Полный текст (1 522 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَا يَجِبُ بِهِ حُكْمٌ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهَذَا الْبَابُ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ أَمْ وَاحِدٌ، مُتَعَيِّنٌ أَوْ مُبْهَمٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ) أَيْ لُزُومُهَا لِلْمَعْنَى وَاخْتِصَاصُهَا بِهِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ أَيْ انْفِرَادُ الْمَعْنَى وَتَعَيُّنُهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُتَعَيِّنًا مَعَ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَازِمَةٌ لَهُ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْإِجْمَالُ فِي الصِّيغَةِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ الْإِفْهَامُ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ وَالْإِجْمَالُ يُخِلَّانِ بِهِ إلَّا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْإِجْمَالَ وَقَعَا لِعَوَارِضَ قَدْ ذَكَرْنَا وَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ قِيلَ) إنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: الْخَاصُّ لَفْظٌ وُضِعَ لِكَذَا وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَقْسَامِ خُصُوصِ الْمَعْنَى فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ اللَّفْظِيِّ (قُلْنَا) لَا يَتِمُّ خُصُوصُ اللَّفْظِ إلَّا بِبَيَانِ خُصُوصِ الْمَعْنَى أَعْنِي تَفَرُّدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَحْدِيدِ الْخَاصِّ لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِجَانِبِ خُصُوصِ الْمَعْنَى لِيَتِمَّ خُصُوصُ اللَّفْظِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ لِوُجُوهٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهًا، لِلْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] وَلِلْإِرْشَادِ إلَى الْأَوْثَقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْشَادِ وَالنَّدْبِ أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْإِرْشَادَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الدُّنْيَا وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ، وَلِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَلِلْإِكْرَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] وَلِلِامْتِنَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وَلِلْإِهَانَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]
وَلِلتَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وَلِلتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أَيْ مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ وَلِلتَّكْوِينِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وَلِلِاحْتِقَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] وَلِلْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وَلِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وَ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلُوهُ قِسْمًا آخَرَ، وَلِلتَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وَلِلتَّسْخِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وَلِلتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
، وَلِلتَّأْدِيبِ كَقَوْلِهِ ﵇ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ «كُلْ مِمَّا يَلِيك» ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إذْ الْأَدَبُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَلِلدُّعَاءِ كَقَوْلِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لَيْسَتْ حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّسْخِيرِ وَالتَّعْجِيزِ وَالتَّسْوِيَةِ مَثَلًا غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ بَلْ إنَّمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ، إنَّمَا الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّهْدِيدُ فَقَالَ بَعْضُ الْوَاقِفِيَّةِ الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الشِّيعَةِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ الشَّيْخُ حَيْثُ جَعَلَ التَّوْبِيخَ مِنْ مَوَاجِبِهِ.
وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقِيلَ
стр. 107
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْلِمَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلْإِيجَابِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَلِلنَّدْبِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وَلِلْإِبَاحَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَلِلتَّقْرِيعِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وَلِلتَّوْبِيخِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وَإِذَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الشَّامِلِ لِلثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ فِي التَّهْدِيدِ مَجَازًا.
وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَفْظًا، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنًى بِأَنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً فِي مَعْنَى الطَّلَبِ الشَّامِلِ لَهُمَا، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: فِي رِوَايَةٍ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْغَزَالِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ لَا يُدْرَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ فِي النَّدْبِ فَقَطْ أَوْ فِيهِمَا مَعًا بِالِاشْتِرَاكِ فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا بِدُونِ الْقَرِينَةِ إلَّا التَّوَقُّفُ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِازْدِحَامِ الْمَعَانِي فِيهِ وَحُكْمُ الْمُجْمَلِ التَّوَقُّفُ لَا أَنَّ التَّوَقُّفَ عِنْدَ الْبَعْضِ فِي نَفْسِ الْمُوجِبِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ فِي تَعْيِينِهِ، وَقَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: رَئِيسُهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵏ إنَّ حُكْمَهُ الْوُجُوبُ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ فِيهِ بِنَدْبٍ وَلَا إيجَابٍ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ بَلْ يَعْتَقِدُ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنْ يُؤْتَى بِالْفِعْلِ لَا مَحَالَةَ حَتَّى إنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابُ يَحْصُلُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ يَحْصُلُ الثَّوَابُ فَهَذَا بَيَانُ أَقْوَالِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَأَمَّا عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالُوا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي عَيْنًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ وَلَا إجْمَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْجُبَّائِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ﵀.
قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) أَيْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ تَرْجِيحُ أَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَيَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجْمَالِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمَعَانِي عَلَى سَائِرِهَا لِاسْتِحَالَةِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَالتَّقْرِيعُ التَّعْجِيزُ وَالْإِفْحَامُ وَالتَّوْبِيخُ التَّهْدِيدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي التَّقْرِيعِ لَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِهَذَا يُلْحَقُ بِهِ افْعَلْ كَذَا إنْ اسْتَطَعْت كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَالْمُرَادُ مِنْهُ النَّفْيُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالسُّورَةِ أَوْ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَمَقْدُورٍ أَصْلًا وَفِي التَّوْبِيخِ يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] فَإِنَّ الْمَأْمُورَ قَادِرٌ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي التَّوْبِيخِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ بَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ مِنْهُ أَيْ لَا تَفْعَلْ هَذَا فَإِنَّك إنْ فَعَلْته سَتَلْحَقُ بِك عُقُوبَتُهُ وَلِهَذَا يَلْحَقُ بِهِ افْعَلْ فَإِنَّك تَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ،
ثُمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أَيْ اسْتَخِفَّ وَاسْتَزِلَّ وَهَيِّجْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ مِنْ قَبِيلِ التَّهْدِيدِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّقْرِيعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَالْمَطْلَعِ وَعَيْنِ الْمَعَانِي وَعَامَّةِ التَّفَاسِيرِ وَالتَّقْوِيمِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ
стр. 108
وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي، فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرَادِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ إلَّا بِعَارِضٍ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَأُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ وَغَيْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّعِينَ قَادِرٌ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَالدُّعَاءِ إلَى الشَّرِّ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّقْرِيعِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ التَّقْرِيعِ هَهُنَا؛ وَإِنْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ لِيَثْبُتَ الِاشْتِرَاكُ عَلَى زَعْمِ الْخَصْمِ وَهَذَا مِنْ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ، وَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُتَمَسَّكُ لِلْبَاقِينَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا حَمْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّهْدِيدِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا بَيْنَ قَوْلِهِ افْعَلْ وَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت لَا تَفْعَلْ حَتَّى إذَا قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا وَقَدَّرْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ مَنْقُولَةً عَنْ غَائِبٍ لَا فِي فِعْلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ حَتَّى يَتَوَهَّمَ فِيهِ قَرِينَةً دَالَّةً بَلْ فِي الْفِعْلِ مُطْلَقًا سَبَقَ إلَى فَهْمِنَا اخْتِلَافُ مَعَانِي هَذِهِ الصِّيَغِ وَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا أَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ قَامَ زَيْدٌ وَيَقُومُ زَيْدٌ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَاضِي وَالثَّانِيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِالْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَبِالْعَكْسِ لِقَرَائِنَ تَدُلُّ، وَكَمَا مَيَّزُوا الْمَاضِيَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ مَيَّزُوا الْأَمْرَ عَنْ النَّهْيِ وَقَالُوا: الْأَمْرُ قَوْلُهُ افْعَلْ وَالنَّهْيُ لَا تَفْعَلْ؛ وَإِنَّهُمَا لَا يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ.
وَهَذَا أَمْرٌ نَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ اللُّغَاتِ فَعُلِمَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ افْعَلْ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَالتَّهْدِيدُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ خِلَافُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَبَحْتُ لَك إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ يَرْفَعُ التَّرْجِيحَ فَبَقِيَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ قَالَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَوْ الطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ أَوْلَى دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، ثُمَّ الْوَاقِفِيَّةُ إنَّمَا قَالُوا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] بِقَرِينَةِ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَبِمَا وَرَدَ مِنْ التَّهْدِيدَاتِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْمَرَضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةُ وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَبِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَإِيجَابُ تَدَارُكِهِ عَلَى الْحَائِضِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْقَتْلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَرَدَتْ فِيهَا تَهْدِيدَاتٌ وَدَلَالَاتٌ تَوَارَدَتْ عَلَى طُولِ مُدَّةِ النُّبُوَّةِ لَا تُحْصَى.
قَوْلُهُ (وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ لِلْأَمْرِ مُوجِبًا مُتَعَيِّنًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ صِيغَةُ الْأَمْرِ أَحَدُ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِي خُصُوصِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الدَّلِيلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تُقْصَرُ عَنْ الْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ كَافِيَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَعَانِي أَيْ كُلُّ عِبَارَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمَعْنًى فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَالْمُرَادُ بِالْمُرَادِ الْجِنْسُ.
وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ أَيْ فِي الْعِبَارَةِ إلَّا بِعَارِضٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْكَلَامِ إفْهَامَ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ
стр. 109
لِمَعْنًى خَاصٍّ ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ سِوَى الْوَاقِفِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْأَمْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ حُكْمُهُ الْإِبَاحَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّدْبُ
وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: حُكْمُهُ الْوُجُوبُ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَمْ يَكُنْ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِعَارِضٍ، وَهُوَ تَعَدُّدُ الْوَضْعِ مَعَ غَفْلَةِ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً، وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الْوَاضِعُ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ وَقَدْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاضِعُ مُتَعَدِّدًا وَقَدْ غَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ وَضْعِ صَاحِبِهِ وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْأَقْوَامِ، أَوْ الِابْتِلَاءِ إنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَاللَّامُ فِي الْمَعْنَى إشَارَةٌ إلَى اخْتِصَاصِ الصِّيغَةِ بِالْمَعْنَى، ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ، السَّائِرِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ يُقَالُ سَائِرُ النَّاسِ أَيْ جَمِيعُهُمْ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، أَوْ بِمَعْنَى الْبَاقِي كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَائِقِ أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ سَأَرَ إذَا بَقِيَ وَمِنْهُ السُّؤْرُ وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ الْخَاصَّةُ فَيَضَعُهُ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِمَعْنًى خَاصٍّ أَيْ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا عَنْ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِعَارِضٍ كَجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ أَوْ بَاقِيهَا؛ فَإِنَّهَا لَمَعَانٍ خَاصَّةٍ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا إلَّا بِدَلِيلٍ مُغَيِّرٍ كَمَا قُلْنَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْخُصُوصُ فِي الْعَامِّ، فَيَكُونُ إضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَى الْخُصُوصِ إضَافَةَ السَّبَبِ إلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِك وَقْتَ الظُّهْرِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ إلَّا بِعَارِضٍ مُغَيِّرٍ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِاشْتِرَاكِ الِاشْتِرَاكَ الْحَقِيقِيَّ الْمُصْطَلَحَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ الصُّورِيَّ الَّذِي يَحْدُثُ لِلْأَلْفَاظِ بِسَبَبِ الِاسْتِعَارَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الِاسْتِعْمَالِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ وَبَيْنَ الشُّجَاعِ وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَمْنَعُ خُصُوصَ اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ أَنَّهُ غُيِّرَ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَأُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الْآخَرُ؛ وَلِهَذَا لَا يُخِلُّ هَذَا الِاشْتِرَاكُ بِالْفَهْمِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ قَرِينَةً لَازِمٌ لَهُ فَيَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْخُصُوصُ وَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الْخَالِي عَنْ الْقَرِينَةِ؛ وَلِهَذَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْتَ رَأَيْتُ أَسَدًا يُفْهَمُ مِنْهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ لَا غَيْرُ وَإِذَا قُلْتَ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ لَا غَيْرُ فَأَمَّا إذَا قُلْتَ رَأَيْت عَيْنًا فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ الْخُصُومُ لَمَّا اسْتَدَلُّوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ فِي الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ حَقِيقِيٌّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ دُونَ الِاشْتِرَاكِ أَجَابَ عَمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ فَقَالَ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قَدْ يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الصُّورِيُّ أَيْ الْمَجَازُ بِالدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ، وَهُوَ الْقَرِينَةُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ تُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْضَمَّةِ إلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الَّذِي تَمَسَّكْتُمْ بِهِ بَعْدَمَا ثَبَتَ الْخُصُوصُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ لَا الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْخُصُوصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى الْمَجَازِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا
стр. 110
أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْإِبَاحَةِ قَالُوا إنَّ مَا ثَبَتَ أَمْرًا كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالنَّدْبِ قَالُوا لَا بُدَّ مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الْوُجُودِ وَأَدْنَى ذَلِكَ مَعْنَى النَّدْبِ إلَّا أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ بِهِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِيهِ فَثَبَتَ أَعْلَاهُ عَلَى احْتِمَالِ الْأَدْنَى إذْ لَا قُصُورَ فِي الصِّيغَةِ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ وَالدَّلِيلُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْإِبَاحَةِ) قَالُوا الْفَاءُ فِي جَوَابِ إمَّا لَازِمٌ لَكِنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ يَتْرُكُونَهَا كَثِيرًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُمْ كَانَ إلَى الْمَعْنَى لَا إلَى اللَّفْظِ كَذَا كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حَافِظُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ: قَالُوا: إنَّ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا أَيْ الَّذِي ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا مِنْ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ، وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبِيخِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الصِّيغَةَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي لَيْسَتْ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِاتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ لَا مَحَالَةَ، فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى مَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ كَمَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي مَالِهِ يَثْبُتُ بِهِ الْحِفْظُ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ، وَفِي التَّقْوِيمِ قَالُوا: الْأَمْرُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِالِائْتِمَارِ فَدَلَّ ضَرُورَةً عَلَى انْفِتَاحِ طَرِيقِ الِائْتِمَارِ عَلَيْهِ وَأَدْنَاهُ الْإِبَاحَةُ.
وَأَمَّا النَّادِبُونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَانِبُ إيجَادِ الْفِعْلِ رَاجِحًا عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَلَيْسَ فِي الْإِبَاحَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا فِيهَا سَوَاءٌ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّرَجُّحِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ يَثْبُتُ أَدْنَاهُمَا لِلتَّيَقُّنِ بِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَبِ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ بَعْدُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّرْجِيحُ بِالنَّدْبِ لِاقْتِضَائِهِ كَوْنَ الْفِعْلِ أَحْسَنَ مِنْ التَّرْكِ وَتَعَلُّقُ الثَّوَابِ بِهِ، قَالَ الشَّيْخُ: ﵀ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِالنَّدْبِ مَعَ دَلِيلِهِ فَاسِدٌ، خَصَّهُ بِالْحُكْمِ بِالْفَسَادِ دُونَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ النَّادِبِينَ قَدْ تَضَمَّنَ إفْسَادَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَكَمَالُهُ بِالْوُجُوبِ لَا بِالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ كَتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِهِ دَلَّ أَنَّ الْفِعْلَ مَطْلُوبُ الْأَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ بِهِ كَمَالُ الطَّلَبِ مِنْ جَانِبِهِ، وَكَذَا الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ الْفِعْلُ يَحْصُلُ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُورِ غَالِبًا فَأَمَّا النَّدْبُ فَفِيهِ نُقْصَانٌ فِي جَانِبِ الطَّلَبِ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَا لَا يُؤَدِّي إلَى وُجُودِ الْمَطْلُوبِ غَالِبًا، وَإِذَا كَانَ كَمَالُ الطَّلَبِ فِي الْوُجُوبِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ إذْ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ يَمْلِكُ الْإِلْزَامَ، وَكَانَ قَوْلُهُ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ احْتِرَازٌ عَنْ صِيغَةٍ اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] فَكَانَ قُصُورُ الصِّيغَةِ عِبَارَةً عَنْ عَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا، وَهُوَ الْإِيجَابُ.
وَقَوْلُهُ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِالْمُتَكَلِّمِ مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الْأَمْرُ لَفْظٌ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ خَاصًّا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ بِعَارِضٍ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُجُودِ فَكَانَ الْوُجُودُ بِوَاسِطَةِ الْوُجُوبِ مُضَافًا إلَى الْأَمْرِ السَّابِقِ فَمَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ جَعَلَ النُّقْصَانَ أَصْلًا وَالْكَمَالَ بِعَارِضٍ، وَهَذَا قَلْبُ الْقَضِيَّةِ، وَلَا حُجَّةَ لِلنَّادِبِينَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «، إذَا أَمَرْتُكُمْ
стр. 111
الْمَعْقُولُ أَمَّا الْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
ــ
[كشف الأسرار]
بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا» حَيْثُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى مَشِيئَتِنَا، وَهُوَ دَلِيلُ النَّدْبِيَّةِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى مَشِيئَتِنَا بَلْ رَدَّهُ إلَى اسْتِطَاعَتِنَا، فَإِنَّهُ قَالَ «مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلَمْ يَقُلْ فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَلَيْسَ الرَّدُّ إلَى الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ خَوَاصِّ الْمَنْدُوبِ بَلْ كُلُّ وَاجِبٍ كَذَلِكَ، وَلَمَّا بَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَةِ الْخَصْمِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَمُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ صِحَّةُ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ: وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَحْسَنُ لِمُطَابَقَتِهِ قَوْلَهُ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ سِوَى الْوَاقِفِيَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ أَيْ دَلَالَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُهُ (قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] الْآيَةُ قَوْلُنَا مُبْتَدَأٌ وَأَنْ نَقُولَ خَبَرُهُ وَكُنْ وَيَكُونُ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْحُدُوثِ وَالْوُجُودِ أَيْ إذَا أَرَدْنَا وُجُودَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلَّا أَنْ نَقُولَ لَهُ اُحْدُثْ فَهُوَ يَحْدُثُ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلَا تَوَقُّفٍ.
وَهَذَا مَثَلٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَأَنَّ وُجُودَهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ كَوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ أَمْرِ الْآمِرِ الْمُطَاعِ إذَا وَرَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ الْمُمْتَثِلِ وَلَا قَوْلَ ثَمَّةَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إيجَادَ كُلِّ مَقْدُورٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ السُّهُولَةِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْبَعْثُ الَّذِي هُوَ مِنْ شِقِّ الْمَقْدُورَاتِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَسُمِّيَ الْمَعْدُومُ شَيْئًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَرَوْنَ تَعَلُّقَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الْأَمْرِ بَلْ وُجُودُهَا مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وَإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ وَهُوَ صِفَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ وَهَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ حُصُولِ الْمَخْلُوقِ بِإِيجَادِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالشَّاهِدِ يَعْنِي لَوْ كَانَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ إيجَادُ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْعَدَمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِمْ مَا هُوَ أَوْجَزُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْوِينِ مِنْهَا فَيَكُونُ مَا أَرَادُوا وُجُودَهُ عَقِيبَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِلَا صُنْعٍ آخَرَ مِنْهُمْ أَلَيْسَ يَكُونُ الْإِيجَادُ عَلَيْهِمْ فِي غَايَةِ الْيُسْرِ فَتَكْوِينُ الْعَالَمِ وَأَمْثَالِهِ أَيْسَرُ عَلَى اللَّهِ بِكَثِيرٍ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وُجُودُ الْأَشْيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِكَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ حَرْفٍ وَصَوْتٍ أَوْ كَانَ لِكَلَامِهِ وَقْتٌ أَوْ حَالٌ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِأَنَّ التَّكْوِينَ عَيْنُ الْمُكَوَّنِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْلِيقُ التَّكْوِينِ بِالتَّكْوِينِ فَعَلَّقُوهُ بِالْأَمْرِ، وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ التَّكْوِينُ صِفَةً ثَابِتَةً أَزَلِيَّةً أَمْكَنَ تَعْلِيقُ الْوُجُودِ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْلِيقِهِ بِالْأَمْرِ فَجَعَلْنَاهُ عِبَارَةً عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ.
١ -
وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِكَلِمَةِ كُنْ فَيَكُونُ بِهَذَا الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ خِطَابًا حَقِيقَةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ وَبِهِ يُوجَدُ أَوْ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ بَعْدَمَا وُجِدَ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فَكَيْفَ يُخَاطَبُ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ كُنْ، وَهُوَ كَائِنٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ أَنَّهُ إذَا شَاءَ كَوْنَهُ كَوَّنَهُ فَكَانَ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ إنَّمَا اخْتَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كُنْ حَقِيقَةُ التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ
стр. 112
وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَالتَّكَلُّمِ بِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا مَجَازًا عَنْ الْإِيجَادِ بَلْ كَلَامًا بِحَقِيقَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ لَمَا اسْتَقَامَ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْأَشْعَرِيَّةُ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَظْهَرُ، وَعَنْ هَذَا اخْتَارَ لِلتَّمَسُّكِ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْآيِ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ؛ لِأَنَّهَا أَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ التَّكَلُّمِ إذْ الْقَوْلُ فِيهَا مُكَرَّرٌ مَذْكُورٌ فِي الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا أَيْ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَنَا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا نَفْسَهُ وَأَقَرَّ أَنَّهُ دُونَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ وَالظَّرْفَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ، أُرِيدَ بِهِ أَيْ بِالنَّصِّ، ذِكْرُ الْأَمْرِ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْأَمْرُ مَذْكُورٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ أَوْجَزُ الْكَلِمَاتِ لَا بِكَلِمَةٍ أَحْدَثَ وَتَكُونُ وَنَحْوُهُمَا.
، وَالتَّكَلُّمُ مَعْطُوفٌ عَلَى ذَكَرَ، وَالظَّرْفُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي بِهَا وَالتَّكَلُّمُ هُوَ الْعَامِلُ فِيهَا أَيْ أُرِيدَ بِالنَّصِّ التَّكَلُّمُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَقِيقَةً.
وَقَوْلُهُ لَا مَجَازًا وَبَلْ كَلَامًا عُطِفَ عَلَى الظَّرْفِ الْمَنْصُوبِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ قِيلَ لَا مَجَازٌ وَبَلْ كَلَامٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الظَّرْفِ الْمَرْفُوعِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ التَّكَلُّمِ أَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ أَمْ لَا لَا فِي وَصْفِ التَّكَلُّمِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ هُوَ مَوْجُودٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَمَجَازًا بِالنَّصْبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الْوَصْفِ لَا فِي الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ نَفْيٌ لِقَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ تَعَالَى يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِخَلْقِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فِي ذَاتِهِ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَشْبِيهِ كَلَامِهِ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَشْبِيهِ ذَاتِهِ بِذَوَاتِهِمْ أَيْضًا إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ مَحَلَّ الْحَوَادِثِ كَذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَوْلُهُ وَلَا تَعْطِيلَ نَفْيٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ وَقَالُوا إنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ؛ وَإِنَّمَا صَارَ مُتَكَلِّمًا بِخَلْقِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فِي مَحَالِّهَا وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّعْطِيلِ وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ،
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَجْهِ التَّمَسُّكِ بِهَذَا النَّصِّ فَقَالَ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا مِنْ الْأَمْرِ مَقْرُونًا بِهِ لَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ أَيْ لِلْآمِرِ إذْ الْإِيجَادُ لَيْسَ إلَّا الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَتِيجَةٌ لِلْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِهِ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مُسْتَفَادًا بِالْأَمْرِ؛ لَكَانَ قَوْلُهُ كُنْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك سَقَيْته فَأَشْبَعْته وَأَطْعَمْته فَأَرْوَيْته.
، وَهَذَا لَا يَجُوزُ خُصُوصًا مِنْ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُسَفَّهُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ غَيْرُ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ بِخِطَابِ كُنْ لَا غَيْرُ كَمَا أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْإِيجَادِ لَا غَيْرُ وَمَذْهَبُ الشَّيْخِ أَنَّهُ بِالْخِطَابِ وَالْإِيجَادِ مَعًا فَكَانَ هَذَا مَذْهَبًا ثَالِثًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ كَمَا أَنَّ إجْرَاءَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُوجَدَ وَلَدٌ بِلَا أَبٍ وَقَدْ أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ بِلَا أَبٍ كَمَا وُجِدَ عِيسَى ﵇ كَذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ هُنَا أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُمْكِنَ ثُبُوتُ الْوُجُودِ بِدُونِ الْخِطَابِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَلِهَذَا صَرَفَ هَذَا
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّارِحُ الضَّمِيرَ الْمُسْتَكِنَّ فِي اسْتَقَامَ إلَى الْآمِرِ لَا إلَى الْوُجُودِ وَجَعَلَ الْإِيجَادَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا عِبَارَةً عَنْ الْآمِرِ وَقَالَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْرُونًا بِالْآمِرِ لَمَا اسْتَقَامَ الْأَمْرُ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْآمِرِ أَثَرٌ فِي الْوُجُودِ كَمَا أَنَّ لِلْإِيجَادِ أَثَرًا فِيهِ لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُضَمَّ الْأَمْرُ إلَى الْإِيجَادِ فِي تَكَوُّنِ الْأَشْيَاءِ وَوُجُودِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُضَمُّ وَيُقْرَنُ بِغَيْرِهِ لِتَحْقِيقِ مُوجِبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فَلَا يُضَمُّ، قَالَ؛ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا حَصَلَ الْوُجُودُ بِالْإِيجَادِ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الْأَمْرِ، قُلْنَا إظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ يَبْعَثُهُ وَلَكِنْ وَسَطُهُ نَفْخُ الصُّوَرِ لِإِظْهَارِ الْعَظَمَةِ.
، أَوْ يُقَالُ دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ بِالْإِيجَادِ وَوَرَدَتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّهُ بِهَذَا الْأَمْرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِمُوجِبِهِمَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِطَلَبِ الْفَائِدَةِ كَمَا أَنَّ فِي الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَجَبَ الْإِيمَانُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِالتَّأْوِيلِ، قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ إنْ كَانَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَا ذَكَرَ هَذَا الشَّارِحُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْوُجُودُ بِالْآمِرِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيجَادِ أَوْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ عَلَامَةٌ تَعْرِفُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ أَنَّ عِنْدَهُ يَحْدُثُ خَلْقٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَطْلَعِ وَعَيْنِ الْمَعَانِي؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْوُجُودِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى افْتِقَارِ صِفَةِ الْإِيجَادِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي إثْبَاتِ مُوجِبِهِ وَذَلِكَ دَلَالَةُ النُّقْصَانِ تَعَالَى صِفَاتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِرَادَةُ فَإِنَّ الْوُجُودَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِرَادَةِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِيجَادِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نُقْصَانُ صِفَةِ الْإِيجَادِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ أَسْبَابِهِ أَوْ شَرَائِطِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْوُجُودِ وَكَلَامُنَا فِيمَا هُوَ مُؤَثِّرٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الْإِيجَادِ أَوْ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْعِلَلِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لَا يُضَافُ إلَيْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً لِلْوُجُودِ وَثُبُوتُ مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِعِلَّتَيْنِ مُحَالٌ؛ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالْإِيجَادِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْخِطَابِ لَا يَكُونُ الْوُجُودُ قَرِينَةً لِلْأَمْرِ وَحُكْمًا لَهُ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الْوُجُودُ مُتَعَلِّقًا بِالْخِطَابِ لَا بِالْإِيجَادِ عِنْدَ الشَّيْخِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ لِيَصِحَّ تَمَسُّكُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
، يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَنَا لَا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ التَّكْوِينِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُحْدَثٍ وَلَا مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ أَجْمَعْ يُرِيدُ بِهِ مَا تَمَسَّكَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِي إثْبَاتِ أَزَلِيَّةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: إنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ بِخِطَابِ كُنْ فَلَوْ كَانَ هَذَا مَخْلُوقًا لَاحْتَاجَ إلَى خِطَابٍ آخَرَ، وَكَذَا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ أَيْضًا فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ فِيهَا كِنَايَةً عَنْ الْإِيجَادِ فَقَالَ كُنْ صِيغَةُ الْأَمْرِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَمْرِ الْإِيجَادُ كَنَّى بِالْأَمْرِ عَنْ الْإِيجَادِ وَالْكِنَايَةُ لَا يَصِحُّ إلَّا لِمُشَابَهَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ ثُمَّ
стр. 114
وَقَالَ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] فَقَدْ نَسَبَ وَأَضَافَ الْقِيَامَ إلَى الْأَمْرِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَقِّيَّةَ الْوُجُودِ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]
ــ
[كشف الأسرار]
الْإِيجَابُ حَامِلٌ عَلَى الْوُجُودِ فَصَارَ الْوُجُودُ مُضَافًا إلَى الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الْوُجُوبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ لِلْوُجُودِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْوُجُوبِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَصْلَهُ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْإِيجَادِ اسْتِعَارَةُ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ (فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى مَا اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَمْرُ لِلْمَعْدُومِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْفَهْمُ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا بِمَأْمُورَيْنِ لِعَدَمِ الْفَهْمِ وَالْمَعْدُومُ سَوَاءٌ حَالًا مِنْهُمَا.
(قُلْنَا) هَذَا أَمْرُ تَكْوِينٍ لَا أَمْرُ تَكْلِيفٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِمْكَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْرَ التَّكْلِيفِ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ الْوُجُودُ وَالْفَهْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوَحِّدُ يَصِيرُ مَأْمُورًا وَمُكَلَّفًا بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ السَّابِقِ عَلَى زَمَانِ وُجُودِ هَذَا الشَّخْصِ؛ وَلِهَذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ بِأَوَامِرِهِ ﵇؛ وَإِنْ كُنَّا مَعْدُومِينَ حِينَئِذٍ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ مُعَانِدٌ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَمْرُ التَّكْوِينِ عَلَى تَقْدِيرِ مَا تُصَوِّرَ كَوْنُهُ فِي عِلْمِهِ إلَى هَذَا أُشِيرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي، وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْمَعْدُومِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ فَائِدَةٌ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ أَعْظَمُ الْفَوَائِدِ هَهُنَا، وَهُوَ الْوُجُودُ فَلِذَلِكَ صَحَّ، وَهَلْ يُسَمَّى الْأَمْرُ لِلْمَعْدُومِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَخِطَابًا الْحَقُّ أَنَّهُ يُسَمَّى أَمْرًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الطَّلَبُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَزَلِ وَلَا يُسَمَّى خِطَابًا عُرْفًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنَّا أَنْ نَقُولَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﵇ بِكَذَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ خَاطَبَنَا بِكَذَا قَوْله تَعَالَى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْآيَةُ) أَيْ وَمِنْ آيَاتِهِ قِيَامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاسْتِمْسَاكُهُمَا بِغَيْرِ عَمْدٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْ تَدُومَا قَائِمَتَيْنِ أَيْ ثَابِتَتَيْنِ تَمَامًا لِمَنَافِع الْخَلْقِ، بِأَمْرِهِ بِأَنْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمَا كُونَا قَائِمَتَيْنِ، وَقِيلَ بِإِقَامَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَسِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ عِنْدَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا اخْتَارَ هَهُنَا فَالتَّمَسُّكُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، " وَمَقْصُودًا " حَالٌ عَنْ الْوُجُودِ وَالْعَامِلُ فِيهَا حَقِّيَّةَ إذْ هِيَ مَصْدَرٌ وَالتَّقْدِيرُ حَقُّ الْوُجُودِ مَقْصُودًا.
وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْإِيجَادِ فَهُوَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّهُ تَعَالَى كَنَّى بِالْأَمْرِ عَنْ إيجَادِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا طَرِيقَ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْأَمْرُ إيجَابًا حَتَّى يُحْمَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْإِيجَادِ فَيَحْصُلُ الْوُجُودُ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ سَبَبًا لِلْوُجُودِ فَيَصِحُّ الْكِنَايَةُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٦٣] الْآيَةُ يُقَالُ خَالَفَنِي فُلَانٌ إلَى كَذَا إذَا قَصَدَهُ وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنْهُ وَخَالَفَنِي عَنْهُ إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَأَنْتَ قَاصِدُهُ، وَيَلْقَاك الرَّجُلُ صَادِرًا عَنْ الْمَاءِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ خَالَفَنِي إلَى الْمَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَارِدًا وَأَنَا ذَاهِبٌ عَنْهُ صَادِرًا، فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] يَعْنِي أَنْ أَسْبِقَكُمْ إلَى شَهَوَاتِكُمْ الَّتِي نَهَيْتُكُمْ عَنْهَا لِأَسْتَبِدَّ بِهَا دُونَكُمْ، وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أَيْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَمْرِهِ أَيْ يُعْرِضُونَ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُخَالِفُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَالَفٍ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِذِكْرِ الْمُخَالِفِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ ذِكْرُ الْمُخَالِفِ وَالْمُخَالِفِ عَنْهُ لَا غَيْرُ،
стр. 115
وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ طَلَبَ فِعْلِ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَطْلُبَهُ إلَّا بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَنَّ تَصَارِيفَ الْأَفْعَالِ وُضِعَتْ لَمَعَانٍ عَلَى الْخُصُوصِ كَسَائِرِ الْعِبَارَاتِ فَصَارَ مَعْنَى الْمُضِيِّ لِلْمَاضِي حَقًّا لَازِمًا إلَّا بِدَلِيلٍ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالضَّمِيرُ فِي أَمْرِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ لِلرَّسُولِ ﵇، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وَالدُّعَاءُ عَلَى طَرِيقِ الْعُلُوِّ مِمَّنْ هُوَ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ أَمْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوا أَمْرَهُ إيَّاكُمْ وَدُعَاءَهُ لَكُمْ إلَى شَيْءٍ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ إذْ كَانَ أَمْرُهُ فَرْضًا لَازِمًا قَالَ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] مِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا وَيُصِيبُهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الْآخِرَةِ.
، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّهُ تَعَالَى أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵇ مُطْلَقًا وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ هِيَ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ إذْ الْمُخَالَفَةُ ضِدُّ الْمُوَافَقَةِ وَمُوَافَقَتُهُ إتْيَانٌ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَيَكُونُ مُخَالَفَتُهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ حَرَامًا مُطْلَقًا لَمَا أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِهِ وَإِذَا كَانَ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ، وَهِيَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مُطْلَقًا حَرَامًا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا ضَرُورَةً وَإِذَا كَانَ إتْيَانُ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَاجِبًا كَانَ الْإِتْيَانُ بِمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ، وَفِي التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ اعْتِرَاضَاتٌ مَعَ أَجْوِبَتِهَا صَفَحْنَا عَنْ ذِكْرِهَا احْتِرَازًا عَنْ الْإِطْنَابِ (قَوْلُهُ) ، وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ أَيْ الْإِجْمَاعُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ هَهُنَا، وَهُوَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ فِعْلًا مِنْ غَيْرِهِ لَا يَجِدُ لَفْظًا مَوْضُوعًا لِإِظْهَارِ مَقْصُودِهِ سِوَى صِيَغِ الْأَمْرِ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَمْرِ وُجُودُ الْفِعْلِ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ طَلَبُهُمْ الْفِعْلَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ وَالدَّلَالَةُ تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ إذَا لَمْ يُوجَدْ صَرِيحٌ يُخَالِفُهُ فَيَثْبُتُ بِهَا الْمُدَّعِي، وَنَظِيرُهُ إثْبَاتُ نَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُنْعَقِدَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّ لِسَانَهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الْإِنَاءِ فَلَمَّا تَنَجَّسْ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى.
، وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا لَفْظًا لِإِظْهَارِ هَذَا الْمَقْصُودِ سِوَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا أَوْ أَلْزَمْت أَوْ أَطْلُبُ مِنْك كَذَا وَأَمْثَالُهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَوْ قَالَ أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ كَذَا أَوْ أَلْزَمْت كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ افْعَلُوا كَذَا فِي وُجُوبِ الْفِعْلِ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّا نَقُولُ لَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرْت عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ صِيَغِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالطَّلَبِ لَا إنْشَاءٌ وَكَلَامُنَا فِيهِ؛ وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَلَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي الْإِنْشَاءِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِنْشَاءُ، وَيَصِيرُ كِنَايَةً عَنْ الْأَمْرِ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ بِهِ الْإِلْزَامُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَمَا عُرِفَ وَصَارَ مَعْنَاهُ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا لِأَنِّي أَمَرْتُك بِهِ، كَسَائِرِ الْعِبَارَاتِ مِنْ الْأَسَامِي مِثْلُ رَجُلٍ وَفَرَسٍ وَحِمَارٍ وَالْحُرُوفُ مِثْلُ مِنْ وَعَنْ وَإِلَى وَعَلَى، إلَّا بِدَلِيلٍ كَلُحُوقِ حَرْفِ الشَّرْطِ بِهِ فِي قَوْلِك إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ وَكَعَدِمِ إمْكَانِ إجْرَائِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِثْلُ الْإِخْبَارِ عَنْ أُمُورِ الْقِيَامَةِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٧٣] ، عَبَّرَ بِهَا عَنْ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِهِ وَكَوْنِهِ ثَابِتًا لَا مَحَالَةَ
стр. 116
وَكَذَلِكَ الْحَالُ وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ حَقًّا لَازِمًا بِهِ عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ لَازِمُهُ ائْتَمَرَ، وَلَا وُجُودَ الْمُتَعَدِّي إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لَازِمُهُ كَالْكَسْرِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالِانْكِسَارِ فَقَضِيَّةُ الْأَمْرِ لُغَةً أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا بِالِامْتِثَالِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ لَسَقَطَ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَأْمُورِ أَصْلًا
ــ
[كشف الأسرار]
كَأَنَّهُ تَحَقَّقَ وَمَضَى، وَكَذَلِكَ الْحَالُ أَيْ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْمُضِيِّ لِلْمَاضِي لَازِمٌ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْحَالِ لِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لَازِمٌ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ لِلِاسْتِقْبَالِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ الْحَالُ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحَاةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا سَيَمْلِكُهُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بِهِ حَقًّا لَازِمًا بِالْأَمْرِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِيُفِيدَ الْأَمْرُ فَائِدَتَهُ.
، وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حَقًّا لَازِمًا، أَوْ هُوَ تَوْضِيحٌ لِمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ؛؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ هُوَ الْوُجُودُ إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٦٣] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ فَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إلَى آخِرِهِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الِائْتِمَارُ أَيْ الِامْتِثَالُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ اللُّغَوِيَّ فَالِائْتِمَارُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ يُقَالُ ايِتَمَرَ زَيْدٌ عُمْرًا وَاللَّازِمُ إنَّمَا سُمِّيَ لَازِمًا لِلُزُومِهِ عَلَى الْفَاعِلِ وَعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يَنْتَفِي الْمَلْزُومُ بِانْتِفَائِهِ فالائتمار لَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِامْتِثَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَفَّارَةِ بِالْإِيمَانِ بِدُونِ الِائْتِمَارِ مِنْهُمْ وَلِهَذَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَمَرْته فَلَمْ يَأْتَمِرْ كَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَمَرْته فَائْتَمَرَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَسَرْته فَلَمْ يَنْكَسِرْ (قُلْنَا) أَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الِائْتِمَارَ مُتَعَدٍّ فِي ذَاتِهِ وَلَكِنْ مَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ لَازِمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ لِلُزُومِهِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلَى الْمَفْعُولِ الْآخَرِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَيْ مُطَاوِعًا لِمَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا يُقَالُ عَلَّمْته الْقُرْآنَ فَتَعَلَّمَهُ وَأَطْعَمْته الطَّعَامَ فَطَعِمَهُ وَكَسَوْته الثَّوْبَ فَاكْتَسَاهُ وَالْأَمْرُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ إلَى أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ وَإِلَى الْآخَرِ بِالْبَاءِ يُقَالُ أَمَرْت زَيْدًا بِكَذَا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الِائْتِمَارُ لَازِمًا لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الِائْتِمَارُ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِدُونِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَهُوَ أَنَّ الِائْتِمَارَ لَازِمُ الْأَمْرِ فِي الْأَصْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حُصُولُ الْفِعْلِ كَمَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْكَسْرِ حُصُولُ الِانْكِسَارِ وَلِهَذَا يُقَالُ أَمَرْته فَائْتَمَرَ كَمَا يُقَالُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ فَكَمَا لَا يَتَحَقَّقُ الْكَسْرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ بِدُونِ الِائْتِمَارِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ إلَّا أَنَّ الِائْتِمَارَ لَوْ جُعِلَ لَازِمَ الْأَمْرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ الِائْتِمَارُ بِنَفْسِ الْأَمْرِ لَسَقَطَ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَأْمُورِ أَصْلًا وَصَارَ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ وَفِيهِ نُزُوعٌ إلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ فَلِذَلِكَ نَقَلَ الشَّرْعُ حُكْمَ الْوُجُودِ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ عَنْهُ إلَى الْوُجُوبِ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى الْوُجُودِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ فَصَارَ الْوُجُوبُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ بَعْدَمَا كَانَ الْوُجُودُ لَازِمًا لَهُ.
وَقَوْلُهُ حَقًّا أَيْ ثَابِتًا حَالٌ عَنْ الْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ بِالْأَمْرِ مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى فَاجْتَمَعَ هَهُنَا مَا يُوجِبُ الْوُجُودَ عَقِيبَ الْأَمْرِ وَمَا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْأَمْرِ يُوجِبُ الْوُجُودَ عَقِيبَهُ وَاعْتِبَارُ كَوْنِ الْمَأْمُورِ مُخَاطَبًا
стр. 117
وَلِلْمَأْمُورِ عِنْدَنَا ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ؛ وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا فَنَقَلَ حُكْمَ الْوُجُودِ إلَى الْوُجُوبِ حَقًّا لَازِمًا بِالْأَمْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ تَوَقُّفَ الْوُجُودِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ صِيَانَةً وَاحْتِرَازًا عَنْ الْجَبْرِ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي النَّهْيِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مُكَلَّفًا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ إلَى حِينِ إيجَادِهِ فَاعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ وَأَثْبَتْنَا بِالْأَمْرِ آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ خَلَفًا عَنْ الْوُجُودِ وَقُلْنَا بِتَرَاخِي حَقِيقَةِ الْوُجُودِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الِائْتِمَارُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مِنْ حُكْمِ الْكَسْرِ إلَّا أَنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلٍ مُخْتَارٍ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِعْلِ حَتَّى يَحْصُلَ الِائْتِمَارُ فَإِنَّ الِائْتِمَارَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا اخْتِيَارٍ فِي الِائْتِمَارِ يَحْصُلُ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالِانْكِسَارِ عَقِيبَ الْكَسْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمِ مُوسَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وَقَدْ حَصَلَ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ الِائْتِمَارِ عَقِيبَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وَجَعَلَ الْقِيَامَ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِائْتِمَارَ مُوجِبُ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مُوجِبُ الْكَسْرِ قَوْلُهُ (وَلِلْمَأْمُورِ ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ الْمُطْلَقَ الْكَامِلَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ تَابِعٌ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ ﵀: فِي بَيَانِ الِاعْتِقَادِ بِالْفَارِسِيَّةِ آن مُخْتَارِي كه جُمْلَة مُخْتَارَانِ بِاخْتِيَارِ خَوْد جزان نكند كه أَوْ خواهد وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَسَعْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ كَانَ مُضْطَرًّا فِي ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْمَقْتَلِ فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي رَفْعِ الْأَقْدَامِ حَقِيقَةً، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَفْيُ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى نَفَتْ اخْتِيَارَ الْعَبْدِ أَصْلًا وَالْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ أَثْبَتُوهُ مُطْلَقًا حَتَّى كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عِنْدَهُمْ فَأَثْبَتَ الشَّيْخُ أَمْرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ كَمَا هُوَ دَأْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَرْكِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ مُضْطَرٌّ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ كَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ فِي كَوْنِهِ عَاقِلًا وَجَاهِلًا وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا نَفْيُهَا كَمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَلَا نَفْيُهَا، وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ وَإِلَى الْفَرَاغِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَةِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَقَالَ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي حُكْمِ النَّهْيِ لِوُجُودِ الدَّاعِي إلَيْهِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ التَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] وَالْكَرَاهَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَعَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالتَّنْزِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]
وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦] وَالْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] وَالشَّفَقَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالضِّدَّيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا
قَوْلُهُ (يَبْطُلُ الْحَقَائِقُ كُلُّهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ كَلَامٍ إلَّا وَفِيهِ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ فَلَوْ أَوْجَبَ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفَ لَتَعَطَّلَتْ النُّصُوصُ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ
стр. 118
وَإِذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: وَالْجَصَّاصُ: بَلْ هُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحَقِيقَةِ لَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُقَالَ إنِّي غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالنَّفْلِ دَلَّ أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ جَازَ أَصْلَهُ وَتَعَدَّاهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ مِنْ الْوُجُوبِ بَعْضُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَاصِرٌ لَا مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَنْتَظِمُهُ وَهَذَا أَصَحُّ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُ مُحْكَمٌ) أَيْ نَحْنُ مَا أَنْكَرْنَا احْتِمَالَ صِيغَةِ الْأَمْرِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْوُجُوبِ حَيْثُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ مُحْكَمٌ وَلَكِنَّا أَنْكَرْنَا ثُبُوتَ الْمُحْتَمَلِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْخُصُوصِ
[الْأَمْر إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ وَالنَّدْبُ) إلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ، جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَبَيْنَ الْخِلَافِ فِيهِمَا عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلَّ فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ فَنَقُولُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فِي أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْ مَجَازًا فَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَالْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْأَمْرَ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ، وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ بَعْضُ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَالنَّدْبُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ كَمَا لَوْ أُرِيدَ مِنْ الْعَامِ بَعْضُهُ يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ وَكَمَا لَوْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَعْمَى وَالْأَشَلِّ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلِ يَكُونُ حَقِيقَةً؛ وَإِنْ فَاتَ بَعْضُهُ، وَكَيْفَ لَا وَمِنْ شَرْطِ الْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مُغَايِرًا لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ إلَّا أَنَّهُ قَاصِرٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مَجَازًا؛ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْمَجَازِ انْتِفَاءُ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْحَقِيقَةِ لَا يَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمَجَازُ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ يَكُونُ مَجَازًا كَمَا لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي التَّهْدِيدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّدْبَ غَيْرُ الْإِيجَابِ أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيجَابِ اسْتِحْقَاقُ الْعُقُوبَةِ عَلَى التَّرْكِ وَمِنْ لَوَازِمِ النَّدْبِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى التَّرْكِ وَبِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ لَا يَنْتَفِي هَذِهِ الْغَيْرِيَّةُ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا أُمِرْت بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَا بِصَوْمِ أَيَّامِ الْحَيْضِ يَصِحُّ وَلَا يَكْذِبُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَا أُمِرْت بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَا بِصِيَامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ بَلْ يَكْفُرُ وَصِحَّةُ التَّكْذِيبِ وَالنَّفْيِ مِنْ خَوَاصِّ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَامِّ إذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِشُمُولِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ لَا لِاسْتِغْرَاقِهَا عِنْدَنَا وَالشُّمُولُ مَوْجُودٌ فِي الْبَعْضِ وَالْكُلِّ حَتَّى إنَّ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِ يَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ فِي الْبَعْضِ أَيْضًا.
، وَكَذَا لَفْظُ الْإِنْسَانِ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَبِالْعَمَى وَالشَّلَلِ لَا يُنْتَقَضُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ الْمَانِعِ مِنْ النَّقِيضِ وَالنَّدْبُ مُغَايِرٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَجَازِ انْتِفَاءُ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ الشَّرْطُ انْتِفَاءُ الْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا كَمَا يَحْصُلُ بِانْتِفَاءِ كُلِّهَا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ جِهَاتِ الْمَجَازِ وَلَوْ كَانَ الِانْتِفَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ شَرْطًا لَمَا صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِهِ أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ سِوَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ وَهَذَا
стр. 119
وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لَا مَحَلَّةٌ بَلْ هُوَ لِلْإِيجَابِ عِنْدَنَا إلَّا بِدَلِيلٍ اسْتِدْلَالًا بِأَصْلِهِ وَصِيغَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلٌ شَاذٌّ خَارِجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ فَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَيْسَ فِي الْإِبَاحَةِ طَلَبٌ بَلْ مَعْنَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنْ شَاءَ فَعَلَ؛ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا بَلْ كَانَ إرْشَادًا فَكَانَ مَجَازًا فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَإِنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ بِالْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ مَوْضُوعًا لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الشِّيعَةِ.
، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنْ يُجْعَلَ مَوْضُوعًا لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَمَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ خَاصًّا فِي الْوُجُوبِ عَيْنًا فَلَا يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِهِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا حَقَّقْت مَا ذَكَرْنَا عَرَفْت أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا لَيْسَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ، وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْعَامَّةِ بَلْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ النَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ لَيْسَا بِمُغَايِرَيْنِ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْغِيَرَيْنِ مَوْجُودَانِ جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الصِّفَاتِ وَالْوُجُوبُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ فَلَمْ يَكُونَا مُغَايِرَيْنِ لِلْوُجُوبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَكَيْفَ يُسَمَّى مَجَازًا، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى النَّدْبِ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ وَمَعْنَى الْإِبَاحَةِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالْوُجُوبُ يُتَصَوَّرُ بِدُونِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بَلْ لَا يَثْبُتُ مَعَهُمَا كَمَا يُتَصَوَّرُ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ بِدُونِ الْوُجُوبِ فَكَانَ مُغَايِرًا لَهُمَا أَلْبَتَّةَ فَيَكُونُ مَجَازًا فِيهِمَا، وَقَوْلُهُ زَعَمَ مَعْنَاهُ قَالَ لَكِنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّ مَنْ قَالَ كَلَامًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كَاذِبًا فِيهِ قَالُوا زَعَمَ فُلَانٌ وَإِذَا كَانَ صَادِقًا عِنْدَهُمْ قَالُوا قَالَ فُلَانٌ وَمِنْهُ قِيلَ زَعَمَ كُنْيَةُ الْكَذِبِ، وَفِي التَّحْقِيقِ الزَّعْمُ ادِّعَاءُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَلَا عِلْمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] وَقَوْلُهُ ﵇ «، بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا»
[الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ]
قَوْلُهُ (وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ) أَيْ بِالْأَمْرِ إذْ هُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ قَبْلَ الْحَظْرِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ مُوجِبَهُ التَّوَقُّفُ أَوْ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ الْحَظْرِ فَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْدَهُ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ قَبْلَ الْحَظْرِ فَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ بَعْدَ الْحَظْرِ أَيْضًا، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ قَبْلَ الْحَظْرِ الْوُجُوبُ وَبَعْدَهُ الْإِبَاحَةُ وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفِعْلَ إنْ كَانَ مُبَاحًا فِي أَصْلِهِ ثُمَّ وَرَدَ حَظْرٌ مُعَلَّقٌ بِغَايَةٍ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ فَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَ زَوَالِ مَا عَلَّقَ الْحَظْرَ بِهِ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ كَانَ حَلَالًا عَلَى
стр. 120
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] لَكِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] ارْتَدَّهَا لَا بِصِيغَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْإِطْلَاقِ ثُمَّ حَرُمَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَكَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] إعْلَامًا بِأَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ قَدْ ارْتَفَعَ وَعَادَ الْأَمْرُ إلَى أَصْلِهِ؛ وَإِنْ كَانَ الْحَظْرُ وَارِدًا ابْتِدَاءً غَيْرَ مُعَلَّلٍ بِعِلَّةٍ عَارِضَةٍ وَلَا مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ وَلَا غَايَةٍ فَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَهُ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
، وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْأَمْرُ إذَا وَرَدَ بَعْدَ حَظْرٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ أَفَادَ مَا يُفِيدُ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَظْرٌ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ يُفِيدُ بَعْدَ الْحَظْرِ الشَّرْعِيِّ الْإِبَاحَةَ وَهَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْحَظْرِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ مِثْلُ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ وَالذَّبْحِ، احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْأَمْرِ لِلْإِبَاحَةِ فِي أَغْلِبْ الِاسْتِعْمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَقَوْلُهُ ﵇: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ أَلَا فَانْتَبِذُوا» وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ اُدْخُلْ الدَّارَ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ لَا تَدْخُلْ الدَّارَ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِبَاحَةُ دُونَ الْوُجُوبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ الْمُتَقَدِّمَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْحَظْرِ لَا الْإِيجَابُ كَمَا أَنَّ عَجْزَ الْمَأْمُورِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ ظُهُورُ عَجْزِهِ لَا وُجُودُ الْفِعْلِ فَصَارَ كَأَنَّ الْآمِرَ قَالَ قَدْ كُنْت مَنَعْتُك عَنْ كَذَا فَرَفَعْت ذَلِكَ الْمَنْعَ وَأَذِنْت لَك فِيهِ، وَاحْتَجَّ الْعَامَّةُ بِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِمٌ، وَهُوَ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ إذْ الْوُجُوبُ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْعَارِضُ الْمَوْجُودُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَنْعِ إلَى الْإِذْنِ جَازَ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى الْإِيجَابِ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَكَالْأَمْرِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بَعْدَ زَوَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَكَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ زَوَالِ السُّكْرِ، وَكَالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ فِي شَخْصٍ حَرَامِ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ بِارْتِكَابِ أَسْبَابٍ مُوجِبَةٍ لِلْقَتْلِ مِنْ الْحِرَابِ وَالرِّدَّةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَكَالْأَمْرِ بِالْحُدُودِ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ بَعْدَمَا كَانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا، وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي بَعْدَمَا قَالَ لَهُ لَا تَسْقِنِي فَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَظْرِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَظْرَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِصَرْفِ الصِّيغَةِ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِصَرْفِ النَّهْيِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّنْزِيهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَإِنَّمَا فُهِمَ الْإِبَاحَةُ فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ النَّظَائِرِ بِقَرَائِنَ غَيْرِ الْحَظْرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْحَظْرُ الْمُتَقَدِّمُ لَفُهِمَ مِنْهَا الْإِبَاحَةُ أَيْضًا، وَهِيَ أَنَّ الِاصْطِيَادَ وَأَخَوَاتِهَا شُرِعَتْ حَقًّا لِلْعَبْدِ، فَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَصَارَتْ حَقًّا عَلَيْهِ فَيَعُودُ الْأَمْرُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُحْمَلْ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَلَا الْأَمْرُ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى الْإِيجَابِ؛ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَظْرٌ لِئَلَّا يَصِيرَ حَقًّا عَلَيْنَا بَعْدَمَا شُرِعَ حَقًّا لَنَا.
قَوْلُهُ (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ) إنَّمَا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْقَوْلُ بِالنَّدْبِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ؛ وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] إنَّهُ
стр. 121
ابْنُ سِيرِينَ نُسْخَةٌ وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُوجِبِ
(بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ) :
فِي مَعْنَى الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: صِيغَةُ الْأَمْرِ تُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَلْ تَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا تُوجِبُهُ وَلَا تَحْتَمِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِوَصْفٍ وَقَالَ عَامَّةُ: مَشَايِخِنَا لَا تُوجِبُهُ وَلَا تَحْتَمِلُهُ بِكُلِّ حَالٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ جِنْسِهِ وَيَحْتَمِلُهُ كُلَّهُ بِدَلِيلِهِ مِثَالُ هَذَا الْأَصْلِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك
ــ
[كشف الأسرار]
أَمْرُ نَدْبٍ حَتَّى قِيلَ يُسْتَحَبُّ الْقُعُودُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لِنَدْبِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى ذَلِكَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إذَا انْصَرَفْت مِنْ الْجُمُعَةِ فَسَاوِمْ بِشَيْءٍ.؛ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِهِ،
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ لِي حَاجَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَقْضِيهَا بَعْدَ الِانْصِرَافِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْكَسْبِ أَنَّهُ أَمْرُ إيجَابٍ فَقَالَ أَصْلُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] يَعْنِي الْكَسْبَ وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، قَالَ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ «طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْفَرِيضَةُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] » الْآيَةُ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ إنْ شِئْت فَاخْرُجْ؛ وَإِنْ شِئْت فَصَلِّ إلَى الْعَصْرِ وَإِنْ شِئْت فَاقْعُدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ إبَاحَةٍ قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُوجِبِ) أَيْ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخَاصِّ الِاخْتِلَافُ فِي مُوجِبِ الْأَمْرِ فِي مَعْنَى التَّكْرَارِ قَدْ يَثْبُتُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْبَابَيْنِ أَنَّ الصِّيغَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْوُجُوبِ، وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَلَا يَثْبُتُ بِغَيْرِهَا فَبَعْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الْوُجُوبَ الْمُخْتَصَّ بِالصِّيغَةِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ أَمْ يُوجِبُ فِعْلًا وَاحِدًا خَاصًّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِهِ
[بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ]
(بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ)
فِي مَعْنَى الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ قِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ أَنَّ الْعُمُومَ هُوَ أَنْ يُوجِبَ اللَّفْظُ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ هُوَ الشُّمُولُ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةً وَالتَّكْرَارُ أَنْ يُوجِبَ فِعْلًا ثُمَّ آخَرَ ثُمَّ آخَرَ فَصَاعِدًا وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلَيْنِ، وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: " طَلَّقَ " الْعُمُومُ فِيهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جُمْلَةً وَالتَّكْرَارُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ.
، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الدَّوَامُ وَأَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّكْرَارِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ إلَّا لَفْظَةُ الدَّوَامِ أَوْ التَّكْرَارِ، ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ التَّكْرَارِ هَهُنَا لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَوْدٌ عَنْ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ تَجَدُّدُ أَمْثَالِهِ عَلَى التَّرَادُفِ وَهُوَ مَعْنَى الدَّوَامِ فِي الْأَفْعَالِ، وَفِي الْقَوَاطِعِ التَّكْرَارُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ يَعُودُ إلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ اخْتَلَفُوا فِي إفَادَتِهِ التَّكْرَارَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يُوجِبُ التَّكْرَارَ الْمُسْتَوْعِبَ لِجَمِيعِ الْعُمْرِ إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ يَمْنَعُ مِنْهُ وَيُحْكَى هَذَا عَنْ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُهُ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَالْمُحْتَمَلِ أَنَّ الْمُوجِبَ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَالْمُحْتَمَلَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهَا وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلَا يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أَوْ الْمُقَيَّدَ بِوَصْفٍ كَقَوْلِهِ
стр. 122
أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ عَلَى الثَّلَاثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ وَالْمَثْنَى وَعِنْدَنَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْكُلَّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مُخْتَصَرٌ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِجِنْسِ الْفِعْلِ وَالْمُخْتَصَرُ مِنْ الْكَلَامِ وَالْمُطَوَّلُ سَوَاءٌ
ــ
[كشف الأسرار]
تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمَّا احْتَمَلَ التَّكْرَارَ عِنْدَهُمْ كَانَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ أَوْ الْوَصْفِ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ فِي ذَاتِهِ فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلتَّعْلِيقِ وَالتَّقْيِيدِ فِي إثْبَاتِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ لَفْظَ وَلَا يَحْتَمِلُهُ؛ وَإِنَّمَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا وَلَكِنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ.
، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَذْهَبِ عُلَمَائِنَا ﵏ هَكَذَا قِيلَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ مُحْتَمَلًا لِلتَّكْرَارِ وَالْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ يَحْتَمِلُهُ أَوْ يُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ عَيْنُ الْمُطْلَقِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارَ عَدَمُ احْتِمَالِ الْمُقَيَّدِ إيَّاهُ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَلَا يَحْتَمِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِوَصْفٍ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ جِنْسِهِ، وَهُوَ أَدْنَى مَا يُعَدُّ بِهِ مُمْتَثِلًا وَيَحْتَمِلُ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَلَا يَحْتَمِلُهُ مُعَلَّقًا كَانَ أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعُمُومَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْأَمْرِ وَلَا بِمُحْتَمِلٍ لَهُ وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ مُوجِبِهِ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ) أَيْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْ امْرَأَتِي؛ وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُشِيرَ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَمْلِيكًا وَتَفْوِيضًا حَتَّى اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالثَّانِي تَوْكِيلٌ مَحْضٌ حَتَّى لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَمْلِكَ الرُّجُوعَ وَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَاقِعٌ عَلَى الثَّلَاثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ) وَهُمْ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَالْعُمُومَ عِنْدَهُمْ فَتَمْلِكُ هِيَ أَوْ هُوَ أَنْ يُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا جُمْلَةً أَوْ عَلَى التَّفَارِيقِ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ شَيْئًا أَوْ نَوَى ثَلَاثًا فَأَمَّا إذَا نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا نَوَى عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّكْرَارَ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِدَلِيلٍ وَالنِّيَّةُ دَلِيلٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ؛ وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَعِنْدَنَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَعَلَى مَا نَوَى.
؛ فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَعْنَ جَمِيعًا؛ وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فِي الْمَجْلِسِ، وَكَذَا الْوَكِيلُ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْعَزِلْ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (لَفْظُ الْآمِرِ مُخْتَصَرٌ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ بِالْمَصْدَرِ) الْبَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالطَّلَبِ، وَاللَّامُ فِي الْمَصْدَرِ بَدَلُ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ الْآمِرُ أَوْ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَيْهِ، وَاَلَّذِي صِفَةُ الْمَصْدَرِ أَيْ لَفْظُ الْأَمْرِ مُخْتَصَرٌ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ بِمَصْدَرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ اضْرِبْ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِك أَطْلُبُ مِنْك الضَّرْبَ وَانْصُرْ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِك أَطْلُبُ مِنْك النَّصْرَ كَمَا أَنَّ ضَرْبَ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِعْلُ الضَّرْبِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُخْتَصَرُ مِنْ الْكَلَامِ وَالْمُطَوَّلُ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى سَوَاءٌ، فَإِنَّ قَوْلَك هَذَا جَوْهَرٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ وَقَوْلُك هَذَا نَارٌ سَوَاءٌ وَقَوْلُك هَذَا شَرَابٌ مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ مِنْ الْعِنَبِ، وَقَدْ غَلَى وَاشْتَدَّ
стр. 123
وَاسْمُ الْفِعْلِ اسْمٌ عَامٌّ لِجِنْسِهِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ هُوَ مَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّ الْمَصْدَرَ اسْمٌ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَأَوْجَبَ الْخُصُوصَ عَلَى احْتِمَالِ الْعُمُومِ أَلَا تَرَى أَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ عَدَدٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَذَلِكَ الْمُثَنَّى أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْحَجِّ أَلِعَامِنَا هَذَا أَوْ لِلْأَبَدِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ الِاسْتِدْلَال بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أَوْ احْتَجَّ مَنْ ادَّعَى التَّكْرَارَ بِحَدِيثِ «الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ حِينَ قَالَ فِي الْحَجِّ أَلِعَامِنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ ﵇ بَلْ لِلْأَبَدِ» فَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ اللَّفْظُ لَمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَعَ قَوْلِك هَذَا خَمْرٌ سَوَاءٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: اضْرِبْ وَأَطْلُبُ مِنْك الضَّرْبَ سَوَاءٌ، وَاسْمُ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ اسْمٌ عَامٌّ لِجِنْسِ الْفِعْلِ أَيْ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ لِوُجُودِ حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اسْمٌ عَامٌّ لِجِنْسِهِ أَيْ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِجِنْسِ الْفِعْلِ لَا لِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَالْأَصْلُ فِي الْجِنْسِ الْعُمُومُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ فِيمَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ وَاجِبٌ كَمَا فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَاعْتَبَرُوا الْأَمْرَ بِالنَّهْيِ فَقَالُوا النَّهْيُ فِي طَلَبِ الْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ مِثْلُ الْأَمْرِ فِي طَلَبِ الْفِعْلِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الدَّوَامَ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْفِعْلَ مَرَّةً ثُمَّ فَعَلَهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلنَّهْيِ، فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ يُوجِبُهُ حَتَّى لَوْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَرَّةً ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَمْرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى الْفِعْلُ مَرَّةً وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَيْهِ النَّسْخُ.
وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ يُؤَدِّي إلَى الْبَدَاءِ إذْ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ مُخْتَصَرٌ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ بِالْمَصْدَرِ فَيَقْتَضِي الْمَصْدَرَ غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ مَصْدَرٌ نَكِرَةٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ لِلْحَاجَةِ إلَى تَصْحِيحِ الْكَلَامِ وَبِالْمُنْكَرِ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ وَلَكِنَّهَا تَقْبَلُ الْعُمُومَ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا اسْمُ جِنْسٍ، وَهُوَ يَقْبَلُ الْعُمُومَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] وَصَفَ الثُّبُورَ بِالْكَثْرَةِ وَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ اللَّفْظُ الْعُمُومَ لَمَا صَحَّ وَصْفُ الثُّبُورِ بِهَا، وَبِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ فِي النَّهْيِ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ ضَرُورَةً لِمَا عُرِفَ فَأَمَّا هَهُنَا فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَتَخُصُّ إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، فَأَمَّا صِحَّةُ النَّسْخِ وَالِاسْتِثْنَاءِ؛ فَلِأَنَّ وُرُودَهُمَا عَلَيْهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ كَمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِك مَا رَأَيْت الْيَوْمَ إلَّا زَيْدًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إنْسَانٌ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ، «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» فَسُؤَالُهُ، وَهُوَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ «وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ» دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْأَقْرَعِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ عَلَى احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْوَاوِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّلُوكِ لِتَقَيُّدِهِ بِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْجَنَابَةِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «، أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَقَوْلُهُ «، فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» إذْ مَعْنَاهُ أَدُّوا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ، وَبِأَنَّ الشَّرْطَ كَالْعِلَّةِ فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ مِثْلُ مَا إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وُجِدَ الْمَعْلُولُ بَلْ أَقْوَى مِنْهَا الِانْتِفَاءُ الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ عِنْدَ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُولَ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ بِالِاتِّفَاقِ ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْعِلَّةِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، فَكَذَا
стр. 124
وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ صِيغَةٌ اُخْتُصِرَتْ لِمَعْنَاهَا مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ لَكِنَّ لَفْظَ الْفِعْلِ فَرْدٌ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمَصَادِرِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ طَلِّقِي أَيْ أَوْقِعِي طَلَاقًا أَوْ افْعَلِي تَطْلِيقًا أَوْ التَّطْلِيقَ وَهُمَا اسْمَانِ فَرْدَانِ لَيْسَا بِصِيغَتَيْ جَمْعٍ وَلَا عَدَدٍ وَبَيْنَ الْفَرْدِ وَالْعَدَدِ تَنَافٍ وَكَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدُ مَعْنَى الْفَرْدِ لَمْ يَحْتَمِلْ الْفَرْدُ مَعْنَى الْعَدَدِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ كَقَوْلِك اضْرِبْ أَيْ اكْتَسِبْ ضَرْبًا أَوْ الضَّرْبَ، وَهُوَ فَرْدٌ بِمَنْزِلَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ إلَّا أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ كُلٌّ وَبَعْضٌ فَالْبَعْضُ مِنْهُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّهُ فَرْدٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ، وَاحْتَجَّ مَنْ ادَّعَى التَّكْرَارَ وَهُمْ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ فَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْعُمُومِ بِحَدِيثِ الْأَقْرَعِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِطَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ مُوجِبُهُ الْمَرَّةَ وَلَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ لُغَةً لَمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ لِسُؤَالِهِ مَعْنَى كَمَا لَوْ قَالَ حُجُّوا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَرَّةَ لَيْسَتْ بِمُقْتَضَاهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَاهُ التَّكْرَارَ ضَرُورَةً اتِّفَاقُنَا عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُعَارَضُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجِبُهُ التَّكْرَارَ لَمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَالَ حُجُّوا كُلَّ عَامٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ التَّكْرَارُ وَلَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ أَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ مَنْفِيٌّ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى مُوجِبِهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ سَأَلَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا عَرَفَ وَجْهَ إشْكَالِهِ كَيْفَ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ «وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ، إلَى انْتِفَاءِ التَّكْرَارِ لِضَرُورَةِ لُزُومِ الْحَرَجِ، وَإِلَّا كَانَ مُوجِبُهُ التَّكْرَارَ، وَالثَّانِي مَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْوَجْهَيْنِ لَمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ اللَّفْظِ إذَا كَانَ وَاحِدًا لَا يُشْتَبَهُ عَلَى السَّامِعِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَلَمَا احْتَمَلَهُمَا وَالتَّكْرَارُ مِنْ الْمَرَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ مِنْ الْخُصُوصِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ قَوْلُهُ.
(وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اخْتَصَرَتْ لِمَعْنَاهَا مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ) وَلَكِنَّ لَفْظَ الْفِعْلِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ فَرْدٌ سَوَاءٌ قَدَّرْته مُعَرَّفًا كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ أَوْ مُنَكَّرًا كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَطْلِيقًا أَوْ التَّطْلِيقُ وَبَيْنَ الْفَرْدِ وَالْعَدَدِ تَنَافٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْدَ مَا لَا ثُلُثَ فِيهِ وَالْعَدَدُ مَا تَرَكَّبَ مِنْ الْأَفْرَادِ وَالتَّرَكُّبُ وَعَدَمُهُ مُتَنَافِيَانِ فَكَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدُ مَعْنَى الْفَرْدِ مَعَ أَنَّ الْفَرْدَ مَوْجُودٌ فِي الْعَدَدِ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَرْدُ مَعْنَى الْعَدَدِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهِ أَصْلًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالضَّرْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى خَمْسِ ضَرَبَاتٍ أَوْ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ وَلَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ بَلْ دَلَالَتُهُ عَلَى مُطْلَقِ الضَّرْبِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ مُتَّصِلٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ لَفْظُ الْأَمْرِ صِيغَةٌ اُخْتُصِرَتْ إلَى قَوْلِهِ فَرْدٌ، وَقَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَلَفْظِ الْفِعْلِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْأَمْرُ سَائِرَ أَسْمَاءِ الْمُفْرَدِ أَيْ جَمِيعُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي صِيغَتُهَا صِيغَةُ فَرْدٍ، وَالْمَصَادِرُ أَيْ سَائِرُ الْمَصَادِرِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَفْعَالُ مِثْلُ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ فَرْدٌ مُعْتَرَضٌ، وَالْغَرَضُ مِنْ إيرَادِهِ أَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ سَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أَنَّهَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدُ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ، وَأَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ اسْمِ الْجِنْسِ عَامًّا أَوْ قَابِلًا لِلْعُمُومِ عَلَى مَا زَعَمَهُ الْخُصُومُ؛ وَلِهَذَا قَالَ وَهُمَا أَيْ تَطْلِيقًا وَالتَّطْلِيقُ اسْمَانِ مُفْرَدَانِ لَيْسَا بِصِيغَتَيْ جَمْعٍ وَلَا عَدَدٍ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ) عَطْفٌ عَلَى النَّظِيرِ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ طَلِّقِي الْأَمْرُ بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ فِي أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ لَفْظُ فَرْدٍ لَا اسْمُ عَدَدٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ كَوْنَ الْمَصْدَرِ الْمُنَكَّرِ أَوْ الْمُعَرَّفِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ فَرْدًا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِقَوْلِهِ طَلِّقِي بَلْ هُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوَامِرِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْمَصْدَرُ الثَّابِتُ بِالْأَمْرِ اسْمُ جِنْسٍ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فَرْدًا غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْعَدَدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نِيَّةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ بِلَا شُبْهَةٍ كَمَا لَا يَصِحُّ
стр. 125
وَأَمَّا الطَّلْقَاتُ الثَّلَاثُ فَلَيْسَتْ بِفَرْدٍ حَقِيقَةً بَلْ هِيَ أَجْزَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَكِنَّهَا فَرْدٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَصَارَتْ مِنْ طَرِيقِ الْجِنْسِ وَاحِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا عَدَدْت الْأَجْنَاسَ كَانَ هَذَا بِأَجْزَائِهِ وَاحِدًا.
فَكَانَ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ جِنْسٌ، وَلَهُ أَبْعَاضٌ كَالْإِنْسَانِ فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ آدَمِيٌّ، وَلَكِنَّهُ ذُو أَجْزَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَصَارَ هَذَا الِاسْمُ الْفَرْدُ وَاقِعًا عَلَى الْكُلِّ بِصِفَةِ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأَقَلَّ فَرْدٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاسْمِ الْفَرْدِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ وَالْآخَرُ مُحْتَمَلًا فَأَمَّا بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْكُلِّ فَعَدَدٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِفَرْدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَلَمْ يَحْتَمِلْهُ الْفَرْدُ
ــ
[كشف الأسرار]
نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ عِنْدَكُمْ، فَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ فَرْدًا اسْمُ جِنْسٍ وَأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى لِلتَّيَقُّنِ بِفَرْدِيَّتِهِ وَيَحْتَمِلُ كُلَّهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ فِيهِ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّدًا فَإِنَّك إذَا عَدَّدْت الْأَجْنَاسَ وَقُلْت أَجْنَاسُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ، وَكَذَا وَكَذَا.
كَانَ هَذَا أَيْ الطَّلَاقُ مَعَ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَاحِدًا مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْوَحْدَةِ فَيُقَالُ الطَّلَاقُ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْحَيَوَانُ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا يَقْدَحُ كَوْنُهُ ذَا أَجْزَاءٍ فِي الْخَارِجِ فِي تَوَحُّدِهِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وَلَا تَعَدُّدَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ فَرْدًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلَ اللَّفْظِ فَأَمَّا مَا بَيْنَ الْكُلِّ وَالْأَقَلِّ، فَلَيْسَ بِفَرْدٍ بِوَجْهٍ فَلَا يَكُونُ مُحْتَمِلَ اللَّفْظِ أَلْبَتَّةَ؛ فَلِهَذَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لِتَعْيِينِ مُحْتَمِلِ اللَّفْظِ لَا لِإِثْبَاتِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ، وَقَوْلُهُ كَالْإِنْسَانِ فَرْدُ آخِرِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِنْسٌ؛ وَإِنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ أَيْ أَفْرَادٍ فِي الْخَارِجِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَكَذَا الطَّلَاقُ وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي هُوَ فِي الْخَارِجِ وَاحِدٌ كَزَيْدٍ مَثَلًا فَرْدٌ حَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ هُوَ آدَمِيٌّ؛ وَإِنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ فِي نَفْسِهِ أَيْ أَطْرَافٍ وَأَعْضَاءٍ كَالرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَكَذَا الطَّلَاقُ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنْسٌ؛ وَإِنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ ثُلِّثَ، فَصَارَ هَذَا الِاسْمُ الْفَرْدُ أَيْ الطَّلَاقُ أَوْ اسْمُ الْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ لَيْسَ بِفَرْدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلَا تَعْمَلُ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُحْتَمِلَاتِ الْكَلَامِ أَصْلًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا احْتِرَازًا عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْكُلِّ وَقَوْلُهُ وَلَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى احْتِرَازًا عَمَّا سَنَذْكُرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا صِيغَةً أَوْ دَلَالَةً أَيْ مَا بَيْنَ الْكُلِّ وَالْأَقَلِّ لَيْسَ بِفَرْدٍ حَقِيقَةً كَالْأَقَلِّ إذْ هُوَ مُتَعَدِّدٌ، وَلَا حُكْمًا كَالْكُلِّ إذْ هُوَ دُونَهُ، وَلَا صُورَةً أَيْ صِيغَةً كَمَاءٍ أَوْ الْمَاءُ فِي قَوْلِهِ لَا أَشْرَبُ مَاءً أَوْ الْمَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَلَا مَعْنًى كَالنِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْجِنْسِ بِاعْتِبَارِ اللَّامِ، وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ، وَلَوْ قَرَنَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لَاسْتَقَامَ) كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ طَلِّقْ امْرَأَتِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكَانَتْ الْمَرَّةُ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ، وَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ صُمْ أَبَدًا أَوْ أَيَّامًا كَثِيرَةً قُلْنَا هَذَا الْقِرَانُ لَمْ يَصِحَّ لُغَةً عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِلْمُحْتَمِلِ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّغْيِيرِ إلَى مَعْنًى آخَرَ مَا كَانَ يَحْتَمِلُهُ مُطْلَقُهُ بَلْ يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ إلَيْهِ كَمَا يَصِحُّ قِرَانُ الشَّرْطِ بِالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبِيلِ تَغْيِيرِ مُوجِبِهِ إلَى وَجْهٍ آخَرَ لَا عَلَى سَبِيلِ بَيَانِ مُوجَبِ الْمُطْلَقِ مِنْهُ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَحْتَمِلُ التَّأَخُّرَ وَلَا ثِنْتَيْنِ وَلَوْ قَالَ إلَى شَهْرٍ أَوْ إلَّا وَاحِدَةً تَأَخَّرَ إلَى شَهْرٍ وَلَمْ يَقَعْ الِاثْنَتَانِ، وَلِهَذَا قَالُوا إذَا قَرَنَ بِالصِّيغَةِ ذِكْرَ الْعَدَدِ فِي الْإِيقَاعِ يَكُونُ الْوُقُوعُ بِلَفْظِ الْعَدَدِ لَا بِأَصْلِ الصِّيغَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلَّقْتُك ثَلَاثًا أَوْ قَالَ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَمَلَ هَذَا الْقِرَانِ فِي التَّغْيِيرِ لَا فِي التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِلْحُكْمِ الْمُفَسَّرِ لَا مُغَيِّرًا لَهُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك فَطَلِّقِي نَفْسَك أَوْ اخْتَارِي فَطَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
اخْتَرْت نَفْسِي يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا اعْتِبَارًا لِلْمُفَسِّرِ، وَهُوَ اخْتَارِي أَوْ أَمْرُك بِيَدِك؛ لِأَنَّ طَلِّقِي تَفْسِيرٌ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي تَطْلِيقَةً أَوْ أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا أَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَمْ تُوضَعْ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ بَلْ خَيَّرَهَا فِي التَّصْرِيحِ فَكَانَ رَجْعِيًّا كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ.
فَأَمَّا النَّصْبُ فَلَيْسَ عَلَى التَّفْسِيرِ وَلَكِنْ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَصْدَرِ فَإِنَّ قَوْلَهُ طَلَّقْت امْرَأَتِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَعْنَاهُ تَطْلِيقَاتٍ ثَلَاثًا كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ فُسِّرَ بِالتَّكْرَارِ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِمُحْتَمِلٍ أَوْ كَانَ ذَلِكَ إلْحَاقَ زِيَادَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي اُقْتُلْ اُقْتُلْ زَيْدًا وَبِقَوْلِي صُمْ أَيْ يَوْمَ السَّبْتِ خَاصَّةً، فَإِنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ بِمَا لَيْسَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ بَلْ لَيْسَ تَفْسِيرًا إنَّمَا هُوَ ذِكْرُ زِيَادَةٍ لَمْ يُوضَعْ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ لَهَا لَا بِالِاشْتِرَاكِ وَلَا بِالتَّخْصِيصِ قُلْنَا الْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إنْ فَسَّرَهُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَسَبْعَةٍ أَوْ عَشْرَةٍ فَهُوَ إتْمَامٌ بِزِيَادَةٍ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ إذْ اللَّفْظُ لَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمِّيَّةٍ وَعَدَدٍ، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِغْرَاقَ الْعُمْرِ فَقَدْ أَرَادَ كُلِّيَّةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ كُلِّيَّةَ الصَّوْمِ شَيْءٌ فَرْدٌ إذْ لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ وَحَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فَهُوَ وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ الْوَاحِدَ وَاحِدٌ بِالْعَدَدِ فَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُرَادِ لَا اسْتِئْنَافُ زِيَادَةٍ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ عَدَدٌ كَانَتْ الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ ضَرُورَةَ لَفْظِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ نَفَذَتْ؛ لِأَنَّهُ كُلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فَهُوَ كَالْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ أَوْ بِالنَّوْعِ وَلَوْ نَوَى طَلْقَتَيْنِ فَالْأَغْوَصُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ؛ فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَةُ الَّتِي هِيَ كَالتَّتِمَّةِ لَا تَصْلُحُ إرَادَتُهَا بِاللَّفْظِ.
فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ طَلَّقْت زَوْجَتِي وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَقَالَ أَرَدْت زَيْنَبَ يُبَيِّنُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْ وَقْتِ اللَّفْظِ وَلَوْلَا احْتِمَالُهُ لَوَقَعَ مِنْ وَقْتِ التَّعْيِينِ قُلْنَا بَلْ الْفَرْقُ أَغَوْصُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ زَوْجَتِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ فَهُوَ كَإِرَادَةِ أَحَدِ الْمُسَمَّيَاتِ بِالْمُشْتَرَكِ أَمَّا الطَّلَاقُ فَمَوْضُوعٌ لِمَعْنًى لَا يَتَعَرَّضُ لِلْعَدَدِ وَالصَّوْمُ لِمَعْنًى لَا يَتَعَرَّضُ لِلْعَشْرَةِ، وَلَيْسَتْ الْأَعْدَادُ مَوْجُودَةً لِيَكُونَ اسْمُ الصَّوْمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهَا اشْتِرَاكَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ النِّسْوَةِ إلَى هُنَا كَلَامُهُ ﵀، وَبِمَا ذَكَرْنَا تَبَيَّنَ أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ وَالْعَدَدَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ مُحْتَمِلُهُ، وَهُوَ الْكُلُّ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ مَا لَيْسَ بِمُحْتَمَلِهِ لُغَةً فَكَأَنَّهُ قِيلَ فِي قَوْلِهِ صُمْ إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ صُمْ الْأَيَّامَ كُلَّهَا إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ صُمْ الْأُسْبُوعَ إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُهُ: طَلَّقْتُك فِي اقْتِضَاءِ الْمَصْدَرِ لُغَةً مِثْلُ قَوْلِهِ طَلِّقْ إذْ مَعْنَاهُ فَعَلْت فِعْلَ الطَّلَاقِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ افْعَلْ فِعْلَ الطَّلَاقِ فَهَلَّا صَحَّتْ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ بِمَا ذَكَرْتُمْ وَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ الْفَرْقُ (قُلْنَا) إنَّمَا لَا يَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ وَالْخَبَرُ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمُخْبَرِ بِهِ لِيَصِحَّ فَإِنَّ الْخَبَرَ خَبَرٌ؛ وَإِنْ كَانَ كَذِبًا وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَادِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ لَا يَصِيرُ مَوْجُودًا بِالْإِخْبَارِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَكِنْ يَقْتَضِي وُجُودَهُ لِيَكُونَ صَحِيحًا فِي الْحِكْمَةِ بِأَنْ يَكُونَ صِدْقًا فَكَانَ ثَابِتًا ضَرُورَةَ الصِّدْقِ، وَهِيَ يَرْتَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ إنْشَاءً فَاقْتَضَى مَا كَانَ يَقْتَضِيهِ الْإِخْبَارُ، وَهُوَ الْوَاحِدَةُ فَأَمَّا قَوْلُهُ طَلِّقْ فَأَمْرٌ وَلَهُ أَثَرٌ فِي إيجَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
стр. 127
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ إذَا كَانَتْ فَرْدًا صِيغَةً أَوْ دَلَالَةً أَمَّا الْفَرْدُ صِيغَةً فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ مَاءً أَوْ الْمَاءَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَقَلِّ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ فَأَمَّا قَدْرًا مِنْ الْأَقْدَارِ الْمُتَخَلَّلَةِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ فَلَا.
فَكَذَلِكَ لَا آكُلُ طَعَامًا أَوْ مَا يُشْبِهُهُ وَأَمَّا الْفَرْدُ دَلَالَةً فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ وَلَا أُكَلِّمُ بَنِي آدَمَ وَلَا أَشْتَرِي الثِّيَابَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْأَقَلِّ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ هَذَا جَمْعٌ صَارَ مَجَازًا عَنْ اسْمِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّا إذَا أَبْقَيْنَاهُ جَمْعًا لَغَا حَرْفُ الْعَهْدِ أَصْلًا وَإِذَا جَعَلْنَاهُ جِنْسًا بَقِيَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ وَبَقِيَ مَعْنَى الْجَمْعِ مِنْ وَجْهٍ فِي الْجِنْسِ فَكَانَ الْجِنْسُ أَوْلَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْجَمْعِ فَصَارَ هَذَا وَسَائِرُ أَسْمَاءِ الْجِنْسِ سَوَاءً
ــ
[كشف الأسرار]
فَصَارَ مَذْكُورًا فَكَانَ التَّعْمِيمُ دَاخِلًا عَلَى الْمَذْكُورِ فَكَانَ حُكْمًا أَصْلِيًّا.
فَلِهَذَا صَحَّتْ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ فِي التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اضْرِبْهُ إنْ لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ فَقَوْلُهُ اضْرِبْهُ قَائِمًا أَوْ إنْ كَانَ قَائِمًا لَا يَقْتَضِيهِ أَيْضًا بَلْ لَا يَزِيدُهُ إلَّا اخْتِصَاصَ الضَّرْبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ بِحَالَةِ الْقِيَامِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ زَوْجَتِي إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَاتِهِ مَنْ شَهِدَ مِنْكُنَّ الشَّهْرَ فَلْتُطَلِّقْ نَفْسَهَا فَمَنْ زَالَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ فَلْتُطَلِّقْ نَفْسَهَا،
١ -
وَأَمَّا تَكْرَارُ أَوَامِرِ الشَّرْعِ فَلَيْسَ مِنْ مُوجَبِ اللُّغَةِ بَلْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي كُلِّ شَرْطٍ فَقَدْ قَالَ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ فَإِنْ أَحَالُوا ذَلِكَ عَلَى الدَّلِيلِ أَحَلْنَا مَا تَكَرَّرَ أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ كَيْفَ، وَمَنْ كَانَ جُنُبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّهَّرَ إذَا لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ مُطْلَقًا لَكِنْ اتَّبَعَ فِيهِ مُوجَبَ الدَّلِيلِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ الشَّرْطَ بِالْعِلَّةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْحُكْمِ وَالْمُوجِبُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُوجَبِ، فَأَمَّا الشَّرْطُ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ الشَّرْطُ بِدُونِ الْمَشْرُوطِ وَالْمَشْرُوطُ بِدُونِ الشَّرْطِ عِنْدَنَا، يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ يَقْتَصِرُ ثُبُوتُهُ عَلَى الْعِلَّةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَثُبُوتُ الْمَشْرُوطِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الشَّرْطِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى مُوجِبٍ يُوجِبُهُ، وَهُوَ الْعِلَّةُ.
وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا اسْتَشْهَدُوا فَعِلَلٌ أَوْ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ؛ فَلِهَذَا تَكَرَّرَتْ الْأَوَامِرُ بِتَكَرُّرِهَا قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ) أَيْ وَكَالْمَصْدَرِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ سَائِرُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أَيْ جَمِيعُهَا أَوْ بَاقِيهَا فِي وُقُوعِهِ عَلَى الْأَقَلِّ وَاحْتِمَالِهِ لِلْكُلِّ دُونَ الْعَدَدِ إذَا كَانَتْ فَرْدًا صِيغَةً أَيْ لَمْ يَكُنْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ تَثْنِيَةٍ وَلَا جَمْعٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَرَّفَةً أَوْ مُنَكَّرَةً مِثْلُ " مَاءً " أَوْ " الْمَاءَ " فِي يَمِينِ الشُّرْبِ أَوْ دَلَالَةً بِأَنْ كَانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ جَمْعٍ قُرِنَتْ بِهَا لَامُ التَّعْرِيفِ أَوْ الْإِضَافَةِ مِثْلُ " الْعَبِيدَ " وَبَنِي آدَمَ فِي يَمِينِ الْكَلَامِ.
فَأَمَّا قَدْرًا مِنْ الْأَقْدَارِ الْمُتَخَلَّلَةِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَهُمَا الْأَقَلُّ وَالْكُلُّ فَلَا أَيْ لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَإِنْ نَوَى كُوزًا أَوْ كُوزَيْنِ أَوْ قَدَحًا أَوْ قَدَحَيْنِ لَا يُعْمِلُ نِيَّتَهُ وَقَدْرًا مَنْصُوبٌ بِلَا يَحْتَمِلُهُ الْمُقَدَّرُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطٍ أَمَّا دُخُولُهُ فِي الْمَرْفُوعِ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَجُوزُ دُخُولُهُ فِي الْمَنْصُوبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْفَرْدُ دَلَالَةً إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْرِيفِ فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مَعْهُودٍ، وَهُوَ الَّذِي عُرِفَ وَعُهِدَ إمَّا بِالذِّكْرِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ فَهِيَ تُعَرِّفُ ذَلِكَ الْمَعْهُودَ وَيُسَمَّى هَذَا تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَعْرِيفُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ كَقَوْلِك فَعَلَ الرَّجُلُ كَذَا تُرِيدُ رَجُلًا بِعَيْنِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَيْ ذَلِكَ الرَّسُولَ بِعَيْنِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَعْهُودٌ فَهِيَ لِتَعْرِيفِ نَفْسِ الْحَقِيقَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَوَارِضِهَا، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْهُودِ لِحُضُورِهَا فِي الذِّهْنِ وَاحْتِيَاجِهَا إلَى التَّعْرِيفِ وَيُسَمَّى هَذَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، ثُمَّ الْحَقِيقَةُ فِي ذَاتِهَا لَمَّا كَانَتْ صَالِحَةً لِلتَّوَحُّدِ وَالتَّكَثُّرِ لِتَحَقُّقِهَا مَعَ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ كَانَتْ اللَّامُ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
وَلِغَيْرِهِ بِحَسَبِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ ارْتِبَاطُ الْحُكْمِ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ مُفْرَدًا كَانَ اللَّفْظُ أَوْ جَمْعًا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] ؛ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَاللَّامُ لِنَفْسِ الْجِنْسِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعَهْدِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ ﵇ ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وَيَقَعُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ.
وَهُوَ الْوَاحِدُ فِي الْمُفْرَدِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا فِي الْجَمْعِ عِنْدَنَا، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنِ لَامِ الْجِنْسِ دَاخِلَةً عَلَى الْمُفْرَدِ وَبَيْنَهَا دَاخِلَةً عَلَى الْمَجْمُوعِ هُوَ أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُفْرَدِ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إلَى الْوَاحِدِ وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمَجْمُوعِ صَلُحَ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إلَى الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ وِزَانَهُ فِي تَنَاوُلِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْجِنْسِ وِزَانُ الْمُفْرَدِ فِي تَنَاوُلِ الْجِنْسِيَّةِ وَالْجَمْعِيَّةِ وَفِي حَمْلِ الْجِنْسِ لَا فِي وُحْدَانِهِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِيهِ فَقَالَ فِيمَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ حُمِلَ عَلَى أَقَلَّ مَا يَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ الْوَاحِدُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْعَدَدُ الزَّائِدُ عَلَى الِاثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ فِي الْجَمْعِ فَلَا يُوجِبُ فِي مِثْلِ حَصَلَ الدِّرْهَمُ إلَّا وَاحِدًا وَفِي مِثْلِ حَصَلَ الدَّرَاهِمُ إلَّا ثُلُثَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَمْكَنَ رِعَايَةُ الصِّيغَةِ مَعَ اعْتِبَارِ حَرْفِ التَّعْرِيفِ فَيُجْعَلُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ لِلْجِنْسِ مُرَاعًى فِيهِ الْجَمْعِيَّةُ رِعَايَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ، فَأَمَّا جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْ الْفَرْدِ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ سَدِيدٍ، وَقُلْنَا إذَا دَخَلَتْ فِي الْجَمْعِ بَطَلَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ أَيْ لَمْ يَبْقَ مَقْصُودًا فِي الْكَلَامِ وَصَارَ مَجَازًا عَنْ الْجِنْسِ أَيْ صَارَ كَاسْمِ الْمُفْرَدِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ هَهُنَا صِيغَةُ الْجَمْعِ وَحَرْفُ التَّعْرِيفِ فَلَوْ اعْتَبَرَ صِيغَةَ الْجَمْعِ لَزِمَ إلْغَاءُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْعَهْدِ إذَا لَيْسَ فِي أَقْسَامِ الْجُمُوعِ مَعْهُودٌ يُمْكِنُ صَرْفُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْدُودٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ شَائِعٌ كَالنَّكِرَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْجِنْسِ أَيْضًا مَعَ اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ فِيهَا مَقْصُودًا وَجَعْلُ اللَّامِ لِلْجِنْسِ يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ دَلَالَتُهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْعَوَارِضِ، وَكَوْنُ الْجَمْعِ مَقْصُودًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ مُتَنَافِيَانِ.
وَلَوْ اُعْتُبِرَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَجُعِلَ لِلْجِنْسِ وَجُعِلَتْ الصِّيغَةُ مَجَازًا عَنْ الْفَرْدِ لَمْ يُلْغَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ فِي الْجِنْسِ مَعْنَى الْجَمْعِ مِنْ وَجْهٍ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا إذْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَفْرَادِ إمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَوَهُّمًا فَكَانَ اعْتِبَارُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ إذْ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَا ذَكَرْنَا مُؤَيَّدٌ بِالنَّصِّ وَالْعُرْفِ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَلَمْ يَكُنْ الْحَظْرُ مُتَعَلِّقًا بِالْجَمْعِ بَلْ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِ ﷺ الْفَرْدَ فَصَاعِدًا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ لَا الْجَمْعُ.
وَأَمَّا الْعُرْفُ فَإِنَّهُ يُقَالُ فُلَانٌ يُحِبُّ النِّسَاءَ وَفُلَانٌ يُخَالِطُ النَّاسَ؛ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ فَلِهَذَا جَعَلْنَا مَجَازًا عَنْ الْجِنْسِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَرْدٌ دَلَالَةً، قَالَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ، فَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى بِحَقِيقَتِهِ أَيْ بِحَقِيقَةِ الْفَرْدِيَّةِ مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ بِحَقِيقَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهَا خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ فِي يَدِهَا شَيْءٌ حَيْثُ يَلْزَمُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لَا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَلَا قَوْلُهُ لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ حَيْثُ يَقَعُ عَلَى الْعَشَرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى الْجُمُعَةِ وَالسَّنَةِ عِنْدَهُمَا
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
لَا عَلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ وَالشَّهْرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يُجْعَلُ اللَّامُ فِي الْجَمْعِ لِلْجِنْسِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهَا إلَى مَعْهُودٍ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ تَصَرُّفُ إلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِك كُنْت الْيَوْمَ مَعَ التُّجَّارِ وَلَقِيت الْفُقَهَاءَ تُرِيدُ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ قَدْ جَرَتْ عَادَتُك بِلِقَائِهِمْ وَقَدْ أَمْكَنَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَا فِي يَدِي عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الدَّرَاهِمَ وَغَيْرَهَا وَمِنْ الدَّرَاهِمِ بَيَانٌ لَهُ فَوَجَبَ صَرْفُ اللَّامِ إلَيْهِ.
وَكَذَا أَيَّامُ الْجُمُعَةِ وَشُهُورُ السَّنَةِ مَعْهُودَةٌ بَيْنَ النَّاسِ فَيَجِبُ صَرْفُ اللَّامِ إلَيْهَا عِنْدَهُمَا، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَدْ جَعَلَ الِاسْمَ مَعْهُودًا عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا إلَى الْعَشَرَةِ فَصَرَفَ اللَّامَ إلَى أَكْثَرِ هَذَا الْمَعْهُودِ احْتِيَاطًا كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ،
إذَا عَرَفْنَا هَذَا جِئْنَا إلَى بَيَانِ الْمَسَائِلِ فَنَقُولُ: إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ مَاءً أَوْ الْمَاءَ أَوْ لَا آكُلُ طَعَامًا أَوْ الطَّعَامَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَهُوَ الْكُلُّ لَوْلَا غَيْرُهُ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ أَيْضًا؛ فَإِنْ نَوَى الْكُلَّ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَحْنَثَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَكِنَّهُ عَدَدٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْفَرْدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَضَاءً إنْ كَانَ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ الْإِنْسَانُ إنَّمَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَشُرْبُ كُلِّ الْمِيَاهِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أَوْ لَا يُكَلِّمُ الْعَبِيدَ أَوْ لَا يَشْتَرِي الثِّيَابَ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْكُلِّ.
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ بَنِي آدَمَ لِأَنَّا إذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْجَمْعِ بَطَلَتْ الْإِضَافَةُ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْرِيفِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ وَلَا تَعْرِيفَ لِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَمْعِ وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْجِنْسِ حَصَلَ بِهِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ مَعَ الْعَمَلِ بِالْجَمْعِ فَصَارَ أَوْلَى؛ فَإِنْ نَوَى الْكُلَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَا يَحْنَثُ أَبَدًا، قَالَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ: قَالُوا وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصْدُقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً إنْ كَانَ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ ﵀ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةً لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الْمَجَازَ، وَلَا يَذْهَبَنَّ بِك الْوَهْمُ كَمَا ذَهَبَ بِالْبَعْضِ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ عِنْدَ إرَادَةِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ كَلَامَ جَمِيعِ النَّاسِ وَتَزَوُّجَ جَمِيعِ النِّسَاءِ وَشِرَاءَ جَمِيعِ الْعَبِيدِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ كَمَا لَمْ يَنْعَقِدْ فِي قَوْلِهِ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ شُرْبِ الْمَاءِ الْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ شُرْبُ الْمَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، فَأَمَّا شَرْطُ الْبِرِّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَعَدَمُ الْكَلَامِ وَالتَّزَوُّجِ وَالشِّرَاءِ، وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ؛ فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ نِسَاءً أَوْ لَا يَشْتَرِي عَبِيدًا فَهَذَا عَلَى الثَّلَاثَةِ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْجِنْسِ عُدِمَتْ هَهُنَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَأَدْنَاهُ ثَلَاثَةٌ؛ فَإِنْ نَوَى بِهِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ قَالُوا يَكُونُ مُصَدَّقًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْقَاسِمِ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةً لَا تَثْبُتُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ فَلَا يَصْدُقُ قَضَاءً؛ فَإِنْ نَوَى الْوَاحِدَ مِمَّا ذُكِرَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ وَفِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ فَيُصَدَّقُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت ثَلَاثَ نِسْوَةٍ فَكَذَا، وَقَالَ: عَنَيْت بِهِ الْوَاحِدَةَ لَا يُصَدَّقُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَغْلِيظٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْخُصُوصَ فِي الْعَدَدِ، وَذَلِكَ
стр. 130
وَإِنَّمَا أُشْكِلَ عَلَى الْأَقْرَعِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ أَنَّ كُلَّ اسْمِ فَاعِلٍ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ حَتَّى قُلْنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ بِالْآيَةِ إلَّا الْأَيْمَانُ؛ لِأَنَّ كُلَّ السَّرِقَاتِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَ الْوَاحِدُ مُرَادًا وَبِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ لَا يُقْطَعُ إلَّا وَاحِدٌ
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَصِحُّ إلَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ وَحْدَهَا هِيَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْهَمْزَةُ قَبْلَهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ مَجْلُوبَةٌ لِلِابْتِدَاءِ كَهَمْزَةِ اسْمِ وَابْنِ وَعِنْدَ الْخَلِيلِ كَلِمَةُ التَّعْرِيفِ أَلْ كَهَلْ وَبَلْ؛ وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ التَّخْفِيفُ بِالْهَمْزَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ لَغَا حَرْفُ الْعَهْدِ وَقَوْلُهُ بَقِيَ اللَّامُ أَشَارَ إلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ حَرْفَا الْعَهْدِ وَبَقِيَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا أُشْكِلَ) جَوَابٌ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْفَرِيقَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ سُؤَالِ الْأَقْرَعِ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَلْ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْبَابٍ مُتَكَرِّرَةٍ مِثْلَ تَعَلُّقِ الصَّلَاةِ بِالْأَوْقَاتِ وَالصَّوْمِ بِالشَّهْرِ وَالزَّكَاةِ بِالْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ وَلِهَذَا تَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ النَّمَاءِ، وَقَدْ رَأَى الْحَجَّ مُتَعَلِّقًا بِالْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مُتَكَرِّرٌ بِحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ قَبْلَهُ وَبِالْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِمُتَكَرِّرٍ فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذَا سُئِلَ لَا لِكَوْنِ الْأَمْرِ لِلتَّكْرَارِ لُغَةً، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ» أَيْ لَوْ قُلْت نَعَمْ يَجِبُ فِي كُلِّ عَامٍ لَوَجَبَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ وَحِينَئِذٍ صَارَ الْوَقْتُ سَبَبًا، فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ صَاحِبَ الشَّرْعِ وَإِلَيْهِ نَصْبُ الشَّرَائِعِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، السَّارِقُ لَا يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَنَا وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُؤْتَى عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْأَيْدِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَضَافَهَا إلَى السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَأَوْجَبَتْ الِاسْتِغْرَاقَ كَقَوْلِك عَبِيدُكُمَا فَيَدْخُلُ الْيَسَارُ كَالْيَمِينِ فِي الْحُكْمِ بِمُطْلَقِ الِاسْمِ كَمَا فِي الطَّهَارَةِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّسْخِ عِنْدَكُمْ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ صِيغَةِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِسَارِقٍ وَسَارِقَةٍ أَيْمَانٌ بَلْ لَهُمَا يَمِينَانِ فَثَبَتَ أَنَّ الْيَسَارَ مَحَلُّ الْقَطْعِ كَالْيَمِينِ وَكَيْفَ إلَّا وَالْيَسَارُ آلَةُ السَّرِقَةِ كَالْيَمِينِ وَفَوْقَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى فَيَكُونُ مَحَلُّ الْقَطْعِ إلَّا أَنَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَثْبُتُ الْمَحَلِّيَّةُ لِلرَّجُلِ بِالسُّنَّةِ وَبِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ انْتِفَاءَ الْمَحَلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ بِمُطْلَقِ الْكِتَابِ.
وَلَنَا قِرَاءَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁، فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَيَّدِ مِنْ الْمُطْلَقِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا مِنْ الْأَيْدِي فَلَا يَتَنَاوَلُ الْيُسْرَى فَهَذَا قَيْدٌ جَاءَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ يَدٍ، فَإِذَا قُيِّدَتْ بِالْيَمِينِ كَانَ الْقَيْدُ زِيَادَةَ وَصْفٍ يَثْبُتُ فِيهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] مُتَتَابِعَاتٍ فَيَرْتَفِعُ الْإِطْلَاقُ بِالْقَيْدِ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَانَ كَرَجُلٍ قَالَ لِآخَر أَعْتِقْ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي ثُمَّ قَالَ عَنَيْت سَالِمًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَا يَقْطَعُ الْيُسْرَى وَيَقْطَعُ الرِّجْلَ فَلَوْ كَانَ النَّصُّ مُتَنَاوِلًا لِلْيُسْرَى لَمْ يَجُزْ قَطْعُ الرِّجْلِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ مَعَ بَقَاءِ الْمَنْصُوصِ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّقْيِيدُ فِي النَّصِّ جُعِلَتْ صِيغَةُ الْجَمْعِ مَجَازًا عَنْ التَّثْنِيَةِ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] كَيْفَ وَالْعَمَلُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ فَثَبَتَ أَنَّ الْيَسَارَ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّصِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْيُمْنَى وَأَنَّ اسْتِدْلَالَ الْخَصْمِ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَا بِالْقِيَاسِ إذْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ الشَّيْخُ خَرَّجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَهُ فَقَالَ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ،
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
يَخْرُجُ أَنَّ كُلَّ اسْمِ فَاعِلٍ، وَقَوْلُهُ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً صِفَةٌ لِفَاعِلٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ اسْمِ الْفَاعِلِ إذَا جُعِلَ عَلَمًا مِثْلُ الْحَارِثِ وَالْقَاسِمِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدُ خَبَرَانِ.
(فَإِنْ قِيلَ) فَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي لَمْ يَحْتَمِلْ إنْ جُعِلَ رَاجِعًا إلَى كُلِّ اسْمِ فَاعِلٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْكَلَامِ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ نَفْيُ الْقَطْعِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ؛ وَإِنْ جُعِلَ رَاجِعًا إلَى الْمَصْدَرِ لَا يَخْلُو التَّرْكِيبُ عَنْ نَوْعِ خَلَلٍ إذْ الْخَبَرُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِهِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ اسْمُ إنَّ هَهُنَا وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رَاجِعًا إلَى الْمَصْدَرِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ (قُلْنَا) دَأَبَ الْمَشَايِخُ النَّظَرَ إلَى الْمَعْنَى لَا إلَى التَّرْكِيبِ كَذَا سَمِعْت عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ مَوْلَانَا حَافِظِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَمَّا كَانَ بِنَاءُ الْبَابِ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ نَفْيُ احْتِمَالِ الْعَدَدِ عَنْ الْمَصْدَرِ لَا عَنْ الْفَاعِلِ وَصَارَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ أَنَّ كُلَّ مَصْدَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ فَاعِلٍ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ كَالْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ بِالْوَاوِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخَبَرُ قَوْلَهُ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَلَا يُرَادُ السُّؤَالُ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الْمَصْدَرُ الثَّابِتُ بِلَفْظِ السَّارِقِ الْعَدَدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ إلَّا الْأَيْمَانُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُلُّ أَوْ الْأَقَلُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُلُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ السَّرِقَاتِ الَّتِي تُوجَدُ مِنْهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِآخِرِ الْعُمْرِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يُقْطَعَ؛ وَإِنْ سَرَقَ أَلْفَ مَرَّةٍ إلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ الَّذِي فَعَلَ سَرِقَةً وَاَلَّتِي فَعَلَتْ سَرِقَةً ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَقْطَعَ الْيَدَانِ جَمِيعًا بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْآيَةِ قَطْعُ يَدٍ وَاحِدَةٍ لِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ كُلِّ سَارِقٍ وَسَارِقَةٍ.
ثُمَّ هَذِهِ الْيَدُ الْوَاحِدَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ وَبِالسُّنَّةِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ قَطْعَ الْيُمْنَى مُرَادٌ بِالْآيَةِ فَلَمْ يَبْقَ قَطْعُ الْيُسْرَى مُرَادًا بِهَا ضَرُورَةً فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ حَتَّى قُلْنَا إلَى آخِرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْعَدَدِ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ لَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ قَطْعُ الْيُسْرَى بِالْآيَةِ كَالْيُمْنَى وَصَارَ التَّقْدِيرُ الَّذِي سَرَقَ سَرِقَاتٍ وَاَلَّتِي سَرَقَتْ سَرِقَاتٍ فَاقْطَعُوا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَدًا، وَذَكَرَ فِي طَرِيقِهِ الْخِلَافَ لِلْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَمَّا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ السَّرِقَةَ إنَّمَا ذَكَرَ اسْمَ السَّارِقِ وَهَذَا يَقْتَضِي السَّرِقَةَ وَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا سَرِقَةً وَاحِدَةً وَبِالْإِجْمَاعِ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا يَدٌ وَاحِدَةٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ مَعْمُولًا بِهَا لَقُطِعَتْ الْيَدَانِ كِلَاهُمَا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الْمَذْكُورَةَ جَزَاءُ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْجَلْدِ مِائَةً فِي الزِّنَا وَأَجْمَعْنَا أَنَّ بِالسَّرِقَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يُقْطَعُ إلَّا الْيَمِينُ عَرَفْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْيَمِينَ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ثَبَتَ تَكَرُّرُ الْجَلْدِ بِتَكَرُّرِ الزِّنَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الْمَصْدَرَ وَهُوَ الزِّنَا لَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ وَالْعَدَدُ كَمَا قُلْتُمْ فِي السَّرِقَةِ فَلْيَكُنْ السَّرِقَةُ كَذَلِكَ (قُلْنَا) قَدْ ثَبَتَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فَالزِّنَا عِلَّةٌ وَالْجَلْدُ حُكْمُهُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْبَدَنُ، فَأَمَّا السَّرِقَةُ فَعِلَّةٌ لِلْقَطْعِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ حُكْمَهَا الثَّابِتُ بِالنَّصِّ قَطْعُ الْيَمِينِ وَبِقَطْعِهَا مَرَّةً
стр. 132
وَمُوجِبُ الْأَمْرِ عَلَى مَا فَسَّرْنَا يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ وَكُلُّ نَوْعٍ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ وَهَذَا تَنْوِيعٌ فِي صِفَةِ الْحُكْمِ.
(بَابٌ) يُلَقَّبُ بِبَيَانِ صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ نَوْعَانِ: أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ وَالْأَدَاءُ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَدَاءٌ كَامِلٌ مَحْضٌ وَأَدَاءٌ قَاصِرٌ مَحْضٌ وَمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: نَوْعٌ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ وَنَوْعٌ بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ وَنَوْعٌ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَدْخُلُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَدْخُلُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْمَحَلِّ أَصْلًا كَمَا بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ عِنْدَكُمْ؛ فَلِهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِهَا قَوْلُهُ (وَمُوجِبُ الْأَمْرِ إلَى آخِرِهِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ نَفْسِهِ إلَى مُعَيَّنٍ كَأَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ، وَإِلَى مُخَيَّرٍ كَأَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَبِحَسَبِ فَاعِلِهِ إلَى فَرْضِ عَيْنٍ كَعَامَّةِ الْعِبَادَاتِ وَإِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْجِهَادِ وَبِحَسَبِ وَقْتِهِ إلَى مُوَسَّعِ كَالصَّلَاةِ وَإِلَى مُضَيَّقٍ كَالصَّوْمِ وَإِلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ كَمَا يُذْكَرُ فَالشَّيْخُ ذَكَرَ عَامَّةَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَبَدَأَ بِتَقْسِيمِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فَقَالَ: وَمُوجِبُ الْأَمْرِ عَلَى مَا فَسَّرْنَا يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ، قِيلَ مَعْنَاهُ الْوَاجِبُ بِالْأَمْرِ نَوْعَانِ: أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعَانِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ وَحَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي مُوجِبِ الْأَمْرِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ حَسَنٌ لَا مَحَالَةَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي صِفَةٍ قَائِمَةٍ فِي الْمُوجِبِ وَالثَّانِي فِي صِفَةٍ قَائِمَةٍ فِي غَيْرِ الْمُوجِبِ ثُمَّ الْأَوَّلُ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ وَهُمَا الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ، وَهَذِهِ صِفَةٌ رَاجِعَةٌ إلَى نَفْسِ الْمُوجِبِ كَمَا تَرَى وَالثَّانِي يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ أَيْضًا وَهُمَا الْمُؤَقَّتُ وَغَيْرُ الْمُؤَقَّتِ وَالْوَقْتُ صِفَةٌ رَاجِعَةٌ إلَى غَيْرِ الْمُوجِبِ، وَاَلَّذِي يَدُورُ فِي خُلْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ أَيْ الثَّابِتُ بِالْأَمْرِ.
وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ، يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ وَهُمَا الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ أَيْضًا وَهُمَا الْأَدَاءُ الْمَحْضُ وَغَيْرُ الْمَحْضِ وَالْقَضَاءُ الْمَحْضُ وَغَيْرُ الْمَحْضِ فَمُحَصَّلُ الْأَقْسَامِ أَرْبَعَةٌ: ثُمَّ يَنْقَسِمُ الْأَدَاءُ الْمَحْضِ إلَى كَامِلٍ وَقَاصِرٍ وَالْقَضَاءُ الْمَحْضُ إلَى الْقَضَاءِ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ وَبِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فَصَارَ الْأَقْسَامُ سِتَّةً فَبَيَّنَ الشَّيْخُ قَبْلَ الْبَابِ التَّقْسِيمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الَّذِينَ بِهِمَا صَارَ الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةً وَبَعْدَ الْبَابِ اعْتَبَرَ الْحَاصِلَ مِنْ التَّقَاسِيمِ وَبَيَّنَ الْأَقْسَامَ سِتَّةً، وَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا تَقْسِيمُ مُطْلَقِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَرَكُّبِهِمَا وَتَمَحُّضِهِمَا، وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ أَدَاءٌ كَامِلٌ، وَقَاصِرٌ، وَقَضَاءٌ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ، وَبِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فَدَخَلَ الْمُتَرَكِّبُ مِنْهُمَا فِي هَذَا التَّقْسِيمِ كَالْمُتَمَحِّضِ ثُمَّ بَعْدَ الْبَابِ مَيَّزَ الْمُتَرَكِّبَ مِنْهُمَا مِنْ الْمُتَمَحِّضِ مِنْهُمَا فَمُحَصَّلُ الْأَقْسَامِ سِتَّةٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْكُتُبِ فَإِنَّ الشَّيْخَ ﵀ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ ثُمَّ حُكْمُ الْوُجُوبِ شَيْئَانِ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْأَدَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ وَاجِبٍ وَنَفْلٍ وَالْقَضَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْضًا بِمِثْلٍ يُعْقَلُ وَبِمِثْلٍ لَا يُعْقَلُ لَكِنَّهُ ثَبَتَ شَرْعًا وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ هَهُنَا أَخْرَجَ النَّفَلَ عَنْ قِسْمِ الْأَدَاءِ وَجَعَلَ الْأَدَاءَ الْوَاجِبَ عَلَى قِسْمَيْنِ كَامِلٍ وَقَاصِرٍ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا تَنْوِيعٌ فِي صِفَةِ الْحُكْمِ) أَيْ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ التَّقْسِيمِ تَنْوِيعٌ فِي صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْبَابِ لَا إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْبَابُ هُوَ بَيَانُ أَنْوَاعِ صِفَةِ الْحُكْمِ، وَلِهَذَا لُقِّبَ الْبَابُ بِهِ وَالتَّنْوِيعُ الْمَذْكُورُ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ كَمَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ صَرْفُ اسْمِ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ فَيَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْبَابِ أَيْ هَذَا الْبَابُ تَنْوِيعٌ فِي صِفَةِ الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ إعَادَةَ لَفْظَةِ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَهَذَا بَابٌ يَأْبَى ذَلِكَ
[بَابٌ بَيَانِ صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ]
(بَابٌ يُلَقَّبُ بِبَيَانِ صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ)
، وَذَلِكَ أَيْ حُكْمُ الْأَمْرِ، وَقَوْلُهُ كَامِلٌ وَقَاصِرٌ تَقْسِيمٌ لِلْأَدَاءِ الْمَحْضِ، بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ أَيْ مُمَاثَلَتُهُ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ، وَبِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ أَيْ غَيْرِ مُدْرَكٍ بِعُقُولِنَا لَا أَنَّهُ خِلَافُ الْعَقْلِ إذْ الْعَقْلُ حُجَّةٌ
стр. 133
وَالْأَدَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ وَالْقَضَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ كَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ وَرَدِّهِ فَيَصِيرُ بِهِ مُؤَدِّيًا وَإِذَا هَلَكَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ فَيَصِيرُ بِهِ قَاضِيًا وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ النَّفَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ حَقِيقَةً فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَنَاقُضَ فِي حُجَجِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ كَذَا قِيلَ.
قَوْلُهُ (وَالْأَدَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ) أَيْ عَيْنِهِ، بِالْأَمْرِ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ لَا بِالتَّسْلِيمِ عَلَى مَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَيْ الْوَاجِبُ بِسَبَبِ الْأَمْرِ، وَإِضَافَةُ الْوَاجِبِ إلَى الْأَمْرِ تَوَسُّعٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالسَّبَبِ وَوُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْأَمْرِ عَلَى مَا يُعْرَفُ بَعْدُ إلَّا أَنَّ السَّبَبَ لَمَّا عُلِمَ بِالْأَمْرِ أُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَلُ تَسْلِيمَ الْمُؤَقَّتِ فِي وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَسْلِيمَ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ كَالزَّكَاةِ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ عَيْنِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَقْبَلُ التَّصَرُّفَ مِنْ الْعَبْدِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا (قُلْنَا) لَمَّا شَغَلَ الشَّرْعُ الذِّمَّةَ بِالْوَاجِبِ ثُمَّ أَمَرَ بِتَفْرِيغِهَا أَخَذَ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرَاغُ الذِّمَّةِ حُكْمَ ذَلِكَ الْوَاجِبِ كَأَنَّهُ عَيْنُهُ، أَوْ يُقَالُ الْوَاجِبُ بِالْأَمْرِ غَيْرُ الْوَاجِبِ بِالسَّبَبِ إذْ الْوَاجِبُ بِالْأَمْرِ فِعْلُ الصَّلَاةِ أَوْ إيتَاءُ رُبْعِ الْعُشْرِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ فَرَاغُ الذِّمَّةِ مَثَلًا، وَهُوَ مُمْكِنُ التَّسْلِيمِ فَأَمَّا الْوَصْفُ الشَّاغِلُ لِلذِّمَّةِ فَحَاصِلٌ بِالسَّبَبِ لَا بِالْأَمْرِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ إضَافَةُ الْوَاجِبِ إلَى الْأَمْرِ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ بَلْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَذَا قِيلَ.
قَوْلُهُ (وَالْقَضَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ) أَيْ بِالْأَمْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ مِثْلَ الْوَاجِبِ مِنْ عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ الْقَضَاءُ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ بِمِثْلِ مَنْ عِنْدَ الْمَأْمُورِ هُوَ حَقُّهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَيْضًا.
وَلَا بُدَّ مِنْهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُورِ لَا يَكُونُ قَضَاءً؛ وَإِنْ كَانَ مِثْلًا لِلْوَاجِبِ فَإِنَّ مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ الْغَيْرِ إلَى دَيْنِهِ لَا يَكُونُ قَضَاءً وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ، وَكَذَا لَوْ صَرَفَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ أَوْ ظُهْرَ الْيَوْمِ إلَى ظُهْرِ الْأَمْسِ بِأَنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الظُّهْرُ قَضَاءً عَنْ الْفَائِتِ لَا يَصِحُّ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَائِتِ أَقْوَى مِنْهَا بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَائِتِ بِكَوْنِهَا ثَابِتَةً بَيْنَ الظُّهْرِ وَالظُّهْرِ ذَاتًا وَوَصْفًا وَبَيْنَ النَّفْلِ وَالظُّهْرِ ذَاتًا لَا وَصْفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِهِ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَكَّدَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بِقَوْلِهِ هُوَ حَقُّهُ احْتِرَازًا عَنْ الْوَدِيعَةِ وَلِهَذَا اُخْتِيرَ فِي الْمُنْتَخَبِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ قِسْمٌ آخَرُ) أَيْ يُزَادُ عَلَيْهِ قِسْمٌ آخَرُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ حَقِيقَةً فِي النَّدْبِ فَيَصِيرُ الْأَدَاءُ عِنْدَهُ قِسْمَيْنِ تَسْلِيمُ عَيْنِ الْوَاجِبِ كَمَا ذَكَرْنَا وَتَسْلِيمُ عَيْنِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ الْأَدَاءُ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ كَالْفَرْضِ فِي وَقْتِهِ وَغَيْرُ وَاجِبٍ كَالنَّفْلِ وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَيْضًا فَقَالَ الْأَدَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: وَاجِبٌ وَنَفْلٌ وَكِلَاهُمَا مُوجِبُ الْأَمْرِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ حَقِيقَةً فِي الْإِبَاحَةِ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقَسِمَ الْأَدَاءُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ تَسْلِيمُ الْوَاجِبِ وَتَسْلِيمُ الْمَنْدُوبِ وَتَسْلِيمُ الْمُبَاحِ إذْ الْكُلُّ مُوجِبٌ لِلْآمِرِ عِنْدَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالتَّعْرِيفُ الشَّامِلُ لِلْقِسْمَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْأَدَاءُ اسْمٌ لِفِعْلِ مَا طُلِبَ مِنْ الْعَمَلِ بِعَيْنِهِ. وَإِنْ جُعِلَ الْوَاجِبُ بِمَعْنَى الثَّابِتِ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ أَيْضًا، وَالشَّامِلُ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ هُوَ مَا يُقَالُ الْأَدَاءُ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا أُمِرَ بِهِ، قَالَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ: ﵀ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا يَعْنِي قَوْلَهُ يَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ قِسْمٌ آخَرُ احْتِرَازٌ عَمَّا
стр. 134
فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْوَصْفَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَقَدْ يَدْخُلُ إحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ فِي قِسْمِ الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى
ــ
[كشف الأسرار]
يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَدَاءِ يُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِمْ أَدَّى النَّفَلَ، وَهُوَ لَيْسَ بِتَسْلِيمِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا يُقَالُ هَذَا قِسْمٌ آخَرُ وَمَا ذَكَرْنَا قِسْمٌ آخَرُ إذْ نَحْنُ فِي تَفْسِيرِ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الْأَمْرِ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ نَقْضًا عَلَيْنَا قَوْلُهُ (فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْوَصْفَ) ، وَهُوَ دُخُولُ النَّفْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْمَتْرُوكِ مَضْمُونًا وَالنَّفَلُ لَا يُضْمَنُ بِالتَّرْكِ.
وَأَمَّا إذَا شَرَعَ فِي النَّفْلِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ صَارَ مُلْحَقًا بِالْوَاجِبِ لَا؛ لِأَنَّهُ نَفْلٌ كَمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ قَوْلُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلٌ، بِقَوْلِهِ الْأَدَاءُ تَسْلِيمُ نَفْسِ الْوَاجِبِ وَاسْتِشْهَادٌ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَسْلِيمِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تَسْلِيمِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ طَلَبَ الْمِفْتَاحَ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَكَانَ يَلِي سِدَانَةَ الْكَعْبَةِ فَوَجَّهَ إلَيْهِ عَلِيًّا ﵁ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَقَالَ لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أَمْنَعْهُ الْمِفْتَاحَ فَلَوَى عَلِيٌّ ﵁ يَدَهُ وَأَخَذَهُ مِنْهُ قَسْرًا حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ اجْمَعْ لِي السِّدَانَةَ مَعَ السِّقَايَةِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِفْتَاحَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا ﵁ بِرَدِّهِ إلَيْهِ فَرَدَّهُ إلَيْهِ وَأَلْطَفَ لَهُ فِي الْقَوْلِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ أَكْرَهْت وَآذَيْت ثُمَّ جِئْت تَرْفُقُ قَالَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي شَأْنِك قُرْآنًا وَأَمَرَنَا بِرَدِّهِ عَلَيْك، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﵇ وَأَسْلَمَ ثُمَّ إنَّهُ هَاجَرَ وَدَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ فَهُوَ فِي وَلَدِهِ إلَى الْيَوْمِ» ، وَأَمَانَةٌ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ أَمَانَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ الْأَمَانَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْجَنَابَةِ وَفِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الْوَدَائِعُ.
وَذَكَرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي قَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ الَّتِي هِيَ أَمَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي حَمَّلَهَا الْإِنْسَانَ وَحِفْظُ الْحَوَاسِّ الَّتِي هِيَ وَدَائِعُ اللَّهِ ﷻ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ مُودَعَةٍ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ مُرَاعِيًا حَقَّهُ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ كَانَ أَدَاءً بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَدِيعَةِ وَإِذْ قَصَّرَ فِي رِعَايَتِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ فَكَانَ قَضَاءً إذْ الْخِيَانَةُ فِي الْأَمَانَةِ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَأَدَاءُ الضَّمَانِ قَضَاءٌ حَقِيقَةً لَا أَدَاءٌ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ قَسَّمُوا الْوَاجِبَ إلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَإِعَادَةٍ، ثُمَّ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْأَمْرَ حَقِيقَةً فِي النَّدْبِ فَسَّرَ الْأَقْسَامَ فَقَالَ: الْأَدَاءُ تَسْلِيمُ عَيْنِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ أَيْ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا وَالْقَضَاءُ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ شَرْعًا، وَالْإِعَادَةُ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ بِأَنْ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِعْلُ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ فَأَدَّاهُ عَلَى وَجْهِ النُّقْصَانِ وَهُوَ نُقْصَانٌ فَاحِشٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَهِيَ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ ذَاتًا مَعَ صِفَةِ الْكَمَالِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ، فَعَلَى هَذَا إذَا فَعَلَ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجَ الْوَقْتِ يَكُونُ إعَادَةً، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ الْوَاجِبُ إذَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ وَيُسَمَّى أَدَاءً وَإِذَا فُعِلَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ أَوْ الْمُوَسَّعِ يُسَمَّى قَضَاءً؛ وَإِنْ فُعِلَ مَرَّةً عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ ثُمَّ فُعِلَ ثَانِيًا فِي وَقْتِهِ الْمَضْرُوبِ لَهُ يُسَمَّى إعَادَةً فَالْإِعَادَةُ اسْمٌ لِمِثْلِ مَا فُعِلَ مَعَ ضَرْبٍ مِنْ الْخَلَلِ
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْقَضَاءُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مِثْلَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ الْمَحْدُودُ فَشَرْطُ الْوَقْتِ فِي الْإِعَادَةِ فَلَا يَكُونُ إتْيَانُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ إعَادَةً، وَمَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ حَقِيقَةً فِي النَّدْبِ قَالَ الْأَدَاءُ مَا فُعِلَ أَوَّلًا فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا وَالْقَضَاءُ مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتٍ مُقَدَّرٍ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ وَالْإِعَادَةُ مَا فُعِلَ ثَانِيًا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لِخَلَلٍ فِي الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ مَا فُعِلَ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا احْتِرَازٌ عَنْ الْإِعَادَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ اسْتِدْرَاكًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا فُعِلَ لَا بِقَصْدِ الِاسْتِدْرَاكِ وَقَوْلُهُ لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ احْتِرَازٌ عَنْ النَّوَافِلِ، وَقَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْإِعَادَةِ ثَانِيًا احْتِرَازٌ عَنْ الْأَدَاءِ، وَقَوْلُهُ لِخَلَلٍ أَيْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ سَوَاءٌ كَانَ مُفْسِدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ بَعْدَ أَنْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى إعَادَةً، ثُمَّ التَّعْرِيفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ لِلْأَدَاءِ أَحْسَنُ مِمَّا قَالُوا؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ يَشْمَلُ الْمُؤَقَّتَ وَغَيْرَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُؤَقَّتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ فِعْلُ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ إنْ كَانَ أَدَاءً عِنْدَهُمْ فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ الَّذِي ذَكَرُوهُ جَامِعًا فَيَكُونُ فَاسِدًا بِالِاتِّفَاقِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ الْأَدَاءُ مُخْتَصًّا بِالْمُؤَقَّتِ كَالْقَضَاءِ فَالْحَدُّ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ فَاسِدٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّ الْأَدَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ يُسَمَّى أَدَاءً شَرْعًا وَعُرْفًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، وَقَالَ ﵇: «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ نِصْفَ صَاعٍ» الْحَدِيثُ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَقْدُورٍ وَيُقَالُ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ بَعْدَ سِنِينَ وَأَدَّى طَعَامَ الْكَفَّارَةِ كَمَا يُقَالُ أَدَّى الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ وَالْأَدَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ إلَى آخِرِهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَدَاءٌ كَانَ الْحَدُّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَاسِدًا لِعَدَمِ انْعِكَاسِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ الْإِعَادَةَ فِي تَقْسِيمِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ فَاسِدًا بِأَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ أَوْ رُكْنًا آخَرَ مِنْ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ لَمَّا فَسَدَ أَخَذَ حُكْمَ الْعَدَمِ شَرْعًا وَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ لِلثَّانِي فَيَكُونُ أَدَاءً إنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ وَقَضَاءً إنْ وَقَعَ خَارِجَ الْوَقْتِ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ نَاقِصًا لَا فَاسِدًا بِأَنْ تَرَكَ مَثَلًا فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا يَجِبُ بِتَرْكِهِ سَجْدَةَ السَّهْوِ فَلَا تَكُونُ دَاخِلَةً فِي هَذَا التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَقْسِيمُ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ وَلِهَذَا وَقَعَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ عَنْ الْوَاجِبِ دُونَ الثَّانِي وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ يُخْرِجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ كَالْحَاجِّ إذَا طَافَ مُحْدِثًا خِلَافًا لَهُمْ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْفِعْلِ إذَا تَقَرَّرَ وَلَمْ يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ وَفُعِلَ بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً حَقِيقَةً سَوَاءٌ تَرَكَهُ فِي وَقْتِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا انْعَقَدَ بِسَبَبِ وُجُوبِهِ وَتَأَخَّرَ وُجُوبُ أَدَائِهِ لِمَانِعٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَلَّفُ قَادِرًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَوْ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهِ إمَّا شَرْعًا كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَإِمَّا عَقْلًا كَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: إنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً مَجَازًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْحَقِيقِيَّ
стр. 136
فَسَمَّى الْأَدَاءَ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَفْظٌ مُتَّسِعٌ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْأَدَاءُ فِي الْقَضَاءِ مُقَيَّدًا؛ لِأَنَّ لِلْأَدَاءِ خُصُوصًا بِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ وَعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ الْعِبَارَةِ إلَى الِاسْتِقْصَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ سَاقِطٌ عَنْ هَؤُلَاءِ بِالِاتِّفَاقِ وَكَيْفَ يُقَالُ بِوُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا سَبِيلَ لَهَا إلَى الْأَدَاءِ وَلَا إلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إزَالَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ لَكِنَّهُ سُمِّيَ قَضَاءً مَجَازًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْفَرْضِ فَوَاتَ الْأَوَّلِ فَلِفَوَاتِ إيجَابِهِ فِي الْوَقْتِ سُمِّيَ قَضَاءً، وَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ قَضَاءٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَقَدْ انْعَقَدَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ فَيَكُونُ هَذَا حَقِيقَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نِيَّةُ قَضَاءِ الْفَائِتِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مُبْتَدَأً لَمَا وَجَبَتْ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً بَلْ تَصَوُّرُ ذَلِكَ كَافٍ؛ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَتَصَوُّرِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ لِصِحَّةِ نَقْلِ الْحُكْمِ إلَى التُّرَابِ وَقَدْ تُصَوِّرَ زَوَالُ هَذِهِ الْأَعْذَارِ فِي الْوَقْتِ وَإِيجَابُ الْأَدَاءِ بَعْدَهُ فَيَكُونُ هَذَا الْقَدْرُ كَافِيًا فِي نَقْلِ الْحُكْمِ إلَى الْقَضَاءِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُؤَدِّيًا إلَى الْحَرَجِ، وَهَذَا كَالْمُحْدِثِ إذَا ضَاقَ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْأَدَاءُ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ يُلَاقِيهِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تُرَابًا نَظِيفًا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْأَدَاءُ وَلَا التَّسْبِيبُ إلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانُ يُلَاقِيهِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَدَائِهَا، وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي الْجُمْلَةِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ وَفَوَاتِهِ عَنْ الْوَقْتِ فِي حَقِّهِ مَعَ إدْرَاكِ وَقْتِ الْقَضَاءِ وَانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَجْنُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (فَسُمِّيَ الْأَدَاءُ قَضَاءً) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أَيْ أَدَّيْتُمْ وَأَتْمَمْتُمْ أُمُورَ الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أَيْ أُدِّيَتْ وَفُرِغَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْجُمُعَةُ وَأَنَّهَا لَا تُقْضَى، وَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ الظُّهْرُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ إنَّمَا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ لِمَكَانِ الْخُطْبَةِ إلَّا أَنَّ الْجُمُعَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهَا لِنَوْعِ حَاجَةٍ فَكَانَ اسْمُ الْقَضَاءِ لَهَا حَقِيقَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ.
(لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَفْظٌ مُتَّسِعٌ) بِالْكَسْرِ أَيْ عَامٌّ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى تَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ وَمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وَالْإِتْمَامُ وَالْإِحْكَامُ وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةٌ فِي تَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي تَسْلِيمِ مِثْلِهِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَدَاءِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لِعُمُومِ مَعْنَاهُ كَإِطْلَاقِ الْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالْأَسَدِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّ بِتَسْلِيمِ الْمِثْلِ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا كَانَ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا فَكَانَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَدَاءِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَجَازًا عُرْفِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا.
قَوْلُهُ (وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْأَدَاءُ فِي الْقَضَاءِ مُقَيَّدًا) أَيْ بِقَرِينَةٍ يَعْنِي لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْقَضَاءِ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الشُّجَاعِ إذَا اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْأَسَدِ فِيهِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ يَرْمِي أَوْ غَيْرُهُ فِي قَوْلِك رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي أَوْ فِي الْحَمَّامِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ مِنْ الدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ حَقِيقَةِ الدَّيْنِ مُحَالٌ وَكَمَا يُقَالُ نَوَيْت أَنْ أُؤَدِّيَ ظُهْرَ الْأَمْسِ فَبِقَرِينَةِ الْأَمْسِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ ظُهْرِ الْأَمْسِ بَعْدَ مُضِيِّهِ مُحَالٌ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ لِلْأَدَاءِ خُصُوصًا) دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقْيِيدِ يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْأَدَاءِ مُخْتَصٌّ بِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ
стр. 137
وَشِدَّةُ الرِّعَايَةِ كَمَا قِيلَ فِي الثُّلَاثِيِّ مِنْهُ:
الذِّئْبِ يَأْدُ لِلْغَزَالِ بِأَكْلِهِ
أَيْ يَحْتَالُ وَيَتَكَلَّفُ فَيَخْتِلُهُ وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَأَحْكَامُ الشَّيْءِ نَفْسِهِ لَا يُنْبِئُ عَنْ شِدَّةِ الرِّعَايَةِ
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْقَضَاءِ أَيَجِبُ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ أَمْ بِالسَّبَبِ الَّذِي يُوجِبُ الْأَدَاءَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِنَصٍّ مَقْصُودٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ عُرِفَتْ قُرْبَةٌ بِوَقْتِهَا وَإِذَا فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا يُعْرَفُ لَهَا مِثْلٌ إلَّا بِالنَّصِّ كَيْفَ يَكُونُ لَهَا مِثْلٌ بِالْقِيَاسِ.
وَقَدْ ذَهَبَ وَصْفُ فَضْلِ الْوَقْتِ وَقَالَ عَامَّتُهُمْ يَجِبُ بِذَلِكَ السَّبَبِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ يُنَبِّئُ عَنْ شِدَّةِ الرِّعَايَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي الْخُرُوجِ عَمَّا لَزِمَهُ وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ لَا بِتَسْلِيمِ مِثْلِهِ بَعْدَمَا فَاتَ فَلَا يُمْكِنُ إطْلَاقُهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمِثْلِ إلَّا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ فَلِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِقَرِينَةٍ فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِحْكَامُ الشَّيْءِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي تَسْلِيمِ الْمِثْلِ وَالْعَيْنِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْقَرِينَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْقَضَاءُ فِي الْأَدَاءِ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ الْوَاجِبِ وَيُسْتَعْمَلُ الْأَدَاءُ فِي الْقَضَاءِ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيمِ فَجُعِلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّيْخَ نَظَرَ إلَى مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيِّ فَوَجَدَ مَعْنَى الْقَضَاءِ شَامِلًا لِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَتَسْلِيمِ الْمِثْلِ فَجَعَلَهُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَوَجَدَ مَعْنَى الْأَدَاءِ خَاصًّا فِي تَسْلِيمِ الْعَيْنِ فَجَعَلَهُ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ فَاشْتَرَطَ التَّقْيِيدَ بِالْقَرِينَةِ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ نَظَرَا إلَى الْعُرْفِ أَوْ الشَّرْعِ فَوَجَدَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَاصًّا بِمَعْنًى فَجَعَلَاهُ مَجَازًا فِي غَيْرِ مَا اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا أَنَّ لِلْأَدَاءِ خُصُوصًا مُقَامٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ يُسَمَّى قَضَاءً وَعَلَى الْعَكْسِ إلَّا أَنَّ الْأَدَاءَ مُخْتَصٌّ بِتَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْقَضَاءِ بِتَسْلِيمِ الْمِثْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يُنْبِئُ عَنْ شِدَّةِ الرِّعَايَةِ وَالْقَضَاءُ لَا يُنْبِئُ عَنْ شِدَّةِ الرِّعَايَةِ بَلْ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِحْكَامِ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِتَسْلِيمِ الْمِثْلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شِدَّةُ الرِّعَايَةِ بَلْ فِيهِ نَوْعُ قُصُورٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُقَيَّدًا مُتَّصِلًا بِالْجُمْلَتَيْنِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَيُسَمَّى الْأَدَاءُ قَضَاءً مُقَيَّدًا بِقَرِينَةٍ وَيُسْتَعْمَلُ الْأَدَاءُ فِي الْقَضَاءِ مُقَيَّدًا بِقَرِينَةٍ، وَقَوْلُهُ نَفْسُ الْوَاجِبِ وَعَيْنُهُ تَرَادُفٌ، وَقَوْلُهُ فِي الثُّلَاثِيِّ أَيْ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ مِنْ مُنْشَعِبَةِ الثُّلَاثِيِّ يُقَالُ أَدَّى يُؤَدِّي أَدَاءً وَتَأْدِيَةً كَمَا يُقَالُ سَلَّمَ يُسَلِّمُ سَلَامًا وَبَلَغَ يَبْلُغُ بَلَاغًا.
وَقَوْلُهُ يَأْدُو وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ يُقَالُ الذِّئْبُ يَأْدُو لِلْغَزَالِ أَيْ يَخْتِلُهُ لِيَأْكُلَهُ وَالْخَتْلُ الْخِدَاعُ وَأَدَوْت لَهُ وَأَدَّيْت أَيْ خَتَلْته وَهَذَا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِي مُقَاسَاةِ الْمَرْءِ فِي الشَّيْءِ وَمُعَانَاتِهِ لِرَجَاءِ نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ فِي عَاقِبَتِهِ، ثُمَّ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْأَدَاءِ عَلَى مَعْنَى الْقَضَاءِ كَقَوْلِهِ نَوَيْت أَنْ أُؤَدِّيَ ظُهْرَ الْأَمْسِ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ نَوَيْت أَنْ أَقْضِيَ الظُّهْرَ الْوَقْتِيَّةَ جَائِزٌ، فَأَمَّا صِحَّةُ الْأَدَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ حَقِيقَةً كَنِيَّةِ مَنْ نَوَى أَدَاءَ ظُهْرِ الْيَوْمِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ، وَكَنِيَّةِ الْأَسِيرِ الَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَهُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ فَوَقَعَ صَوْمُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَعَكْسُهُ كَنِيَّةِ مَنْ نَوَى قَضَاءَ الظُّهْرِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، وَكَنِيَّةِ الْأَسِيرِ الَّذِي صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قَدْ مَضَى فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ؛ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَصْدِ الْقَلْبِ وَلَمْ يَذْكُرْ بِاللِّسَانِ شَيْئًا فَلَا يُشْكِلُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى وَلَيْسَ هَهُنَا لَفْظٌ؛ وَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِكُلِّ لَفْظٍ حَقِيقَتَهُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَأَمَّا جَوَازُهُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَتَى بِأَصْلِ النِّيَّةِ وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الظَّنِّ وَالْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ مَعْفُوٌّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ
[الْقَضَاءِ هَلْ يَجِبُ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ أَمْ بِالسَّبَبِ الَّذِي يُوجِبُ الْأَدَاءَ]
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ) أَيْ مَشَايِخُنَا وَاللَّامُ بَدَلُ الْإِضَافَةِ، فِي الْقَضَاءِ أَيَجِبُ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ أَيْ بِنَصٍّ قُصِدَ بِهِ إيجَابُ الْقَضَاءِ
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
ابْتِدَاءً أَمْ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ، وَهُوَ الْأَمْرُ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يُضَافُ إلَيْهِ لَا إلَى السَّبَبِ إذْ لَا يَثْبُتُ بِالسَّبَبِ إلَّا نَفْسُ الْوُجُوبِ؛ وَإِنْ شِئْت أَبْهَمْت السَّبَبَ كَمَا أَبْهَمَهُ الشَّيْخُ فَقُلْت يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوجِبُ نَصًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ بِسَبَبٍ ابْتِدَائِيٍّ غَيْرِ سَبَبِ الْأَدَاءِ عُرِفَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَضَاءُ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحْتَاجُ إلَى أَمْرٍ مُبْتَدَأٍ بَلْ يَجِبُ الْمِثْلُ إذَا فَاتَ الْمَضْمُونُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ فِيهِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي الْأَمْرِ الْمُؤَقَّتِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ حَتَّى وَجَبَ الْقَضَاءُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ أَوْ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَيْضًا.
وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْوَقْتَ مَتَى فَاتَ لَا يَبْقَى الْمَأْمُورُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، بَعْضُ النَّاسِ يُبْقِي دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمُصَنِّفِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَصَاحِبِ الْمِيزَانِ لَا يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ بَلْ بِأَمْرٍ آخَرَ وَبِدَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخِلَافُ فِي الْقَضَاءِ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ، فَأَمَّا الْقَضَاءُ بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ إلَّا بِنَصٍّ جَدِيدٍ بِالِاتِّفَاقِ، احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ بِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْأَمْرِ أَدَاءُ الْعِبَادَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَتِهَا؛ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّصِّ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ كَانَ كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ عِبَادَةً مُقَيَّدًا بِهِ أَيْضًا ضَرُورَةَ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْأَمْرِ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ مُفَسَّرَةٌ بِأَنَّهَا فِعْلٌ يَأْتِي بِهِ الْمَرْءُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ فِي وَقْتٍ آخَرَ عِبَادَةً بِهَذَا الْأَمْرِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ كَذَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْأَمْرُ مَا عَدَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِحُكْمِ الصِّيغَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالْمَكَانِ بِأَنْ قِيلَ اضْرِبْ مَنْ كَانَ فِي الدَّارِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَبْلَهُ سَوَاءً فَيَحْتَاجُ إلَى أَمْرٍ آخَرَ ضَرُورَةً وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَصْلَحَةً فِي وَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَوَاتُ مَخْصُوصَةً بِأَوْقَاتٍ وَالصَّوْمُ كَذَلِكَ.
وَلَا يُقَالُ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا سُمِّيَ قَضَاءً وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَأْمُورُ لَمَّا فَاتَ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، لِأَنَّا نَقُولُ مِنْ شَرْطِ إيجَابِ الضَّمَانِ الْمُمَاثَلَةُ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتهَا فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهَا بِالرَّأْيِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَالْأَدَاءُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْفِعْلِ وَإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ وَقَدْ فَاتَتْ فَضِيلَةُ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ قَالَ ﵇ «، مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» فَكَيْفَ يَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَ الْوَقْتِ مَثَلًا لِلْفِعْلِ
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْوَقْتِ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُهُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ تَوَقَّفَ عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ ضَرُورَةً، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: ﵀ إنَّ إقَامَةَ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ إنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُمْكِنُنَا إقَامَةُ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ آخَرَ مَقَامَ هَذَا الْفِعْلِ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ الْفَوَاتِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّ أَدَاءَ الرَّكْعَتَيْنِ لَمَّا عُرِفَ قُرْبَةً بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقِيمَ مِثْلَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مَقَامَهُمَا فِي وَقْتٍ آخَرَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ الْفَوَاتِ وَكَمَا فِي تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهَا لَمَّا عُرِفَتْ قُرْبَةً فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقِيمَ مِثْلَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ مَقَامَهَا عِنْدَ الْفَوَاتِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
وَقَالَ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَوَجَبَ إلْحَاقُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِهِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ صَارَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ فِي الْوَقْتِ وَمَعْلُومٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ بِالْإِسْقَاطِ أَوْ بِالْعَجْزِ وَلَمْ يُوجَدْ الْكُلُّ فَبَقِيَ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ أَمَّا عَدَمُ وُجُودِ الْأَدَاءِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا عَدَمُ الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا بِيَقِينٍ وَلَا دَلَالَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ إلَّا خُرُوجُ الْوَقْتِ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ مُسْقِطًا لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ تَقَرَّرَ تَرْكُ الِامْتِثَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْقِطًا بَلْ هُوَ تَقَرَّرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعُهْدَةِ؛ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الْخُرُوجُ مُسْقِطًا بِاعْتِبَارِ الْعَجْزِ وَلَمْ يُوجَدْ الْعَجْزُ إلَّا فِي حَقِّ إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَصْلِ الْعِبَادَةِ لِكَوْنِهِ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ مِنْهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَيَتَقَدَّرُ السُّقُوطُ بِقَدْرِ الْعَجْزِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِدْرَاكُ شَرَفِ الْوَقْتِ إلَى الْإِثْمِ إنْ تَعَمَّدَ التَّفْوِيتَ وَإِلَى عَدَمِ الثَّوَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ لِلْعَجْزِ وَيَبْقَى أَصْلُ الْعِبَادَةِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ بِصَرْفِ الْمِثْلِ إلَيْهِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى أَصْلِ الْوَاجِبِ تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُقَيَّدٌ بِالْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّمَ الْأَدَاءُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِعْلًا مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ لَا يَبْقَى بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ كَالْوَاجِبِ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ لَا تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ لِفَوَاتِ وَصْفِهِ.
وَهُوَ الْيُسْرُ (قُلْنَا) هَذَا إذَا كَانَ الْوَصْفُ مَقْصُودًا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نَفْسَ الْوَقْتِ هَهُنَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي كَوْنِ الْفِعْلِ عَمَلًا بِخِلَافِ هَوَى النَّفْسِ أَوْ فِي كَوْنِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءً عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ كَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، وَكَانَ هَذَا كَمَنْ أُمِرَ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ دِرْهَمًا مِنْ مَالِهِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فَشُلَّتْ يَدُهُ الْيُمْنَى يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْيُسْرَى؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ يَحْصُلُ، فَكَذَا هُنَا وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بَلْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَالْأَدَاءُ قَبْلَ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ وَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِسُقُوطِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ، وَهُوَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمِثْلِ صُورَةً يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ لِلْعَجْزِ وَلَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ كَذَا هُنَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ: ﵀ الْقَضَاءُ مِثْلُ الْأَدَاءِ
стр. 140
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالنَّصِّ فَقَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْقَضَاءِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» فَقُلْنَا نَحْنُ: وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي هَذَا بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَعْقُولٌ فَإِنَّ الْأَدَاءَ كَانَ فَرْضًا، فَإِذَا فَاتَ فَاتَ مَضْمُونًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ مِثْلِهِ مِنْ عِنْدِهِ لِكَوْنِ النَّفْلِ مَشْرُوعًا لَهُ مِنْ جِنْسِهِ أَمَرَ بِصَرْفِ مَالِهِ إلَى مَا عَلَيْهِ وَسَقَطَ فَضْلُ الْوَقْتِ إلَى غَيْرِ مِثْلٍ وَإِلَى غَيْرِ ضَمَانٍ إلَّا بِالْإِثْمِ إنْ كَانَ عَامِدًا لِلْعَجْزِ، فَإِذَا عَقَلَ هَذَا وَجَبَ الْقِيَاسُ بِهِ فِي قَضَاءِ الْمَنْذُورَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَضِيلَةِ مِثْلُهُ وَالْمِثْلِيَّةُ فِي حَقِّ إزَالَةِ الْمَأْثَمِ لَا فِي إحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، وَكَذَا جَمِيعُ عِبَادَاتِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَالْمُومِئِ وَغَيْرِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْعِبَادَاتِ الْكَامِلَةِ فِي حَقِّ إزَالَةِ الْمَأْثَمِ لَا فِي حَقِّ إحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّصَّ مَعْقُولُ الْمَعْنَى تَعَدَّى الْحُكْمُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِهِ إلَى الْفُرُوعِ وَهِيَ الْوَاجِبَاتُ بِالنَّذْرِ الْمُؤَقَّتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهَا.
وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ مِثْلَ الْعِبَادَةِ لَا يَصِيرُ عِبَادَةً إلَّا بِالنَّصِّ لِأَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي قَدْ شُرِعَ عِبَادَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ حَقًّا لِلْعَبْدِ هَلْ يَجِبُ إقَامَتُهُ مَقَامَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ فِي الْوَقْتِ عِنْدَ فَوَاتِهِ فَنَقُولُ بِأَنَّهُ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَقَامَهُ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ فَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنْ الْجُمُعَةِ وَتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُمَا لِلْعَجْزِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْخُطْبَةِ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْعَبْدِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَبِمُضِيِّ الْوَقْتِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ فِيهِ وَيَلْزَمُهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهَا مَشْرُوعٌ لِلْعَبْدِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ، وَكَذَا الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْعَبْدِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّكْبِيرِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ بِدْعَةً فَبِمُضِيِّ الْوَقْتِ يَتَحَقَّقُ الْفَوَاتُ فِيهِ فَيَسْقُطُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀، وَلَا يُقَالُ لَمَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِالنَّصِّ إذْ لَوْلَاهُ لَمَا عُرِفَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُكُمْ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْأَدَاءَ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عَرَفْنَا بِالنَّصِّ الْمُوجِبِ لِلْقَضَاءِ أَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَكُنْ سَقَطَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَأَنَّ هَذَا النَّصَّ طَلَبٌ لِتَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بِالْمِثْلِ وَلِهَذَا سُمِّيَ قَضَاءً وَلَوْ وَجَبَ بِهِ ابْتِدَاءً لَمَا صَحَّ تَسْمِيَتُهُ قَضَاءً حَقِيقَةً، وَهَذَا كَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا وَهَلَكَ عِنْدَهُ يَجِبُ الضَّمَانُ لِوُرُودِ النُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْغَصْبِ السَّابِقِ الْمُوجِبِ لِلْأَدَاءِ، وَهُوَ رَدُّ الْعَيْنِ وَالنُّصُوصُ لِطَلَبِ التَّفْرِيغِ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، فَكَذَا هُنَا.
، قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ: الْفَرِيقُ الْآخَرُ قَالُوا الْفَائِتُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الْأَدَاءِ وَمَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ فَاتَ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْمَغْصُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَاؤُهُ وَاجِبًا وَكَانَتْ أَمَانَةً عِنْدَهُ يُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّهُ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَوَاتِ، وَلَهُ مِثْلٌ مَشْرُوعٌ عِنْدَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَهُوَ النَّفَلُ، فَإِنَّهُ شُرِعَ عِبَادَةً بِحُكْمِ الْأَمْرِ وَأَدَاءُ الْمِثْلِ مِنْ عِنْدِهِ عَنْ الْفَائِتِ الْمَضْمُونِ أَمْرٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَمْرٍ مُبْتَدَأٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ (وَبَيَانُ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فِي هَذَا أَيْ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ، وَهُوَ مَعْقُولٌ أَيْ وُجُوبُ الْقَضَاءِ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَسَقَطَ فَضْلُ الْوَقْتِ إلَى كَذَا ضَمِنَ فِيهِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ أَيْ سَقَطَ مُنْتَهِيًا إلَى غَيْرِ مِثْلٍ بِأَنْ لَمْ يَجِبْ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِلَى غَيْرِ ضَمَانٍ بِأَنْ لَمْ يَجِبْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ أَيْضًا، فَإِذَا عَقَلَ هَذَا أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَجَبَ الْقِيَاسُ بِهِ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ ثَمَرَةَ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَنْذُورَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْقِيَاسِ، وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ مَقْصُودٍ فِيهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِهِ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَمَضَى الْيَوْمُ وَالشَّهْرُ وَلَمْ يَفِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ
стр. 141
وَهَذَا أَقْيَسُ وَأَشْبَهُ بِمَسَائِلِ أَصْحَابِنَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ بِسَبَبٍ آخَرَ مَقْصُودٍ غَيْرِ النَّذْرِ، وَهُوَ التَّفْوِيتُ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِالنَّذْرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْوِيتَ إنَّمَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ مَقْصُودٍ فَكَأَنَّهُ إذَا فَوَّتَ فَقَدْ الْتَزَمَ الْمَنْذُورَ ثَانِيًا فَعَلَى هَذَا إذَا فَاتَ لَا بِالتَّفْوِيتِ بِأَنْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ فِي الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ صَوْمُهُ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْمَنْذُورِ فِيهِ الصَّلَاةُ يَجِبُ أَنْ لَا يُقْضَى عِنْدَهُمْ لِعَدَمِ النَّصِّ الْمَقْصُودِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً فَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ.
، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ تَفْوِيتُ الْوَاجِبِ عَنْ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ أَوْ غَيْرُ مَعْذُورٍ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْفَوَاتَ بِمَنْزِلَةِ التَّفْوِيتِ عِنْدَهُمْ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي التَّخْرِيجِ قَوْلُهُ (وَهَذَا أَقْيَسُ) أَيْ قَوْلُ الْعَامَّةِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ، وَأَشْبَهُ بِمَسَائِلِ أَصْحَابِنَا أَيْ أَوْفَقُ لَهَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ قَوْمًا فَاتَتْهُمْ صَلَاةٌ مِنْ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ فَقَضَوْهَا بِالنَّهَارِ بِالْجَمَاعَةِ جَهَرَ إمَامُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ فَاتَتْهُمْ صَلَاةٌ مِنْ صَلَوَاتِ النَّهَارِ فَقَضَوْهَا بِاللَّيْلِ لَمْ يَجْهَرْ إمَامُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَوْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ صَلَّى أَرْبَعًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَفِي اعْتِبَارِ حَالَةِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ دُونَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْمَرَضِ الَّذِي يَعْجِزُ فِيهِ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَقْضِيهَا فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْقَضَاءِ لَا حَالَةُ الْأَدَاءِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ الْأَدَاءَ لَمْ يَجِبْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مَعَ أَنَّ الْأَدَاءَ وَجَبَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ انْعَقَدَ فِي الْفَصْلَيْنِ مُوجِبًا لِلْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِاعْتِبَارٍ يُوهِمُ الْقُدْرَةَ مُجَوِّزًا لِلِانْتِقَالِ إلَى الْخُلْفِ وَهُوَ الْقُعُودُ أَوْ الْإِيمَاءُ عِنْدَ الْعَجْزِ إنْ اخْتَارَ الْفِعْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
، فَكَذَلِكَ عَمَلُهُ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ فَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ فَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ كَامِلَةٌ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَانَ لَهُ فِيهَا وِلَايَةُ الِانْتِقَالِ إلَى الْخُلْفِ عِنْدَ الْفِعْلِ لِلْعَجْزِ، فَإِذَا قَضَاهَا فَهِيَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا؛ فَإِنْ وُجِدَ شَرْطُ النَّقْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْأَدَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَهَا فِي الْوَقْتِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عَجْزٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا قَاعِدًا وَبِإِيمَاءٍ وَلَوْ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا ثُمَّ زَالَ الْعَجْزُ كَانَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا قَائِمًا فَإِذَا ثَبَتَ الِانْتِقَالُ فِي الْأَدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَهَذَا كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ السَّبَبَ انْعَقَدَ مُوجِبًا لِلطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي الْحَالَيْنِ لِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الْمَاءِ مُجَوِّزًا لِلِانْتِقَالِ إلَى الْخُلْفِ، وَهُوَ التُّرَابُ عِنْدَ الْعَجْزِ؛ فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ حَالَةَ الْعَجْزِ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الِانْتِقَالِ إلَى الْخُلْفِ وَإِلَّا فَلَا، فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَإِنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ قَدْ تَقَرَّرَ مُوجِبًا لِلرَّكْعَتَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمِثْلِ وَإِلَّا سَقَطَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْهَرَ الْإِمَامُ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ اللَّيْلِ إذَا قَضَوْهَا بِالنَّهَارِ
стр. 142
وَلِهَذَا قُلْنَا فِي صَلَاةٍ فَاتَتْ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِلَا تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْبِيرَ عِنْدَهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ثُمَّ لَمْ يَسْقُطْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْعُذْرِ وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ النَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إذَا صَامَهُ وَلَمْ يَعْتَكِفْ أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِكَافَهُ وَلَا يُجْزِئُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا وَجَبَ بِالتَّفْوِيتِ ابْتِدَاءً لَا بِالنَّذْرِ وَالتَّفْوِيتُ سَبَبٌ مُطْلَقٌ عَنْ الْوَقْتِ فَصَارَ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ لَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي هَذَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا قُلْنَا لَا بِنَصٍّ مَقْصُودٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي نَافِلَةِ النَّهَارِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَافِلَةٌ مَشْرُوعَةٌ عَلَى هَيْئَةِ الْمَغْرِبِ (قُلْنَا) إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ كَوْنُ النَّفْلِ مَشْرُوعًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمْيَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الظُّهْرِ مَعَ أَنَّ النَّفَلَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عَلَى صِفَةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ وَرَكْعَتَانِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ.
، وَكَذَا لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي قَضَاءِ الظُّهْرِ وَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا قُلْنَا كَذَا أَوْرَدَ شَيْخِي فِي فَوَائِدِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ نَاقِلًا عَنْ أُسْتَاذِهِ مَوْلَانَا بَدْرِ الدِّينِ الْكُرْدِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأُجِيبَ أَيْضًا فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَالصِّفَةِ عَرَفْنَا أَنَّ لَهُ نَفْلًا يَصْلُحُ لِلصَّرْفِ إلَى مَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي ضِمْنِ فِعْلِ الْقَضَاءِ لَا مُطْلَقًا كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ضَرُورَةَ التَّخْيِيرِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ لَا أَنْ يُعَيِّنَهُ بِالْقَوْلِ ابْتِدَاءً، وَكَمَا أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَمْتَلِكَ جَارِيَةَ الِابْنِ وَلَكِنْ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ لَا أَنْ يَمْتَلِكَهَا ابْتِدَاءً وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ يَجِبُ وَلَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِ مَا عَجَزَ عَنْهُ قُلْنَا إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِلَا تَكْبِيرٍ أَيْ فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، إنْ تَرَكَهَا قَبْلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ قَضَاهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَا يُكَبِّرُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَيَلْزَمُهُ كَالْمَرِيضِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ بِإِيمَاءٍ فَقَضَاهَا فِي الصِّحَّةِ يَقْضِيهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَأَنَّا نَقُولُ: الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مُقَدَّرًا فَلَوْ كَبَّرَ لِلْفَائِتَةِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ.
؛ وَإِنْ تَرَكَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَبِّرُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُكَبِّرُ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْفَوَاتِ، وَأَنَّا نَقُولُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةٌ إلَّا فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ فَيَبْطُلُ بِفَوْتِهِ كَرَمْيِ الْجِمَارِ يَسْقُطُ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَكَالْجُمُعَةِ وَكَالْأُضْحِيَّةِ وَصَارَ كَالصَّحِيحِ إذَا نَسِيَ صَلَاةً فَقَضَاهَا فِي الْمَرَضِ يَقْضِيهَا بِإِيمَاءٍ؛ وَإِنْ قَضَاهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ لَا يُكَبِّرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَشْرُوعِ بِدْعَةٌ، فَأَمَّا إذَا قَضَاهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِجَمَاعَةٍ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ التَّكْبِيرِ قَائِمٌ وَلَوْ كَبَّرَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَيُكَبِّرُ؛ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْفَوَاتِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ جَهْرًا مَشْرُوعٌ فِيهَا، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ النَّوَافِلِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُؤَدَّ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْجَمَاعَةُ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّرْفِ إلَى مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلٌ لِمَا فَاتَ بِجَمَاعَةٍ وَعِنْدَهُمَا لَمْ يُكَبِّرْ فِي النَّوَافِلِ احْتِيَاطًا فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَا عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَمَاعَةُ عِنْدَهُمَا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ (فَإِنْ قِيلَ) إنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ صِفَةِ الْجَهْرِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْبِيرِ مَشْرُوعٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ الْأَصْلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَصْفِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ خُفْيَةً (قُلْنَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصْفَ إذَا كَانَ مَقْصُودًا يَسْقُطُ الْأَصْلُ بِفَوَاتِهِ وَهَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ الشَّعَائِرِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِصِفَةِ الْجَهْرِ فَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْأَصْلِ بِدُونِ الْوَصْفِ.
قَوْلُهُ (وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ) ، وَهُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَا وَجَبَ بِهِ الْأَدَاءُ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا وَبِنَصٍّ مَقْصُودٍ عِنْدَ آخَرِينَ مَسْأَلَةُ النَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ أَوْ أَنْ أَعْتَكِفَ هَذَا الشَّهْرَ سَوَاءٌ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ الْعِلْمِيِّ أَوْ بِالْإِشَارَةِ فَصَامَهُ وَلَمْ يَعْتَكِفْ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ الِاعْتِكَافَ مُتَتَابِعًا بِصَوْمٍ مُبْتَدَأٍ وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ ﵏؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ اعْتِكَافًا بِصَوْمٍ لَا أَثَرَ لِلِاعْتِكَافِ فِي وُجُوبِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى قَضَائِهِ فِي شَهْرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِصَوْمٍ لِلِاعْتِكَافِ أَثَرٌ فِي وُجُوبِهِ فَيَزِيدُ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ عَلَى مَذْهَبِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ هُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِالتَّفْوِيتِ ابْتِدَاءً لَا بِالدَّلِيلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَصْلُ وَالتَّفْوِيتُ سَبَبٌ مُطْلَقٌ عَنْ الْوَقْتِ أَيْ لَا يَخُصُّ الْقَضَاءَ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ كَالْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْوِيتَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ ثَانِيًا عَلَى الْإِيجَابِ فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ.
١ -
وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ وَذَلِكَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ هَذَا وَإِذَا وَجَبَ صَارَ مِنْ ضَرُورَتِهِ إيجَابُ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْفَضْلِ أَحَقُّ مِنْ إبْطَالِ الْأَصْلِ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ حَتَّى جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ مِنْ قَابِلٍ فَقَضَى فِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطُ الِاعْتِكَافِ وَالشَّرْطُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ تَبَعًا لَا وُجُودُهُ قَصْدًا كَالطَّهَارَةِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ نَذْرُهُ بِهَذَا الِاعْتِكَافِ فَكَانَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَنْذُورَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ؛ فَإِنْ انْتَقَضَ وَضْؤُهُ يَلْزَمُهُ التَّوَضُّؤُ لِأَدَاءِ الْمَنْذُورِ؛ فَإِنْ تَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَنْذُورَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ، فَكَذَا هَذَا.
، وَلَنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ صَارَ التَّفْوِيتُ بِمَنْزِلَةِ نَذْرٍ مُطْلَقٍ عَنْ الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَوْ صَارَ ذَلِكَ النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا يَتَأَدَّى بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا هَهُنَا لَكِنَّهُ مِمَّا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ أَصْلًا وَلَمَّا أَثَّرَ النَّذْرُ فِي إيجَابِهِ لَا يَتَأَدَّى بِوَاجِبٍ آخَرَ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ؛ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ فِيمَا إذَا صَامَ وَلَمْ يَعْتَكِفْ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْأَوَّلَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَابِ الصَّوْمِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقَضَاءِ بِلَا صَوْمٍ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ صَوْمٍ بِلَا مُوجِبٍ فَيَبْطُلُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ وَجَبَ بِسَبَبٍ آخَرَ أَوْجَبَ الصَّوْمَ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا بِمَا وَجَبَ بِهِ الْأَدَاءُ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لَجَازَ قَضَاؤُهُ فِي الرَّمَضَانِ الثَّانِي كَمَا قَالَ زُفَرُ ﵀: لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِ الصَّوْمِ مَشْرُوعًا فِيهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ وَصِحَّةُ أَدَاءِ الِاعْتِكَافِ بِهِ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَجُزْ فَعَرَفْنَا أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى السَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ وَفِي قَوْلِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِكَافَهُ وَلَا يَجْرِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْآخَرِ إشَارَةً إلَى الْوَجْهَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّفْوِيتَ بِمَنْزِلَةِ نَذْرٍ مُطْلَقٍ عَنْ الْوَقْتِ فَلِهَذَا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُمَا.
، وَقَوْلُهُ لَكِنَّا نَقُولُ اسْتِدْرَاكٌ عَمَّا قَالُوا إنَّهُ يَجِبُ بِالتَّفْوِيتِ وَلِهَذَا ذَكَرَ
стр. 144
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْفَوَاتِ مَرَّةً وَبِالتَّفْوِيتِ أُخْرَى إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا أَثَّرَ فِي إيجَابِهِ وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا النُّقْصَانُ فِي مَسْأَلَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ وَمَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ فَقَدْ فَاتَ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اكْتِسَابِ مِثْلِهِ إلَّا بِالْحَيَاةِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ، وَهُوَ وَقْتٌ مَدِيدٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ فَلَمْ يَثْبُتْ الْقُدْرَةُ فَسَقَطَ
ــ
[كشف الأسرار]
كَلِمَةَ الْحَصْرِ أَيْ لَا يَجِبُ إلَّا بِكَذَا، فِي هَذَا أَيْ فِي النَّذْرِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، لَا بِنَصٍّ مَقْصُودٍ وَهُوَ التَّفْوِيتُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّفْوِيتَ كَنَصٍّ مَقْصُودٍ عِنْدَهُمْ، فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ النَّذْرُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إضَافَةِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ النَّذْرُ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْفَوَاتِ مَرَّةً) اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إضَافَتُهُ إلَى التَّفْوِيتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ فِي الْفَوَاتِ، وَذَلِكَ بِأَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ مَرِضَ حَتَّى فَاتَهُ الْمَنْذُورُ لَا بِاخْتِيَارِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَوَاتُ الْمَنْذُورِ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ نَذْرٍ ابْتِدَائِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ مُخْتَارًا وَلَا اخْتِيَارَ فِي الْفَوَاتِ فَلَا يَكُونُ الْفَوَاتُ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ مَقْصُودٍ، وَلَمَّا وَجَبَ فِي الْفَوَاتِ كَمَا وَجَبَ فِي التَّفْوِيتِ يُضَافُ إلَى مَعْنًى يَشْمَلُهُمَا، وَهُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ، وَصُورَةُ الْفَوَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ بِأَنْ مَرِضَ مَرَضًا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّوْمِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِأَنْ صَارَ مَبْطُونًا أَوْ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُضَافًا إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ فَكَيْفَ وَجَبَ زَائِدًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ السَّبَبُ الْأَوَّلُ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعِلَّةِ فَقَالَ نَعَمْ إلَّا أَنَّ مُطْلَقَ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَقَيُّدِهِ بِوَقْتٍ أَوْ عَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِهِ أَوْ الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ مُطْلَقٌ عَنْ الْوَقْتِ يَقْتَضِي صَوْمًا لِلِاعْتِكَافِ أَيْ لِلنَّذْرِ الَّذِي يُوجِبُهُ أَثَّرَ فِي إيجَابِهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطُهُ وَشَرْطُ الشَّيْءِ تَابِعٌ لَهُ وَمَا لَا يُتَوَسَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَجِبُ كَوُجُوبِهِ تَبَعًا لَهُ،
وَقَيَّدَ بِالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ النَّفْلِ لَا يُشْتَرَطُ الصَّوْمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ النَّفَلُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ حَتَّى يَجُوزَ صَلَاةُ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَرَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ وَالْوَاجِبُ لَا يَجُوزُ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ مَا أَقَامَ تَارِكٌ لَهُ إذَا خَرَجَ فَيَثْبُتُ أَنَّ الظَّاهِرَ مَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، غَيْرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ وُجُوبُ الصَّوْمِ بِوُجُوبِ هَذَا الِاعْتِكَافِ، بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، وَهُوَ شَرَفُ الْوَقْتِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا النُّقْصَانُ أَيْ عَدَمُ اقْتِضَاءِ الِاعْتِكَافِ صَوْمًا لَهُ أَثَّرَ فِي إيجَابِهِ بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ أَيْ بِتَقَيُّدِ الِاعْتِكَافِ وَاتِّصَالِهِ بِوَقْتٍ شَرِيفٍ لَا يَقْبَلُ إيجَابَ الصَّوْمِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ لِشَرَفِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ إنَّمَا لَمْ يُوجِبْ هَذَا الِاعْتِكَافُ صَوْمًا؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَى شَهْرٍ شَرِيفٍ فَكَانَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ ﵇ «، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ.، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ»
فَاكْتَفَى فِيهِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ لِإِدْرَاكِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ، وَمَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ، وَهُوَ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ حَصَلَتْ لِهَذَا الِاعْتِكَافِ بِسَبَبِ شَرَفِ الْوَقْتِ فَقَدْ فَاتَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اكْتِسَابِ مِثْلِهِ إلَّا بِإِدْرَاكِ الْعَامِ الْقَابِلِ وَذَلِكَ مُتَرَدِّدٌ لِاسْتِوَاءِ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقُدْرَةُ، فَسَقَطَ أَيْ اسْتِدْرَاكُ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ وَاكْتِسَابِ مِثْلِهِ لِلْعَجْزِ كَمَا
стр. 145
فَبَقِيَ مَضْمُونًا بِإِطْلَاقِهِ، وَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ الزِّيَادَةِ احْتَمَلَ السُّقُوطَ فَالنُّقْصَانُ وَالرُّخْصَةُ الْوَاقِعَةُ بِالشَّرَفِ؛ لَأَنْ يَحْتَمِلَ السُّقُوطَ وَالْعَوْدَ إلَى الْكَمَالِ أَوْلَى.
وَإِذَا عَادَ لَمْ يَتَأَدَّ فِي الرَّمَضَانِ الثَّانِي وَالْأَدَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ يَكُونُ فِي الْمُوَقَّتَةِ فِي الْوَقْتِ وَفِي غَيْرِ الْمُوَقَّتَةِ أَبَدًا
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَبَقِيَ أَيْ الِاعْتِكَافُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، بِإِطْلَاقِ الِاعْتِكَافِ أَيْ بِإِطْلَاقِ مَا يُوجِبُ الِاعْتِكَافَ، وَهُوَ النَّذْرُ السَّابِقُ عَنْ الْوَقْتِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمَّا صَارَ النَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا بِزَوَالِ الْعَارِضِ وَجَبَ بِهِ الصَّوْمُ الْمَقْصُودُ وَلَمْ يَتَأَدَّ فِي الرَّمَضَانِ الثَّانِي كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ النَّذْرُ مُطْلَقًا ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ صَرْفَ الْوَاجِبِ إلَى الْوَاجِبِ الْآخَرِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ جَعَلُوا التَّفْوِيتَ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْعَامَّةُ جَعَلُوا النَّذْرَ السَّابِقَ بَعْدَ زَوَالِ الْعَارِضِ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يُقَالُ لَمَّا صَارَ النَّذْرُ السَّابِقُ كَالْمُطْلَقِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَارِضِ حَتَّى وَجَبَ بِهِ الصَّوْمُ الْمَقْصُودُ لَزِمَ أَنْ لَا يَتَأَدَّى بِصَوْمِ الْقَضَاءِ فِيمَا إذَا لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَعْتَكِفْ ثُمَّ اعْتَكَفَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ مُتَتَابِعًا كَمَا لَوْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا ابْتِدَاءً، لِأَنَّا نَقُولُ امْتِنَاعُ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي هَذَا الِاعْتِكَافِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ شَرَفِ الْوَقْتِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ اتِّصَالِهِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ فَإِنْ زَالَ شَرَفُ الْوَقْتِ لَمْ يَزَلْ الِاتِّصَالُ لِبَقَاءِ الْخُلْفِ فَيَجُوزُ لِبَقَاءِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ الْوَجْهَيْنِ) قِيلَ الْوَجْهَانِ إيجَابُ الْقَضَاءِ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِيجَابُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ مَقْصُودٍ وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُضِيفَ إلَى سَبَبٍ آخَرَ يَجِبُ أَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَوَاتِ وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عِنْدَ الْفَوَاتِ وَالتَّفْوِيتِ جَمِيعًا فَكَانَ أَوْلَى.
، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْوَجْهَانِ إيجَابُ الْقَضَاءِ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ وَإِسْقَاطُهُ بِزَوَالِ الْوَقْتِ لِتَعَذُّرِ الِاعْتِكَافِ بِلَا صَوْمٍ وَتَعَذُّرِ إيجَابِ الصَّوْمِ بِلَا مُوجِبٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ أَحْوَطُهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ النُّقْصَانِ وَإِعَادَةَ الْوَاجِبِ إلَى صِفَةِ الْكَمَالِ بِإِيجَابِ تَبَعِهِ لِوُجُوبِهِ وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ إسْقَاطُ أَصْلِ الْوَاجِبِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ التَّبَعِ وَقَدْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ رِعَايَةِ الْأَصْلِ الَّذِي مَهَّدْنَاهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا، وَبَيَانُ الْإِمْكَانِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَثْبُتُ بِسَبَبِ شَرَفِ الْوَقْتِ لِلْعِبَادَةِ احْتَمَلَتْ السُّقُوطَ بِزَوَالِ الْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَالنُّقْصَانُ، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ بِهِ، وَالرُّخْصَةُ الْوَاقِعَةُ بِالشَّرَفِ، وَهِيَ الِاكْتِفَاءُ بِصَوْمِ الْوَقْتِ لَأَنْ يَحْتَمِلَ السُّقُوطَ وَالْعَوْدُ إلَى الْكَمَالِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَوْدٌ مِنْ الْكَمَالِ إلَى النُّقْصَانِ، وَهَذَا عَوْدٌ مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ وَمِنْ الرُّخْصَةِ إلَى الْعَزِيمَةِ وَلَمَّا عَادَ إلَى الْكَمَالِ لَمْ يُتَّأَدَ فِي الرَّمَضَانِ الثَّانِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالنُّقْصَانُ بِالْوَاوِ وَالنَّصْبُ عَطْفًا عَلَى السُّقُوطِ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ السُّقُوطَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانُ يَرْجِعُ إلَى مَحَلِّ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فَيَخْتَلِفُ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي احْتَمَلَ فَيَخْتَلُّ الْكَلَامُ؛ وَلِأَنَّ السُّقُوطَ فِي قَوْلِهِ لَأَنْ يَحْتَمِلَ السُّقُوطَ رَاجِعٌ إلَى النُّقْصَانِ وَالْعَوْدُ إلَى الْكَمَالِ رَاجِعٌ إلَى الرُّخْصَةِ وَفِي عَطْفِ النُّقْصَانِ عَلَى السُّقُوطِ إبْطَالُ هَذِهِ اللَّطِيفَةِ فَكَانَتْ النُّسْخَةُ الْأُولَى أَوْلَى قَوْلُهُ (وَفِي غَيْرِ الْمُؤَقَّتَةِ) كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ، أَبَدًا أَيْ فِي الْعُمْرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمْرِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْتِ فِيمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ.
، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الْفَوْرَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِالْفَوْرِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ أَوْقَاتِ الْإِمْكَان؛ وَإِنْ تَعَيَّنَ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنَّ بِفَوْتِهِ لَا يَصِيرُ قَضَاءً؛ لِأَنَّ مَعْنَى
следующие страницы →