَرُ وَعَنْ الِاشْتِبَاهِ بِالظَّاهِرِ أَبْعَدُ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مُوجِبَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَشَايِخُنَا ظَنِّيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارُوهُ فَقَطْعِيٌّ كَالْمُفَسَّرِ.
(وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ النَّصَّ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ، وَكَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَكِنْ، أَوْلَى مِنْهُ أَيْ مِنْ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمَّا كَانَ أَوْضَحَ بَيَانًا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الظَّاهِرِ عَلَى مَعْنًى يُوَافِقُ النَّصَّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ وَلِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَعْتَبِرْ الِاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ فَلَمَّا تَأَيَّدَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ بِمُعَارَضَةِ النَّصِّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
وَنَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، مَعَ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ عَامٌّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَقْتَضِي بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ جَوَازَ نِكَاحِ مَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ وَالثَّانِي نَصٌّ يَقْتَضِي اقْتِصَارَ الْجَوَازِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَيَتَعَارَضَانِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ فَيُرَجَّحُ النَّصُّ وَيُحْمَلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مَعَ قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ لَا هَذِهِ لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَيَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ وَالثَّانِي نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ وُضُوحًا فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَا لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي بَعْضِ مَفْهُومَاتِهِ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَيَتَعَارَضَانِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَيُعْمَلُ بِالنَّصِّ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَوْ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.
[تَعْرِيف الْمُفَسَّرُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ) أَيْ فَكَلَامٌ ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ مُنْقَطِعٌ فِيهِ بِخِلَافِ النَّصِّ، فَإِنَّ احْتِمَالَهُ قَائِمٌ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوُضُوحُ بِسَبَبِ مَعْنًى فِي النَّصِّ، بِأَنْ كَانَ أَيْ النَّصُّ مُجْمَلًا، وَهُوَ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ
стр. 49
فَانْسَدَّ بِهِ التَّأْوِيلُ أَوْ كَانَ عَامًّا فَلَحِقَهُ مَا انْسَدَّ بِهِ بَابُ التَّخْصِيصِ مَأْخُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ عَامٌّ مُحْتَمَلٌ لِلتَّخْصِيصِ فَانْسَدَّ بَابُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ الْكُلِّ وَذِكْرُ الْكُلِّ احْتَمَلَ تَأْوِيلَ التَّفَرُّقِ فَقَطَعَهُ بِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ فَصَارَ مُفَسَّرًا وَحُكْمُهُ الْإِيجَابُ قَطْعًا بِلَا احْتِمَالِ تَخْصِيصٍ وَلَا تَأْوِيلٍ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ.
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ اللَّفْظَ أَوْ الْكَلَامَ هَهُنَا.
وَقَوْلُهُ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ بِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ، فَلَحِقَهُ بَيَانٌ قَاطِعٌ احْتِرَازٌ عَمَّا لَيْسَ بِقَاطِعٍ ثُبُوتًا أَوْ دَلَالَةً حَتَّى لَا يَصِيرُ الْمُجْمَلُ مُفَسَّرًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَلَا بِبَيَانٍ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ بَلْ هُوَ بُعْدٌ فِي حَيِّزِ التَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الْإِجْمَالِ، وَلِهَذَا قَالَ فَانْسَدَّ بِهِ بَابُ التَّأْوِيلِ نَتِيجَةً لِقَوْلِهِ بَيَانٌ قَاطِعٌ أَيْ بَيَانٌ قَاطِعٌ لَا يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ التَّأْوِيلَ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّصُّ أَيْ اللَّفْظُ عَامًّا، وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَادَ حَرْفُ الْجَرِّ وَيُقَالُ بِأَنْ كَانَ عَامًّا إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى ذَلِكَ نَظَرًا إلَى حُصُولِ فَهْمِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبَيَانَ كَمَا يَلْتَحِقُ بِالْكَلَامِ لِلتَّفْسِيرِ يَلْتَحِقُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ وَبَيَانُ التَّفْسِيرِ سَبَبُهُ مَعْنًى فِي نَفْسِ الْكَلَامِ وَهُوَ الْإِجْمَالُ أَمَّا بَيَانُ التَّقْرِيرِ فَسَبَبُهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَا مَعْنًى فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانٍ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَالْتِحَاقُ الْبَيَانِ بِهِ يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ أَنَّ الْبَيَانَ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ، فُسِّرَ الْهَلُوعُ الَّذِي كَانَ مُجْمَلًا بِبَيَانٍ مُتَّصِلٍ بِهِ.
سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى مَا الْهَلَعُ فَقَالَ قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أَبَيْنَ مِنْ تَفْسِيرِهِ وَهُوَ الَّذِي إذَا نَالَهُ شَرٌّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ، وَإِذَا نَالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ وَمَنَعَهُ النَّاسَ وَكَمَا فِي النَّظِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِغَيْرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانُهُ مُتَّصِلًا بِهِ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِكَلَامٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُمَا بِأَقْوَالِ النَّبِيِّ وَأَفْعَالِهِ لَا بِبَيَانٍ مُتَّصِلٍ بِهِ فَالْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَعَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَالْهَلُوعُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (جَمْعٌ) أَيْ صِيغَةٌ، عَامٌّ أَيْ مَعْنًى، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ قَدْ يُسْلَبُ عَنْهَا مَعْنَى الْعُمُومِ بِدُخُولِ اللَّازِمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢] قِيلَ الْمُرَادُ جِبْرِيلُ ﵇، وَيَصْلُحُ هَذَا الْمِثَالُ نَظِيرًا لِلْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ظَاهِرٌ فِي سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ فَصَارَ نَصًّا وَبِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ بِالْكُلِّيَّةِ فَصَارَ مُفَسَّرًا، وَهُوَ إخْبَارٌ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ فَيَكُونُ مُحْكَمًا، وَحُكْمُهُ الْإِيجَابُ قَطْعًا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ بِلَا احْتِمَالِ تَخْصِيصٍ وَلَا تَأْوِيلٍ) إشَارَةٌ إلَى رُجْحَانِهِ عَلَى النَّصِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَحُكْمُهُ اعْتِقَادًا مَا فِي النَّصِّ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ النَّصِّ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: ﵀ مِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً شَهْرًا يَكُونُ ذَلِكَ مُتْعَةً لَا نِكَاحًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَزَوَّجْت نَصٌّ لِلنِّكَاحِ وَلَكِنَّ احْتِمَالَ الْمُتْعَةِ فِيهِ قَائِمٌ.
وَقَوْلُهُ شَهْرًا مُفَسَّرٌ فِي الْمُتْعَةِ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ النِّكَاحِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ بِحَالٍ فَإِذَا اجْتَمَعَا رَجَّحْنَا الْمُفَسَّرَ وَحَمَلْنَا النَّصَّ
стр. 50
فَإِذَا ازْدَادَ قُوَّةً وَأُحْكِمَ الْمُرَادُ بِهِ عَنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ سُمِّيَ مُحْكَمًا مِنْ أَحْكَامِ الْبِنَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]
وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تُقَابِلُ هَذِهِ الْوُجُوهَ فَالْخَفِيُّ اسْمٌ لِكُلِّ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى ذَلِكَ الْمُفَسَّرِ فَكَانَ مُتْعَةً لَا نِكَاحًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ نَظِيرَ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ ﵇ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَسُوقٌ فِي مَفْهُومِهِ فَكَانَ نَصًّا وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إذَا اللَّامُ يُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَكُونُ مُفَسَّرًا فَيُرَجَّحُ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ هَذَا نَظِيرُ تَعَارُضِ الظَّاهِرِ مَعَ النَّصِّ أَوْ الْمُفَسَّرِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِازْدِيَادِ الْوُضُوحِ لَا لِلسَّوْقِ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْمُفَسَّرَ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا هَذَا الْمِثَالُ، فَإِنَّهُ مِنْ الْإِخْبَارَاتِ وَالْخَبَرُ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَنَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي حِينَئِذٍ إلَى الْكَذِبِ أَوْ الْغَلَطِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا اللَّفْظُ فَيَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ النَّسْخُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مُحْكَمًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَذَا النَّظْمِ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ نَسْخِ اللَّفْظِ وَكَذَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَإِنَّ إبْلِيسَ اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] لَكِنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا فَأَمَّا احْتِمَالُ النَّسْخِ فَبَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا مُتَرَاخِيًا
[تَعْرِيف المحكم]
فَإِذَا ازْدَادَ، أَيْ الْمُفَسَّرُ، قُوَّةً وَأُحْكِمَ الْمُرَادُ بِهِ، الْبَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَضُمِّنَ " أُحْكِمَ " مَعْنَى امْتَنَعَ أَوْ أُمِنَ أَيْ امْتَنَعَ الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِالْمُفَسَّرِ عَنْ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ وَهُمَا مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا، سُمِّيَ مُحْكَمًا فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ وَكَوْنِهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ لِيُسَمَّى مُحْكَمًا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَهُ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ، وَقَالَ هُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِيلَ مَا فِي الْعَقْلِ بَيَانُهُ، وَقِيلَ هُوَ النَّاسِخُ وَقِيلَ هُوَ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُفْهَمُ مُرَادُهُ، وَقِيلَ هُوَ مَا ظَهَرَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَالْمُتَشَابِهُ عَلَى أَضْدَادِهَا، وَقِيلَ هُوَ مَا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، وَقِيلَ مَا فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ يُقَالُ بِنَاءٌ مُحْكَمٌ أَيْ مَأْمُونُ الِانْتِقَاضِ وَأَحْكَمْت الصَّنْعَةَ أَيْ أَمِنْت نَقْضَهَا وَتَبْدِيلَهَا، وَقِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْكَمْت فُلَانًا عَنْ كَذَا أَيْ مَنَعْته، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
وَمِنْهُ حَكَمَةُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْعِثَارِ وَالْفَسَادِ فَالْمُحْكَمُ مُمْتَنِعٌ مِنْ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ، وَمِنْ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ؛ وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَيْ الْأَصْلَ الَّذِي يَكُونُ الْمَرْجِعُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ لِلْوَلَدِ وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَرْجِعُونَ إلَيْهَا لِلْحَجِّ وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ وَالْمَرْجِعُ مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ التَّأْوِيلِ وَلَا احْتِمَالُ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. ثُمَّ انْقِطَاعُ احْتِمَالِ النَّسْخِ قَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ بِأَنْ لَا يَحْتَمِلَ التَّبَدُّلَ عَقْلًا كَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ ﷻ وَحُدُوثُ الْعَالَمِ، وَيُسَمَّى هَذَا مُحْكَمًا لِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسَمَّى هَذَا مُحْكَمًا لِغَيْرِهِ
[تَعْرِيف الخفي]
قَوْلُهُ (تُقَابِلُ هَذِهِ الْوُجُوهِ) إنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ الْمُقَابَلَةِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّضَادِّ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لِيُمْكِنَهُ بَيَانُ تَحْقِيقِ
стр. 51
مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ لَا يُنَالُ إلَّا بِالطَّلَبِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ اخْتَفَى فُلَانٌ أَيْ اسْتَتَرَ فِي مِصْرِهِ بِحِيلَةٍ عَارِضَةٍ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِالطَّلَبِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّبَّاشِ وَالطَّرَّارِ، وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ
ثُمَّ الْمُشْكِلُ، وَهُوَ الدَّاخِلُ فِي إشْكَالِهِ وَأَمْثَالُهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ أَيْ دَخَلَ فِي الْحَرَمِ وَأَشْتَى أَيْ دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ وَهَذَا فَوْقَ الْأَوَّلِ لَا يُنَالُ بِالطَّلَبِ بَلْ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ الطَّلَبِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ إشْكَالِهِ، وَهَذَا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُقَابَلَةِ وَنِهَايَةُ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ مَا وَرَدَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ ضَعِيفٍ لَا يَقْبَلُهُ السَّائِلُ.
(قَوْلُهُ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ) قِيلَ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ أَيْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَا أَنَّ مَعْنَى السَّارِقِ لُغَةً، وَهُوَ آخِذُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ اشْتَبَهَ فِي حَقِّ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ، وَكَذَا حُكْمُهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَطْعِ خَفِيَ فِي حَقِّهِمَا.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُمَا يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْأَوَّلَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالتَّقْوِيمِ، بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ أَيْ خَفِيَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ لَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ خَفِيًّا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ ظَاهِرَةٌ فِي كُلِّ سَارِقٍ لَمْ يُعْرَفْ بِاسْمٍ آخَرَ وَلَكِنَّهَا خَفِيَّةٌ فِي الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ لِعَارِضِ اخْتِصَاصِهِمَا بِاسْمَيْنِ آخَرَيْنِ يُعْرَفَانِ بِهِمَا وَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي فَبَعُدَا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ عَنْ اسْمِ السَّرِقَةِ؛ فَلِهَذَا خَفِيَتْ الْآيَةُ فِي حَقِّهِمَا، (وَقَوْلُهُ لَا يُنَالُ إلَّا بِالطَّلَبِ) تَأْكِيدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْ الْخَفِيُّ مِثْلُ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِخَفِيَّيْنِ بَلْ آيَةُ السَّرِقَةِ خَفِيَّةٌ فِي حَقِّهِمَا وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى لَمْ يَلْتَفِتْ الشَّيْخُ إلَى جَانِبِ اللَّفْظِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ، وَذَلِكَ مِثْلُ آيَةِ السَّرِقَةِ فِي حَقِّ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ كَمَا ذَكَرَ هُوَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى الْعَارِضِ أَيْ الْعَارِضِ الَّذِي صَارَتْ الْآيَةُ خَفِيَّةً بِسَبَبِهِ مِثْلُ اسْمِ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ وَلَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِعَارِضٍ فِي الصِّيغَةِ مَكَانَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ وَعَنَى بِهِ أَنَّ الْخَفَاءَ فِي الصِّيغَةِ، وَهُوَ السَّارِقُ مَثَلًا بِالْعَارِضِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا لَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ خَفِيًّا فَيَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الصِّيغَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظْمُ الْآيَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا فِي كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ صِيغَةُ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ مَثَلًا وَلَا اخْتِلَافَ إذًا بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا وَلَكِنَّ الْوَجْهَ هُوَ الْأَوَّلُ
[تَعْرِيف الْمُشْكِلُ]
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُشْكِلُ) ، فِي ثُمَّ إشَارَةٌ إلَى تَبَاعُدِ رُتْبَةِ الْمُشْكِلِ فِي الْخَفَاءِ عَنْ الْخَفِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِ الْخَفَاءِ وَفَوْقَ الْمُشْكِلِ.
(وَقَوْلُهُ، وَهُوَ الدَّاخِلُ فِي إشْكَالِهِ) إشَارَةٌ إلَى مَأْخَذِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْمُشْكِلُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَشْكَلَ عَلَى كَذَا أَيْ دَخَلَ فِي أَشْكَالِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُشْتَبَهُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِدُخُولِهِ فِي أَشْكَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ إلَّا بِدَلِيلٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْكَالِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَى السَّامِعِ طَرِيقَ الْوُصُولِ إلَى الْمَعَانِي لِدِقَّةِ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ لَا بِعَارِضٍ فَكَانَ خَفَاؤُهُ فَوْقَ الَّذِي كَانَ بِعَارِضٍ حَتَّى كَادَ الْمُشْكِلُ يُلْتَحَقُ بِالْمُجْمَلِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَهْتَدُونَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ (وَهَذَا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى) أَيْ الْإِشْكَالُ إنَّمَا يَقَعُ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى، قِيلَ نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ فِي حَقِّ الْفَمِ وَالْأَنْفِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَالْبَاطِنُ خَارِجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِلتَّعَذُّرِ فَبَقِيَ الظَّاهِرُ مُرَادًا وَلِلْفَمِ وَالْأَنْفِ شَبَهٌ بِالظَّاهِرِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَشَبَهٌ بِالْبَاطِنِ كَذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ فَأُشْكِلَ
стр. 52
أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ بَدِيعَةٍ وَذَلِكَ يُسَمَّى غَرِيبًا مِثْلُ رَجُلٍ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ فَاخْتَلَطَ بِأَشْكَالِهِ مِنْ النَّاسِ فَصَارَ خَفِيًّا بِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَمْرُهُمَا بِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الشَّبَهَيْنِ فَبَعْدَ الطَّلَبِ أَلْحَقْنَاهُمَا بِالظَّاهِرِ احْتِيَاطًا ثُمَّ وَجَدْنَا دَاخِلَ الْعَيْنِ خَارِجًا مِنْ الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالظَّاهِرِ وَشَبَهًا بِالْبَاطِنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا حُكْمًا؛ فَلِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ دَخَلَ عَيْنَ الصَّائِمِ أَوْ اكْتَحَلَ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَلَوْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ قُرْحَةٍ فِي عَيْنِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعَيْنِ لَا يَفْسُدُ وُضُوءُهُ وَأَنْ يُجَاوِزَ عَنْ الْقُرْحَةِ فَتَأَمَّلْنَا فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ خَارِجًا لِلتَّعَذُّرِ كَالْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْعَيْنِ سَبَبٌ لِلْعَمَى، وَلَيْسَ فِي إيصَالِهِ إلَى دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ حَرَجٌ فَبَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ الْوُجُوبِ هَذَا هُوَ مَعْنَى التَّأَمُّلِ بَعْدَ الطَّلَبِ، قُلْت هَذَا مَعْنًى فِقْهِيٌّ لَطِيفٌ إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا يَصْلُحُ نَظِيرًا لِلْمُشْكِلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْكِلَ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ اشْتِبَاهٌ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّطَهُّرِ لُغَةً وَشَرْعًا مَعْلُومٌ، وَلَكِنَّهُ اشْتَبَهَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ كَاشْتِبَاهِ لَفْظِ السَّارِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ فَكَانَ مِنْ نَظَائِرِ الْخَفِيِّ لَا مِنْ نَظَائِرِ الْمُشْكِلِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ ﵀ أَنَّ مِنْ نَظَائِرِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] .
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُوجَدَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَيُؤَدِّي إلَى تَفْضِيلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ مَرَّةً فَكَانَ مُشْكِلًا فَبَعْدَ التَّأَمُّلِ عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ أَلْفُ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَا أَلْفُ شَهْرٍ عَلَى الْوَلَاءِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا مَحَالَةَ فَيُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَا قُلْت وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس كَانَ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ» فَفِيهِ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَيْضًا فَبَعْدَ التَّأَمُّلِ عُرِفَ أَنَّ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً بِدُونِهَا لَا مَعَهَا، وَمِنْ نَظَائِرِهِ قَوْله تَعَالَى، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ أَوْ بِمَعْنَى أَيْنَ فَعُرِفَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ وَبِدَلَالَةِ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ، وَهُوَ الْحَيْضُ فَفِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى.
وَأَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى، ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦] ، فَالْقَوَارِيرُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِضَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَكُونُ قَوَارِيرَ وَلَكِنْ لِلْفِضَّةِ صِفَةُ كَمَالٍ، وَهِيَ نَفَاسَةُ جَوْهَرِهِ وَبَيَاضُ لَوْنِهِ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تَصْفُو وَلَا تَشِفُّ وَلِلْقَارُورَةِ صِفَةُ كَمَالٍ أَيْضًا.
وَهِيَ الصَّفَاءُ وَالشَّفِيفُ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ، وَهِيَ خَسَاسَةُ الْجَوْهَرِ فَعُرِفَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ صِفَةُ كَمَالِهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَهِيَ مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا.
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ، فَلِلصَّبِّ دَوَامٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ شِدَّةٌ وَلِلسَّوْطِ عَكْسُهُ فَاسْتُعِيرَ الصَّبُّ لِلدَّوَامِ وَالسَّوْطُ لِلشِّدَّةِ أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا شَدِيدًا دَائِمًا، وَقِيلَ ذَكَرَ الصَّبَّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مِنْ السَّمَاءِ أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَذَكَرَ السَّوْطَ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا أَحَلَّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ بِالْقِيَاسِ إلَى مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَالسَّوْطِ إذَا قِيسَ إلَى سَائِرِ
стр. 53
ثُمَّ الْمُجْمَلُ، وَهُوَ مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي وَاشْتَبَهَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهًا لَا يُدْرَكُ بِنَفْسِ الْعِبَارَةِ بَلْ بِالرُّجُوعِ إلَى الِاسْتِفْسَارِ
ثُمَّ الطَّلَبُ ثُمَّ التَّأَمُّلُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يُعَذَّبُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] ، فَاللِّبَاسُ لَا يُذَاقُ وَلَكِنَّهُ يَشْمَلُ الظَّاهِرَ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ وَالْإِذَاقَةُ أَثَرُهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا شُمُولَ لَهَا فَاسْتُعِيرَتْ الْإِذَاقَةُ لِمَا يَصِلُ مِنْ أَثَرِ الضَّرَرِ إلَى الْبَاطِنِ وَاللِّبَاسُ بِالشُّمُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ فَأَذَاقَهُمْ مَا غَشِيَهُمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أَيْ أَثَرُهُمَا وَاصِلٌ إلَى بَوَاطِنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ شَامِلًا لَهُمْ، وَبَيَانُ النَّظَائِرِ الثَّلَاثَةِ مَنْقُولٌ مِنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ ﵀، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي مَفْهُومَاتِ اللَّفْظِ جَمِيعًا فَيَضْبِطُهَا ثُمَّ يَتَأَمَّلَ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمُرَادِ مِنْهَا كَمَا إذَا نَظَرَ فِي كَلِمَةِ " أَنَّى " فَوَجَدَهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فَهَذَا هُوَ الطَّلَبُ ثُمَّ تَأَمَّلَ فِيهِمَا فَوَجَدَهَا بِمَعْنَى كَيْفَ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ دُونَ أَيْنَ فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ وَكَمَا إذَا نَظَرَ فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ، فَوَجَدَهُ دَالًّا عَلَى مَفْهُومَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مُتَوَالِيَةٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ غَيْرِ مُتَوَالِيَةٍ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا ثُمَّ تَأَمَّلَ فِيهِمَا فَوَجَدَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي لِفَسَادٍ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَظَهَرَ الْمُرَادُ وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَاقِي
[تَعْرِيف الْمُجْمَلُ]
قَوْلُهُ (ثُمَّ الْمُجْمَلُ) أَيْ بَعْدَ الْمُشْكِلِ الْمُجْمَلُ وَمَعْنَاهُ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِبَيَانِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْخَفَاءِ أَوَّلًا كَانَ كُلُّ مَا بَعْدَهُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ فِي الْخَفَاءِ، مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي أَيْ تَدَافَعَتْ يَعْنِي يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ سِوَاهُ لَا أَنَّهُ شَمَلَ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، وَقَوْلُهُ الْمَعَانِي، لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصَيْرُورَتِهِ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ قَدْ يَصِيرُ مُجْمَلًا إذَا انْسَدَّ فِيهِ بَابُ التَّرْجِيحِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَعْنَى هَهُنَا مَفْهُومُ اللَّفْظِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ ازْدِحَامِ الْمَعَانِي تَوَارُدُهَا عَلَى اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْبَاقِي كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ إلَّا أَنَّ التَّوَارُدَ هَهُنَا أَعَمُّ مِنْهُ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ فَقَطْ وَهَهُنَا بِاعْتِبَارِهِ وَبِاعْتِبَارِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ وَتَوَحُّشِهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِيهِ وَبِاعْتِبَارِ إبْهَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْكَلَامَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُجْمَلَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ نَوْعٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ لُغَةً كَالْهَلُوعِ قَبْلَ التَّفْسِيرِ وَنَوْعٌ مَعْنَاهُ مَفْهُومٌ لُغَةً وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ كَالرِّبَا وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَوْعٌ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ لُغَةً إلَّا أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَلَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُهُ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ فِيهِ كَمَا مَرَّ فَفِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ تَوَارُدُ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِاعْتِبَارِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ وَإِبْهَامِ التَّكَلُّمِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي زَائِدٌ فِي التَّحْدِيدِ إذْ يَكْفِيه أَنْ يَقُولَ هُوَ مَا اشْتَبَهَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهًا لَا يُدْرَكُ إلَّا بِالِاسْتِفْسَارِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ لَفْظٌ لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ إلَّا بِالِاسْتِفْسَارِ الْمُجْمَلِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ احْتَمَلَ الْبَيَانَ.
وَقَالَ آخَرُ هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ بِبَيَانٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، قُلْت لَمَّا حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى لَا ضَيْرَ فِي تَرْكِ التَّكَلُّفِ وَبَيَانِ سَبَبِ الِاشْتِبَاهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانَ اللَّاحِقَ بِالْمُجْمَلِ قَدْ يَكُونُ بَيَانًا شَافِيًا، وَيَصِيرُ الْمُجْمَلُ بِهِ مُفَسَّرًا كَبَيَانِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ شَافٍ وَيَصِيرُ الْمُجْمَلُ بِهِ مُؤَوَّلًا كَبَيَانِ الرِّبَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ النَّبِيُّ ﵇ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَبْوَابَ الرِّبَا، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَيَانِ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ بِمِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ
стр. 54
لَا يُدْرَكُ بِمَعَانِي اللُّغَةِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ كَرَجُلٍ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ بِوَجْهٍ انْقَطَعَ بِهِ أَثَرُهُ وَالْمُشْكِلُ يُقَابِلُ النَّصَّ وَالْمُجْمَلُ يُقَابِلُ الْمُفَسَّرَ، فَإِذَا صَارَ الْمُرَادُ مُشْتَبَهًا عَلَى وَجْهٍ لَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ حَتَّى سَقَطَ طَلَبُهُ وَوَجَبَ اعْتِقَادُ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ سُمِّيَ مُتَشَابِهًا بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّ طَرِيقَ دَرْكِهِ مُتَوَهِّمٌ وَطَرِيقُ دَرْكِ الْمُشْكِلِ قَائِمٌ فَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَلَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ إلَّا التَّسْلِيمُ فَيَقْتَضِي اعْتِقَادَ الْحَقِّيَّةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وَعِنْدَنَا أَنْ لَا حَظَّ لِلرَّاسِخَيْنِ فِي الْعِلْمِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ إلَّا التَّسْلِيمُ
ــ
[كشف الأسرار]
يَخْرُجُ عَنْ حَيِّزِ الْإِجْمَالِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي التَّقْوِيمِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْبَيَانِ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ بِالْمُفَسَّرِ أَوْ الظَّاهِرِ عَلَى حَسَبِ اقْتِرَانِ الْبَيَانِ بِهِ، فَالشَّيْخُ لَمَّا أَرَادَ تَوْضِيحَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْكِلِ قَالَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِفْسَارِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُشْكِلِ، وَهُوَ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ.
وَلِهَذَا قَدَّمَ نَظِيرَ الْمُجْمَلِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهُوَ الرِّبَا عَلَى الْمُجْمَلِ الَّذِي لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَمْرٍ آخَرَ بَعْدَ الْبَيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَبَيَانُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُشْكِلًا بَعْدَ الْبَيَانِ أَنَّ الرِّبَا مَعَ إجْمَالِهِ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى بِاللَّامِ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ وَالنَّبِيُّ ﵇ بَيَّنَ الْحُكْمَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ مِنْ غَيْرِ قَصْرٍ عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا وَرَاءَ السُّنَّةِ غَيْرَ مَعْلُومٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا فِيمَا سِوَاهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى مَا وَرَاءَهَا بِالتَّأَمُّلِ فِي هَذَا الْبَيَانِ نُسَمِّيه مُشْكِلًا فِيهِ لَا مُجْمَلًا، وَبَعْدَ الْإِدْرَاكِ بِالتَّأَمُّلِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ صَارَ مُؤَوَّلًا فِيهِ أَيْضًا فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الِاسْتِفْسَارِ فِي كُلِّ أَنْوَاعِهِ
[تَعْرِيف الْمُتَشَابِه]
ثُمَّ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ فِي الْبَعْضِ، قِيلَ مَعْنَى الطَّلَبِ طَلَبُ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ وَالتَّأَمُّلُ هُوَ التَّأَمُّلُ فِي صَلَاحِهِ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ فِي اللَّفْظِ لِإِزَالَةِ الْخَفَاءِ كَمَا فِي الْمُشْكِلِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ وَالتَّأَمُّلَ كَمَا ذَكَرُوا لَا يَخْتَصَّانِ بِالْمُجْمَلِ بَلْ يَكُونَانِ فِي الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ أَيْضًا قَوْلُهُ (لَا يُدْرَكُ بِمَعَانِي اللُّغَةِ بِحَالٍ) ، فَإِنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرِّبَا، وَكَذَا الدُّعَاءُ وَالنَّمَاءُ اللَّذَانِ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا لَفْظَا الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لَمْ يَبْقَيَا مُرَادَيْنِ بِيَقِينٍ وَنُقِلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إلَى مَعَانٍ أُخَرَ شَرْعِيَّةٍ أَمَّا مَعَ رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، أَوْ بِدُونِهَا فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ كَمَا فِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، انْقَطَعَ بِهِ أَيْ بِالِاغْتِرَابِ أَثَرُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْسَارِ.
وَذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ وَأَنَّهُ عَلَى مِثَالِ رَجُلٍ غَابَ عَنْ بَلْدَتِهِ وَدَخَلَ بَلْدَةً أُخْرَى لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ بَلْ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ لَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِ وَلَا لِلْمُزَكِّي أَنْ يُعَدِّلَهُ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ لِتُعْرَفَ حَالُهُ، فَإِنَّ طَرِيقَ دَرْكِهِ مُتَوَهِّمٌ أَيْ مَرْجُوٌّ مِنْ جِهَةِ الْمُجْمَلِ وَطَرِيقُ دَرْكِ الْمُشْكِلِ قَائِمٌ أَيْ ثَابِتٌ بِدُونِ بَيَانٍ يُلْتَحَقُ بِهِ بَلْ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَوَاضِعِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ (إلَّا التَّسْلِيمُ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ لَا طَرِيقَ، قَبْلَ الْإِصَابَةِ أَيْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ تَنْكَشِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي لَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ أَصْلًا قَوْلُهُ (وَعِنْدَنَا لَا حَظَّ لِلرَّاسِخِينَ إلَّا التَّسْلِيمُ) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ لَا حَظَّ أَيْ لَيْسَ لَهُ مُوجِبٌ سِوَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ وَالتَّسْلِيمِ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ، وَهَذَا بَيَانُ حُكْمِ الْمُتَشَابِهِ، وَأَنَّ الْوَقْفَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا حَظَّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعِنْدَنَا أَنْ لَا حَظَّ، وَهُوَ أَصَحُّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ هَلْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ فَذَهَبَ عَامَّةُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ إلَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الْمُرَادِ عِنْدَهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَعِنْدَنَا، وَعَلَى هَذَا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَاجِبٌ
стр. 55
عَلَى اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الْمُرَادِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَاجِبٌ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ فُهِمَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ فَيَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْعَطْفِ لَا لِلِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِ حَظٌّ فِي الْعِلْمِ بِالْمُتَشَابِهِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَى الْجُهَّالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ أَيْضًا، قَالُوا وَلَمْ يَزَلْ الْمُفَسِّرُونَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُفَسِّرُونَ وَيُؤَوِّلُونَ كُلَّ آيَةٍ وَلَمْ نَرَهُمْ وَقَفُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالُوا هَذَا مُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ بَلْ فَسَرُّوا الْكُلَّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَعْلَمُ كُلَّ الْقُرْآنِ إلَّا أَرْبَعَةً: الْغِسْلِينُ وَالْحَنَّانُ وَالرَّقِيمُ وَالْأَوَّاهُ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَأَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ الصَّحَابَةِ تَفْسِيرُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا لِيَنْتَفِعَ بِهِ عِبَادُهُ وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنًى أَرَادَهُ فَلَوْ كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ لَلَزِمَ لِلطَّاعِنِ فِيهِ مَقَالٌ وَلَزِمَ مِنْهُ الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفْ الْمُتَشَابِهَ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْرِفَهُ مَعَ قَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ جَازَ أَنْ يَعْرِفَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَّدَ أَوَّلًا بِالنَّفْيِ ثُمَّ خَصَّصَ اسْمَ اللَّهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِي عَلْمِهِ سِوَاهُ فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ كَمَا عَلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَوْلُهُ وَالرَّاسِخُونَ يَكُونُ ثَنَاءً مُبْتَدَأً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِهِ لَا عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ تَأْوِيلَهُ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ.
وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ مَنْ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ كَمَا ذَمَّ عَلَى اتِّبَاعِهِ لَهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ بِأَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَمَدَحَ الرَّاسِخِينَ بِقَوْلِهِمْ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وَبِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] أَيْ لَا تَجْعَلْنَا كَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَاتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ مُؤَوِّلِينَ أَوْ غَيْرَ مُؤَوِّلِينَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ لَازِمٌ، وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» أَمْرٌ بِالْحَذَرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مُتَابِعٍ وَمُتَابِعٍ فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يُفَسِّرْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا آيَاتٍ عَلَّمَهُنَّ جِبْرِيلُ ﵇» فَمَنْ قَالَ أَنَا أُفَسِّرُ الْجَمِيعَ فَقَدْ تَكَلَّفَ فِيهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّفْهُ الرَّسُولُ ﵇، ثُمَّ قِيلَ لَا اخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُ ظَاهِرًا لَا حَقِيقَةً، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْقَدِيمِ ، وَقِيلَ كُلُّ
стр. 56
وَأَهْلُ الْإِيمَانِ عَلَى طَبَقَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْإِمْعَانِ فِي السَّيْرِ لِكَوْنِهِ مُبْتَلًى بِضَرْبٍ مِنْ الْجَهْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْوَقْفِ لِكَوْنِهِ مُكَرَّمًا بِضَرْبٍ مِنْ الْعِلْمِ فَأَنْزَلَ الْمُتَشَابِهَ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُتَشَابِهٍ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى مُحْكَمٍ فَإِنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، فَهَذَا مُتَشَابِهٌ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] ، الَّذِي هُوَ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ جَازَاهُمْ النِّسْيَانَ، وَهُوَ التَّرْكُ وَالْإِعْرَاضُ وَكُلُّ مُتَشَابِهٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى مُحْكَمٍ فَالرَّاسِخُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، ثُمَّ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ هُوَ الثَّابِتُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا يَتَهَيَّأُ اسْتِزْلَالُهُ وَتَشْكِيكُهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي حَقَّقَ الْعِلْمَ لِبَسْطِ الْفُرُوعِ بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى رَسَخَ فِي قَلْبِهِ. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي حَقَّقَ الْعِلْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْقَوْلِ بِالْعَمَلِ، وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، «الرَّاسِخُ مِنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ وَصَدَقَ لِسَانُهُ وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ»
[بَيَان الْحِكْمَة فِي إنْزَال الْآيَات الْمُتَشَابِهَات]
قَوْلُهُ (وَأَهْلُ الْإِيمَانِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْخِطَابُ الْمُنَزَّلُ إمَّا لِلتَّعْرِيفِ أَوْ لِلتَّكْلِيفِ وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ لِيُمْكِنَهُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ يَحْصُلَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَإِذَا انْسَدَّ بَابُ الْعِلْمِ بِهِ أَصْلًا خَلَا عَنْ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ خَاطَبَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الطُّيُورِ فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ بِقَوْلِهِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ عَلَى طَبَقَتَيْنِ أَيْ مَنْزِلَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَنْ يُطَالَبُ أَيْ يُؤْمَرُ، بِالْإِمْعَانِ أَيْ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّيْرِ أَيْ فِي الطَّلَبِ مِنْ أَمْعَنَ الْفَرَسُ إذَا تَبَاعَدَ فِي عَدْوِهِ، لَكَوَّنَهُ مُبْتَلًى بِضَرْبٍ مِنْ الْجَهْلِ إنَّمَا قَالَ بِضَرْبٍ وَلَمْ يَقُلْ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا أَصْلًا فَأُنْزِلَ الْمُحْكَمُ وَالْمُفَسَّرُ وَنَحْوُهُمَا ابْتِلَاءً لِمِثْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَالَبُ بِالْوَقْفِ أَيْ بِالْوُقُوفِ عَنْ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى اللَّازِمِ؛ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا يُقَالُ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الْآيَةِ وَقْفٌ أَيْ وُقُوفٌ أَوْ مَعْنَاهُ وَقْفُ النَّفْسِ عَنْ الطَّلَبِ أَيْ حَبْسِهَا.
فَأُنْزِلَ الْمُتَشَابِهُ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ أَيْ فِي حَقِّهِ أَوْ تَتْمِيمًا لِلِابْتِلَاءِ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى فِي الِابْتِلَاءِ بِإِنْزَالِ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْكِلِ وَالْخَفِيِّ فَإِنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا جَلِيًّا بَطَلَ مَعْنَى الِامْتِحَانِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ بِالْجَهْدِ فِي الطَّلَبِ وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مُشْكِلًا خَفِيًّا لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ حَقِيقَةً فَجَعَلَ بَعْضَهَا جَلِيًّا ظَاهِرًا وَبَعْضَهَا خَفِيًّا لِيَتَوَسَّلَ بِالْجَلِيِّ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَفِيِّ بِالِاجْتِهَادِ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فَيَتَبَيَّنُ الْمُجِدُّ مِنْ الْمُقَصِّرِ وَالْمُجْتَهِدُ مِنْ الْمُفَرِّطِ فَيَكُونُ ثَوَابُهُمْ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ عَلَى قَدْرِ عُلُومِهِمْ فَيَظْهَرُ فَضِيلَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَوَتْ الْأَقْدَامُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الْخَاصُّ مِنْ الْعَامِّ وَلَذَهَبَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَفَاوَتُوا، فَإِذَا اسْتَوَوْا هَلَكُوا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَلَى عِبَادَهُ بِضُرُوبٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا عَلَى كُلِّ الْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَبَعْضُهَا مُتَفَرِّقٌ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِكُلِّ عُضْوٍ إقْدَامًا وَامْتِنَاعًا وَالْقَلْبُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ فَابْتَلَاهُ بِإِنْزَالِ الْخَفِيِّ وَالْمُشْكِلِ وَالْمُتَشَابِهِ لِيَتْعَبَ بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا سِوَى الْمُتَشَابِهِ فَيُخَرِّجَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الظَّاهِرِ الْجَلِيِّ وَيَمْتَنِعَ عَنْ التَّفَكُّرِ فِي الْمُتَشَابِهِ مُعْتَقِدًا حَقِّيَّتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِبَادَةً مِنْهُ كَعِبَادَاتِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِالْإِقْدَامِ وَالِامْتِنَاعِ، وَذَكَرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي الْحِكْمَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءُ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِ الْأَحْكَامِ ابْتِلَاءَ الْعَاقِلِ وَلَهُ مِنْ
стр. 57
وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَجْهَيْنِ بَلْوَى وَأَعَمُّهُمَا نَفْعًا وَجَدْوَى وَهَذَا يُقَابِلُ الْمُحْكَمَ وَمِثَالُهُ الْمُقَطَّعَاتُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ
ــ
[كشف الأسرار]
تَفَهُّمِ مَعَانِيهَا وَحُكْمِهَا مَفْزَعٌ إلَى الْعَقْلِ فَلَوْ لَمْ يُبْتَلَ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْخَلَائِقِ لَاسْتَمَرَّ الْعَالَمُ فِي أُبَّهَةِ الْعِلْمِ عَلَى الْمُرُودَةِ، وَمَا اسْتَأْنَسَ إلَى التَّذَلُّلِ لِعِزِّ الْعُبُودَةِ.
وَالْحَكِيمُ إذَا صَنَّفَ كِتَابًا رُبَّمَا أَجْمَلَ فِيهِ إجْمَالًا وَأَبْهَمَ فِيمَا أَفْهَمَ مِنْهُ إشْكَالًا لِيَكُونَ مَوْضِعَ جَثْوَةِ التِّلْمِيذِ لِأُسْتَاذِهِ انْقِيَادًا فَلَا يُحْرَمَ بِاسْتِغْنَائِهِ بِرَأْيِهِ هِدَايَةً مِنْهُ وَإِرْشَادًا فَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَوْضِعُ جَثْوَةِ الْعُقُولِ لِبَارِئِهَا اسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا وَالْتِزَامًا.
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَجْهَيْنِ بَلْوَى) أَيْ الْوَقْفُ عَنْ الطَّلَبِ أَعْظَمُ ابْتِلَاءً مِنْ الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ جُبِلَ عَلَى صِفَةٍ يَتَأَمَّلُ فِي غَوَامِضِ الْأَشْيَاءِ لِيَقِفَ عَلَى حَقَائِقِهَا فَكَانَ مَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالتَّرْكِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْجَوَارِحِ أَشَدُّ مِنْ الِابْتِلَاءِ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَائِلَةٌ إلَى الشَّهَوَاتِ فَكَانَ امْتِنَاعُهَا عَنْهَا أَشَقُّ عَلَيْهَا مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَمَلِ؛ وَلِهَذَا كَانَ ثَوَابُهُ أَجْزَلَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ، «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِهِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ابْتِلَاءَ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ قَالَ ﵇، «إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَأَعَمُّهَا نَفْعًا أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْأَمْنِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الزَّيْغِ وَالزَّلَلِ بِسَبَبِ الِاتِّبَاعِ، وَجَدْوَى أَيْ فِي الْآخِرَةِ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَعْظَمَ ابْتِلَاءً كَانَ الصَّبْرُ فِيهِ أَشَدَّ فَيَكُونُ الثَّوَابُ فِيهِ أَكْثَرَ، وَبَلْوَى وَجَدْوَى كِلَاهُمَا بِلَا تَنْوِينٍ كَدَعْوَى ثُمَّ الْخَلَفُ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَسْلَمَ وَأَعَمَّ نَفْعًا عَدَلُوا عَنْهَا وَاشْتَغَلُوا بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ لِظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَانِ السَّلَفِ وَتَمَسُّكِهِمْ بِالْمُتَشَابِهَاتِ فِي إثْبَاتِ مَذَاهِبِهِمْ الْبَاطِلَةِ فَاضْطَرَّ الْخَلَفُ إلَى إلْزَامِهِمْ وَإِبْطَالِ دَلَائِلِهِمْ فَاحْتَاجُوا إلَى التَّأْوِيلِ.
وَلِهَذَا قِيلَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَطَرِيقَةُ الْخَلَفِ أَحْكَمُ قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ الْمُقَطَّعَاتُ) أَيْ مِثَالُ الْمُتَشَابِهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ أَيْ الْحُرُوفُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُقَطَّعَ فِي التَّكَلُّمِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَنْ الْبَاقِي بِأَنْ يُؤْتَى بِاسْمِ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى هَيْئَتِهِ كَقَوْلِهِ أَلِفْ لَامْ مِيمْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " أَلَمْ " فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِيُفِيدَ الْمَعْنَى وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ؛ وَإِنْ كَانَ اسْمًا حَقِيقَةً لَكِنَّهَا تُسَمَّى حُرُوفًا بِاعْتِبَارِ مَدْلُولَاتِهَا تَجَوُّزًا، ثُمَّ قِيلَ هِيَ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَمْ يُطْلِعْ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلَائِقَ إلَّا مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَلَا يُطْلَبُ لَهَا التَّأْوِيلُ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ أَلْسُنِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَفْهَمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَأَلْسُنِ الطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا لَا يُطْلِعُنَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَعْرِفُهُ الرَّسُولُ بِتَعْلِيمِ الْمَلَائِكَةِ إيَّاهُ، وَقِيلَ إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُتَشَابِهِ بَلْ هِيَ مِنْ جِنْسِ التَّكَلُّمِ بِالرَّمْزِ فَيُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ فَيُقْبَلُ كُلُّ تَأْوِيلٍ احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ لُغَةً وَلَا يَرُدُّهُ الشَّرْعُ وَلَا يُقْبَلُ تَأْوِيلَاتُ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا ظَاهِرُ اللُّغَةِ وَأَكْثَرُهَا مُخَالَفَةً لِلْعَقْلِ وَالْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكٌ لِلْقُرْآنِ لَا تَأْوِيلٌ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ تَأْوِيلُ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ هَذِهِ الْحُرُوفَ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ؛ وَإِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَاقِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَأْوِيلُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالِاسْتِوَاءِ بَلْ كَانُوا يَزْجُرُونَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ حِينَ سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ
стр. 58
وَمِثَالُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَبْصَارِ حَقًّا فِي الْآخِرَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَأَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْمُؤْمِنُ لِإِكْرَامِهِ بِذَلِكَ أَهْلٌ لَكِنَّ إثْبَاتَ الْجِهَةِ مُمْتَنِعٌ فَصَارَ بِوَصْفِهِ مُتَشَابِهًا فَوَجَبَ تَسْلِيمُ الْمُتَشَابِهِ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالشَّكُّ فِيهِ شِرْكٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلَ الْأَكْثَرِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
ثُمَّ قَالَ (وَمِثَالُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَلَمْ يَقُلْ، وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ، وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ فَرْقًا بَيْنَ مَا هُوَ مُخْتَلِفٌ فِي كَوْنِهِ مُتَشَابِهًا وَبَيْنَ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ فَرْقًا بَيْنَ مَا تَشَابَهَ لَفْظُهُ وَبَيْنَ مَا تَشَابَهَ مَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ أَيْ إثْبَاتُ كَيْفِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ بِمُتَشَابِهَةٍ كَذَا قِيلَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِثْبَاتِ إثْبَاتُهَا فِي الِاعْتِقَادِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحُدُوثِ بَلْ هِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ثَابِتَةٌ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِصِفَةِ الْكَمَالِ إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ جَوَازِ الرُّؤْيَةِ؛ فَإِنَّهَا الْوُجُودُ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ فِي الشَّاهِدِ عَدَمَ رُؤْيَةِ مَا عُرِفَ مَوْجُودًا أَمَارَةَ الْعَجْزِ وَالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَتَسَتَّرُ عَنْ النَّاسِ إنَّمَا يَتَسَتَّرُ لِعَيْبٍ بِهِ وَلِنُقْصَانٍ حَلَّ فِيهِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّاسِ فِي إيذَائِهِمْ إيَّاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ جَمِيلٍ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَقَوْلُهُ وَالْمُؤْمِنُ لِإِكْرَامِهِ بِذَلِكَ أَهْلٌ أَيْ الْمُؤْمِنُ أَهْلٌ لَأَنْ يُكْرَمَ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْتَنِعُ لِعَدَمِ الْأَهْلِ.
وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا فَقَالَ الرُّؤْيَةُ مُمْكِنَةٌ عَقْلًا وَالْمُؤْمِنُ أَهْلٌ لَهَا كَمَا هُوَ أَهْلٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْكَرَامَاتِ الَّتِي لَمْ تَخْطِرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَقَدْ وَرَدَ بِهَا السَّمْعُ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى ذَاتَه وَلَكِنْ لَا يُرَى وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَرَى وَيُرَى فَقَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ رَدٌّ لِقَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْإِلْزَامِ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَرَى ذَاتَه كَانَتْ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ مُمْكِنَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷻ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ يَرَى الْمَعْدُومَ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَعْدُومِ مُسْتَحِيلَةٌ وَلَمَّا كَانَتْ مُمْكِنَةً يَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِلَا كَيْفٍ وَجِهَةٍ كَمَا يَرَى هُوَ نَفْسَهُ بِلَا كَيْفٍ وَجِهَةٍ قَوْلُهُ (لَكِنَّ إثْبَاتَ الْجِهَةِ مُمْتَنِعٌ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرُّؤْيَةِ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْئِيُّ فِي جِهَةٍ مِنْ الرَّائِي وَأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لَهُ وَمُحَاذِيًا وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ مُقَدَّرَةٌ لَا فِي غَايَةِ الْقُرْبِ وَلَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَصَارَ إثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ بِوَصْفِهِ أَيْ بِكَيْفِيَّتِهِ مُتَشَابِهًا أَيْ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَنُسَلِّمُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّأْوِيلَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ بَلْ هِيَ مِنْ الْأَوْصَافِ الِاتِّفَاقِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الشَّاهِدِ ذُو جِهَةٍ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ الْمُقَابَلَةُ فَيُرَى كَذَلِكَ فَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَنْ الْجِهَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمَسَافَةِ فَيُرَى كَمَا هُوَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَحَقُّقُ الشَّيْءِ بِالْبَصَرِ كَمَا هُوَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَانَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى إيَّانَا مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ وَلَا جِهَةٍ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ لِلرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ الذَّاتِيَّةِ لَا يَتَبَدَّلُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ بَلْ هِيَ
стр. 59
وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْيَدِ وَالْوَجْهِ حَقٌّ عِنْدَنَا مَعْلُومٌ بِأَصْلِهِ مُتَشَابِهٌ بِوَصْفِهِ، وَلَنْ يَجُوزَ إبْطَالُ الْأَصْلِ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ الْوَصْفِ؛ وَإِنَّمَا ضَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُمْ رَدُّوا الْأُصُولَ لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْأَوْصَافِ الِاتِّفَاقِيَّةِ كَكَوْنِ الثَّانِي فِي الشَّاهِدِ مُحْدَثًا وَذَا صُورَةٍ وَدَمٍ وَلَحْمٍ مَعَ فَوَاتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي الْغَائِبِ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ اتِّفَاقِيَّةً فَعَلَى هَذَا لَمْ يَبْقَ التَّشَابُهُ فِي الْوَصْفِ أَيْضًا لِزَوَالِهِ بِالتَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ الْهَادِي.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَإِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ إثْبَاتُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ لِلَّهِ تَعَالَى حَقٌّ عِنْدَنَا فَبِقَوْلِهِ عِنْدَنَا احْتَرَزَ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْوَجْهِ الرِّضَاءُ أَوْ الذَّاتُ وَنَحْوُهُمَا وَمِنْ الْيَدِ الْقُدْرَةُ أَوْ النِّعْمَةُ وَنَحْوُهَا فَقَالَ الشَّيْخُ: بَلْ اللَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِصِفَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ مَعَ تَنْزِيهِهِ ﷻ عَنْ الصُّورَةِ وَالْجَارِحَةِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا وَجْهَ لَهُ أَوْ لَا يَدَ يُعَدُّ نَاقِصًا، وَهُوَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَيُوصَفُ بِهِمَا أَيْضًا إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ الصُّورَةِ وَالْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلٌ، وَكَذَا إثْبَاتُ الْكَيْفِيَّةِ فَتَشَابَهَ وَصْفُهُ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِالتَّأْوِيلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي أَمْثَالِ مَا ذَكَرْنَا يَتْبَعُ اللَّفْظُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ الِاسْمُ وَلَا يُقَالُ: اللَّهُ تَعَالَى مُتَوَجِّهٌ إلَى فُلَانٍ بِنَظَرِ الرَّحْمَةِ أَوْ الْعِنَايَةِ وَلَا يُبَدَّلُ بِلَفْظٍ آخَرَ لَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا بِغَيْرِهَا فَلَا يُبَدَّلُ لَفْظُ الْعَيْنِ بِالْبَاصِرَةِ وَلَا لَفْظُ الْقَدَمِ بِالرِّجْلِ وَلَا يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَيْضًا " جثم خداي وروى خداي ودست خداي " وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَلَنْ يَجُوزَ إبْطَالُ الْأَصْلِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِأَنَّ الْقَوْلَ الرُّؤْيَةُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ بَاطِلٌ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ الْوَصْفِ أَيْ الْكَيْفِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْمَتْبُوعِ بِالتَّبَعِ وَالْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَذَلِكَ كَمَنْ رَأَى شَخْصًا عَلَى شَطِّ نَهْرٍ عَظِيمٍ لَا يُتَصَوَّرُ الْعُبُورُ مِنْهُ بِدُونِ سَفِينَةٍ وَمَلَّاحٍ ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ الشَّخْصَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَاهِدَ سَفِينَةً وَمَلَّاحًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْكِرَ عُبُورَهُ مِنْ النَّهْرِ؛ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ كَيْفِيَّةَ الْعُبُورِ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ جَوَازُ الرُّؤْيَةِ وَصِفَةُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ إنْكَارُهَا بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ أَوْصَافِهَا وَالْجَهْلِ بِطَرِيقِ ثُبُوتِهَا، فَإِنَّهُمْ رَدُّوا الْأُصُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَدُّوا أَصْلَ الرُّؤْيَةِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ اللَّامُ فِي الصِّفَاتِ بَدَلُ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْ بِكَيْفِيَّاتِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَدُّوا الْأُصُولَ أَيْ الصِّفَاتِ جَمْعٌ بِأَنْ قَالُوا لَيْسَ لَهُ صِفَةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ أَيْ بِكَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهَا بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّانِعَ الْقَدِيمَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالصِّفَاتُ لَوْ ثَبَتَتْ لَكَانَتْ غَيْرَ الذَّاتِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ هِيَ الذَّاتُ فَهِيَ غَيْرُ الذَّاتِ لَا مَحَالَةَ كَزَيْدٍ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمْرًا كَانَ غَيْرَ عَمْرٍ وَلَا مَحَالَةَ وَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَغَايِرَةِ فِي الْأَزَلِ مُنَافٍ لِلتَّوْحِيدِ وَمِنْ هَذَا سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا تَوْحِيدَهُمْ بِتَوْحِيدِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً أَيْ فِرْقَةً مُعَطِّلَةً أَيْ قَائِلَةً بِخُلُوِّ الذَّاتِ عَنْ الصِّفَاتِ، وَالتَّعْطِيلُ فِي الْأَصْلِ نَزْعُ الْحُلِيِّ مِنْ امْرَأَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ عُطِّلَتْ الْمَرْأَةُ عَطَلًا إذَا خَلَا جِيدُهَا مِنْ الْقَلَائِدِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْلِيَةِ عَنْ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الزِّينَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ حِلْيَتُهُ كَذَا أَيْ هَيْئَتُهُ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ؛ لِأَنَّ تَزَيُّنَهُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْعُطْلَةِ أَيْ عَطَّلُوا
стр. 60
وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِكُلِّ لَفْظٍ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَقِّ الشَّيْءِ يَحِقُّ حَقًّا، فَهُوَ حَقٌّ وَحَاقٌّ وَحَقِيقٌ
ــ
[كشف الأسرار]
النُّصُوصَ وَتَرَكُوهَا بِلَا عَمَلٍ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً لَهَا.
[الْقِسْمِ الثَّالِثِ وُجُوه اسْتِعْمَال النَّظْم]
[تَعْرِيف الْحَقِيقَةَ]
[أَقْسَام الْحَقِيقَة]
قَوْلُهُ (وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ التَّقْسِيمِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الرَّابِعِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِسْمِ الْمُقَابِلِ، الْحَقِيقَةُ كُلُّ لَفْظٍ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ كُلِّ فِي التَّعْرِيفِ مُسْتَبْعَدٌ وَاعْتَذَرْنَا عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ كُلُّ لَفْظٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ لَا الْمَعَانِي، وَكَذَا الْمَجَازُ إذْ الْمُرَادُ مِنْ كَلِمَةِ مَا فِي تَعْرِيفِهِ اللَّفْظَ أَيْضًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ لُغَوِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ وَالسَّبَبُ فِي انْقِسَامِهَا هَذَا هُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ وَضْعٍ وَالْوَضْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاضِعٍ فَمَتَى تَعَيَّنَ نُسِبَتْ إلَيْهِ الْحَقِيقَةُ فَقِيلَ لُغَوِيَّةٌ إنْ كَانَ صَاحِبُ وَضْعِهَا وَاضِعَ اللُّغَةِ كَالْإِنْسَانِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَقِيلَ شَرْعِيَّةٌ إنْ كَانَ صَاحِبُ وَضْعِهَا الشَّارِعَ كَالصَّلَاةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَمَتَى لَمْ يَتَعَيَّنْ قِيلَ عُرْفِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفًا عَامًّا كَالدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ خَاصًّا كَمَا لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي تَخُصُّهُمْ كَالنَّقْضِ وَالْقَلْبِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ لِلْفُقَهَاءِ وَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ وَالْكَوْنُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ لِلنُّحَاةِ، وَلَا يُسْتَرَابُ فِي انْقِسَامِ الْمَجَازِ إلَى نَحْوِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي النَّاطِقِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَالصَّلَاةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الدُّعَاءِ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ؛ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً وَالدَّابَّةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي كُلِّ مَا يَدِبُّ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ؛ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوَضْعِ، وَهُوَ تَعْيِينُ اللَّفْظَةِ بِإِزَاءِ مَعْنًى بِنَفْسِهَا فِي التَّعْرِيفَيْنِ مُطْلَقُ الْوَضْعِ فَيَدْخُلُ فِيهِمَا الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ وَلَا بُدَّ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ مِنْ قَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِعَلَاقَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا مَعْنًى أَوْ ذَاتًا وَإِلَّا يُنْتَقَضْ بِمَا إذَا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ السَّمَاءِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ؛ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بَلْ هُوَ وَضْعٌ جَدِيدٌ.
وَلَا يُقَالُ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ بِمَا ذُكِرَ مَعَ هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي شَرَطْت غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ التَّجَوُّزِ بِتَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي اللُّغَةِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَنْهُ إذْ لَيْسَ هُوَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَخُرُوجُ التَّجَوُّزِ بِزِيَادَةِ الْكَافِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، عَنْهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا وَغَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فِيهِ لِكَوْنِهِمَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتَا لَهُ وَالْحَقِيقَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ حَقِيقَةٌ لَا تَكُونُ مَجَازًا لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُطْلَقِ مُخَالِفَةٌ لِحَقِيقَةِ الْمُقَيَّدِ مِنْ حَيْثُ هُمَا كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ لَفْظُ الدَّابَّةِ حَقِيقَةً فِي مُطْلَقِ كُلِّ دَابَّةٍ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّابَّةِ الْمُقَيَّدَةِ عَلَى الْخُصُوصِ يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْكَافَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنًى كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لَا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّهُمَا؛ وَإِنْ كَانَتَا حَقِيقَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَوَاضُعِ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فَلَا يَخْرُجَانِ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا مُجَازَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِمَا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتَا لَهُ أَوَّلًا فِي اللُّغَةِ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارٍ وَمَجَازًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَعْرِيفِهِمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا أُفِيدَ بِهَا مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ التَّخَاطُبُ بِهِ وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ.
[تَعْرِيف الْمَجَاز]
(وَالْمَجَازُ) مَا أُفِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا اُصْطُلِحَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي وَقَعَ
стр. 61
وَالْمَجَازُ اسْمٌ لِمَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ مُفْعَلٌ مِنْ جَازَ يَجُوزُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ مُتَعَدٍّ عَنْ أَصْلِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّخَاطُبِ بِهَا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ وَالْعُرْفِيُّ أَيْضًا وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّعْرِيفُ يَقْتَضِي خُرُوجَ الِاسْتِعَارَةِ عَنْهُ، وَكَذَا التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ هَذَا أَسَدٌ قَدَّرْنَا صَيْرُورَتَهُ فِي نَفْسِهِ أَسَدًا لِبُلُوغِهِ فِي الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ خَاصَّةُ الْأَسَدِ إلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى ثُمَّ أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ اسْمَ الْأَسَدِ فَلَا يَكُونُ هَذَا اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ أَنَّ تَعْظِيمَهُ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ قُوَّةٍ لَهُ مِثْلَ قُوَّةِ الْأَسَدِ لَا يُوجِبُ تَحْقِيقَ ذَلِكَ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقَائِقِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْأَسَدِ فِيهِ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِيهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فِي الْوَضْعِ كَاسْتِعْمَالِ الْأَسَدِ فِي الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ فَلَفْظُ الْأَسَدِ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ وَلَا تَأْوِيلَ فِيهِ، قَالَ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا الْقَيْدَ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الِاسْتِعَارَةِ فَفِي الِاسْتِعَارَةِ تُعَدُّ الْكَلِمَةُ مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَلَا نُسَمِّيهَا حَقِيقَةً لِبِنَاءِ دَعْوَى الْمُسْتَعَارِ مَوْضُوعًا لِلْمُسْتَعَارِ لَهُ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ، قَالَ وَالْمَجَازُ هُوَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غَيْرِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ اسْتِعْمَالًا فِي الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِ حَقِيقَتِهَا مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ مَعْنَاهَا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، قَالَ وَقَوْلِي بِالتَّحْقِيقِ احْتِرَازٌ مِنْ خُرُوجِ الِاسْتِعَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ نَظَرًا إلَى دَعْوَى اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وَقَوْلِي مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ إلَى آخِرِهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْكِنَايَةِ فَإِنَّ الْكِنَايَةَ تُسْتَعْمَلُ وَتُرَادُ بِهَا الْمُكَنَّى فَتَقَعُ مُسْتَعْمَلَةً فِي غَيْرِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ مَعَ أَنَّا لَا نُسَمِّيهَا مَجَازًا لِعَرَائِهَا عَنْ هَذَا الْقَيْدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فَعِيلًا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ يَلْحَقُهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ لِقُرْبِ الْفَاعِلِ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي لُحُوقِ تَاءِ التَّأْنِيثِ بِهِ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى مَوْصُوفٍ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْت بِقَتِيلِ بَنِي فُلَانٍ وَقَتِيلَتِهِمْ رَفْعًا لِلِالْتِبَاسِ؛ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى مَوْصُوفٍ لَا يَلْحَقُهُ التَّاءُ تَقُولُ رَجُلٌ قَتِيلٌ وَامْرَأَةٌ جَرِيحٌ، ثُمَّ الْحَقِيقَةُ إمَّا فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ إذَا وَجَبَ وَثَبَتَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ حَقَّقْت الشَّيْءَ أُحِقُّهُ إذَا أَثْبَتُّهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهَا الثَّابِتَةُ أَوْ الْمُثَبَّتَةُ فِي مَوْضِعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ إذَا كَانَتْ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلِشَبَهِ التَّأْنِيثِ، وَهُوَ نَقْلُ اللَّفْظِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الصِّرْفَةِ كَالنَّطِيحَةِ وَالْأَكِيلَةِ إذَا كَانَتْ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ النَّقْلَ ثَانٍ كَمَا أَنَّ التَّأْنِيثَ ثَانٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ: هِيَ عِنْدِي لِلتَّأْنِيثِ فِي الْوَجْهَيْنِ بِتَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ التَّسْمِيَةَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ غُيِّرَ مُجْرَاةٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَالْمَجَازُ مَفْعَلُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الْعُبُورِ وَالتَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اسْتَعْمَلَتْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهَا فَقَدْ تَعَدَّتْ مَوْضِعَهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مُتَعَدٍّ مِنْ أَصْلِهِ أَيْ عَنْ مَوْضِعِهِ الْأَصْلِيِّ؛ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي مَعْنَاهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَفْعَلِ لِلْمَوْضِعِ أَوْ لِلْمَصْدَرِ حَقِيقَةً لَا لِلْفَاعِلِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنْتَقِلِ لَا يَكُونُ إلَّا مَجَازًا؛ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ مَعْنَى الْعُبُورِ وَالتَّعَدِّي إنَّمَا تَحْصُلُ فِي انْتِقَالِ الْجِسْمِ مِنْ حَيِّزٍ إلَى حَيِّزٍ فَأَمَّا فِي الْأَلْفَاظِ فَلَا فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
وَكَذَا لَفْظُ الْحَقِيقَةِ فِي مَفْهُومِهِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ حَقِيقَةٌ
стр. 62
وَلَا يَنَالُ الْحَقِيقَةَ إلَّا بِالسَّمَاعِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا وَالْمَجَازُ يُنَالُ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ لِيُعْتَبَرَ بِهِ وَيُحْتَذَى بِمِثَالِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
عُرْفِيَّةٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقِّ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الثَّابِتِ ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَى الْعَقْدِ الْمُطَابِقِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْوُجُودِ مِنْ الْعَقْدِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْقَوْلِ الْمُطَابِقِ لِعَيْنِ هَذِهِ الْعِلَّةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إذْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ الْوَضْعِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مَجَازٌ وَاقِعٌ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَذَا قِيلَ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ لَفْظَةَ الْحَقِيقَةِ مُشْتَرَكَةٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا ذَاتُ الشَّيْءِ وَحْدَهُ وَلَكِنْ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْأَلْفَاظِ أُرِيدَ بِهَا مَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ فِي مَفْهُومِهِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِلثَّابِتَةِ لُغَةً وَاللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِهِ ثَابِتٌ فِيهِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ لَا بِالْمَجَازِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ اللَّفْظَ بَعْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بَعْدَ الْوَضْعِ أَمَّا فِي مَوْضُوعِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِلْعَلَاقَةِ كَمَا بَيَّنَّا وَانْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ فِي قَوْلِهِ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ قَوْلُهُ (وَلَا يَنَالُ الْحَقِيقَةَ إلَّا بِالسَّمَاعِ) أَيْ لَا يُوجَدُ وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَعْنَاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي مَوْضُوعِهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ لِغَيْرِ الْوَاضِعِ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ ذَاتِيَّةً إذْ لَوْ كَانَتْ ذَاتِيَّةً لَمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأُمَمِ وَلَاهْتَدَى كُلُّ إنْسَانٍ إلَى كُلِّ لُغَةٍ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْوَضْعِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ السَّمَاعِ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ فَلَا يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ فَرْدٍ إلَى السَّمَاعِ؛ وَإِنْ كَانَ يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَةِ طَرِيقِهِ إلَيْهِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ وَالسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَعَكْسُهُمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمَجَازُ يُنَالُ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْمَجَازِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ السَّمَاعَ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَجَازَ إطْلَاقُ النَّخْلَةِ عَلَى طَوِيلٍ غَيْرِ إنْسَانٍ كَمَنَارَةٍ مَثَلًا لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الَّتِي هِيَ كَافِيَةٌ فِي جَوَازِ الْإِطْلَاقِ عِنْدَكُمْ وَهِيَ الْمُشَابَهَةُ الصُّورِيَّةُ وَلَجَازَ إطْلَاقُ الشَّبَكَةِ عَلَى الصَّيْدِ وَإِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَعَكْسِهِمَا لِلْمُجَاوَرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الشَّيْءِ لِلْعَلَاقَةِ مِنْ غَيْرِ السَّمْعِ كَإِطْلَاقِ النَّخْلَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ مَثَلًا؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّهَا أُطْلِقَتْ عَلَى الْإِنْسَانِ لِلطُّولِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَنَارَةِ لَكَانَ هَذَا قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِلَّا كَانَ اخْتِرَاعًا مِنْ الْمُطْلِقِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَكَلَامُنَا فِيهَا، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّا نَجِدُ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ إذَا وَجَدُوا بَيْنَ مَحَلِّيِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الْعَلَاقَةَ الْمُعْتَبَرَةَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ؛ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُ تِلْكَ اللَّفْظَةِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ السَّمَاعُ شَرْطًا لَتَوَقَّفُوا فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى النَّقْلِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ.
وَبِأَنَّ الْكُلَّ اتَّفَقُوا عَلَى
стр. 63
وَمِثَالُ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ مِثَالُ الْقِيَاسِ مِنْ النَّصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ مُفْتَقِرٌ إلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ وَمَا يَكُونُ نَقْلِيًّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهِ كَوْنُهُ مَنْقُولًا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا فِي جَمِيعِ الْمُسْتَعْمَلَاتِ فَإِنَّا إذَا رَأَيْنَاهُمْ اسْتَعْمَلُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ مَعْنًى تَابَعْنَاهُمْ فِي إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْإِطْلَاقَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ وُجُودَ الْعَلَاقَةِ إنَّمَا يَكْفِي لِلْإِطْلَاقِ إذَا كَانَتْ الْعَلَاقَةُ مُعْتَبَرَةً وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَانِعٌ وَفِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْعَلَاقَةُ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الطُّولِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ إذْ هُوَ مَعْنًى عَامٌّ وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَى الْإِنْسَانِ لِمُجَرَّدِ الطُّولِ بَلْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَكَذَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ الشَّبَكَةِ وَالصَّيْدِ إذْ الصَّيْدُ قَدْ يَحْصُلُ بِدُونِ الشَّبَكَةِ وَالشَّبَكَةُ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهَا الصَّيْدُ وَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ الْمَانِعُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمُتَقَابِلَاتِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يُعْتَبَرُ الْمُجَاوَرَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ جَازَ لَكَانَ قِيَاسًا أَوْ اخْتِرَاعًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا لَكَانَ اخْتِرَاعًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنْ مَجَارِي كَلَامِهِمْ صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ اسْتَقْرَأْنَا كَلَامَهُمْ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ لِلْإِطْلَاقِ كَمَا فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ وَإِلَّا لَزِمَ مِمَّا ذَكَرْتُمْ كَوْنُ رَفْعِ الْفَاعِلِ فِيمَا لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قِيَاسًا أَوْ اخْتِرَاعًا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا) مِنْ إحْدَى الْعَلَامَاتِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهَا الْحَقِيقَةُ عَنْ الْمَجَازِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا يَنْفِي عَنْ مُسَمَّاهَا بِحَالٍ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ نَفْيُهُ عَنْ مَفْهُومِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْفِيَ لَفْظَ الْأَسَدِ عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ وَصَحَّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي وَقِيلَ التَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ لِاسْتِلْزَامِهِ الدَّوْرَ وَذَلِكَ لِتَوَقُّفِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً فَإِنَّ مَنْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ النَّفْيُ لَوْ عَلِمَ كَوْنَهُ مَجَازًا وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لَوْ عَلِمَ كَوْنَهُ حَقِيقَةً فَلَوْ تَوَقَّفَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى صِحَّةِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَلَوْ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ صِحَّةِ النَّفْيِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ وِجْدَانُهُ فِي مَجَارِي اسْتِعْمَالَاتِهِمْ وَعَدَمِ وِجْدَانِهِ فِيهَا لِيَنْدَفِعَ الدَّوْرُ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْوِجْدَانَ إنْ صَلُحَ عَلَامَةً لِلْمَجَازِ ح فَعَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَصْلُحُ عَلَامَةً لِلْحَقِيقَةِ إذْ عَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ امْتِنَاعُ النَّفْيِ فِي الْحَقِيقَةِ وَصِحَّتُهُ فِي الْمَجَازِ مِنْ الْخَوَاصِّ لَا مِنْ الْعَلَامَاتِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْعَلَامَاتِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا تَبَادَرَ مَدْلُولُهُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِلَا قَرِينَةٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَتَبَادَرْ إلَيْهِ إلَّا بِالْقَرِينَةِ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ إذَا أَرَادُوا إفْهَامَ الْمَعْنَى لِلْغَيْرِ اقْتَصَرُوا عَلَى عِبَارَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِذَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهَا بَلْ ذَكَرُوا مَعَهَا قَرِينَةً.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْمَجَازِ إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ النَّصَّ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ بِسُلُوكِ طَرِيقِهِ، وَهُوَ التَّأَمُّلُ فِي النَّصِّ وَاسْتِخْرَاجِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ يُعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ فِي مَحَلٍّ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَكِنَّ الْمَجَازَ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ
стр. 64
وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَمَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا زَائِدًا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَصْرُ صَرْحًا لِارْتِفَاعِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَبْنِيَةِ وَالصَّرِيحُ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتِ طَالِقٌ
وَالْكِنَايَةُ خِلَافُ الصَّرِيحِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي مَحَلٍّ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَهُوَ التَّأَمُّلُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ اللَّازِمِ لَهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ اللَّفْظُ لَهُ فَيَصِحُّ هَذَا مِنْ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ كَمَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ وَفِي الْمَجَازِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ
[تَعْرِيف الصَّرِيحُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَمَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورًا بَيِّنًا) أَيْ انْكَشَفَ انْكِشَافًا تَامًّا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّاهِرِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِالْعُرْفِ وَنَحْوِهِمَا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا لَيْسَ إلَّا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّرِيحِ وَعَدَمِهِ فِي الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ تَرَكَ ذِكْرَهُ لِدَلَالَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ عَلَيْهِ إذْ هَذَا الْقِسْمُ فِي بَيَانِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا الْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ، وَقِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ انْكِشَافِ الْمَعْنَى قَدْ يَحْصُلُ بِالتَّنْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ كَمَا يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ يَدْخُلُ فِيهِ النَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ كَوْنُ الظُّهُورِ بَيِّنًا أَيْ تَامًّا وَلَيْسَ هُوَ فِي الظَّاهِرِ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ الظُّهُورِ وَلِهَذَا تُوصَفُ الْإِشَارَةُ بِالظُّهُورِ فَيُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ وَهَذِهِ غَامِضَةٌ وَلَا تُوصَفُ بِالصَّرَاحَةِ أَصْلًا لِعَدَمِ تَمَامِ الِانْكِشَافِ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ ﵀ أَنَّ الصَّرِيحَ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ مُرَادُهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الصَّرِيحَ اسْمٌ لِكَلَامٍ مَكْشُوفِ الْمَعْنَى كَالنَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، قُلْت هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ إذْ لَا اسْتِبْعَادَ فِي تَسْمِيَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُفَسَّرِ صَرِيحًا وَقَدْ رَأَيْت فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ هَهُنَا يُوجِبُ اشْتِرَاطَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي النَّصِّ وَالْمُفَسَّرِ إذْ ظُهُورُهُمَا بِاللُّغَةِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا أَصَحُّ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَوَى فِي الصَّرِيحِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ جَمَعَ الشَّيْخُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ بَيْنَ مَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَبَيْنَ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فَقَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَكَحْت مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ بِعْت مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ (وَهَذَا اللَّفْظُ) أَيْ الصَّرِيحُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ لَمَّا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورًا بَيِّنًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُقَرَّرَةِ، وَهِيَ الَّتِي قُرِّرَتْ عَلَى مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ فِي الْعُرْفِ أَوْ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُغَيَّرَةِ، وَهِيَ الَّتِي غُيِّرَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهِيَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ صَرَّحَ يُصَرِّحُ صَرَاحَةً وَصُرُوحَةً إذْ خَلَصَ وَانْكَشَفَ، وَتَصْرِيحُ الْخَمْرِ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ الزَّبَدُ، وَصَرَّحَ فُلَانٌ بِمَا فِي نَفْسِهِ أَيْ أَظْهَرَهُ قَوْلُهُ (وَالصَّرِيحُ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) كَلِمَةُ مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّرِيحِ أَيْ الصَّرِيحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَالِصُهُ قِيلَ فِي الصِّحَاحِ وَكُلُّ خَالِصٍ صَرِيحٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْخَالِصِ أَيْ الَّذِي خَلَصَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الصَّرِيحُ وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ فَلَمَّا خَلَصَ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ مُحْتَمَلَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَسَّرِ سُمِّيَ صَرِيحًا.
[تَعْرِيف الْكِنَايَةُ]
قَوْلُهُ (وَهُوَ
стр. 65
وَهُوَ مَا اسْتَتَرَ، الْمُرَادُ بِهِ مِثْلُ هَاءِ الْغَائِبَةِ وَسَائِرُ أَلْفَاظِ الضَّمِيرِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ خِلَافُ الصَّرِيحِ لَفْظُ " اسْتَتَرَ " الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ؛ وَإِنَّمَا فُسِّرَ خِلَافُ الصَّرِيحِ بِهِ لِأَنَّ خِلَافَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ نَقِيضَهُ وَقَدْ يَكُونُ ضِدَّهُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْخِلَافِ هَهُنَا نَقِيضُهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ، وَهُوَ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَكَذَا يَتَنَاوَلُ النَّصَّ وَالْمُفَسَّرَ وَالْخَفِيَّ وَالْمُشْكِلَ وَغَيْرَهَا إنْ قُدِّرَ قَيْدُ الِاسْتِعْمَالِ وَقِيلَ هُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ ظُهُورًا بَيِّنًا وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ضِدُّهُ فَهُوَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِتَارًا تَامًّا وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُجْمَلِ فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا وَلَا مَانِعًا فَالشَّيْخُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ خِلَافِ الصَّرِيحِ ضِدُّهُ، وَهُوَ الِاسْتِتَارُ لَا نَقِيضُهُ إذْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّعْرِيفِ بِهِ مِنْ نَقِيضِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الظُّهُورِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ وُجُودِيًّا وَالثَّانِي عَدَمِيًّا وَبَيَّنَ أَيْضًا بِتَرْكِ قَوْلِهِ اسْتِتَارًا تَامًّا أَنَّ قَوْلَهُ ظُهُورًا بَيِّنًا فِي تَعْرِيفِ الصَّرِيحِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ إذْ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ تَقْدِيرِ قَيْدِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الصَّرِيحِ بِأَنْ يُقَالَ هُوَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَيْ يَحْصُلُ الِاسْتِتَارُ بِالِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ قَاصِدِينَ لِلِاسْتِتَارِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ عِنْدَهُمْ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ كَمَا أَنَّ الِانْكِشَافَ يَحْصُلُ فِي الصَّرِيحِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فِي اللُّغَةِ، وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الصَّرِيحِ لَا يُشْتَرَطُ هَهُنَا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَالْمُشْكِلُ وَأَمْثَالُهُمَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي الْإِمَامِ فَإِنَّهُ قَالَ كُلُّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا يُسَمَّى كِنَايَةً وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَجَازُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَارَفًا كِنَايَةً لِاحْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِاشْتِرَاطِ هَذَا الْقَيْدِ، ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِكَلَامٍ لِإِفَادَةِ مَعْنًى فِي مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ مُطْلَقُ الِاسْتِعْمَالِ إذْ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ غَيْرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّرِيحِ إذْ هُوَ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِالْكَثْرَةِ وَفِي الْحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْضُوعِ وَفِي الْمَجَازِ بِغَيْرِ الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ فِي الْكِنَايَةِ غَيْرُهُ فِي الصَّرِيحِ إذْ هُوَ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِقَصْدِ الِاسْتِتَارِ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أَيْ مَعْنًى جَامِعٍ لِيَسْتَقِيمَ التَّقْسِيمُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُطْلَقُ الِاسْتِعْمَالِ فَافْهَمْ وَقَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِي تَعْرِيفِ الْكِنَايَةِ هِيَ تَرْكُ التَّصْرِيحِ بِذَكَرِ الشَّيْءِ إلَى مَا يَلْزَمُهُ لِيَنْتَقِلَ مِنْ الْمَذْكُورِ إلَى الْمَتْرُوكِ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ لِيُنْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ طُولُ الْقَامَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تُنَافِي إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ بِلَفْظِهَا فَلَا يَمْتَنِعُ فِي قَوْلِك فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ أَنْ تُرِيدَ طُولَ نِجَادِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ تَأْوِيلٍ مَعَ إرَادَةِ طُولِ قَامَتِهِ وَالْمَجَازُ يُنَافِي ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ فِي نَحْوِ قَوْلِك فِي الْحَمَّامِ أَسَدٌ أَنْ تُرِيدَ مَعْنَى الْأَسَدِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ مَبْنَى الْكِنَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ وَمَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَجَازِ مِنْ اتِّصَالٍ وَتَنَاسُبٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ وَفِي
стр. 66
أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ كَنَّيْت وَكَنَوْتُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَإِنِّي لَأَكْنُو عَنْ قَذُورٍ بِغَيْرِهَا ... وَأُعْرِبُ أَحْيَانًا بِهَا فَأُصَارِحُ
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ يَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي بَابِ بَيَانِ الْحُكْمِ.
وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الرَّابِعِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكِنَايَةِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَكُنِّي عَنْ الْحَبَشِيِّ بِأَبِي الْبَيْضَاءِ وَعَنْ الضَّرِيرِ بِأَبِي الْعَيْنَاءِ وَلَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا بَلْ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ، مِثْلُ هَاءِ الْمُغَايَبَةِ وَسَائِرِ أَلْفَاظِ الضَّمِيرِ مِثْلُ أَنَا وَأَنْتَ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُمَيِّزْ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ إلَّا بِدَلَالَةٍ أُخْرَى لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً وَلَمَّا احْتَمَلَتْ التَّمْيِيزَ بِدَلَالَةٍ اسْتَقَامَتْ كِنَايَةً عَنْ الصَّرِيحِ فَكَانَتْ أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ مِنْ الصَّرِيحِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْمُفَسَّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَةِ مِمَّا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِدَلَالَةٍ أُخْرَى وَالصَّرِيحُ اسْمٌ لِمَا فُهِمَ مَعْنَاهُ مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ زَادَ قَيْدَ الِاسْتِعْمَالِ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كِنَايَاتٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَكُونُ دَاخِلَةً فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ لِيَسْتَعْمِلَهَا الْمُتَكَلِّمُ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِاسْمِ زَيْدٍ مَثَلًا يَكُنِّي عَنْهُ بِهُوَ كَمَا يَكُنِّي عَنْهُ بِأَبِي فُلَانٍ لَا أَنَّهَا كِنَايَاتٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لَا تَكُونُ حَقِيقَةً قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كِنَايَاتٍ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ أَيْضًا فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي التَّعْرِيفِ قَوْلُهُ (أُخِذَتْ أَيْ الْكِنَايَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَنَّيْت وَكَنَوْتُ) وَقَعَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ وَالْفِعْلُ هُوَ الْأَصْلُ فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ فَالْمَصْدَرُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ لَامُ الْكَلِمَةِ يَاءً، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَهِيَ فِي الْكِنَايَةِ أَصْلِيَّةٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالسِّقَايَةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ وَاوًا وَهِيَ لُغَةٌ فِيهَا غَيْرُ مَشْهُورَةٍ؛ وَلِهَذَا اسْتَشْهَدَ لَهَا دُونَ الْيَاءِ فَهِيَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْوَاوِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا انْقَلَبَتْ الْوَاوُ عَنْهَا فِي جَبَيْت الْخَرَاجَ جِبَاوَةً وَالْأَصْلُ جِبَايَةً، وَالْكِنَايَةُ لُغَةً أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَتُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَهِيَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُقَرَّرَةِ، وَالْقَذُورُ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَجْتَنِبُ الْأَقْذَارَ وَالرِّيَبَ، وَأَعْرَبَ بِحُجَّتِهِ أَيْ أَفْصَحَ بِهَا مِنْ غَيْرِ تُقْيَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَالْمُصَارَحَةُ الْمُجَاهَرَةُ، يَعْنِي أَنِّي رُبَّمَا أَذْكُرُ غَيْرَهَا وَأُرِيدُهَا خَوْفًا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَإِخْفَاءً لِمَحَبَّتِي إيَّاهَا وَرُبَّمَا غَلَبَنِي سُكْرُ الْمَحَبَّةِ فَأُفْصِحُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تُقْيَةٍ مِنْ أَحَدٍ وَأَذْكُرُهَا صَرِيحًا، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ أَيْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ يَأْتِي تَفْسِيرُهَا أَيْ تَمَامُ تَفْسِيرِهَا
[الْقَسْم الرَّابِع وُجُوه وُقُوف السَّامِع عَلَى مُرَاد الْمُتَكَلِّم ومعانى الْكَلَام]
[الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الرَّابِعِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ التَّقْسِيمِ أَوْ الْخَامِسِ بِاعْتِبَارِ الْمُقَابِلِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ أَيْ بِعَيْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الثَّابِتُ بِعَيْنِ النَّصِّ مَا أَوْجَبَهُ نَفْسُ الْكَلَامِ وَسِيَاقُهُ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَيْضًا فَتَكُونُ هَذِهِ الْإِضَافَةُ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَمَا فِي قَوْلِك جَمِيعُ الْقَوْمِ وَكُلُّ الدَّرَاهِمِ وَنَفْسُ الشَّيْءِ، وَالِاسْتِدْلَالُ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا، وَالْعِبَارَةُ لُغَةً تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا يُقَالُ عَبَرْت الرُّؤْيَا أَعْبُرُهَا عِبَارَةً أَيْ فَسَّرْتهَا، وَكَذَا عَبَرْتهَا، وَعَبَرْت عَنْ فُلَانٍ إذَا تَكَلَّمْت عَنْهُ فَسُمِّيَتْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي عِبَارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا تُفَسِّرُ مَا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ مَسْتُورٌ كَمَا أَنَّ الْمُعَبِّرَ يُفَسِّرُ مَا هُوَ مَسْتُورٌ، وَهُوَ عَاقِبَةُ الرُّؤْيَا؛ وَلِأَنَّهَا تَكَلُّمٌ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ النَّصِّ عَلَى كُلِّ مَلْفُوظٍ مَفْهُومِ الْمَعْنَى مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ مُفَسَّرًا أَوْ نَصًّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا اعْتِبَارًا مِنْهُمْ لِلْغَالِبِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ مَا وَرَدَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ نُصُوصٌ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ النَّصِّ
стр. 67
هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ
وَالِاسْتِدْلَالُ بِإِشَارَتِهِ هُوَ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ لُغَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا سِيقَ لَهُ النَّصُّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَسَمَّيْنَاهُ إشَارَةً
ــ
[كشف الأسرار]
فِي هَذَا الْفَصْلِ دُونَ مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ حَتَّى كَانَ التَّمَسُّكُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِظَاهِرٍ أَوْ مُفَسَّرٍ أَوْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ أَوْ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا اسْتِدْلَالًا بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا غَيْرُ، هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ الْمُرَادُ مِنْ الْعَمَلِ عَمَلُ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لَا الْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ كَمَا إذَا قِيلَ الصَّلَاةُ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ، وَالزِّنَا حَرَامٌ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالُ بِعِبَارَتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ النَّظْمِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، إحْدَاهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَعْنَى وَيَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ كَالْعَدَدِ فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَى وَلَا يَكُونُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فِيهِ كَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالثَّالِثَة أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَى هُوَ مِنْ لَوَازِمِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَمَوْضُوعِهِ كَانْعِقَادِ بَيْعِ الْكَلْبِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇، «إنَّ مِنْ السُّحْتِ ثَمَنَ الْكَلْبِ» ، الْحَدِيثَ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَسُوقٌ لَيْسَ إلَّا وَالْقِسْمُ الْأَخِيرُ لَيْسَ بِمَسُوقٍ أَصْلًا وَالْمُتَوَسِّطُ مَسُوقٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَصَدَ إلَى التَّلَفُّظِ بِهِ لِإِفَادَةِ مَعْنَى غَيْرِ مَسُوقٍ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا سَاقَهُ لِإِتْمَامِ بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ إذْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فِي السُّوقِ بِأَنْ انْفَرَدَ عَنْ الْقَرِينَةِ وَالْقِسْمُ الْأَخِيرُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ هَهُنَا مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِمَعْنًى أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَفْهُومِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَفِيمَا سَبَقَ فِي بَيَانِ النَّصِّ وَالظَّاهِرُ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ مَسُوقًا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَفْهُومِهِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فَيَدْخُلُ الْقِسْمُ الْمُتَوَسِّطُ هَهُنَا فِي السَّوْقِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِذَا تَمَسَّكَ أَحَدٌ فِي إبَاحَةِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، أَوْ فِي إبَاحَةِ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَانَ اسْتِدْلَالًا بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا بِإِشَارَتِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِعَيْنِ النَّصِّ أَيْ بِعِبَارَتِهِ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ بِنَفْسِهِ وَسِيَاقُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَعَيْنُ النَّصِّ يُوجِبُ إبَاحَةَ الْبَيْعِ وَحُرْمَةَ الرِّبَا وَالتَّفْرِقَةَ، فَسَوَّى بَيْنَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ، وَهُوَ الْفَرْقُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ حِلُّ الْبَيْعِ وَحُرْمَةُ الرِّبَا فَجَعَلَهُمَا ثَابِتَيْنِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا بِإِشَارَتِهِ
[الِاسْتِدْلَال بِإِشَارَةِ اللَّفْظِ]
قَوْلُهُ (وَالِاسْتِدْلَالُ بِإِشَارَتِهِ) الْإِشَارَةُ الْإِيمَاءُ فَكَأَنَّ السَّامِعَ غَفَلَ عَنْ الْمَعْنَى الْمَضْمُونِ فِي النَّصِّ لِإِقْبَالِهِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ فَالنَّصُّ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ وَلَا سِيقَ لَهُ النَّصُّ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ اللَّفْظِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَكِنَّهُ وَلَهُ رَاجِعٌ إلَى مَا، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُسَقْ لَهُ الْكَلَامُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ غُمُوضٍ فَيَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ تَأَمُّلٍ وَلِهَذَا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِشَارَةُ مِنْ الْعِبَارَةِ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضُ مِنْ الصَّرِيحِ أَوْ الْمُشْكِلِ مِنْ الْوَاضِحِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْغُمُوضُ بِحَيْثُ يَزُولُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ يُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ فِكْرَةٍ يُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ.
(قَوْلُهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ
стр. 68
كَرَجُلٍ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ إلَى شَيْءٍ وَيُدْرِكُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهُ بِإِشَارَةِ لَحَظَاتِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إنَّمَا سَبَقَ النَّصُّ لِاسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجَمَةِ لِمَا سَبَقَ وَاسْمُ الْفُقَرَاءِ إشَارَةٌ إلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ
ــ
[كشف الأسرار]
بَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ وَالْغَرَضُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ إشَارَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ فَسَمَّيْنَاهُ إشَارَةً بِالْفَاءِ.
وَقَوْلُهُ كَرَجُلٍ إلَى آخِرِهِ تَشْبِيهٌ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّظْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي ضِمْنِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِمَا أُدْرِكَ بِالْبَصَرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي ضِمْنِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى كَوْنِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِ الْبَلَاغَةِ كَمَا أَنَّ إدْرَاكَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّظَرِ مَعَ إدْرَاكِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ مِنْ كَمَالِ قُوَّةِ الْإِبْصَارِ، وَاللَّحْظُ النَّظَرُ بِمُؤَخِّرِ الْعَيْنِ وَيُدْرِكُ غَيْرَهُ بِإِشَارَةِ لَحَظَاتِهِ أَيْ بِلَحَظَاتِهِ وَكَأَنَّهَا تُشِيرُ النَّاظِرَ إلَى مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ لِيُدْرِكَهُ، الضَّمِيرُ فِي نَظِيرِهِ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ لُغَةً، عَلَى سَبِيلِ التَّرْجَمَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ التَّفْسِيرِ وَمِنْهُ التُّرْجُمَانُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ وَضَمِّهِمَا لِمَنْ يُفَسِّرُ كَلَامَ الْغَيْرِ، لِمَا سَبَقَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] ، لَا لِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ، ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر: ٨] بَدَلٌ مِمَّا ذَكَرْنَا بِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ لَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَرَسُولُهُ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَقِيرِ كَيْفَ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ رَسُولَهُ عَنْ الْفُقَرَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨] ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكَشَّافِ.
وَقِيلَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا يُقَالُ هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ لِبَكْرٍ لِعَمْرٍو كَذَا فِي التَّيْسِير فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ تَرْجَمَةً لِمَا سَبَقَ بَلْ يَكُونُ بَيَانًا لِمَصْرِفٍ آخَرَ، وَعَلَى التَّفْسِيرَيْنِ السَّوْقُ لِبَيَانِ مَصَارِفِ الْخُمُسِ، وَاسْمُ الْفُقَرَاءِ أَيْ وَذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ دُونَ غَيْرِهِ إشَارَة إلَى أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ قَدْ زَالَتْ أَمْلَاكُهُمْ عَمَّا خَلَفُوا بِهَا بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِالْفَقْرِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَيَاسِيرَ بِمَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] ، وَالْفَقْرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِزَوَالِ الْمِلْكِ لَا يُبْعِدُ الْيَدَ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ضِدَّهُ الْغِنَى، وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ لَا قُرْبُ الْيَدِ مِنْ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ غَنِيٌّ حَقِيقَةً؛ وَإِنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ لِقِيَامِ الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالْمُكَاتَبُ فَقِيرٌ حَقِيقَةً وَلَوْ أَصَابَ مَالًا عَظِيمًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ حَقِيقَةً؛ فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ بِشَرْطِ الْأَحْرَارِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَسَمَّاهُمْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَهَذِهِ مِنْ الْإِشَارَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا، وَقَالَ إنَّمَا سَمَّاهُمْ فُقَرَاءَ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ لَهُ مَالٌ فِي وَطَنِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ وَيَطْمَعُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ بِالْمَدِينَةِ بَلْ تَوَطَّنُوا بِهَا وَانْقَطَعَتْ أَطْمَاعُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُسَمَّوْا بِابْنِ السَّبِيلِ وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُحْتَاجِينَ حَقِيقَةً وَانْقَطَعَ عَنْهُمْ ثَمَرَاتُ أَمْوَالِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِمْ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُمْ فُقَرَاءَ تَجَوُّزًا كَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ أَصْلًا كَمَا صَحَّتْ تَسْمِيَةُ الْكَافِرِ أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَبْكَمَ وَعَدِيمَ الْعَقْلِ فِي قَوْله تَعَالَى ، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] .
بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صَرْفِهِ إلَى الْمَجَازِ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ السَّبِيلِ الْحِسِّيِّ بِالْإِجْمَاعِ فَيَرْجِعُ النَّفْيُ إلَى السَّبِيلِ الشَّرْعِيِّ وَالتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ الَّذِي هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ أَقْوَى جِهَاتُ السَّبِيلِ،
стр. 69
وَقَوْلُهُ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] سِيقَ لِإِثْبَاتِ النَّفَقَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْآبَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ أَغَارَ عَلَى سَرْحٍ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ الْعَضْبَاءُ وَأَسَرَ امْرَأَةَ الرَّاعِي قَالَتْ الْمَرْأَةُ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ قَصَدْت الْفِرَارَ فَمَا وَضَعْت يَدِي عَلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا حَتَّى وَضَعْت يَدِي عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ الْعَضْبَاءَ فَرَكَنَتْ إلَيَّ فَرَكِبْتهَا وَقُلْت إنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَهَا فَلَمَّا أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ ﵇، بِئْسَ مَا جَازَيْتِهَا لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ وَإِنَّهَا نَاقَةٌ مِنْ إبِلِي ارْجِعِي إلَى أَهْلِك عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَلَكِنَّا نَقُولُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ سَبِيلِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَنَا بِالِاسْتِيلَاءِ أَيْضًا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَمْوَالِ، أَوْ الْمُرَادُ نَفْيُ السَّبِيلِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١١٣] ، أَوْ نَفْيُ الْحُجَّةِ كَمَا قَالَ السُّدِّيَّ وَلَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَلَا تَنْزِلْ دَارَك يَعْنِي الدَّارَ الَّتِي وَرِثَهَا النَّبِيُّ ﵇ مِنْ خَدِيجَةَ ﵂ وَقَدْ كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا عَقِيلٌ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» .
وَلَا يُقَالُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَرَّبَهَا وَلَمْ تَبْقَ صَالِحَةً لِلنُّزُولِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ ﵁ أَلَا تَنْزِلْ دَارَك يَأْبَى ذَلِكَ، وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ عُيَيْنَةَ لَمْ يُحْرِزْهَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا وَلَا مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ؛ فَلِهَذَا اسْتَرَدَّهَا مِنْهَا وَجَعَلَ نَذْرَهَا فِيمَا لَا تَمْلِكُ فَلَمَّا لَمْ يَصْلُحْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَرَائِنِ صَارِفًا لِلَفْظِ الْفُقَرَاءِ إلَى الْمَجَازِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ قَدْ تَكُونُ مُوجِبَةً لِمُوجِبِهَا قَطْعًا مَثَلُ الْعِبَارَةِ مَثَلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَقَدْ لَا تُوجِبَ قَطْعًا وَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِرَاكِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُرَادًا بِالْكَلَامِ، فَأَمَّا كَوْنُهَا حُجَّةً فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ إمَّا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَوْله تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ وَقَوْلُهُ سِيقَ لِكَذَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ وَسِيقَ خَبَرُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ الْمَحَلِّ وَأَشَارَ عُطِفَ عَلَى سِيقَ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِيهِمَا يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ، وَكَذَا الْبَارِزُ فِي بِقَوْلِهِ أَيْ سِيقَ هَذَا الْقَوْلُ لِكَذَا وَأَشَارَ هَذَا الْمَسُوقُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ إلَى كَذَا فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَسُوقَ قَائِلًا هَذَا الْكَلَامَ، أَوْ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي أَشَارَ وَالْبَارِزُ فِي بِقَوْلِهِ يَرْجِعَانِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سِيقَ مِنْ السَّائِقِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ جَازَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَيْ سِيقَ هَذَا الْقَوْلُ لِكَذَا وَأَشَارَ السَّائِقُ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلَى كَذَا، أَوْ الْبَاءُ فِي بِقَوْلِهِ زَائِدَةٌ وَأَشَارَ مُسْنَدٌ إلَى الْقَوْلِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ رَاجِعٌ إلَى اللَّهِ أَيْ سِيقَ قَوْلُ اللَّهِ، وَهُوَ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلَى آخِرِهِ لِكَذَا وَأَشَارَ قَوْلُهُ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلَى كَذَا وَفِي الْكُلِّ بُعْدٌ.
وَلَوْ قِيلَ أُشِيرَ لَكَانَ أَحْسَنَ. قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَيْ وَعَلَى الَّذِي وُلِدَ لَهُ، وَهُوَ الْأَبُ، وَلَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ نَحْوُ عَلَيْهِمْ فِي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَيْ طَعَامُ الْوَالِدَاتِ وَلِبَاسُهُنَّ، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَيْ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، أَوْ تَفْسِيرُهُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ فِي الْآيَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَالِدَاتِ
стр. 70
وَإِلَى قَوْلِهِ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَقَوْلُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْمُطَلَّقَاتُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي ذِكْرِ الْمُطَلَّقَاتِ فَالْمُرَادُ إيجَابُ أَصْلِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى طَرِيقِ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إلَى مَا يُقِمْنَ بِهِ أَبْدَانَهُنَّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ بِالِاغْتِذَاءِ وَتَحْتَاجُ هِيَ إلَى التَّسَتُّرِ فَكَانَ هَذَا مِنْ الْحَوَائِجِ الضَّرُورِيَّةِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَنْكُوحَاتُ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ دُونَ الْأَجْرِ فَالْمُرَادُ إيجَابُ فَضْلِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ الَّذِي تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الرَّضَاعِ لَا أَصْلُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِالنِّكَاحِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْكَلَامُ مَسُوقٌ لِبَيَانِ إيجَابِ أَصْلِ النَّفَقَةِ أَوْ فَضْلِهَا عَلَى الْأَبِ، وَفِي ذِكْرِ الْمَوْلُودِ لَهُ دُونَ ذِكْرِ الْوَالِدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْوَلَدَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِاخْتِصَاصِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ قُرَشِيًّا وَالْأُمُّ أَعْجَمِيَّةً يُعَدُّ الْوَلَدُ قُرَشِيًّا فِي بَابِ الْكَفْأَةِ وَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَفِي الْعَكْسِ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا قِيلَ:
وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلْأَنْسَابِ آبَاءُ
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى عِلَّةِ إيجَابِ هَذِهِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى الْآبَاءِ أَيْ الْوَالِدَاتِ لَمَّا وَلَدْنَ لَهُمْ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْزُقُوهُنَّ وَيَكْسُوهُنَّ إذَا أَرْضَعْنَ أَوْلَادَهُمْ كَالْأَظْآرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِ الْوَالِدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] ، الْآيَةَ.
قَوْلُهُ (وَإِلَى قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ، رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﵇ فَقَالَ إنَّ لِي مَالًا؛ وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ إلَى مَالِي قَالَ أَنْتَ وَمَالُك لِوَالِدِك، وَفِي رِوَايَةٍ لِوَالِدَيْك» كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ «شَكَا رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَبَاهُ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ فَدَعَا بِهِ، فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا وَأَنَا قَوِيٌّ، وَفَقِيرًا وَأَنَا غَنِيٌّ فَكُنْت لَا أَمْنَعُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِي وَالْيَوْمَ أَنَا ضَعِيفٌ. وَهُوَ قَوِيٌّ، وَأَنَا فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ وَيَبْخَلُ عَلَيَّ بِمَالِهِ فَبَكَى ﵇ وَقَالَ مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ يَسْمَعُ هَذَا إلَّا بَكَى ثُمَّ قَالَ لِلْوَلَدِ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك»
، وَذَكَرَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْبُخَارِيُّ فِي فَوَائِدِهِ «أَنَّ شَيْخًا أَتَى النَّبِيَّ ﵇ وَقَالَ إنَّ ابْنِي هَذَا لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ؛ وَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيَّ مِنْ مَالِهِ فَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ ﵇ وَقَالَ إنَّ هَذَا الشَّيْخَ قَدْ أَنْشَأَ فِي ابْنِهِ أَبْيَاتًا مَا قُرِعَ سَمْعٌ بِمِثْلِهَا فَاسْتَنْشَدَهَا فَأَنْشَدَهَا الشَّيْخُ وَقَالَ:
غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُك يَافِعًا ... تُعَلُّ بِمَا أَحْنِي عَلَيْك وَتَنْهَلُ
إذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْك بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ ... لِسُقْمِك إلَّا بَاكِيًا أَتَمَلْمَلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَك بِاَلَّذِي ... طُرِقْت بِهِ دُونِي وَعَيْنِي تَهْمُلُ
فَلَمَّا بَلَغْت السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي ... إلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيك أُؤَمِّلُ
جَعَلْت جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً ... كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَك إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْت كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ
تَرَاهُ مُعِدًّا لِلْخِلَافِ كَأَنَّهُ ... بِرَدٍّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُؤَكَّلُ
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ حَقُّ التَّمَلُّكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ؛ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لَهُ لَكِنَّهُ لَمَّا تَخَلَّفَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ ﵇، «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، ثَبَتَ بِهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ لَهُ فِي مَالِهِ فَيَتَمَلَّكُهُ
стр. 71
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] سِيقَ لِإِثْبَاتِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إذَا رُفِعَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الثَّابِتُ بِعَيْنِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
عِنْدَ الْحَاجَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْ كَانَتْ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَبِعِوَضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّ لَهُ تَأْوِيلًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ وَلَدِهِ كَمَا لَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ عَبْدِهِ وَقَدْ عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ فَالنَّصُّ الْمَذْكُورُ بِإِشَارَتِهِ أَيَّدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَآزَرَهُ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَدِيثِ الْكِتَابَ مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ ﵇، «وَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ» .
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] الْمُرَادُ بَيَانُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ لَا الْفِطَامِ وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْ الرَّضَاعِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَلِيه الْفِصَالُ وَيُلَابِسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ وَالْغَرَضُ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الرَّضَاعِ التَّامِّ الْمُنْتَهِي بِالْفِصَالِ وَوَقْتِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْحَمْلِ إنْ كَانَ هُوَ الْحَمْلُ بِالْأَيْدِي إذْ الطِّفْلُ يُحْمَلُ بِالْيَدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا فَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِلْحَمْلِ وَالْفِصَالِ جَمِيعًا وَلَا تَعَرُّضَ لِلْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ حِينَئِذٍ فِي الْآيَةِ، فَلَا يَكُونُ الْإِشَارَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَابِتَةً فِيهَا، وَيَكُونُ الْآيَةُ حُجَّةً لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ، عَلَى بَيَانِ مُدَّةِ وُجُوبِ أَجْرِ الرَّضَاعِ عَلَى الْأَبِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَمْلُ فِي الْبَطْنِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَالْإِشَارَةُ ثَابِتَةٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِهَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَلْ يُتَمَسَّكُ لَهُ بِالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّبَنَ كَمَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ يُغَذِّيه بَعْدَهُمَا وَالْفِطَامُ لَا يَحْصُلُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ يُفْطَمُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى يَيْبَسَ اللَّبَنُ وَيَتَعَوَّدَ الصَّبِيُّ الطَّعَامَ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى حَوْلَيْنِ لِمُدَّةِ الْفِطَامِ، فَإِذَا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ قَدَّرْنَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا لِلِانْتِهَاءِ بِالِابْتِدَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ هَذَا النَّصُّ مَسُوقٌ لِبَيَانِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي جَانِبِ الْأُمِّ بِقَوْلِهِ، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أَيْ ذَاتَ كُرْهٍ عَلَى الْحَالِ أَوْ حَمْلًا ذَا كُرْهٍ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ وَالْكُرْهُ الْمَشَقَّةُ.
ثُمَّ زَادَ فِي الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، أَيْ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ لَمْ تَكُنْ مُقْتَصِرَةً عَلَى زَمَانٍ قَلِيلٍ بَلْ هِيَ مَعَ مَشَقَّاتِ الرَّضَاعِ مُمْتَدَّةٌ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى عُثْمَانَ ﵄ فَهَمَّ بِرَجْمِهَا فَقَالَ عَلِيٌّ: أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ أَمَا إنَّهَا لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ لَخَصِمَتكُمْ أَيْ غَلَبَتْكُمْ فِي الْخُصُومَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فَبَقِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِحَمْلِهَا فَأَخَذَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: ﵀ وَهَذِهِ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ وَقَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِدِقَّةِ فَهْمِهِ وَقَدْ اخْتَفَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الصَّحَابَةِ فَلَمَّا أَظْهَرَهُ قَبِلُوا مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ لَا بُدَّ فِي الْإِشَارَةِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْت بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ الضَّرُورَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَوْلُهُ ثَلَاثُونَ يَشْمَلُ أَفْرَادَهُ مُطَابَقَةً فَيَكُونُ السِّتَّةُ بَعْضَ مَدْلُولِهِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ بَيَانِ الضَّرُورَةِ وَالْإِشَارَةِ فَلْيَكُنْ بَيَانَ ضَرُورَةٍ أَيْضًا
стр. 72
وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] هَذَا قَوْلٌ مَعْلُومٌ بِظَاهِرِهِ مَعْلُومٌ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْأَذَى
ــ
[كشف الأسرار]
(فَإِنْ قِيلَ) الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِ بَيَانِ الْمِنَّةِ ذِكْرُ الْأَكْثَرِ الْمُعْتَادِ لَا ذِكْرُ الْأَقَلِّ النَّادِرِ كَمَا فِي جَانِبِ الْفِصَالِ (قُلْنَا) قَدْ قِيلَ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ بِمَشَقَّةٍ ثُمَّ وَضَعَتْهُ عَلَى تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَضَعَتْهُ أُمُّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُدَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ ذِكْرُ مَا وَرَائِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْكَذِبِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَعِيشُ إذَا وُلِدَ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَوْجُودَةً لَا مَحَالَةَ فِي حَقِّ كُلِّ مُخَاطَبٍ فَيَكُونُ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُلْزِمًا لِلْمِنَّةِ لَا مَحَالَةَ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُنَاسَبَةِ بِخِلَافِ الْفِصَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِجَانِبِ الْقِلَّةِ فِيهِ بَلْ لَا تَيَقُّنَ فِي نَفْسِ الرَّضَاعِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ ارْتِضَاعٍ مِنْ الْأُمِّ فَلَا جَرَمَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ إذْ الرَّضَاعُ اخْتِيَارِيٌّ وَالشَّفَقَةُ حَامِلَةٌ عَلَى تَكْمِيلِ الْمُدَّةِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ قَدْ حَمَلَتْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا مَحَالَةَ إنْ لَمْ تَحْمِلْهُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَأَرْضَعَتْهُ سَنَتَيْنِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْسَانُ إلَيْهَا، دَلَالَةُ النَّصِّ هِيَ فَهْمُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَمَقْصُودِهِ، وَقِيلَ هِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَنْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَيُسَمِّيهَا عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ فَحْوَى الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ مَعْنَاهُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْأَسَاسِ عَرَفْت فِي فَحْوَى كَلَامِهِ أَيْ فِيمَا تَنَسَّمْت مِنْ مُرَادِهِ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِحَاءِ، وَهُوَ أَبْزَارُ الْقِدْرِ، وَيُسَمِّيهَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقٌ لِمَدْلُولِهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ
[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً) أَيْ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ لَا بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، وَلُغَةً تَمْيِيزٌ، لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا تَرَادُفٌ وَهَذَا نَفْيُ كَوْنِهِ قِيَاسًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ إذَا عُرِفَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ كَمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ وَالنَّهْرِ كَفُّ الْأَذَى عَنْ الْوَالِدَيْنِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِبَيَانِ احْتِرَامِهِمَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَكَمَا عُرِفَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَحْرِيمِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ، تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْإِحْرَاقِ وَالْإِهْلَاكِ أَيْضًا وَلَوْلَا هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَمَا لَزِمَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ إذْ قَدْ يَقُولُ السُّلْطَانُ لِلْجَلَّادِ إذَا أَمَرَهُ بِقَتْلِ مَلِكٍ مُنَازِعٍ لَهُ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَلَكِنْ اُقْتُلْهُ لِكَوْنِ الْقَتْلِ أَشَدَّ فِي دَفْعِ مَحْذُورِ الْمُنَازَعَةِ مِنْ التَّأْفِيفِ وَيَقُولُ الرَّجُلُ وَاَللَّهِ مَا قُلْت لِفُلَانٍ أُفٌّ وَقَدْ ضَرَبَهُ، وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ وَقَدْ أَحْرَقَهُ فَلَا يَحْنَثُ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا قَطْعًا كَمَا فِي تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فَالدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةٌ؛ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى وَلَا بُدَّ فِي مَعْرِفَتِهِ مِنْ نَوْعِ نَظَرٍ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الدَّلَالَةَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَقَالُوا لَمَّا تَوَقَّفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ وُجِدَ أَصْلٌ كَالتَّأْفِيفِ مَثَلًا وَفَرْعٌ كَالضَّرْبِ وَعِلَّةٌ جَامِعَةٌ مُؤَثِّرَةٌ كَدَفْعِ الْأَذَى يَكُونُ قِيَاسًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا سَمَّيْنَاهُ جَلِيًّا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا
стр. 73
وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً حَتَّى شَارَكَ فِيهِ غَيْرُ الْفُقَهَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ ثُمَّ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ مَعْنًى لَا عِبَارَةً لَمْ نُسَمِّهِ نَصًّا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ بِهِ لُغَةً لَا اسْتِنْبَاطًا يُسَمَّى دَلَالَةً وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ،
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْفَرْعِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذَا النَّوْعِ مَا تَخَيَّلُوهُ أَصْلًا جُزْءًا مِمَّا تَخَيَّلُوهُ فَرْعًا كَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا ذَرَّةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ إعْطَاءِ مَا فَوْقَ الذَّرَّةِ مَعَ أَنَّ الذَّرَّةَ الْمَنْصُوصَةَ دَاخِلَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مِنْ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ وَنُفَاتِهِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ لِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الظَّنِّ قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً) أَيْ الْأَذَى يُفْهَمُ مِنْ التَّأْفِيفِ لُغَةً لَا رَأْيًا كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ يَعْنِي إذَا قِيلَ اضْرِبْ فُلَانًا أَوْ لَا تَضْرِبْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً أَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الْأَلَمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ مَنْعُهُ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَضَرَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبُهُ فَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبَرَّ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْأَذَى مِنْ التَّأْفِيفِ، ثُمَّ تَعَدَّى حُكْمُهُ أَيْ حُكْمُ التَّأْفِيفِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لِلتَّيَقُّنِ بِتَعَلُّقِ الْحُرْمَةِ بِهِ لَا بِالصُّورَةِ حَتَّى إنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَوْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ هَذَا فِي لُغَتِهِمْ إكْرَامٌ لَمْ يُثْبِتْ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّهِ، وَلَمَّا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ صَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنْ قِيلَ لَا تُؤْذِهِمَا فَثَبَتَ الْحُرْمَةُ عَامَّةً.
وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمَ التَّأْفِيفَ لِلْوَالِدَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنَاهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِجِهَةِ الْإِكْرَامِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ لَا لِلْمَعْنَى كَمَا فِي أَدَاءِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قِيمَتُهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ ظَنِّيًّا وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَعُرِفَ قَطْعًا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا غَيْرُ كَطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ لِمَا تَعَلَّقَتْ بِالطَّوْفِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» الْحَدِيثُ كَانَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ نَجِسًا مَعَ قِيَامِ النَّصِّ لِعَدَمِ الطَّوْفِ، وَحَاصِلٌ فَرْقِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَفْهُومَ بِالْقِيَاسِ نَظَرِيٌّ وَلِهَذَا شُرِطَ فِي الْقَائِسِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّا نَجِدُ أَنْفُسَنَا سَاكِنَةً إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَلِهَذَا شَارَكَ أَهْلُ الرَّأْيِ غَيْرَهُمْ فِيهِ فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ. قَوْلُهُ (وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ دَلَالَةُ النَّصِّ يَثْبُتُ بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَا يَثْبُتُ بِالنُّصُوصِ حَتَّى الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَا يُثْبِتُ بِهِ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا فَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ.
وَسَمِعْت عَنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَهُوَ كَانَ أَعْلَى كَعْبًا مِنْ أَنْ يُجَازِفَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَيَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ قِيَاسًا وَيَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فِكْرَةٍ وَاسْتِنْبَاطِ عِلَّةٍ، وَمَنْ سَمَّاهُ قِيَاسًا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَسَامِي فَمَنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ
стр. 74
وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا بِشَرْطٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَصَارَ هَذَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى، وَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
عِبَارَةً عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْإِلْحَاقِ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي عِبَارَةِ
[الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ إلَى آخِرِهِ) الِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ وَمِنْهُ اقْتَضَى الدَّيْنَ وَتَقَاضَاهُ أَيْ طَلَبَهُ، قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُقْتَضَى هُوَ مَا أُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَنَحْوَهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى النَّصِّ بِدُونِهَا فَاقْتَضَاهَا النَّصُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْغُو، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الْمَحْذُوفَ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا ثَبَتَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ لِتَصْحِيحِهِ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَتَى دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ شَيْءٍ فِي الْكَلَامِ لِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَنَحْوِهِ فَالْحَامِلُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الِاقْتِضَاءُ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَقِيلَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَرْعًا إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَطَلَبُهُ الزِّيَادَةَ هُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَمَا ثَبَتَ بِهِ هُوَ حُكْمُ الْمُقْتَضَى. وَمِثَالُهُ الْمَشْهُورُ قَوْلُك لِغَيْرِك اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَنَفْسُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضَى لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا وَطَلَبُهُ مَا يَصِحُّ بِهِ اقْتِضَاءٌ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ مُقْتَضًى وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حُكْمُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظَةِ الثَّابِتِ إنْ كَانَ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي لَمْ يَعْمَلْ وَالْبَارِزُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعَانِ إلَى النَّصِّ، وَيُقْرَأُ بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى الْإِضَافَةِ وَيَكُونُ التَّنْوِينُ فِي تَقَدُّمٍ عِوَضًا عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إلَى مَا أَيْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ كَمَا يَقْتَضِيه هَذَا الْمَقَامُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ، وَذَلِكَ وَهَذَا إشَارَتَانِ إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ زِنَةَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَوْزَانِ الْمَصَادِرِ فِي الْمُنْشَعِبَاتِ، وَاللَّامُ فِيهِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ " إشَارَةٌ " إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ أَوْ إلَى تَعْلِيلِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ.
وَهِيَ فِي فَصَارَ لِبَيَانِ كَوْنِهِ نَتِيجَةً لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ النَّصَّ أَيْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الشَّيْءُ بِالْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَ النَّصُّ إيَّاهُ فَتَكُونُ صِحَّةُ النَّصِّ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَيُقَدَّمُ لَا مَحَالَةَ وَلَمَّا اقْتَضَى النَّصُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِصِحَّتِهِ صَارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ اقْتِضَاءِ النَّصِّ إيَّاهُ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِهِ لِيَصِيرَ الْمَنْظُومُ مُفِيدًا أَوْ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ وَبِدُونِهِ لَا يُمْكِنُ إعْمَالُ الْمَنْظُومِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِطَلَبِ النَّصِّ لِنَفْسِهِ فَشَيْءٌ لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ بِدُونِ تَقَدُّمِهِ
стр. 75
وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ وَيَصْلُحُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ الْأَهْلَ غَيْرُ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْقَرْيَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ هَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى النَّصِّ فَإِنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ لِيَكُونَ مُتَنَاوَلُهُ صَحِيحًا فَصَارَ مُتَنَاوَلُ النَّصِّ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ كَقَوْلِهِ ﵇، «شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ» ، أَضَافَ الْإِعْتَاقَ إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِتْقَ فِي الْقَرِيبِ لَا الشِّرَاءُ وَلَوْلَا الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَى الشِّرَاءِ فَجَعَلَ هَذَا الشَّارِحُ اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى مَا فِي مُتَنَاوَلِهِ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ أَيْضًا؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الثَّابِتِ حُكْمُ الْمُقْتَضَى كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الثَّابِتِ الْحُكْمُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالِاقْتِضَاءُ بِمَعْنَى الْمُقْتَضَى وَيُقْرَأُ بِشَرْطٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ.
وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ وَهَذَا إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَعْلِيلِ التَّقَدُّمِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ فِي فَصَارَ لِلْإِشَارَةِ إلَى كَوْنِ إضَافَةِ الْحُكْمِ نَتِيجَةً لِلِاقْتِضَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ فِي إثْبَاتِهِ أَيْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مُتَنَاوَلِهِ وَلَمَّا كَانَ مُثْبِتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ صَارَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ أَيْضًا بِوَاسِطَتِهِ فَلَا يَكُونُ ثَابِتًا بِالرَّأْيِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَيْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْمُقْتَضِي أَوْ الْمُقْتَضَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى النَّصِّ اقْتَضَاهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَى فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى مَعَ حُكْمِهِ ثَابِتَيْنِ بِالنَّصِّ.
قَوْلُهُ (وَعَلَامَتُهُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعَ الْمُعْتَزِلَةِ جَعَلُوا مَا يُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ ﵇، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَسَمَّوْا الْكُلَّ مُقْتَضًى؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَحْدِيدِهِ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ.
وَخَالَفَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ فِي ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا اسْمَ الْمُقْتَضَى عَلَى مَا أُضْمِرَ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ شَرْعًا فَقَطْ وَجَعَلُوا مَا وَرَاءَهُ قِسْمًا وَاحِدًا وَسَمَّوْهُ مَحْذُوفًا أَوْ مُضْمَرًا وَقَالُوا: بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى إلَّا أَبَا الْيُسْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْمَحْذُوفِ أَيْضًا؛ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِيك الْكَلَامُ فِيهِ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ،
следующие страницы →