← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] سِيقَ لِإِثْبَاتِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إذَا رُفِعَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الثَّابِتُ بِعَيْنِهِ ــ [كشف الأسرار] عِنْدَ الْحَاجَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْ كَانَتْ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَبِعِوَضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّ لَهُ تَأْوِيلًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ وَلَدِهِ كَمَا لَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ عَبْدِهِ وَقَدْ عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ فَالنَّصُّ الْمَذْكُورُ بِإِشَارَتِهِ أَيَّدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَآزَرَهُ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَدِيثِ الْكِتَابَ مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ ﵇، «وَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ» . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] الْمُرَادُ بَيَانُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ لَا الْفِطَامِ وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْ الرَّضَاعِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَلِيه الْفِصَالُ وَيُلَابِسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ وَالْغَرَضُ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الرَّضَاعِ التَّامِّ الْمُنْتَهِي بِالْفِصَالِ وَوَقْتِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْحَمْلِ إنْ كَانَ هُوَ الْحَمْلُ بِالْأَيْدِي إذْ الطِّفْلُ يُحْمَلُ بِالْيَدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا فَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِلْحَمْلِ وَالْفِصَالِ جَمِيعًا وَلَا تَعَرُّضَ لِلْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ حِينَئِذٍ فِي الْآيَةِ، فَلَا يَكُونُ الْإِشَارَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَابِتَةً فِيهَا، وَيَكُونُ الْآيَةُ حُجَّةً لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ، عَلَى بَيَانِ مُدَّةِ وُجُوبِ أَجْرِ الرَّضَاعِ عَلَى الْأَبِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَمْلُ فِي الْبَطْنِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَالْإِشَارَةُ ثَابِتَةٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِهَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَلْ يُتَمَسَّكُ لَهُ بِالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّبَنَ كَمَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ يُغَذِّيه بَعْدَهُمَا وَالْفِطَامُ لَا يَحْصُلُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ يُفْطَمُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى يَيْبَسَ اللَّبَنُ وَيَتَعَوَّدَ الصَّبِيُّ الطَّعَامَ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى حَوْلَيْنِ لِمُدَّةِ الْفِطَامِ، فَإِذَا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ قَدَّرْنَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا لِلِانْتِهَاءِ بِالِابْتِدَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ هَذَا النَّصُّ مَسُوقٌ لِبَيَانِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي جَانِبِ الْأُمِّ بِقَوْلِهِ، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أَيْ ذَاتَ كُرْهٍ عَلَى الْحَالِ أَوْ حَمْلًا ذَا كُرْهٍ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ وَالْكُرْهُ الْمَشَقَّةُ. ثُمَّ زَادَ فِي الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، أَيْ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ لَمْ تَكُنْ مُقْتَصِرَةً عَلَى زَمَانٍ قَلِيلٍ بَلْ هِيَ مَعَ مَشَقَّاتِ الرَّضَاعِ مُمْتَدَّةٌ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى عُثْمَانَ ﵄ فَهَمَّ بِرَجْمِهَا فَقَالَ عَلِيٌّ: أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ أَمَا إنَّهَا لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ لَخَصِمَتكُمْ أَيْ غَلَبَتْكُمْ فِي الْخُصُومَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فَبَقِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِحَمْلِهَا فَأَخَذَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: ﵀ وَهَذِهِ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ وَقَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِدِقَّةِ فَهْمِهِ وَقَدْ اخْتَفَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الصَّحَابَةِ فَلَمَّا أَظْهَرَهُ قَبِلُوا مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ لَا بُدَّ فِي الْإِشَارَةِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْت بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ الضَّرُورَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَوْلُهُ ثَلَاثُونَ يَشْمَلُ أَفْرَادَهُ مُطَابَقَةً فَيَكُونُ السِّتَّةُ بَعْضَ مَدْلُولِهِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ بَيَانِ الضَّرُورَةِ وَالْإِشَارَةِ فَلْيَكُنْ بَيَانَ ضَرُورَةٍ أَيْضًا

стр. 72

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] هَذَا قَوْلٌ مَعْلُومٌ بِظَاهِرِهِ مَعْلُومٌ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْأَذَى ــ [كشف الأسرار] (فَإِنْ قِيلَ) الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِ بَيَانِ الْمِنَّةِ ذِكْرُ الْأَكْثَرِ الْمُعْتَادِ لَا ذِكْرُ الْأَقَلِّ النَّادِرِ كَمَا فِي جَانِبِ الْفِصَالِ (قُلْنَا) قَدْ قِيلَ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ بِمَشَقَّةٍ ثُمَّ وَضَعَتْهُ عَلَى تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَضَعَتْهُ أُمُّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُدَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ ذِكْرُ مَا وَرَائِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْكَذِبِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَعِيشُ إذَا وُلِدَ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَوْجُودَةً لَا مَحَالَةَ فِي حَقِّ كُلِّ مُخَاطَبٍ فَيَكُونُ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُلْزِمًا لِلْمِنَّةِ لَا مَحَالَةَ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُنَاسَبَةِ بِخِلَافِ الْفِصَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِجَانِبِ الْقِلَّةِ فِيهِ بَلْ لَا تَيَقُّنَ فِي نَفْسِ الرَّضَاعِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ ارْتِضَاعٍ مِنْ الْأُمِّ فَلَا جَرَمَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ إذْ الرَّضَاعُ اخْتِيَارِيٌّ وَالشَّفَقَةُ حَامِلَةٌ عَلَى تَكْمِيلِ الْمُدَّةِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ قَدْ حَمَلَتْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا مَحَالَةَ إنْ لَمْ تَحْمِلْهُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَأَرْضَعَتْهُ سَنَتَيْنِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْسَانُ إلَيْهَا، دَلَالَةُ النَّصِّ هِيَ فَهْمُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَمَقْصُودِهِ، وَقِيلَ هِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَنْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَيُسَمِّيهَا عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ فَحْوَى الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ مَعْنَاهُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْأَسَاسِ عَرَفْت فِي فَحْوَى كَلَامِهِ أَيْ فِيمَا تَنَسَّمْت مِنْ مُرَادِهِ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِحَاءِ، وَهُوَ أَبْزَارُ الْقِدْرِ، وَيُسَمِّيهَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقٌ لِمَدْلُولِهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ [الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ] قَوْلُهُ (بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً) أَيْ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ لَا بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، وَلُغَةً تَمْيِيزٌ، لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا تَرَادُفٌ وَهَذَا نَفْيُ كَوْنِهِ قِيَاسًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ إذَا عُرِفَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ كَمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ وَالنَّهْرِ كَفُّ الْأَذَى عَنْ الْوَالِدَيْنِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِبَيَانِ احْتِرَامِهِمَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَكَمَا عُرِفَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَحْرِيمِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ، تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْإِحْرَاقِ وَالْإِهْلَاكِ أَيْضًا وَلَوْلَا هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَمَا لَزِمَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ إذْ قَدْ يَقُولُ السُّلْطَانُ لِلْجَلَّادِ إذَا أَمَرَهُ بِقَتْلِ مَلِكٍ مُنَازِعٍ لَهُ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَلَكِنْ اُقْتُلْهُ لِكَوْنِ الْقَتْلِ أَشَدَّ فِي دَفْعِ مَحْذُورِ الْمُنَازَعَةِ مِنْ التَّأْفِيفِ وَيَقُولُ الرَّجُلُ وَاَللَّهِ مَا قُلْت لِفُلَانٍ أُفٌّ وَقَدْ ضَرَبَهُ، وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ وَقَدْ أَحْرَقَهُ فَلَا يَحْنَثُ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا قَطْعًا كَمَا فِي تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فَالدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةٌ؛ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى وَلَا بُدَّ فِي مَعْرِفَتِهِ مِنْ نَوْعِ نَظَرٍ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الدَّلَالَةَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَقَالُوا لَمَّا تَوَقَّفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ وُجِدَ أَصْلٌ كَالتَّأْفِيفِ مَثَلًا وَفَرْعٌ كَالضَّرْبِ وَعِلَّةٌ جَامِعَةٌ مُؤَثِّرَةٌ كَدَفْعِ الْأَذَى يَكُونُ قِيَاسًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا سَمَّيْنَاهُ جَلِيًّا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا

стр. 73

وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً حَتَّى شَارَكَ فِيهِ غَيْرُ الْفُقَهَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ ثُمَّ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ مَعْنًى لَا عِبَارَةً لَمْ نُسَمِّهِ نَصًّا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ بِهِ لُغَةً لَا اسْتِنْبَاطًا يُسَمَّى دَلَالَةً وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ، ــ [كشف الأسرار] عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْفَرْعِ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذَا النَّوْعِ مَا تَخَيَّلُوهُ أَصْلًا جُزْءًا مِمَّا تَخَيَّلُوهُ فَرْعًا كَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا ذَرَّةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ إعْطَاءِ مَا فَوْقَ الذَّرَّةِ مَعَ أَنَّ الذَّرَّةَ الْمَنْصُوصَةَ دَاخِلَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مِنْ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ وَنُفَاتِهِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ لِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الظَّنِّ قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً) أَيْ الْأَذَى يُفْهَمُ مِنْ التَّأْفِيفِ لُغَةً لَا رَأْيًا كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ يَعْنِي إذَا قِيلَ اضْرِبْ فُلَانًا أَوْ لَا تَضْرِبْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً أَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الْأَلَمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ مَنْعُهُ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَضَرَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبُهُ فَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبَرَّ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْأَذَى مِنْ التَّأْفِيفِ، ثُمَّ تَعَدَّى حُكْمُهُ أَيْ حُكْمُ التَّأْفِيفِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لِلتَّيَقُّنِ بِتَعَلُّقِ الْحُرْمَةِ بِهِ لَا بِالصُّورَةِ حَتَّى إنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَوْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ هَذَا فِي لُغَتِهِمْ إكْرَامٌ لَمْ يُثْبِتْ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّهِ، وَلَمَّا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ صَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنْ قِيلَ لَا تُؤْذِهِمَا فَثَبَتَ الْحُرْمَةُ عَامَّةً. وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمَ التَّأْفِيفَ لِلْوَالِدَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنَاهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِجِهَةِ الْإِكْرَامِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ لَا لِلْمَعْنَى كَمَا فِي أَدَاءِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قِيمَتُهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ ظَنِّيًّا وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَعُرِفَ قَطْعًا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا غَيْرُ كَطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ لِمَا تَعَلَّقَتْ بِالطَّوْفِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» الْحَدِيثُ كَانَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ نَجِسًا مَعَ قِيَامِ النَّصِّ لِعَدَمِ الطَّوْفِ، وَحَاصِلٌ فَرْقِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَفْهُومَ بِالْقِيَاسِ نَظَرِيٌّ وَلِهَذَا شُرِطَ فِي الْقَائِسِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّا نَجِدُ أَنْفُسَنَا سَاكِنَةً إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَلِهَذَا شَارَكَ أَهْلُ الرَّأْيِ غَيْرَهُمْ فِيهِ فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ. قَوْلُهُ (وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ دَلَالَةُ النَّصِّ يَثْبُتُ بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَا يَثْبُتُ بِالنُّصُوصِ حَتَّى الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَا يُثْبِتُ بِهِ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا فَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ. وَسَمِعْت عَنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَهُوَ كَانَ أَعْلَى كَعْبًا مِنْ أَنْ يُجَازِفَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَيَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ قِيَاسًا وَيَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فِكْرَةٍ وَاسْتِنْبَاطِ عِلَّةٍ، وَمَنْ سَمَّاهُ قِيَاسًا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَسَامِي فَمَنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ

стр. 74

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا بِشَرْطٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَصَارَ هَذَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى، وَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ ــ [كشف الأسرار] عِبَارَةً عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْإِلْحَاقِ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي عِبَارَةِ [الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ إلَى آخِرِهِ) الِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ وَمِنْهُ اقْتَضَى الدَّيْنَ وَتَقَاضَاهُ أَيْ طَلَبَهُ، قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُقْتَضَى هُوَ مَا أُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَنَحْوَهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى النَّصِّ بِدُونِهَا فَاقْتَضَاهَا النَّصُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْغُو، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الْمَحْذُوفَ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا ثَبَتَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ لِتَصْحِيحِهِ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَتَى دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ شَيْءٍ فِي الْكَلَامِ لِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَنَحْوِهِ فَالْحَامِلُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الِاقْتِضَاءُ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَقِيلَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَرْعًا إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَطَلَبُهُ الزِّيَادَةَ هُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَمَا ثَبَتَ بِهِ هُوَ حُكْمُ الْمُقْتَضَى. وَمِثَالُهُ الْمَشْهُورُ قَوْلُك لِغَيْرِك اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَنَفْسُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضَى لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا وَطَلَبُهُ مَا يَصِحُّ بِهِ اقْتِضَاءٌ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ مُقْتَضًى وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حُكْمُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظَةِ الثَّابِتِ إنْ كَانَ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي لَمْ يَعْمَلْ وَالْبَارِزُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعَانِ إلَى النَّصِّ، وَيُقْرَأُ بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى الْإِضَافَةِ وَيَكُونُ التَّنْوِينُ فِي تَقَدُّمٍ عِوَضًا عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إلَى مَا أَيْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ كَمَا يَقْتَضِيه هَذَا الْمَقَامُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ، وَذَلِكَ وَهَذَا إشَارَتَانِ إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ زِنَةَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَوْزَانِ الْمَصَادِرِ فِي الْمُنْشَعِبَاتِ، وَاللَّامُ فِيهِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ " إشَارَةٌ " إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ أَوْ إلَى تَعْلِيلِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ. وَهِيَ فِي فَصَارَ لِبَيَانِ كَوْنِهِ نَتِيجَةً لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ النَّصَّ أَيْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الشَّيْءُ بِالْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَ النَّصُّ إيَّاهُ فَتَكُونُ صِحَّةُ النَّصِّ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَيُقَدَّمُ لَا مَحَالَةَ وَلَمَّا اقْتَضَى النَّصُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِصِحَّتِهِ صَارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ اقْتِضَاءِ النَّصِّ إيَّاهُ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِهِ لِيَصِيرَ الْمَنْظُومُ مُفِيدًا أَوْ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ وَبِدُونِهِ لَا يُمْكِنُ إعْمَالُ الْمَنْظُومِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِطَلَبِ النَّصِّ لِنَفْسِهِ فَشَيْءٌ لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ بِدُونِ تَقَدُّمِهِ

стр. 75

وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ وَيَصْلُحُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ الْأَهْلَ غَيْرُ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْقَرْيَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ هَذَا ــ [كشف الأسرار] عَلَى النَّصِّ فَإِنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ لِيَكُونَ مُتَنَاوَلُهُ صَحِيحًا فَصَارَ مُتَنَاوَلُ النَّصِّ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ كَقَوْلِهِ ﵇، «شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ» ، أَضَافَ الْإِعْتَاقَ إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِتْقَ فِي الْقَرِيبِ لَا الشِّرَاءُ وَلَوْلَا الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَى الشِّرَاءِ فَجَعَلَ هَذَا الشَّارِحُ اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى مَا فِي مُتَنَاوَلِهِ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ أَيْضًا؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الثَّابِتِ حُكْمُ الْمُقْتَضَى كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الثَّابِتِ الْحُكْمُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالِاقْتِضَاءُ بِمَعْنَى الْمُقْتَضَى وَيُقْرَأُ بِشَرْطٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ. وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ وَهَذَا إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَعْلِيلِ التَّقَدُّمِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ فِي فَصَارَ لِلْإِشَارَةِ إلَى كَوْنِ إضَافَةِ الْحُكْمِ نَتِيجَةً لِلِاقْتِضَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ فِي إثْبَاتِهِ أَيْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مُتَنَاوَلِهِ وَلَمَّا كَانَ مُثْبِتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ صَارَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ أَيْضًا بِوَاسِطَتِهِ فَلَا يَكُونُ ثَابِتًا بِالرَّأْيِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَيْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْمُقْتَضِي أَوْ الْمُقْتَضَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى النَّصِّ اقْتَضَاهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَى فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى مَعَ حُكْمِهِ ثَابِتَيْنِ بِالنَّصِّ. قَوْلُهُ (وَعَلَامَتُهُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعَ الْمُعْتَزِلَةِ جَعَلُوا مَا يُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ ﵇، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَسَمَّوْا الْكُلَّ مُقْتَضًى؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَحْدِيدِهِ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ. وَخَالَفَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ فِي ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا اسْمَ الْمُقْتَضَى عَلَى مَا أُضْمِرَ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ شَرْعًا فَقَطْ وَجَعَلُوا مَا وَرَاءَهُ قِسْمًا وَاحِدًا وَسَمَّوْهُ مَحْذُوفًا أَوْ مُضْمَرًا وَقَالُوا: بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى إلَّا أَبَا الْيُسْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْمَحْذُوفِ أَيْضًا؛ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِيك الْكَلَامُ فِيهِ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ،

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فَقَالَ وَعَلَامَتُهُ أَيْ عَلَامَةُ الْمُقْتَضَى أَنْ يَصِحَّ بِهِ أَيْ بِالْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ أَيْ يَصِيرَ مُفِيدًا لِمَعْنَاهُ، وَمُوجِبًا لِمَا تَنَاوَلَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَنْ حَالِهِ وَإِعْرَابُهُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ كَذَا قِيلَ بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَيَصْلُحَ بِنَصْبِ الْحَاءِ أَيْ الْمَذْكُورُ لَمَّا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ أَيْضًا، وَبِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْذُوفِ؛ لِأَنَّ بِالْمَحْذُوفِ؛ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَنْ حَالِهِ وَإِعْرَابُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَرُبَّمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَكِنَّهُ لَا يَبْقَى صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ لِتَغَيُّرِ مَعْنَاهُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَخْبَرَ الْمَوْلَى فَقَالَ طَلِّقْهَا لَا يُثْبِتُ الْإِجَازَةَ اقْتِضَاءً؛ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ بِهِ وَلَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُهُ عَنْ حَالِهِ لَكِنَّهُ لَا يَبْقَى صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ حَالِ الْعَبْدِ، وَهُوَ تَمَرُّدُهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِهَذَا التَّزَوُّجِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَ الْمَوْلَى رَدُّ الْعَقْدِ وَالْمُتَارَكَةُ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى طَلَاقًا لَا إبْقَاءُ النِّكَاحِ وَأَنَّهُ فِي وِلَايَتِهِ فَيَصِحُّ الْأَمْرُ فَلَوْ ثَبَتَتْ الْإِجَازَةُ اقْتِضَاءً لَمْ يَبْقَ قَوْلُهُ طَلِّقْهَا صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ. وَهُوَ إيجَابُ الْمُتَارَكَةِ بَلْ يَصِيرُ أَمْرًا لِلْعَبْدِ بِالطَّلَاقِ وَلَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَالَ: طَلِّقْهَا حَيْثُ يَثْبُتُ الْإِجَازَةُ اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْكَلَامُ صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَهَا فَيَمْلِكُ الْأَمْرَ بِهِ أَيْضًا؛ وَإِنْ قُرِئَ وَلَا يَصْلُحُ بِالرَّفْعِ وَيُجْعَلُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الْمُقْتَضَى مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِشَارُ الضَّمِيرِ فَمَعْنَاهُ وَيَصْلُحُ الْمُقْتَضَى لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُمْكِنَ إثْبَاتُهُ تَبَعًا لِلْمُقْتَضَى، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: ﵀ الشَّيْءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذَا كَانَ تَابِعًا لِلْمُصَرِّحِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى يَصِيرَ تَابِعًا لِلْمُصَرِّحِ فِي الثُّبُوتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَابِعًا فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يَصِيرَ تَابِعًا لَهُ فِي الثُّبُوتِ أَوْ يَكُونَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لَهُ أَلْبَتَّةَ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَدُك طَالِقٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَقْتَضِي ذِكْرُ الْيَدِ ذِكْرَ النَّفْسِ؛ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ عَلَى الْيَدِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ أَصْلُ الْيَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ تَابِعَةً لَهَا فِي الذِّكْرِ وَالثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَصِيرَ الْأَصْلُ تَبَعًا وَالتَّبَعُ أَصْلًا، وَكَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَى الْيَدِ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي عُمُومِهِ، هَذَا لَفْظُهُ وَعَنْ هَذَا قُلْنَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ كَفِّرْ بِهَذَا الْعَبْدِ عَنْ يَمِينِك لَا يَثْبُتُ الْإِعْتَاقُ اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْإِعْتَاقِ أَصْلٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا تَثْبُتُ تَبَعًا. وَكَذَلِكَ قُلْنَا إنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ إذْ لَوْ خُوطِبُوا بِهَا لَثَبَتَ الْإِيمَانُ مُقْتَضًى تَبَعًا لَهَا وَلَا يَصِحُّ إذْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَبَعٌ لِلْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي دَعْوَى الْجَامِعِ إذَا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّك أَخِي لِأَبِي وَأُمِّي؛ فَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا صَحَّتْ الدَّعْوَى، وَقُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ حَقٌّ يُبْتَنَى عَلَى الْبُنُوَّةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَذَلِكَ أَصْلٌ وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ مُقْتَضَى هَذَا فَبَقِيَ هَذَا حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فَلَمْ يُسْمَعْ؛ فَإِنْ ادَّعَى حَقًّا مَقْصُودًا صَارَتْ الْأُخُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ مُقْتَضَاهُ وَتَبَعًا لَهُ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ غَيْرَ مُقْتَضًى

стр. 77

مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْمُقْتَضِي إنَّمَا يَكُونُ لِصِحَّةِ الْمُقْتَضَى وَمِثَالُهُ الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيرِ لِلتَّكْفِيرِ مُقْتَضٍ لِلْمِلْكِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْبَيَانَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأُصُولِ لُغَةً وَتَفْسِيرُ مَعَانِيهَا وَبَيَانُ تَرْتِيبِهَا وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ــ [كشف الأسرار] وَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ الْمُقْتَضَى مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَهْلَ إذَا ثَبَتَ أَيْ صَرَّحَ بِهِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَيْ السُّؤَالُ الَّذِي نُسِبَ إلَى الْقَرْيَةِ وَتَعَلَّقَ بِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ رَاجِعٌ إلَى الْقَرْيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ الْمَسْئُولِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مِثْلِ هَذَا الضَّمِيرِ وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أَنَّ التَّأْنِيثَ إنَّمَا يَجِبُ مُرَاعَاةَ حَقِّهِ إذَا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْمُذَكَّرِ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ عَلَى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ كَضَارِبٍ وَضَارِبَةٍ أَوْ بِصِيغَةٍ غَيْرِ صِيغَةِ التَّذْكِيرِ أَيْ يَكُونُ لَهُ مُذَكَّرٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ حَقِّ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ وَتَعَذُّرِ الْمُرَاعَاةِ كَمَا فِي لَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ مَثَلًا فَإِنَّ تَأْنِيثَهُمَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا عَلَى التَّذْكِيرِ إذْ لَيْسَ لَهُمَا مُذَكَّرٌ لَا بِنُقْصَانِ حَرْفِ التَّأْنِيثِ وَلَا بِصِيغَةٍ أُخْرَى اسْتَوَى فِيهِمَا التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ سَوَاءٌ وَصَفْت بِهِ نَحْوَ: اسْمٌ مَعْرِفَةٌ وَاسْمٌ نَكِرَةٌ أَوْ جَعَلْته خَبَرًا نَحْوَ: زَيْدٌ مَعْرِفَةٌ وَالرَّجُلُ مَعْرِفَةٌ بِخِلَافِ الْمُعَرَّفَةِ وَالْمُنَكَّرَةِ؛ لِأَنَّ تَأْنِيثَهُمَا مُرَتَّبٌ فَأَمْكَنَ الْمُرَاعَاةُ وَنَظِيرُهُمَا لَفْظُ اسْمٍ وَشَيْءٍ فَتَقُولُ هَذَا اسْمٌ وَهَذِهِ اسْمٌ، وَهَذَا شَيْءٌ وَهَذِهِ شَيْءٌ. وَكَذَا الْفِعْلُ وَالْحَرْفُ تَقُولُ: ضَرَبْت: فِعْلٌ، وَضَرَبَ: فِعْلٌ وَرُبَّتْ: حَرْفٌ، وَمِنْ: حَرْفٌ، فَلَا تَقُولُ هَذَا اسْمٌ وَهَذِهِ سِمَةٌ وَهَذَا شَيْءٌ وَهَذِهِ شِيئَةٌ وَضَرَبَ: فِعْلٌ، وَضَرَبْت: فِعْلَةٌ وَمِنْ: حَرْفٌ، وَرُبَّتَ: حَرْفَةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ إذَا لَمْ يَكُونَا مُرَتَّبَيْنِ لَمْ يُرَاعَ حَقُّهُمَا كَذَا فِي الْمُحَصَّلِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ، وَلِهَذَا قَالَ جَارُ اللَّهِ فِي الْمُفَصَّلِ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِمْ رُبَّهُ رَجُلًا نَكِرَةٌ مُبْهَمٌ وَلَمْ يَقُلْ مُبْهَمَةٌ وَلَمَّا كَانَ تَأْنِيثُ الْقَرْيَةِ غَيْرَ مُرَتَّبٍ اسْتَوَى فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّك تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَثِيرًا قَوْلُهُ (مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ) جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ هُنَا وَسَمَّاهُ فِيمَا بَعْدُ مَحْذُوفًا، وَإِلَّا صَارَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ وَبَلْدَةٍ أَيْ وَرُبَّ بَلْدَةٍ وَقَوْلُهُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالْجَرِّ وَالْحَذْفُ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، أَيْ مِنْ قَوْمِهِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ بِالنَّصْبِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظِيرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ تَسْمِيَتُهُ بِالْمَحْذُوفِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ هَهُنَا تَوَسُّعٌ، وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ الْمُقْتَضَى الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيرِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ فَحَرِّرُوا رَقَبَةً مُقْتَضٍ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيرَ الْحُرِّ لَا يُتَصَوَّرُ، وَكَذَا تَحْرِيرُ مِلْكِ الْغَيْرِ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ التَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ثُمَّ إذَا قَدَّرَ مَذْكُورًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مُوجِبُ الْكَلَامِ وَبَقِيَ صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ، وَهُوَ التَّكْفِيرُ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ ﵀ وَالثَّابِتُ مُقْتَضًى نَحْوُ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُصَاحَبَةُ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ وَتَرْكِ الْقَتْلِ فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الْقَتْلِ وَوُجُوبُ الِاتِّفَاقِ مُقْتَضَاهُ سَابِقًا عَلَيْهِ. هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ الْخَاصِّ كَذَا إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ، وَبَيَانُ تَرْتِيبِهَا أَيْ فِي الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ التَّرْتِيبُ فِي الْكُلِّ، وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ أَيْ مِنْ الْبَيَانِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ بَيَانَ مَعَانِيهَا لُغَةً فَصْلًا وَبَيَانَ مَعَانِيهَا شَرْعًا فَصْلًا وَبَيَانَ تَرْتِيبِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَصْلًا وَبَيَانَ الْأَحْكَامِ رَابِعَ الْفُصُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 78

بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ: اللَّفْظُ الْخَاصُّ يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ قَطْعًا وَيَقِينًا بِلَا شُبْهَةٍ لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ وَلَا يَخْلُو الْخَاصُّ عَنْ هَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّغَيُّرَ عَنْ أَصْلِ وَضْعِهِ لَكِنْ لَا يُحْتَمَلُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ لِكَوْنِهِ بَيِّنًا لِمَا وُضِعَ لَهُ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ] الْبَابُ: النَّوْعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇، «مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ» ، أَيْ نَوْعًا مِنْهُ قَوْلُهُ (يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ) أَيْ مَدْلُولُهُ، قَطْعًا تَمْيِيزٌ أَيْ عَلَى وَجْهٍ انْقَطَعَ إرَادَةُ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَيَقِينًا أَيْ ثُبُوتًا فِي ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَالْيَقِينُ الْعِلْمُ وَزَوَالُ الشَّكِّ فَعِيلٌ مِنْ يَقِنَ الْأَمْرَ يَقَنًا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، بِلَا شُبْهَةٍ تَأْكِيدٌ آخَرُ بِبَيَانِ النَّتِيجَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ فِي ذَاتِهِ وَانْقَطَعَ عَنْهُ إرَادَةُ الْغَيْرِ لَا تَبْقَى فِيهِ شُبْهَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْغَرَضُ مِنْ التَّأْكِيدِ مَرَّتَيْنِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ لِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ وَلِهَذَا قَدَّمَ قَطْعًا عَلَى يَقِينًا؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكَلَامِ تَقْدِيمُ الْيَقِينِ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ لَمْ تَقَعْ فِي ثُبُوتِ مَوْضُوعِهِ بَلْ هِيَ وَقَعَتْ فِي قَطْعِ الِاحْتِمَالِ فَكَانَ هَذَا هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ؛ فَلِهَذَا قَدَّمَهُ، لِمَا أُرِيدَ بِهِ أَيْ لِأَجْلِ مَا أُرِيدَ بِالْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ لِلْبَيَانِ وَذَلِكَ كَلَفْظَةِ الثَّلَاثَةِ يَتَنَاوَلُ مَخْصُوصَهَا. وَهُوَ الْأَفْرَادُ الْمَعْلُومَةُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَعَلُّقِ وُجُوبِ التَّرَبُّصِ بِهِ، يُوَضِّحُهُ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: حُكْمُ الْخَاصِّ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِلَا شُبْهَةٍ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ نَفْسَ الِاحْتِمَالِ قَادِحًا فِي الْيَقِينِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهُ كَذَلِكَ، فَهُوَ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ وَلَكِنْ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ، لَا يَخْلُو الْخَاصُّ عَنْ هَذَا أَيْ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَخْصُوصِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْخَاصِّ عَلَى الْمَخْصُوصِ بِاعْتِبَارِ أَصِلْ الْوَضْعِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْخُصُوصُ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ وَالْوَضْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ؛ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّغَيُّرَ أَيْ قَبْلَ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ مَجَازًا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ؛ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَثْبُتُ الْقَطْعُ مَعَ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا لَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْحَقِّ بِالْعَدَمِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِهِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ دُخُولِ الْمُسَقَّفِ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ السُّقُوطِ ثَابِتٌ جَزْمًا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أُلْحِقَ بِالْعَدَمِ هَذَا هُوَ الْمَسْمُوعُ مِنْ الثِّقَاتِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ صِفَةُ اللَّفْظِ، وَهُوَ صَلَاحِيَّتُهُ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَإِرَادَةُ الْغَيْرِ هُوَ الْمُحْتَمَلُ فَقَوْلُنَا قَطْعًا رَاجِعٌ إلَى الْمُحْتَمَلِ لَا إلَى الِاحْتِمَالِ بَيَانُهُ أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ الْمَوْضُوعَ لِلْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ فِي قَوْلِك رَأَيْت أَسَدًا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ يُقْبَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الشُّجَاعُ مَجَازًا فَهَذَا هُوَ الِاحْتِمَالُ وَإِرَادَةُ الشُّجَاعِ هِيَ الْمُحْتَمَلُ، فَإِذَا قُلْنَا الْمُرَادُ مِنْهُ مَوْضُوعُهُ قَطْعًا فَالْمُرَادُ بِالْقَطْعِ قَطْعُ الْمُحْتَمَلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ وَلَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا لَا مَحَالَةَ لَا قَطْعَ الِاحْتِمَالِ إذْ صَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ بَاقِيَةٌ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ أَيْضًا يُسَمَّى مُحْكَمًا فَثَبَتَ أَنَّ الْقَطْعَ يَجْتَمِعُ مَعَ الِاحْتِمَالِ. قَوْلُهُ (لَكِنْ لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَاحْتَمَلَ التَّغَيُّرَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَانَ إمَّا إثْبَاتُ الظُّهُورِ، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ أَوْ إزَالَةُ الْخَفَاءِ، وَهِيَ لَازِمَتُهُ فَلَوْ احْتَمَلَ التَّصَرُّفَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ مَعَ كَوْنِهِ بَيِّنًا يَلْزَمُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ أَوْ نَفْيُ الْمَنْفِيِّ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ

стр. 79

مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَيْضُ لِأَنَّا إذَا حَمَلْنَا عَلَى الْأَطْهَارِ انْتَقَصَ الْعَدَدُ عَنْ الثَّلَاثَةِ فَصَارَتْ الْعِدَّةُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ وَإِذَا حَمَلْنَا عَلَى الْحَيْضِ كَانَتْ ثَلَاثَةً كَامِلَةً وَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ خَاصٌّ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ كَالْفَرْدِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ هَذَا بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ ــ [كشف الأسرار] الْعَمَلَ يَجِبُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ قُلْنَا نَحْنُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ وَلْيَتَرَبَّصْ الْمُطَلَّقَاتُ الْمَدْخُولُ بِهِنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ مُضِيَّ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِك الْمُحْتَكِرُ يَتَرَبَّصُ الْغَلَاءَ، أَوْ مُدَّةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقُرُوءِ الْحِيَضُ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵃ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمُرَادُ بِهَا الْأَطْهَارُ، وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ فَقُلْنَا لَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْأَطْهَارِ انْتَقَصَ الْعَدَدُ عَنْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ يُنْتَقَصُ ذَلِكَ الطُّهْرُ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ لَا مَحَالَةَ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الطُّهْرِ هُوَ الطُّهْرُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ دَمَيْ تَرْكٍ بِالِاتِّفَاقِ لَا مُسَمَّى الطُّهْرِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ وَلَمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنْ الْعِدَّةِ عِنْدَ مَنْ حَمَلَ الْقُرُوءَ عَلَى الْأَطْهَارِ فَيُصَيِّرُ الْعِدَّةَ قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ قُرْءٍ وَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ خَاصٌّ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَمْسَةِ الْأَرْبَعَةُ وَلَا السِّتَّةُ مَعَ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ وَبِالْعَكْسِ جَائِزٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ أَعْلَامٌ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ سِتَّةٌ ضِعْفُ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٌ نِصْفُ ثَمَانِيَةٍ مِنْ غَيْرِ انْصِرَافٍ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ وَالنَّقْلُ لَا يَجْرِي فِي الْإِعْلَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَمَلْنَا عَلَى الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ لَا تُحْتَسَبُ تِلْكَ الْحَيْضَةُ بِالِاتِّفَاقِ فَيُكَمِّلُ الْأَقْرَاءَ لَا مَحَالَةَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِهَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فَيَكُونُ الْحَمْلُ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْكِتَابَ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُهُ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى، ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، حَيْثُ أُرِيدَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَهُوَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ اسْمٌ عَامٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ وَيُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ كَمَا أُرِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى، ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢] ، جِبْرِيلُ ﵇ وَمِنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] قَلْبَاكُمَا فَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ فَأَعْلَامٌ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا جَازَ إذَا رَأَى رَجُلَيْنِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت رِجَالًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت ثَلَاثَةَ رِجَالٍ ﴿فَإِنْ قِيلَ﴾ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحِيَضِ مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ازْدِيَادُ الْحَيْضِ عَلَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ لَا يَحْتَسِبُ تِلْكَ الْحَيْضَةَ بِالْإِجْمَاعِ فَيَجِبُ التَّرَبُّصُ حِينَئِذٍ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَبَعْضِ الرَّابِعِ وَاسْمُ الثَّلَاثَةِ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْهَاءَ عَلَامَةُ التَّذْكِيرِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ يُقَالُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ وَالْحَيْضَةُ مُؤَنَّثَةٌ وَالطُّهْرُ مُذَكَّرٌ فَدَلَّتْ الْعَلَامَةُ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الْأَطْهَارُ ﴿قُلْنَا﴾ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ الِازْدِيَادَ ثَبَتَ ضَرُورَةَ وُجُوبِ التَّكْمِيلِ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَطْهُرَ كَمَا لَوْ قَالَ حَيْضَةً وَقَدْ وَجَبَ تَكْمِيلُ الْأَوْلَى بِالرَّابِعَةِ فَوَجَبَ بِتَمَامِهَا ضَرُورَةً عَدَمُ

стр. 80

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَالرُّكُوعُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الْمَيَلَانُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ بِمَا يَقْطَعُ اسْمَ الِاسْتِوَاءِ فَلَا يَكُونُ إلْحَاقُ التَّعْدِيلِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ حَتَّى تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ بَيَانًا صَحِيحًا لِأَنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا لِحُكْمِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ لِيَصِيرَ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ الْكِتَابِ ــ [كشف الأسرار] التَّجَزُّؤِ وَالْعِدَّةُ قَدْ يَحْتَمِلُ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ احْتِرَازًا عَنْ النُّقْصَانِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ جُعِلَتْ قُرْأَيْنِ وَفِيهِ زِيَادَةُ نِصْفِ الْقُرْءِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحَيْضَةَ؛ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً فَالْقُرْءُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الثَّلَاثَةُ مُذَكَّرٌ وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي تَسْمِيَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاسْمِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ كَالْبُرِّ وَالْحِنْطَةِ وَالذَّهَبِ وَالْعَيْنِ فَلَمَّا أُضِيفَ إلَى الْمُذَكَّرِ رُوعِيَ عَلَامَةُ التَّذْكِيرِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الْحِيَضُ قَوْلُهُ ﵇ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَقَوْلُهُ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَلَمْ يَقُلْ طُهْرَانِ وقَوْله تَعَالَى، ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] ، الْآيَةَ فَأَقَامَ الْأَشْهُرَ مَقَامَ الْحِيَضِ دُونَ الْأَطْهَارِ وَأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصِيلَ فِي الْعِدَّةِ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ وَالْحَيْضُ هُوَ الَّذِي يُسْتَبْرَأُ بِهِ الْأَرْحَامُ دُونَ الطُّهْرِ وَلِذَلِكَ كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُقَالُ أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. قَوْلُهُ (وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الْمُثَنَّى) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ كَالْفَرْدِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ؛ وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْدَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْدَادِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجٍ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ يُقَالُ ثَلَاثَةٌ عَدَدٌ فَرْدٌ وَأَرْبَعَةٌ عَدَدٌ زَوْجٌ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْفَرْدُ الْعَدَدَ أَزَالَ الْإِبْهَامَ بِقَوْلِهِ وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الْمُثَنَّى وَمَعْنَاهُ لَفْظُ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَدَدَ وَاسْمُ الْوَاحِدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى، فَكَانَ هَذَا أَيْ الْحَمْلُ عَلَى الْأَطْهَارِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ أَيْ بِمُوجِبِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي التَّكْمِيلَ وَالتَّنْقِيصُ ضِدُّهُ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ قَوْله تَعَالَى، وَارْكَعُوا، قِيلَ هُوَ أَمْرٌ لِلْيَهُودِ بِالرُّكُوعِ أَيْ أُقِيمُوا صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَاتَهُمْ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا رُكُوعَ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الصَّلَاةُ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالسُّجُودِ وَيَكُونُ أَمْرًا بِأَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْمُصَلِّينَ يَعْنِي فِي الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَصَلُّوهَا مَعَ الْمُصَلِّينَ لَا مُنْفَرِدِينَ كَذَا فِي الْكَشَّافِ فَعَلَى هَذَا فَرْضِيَّةُ الرُّكُوعِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ثَابِتَةٌ عَلَيْنَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ الرُّكُوعَ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةً لَنَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْنَا أَوْجَبَ، وَإِيرَادُ قَوْله تَعَالَى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، لِإِثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ الرُّكُوعِ كَمَا أَوْرَدَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَحْسَنُ، وَقَوْلُهُ ارْكَعُوا خَاصٌّ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ الْمَيَلَانُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ) يُقَالُ رَكَعَتْ النَّخْلَةُ إذَا مَالَتْ وَرَكَعَ الْبَعِيرُ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَرَكَعَ الشَّيْخُ إذَا انْحَنَى قَامَتُهُ مِنْ الْكِبَرِ، بِمَا يَقْطَعُ اسْمَ الِاسْتِوَاءِ حَتَّى لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الرُّكُوعِ لَمْ يُجْزِهِ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الِاسْتِوَاءِ. وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ جَازَ، وَفِي الْمَبْسُوطِ قَدْرُ الرُّكْنِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْنَى الِانْحِطَاطِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى لَهُ فِي النَّاسِ رَاكِعًا، فَلَا يَكُونُ إلْحَاقُ التَّعْدِيلِ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِتْمَامُ الْقِيَامِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، بِهِ أَيْ بِالرُّكُوعِ أَوْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى، وَارْكَعُوا، بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ حَدِيثُ تَعْلِيمِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فَرْضًا كَالرُّكُوعِ، بَيَانًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْتِحَاقِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بَيَانًا بِالْكِتَابِ

стр. 81

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَهَذَا فِعْلٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ الدَّوَرَانُ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَلَا يَكُونُ وَقَفَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ إلَّا بِهَا عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَلَا بَيَانًا بَلْ نَسْخًا مَحْضًا فَلَا يَصِحُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يُزَادُ عَلَيْهِ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ الْكِتَابِ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ ــ [كشف الأسرار] أَنْ يَكُونَ فِيمَا اُلْتُحِقَ بِهِ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ عُدِمَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ. وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا الْكَلَامِ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالنَّصِّ عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ فَاسِدٌ فَلَا يُلْحَقُ لَكِنَّهُ أَيْ التَّعْدِيلَ يُلْحَقُ بِالنَّصِّ أَوْ بِالرُّكُوعِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى إبْطَالِ الْأَصْلِ، لِيَصِيرَ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ حَتَّى يَنْتَقِصَ الصَّلَاةَ بِدُونِهِ وَيَأْثَمَ هُوَ بِتَرْكِهِ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ الدَّلِيلِ، كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْكِتَابِ لَا مُبْطِلًا لَهُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْله تَعَالَى، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] ، أَيْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَافَ وَتَطَوَّفَ بِمَعْنًى، بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَيْ مِنْ الْجَبَابِرَةِ وَالْغَرَقِ؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ إلَى السَّمَاءِ وَقْتَ الطُّوفَانِ، أَوْ الْكَرِيمِ وَكَرْمُهُ وَشَرَفُهُ ظَاهِرٌ، أَوْ الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ. وَهَذَا فِعْلٌ، أَيْ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ وَلْيَطَّوَّفُوا وَتَسْمِيَتُهُ فِعْلًا تَوَسُّعٌ إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ لَفْظُ الطَّوَافِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وُضِعَ لِكَذَا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الطَّوَافُ مَوْضُوعٌ لُغَةً لِمَعْنًى مَعْلُومٍ، فَلَا يَكُونُ وَقْفُهُ أَيْ الْحُكْمُ بِأَنَّ الطَّوَافَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الطَّهَارَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ عَنْ اشْتِرَاطِهَا، وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إجْمَالٌ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ إنَّمَا يُقَالُ إنَّهُ بَيَانٌ إذَا كَانَ النَّصُّ يَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ وَالْأَمْرُ بِالطَّوَافِ لَا يَحْتَمِلُ الطَّهَارَةَ، بَلْ كَانَ نَسْخًا مَحْضًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي جَوَازَ الطَّوَافِ مَعَ الْحَدَثِ وَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ يَنْفِيه فَيَكُونُ نَسْخًا مَحْضًا فَلَا يَصِحُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَلَا لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ مُحْدِثٌ وَلَا عُرْيَانُ» وَقَوْلُهُ ﵇ «الطَّوَافُ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ فِيهِ الْكَلَامُ» ، لَكِنَّهُ أَيْ شَرْطَ الطَّهَارَةِ يُزَادُ عَلَى الطَّوَافِ وَاجِبًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِدَلِيلِ إيجَابِ الدَّمِ عِنْدَ تَرْكِهِ، وَكَانَ ابْنُ شُجَاعٍ يَقُولُ إنَّهُ سُنَّةٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ﴿؛ فَإِنْ قِيلَ﴾ النَّصُّ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّوَافِ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ قُدِّرَ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ وَشُرِطَ فِيهِ الِابْتِدَاءُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْحَجَرِ، وَكَذَا يَلْزَمُ إعَادَةُ طَوَافِ الْجُنُبِ وَالْعُرْيَانِ وَالطَّوَافِ الْمَنْكُوسِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا عَلَيْهِ كَالرِّبَا فَيَجُوزُ أَنْ يُلْتَحَقَ خَبَرُ الطَّهَارَةِ بَيَانًا بِهِ ﴿قُلْنَا﴾ أَمَّا التَّقْدِيرُ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَكَانَ كَالْمَنْصُوصِ فِي الْقُرْآنِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ كَالْحُدُودِ إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا ﵏ قَالُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِهِ لِلْإِكْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ فَيَثْبُتُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ. وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ شَرْطَ الْإِتْمَامِ وَلَئِنْ كَانَ شَرْطَ الِاعْتِدَادِ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْوُجُودِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْعَدَمِ كَالنِّيَّةِ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ الْمُتَعَيِّنِ وَكَمَا أَنَّ الْمُعَظَّمَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ حَتَّى لَمْ يَفْسُدْ الْحَجُّ بَعْدَ عَرَفَةَ بِوَجْهٍ كَأَنَّهُ أُتِيَ بِالْكُلِّ. وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ غَيْرِ الْحَجَرِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلَئِنْ

стр. 82

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّمَا الْوُضُوءُ غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَهُمَا لَفْظَانِ خَاصَّانِ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا لَهُ، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَبَطَلَ شَرْطُ الْوَلَاءِ وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّسْمِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَا ــ [كشف الأسرار] سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الرُّقَيَّاتِ فَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ ﵉ ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَجْعَلُهُ عَلَامَةَ افْتِتَاحِ الطَّوَافِ فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ بِالثَّانِي ثُمَّ بِالثَّالِثِ فَنَادَاهُ قَدْ أَتَانِي بِالْحَجَرِ مَنْ أَغْنَانِي عَنْ حَجَرِك وَوَجَدَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الطَّوَافِ مِنْهُ فَمَا أَدَّاهُ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ بِهِ لَا يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَكِنْ لَا تَزُولُ الشُّبْهَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيْضًا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْمُبَالَغَةِ وَابْتِدَاءِ الْفِعْلِ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ صَدَرَ بِصِيغَةِ التَّطَوُّفِ وَتَاءُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَمِنْ حَيْثُ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ فَالْتُحِقَ خَبَرُ الْعَدَدِ وَالِابْتِدَاءِ بَيَانًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِبَيَانِ إجْمَالِهِ فَأَمَّا خَبَرُ الطَّهَارَةِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَحْتَمِلُ الطَّهَارَةَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ زَائِدٌ فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَنَظِيرُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ مُجْمَلًا الْتَحَقَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﵇ بَيَانًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ إجْمَالَهُ دُونَ خَبَرِ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ. وَأَمَّا وُجُوبُ إعَادَةِ طَوَافِ الْجُنُبِ وَالْعُرْيَانِ وَالطَّوَافِ الْمَنْكُوسِ فَلَيْسَ لِعَدَمِ الْجَوَازِ بَلْ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ الْفَاحِشِ فِيهِ كَوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ إذَا رَجَعَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ انْجِبَارِ نُقْصَانِ الصَّلَاةِ بِالسَّجْدَةِ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّمَا إشَارَةٌ إلَى تَعْلِيلِ كَوْنِ مَفْهُومِ الْآيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَهُمَا لَفْظَانِ خَاصَّانِ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَعْنًى كَمَا فِي قَوْلِ الْمُتَنَبِّي: حَشَايَ عَلَى جَمْرٍ ذَكِيٍّ مِنْ الْهَوَى ... وَعَيْنَايَ فِي رَوْضٍ مِنْ الْحُسْنِ تَرْتَعُ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَالْمَعْنَى الْمَعْلُومُ الْإِسَالَةُ لِلْغُسْلِ وَالْإِصَابَةُ لِلْمَسْحِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطَ النِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﵇، «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا فِي الْبَدَلِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي الشُّرُوطِ، عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ، وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ، وَالْوَاوُ فِي " وَهُوَ " لِلْحَالِ، وَالنِّيَّةُ عِنْدَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ إزَالَةَ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضَ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ نَوَى غَيْرَ مُقَارِنٍ لِغَسْلِ الْوَجْهِ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ عِنْدَهُ، بَلْ إضْرَابٌ عَنْ مَفْهُومِ الْكَلَامِ. عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَيْ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً عَلَى حَسَبِ اقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ لَا فَرْضًا كَمَا قَالَهُ الْخَصْمُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ أَنَّهُ خَاصٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ إذْ التَّيَمُّمُ الْقَصْدُ، وَبَطَلَ شَرْطُ الْوَلَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُتَابَعَ فِي الْأَفْعَالِ، وَلَا يُفَرَّقَ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ التَّتَابُعَ جَفَافُ الْعُضْوِ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ وَاظَبَ عَلَى الْمُوَالَاةِ قَالُوا فَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إنْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَاءِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْوُضُوءِ؛ وَإِنْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ وَجَفَّ أَعَادَ مَا جَفَّ وَجَعَلَهُ قِيَاسَ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ إذَا اشْتَغَلَ فِي خِلَالِهَا بِعَمَلٍ آخَرَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَهُوَ أَنْ يُرَاعِيَ النَّسَقَ

стр. 83

وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ فِي هَذَا الْأَصْلِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَطَّ مَنْزِلَةَ الْخَاصِّ مِنْ الْكِتَابِ عَنْ رُتْبَتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ رَفَعَ حُكْمَ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ ــ [كشف الأسرار] الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ شَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَقْبَلُ اللَّهَ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ذِرَاعَيْهِ» وَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، وَالتَّسْمِيَةُ. وَهِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَمُخْتَارُ الْمَشَايِخِ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَ التَّسْمِيَةَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ بِالْكِتَابِ وَلَا بِبَيَانٍ لَهُ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِمُوجِبِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ﴿فَإِنْ قِيلَ﴾ فَهَلَّا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَأَخَوَاتِهَا كَمَا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ التَّعْدِيلِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ (قُلْنَا) لِلْمَانِعِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ لُزُومُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّبَعَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ إذْ هُوَ شَرْطٌ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ لِعَيْنِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ كَمَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ إذْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ فَقُلْنَا بِالسُّنَّةِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا كَذَا قَالُوا وَشَبَّهُوا هَذَا بِأَنَّ غُلَامَ الْوَزِيرِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْوَنَ حَالًا مِنْ غُلَامِ الْأَمِيرِ لِكَوْنِ الْوَزِيرِ أَدْنَى رُتْبَةً مِنْ الْأَمِيرِ قُلْت وَالْأَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفَاوُتَ دَرَجَاتُ الدَّلَائِلِ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ: قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ، وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ فَبِالْأَوَّلِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَبِالثَّانِي وَالثَّالِثِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَبِالرَّابِعِ يَثْبُتُ السُّنَّةُ وَالِاسْتِحْبَابُ لِيَكُونَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ. فَخَبَرُ التَّعْدِيلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ؛ «لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِالْإِعَادَةِ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ كُلَّ مَرَّةٍ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ عَلَّمَهُ» وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضُ لِانْقِطَاعِ الِاحْتِمَالِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ أَخْشَى أَنْ لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ يَعْنِي إذَا تَرَكَهُ، وَكَذَا خَبَرُ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ مُحْدِثٌ» لِتَأَكُّدِهِ بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَةِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَمِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إمَّا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ أَوْ اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ فَيَكُونُ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا خَبَرُ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمِّ كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَهُ الْمَاءُ» فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ كَيْفَ وَاسْتِعْمَالُ مِثْلِهِ فِي نَفْيِ الْفَضِيلَةِ شَائِعٌ، وَكَذَا دَلِيلُ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ «فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ» ، وَخَبَرُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي وُضُوئِهِ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلٍ فِي كَفِّهِ» فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الدَّلَائِلُ ظَنِّيَّةَ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةُ يَثْبُتُ بِهَا السُّنَّةُ لَا الْوُجُوبُ. قَوْلُهُ (وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الرُّتْبَةِ حَيْثُ أَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا أَثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَزِمَ حَطُّ دَرَجَةِ الْكِتَابِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْخَبَرِ أَوْ رَفْعُ دَرَجَةِ الْخَبَرِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْكِتَابِ كَمَنْ

стр. 84

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: قَوْلُهُ حَتَّى تَنْكِحَ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ لِلْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ فَمَنْ جَعَلَهُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ بَلْ كَانَ إبْطَالًا، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ غَايَةً وَنِهَايَةً وَالْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْضِ لِمَا وُصِفَ بِهَا وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّهِ فَيَلْغُو قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ ــ [كشف الأسرار] سَوَّى بَيْنَ شَرِيفٍ، وَمَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ فِي الْمَكَانِ يَلْزَمُ رَفْعُ دَرَجَةِ الْأَدْنَى إنْ أَجْلَسَهُ فِي مَكَانِ الشَّرِيفِ أَوْ حَطُّ دَرَجَةِ الشَّرِيفِ إنْ أَجْلَسَهُ فِي مَكَانِ الْأَدْنَى، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَابِتٌ عِلْمًا وَعَمَلًا وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ قَطْعِيٌّ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِفَرْضِيَّةِ الْوِتْرِ وَفَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ فَأَنَّى يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ وَجَوَابُهُ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا، اعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْمِ وَصُورَتُهَا مَشْهُورَةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵃ وَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَهْدِمُ حُكْمَ مَا مَضَى مِنْ الطَّلْقَاتِ وَاحِدًا كَانَ أَمْ ثَلَاثَةً وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ ﵏ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏، وَمَبْنَى الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ أَيْ إصَابَتَهُ فِي الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ مُثْبِتٌ حِلًّا جَدِيدًا أَمْ هُوَ غَايَةٌ لِلْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِهَا فَقَطْ فَعِنْدَ الْأَوَّلِينَ هُوَ مُثْبِتٌ لِلْحِلِّ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ هُوَ غَايَةٌ، تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيْ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّطْلِيقِ، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَيْ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا وَسَمَّاهُ زَوْجًا بِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ خَمْرًا وَكَلِمَةُ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَضْعًا وَلَا تَأْثِيرَ لِلْغَايَةِ فِي إثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا بَلْ هِيَ مَنْهِيَّةٌ فَقَطْ، فَإِذَا انْتَهَى الْمُغَيَّا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدُ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ الْمُوَقَّتَةِ يَنْتَهِي الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ بِهَا بِالْغَايَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ وَكَمَا فِي الصَّوْمِ يَنْتَهِي حُرْمَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِاللَّيْلِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ إلَى قَضَاءِ الْجُمُعَةِ وَتَحْرِيمِ الِاصْطِيَادِ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَى انْتِهَاءِ الْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ الْمُوَقَّتِ التَّكْفِيرُ، فَكَذَا هَهُنَا بِإِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي يَنْتَهِي الْحُرْمَةُ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ خَالِيَةً عَنْ أَسْبَابِ الْحُرْمَةِ، وَلَا يُقَالُ قَدْ اضْمَحَلَّ الْحِلُّ الْأَوَّلُ بِضِدِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ حِلٌّ آخَرُ يَضْمَحِلُّ بِهِ الْحُرْمَةُ لِاسْتِحَالَةِ عَوْدِ الْحِلِّ الْأَوَّلِ، لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ لَا بِالزَّوْجِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ غَايَةٌ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ الَّذِي ظَهَرَ أَثَرُهُ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى سَبَبٍ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ أَصْلًا كَمَنْ آجَرَ دَارِهِ فَخَرَجَتْ الْمَنَافِعُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ انْتَهَتْ الْإِجَارَةُ صَارَتْ الْمَنَافِعُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْأَوَّلِ بِالتَّمْلِيكِ وَعَدَمِ ارْتِفَاعِ سَبَبِ الزَّوَالِ وَلَكِنْ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ مِلْكُ الدَّارِ لَا بِانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ، فَمَنْ جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ مُثْبِتًا حِلًّا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ بَلْ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَايَةً فَقَطْ، بَلْ كَانَ إبْطَالًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الثَّانِي غَايَةً وَكَوْنُهُ غَايَةً يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ قَبْلَ الثَّلَاثِ بِمَنْزِلَةٍ وَجَعْلُهُ مُثْبِتًا حِلًّا جَدِيدًا يَقْتَضِي

стр. 85

وَالْجَوَابُ أَنَّ النِّكَاحَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ، وَهُوَ أَصْلُهُ وَيُحْتَمَلُ الْعَقْدُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ هُنَا بِدَلَالَةِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا فِي فِعْلِ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ مِثْلُ الرَّجُلِ فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا وَأَمَّا فِعْلُ الْوَطْءِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهَا مُبَاشَرَتُهُ أَبَدًا لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ نَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ثُمَّ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَّهِمُهُ بِالْعُنَّةِ وَقَالَتْ مَا وَجَدْته إلَّا كَهُدْبَةِ ثَوْبِي هَذَا فَقَالَ ﷺ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَعُودِي إلَى رِفَاعَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِك» ــ [كشف الأسرار] خِلَافَهُ فَيَكُونُ إبْطَالًا. وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ غَايَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِبْرَةٌ قَبْلَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْضِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِتَوَقُّفِ صَيْرُورَتِهَا غَايَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّهِ إذْ لَوْ انْفَصَلَ لَمْ يَبْقَ بَعْضًا حَقِيقَةً، فَتَلْغُوا بِالتَّاءِ أَيْ الْغَايَةُ قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمُغَيَّا كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فِي رَجَبٍ حَتَّى يَسْتَشِيرَ إيَّاهُ فَاسْتَشَارَهُ قَبْلَ دُخُولِ رَجَبٍ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْيَمِينِ حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ فِي رَجَبٍ قَبْلَ الِاسْتِشَارَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ أَوْجَبَتْ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ بَعْدَ دُخُولِ رَجَبٍ إلَى غَايَةِ الِاسْتِشَارَةِ فَالِاسْتِشَارَةُ وَعَدَمُهَا قَبْلَ دُخُولِ رَجَبٍ بِمَنْزِلَةٍ، وَلَا يُقَالُ النَّصُّ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ التَّزَوُّجِ غَايَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْإِصَابَةُ بَعْدَهُ شَرْطٌ لِلْحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَوْلُ سَعِيدٍ مَرْدُودٌ حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَا يَنْفُذُ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ زِيدَ عَلَى النَّصِّ الْإِصَابَةُ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ حَتَّى صَارَ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنَ الْحُرْمَةِ مُوَقَّتَةً وَكَوْنَ الزَّوْجِ الثَّانِي مَعَ الْإِصَابَةِ غَايَةً، فَكَأَنَّهُ قِيلَ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مُغَيَّاةٌ إلَى التَّزَوُّجِ وَالْإِصَابَةِ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، " فَمَنْ جَعْلَهُ " الضَّمِيرَ الْبَارِزَ رَاجِعٌ إلَى الزَّوْجِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَالتَّقْدِيرُ كَلِمَةُ حَتَّى وُضِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ الْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ فَيَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي غَايَةَ فَمَنْ جَعَلَ الزَّوْجَ، وَلَكِنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى كَلِمَةِ حَتَّى وَالْمُرَادُ الزَّوْجُ أَوْ نِكَاحُهُ بِطَرِيقِ التَّوَسُّعِ؛ لِأَنَّ حَتَّى لَا يَكُونُ غَايَةً بَلْ الْغَايَةُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَتَّى، وَالتَّقْدِيرُ فَمَنْ جَعَلَهُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَا يَكُونُ عَمَلًا بَلْ يَكُونُ إبْطَالًا فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَكِنَّهُ يَكُونُ غَايَةً وَنِهَايَةً. وَالنِّهَايَةُ تَأْكِيدٌ لِلْغَايَةِ وَوَقَعَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ كَمَا مَرَّ مِثْلُهُ قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ إلَى آخِرِهِ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ لِلتَّحْلِيلِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ إلَّا أَنَّهُ أُسْنِدَ إلَى الْمَرْأَةِ هَهُنَا بِاعْتِبَارِ التَّمْكِينِ كَمَا أُسْنِدَ الزِّنَا الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ إلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ نَهَارُك صَائِمٌ وَلَيْلُك قَائِمٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ زَوْجًا يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا زَوْجَهَا فَصَارَ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَتَّى تُمَكِّنَ مِنْ وَطْئِهَا زَوْجًا فَكَانَ ذِكْرُ الزَّوْجِ اشْتِرَاطًا لِلْعَقْدِ وَذِكْرُ النِّكَاحِ اشْتِرَاطًا لِلْوَطْءِ، قَالُوا: وَفِيهِ تَقْلِيلُ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا فِي الْإِسْنَادِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النِّكَاحَ؛ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْوَطْءِ إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ هَهُنَا بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالنِّكَاحُ الْمُضَافُ إلَى الْمَرْأَةِ لَيْسَ إلَّا الْعَقْدَ يُقَالُ نَكَحَتْ أَيْ تَزَوَّجَتْ، وَهِيَ نَاكِحٌ فِي بَنِي فُلَانٍ أَيْ هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ مِنْهُمْ كَذَا فِي الصِّحَاحِ؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إرَادَةُ الْوَطْءِ مِنْهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْوَطْءِ إلَيْهَا أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي كَلَامِهِمْ إضَافَةُ

стр. 86

وَفِي ذِكْرِ الْعَوْدِ دُونَ الِانْتِهَاءِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْلِيلِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ــ [كشف الأسرار] الْوَطْءِ وَالنِّكَاحِ الَّذِي بِمَعْنَاهُ إلَى الْمَرْأَةِ وَلَوْ جَازَ أَنْ تُسَمَّى وَاطِئَةً بِالتَّمْكِينِ لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمَرْكُوبُ رَاكِبًا وَالْمَضْرُوبُ ضَارِبًا، وَهِيَ خِلَافُ اللُّغَةِ. وَأَمَّا إضَافَةُ الزِّنَا إلَيْهَا، فَلَيْسَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلتَّمْكِينِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ الْحَرَامِ مِنْ الرَّجُلِ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ الزِّنَا عَنْهَا إذَا زَنَتْ كَمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ التَّمْكِينِ عَنْهَا، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النِّكَاحَ هَهُنَا بِمَعْنَى التَّمْكِينِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَطْءِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الزَّوْجِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَطْءُ مِنْ التَّمْكِينِ لَا مَحَالَةَ فَثَبَتَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ فِي هَذَا الطَّرِيقِ إعْمَالُ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ جَمِيعًا فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا قَالُوا؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْمَالُ أَحَدِهِمَا وَفِيهِ عَمَلٌ بِالْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا سُمِّيَ بِالنِّكَاحِ لِمَعْنَى الضَّمِّ وَفِي الْعَقْدِ ضَمُّ كَلَامٍ إلَى كَلَامٍ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا اخْتَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بَعْدَ كَوْنِهَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَتَّضِحُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَطْءُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ وَلَوْ ثَبَتَ الْوَطْءُ بِالْكِتَابِ كَمَا ذَكَرُوا لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَيَتَأَكَّدُ كَلَامُ الْخُصُومِ حِينَئِذٍ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَالْمَرْأَةُ هِيَ تَمِيمَةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقُرَظِيَّةُ، وَقِيلَ عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ النَّضِيرِيَّةُ، وَرِفَاعَةُ هُوَ ابْنُ وَهْبِ بْنِ عَتِيكٍ ابْنُ عَمِّهَا. وَقِيلَ ابْنُ سَمَوْأَلٍ، وَالزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّايِ لَا غَيْرُ وَاتِّهَامُهَا لَهُ بِالْعُنَّةِ قَوْلُهَا مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا حَكَتْ امْرَأَةٌ عَنْ عِنِّينٍ فَقَالَتْ حَلَلْت مِنْهُ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَالْعُسَيْلَتَانِ كِنَايَتَانِ عَنْ الْعُضْوَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مَظِنَّتِي الِالْتِذَاذِ. وَصُغِّرَتْ بِالْهَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَسَلِ التَّأْنِيثُ؛ وَإِنْ كَانَ يُذَكَّرُ أَيْضًا، وَيُقَالُ إنَّمَا أَنَّثَ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعَسَلَةُ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ لِلْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ ذَهَبَةٌ، وَالتَّأْكِيدُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْجَانِبَيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي بَابِ التَّحْلِيلِ. وَقَوْلُهُ تَذُوقِي وَيَذُوقَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الشِّبَعَ، وَهُوَ الْإِنْزَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَا التَّصْغِيرُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْقَلِيلَ كَافٍ وَرَاوِي الْحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂، وَكَذَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃ مِنْ غَيْرِ قِصَّةِ رِفَاعَةَ، وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ أَنْ تَرْجِعِي مَقَامَ أَنْ تَعُودِي وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَتْ كَانَ غَشِيَنِي فَقَالَ ﵇ لَهَا كَذَبْت فِي قَوْلِك الْأَوَّلِ فَلَنْ أُصَدِّقَك فِي الْآخَرِ فَلَبِثَتْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﵇ ثُمَّ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقَالَتْ: أَرْجِعُ إلَى زَوْجِي الْأَوَّلِ فَإِنَّ زَوْجِي الْآخَرَ قَدْ مَسَّنِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ عَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَك مَا قَالَ فَلَا تَرْجِعِي إلَيْهِ فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ أَتَتْ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ لَهَا لَئِنْ أَتَيْتنِي بَعْدَ مَرَّتِك هَذِهِ لَأَرْجُمَنَّكِ فَمَنَعَهَا» كَذَا فِي التَّيْسِيرِ قَوْلُهُ (وَفِي ذِكْرِ الْعَوْدِ) إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ وَفِي ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ الْعَوْدَ وَتَرْكِهِ لَفْظَ الِانْتِهَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْكِتَابِ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَنْتَهِيَ حُرْمَتُك إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَوْقَ الْعُسَيْلَةِ تَحْلِيلٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَنِيَ عَدَمَ الْعَوْدِ إلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الذَّوْقُ يَثْبُتُ الْعَوْدُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ أَمْرٌ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ

стр. 87

لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ــ [كشف الأسرار] لَمْ يَكُنْ قَبْلُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَقَدْ ثَبَتَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيُضَافُ إلَيْهِ بِخِلَافِ أَصْلِ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَسَبَبُهُ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ إلَّا أَنَّ حُكْمَهُ تَخَلَّفَ بِاعْتِرَاضِ الْحُرْمَةِ، فَإِذَا انْتَهَتْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ثَبَتَ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، فَأَمَّا الْعَوْدُ فَلَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَيَكُونُ حَادِثًا بِهِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الرَّدُّ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى كَانَ الْحِلُّ ثَابِتًا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَبْقَ فَيَكُونُ فِعْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي مُثْبِتًا لِلْحِلِّ الَّذِي عُدِمَ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فَفِي اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ لِلْعَوْدِ إشَارَةٌ إلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ. قَوْلُهُ (لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَالْمُحَلِّلُ حَقِيقَةً مَنْ يُثْبِتُ الْحِلَّ كَالْمُحْرِمِ مَنْ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ وَالْمُبَيِّضُ مَنْ يُثْبِتُ الْبَيَاضَ فَيَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِعِبَارَةِ النَّصِّ كَذَا قِيلَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إشَارَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يُسَقْ لَهُ بَلْ لِإِثْبَاتِ اللَّعْنِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَالْأُولَى غَامِضَةٌ، وَإِلْحَاقُ اللَّعْنِ بِهِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلتَّحْلِيلِ بَلْ لِشَرْطٍ فَاسِدٍ أَلْحَقَهُ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ ذِكْرُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ إنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ أَوْ لِقَصْدِهِ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ إنْ لَمْ يَشْرِطْ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ وَالْبَقَاءِ، وَهُوَ إنَّمَا قَصَدَ غَيْرَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» . وَأَمَّا إلْحَاقُ اللَّعْنِ بِالْمُحَلَّلِ لَهُ فَلِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ لِمِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ وَالْمُسَبِّبُ شَرِيكُ الْمُبَاشِرِ فِي الْإِثْمِ وَالثَّوَابِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ اللَّعْنِ إظْهَارُ خَسَاسَةِ الْمُحَلِّلِ بِمُبَاشَرَةِ مِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ بِمُبَاشَرَةِ مَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ مِنْ عَوْدِهَا إلَيْهِ بَعْدَ مُضَاجَعَةِ غَيْرِهِ إيَّاهَا وَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا لَا حَقِيقَةُ اللَّعْنِ إذْ هُوَ الْأَلْيَقُ بِكَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ مَا بُعِثَ لَعَّانًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ» وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﵇ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَيُقْطَعُ يَدُهُ» ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْآحَادِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَسْخُهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ أَثْبَتَ كَوْنَ الزَّوْجِ الثَّانِي غَايَةً وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَهُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ كَوْنِهِ غَايَةً أَيْضًا إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ غَايَةً وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَ الشَّيْءِ كَمَا يَكُونُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ بِثُبُوتِ ضِدِّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، فَالِاغْتِسَالُ مُثْبِتٌ لِلطَّهَارَةِ وَمُنْهٍ لِلْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ لَمْ تَبْقَ الْجَنَابَةُ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] أَيْ تَسْتَأْذِنُوا وَالِاسْتِئْذَانُ مُنْهٍ لِحُرْمَةِ الدُّخُولِ بِإِثْبَاتِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَالْحَدِيثُ أَثْبَتَ كَوْنَهُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَمَّا ثَبَتَ الْحِلُّ لِمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَزُلْ إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَالْحِلِّ الْأَوَّلِ (فَإِنْ قِيلَ) الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ رَافِعٌ لِلْحُرْمَةِ ضَرُورَةً وَالرَّافِعُ لِلشَّيْءِ لَا يَكُونُ غَايَةً لَهُ كَالطَّلَاقِ لِلنِّكَاحِ. (قُلْنَا) مَا يَرْفَعُ الشَّيْءَ قَصْدًا فَهُوَ قَاطِعٌ لَهُ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَايَةِ كَالطَّلَاقِ، فَأَمَّا مَا يُثْبِتُ حُكْمًا آخَرَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِهِ انْتِفَاءَ الثَّابِتِ لِتَضَادٍّ بَيْنَهُمَا فَهُوَ غَايَةٌ لِمَا كَانَ ثَابِتًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَهِي بِضِدِّهِ كَاللَّيْلِ بِالنَّهَارِ وَعَكْسِهِ وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لِلْحِلِّ وَلَكِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّابِتِ مُحَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْكُوحَتَهُ

стр. 88

فَثَبَتَ الدُّخُولُ زِيَادَةً بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ بِمِثْلِهِ وَمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِدَلِيلِهِ إلَّا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ وَثَبَتَ شَرْطُ الدُّخُولِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَنْ صِفَتُهُ التَّحْلِيلُ وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا الْوَصْفَ عَنْ دَلِيلِهِ عَمَلًا بِمَا هُوَ سَاكِتٌ، وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَعَنَى الدُّخُولَ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ جَمِيعًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الْآيَةَ ــ [كشف الأسرار] لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ فَلَا يَمْلِكُ إثْبَاتَهُ ثَانِيًا وَهَهُنَا الْحِلُّ ثَابِتٌ بِكَمَالِهِ غَيْرُ مُنْتَقِصٍ؛ لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالثَّلَاثِ فَقَبْلُهُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْحُكْمِ لَا تَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ، قُلْنَا السَّبَبُ إذَا وُجِدَ وَأَمْكَنَ إظْهَارُ فَائِدَتِهِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ، وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَفِي اعْتِبَارِهِ فَائِدَةٌ، وَهِيَ أَنْ لَا تَحْرُمَ عَلَيْهِ إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ مُسْتَقْبَلَاتٍ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ كَالْيَمِينِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَالظِّهَارُ بَعْدَ الظِّهَارِ مُنْعَقِدٌ؛ وَإِنْ تَمَّ الْمَنْعُ عَنْ الْفِعْلِ بِالْيَمِينِ الْأُولَى وَالْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي الِانْعِقَادِ فَائِدَةٌ وَهِيَ تَكَرُّرُ التَّكْفِيرِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى مَالَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ أَوْ ضَمَّ مَالِهِ إلَى مَالِ الْغَيْرِ فَاشْتَرَاهُمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ التَّصَرُّفِ أَوْ جَوَازَ الْعَقْدِ فِي مَالِ الْغَيْرِ (فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِنْ التَّطْلِيقَاتِ ثَلَاثًا بِهَذَا الْحَادِثِ وَوَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بِالْأَوَّلِ (قُلْنَا) إذَا وَجَبَ إثْبَاتُ الْحِلِّ بِهَذَا السَّبَبِ الثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ اقْتَضَى انْتِفَاءَ الْأَوَّلِ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ فَيَنْتَفِي بِهِ اقْتِضَاءً كَمَا إذَا عَقَدَا الْبَيْعَ بِأَلْفٍ ثُمَّ جَدَّدَاهُ بِأَنْقَصَ أَوْ أَكْثَرَ يَصِحُّ الثَّانِي وَيَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ اقْتِضَاءً. أَوْ يُقَالُ لَمَّا عَرَفَنَا الثَّلَاثَ مُحَرِّمًا لِلْمُحَلِّ بِالنَّصِّ حَكَمْنَا بِتَأْثِيرِهِ فِي الْحِلَّيْنِ فَيَرْفَعُهُمَا جَمِيعًا الْأَوَّلُ بِالطَّلْقَةِ أَوْ الطَّلْقَتَيْنِ لِتَمَامِ عِلَّةِ زَوَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِالْبَاقِي كَمَا قُلْنَا فِي تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ. قَوْلُهُ (فَثَبَتَ الدُّخُولُ زِيَادَةً) أَيْ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا، بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ حَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ، يُحْتَمَلُ، الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ " زِيَادَةً "، وَهُوَ النَّصُّ، وَمَا ثَبَتَ أَيْ لَمْ يَثْبُتْ الدُّخُولُ، بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ إلَّا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ، وَثَبَتَ شَرْطُ الدُّخُولِ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ، بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ وَإِثْبَاتُهُ بِالْكِتَابِ تَخْرِيجُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمِنْ صِفَتِهِ أَيْ صِفَةِ الدُّخُولِ التَّحْلِيلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَثَبَتَ وَقَوْلُهُ وَمِنْ صِفَتِهِ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدُّخُولَ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ، وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا الْوَصْفَ، وَهُوَ التَّحْلِيلُ، عَنْ دَلِيلِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ حَيْثُ قُلْتُمْ بِاشْتِرَاطِ الدُّخُولِ وَأَنْكَرْتُمْ صِفَةَ التَّحْلِيلِ، عَمَلًا أَيْ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ سَاكِتٌ، وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَكَانَ الطَّعْنُ عَائِدًا عَلَيْكُمْ، قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ: ﵀ مَتَى نَظَرْت إلَى السُّنَّةِ كَانَ الْأَمْرُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَمَتَى نَظَرْت إلَى مُوجِبِ نَصِّ الْآيَةِ أَشْكَلَ وَأَنَّهُ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ قَوْلًا بِظَاهِرِ كَلِمَةِ حَتَّى وَمَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا كِبَارُ الصَّحَابَةِ ﵃ يَصْعُبُ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَوْله تَعَالَى، ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ وَالْإِرْسَالِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ وَلَكِنَّ التَّكْرِيرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] ، أَيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَحَنَانَيْكَ. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، تَخْيِيرٌ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُطَلِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكُوا النِّسَاءَ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِهِنَّ وَبَيْنَ أَنْ يُسَرِّحُوهُنَّ السَّرَاحَ الْجَمِيلَ الَّذِي عَلَّمَهُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ

стр. 89

فَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَأَعْقَبَهُمَا بِإِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْخُلْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَإِنَّمَا بَدَأَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ زَادَ فِعْلَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ وَتَحْتَ الْأَفْرَادِ تَخْصِيصُ الْمَرْأَةِ بِهِ وَتَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى مَا سَبَقَ فَإِثْبَاتُ فِعْلِ الْفَسْخِ مِنْ الزَّوْجِ بِطَرِيقِ الْخُلْعِ لَا يَكُونُ عَمَلًا بِهِ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا ــ [كشف الأسرار] الْمُرَادُ بِالْمَرَّتَيْنِ حَقِيقَةً التَّثْنِيَةُ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، أَيْ رَجْعَةٌ بِرَغْبَةٍ لَا عَلَى قَصْدِ إضْرَارٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ بِأَنْ لَا يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَبِينَ بِالْعِدَّةِ أَوْ بِأَنْ لَا يُرَاجِعَهَا مُرَاجَعَةً يُرِيدُ بِهَا تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَضِرَارَهَا، وَقِيلَ بِأَنْ تُطَلِّقَهَا الثَّالِثَةَ فِي الطُّهْرِ الثَّالِثِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ عَلِمْتُمْ أَوْ ظَنَنْتُمْ، وَهُوَ خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ، أَنْ لَا يُقِيمَا أَيْ الزَّوْجَانِ حُدُودَ اللَّهِ أَيْ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ نُشُوزِهَا أَوْ نُشُوزِهِمَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَيْ لَا إثْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَهَا أَيْ لَا يَكُونُ دَفْعُهَا إسْرَافًا وَأَخْذُهُ ظُلْمًا. هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: هُوَ فَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ ﵃، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي انْتِقَاصِ عَدَدِ الثَّلَاثِ بِهِ تَمَسَّك الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِخِيَارِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ عِنْدَكُمْ فَيَنْفَسِخُ بِالتَّرَاضِي، وَذَلِكَ بِالْخُلْعِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ فَالشَّيْخُ ﵀ تَمَسَّك فِي إثْبَاتِ كَوْنِهِ طَلَاقًا بِالنَّصِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُهُ (ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً) يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَذَكَرَهُ مَرَّتَيْنِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَعْقَبَهُمَا الضَّمِيرَ الْبَارِزَ رَاجِعٌ إلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ لَا إلَى الْمَرَّتَيْنِ فَحَسْبُ أَيْ أَعْقَبَ الْمَرَّةَ بِإِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَالْمَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِيَعْلَمَ أَنَّ الرَّجْعَةَ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَتَيْنِ كَمَا هِيَ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الذِّكْرِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ الذِّكْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا غَيْرُ إذْ السَّوْقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ قَوْله تَعَالَى، ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ لَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى التَّمَسُّكِ بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ لَوْ قَالَ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَوْلُهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بَيَانُ وَجْهِ التَّمَسُّكِ أَيْضًا، وَالْغَرَضُ مِنْ ضَمِّ الْمَرَّةِ إلَى الْمَرَّتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ يَتِمُّ بِدُونِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ؛ وَإِنْ كَانَتْ مَقْصُودَةً كَمَا ذَكَرْنَا فَالتَّفْرِيقُ فِيهَا مَقْصُودٌ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحِلُّ إرْسَالُ التَّطْلِيقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ مَرَّتَانِ وَإِرْسَالُهُمَا جَمْعًا لَا يُسَمَّى مَرَّتَيْنِ كَمَنْ أَعْطَى فَقِيرًا دِرْهَمَيْنِ لَا يُقَالُ أَعْطَاهُ مَرَّتَيْنِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَرَّتَيْنِ أَيْ مَعَ الْأُولَى لَا بِدُونِهَا كَمَا يُقَالُ نَصَحْتُك مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ فَلَمْ تَسْمَعْ وَأَتَيْت بَابَك مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ فَمَا صَادَفْتُك وَيُرَادُ مَعَ الْأُولَى لَا أَنَّهُ نَصَحَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَتَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي وَأَعْقَبَهُمَا رَاجِعًا إلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْمَرَّتَيْنِ فَحَسْبُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إثْبَاتُ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ لَا غَيْرُ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا بَدَأَ) بَيَانَ وَجْهِ التَّمَسُّكِ أَيْ بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِذِكْرِ فِعْلِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ زَادَ فِعْلَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ، وَبَحَثَ الْإِفْرَادَ أَيْ إفْرَادَ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ تَخْصِيصُهَا بِالِافْتِدَاءِ

стр. 90

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ هَذَا ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالْفَاءُ حَرْفٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْوَصْلُ وَالتَّعْقِيبُ؛ وَإِنَّمَا وَصَلَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ بِالْمَالِ فَأَوْجَبَ صِحَّتَهُ بَعْدَ الْخُلْعِ فَمَنْ وَصَلَهُ بِالرَّجْعِيِّ وَأَبْطَلَ وُقُوعَهُ بَعْدَ الْخُلْعِ لَمْ يَكُنْ عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا ــ [كشف الأسرار] أَيْ لَا يَكُونُ الِافْتِدَاءُ إلَّا مِنْ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُحْتَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اخْتَصَّتْ هِيَ بِهِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ، وَفِيهِ أَيْ فِي الْإِفْرَادِ تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي سَبَقَ، وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا ثُمَّ خَصَّ جَانِبَهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَتَخَلَّصُ بِالِافْتِدَاءِ إلَّا بِفِعْلِ الزَّوْجِ كَانَ بَيَانًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ أَنَّ فِعْلَهُ هُوَ الَّذِي سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ، فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الْخُلْعِ طَلَاقٌ، فَمَنْ جَعَلَ فِعْلَهُ فِي الْخُلْعِ فَسْخًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَمَلًا بِهَذَا الْخَاصِّ الْمَنْطُوقِ حُكْمًا، وَهُوَ الطَّلَاقُ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا. (فَإِنْ قِيلَ) ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الطَّلَاقَ لَا فِعْلَ الزَّوْجِ صَرِيحًا فَيَثْبُتُ بِالْبَيَانِ السُّكُوتِيِّ هَذَا الْقَدْرُ وَيَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ؛ فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَلَا يُطَلِّقُهَا مَجَّانًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ لِتَحْصِيلِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الْآيَةُ بَيَانَ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ لَا بَيَانُ الْخُلْعِ وَكَلَامُنَا فِي الْخُلْعِ (قُلْنَا) بَلْ هِيَ بَيَانُ الْخُلْعِ بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي «جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَهَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وَكَانَ يُحِبُّهَا فَتَخَاصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَلَبَتْ التَّفْرِيقَ فَقَالَ ثَابِتٌ قَدْ أَعْطَيْتهَا حَدِيقَةً فَلْتَرُدَّ عَلَيَّ فَقَالَ ﵇ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَأَزِيدُهُ فَقَالَ ﵇ لَا بَلْ حَدِيقَتُهُ فَقَطْ ثُمَّ قَالَ يَا ثَابِتُ خُذْ مِنْهَا مَا أَعْطَيْتهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا فَفَعَلَ» فَكَانَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا صَارَتْ التَّطْلِيقَاتُ أَرْبَعًا فِي سِيَاقِ الْآيَةِ (قُلْنَا) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] بَيَانُ الشَّرْعِيَّةِ لَا بَيَانُ الْوُقُوعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ فِي مَوَاضِعَ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَعَدِّدًا بِتَعَدُّدِ الذِّكْرِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا كَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ بِهِ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ أَمَّا الْفَسْخُ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَفَسْخٌ قَبْلَ التَّمَامِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِتْمَامِ، وَكَذَلِكَ فِي خِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ. فَأَمَّا الْخُلْعُ فَإِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَالنِّكَاحِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَسْخًا فَيُجْعَلَ قَطْعًا لِلنِّكَاحِ فِي الْحَالِ فَيَكُونَ طَلَاقًا قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى) ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] الْآيَةُ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْحَقُهُ؛ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ عَلَى مَالٍ إذْ لَا بَيْنُونَةَ فِيمَا سِوَاهُمَا عِنْدَهُ هَكَذَا سَمِعْت مِنْ الثِّقَاتِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ لَفْظُ التَّهْذِيبِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ بَاقِيَةٌ؛ وَإِنْ حُرِّمَ الْوَطْءُ أَمَّا الْمُخْتَلِعَةُ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ فَلَا يَلْحَقُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ بِالْخُلْعِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقَعُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ إلَّا فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا أَصَحُّ، قَالَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَقَدْ زَالَ بِالْخُلْعِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَعْدَهُ كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ بِالْآيَةِ

стр. 91

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤] فَإِنَّمَا أَحَلَّ الِابْتِغَاءَ بِالْمَالِ، وَالِابْتِغَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الطَّلَبُ وَالطَّلَبُ بِالْعَقْدِ يَقَعُ فَمَنْ جَوَّزَ تَرَاخِي الْبَدَلِ عَنْ الطَّلَبِ الصَّحِيحِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ فِعْلُ الْوَطْءِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إبْطَالًا فَبَطَلَ بِهِ مَذْهَبُ الْخَصْمِ ــ [كشف الأسرار] فَقَالَ: وَصَلَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ بِالْمَالِ، وَهُوَ الْخُلْعُ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَهُوَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ فَيَكُونُ هَذَا تَنْصِيصًا عَلَى صِحَّةِ إيقَاعِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْخُلْعِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَصَارَ مَعْنَى الْآيَةِ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ، فَمَنْ وَصَلَهُ أَيْ الطَّلَاقَ أَوْ قَوْلُهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بِالرَّجْعِيِّ يَعْنِي بِأَوَّلِ الْآيَةِ لَا يَكُونُ وَصْلُهُ عَمَلًا بِالْفَاءِ وَلَا بَيَانًا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ: هَذِهِ الْآيَةُ رَجَعَتْ إلَى الْآيَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةً أُخْرَى، وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ الْمَوْصُوفَ بِالتَّكْرَارِ فِي قَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَاسْتَوْفَى نَصًّا بِهِ أَوْ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَوَصَلَاهُ بِالْآيَةِ الْأُولَى. وَكَذَا فِي عَامَّةِ التَّفَاسِيرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ؛ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] إمَّا بَيَانُ مُبَاشَرَةِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَتْ شَرْعِيَّتُهَا ثَابِتَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَلَى مَا رَوَى أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ «﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ أَوْ بَيَانُ الشَّرْعِيَّةِ» كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَجِبُ وَصْلُهُ بِأَوَّلِ الْآيَةِ لَا بِالْخُلْعِ، فَلَا يَبْقَى التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَيْفَ وَالتَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي الْحُكْمِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ شَرْعِيَّةُ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ الْخُلْعِ عَمَلًا بِالْفَاءِ وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا الْخُلْعُ مُتَصَوِّرٌ وَمَشْرُوعٌ قَبْلَ الطَّلْقَتَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَ حَرْفِ الْفَاءِ سَاقِطٌ، وَأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ التَّرْتِيبُ وَالْوَصْلُ كَمَا هُوَ مُوجِبُ حَرْفِ الْفَاءِ لَصَارَ عَدَدُ الطَّلَاقِ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ مُرَتَّبَةً عَلَى الْخُلْعِ وَالْخُلْعَ مُرَتَّبًا عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ وَذَلِكَ خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَجَابَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ بَيَانَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لَا فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَنْصَرِفُ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ لَا أَنَّهُ بَيَانُ طَلْقَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ تَطْلِيقٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ فِي الطَّلَاقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى الِافْتِدَاءِ الثَّالِثَةَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ وَيَبْقَى النَّصُّ حُجَّةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِيَاقِ النَّظْمِ وَمُخَالَفَتِهِ لِأَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَسْتَقِيمُ هَهُنَا؛ لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَبْقَ حُجَّةً فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْخُلْعُ لَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَإِذَا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَتَمَسَّكَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَبِالْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ سِوَى هَؤُلَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ أَنْ تَبْتَغُوا مَفْعُولٌ لَهُ بِمَعْنَى بَيَّنَ لَكُمْ مَا يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُمُ إرَادَةَ أَنْ يَكُونَ ابْتِغَاؤُكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْ تَبْتَغُوا بَدَلًا مِمَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، وَالْأَمْوَالُ الْمُهُورُ، مُحْصِنِينَ فِي حَالِ كَوْنِكُمْ نَاكِحِينَ غَيْرَ زَانِينَ لِئَلَّا تُضَيِّعُوا أَمْوَالَكُمْ وَتُفْقِرُوا

стр. 92

فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَالْفَرْضُ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَهْرَ مُقَدَّرًا شَرْعًا كَانَ مُبْطِلًا، وَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ فِي قَوْله تَعَالَى مَا فَرَضْنَا لَفْظٌ خَاصٌّ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ ــ [كشف الأسرار] أَنْفُسَكُمْ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ فَتَخْسَرُوا دُنْيَاكُمْ وَدِينَكُمْ، وَمَفْعُولُ أَنْ تَبْتَغُوا مُقَدَّرٌ، وَهُوَ النِّسَاءُ، فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ الِابْتِغَاءَ أَيْ الطَّلَبَ بِالْمَالِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ مُلْصَقًا بِالْمَالِ وَالطَّلَبُ بِالْعَقْدِ يَقَعُ لَا بِالْإِجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] ، فَيَجِبُ الْمَالُ عِنْدَ الْعَقْدِ إمَّا تَسْمِيَةً وَإِمَّا وُجُوبًا بِإِيجَابِ الشَّرْعِ. وَقَوْلُهُ عَنْ الطَّلَبِ الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ يَتَرَاخَى إلَى الْوَطْءِ قَوْلُهُ (فِي الْمُفَوِّضَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْوِيضَ هُوَ التَّزْوِيجُ بِلَا مَهْرٍ، وَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ فَالصَّحِيحُ هُوَ أَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ تَقُولَ زَوِّجْنِي وَلَا تَذْكُرُ الْمَهْرَ فَيُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَيَقُولُ زَوَّجْتُكهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ أَوْ السَّيِّدُ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِلَا مَهْرٍ أَوْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِهِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِالْفَرْضِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ لَا مَهْرَ لَهَا، وَالْفَاسِدُ هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ الصَّغِيرَةَ أَوْ الْمَجْنُونَةَ مُفَوِّضَةً أَوْ الْأَبُ زَوَّجَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ دُونَ رِضَاهَا مُفَوِّضَةً فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ لِلْإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي التَّفْوِيضِ الصَّحِيحِ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا مُفَوِّضَةً بِكَسْرِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا فَوَّضَتْ أَيْ أَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ بِلَا مَهْرٍ وَمُفَوَّضَةً بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ وَلِيَّهَا فَوَّضَهَا أَيْ زَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ وَالْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ بِلَا مَهْرٍ لَا تُسَمَّى إلَّا مُفَوَّضَةً بِالْفَتْحِ فَهَذَا مَعْنَى فَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا. فَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ بِالْكَسْرِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ وَبِالْفَتْحِ هِيَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِلَا مَهْرٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأُولَى فَاسِدٌ عِنْدَهُ لِعَدَمِ الْوَلِيِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ وَفِي نِكَاحِ الثَّانِيَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ، وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الصَّدْرِ الْحَجَّاجِ قُطْبِ الدِّينِ ﵀ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمُفَوِّضَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِمَالٍ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِلَا مَالٍ بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مَوْقُوفٌ إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِلَا عِوَضٍ، وَهُوَ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ. قُلْت الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي الْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَهَهُنَا كَذَلِكَ فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْمَالِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ شُرِطَ فِيهِ الْإِشْهَادُ مَعَ أَنَّ إطْلَاقَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَكَذَا يُشْتَرَطُ الْمَالُ (قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أَيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَجِبُ فَرْضُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَقِيلَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالْمَهْرُ، وَفِي التَّيْسِيرِ أَيْ مَا أَوْجَبْنَا مِنْ الْمُهُورِ فِي أُمَّتِك فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمِنْ الْعِوَضِ فِي إمَائِهِمْ وَأَحْلَلْنَا لَك الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ وَأَطْلَقْنَا لَك الِاصْطِفَاءَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا شِئْت، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي تَقْدِيرِ الْمَهْرِ فَقَالَ الْفَرْضُ

стр. 93

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْإِيجَابِ وَالتَّقْدِيرِ؛ وَإِنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ فَمَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَالتَّرْكِ فِي الْمَهْرِ وَالتَّقْدِيرِ فِيهِ كَانَ إبْطَالًا لِمُوجِبِ هَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَا عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا لَهُ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ ــ [كشف الأسرار] لَفْظٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ فِي تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ مُجْمَلٌ فَالْتُحِقَ السُّنَّةُ بَيَانًا بِهِ، وَهِيَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ وَلَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ» فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ تَقْدِيرًا لَازِمًا فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُقَدَّرًا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ لَا عَامِلًا بِهِ، وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْفَرْضَ خَاصٌّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت بَلْ الْفَرْضُ الْجَزُّ فِي الشَّيْءِ وَمِنْهُ قِيلَ فَرْضُ الْقَوْسِ لِلْجَزِّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْوَتَرُ، وَالْمِفْرَضُ لِلْحَدِيدَةِ الَّتِي يُجَزُّ بِهَا، وَالْفَرِيضُ لِلسَّهْمِ الْمَفْرُوضِ الَّذِي فُرِضَ فَوْقَهُ وَفُرْضَةُ النَّهْرِ لِثُلْمَتِهِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَقَى، وَالْفَرْضُ الْإِيجَابُ أَيْضًا، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَالْفَرْضُ الْبَيَانُ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] أَيْ بَيَّنَّاهَا فِي قَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، أَيْ بَيَّنَ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ. وَالْفَرْضُ التَّقْدِيرُ كَمَا ذَكَرْت فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا لَا خَاصًّا، أَوْ هُوَ خَاصٌّ فِي الْقَطْعِ حَقِيقَةٌ فِيهِ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ أَصْلُ الْفَرْضِ الْقَطْعُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْإِيجَابِ وَالتَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَكَذَا الْمُقَدَّرُ مَقْطُوعٌ عَنْ الْغَيْرِ فَكَانَ مَجَازًا فِيهِمَا ثُمَّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى الْإِيجَابِ هَهُنَا بِقَرِينَةِ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيجَابِ يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ كَمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ مَا بِهِ قَوَامُهُنَّ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَاجِبٌ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ كَوُجُوبِهِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ لِلْأَزْوَاجِ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْإِيجَابِ هَهُنَا فَأَمَّا مَعْنَى التَّقْدِيرِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ عَلَى الْمَوَالِي لِلْإِمَاءِ شَيْءٌ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْإِيجَابَ هُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا كَلِمَةُ عَلَى، فَإِنَّهَا صِلَةُ الْإِيجَابِ لَا صِلَةُ التَّقْدِيرِ يُقَالُ فَرَضَ عَلَيْهِ أَيْ أَوْجَبَ وَلَا يُقَالُ فَرَضَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى قَدَّرَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْلَى لَا يَكُونُ تَرْكُ الْقَوْلِ بِالتَّقْدِيرِ فِي الْمَهْرِ إبْطَالًا. قَوْلُهُ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ فَرَضْنَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْإِيجَابِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَاتِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بِلَفْظِ الْفَرْضِ وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُهُورَ النِّسَاءِ مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهَا غَيْبٌ عَنَّا فَبِاصْطِلَاحِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ الْمَعْلُومُ لَا أَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ مَا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ اُعْتُبِرَ هَذَا بِقِيَمِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ تَظْهَرُ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَنَظِيرُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَسْتُورٌ عَنَّا وَيَظْهَرُ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ وَلَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إثْبَاتُ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ، وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ قَبْلَ الْفِعْلِ لِيَتَحَقَّقَ الِامْتِثَالُ كَتَقْدِيرِ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْغَرَضَ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى الْخَمْسَةِ يَكُونُ ذَلِكَ إظْهَارًا لِلْمُقَدَّرِ أَيْضًا كَمَا لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى الْعِشْرِينَ. وَاَلَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا بِمَا ذَكَرْتُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَلَمَّا جَازَتْ الزِّيَادَةُ جَازَ النُّقْصَانُ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا؟ ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي تَمْنَعُ النُّقْصَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ كَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ

стр. 94

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْقَطْعُ لَفْظٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، فَأَنَّى يَكُونُ إبْطَالُ عِصْمَةِ الْمَالِ عَمَلًا بِهِ فَقَدْ وَقَعْتُمْ فِي الَّذِي أَبَيْتُمْ ــ [كشف الأسرار] أَلَا يُرَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِجَانِبِ الْقِلَّةِ بِالنَّفْيِ فَقَالَ لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ دُونَ الْكَثْرَةِ إذْ لَمْ يَقُلْ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهَا فَيَكُونُ الْتِزَامُ الْأَكْثَرِ امْتِثَالًا بِهَذَا التَّقْدِيرِ لَا مَحَالَةَ كَالْتِزَامِ الزِّيَادَةِ فِي الزَّكَاةِ بِخِلَافِ جَانِبِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلِامْتِثَالِ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ أَيْ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ، فَمَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَالتَّرْكِ فِي الْمَهْرِ أَيْ إثْبَاتَ الْمَهْرِ وَتَرْكَهُ كَمَا جَعَلَهُ مَالِكٌ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَا إنْ شَاءَ أَوْجَبَ الْمَهْرَ فِي الْعَقْدِ أَوْ سَكَتَ فَيَجِبُ الْمَهْرُ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ وَإِنْ شَاءَ نَفَاهُ فَيَصِحُّ نَفْيُهُ أَيْضًا وَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ كَنَفْيِ الثَّمَنِ عَنْ الْبَيْعِ يَصِحُّ وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَهْرِ كَمَا جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: إيجَابُ أَصْلِهِ بِالْعَقْدِ وَبَيَانُ مِقْدَارِهِ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الزَّوْجَيْنِ كَانَ إبْطَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَأَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى الْإِيجَابِ أَيْ مَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَاخْتِيَارَ التَّقْدِيرِ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ، رَفَعَهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قِيلَ وَفِيمَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أَيْ حُكْمُهُمَا أَوْ الْخَبَرُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَدُخُولُ الْفَاءِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْدِيَهُمَا، وَنَحْوُهُ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] اكْتَفَى بِتَثْنِيَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ تَثْنِيَةِ الْمُضَافِ، وَأُرِيدَ بِالْيَدَيْنِ الْيَمِينَانِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ عَبْدُ اللَّهِ وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ جَزَاءً وَنَكَالًا مَفْعُولٌ لَهُمَا كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ إنَّمَا جَمَعَ الْأَيْدِي؛ لِأَنَّ السَّارِقَ اسْمُ جِنْسٍ، وَكَذَا السَّارِقَةُ أُرِيدَ بِهِمَا الْجَمْعُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَيْدِي؛ لِأَنَّهَا أَفْرَادٌ مُضَافَةٌ إلَى الْجَمْعِ وَقَالَ أَيْدِيَهُمَا عَلَى التَّثْنِيَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَيْدِيهِمْ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ اعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَائِعٌ لُغَةً كَالْجَمْعِ بَيْنَ تَذْكِيرِ الْمَعْنَى وَتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَالصَّوَابُ أَيْمَانَهُمْ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَيْمَانَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَالْعُضْوُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ مِنْ اثْنَيْنِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ عِنْدَنَا حُكْمُ السَّرِقَةِ قَطْعٌ يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْ السَّارِقِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَسْرُوقُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ خَمْرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا اسْتَهْلَكَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لَا يَنْفِي ضَمَانَ الْعَيْنِ عَنْهُ بَلْ الْعَيْنُ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَطْعٌ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي السَّرِقَةِ الْكُبْرَى وَحَدِّ الزِّنَا قَالَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْقَطْعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَمْ يَنْفِ الضَّمَانَ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الْإِبَانَةُ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الضَّمَانِ وَانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ أَصْلًا، وَلَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، اسْمًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَقْصُودًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شُرِعَ جَبْرًا لِلْمَحَلِّ وَالْآخَرُ شُرِعَ زَاجِرًا بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَمَحَلًّا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ أَحَدِهِمَا الْيَدُ وَمَحَلَّ الْآخَرِ الذِّمَّةُ، وَسَبَبًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ أَحَدِهِمَا الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبَ الْآخَرِ الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ وَاسْتِحْقَاقًا، فَإِنَّ مُسْتَحِقَّ الْقَطْعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمُسْتَحِقُّ الْآخَرِ الْعَبْدُ وَإِذَا

стр. 95

وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِنَصٍّ مَقْرُونٍ بِهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ الْمُطْلَقَ اسْمٌ لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مُقَابَلَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ؛ وَإِنْ يَجِبْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَدُلَّ عَلَى خُلُوصِ الْجِنَايَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْجَزَاءِ وَاقِعَةٌ عَلَى حَقِّهِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحَوُّلُ الْعِصْمَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْمَشْرُوعِ لِمَا شُرِعَ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَزَى أَيْ قَضَى وَجَزَاءٌ بِالْهَمْزَةِ أَيْ كَفَى وَكَمَالُهُ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الْجِنَايَةِ وَلَا كَمَالَ مَعَ قِيَامِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا لِمَعْنًى يَكُونُ فِي غَيْرِهِ ــ [كشف الأسرار] اخْتَلَفَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا ثُبُوتَ الْآخَرِ وَلَا انْتِفَاءَهُ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَهُوَ الْعُمُومَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَكَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَكَقَوْلِهِ ﵇، «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَطْعَ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ وَإِبْطَالَ الْعِصْمَةِ لَا يَكُونُ هَذَا عَمَلًا بِهَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ بَلْ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇، «لَا غُرْمَ عَلَى سَارِقٍ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ» ، وَقَدْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَيْ لَا يَكُونُ إبْطَالُ عِصْمَةِ الْمَالِ عَمَلًا بِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ إبْطَالُ الْعِصْمَةِ ثَبَتَ بِنَصٍّ يُشِيرُ إلَى إبْطَالِهَا، " مَقْرُونٍ " بِقَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ النَّصُّ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ كَقَوْلِك أَنْتَ حُرٌّ نَصٌّ فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ الشَّرْطُ تَغَيَّرَ مُوجِبُهُ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا غَيَّرْنَا هَذَا النَّصَّ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ سُقُوطَ عِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، بِدَلِيلٍ زَائِدٍ اُقْتُرِنَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَزَاءً، وَفِي قَوْلِهِ مَقْرُونٍ بِهِ إشَارَةٌ إلَى نَوْعٍ مِنْ التَّشْنِيعِ عَلَى الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْمُتَّصِلِ بِهَذَا الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى إشَارَتِهِ ثُمَّ طَعَنَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ فَيَكُونُ الطَّعْنُ عَائِدًا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَانُ إشَارَتِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ أُطْلِقَ هَهُنَا وَالْجَزَاءُ إذَا أُطْلِقَ فِي مَعْرِضِ الْعُقُوبَاتِ يُرَادُ بِهِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمُقَابَلَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمِثْلِ وَمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ يَتَقَيَّدُ بِهِ مَالًا كَانَ أَوْ عُقُوبَةً كَالْغَصْبِ وَالْقِصَاصِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْخُصُومَةَ بِدَعْوَى الْحَدِّ وَإِثْبَاتِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ إنَّمَا يَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةٍ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ؛ لِيَكُونَ الْجَزَاءُ وِفَاقًا وَذَلِكَ بِأَنْ يُثْبِتَ الْحُرْمَةَ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ كَحُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَرَامًا لِغَيْرِهِ مُبَاحًا فِي ذَاتِهِ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ عَصِيرِ الْغَيْرِ وَالْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْمَالَ قَبْلَ السَّرِقَةِ مُحْتَرَمًا لِحَقِّ الْعَبْدِ عَلَى الْخُلُوصِ وَلَمْ يَسْتَبْقِ لِذَاتِهِ حَقًّا حَتَّى صَحَّ بَذْلُ الْعَبْدِ وَإِبَاحَتُهُ وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَهُ بِإِتْلَافٍ وَلَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى ضَمَانٌ ثُمَّ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ حَقًّا لِنَفْسِهِ خَالِصًا فَعَرَفْنَا ضَرُورَةَ أَنَّهُ اسْتَخْلَصَ الْحُرْمَةَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا اسْتَخْلَصَهَا لِذَاتِهِ وَهِيَ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْقَى لِلْعَبْدِ ضَرُورَةٌ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَصَارَ مُحْتَرَمًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَبْقَى حَقًّا لِلْعَبْدِ وَكَالْأَرْضِ تُتَّخَذُ مَسْجِدًا وَصَارَتْ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَبْقَى لِلْعَبْدِ وَكَمَا لَا يَبْقَى لِلْبَائِعِ إذَا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحْوِيلُ الْعِصْمَةِ إلَيْهِ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إبْطَالُ الْعِصْمَةِ إبْطَالُهَا عَلَى الْعَبْدِ بِنَقْلِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إبْطَالُهَا مُطْلَقًا (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُرْمَةَ وَاحِدَةٌ بَلْ الْمَالُ مُحْتَرَمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُودِ النَّهْيِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ وَمُحْتَرَمٌ أَيْضًا لِحَقِّ الْعَبْدِ

стр. 96

وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ الْعِصْمَةُ، وَهِيَ الْحِفْظُ وَلَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا ــ [كشف الأسرار] كَمَا كَانَ لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ وَشُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ عِنْدَكُمْ وَكَوُجُوبِ الدِّيَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ (قُلْنَا) بَلْ الْحُرْمَةُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ الْقَطْعَ يَجِبُ إلَّا بِمَالٍ مُحْتَرَمٍ حَقًّا لِلْعَبْدِ؛ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَطْعَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِصِيَانَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَانْتَقَلَتْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَبْقَ مَعْنًى لِلْعَبْدِ يُضَافُ وُجُوبُ الضَّمَانِ إلَيْهِ بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ فِي الصَّيْدِ بَلْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّيْدِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. وَإِذَا لَمْ يَصِرْ حَقُّهُ مَقْضِيًّا بِهِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقُّهُ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ خَمْرِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ بِشُرْبِهَا لَمْ يَجِبْ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَوْ شَرِبَ خَمْرَ نَفْسِهِ يَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لِحَقِّهِ وَجَبَ جَبْرُ حَقِّهِ بِالضَّمَانِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ ﵀ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ يَدُلُّ يَعْنِي لُغَةً، عَلَى كَمَالِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ الْقَطْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَثَلًا، لِمَا شُرِعَ لَهُ، وَهُوَ السَّرِقَةُ أَوْ الزَّجْرُ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ رَاجِعٌ إلَى الْمَشْرُوعِ وَالْبَارِزُ إلَى مَا، يَعْنِي تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ جَزَاءً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَامِلٌ وَتَامٌّ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جُزِيَ بِالْيَاءِ أَيْ قُضِيَ وَالْقَضَاءُ الْإِحْكَامُ وَالْإِتْمَامُ قَالَ: وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُد أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ أَيْ أَحْكَمَهُمَا وَأَتَمَّهُمَا كَذَا قِيلَ، فَعَلَى هَذَا أَصْلُهُ جَزَايٌ بِالْيَاءِ إلَّا أَنَّهَا قُلِبَتْ هَمْزَةً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الْأَلِفِ كَالْقَضَاءِ أَصْلُهُ قَضَايٌ، وَأَجْزَأَ بِالْهَمْزِ أَيْ كَفَى وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَكُونُ كَافِيًا إذَا كَانَ تَامًّا وَكَامِلًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةً وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ جَزَى يَجْزِي يُقَالُ جِزْيَتُهُ بِمَا صَنَعَ جَزَاءً فَأَمَّا كَوْنُهُ مَهْمُوزًا فَمَا وَجَدْته فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الَّتِي عِنْدِي وَلَعَلَّ الشَّيْخَ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَلَّ لَفْظُ الْجَزَاءِ عَلَى الْكَمَالِ لُغَةً اسْتَدْعَى كَمَالَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ سَبَبِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَمَعَ بَقَاءِ الْعِصْمَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ. وَهُوَ حَقُّ الْمَالِكِ فَيَبْقَى مُبَاحًا بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَذَلِكَ أَعْظَمُ شُبْهَةٍ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ فَلَا يَجِبُ مَعَهَا الْحَدُّ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْغَصْبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى اسْتِدْلَالٌ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَزَاءِ وَالثَّانِيَةَ اسْتِدْلَالٌ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَحَاصِلُهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِكَمَالِ الْجَزَاءِ عَلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي لَفْظِ الْجَزَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْكَمَالِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ الْقَطْعُ جَمِيعَ مُوجِبِ الْفِعْلِ فَكَانَ نَسْخًا لِمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ. قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْطُلُ) جَوَابُ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: أَتِلْكَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ السَّرِقَةِ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ كَالْعِصْمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ النَّبَّاشُ عِنْدَكُمْ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةٍ فِي الْمِلْكِ ثُمَّ لَمْ يَقْتَضِ وُجُوبُ الْقَطْعِ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بَقِيَ لِلْعَبْدِ كَمَا كَانَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَقْلَ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ وِلَايَةُ

стр. 97

فَأَمَّا تَعَيُّنُ الْمَالِكِ فَشَرْطٌ لِيَصِيرَ خَصْمُهُ مُتَعَيِّنًا لَا لِعَيْنِهِ حَتَّى إذَا وُجِدَ الْخَصْمُ بِلَا مِلْكٍ كَانَ كَافِيًا كَالْمُكَاتَبِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَلِذَلِكَ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِنَايَةَ تَقَعُ عَلَى الْمَالِ وَالْعِصْمَةُ صِفَةٌ لِلْمَالِ مِثْلُ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فَأَمَّا الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ كَيْفَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْجِنَايَةِ لِيَنْتَقِلَ ــ [كشف الأسرار] التَّضْمِينِ إنْ كَانَ هَالِكًا، فَأَجَابَ وَقَالَ: اشْتِرَاطُ الْمِلْكِ لَيْسَ بِعَيْنِهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ لِتَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَمْ يَجِبْ جَزَاءً عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَحَلِّ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا بَلْ بِكَوْنِهِ مَعْصُومًا مُتَقَوِّمًا إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْعَبْدِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فَثَبَتَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِتَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ لَا لِذَاتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِقَالِ الْعِصْمَةِ انْتِقَالُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ، وَهِيَ تَحَقُّقُ الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ قَدْ انْدَفَعَتْ بِهِ. وَذَلِكَ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ بَقِيَ الْمِلْكُ لِصَاحِبِهَا؛ وَإِنْ انْتَقَلَتْ عِصْمَتُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَالشَّاةِ إذَا مَاتَتْ بَقِيَ مِلْكُ صَاحِبِهَا فِي الْجِلْدِ؛ وَإِنْ صَارَتْ مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ: (قَوْلُهُ فَأَمَّا تَعَيُّنُ الْمَالِكِ فَشَرْطٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ آخَرَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمِلْكُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْعِصْمَةُ فِي تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ، وَقَدْ انْتَقَلَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى صَارَ كَالْخَمْرِ عَلَى مَا قُلْتُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ دَعْوَى الْمَالِكِ وَيَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَسَائِرِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: تَعَيُّنُ الْمَالِكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِعَيْنِهِ أَيْضًا بَلْ لِيَظْهَرَ السَّبَبُ بِخُصُومَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنَّ السَّرِقَةَ هِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْحَدِّ إلَّا بِذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ الْمُحْرَزُ، وَمَالُ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِخُصُومَةِ الْغَيْرِ وَإِثْبَاتِهِ فَكَانَتْ الدَّعْوَى شَرْطًا لِإِثْبَاتِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْخَصْمُ بِلَا مِلْكٍ كَانَ كَافِيًا عِنْدَنَا كَالْمُكَاتَبِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَالْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَوْدِعِ وَالْعَبْدِ الْمُسْتَغْرِقِ بِالدَّيْنِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَوَجْهٌ آخَرُ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ الْعِصْمَةُ وَلَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِ الْمَسْرُوقِ مَمْلُوكًا لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا لَا يُوصَفُ بِالْعِصْمَةِ بَلْ يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ فَلَوْ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ لَبَطَلَتْ الْعِصْمَةُ أَصْلًا وَفِي بُطْلَانِهَا بُطْلَانُ الْجِنَايَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ النَّقْلِ تَحْقِيقُهَا لَا إبْطَالُهَا فَامْتَنَعَ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْعِصْمَةِ. وَقَوْلُهُ؛ وَلِذَلِكَ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ؛ فَلِكَوْنِ الْعِصْمَةِ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ دُونَ الْمِلْكِ انْتَقَلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ وَعَلَى التَّقْرِيرِ الثَّانِي فَلِعَدَمِ إمْكَانِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَوْفَقُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَقَدْ وُجِدَتْ الْعِصْمَةُ بِدُونِ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ إذَا سَرَقَ مَالَ الْوَقْفِ مِنْ الْمُتَوَلِّي يَجِبُ الْقَطْعُ وَلَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ الْوَقْفُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (قُلْنَا) الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حُكْمًا؛ وَلِهَذَا يَرْجِعُ الثَّوَابُ إلَيْهِ وَالْغَلَّةُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ كَالْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَيْضًا تَبَعًا لِأَصْلِهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أُسْتَاذُ الْأَئِمَّةِ حَمِيدُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀ فِي فَوَائِدِهِ وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ؛ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ فِي جَوَابِ سَرِقَةِ مَالِ الْوَقْفِ وَسَرِقَةِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْقَطْعَ وَلَا مِلْكَ فِيهَا لِغَرِيمٍ وَلَا وَارِثٍ إنَّ الْمِلْكَ مَا شُرِطَ لِعَيْنِهِ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ لِمَكَانِ الْخُصُومَةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِظُهُورِ

стр. 98

وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَأَمَّا نَقْلُ الْعِصْمَةِ فَمَشْرُوعٌ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] السَّرِقَةِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَدَمَ الْمِلْكِ فَالْيَدُ ثَابِتَةٌ، وَهِيَ كَافِيَةٌ لِلْخُصُومَةِ، ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِصْمَةِ وَالْمِلْكِ فَقَالَ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ أَيْ النَّقْلُ إنَّمَا يُثْبِتُ ضَرُورَةً تَكَامُلَ الْجِنَايَةِ وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمَالِ فَيَنْتَقِلُ مَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِ، وَهُوَ الْعِصْمَةُ فَأَمَّا الْمِلْكُ فَصِفَةٌ لِلْمَالِكِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْجِنَايَةِ فَكَيْفَ يَنْتَقِلُ أَيْ لَا يَنْتَقِلُ. وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فَقَالَ الْجَزَاءُ: إنَّمَا يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ لَا عَلَى الْمَالِكِ وَالْمِلْكُ صِفَةُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْقَادِرِ لَا مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِ فَجَازَ أَنْ لَا يَسْقُطَ الْمِلْكُ فَأَمَّا الْعِصْمَةُ، وَهِيَ الِاحْتِرَامُ فَوَصْفُ الْمَحَلِّ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَحَلِّ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ كَمَا فِي الْخَمْرِ (فَإِنْ قِيلَ) الْعِصْمَةُ صِفَةٌ لِلْعَاصِمِ لَا لِلْمَالِ كَالْمِلْكِ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ وَلِهَذَا يُقَالُ مَالٌ مَعْصُومٌ وَلَا يُقَالُ مَالٌ عَاصِمٌ كَمَا يُقَالُ مَالٌ مَمْلُوكٌ لَا مَالِكٌ، فَأَنَّى يَسْتَقِيمُ هَذَا الْفَرْقُ (قُلْنَا) تَقْرِيرُهُ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ كَشْفٍ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّي كَالضَّرْبِ مَثَلًا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ التَّأْثِيرِ وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ التَّأَثُّرِ؛ وَلِهَذَا يُوصَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيُقَالُ زَيْدٌ الضَّارِبُ وَعَمْرٌو الْمَضْرُوبُ، فَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْفَاعِلُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُؤَثِّرَ قَامَ بِهِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْمَفْعُولُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّأَثُّرَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ قَامَ بِهِ وَالْمَصْدَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لُغَةً مُنَاسِبٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ فَمَصْدَرُ الضَّارِبِ ضَرْبٌ بِمَعْنَى التَّأْثِيرِ، وَمَصْدَرُ الْمَضْرُوبِ ضَرْبٌ بِمَعْنَى التَّأَثُّرِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُهُ بِالْفَاعِلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ الْمَفْعُولِ كَمَا فِي قَوْلِك فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ أَيْ سَجِيَّتُهُ الْإِعْطَاءُ وَالْمَنْعُ وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُهُ بِالْمَفْعُولِ دُونَ الْفَاعِلِ كَمَا إذَا بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ. ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْعِصْمَةِ التَّعَلُّقُ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمَالُ لَا بِالْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ هِيَ الْحِفْظُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ صَيْرُورَةُ الْمَالِ مَحْفُوظًا لَا اتِّصَافُ الْفَاعِلِ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمِلْكِ عَكْسُهُ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِالْفَاعِلِ وَاتِّصَافُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ الْمَفْعُولِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ اتِّصَافُ الْعَبْدِ بِالْمَالِكِيَّةِ لَا اتِّصَافُ الْمَالِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَ الشَّيْخُ الْعِصْمَةَ صِفَةَ الْمَالِ وَالْمِلْكَ صِفَةَ الْمَالِكِ. قَوْلُهُ (وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ) يَعْنِي لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُتَصَوَّرَةَ الْوُقُوعِ عَلَى الْمِلْكِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِهِ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْهَدْ فِي الشَّرْعِ انْتِقَالَ مِلْكِ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ كَيْفَ وَأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الثَّابِتِ إذْ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِلْكُهُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا مَمْلُوكُ الْعَبْدِ لَا مَمْلُوكُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ الْعَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ، فَأَمَّا الْعِصْمَةُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْعَبْدِ فَقَدْ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ انْتِقَالُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا مَعْصُومٌ لِلْعَبْدِ لَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلِهَذَا قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْعِصْمَةِ دُونَ الْمِلْكِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ انْتِقَالَ الْعِصْمَةِ عِنْدَنَا إنَّمَا يَثْبُتُ حَالَ انْعِقَادِ السَّرِقَةِ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ لِمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى الْحِفْظِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا مَضْمُونًا بِالْعُقُوبَةِ الزَّاجِرَةِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَقَرَّرُ هَذَا بِالِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى تَمَامُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ حُكْمُ الْأَخْذِ مُرَاعًى إنْ اسْتَوْفَى الْقَطْعَ تَبَيَّنَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَحَلِّ قَدْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ لِلْعَبْدِ؛ وَإِنْ

стр. 99

وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ (بَابُ الْأَمْرِ) ــ [كشف الأسرار] تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ لِلْعَبْدِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ لَهُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَسْئِلَةِ. ثُمَّ هَذَا الِانْتِقَالُ ضَرُورِيٌّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لِتَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ لِلسَّارِقِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّ وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُ السَّارِقِ يَضْمَنُ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ السَّارِقُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَةِ فَيَظْهَرُ حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّ هَذَا الْفِعْلِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَظْهَرَ الِانْتِقَالُ فِي الضَّمَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْدَفَعَتْ بِإِثْبَاتِهِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْقَطْعِ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَدْ ظَهَرَ انْتِقَالُهَا وَإِبْطَالُهَا فِي حَقِّ أَحَدِ الضَّمَانَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّ الضَّمَانِ الْآخَرِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَكْرَارِ الضَّمَانِ بِإِزَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ إتْمَامٌ لِلْمَقْصُودِ بِالسَّرِقَةِ فَيَظْهَرُ سُقُوطُ حَقِّ الْعَبْدِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لِلْمَقْصُودِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ آخَرُ ابْتِدَاءً كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ انْتَقَلَتْ الْعِصْمَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْخَمْرِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ كَمَا فِي سَرِقَةِ الْخَمْرِ (قُلْنَا) إنَّمَا لَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَعْصُومًا حَقًّا لِلْعَبْدِ قَبْلَ السَّرِقَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَالْخَمْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَأَمَّا الْمَالُ الْمَسْرُوقُ فَقَدْ كَانَ مَعْصُومًا قَبْلَ السَّرِقَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ مُفْتَقِرًا إلَى الصِّيَانَةِ فَوَجَبَ الْقَطْعُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ (فَإِنْ قِيلَ) الْقَطْعُ شُرِعَ لِصِيَانَةِ حَقِّ الْعَبْدِ وَفِي الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْعِصْمَةِ وَبُطْلَانِ الضَّمَانِ إبْطَالُ حَقِّهِ فَيَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِهِ. (قُلْنَا) إنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ صُورَةً فَفِيهِ تَكْمِيلُ مَعْنَى الْحِفْظِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ وَاحِدَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا كَانَ الْقَطْعُ أَنْفَعَ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ الْحِفْظِ حَالَةَ السَّرِقَةِ بِجَعْلِ الْمَحَلِّ مُحَرَّمَ التَّنَاوُلِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ تَنَاوُلُهُ مَضْمُونًا بِالْقَطْعِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْحِفْظِ، وَهَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ حِفْظِ مَالِهِ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ لَهُ كَمَا أَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ إيجَابِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ وَصِيَانَةَ النَّفْسِ فِيهِ أَتَمُّ وَلِهَذَا سُمِّيَ حَيَاةً، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُفْتِي بِالضَّمَانِ فِيمَا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ قَدْ لَحِقَهُ النُّقْصَانُ وَالْخُسْرَانُ مِنْ جِهَتِهِ بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ وَلَكِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِالضَّمَانِ لَمَّا اُعْتُبِرَ الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي حَقِّ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ فَلَا يَقْضِي بِالضَّمَانِ وَلَكِنْ يُفْتِي بِرَفْعِ النُّقْصَانِ وَالْخُسْرَانِ الَّذِي أُلْحِقَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ) أَيْ وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِي بَيَانِهِ وَهُوَ الْخَاصُّ [بَابُ الْأَمْرِ] [تَعْرِيف الْأَمْر] (بَابُ الْأَمْرِ) ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي أَوَّلِ الْبَابِ لَفْظَةَ ذَلِكَ، وَهُوَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْبَعِيدِ وَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ

стр. 100

فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ عِنْدَنَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ صِيغَةً لَازِمَةً وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﵇ عِنْدَهُمْ مُوجِبَةٌ كَالْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ــ [كشف الأسرار] وَبَعْدَ ذِكْرِ الْأَصْلِ ذَكَرَ لَفْظَ هَذَا، وَهُوَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْقَرِيبِ، وَكَذَا ذَكَرَ قُبَيْلَ بَابِ النَّهْيِ، وَكَانَ عَكْسُهُ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ مِمَّا لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ فَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ذَلِكَ وَهَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ أَشْبَهَ الْمَحْسُوسَ الْغَائِبَ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ أَشْبَهَ الْمَحْسُوسَ الْحَاضِرَ فَصَحَّ فِيهِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَيْنِ وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبَلْدَةَ فَيَقُولُ السَّامِعُ سَمِعْت هَذَا أَوْ سَمِعْت ذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ دُخُولِ الْأَمِيرِ، وَهُوَ مَا لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ، وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْكِتَابُ وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ اخْتَلَفَتْ فِي تَعْرِيفِ الْأَمْرِ الَّذِي بِمَعْنَى الْقَوْلِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ تَعْرِيفَهُ كَمَا ذَكَرَ تَعْرِيفَ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقِيلَ هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِإِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ الْمُتَوَقِّفِ مَعْرِفَتُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ لِاشْتِقَاقِهِمَا مِنْهُ، وَبِالطَّاعَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ مَعْرِفَتُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّاعِي إلَى تَحْصِيلِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْعُلُوِّ وَيَلْزَمُ عَلَى اطِّرَادِهِ وَاطِّرَادِ الْأَوَّلِ أَيْضًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَوْ صَدَرَتْ مِنْ الْأَعْلَى نَحْوَ الْأَدْنَى عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ وَالشَّفَاعَةِ لَا تُسَمَّى أَمْرًا، وَعَلَى انْعِكَاسِهِمَا أَنَّهَا لَوْ صَدَرَتْ مِنْ الْأَدْنَى نَحْوَ الْأَعْلَى بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ تُسَمَّى أَمْرًا؛ وَلِهَذَا يُنْسَبُ قَائِلُهَا إلَى الْحُمْقِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ وَاحْتَرَزَ بِلَفْظِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الِالْتِمَاسِ وَالدُّعَاءِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْأَمْرَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ فَأَرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ وَالصِّيغَةُ سُمِّيَتْ بِهِ مَجَازًا، وَبِقَوْلِهِ: فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ احْتَرَزَ عَنْ النَّهْيِ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الِالْتِمَاسِ وَالدُّعَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ مَعْنًى قَائِمٌ فِي نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَلَامٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُهُ الْفُقَهَاءُ؛ وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ قَوْلَهُ افْعَلْ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ لَا تَفْعَلْ حَقِيقَةً فِي النَّهْيِ. قَوْلُهُ (فَإِنَّ الْمُرَادَ) الْفَاءُ فِي فَإِنَّ إشَارَةٌ إلَى تَعْلِيلِ كَوْنِ الْأَمْرِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَاصُّ، الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ أَيْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفِينَ لَا مُوجِبَ لَهُ إلَّا الْوُجُوبُ، يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ أَيْ لَازِمَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْمُرَادِ، فَإِنَّ اللَّازِمَ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا، وَقَدْ يَكُونُ عَامًا، وَالْمُرَادُ هُوَ الْخَاصُّ هُنَا لِمَا سَنُشِيرُ إلَيْهِ، ثُمَّ اللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَعْنَى وَلَا يَكُونُ الْمَعْنَى مُخْتَصًّا بِهِ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الْعَكْسِ كَبَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاخْتِصَاصُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَبَايِنَةِ فَالشَّيْخُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْجَانِبَيْنِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ، وَالْغَرَضُ مِنْ تَعَرُّضِ جَانِبِ اللَّفْظِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ هُوَ إثْبَاتُ كَوْنِهِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِ الْمَعْنَى خُصُوصُ اللَّفْظِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِيَسْتَقِيمَ التَّعْلِيلُ، وَمِنْ التَّعَرُّضِ لِجَانِبِ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ يَخْتَصُّ هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدُ فِي خُصُوصِ الْمَعْنَى لَا فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُونَا فِي أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ خَاصَّةٌ فِي الْوُجُوبِ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ أَيْضًا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَدَّمَ ذِكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَا بَيَانُ كَوْنِهِ مِنْ الْخَاصِّ، وَهَذَا هُوَ الْغَرَضُ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ لَفْظَةِ الْمَخْصُوصَةِ إلَى لَفْظَةِ اللَّازِمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا فَكَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ الْخَاصِّ بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِ الْمَعْنَى بِالصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ اخْتِصَاصِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى. وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَعَلَى هَذَا كَانَ ذِكْرُ اللَّازِمَةِ فِي قَوْلِهِ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ تَأْكِيدًا إذْ اللُّزُومُ يُسْتَفَادُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالصِّيغَةِ أَمَّا ذِكْرُهَا فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ صِيغَةٌ لَازِمَةٌ فَلَازِمٌ إذْ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّازِمَةَ هَهُنَا لَمْ يُفْهَمْ نَفْيُ اخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِالصِّيغَةِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَيَخْتَلُّ الْكَلَامُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْمٌ لِمَا هُوَ مُوجِبٌ وَأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالْأَمْرِ فَصَارَا مُتَلَازِمَيْنِ وَأَنَّ الصِّيغَةَ الْمَخْصُوصَةَ تُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً فَيَحْصُلُ بِهَا الْإِيجَابُ وَلَكِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْفِعْلَ هَلْ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً حَتَّى يَحْصُلَ بِهِ الْإِيجَابُ فَعِنْدَنَا لَا يُسَمَّى أَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْإِيجَابُ وَعِنْدَهُمْ يُسَمَّى أَمْرًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَيُفِيدُ الْإِيجَابَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَيْ حَاصِلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﵇ عِنْدَهُمْ أَيْ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ النَّاسِ مُوجِبَةٌ كَالْأَمْرِ أَيْ كَالْأَمْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ صِيغَةُ افْعَلْ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا نُقِلَ إلَيْنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ ﵇ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَهْوٍ مِثْلُ الزَّلَّاتِ وَلَا طَبْعٍ مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا هِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ مِثْلُ وُجُوبِ الضُّحَى وَالسِّوَاكِ وَالتَّهَجُّدِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَلَا بِبَيَانٍ لِمُجْمَلٍ مِثْلُ قَطْعِهِ يَدَ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَتَيَمُّمِهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] هَلْ يَسَعُنَا أَنْ نَقُولَ فِيهِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِكَذَا وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا فَعِنْدَ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَيَجِبُ عَلَيْنَا الِاتِّبَاعُ فِيهِ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَجِبُ الِاتِّبَاعُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ، فَيَجِبُ الِاتِّبَاعُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَجِبُ فِي الْأَقْسَامِ الْأُخَرِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَفْظُ الْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّيغَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْفِعْلِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْعَيْنِ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ كَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيجَابَ مَعَ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مُتَلَازِمَانِ يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ بِثُبُوتِ الْآخَرِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ انْحِصَارِ الْإِيجَابِ عَلَى الصِّيغَةِ انْتِفَاءُ الِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ

стр. 102

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ فِعْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ مُسْتَفَادًا بِالْفِعْلِ لَمَا سُمِّيَ بِهِ وَقَالَ ﵇: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَجَعَلُوا الْمُتَابَعَةَ لَازِمَةً ــ [كشف الأسرار] الْأَمْرِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ ثُبُوتُ الِاشْتِرَاكِ؛ فَلِهَذَا يَتَعَرَّضُ فِي الدَّلَائِلِ تَارَةً لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ وَإِثْبَاتِهِ وَتَارَةً لِنَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ وَإِثْبَاتِهِ فَافْهَمْ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ فِعْلُهُ وَطَرِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالرُّشْدِ وَالْفِعْلُ إنَّمَا يُوصَفُ بِهِ لَا الْقَوْلُ، وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أَيْ فِعْلُهُمْ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أَيْ فِيمَا تُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ إخْبَارًا ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] أَيْ صُنْعِهِ فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ وَجْهِ التَّمَسُّكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ أَيْ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ الطَّلَبُ أَوْ الْإِيجَابُ مُسْتَفَادًا بِالْفِعْلِ أَيْ حَاصِلًا بِهِ وَمَفْهُومًا مِنْهُ لَمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ بِالْأَمْرِ أَيْ لَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إذْ ذَاكَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ مُسْتَفَادٌ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا صُورَةً بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ الطَّلَبُ وَمَعْنَى الْفِعْلِ تَحْقِيقُ الشَّيْءِ وَلَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ ثَبَتَ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ ثَبَتَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُوجِبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ الْإِطْلَاقِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا مُرَتَّبَةً وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ» فَجَعَلَ الْمُتَابَعَةَ لَازِمَةً فَثَبَتَ بِالتَّنْصِيصِ أَنَّ فِعْلَهُ مُوجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِذَاتِهِ كَمَا ثَبَتَ بِالتَّنْصِيصِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] إنَّ قَوْلَهُ مُوجِبٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَبِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجَمْعِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْعُودَ بِمَعْنَى الْخَشَبِ يُجْمَعُ عَلَى عِيدَانِ وَبِمَعْنَى اللَّهْوِ عَلَى أَعْوَادٍ وَقَدْ يُجْمَعُ الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ عَلَى أُمُورٍ وَبِمَعْنَى الْقَوْلِ عَلَى أَوَامِرَ فَيَكُونُ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَخْصُوصَ وَالْفِعْلَ مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ كَالشَّيْئِيَّةِ وَالشَّأْنِ فَيَجِبُ جَعْلُ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ فِي نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ لَمَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا إلَى الْفَهْمِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الْمُشْتَرَكِ لِلْمَعَانِي عَلَى السَّوَاءِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَبِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَفِي نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ لَمَا فَهِمَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا عَيْنًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ مُسَمَّاهُ حِينَئِذٍ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ كَمَا لَا دَلَالَةَ لِلْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَهُوَ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ عَنْ الْأَمْرِ وَانْتِفَاءُ الْإِيجَابِ عَنْ الْفِعْلِ مِنْ لَوَازِمِهِ وَلَكِنَّ الشَّيْخَ ﵀ تَعَرَّضَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ لِنَفْيِ الْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ عَلَى عَكْسِ مَا

стр. 103

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا ﵏ بِأَنَّ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَلَا يَجُوزُ قُصُورُ الْعِبَارَاتِ عَنْ الْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي، وَقَدْ وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مِثْلَ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ وُضِعَتْ لَهَا فَالْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ فَهُوَ بِذَلِكَ الْأَوْلَى ــ [كشف الأسرار] ذَكَرُوا لِيُطَابِقَ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، فَقَالَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ كَلِمَةِ إنَّمَا حَصْرَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِبَارَاتِ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْقَادُ لَهُ اللَّفْظُ وَأَرَادَ بِالْمَعَانِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ يَعْنِي الْمَوْضُوعَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ إلْقَاءَهَا إلَى السَّامِعِ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهَا لَهُ هِيَ الْعِبَارَاتُ لَا غَيْرُ، وَلَا يَجُوزُ قُصُورُ الْعِبَارَاتِ عَنْ الْمَعَانِي أَيْ وَلَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُوجَدَ مَعْنًى بِلَا لَفْظٍ فَيَحْتَاجُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَكَذَا فِي الْمُتَرَادِفَاتِ كَثْرَةٌ فَأَمَّا وُقُوعُ الْمُشْتَرَكِ فِي اللُّغَةِ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ قُصُورِ الْعِبَارَةِ أَلَا يَرَى أَنَّ لِكُلِّ مَعْنًى مِنْ الْمُشْتَرَكِ اسْمًا عَلَى حِدَةٍ إذَا ضُمَّ إلَى الْمُشْتَرَكِ صَارَا مُتَرَادِفَيْنِ. وَكَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي إلَّا أَنَّ الْعِبَارَاتِ قَاصِرَةٌ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ حُرُوفٍ مُتَنَاهِيَاتٍ وَالْمَعَانِي غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْعِبَارَةِ دَالًّا عَلَيْهَا أَيْضًا ضَرُورَةً فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَجِدُ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَلَا نَجِدُ مَعْنًى لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي تَعَقَّلَهَا الذِّهْنُ وَاحْتِيجَ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لِاسْتِحَالَةِ تَعَقُّلِ الذِّهْنِ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَضْعَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ مَحْصُورٌ عَلَى الْعِبَارَاتِ، وَأَنَّهَا لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي لَا يَكُونُ لِلْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ وَلَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ الْحَصْرُ فِي الْعِبَارَاتِ وَقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَدْرَجَ دَلِيلًا آخَرَ لِلتَّوْضِيحِ فَقَالَ: وَقَدْ وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مِثْلَ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ وُضِعَتْ لَهَا مِثْلَ ضَرَبَ وَيَضْرِبُ وَسَيَضْرِبُ، قَالُوا وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ لِلْحَالِ وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ سَوْفَ أَوْ السِّينُ صَارَتْ لِلِاسْتِقْبَالِ وَقَدْ تَعْرِفُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ الْمَعْنَى لَا فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ ضَرَبَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاضِي وَيَضْرِبُ بِالْحَالِ وَسَيَضْرِبُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ أَنَّ مَعْنَى الْمَاضِي مُخْتَصٌّ بِالصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ. وَكَذَا مَعْنَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ نَفْيًا لِلتَّرَادُفِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ الطَّلَبُ أَوْ الْإِيجَابُ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ إذْ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مَبْنِيَّانِ عَلَيْهِ وَثُبُوتُ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ بِهِ فَهُوَ بِالِاخْتِصَاصِ بِالصِّيغَةِ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالصِّيَغِ وَثَبَتَ بِالْفِعْلِ كَمَا يَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ لَزِمَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِالصِّيغَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالْفِعْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةُ إنَّمَا لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلْحَصْرِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَكُونُ الْكُلُّ دَلِيلًا وَاحِدًا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعِبَارَاتِ وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَالْعِبَارَةُ غَيْرُ قَاصِرَةٍ عَنْهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ فَيَكُونُ لِلْمَعْنَى الْمُثْبَتِ بِالْأَمْرِ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَقْصُودٌ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ وَإِذَا كَانَ لَهُ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ

стр. 104

وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ كَانَ حَقِيقَةً فَتَكُونُ لَازِمَةً إلَّا بِدَلِيلٍ أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْحَقَائِقِ لَا تَسْقُطُ عَنْ مُسَمَّيَاتِهَا أَبَدًا أَوْ أَمَّا الْمَجَازُ فَيَصِحُّ نَفْيُهُ يُقَالُ لِلْأَبِ الْأَقْرَبُ أَبٌ لَا يَنْفِي عَنْهُ بِحَالٍ وَيُسَمَّى الْجَدُّ أَبًا وَيَصِحُّ نَفْيُهُ ثُمَّ هَهُنَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّ فُلَانًا لَمْ يَأْمُرْ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ مَعَ كَثْرَةِ أَفْعَالِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ لَمْ يَسْتَقِمْ نَفْيُهُ وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مَا لَكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ» «وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْمُوَافَقَةَ فِي وِصَالِ الصَّوْمِ فَقَالَ إنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَازِمَةٌ ــ [كشف الأسرار] كَانَ هُوَ مُخْتَصًّا بِهَا؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مُخْتَصَّةً بِالْعِبَارَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَمْرِ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ وَإِذَا صَارَ مُخْتَصًّا بِهَا لَا يَثْبُتُ بِالْفِعْلِ قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ كَانَ حَقِيقَةً) يَعْنِي وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِهَذَا الْمَعْنَى عِبَارَةً مَوْضُوعَةً فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهِيَ صِيغَةُ افْعَلْ مَثَلًا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا مَحَالَةَ فَتَكُونُ لَازِمَةً لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ وَيَكُونُ عَائِدٌ إلَى أَصْلِ الْمَوْضُوعِ. وَإِنَّمَا قَالَ لَازِمَةٌ دُونَ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْضُوعَ هُوَ الصِّيغَةُ الْمَخْصُوصَةُ فَأَنَّثَ عَلَى تَأْوِيلِ الصِّيغَةِ وَإِذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ لَازِمَةً لِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا فَيُمْتَنَعُ ثُبُوتُهُ بِالْفِعْلِ ضَرُورَةً قَوْلُهُ (إلَّا بِدَلِيلٍ) أَيْ لُزُومُ الصِّيغَةِ الْمَخْصُوصَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ نَظَرًا إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَفَادُ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ كَمَا يُسْتَفَادُ بِهَا فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِيَ اللُّزُومُ وَيَثْبُتَ بِدُونِ الصِّيغَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، ثُمَّ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ عَنْ لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْإِيجَابِ عَنْ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ التَّوْضِيحِ فَقَالَ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ: الْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْوُجُودِ مِنْ الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ تَحْقِيقُ الْوُجُودِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلُ طَلَبِ الْوُجُودِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِطَلَبِ الْوُجُودِ؛ وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْوُجُودِ أَصْلًا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُرْضِيًّا مَحْمُودًا عِنْدَهُ قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵇) هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ السُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «خَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَعْلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَخَلَعَ مَنْ خَلْفَهُ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ فَقَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِي أَحَدَيْهِمَا قَذَرًا فَخَلَعْتُهُمَا لِذَلِكَ فَلَا تَخْلَعُوا نِعَالَكُمْ» كَذَا فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵁ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَيْك فَقَالَ إنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ. وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَفِي إنْكَارِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ إذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا كَالْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى كَمَا لَوْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَامْتَثَلُوا بِهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: ﵀ إنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فَكَيْفَ صَارَ اتِّبَاعُهُمْ لِلْبَعْضِ دَلِيلًا وَلَمْ يَصِرْ مُخَالَفَتُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا، وَقَوْلُهُ ﵇ «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَمَّا تَتَقَوَّى بِهِ الرُّوحُ مِنْ الْقُرْبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْأُنْسِ بِذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذِكْرُك لِلْمُشْتَاقِ خَيْرُ شَرَابٍ ... وَكُلُّ شَرَابٍ دُونَهُ كَسَرَابِ

стр. 105

وَلَا نُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِهِ فَسُمِّيَ بِهِ مَجَازًا أَوْ النَّبِيُّ ﵇ دَعَا إلَى الْمُوَافَقَةِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي» فَدَلَّ أَنَّ الصِّيغَةَ لَازِمَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ (بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ) ــ [كشف الأسرار] قَوْلُهُ (وَلَا نُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] فَقَالَ إنَّا لَا نُنْكِرُ تَسْمِيَةَ الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِالْأَمْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِالْأَمْرِ إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَفِي الْإِقْلِيدِ شَبَّهَ الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُو إلَى الْفِعْلِ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأَمْرِهِ بِهِ فَقَبِلَ لَهُ أَمْرُ تَسْمِيَةٍ لِلْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا قِيلَ شَأْنٌ. وَهُوَ مَصْدَرُ شَأَنْت أَيْ قَصَدْت سُمِّيَ بِهِ الْمَشْئُونُ أَيْ الْمَطْلُوبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْقَوْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَالرُّشْدُ الصَّوَابُ وَقَدْ يُوصَفُ الْقَوْلُ بِهِ، وَفِي الْمَطْلَعِ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: ٩٧] هُوَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَاتِّخَاذِهِ إلَهًا ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ بِذِي رُشْدٍ بَلْ هُوَ غَيٌّ وَضَلَالٌ وَقِيلَ بِمُرْشِدٍ. قَوْلُهُ (وَالنَّبِيُّ ﵇ دَعَا إلَى الْمُوَافَقَةِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ ﵇ صَلُّوا أَيْ الْمُتَابَعَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ بِقَوْلِهِ صَلُّوا لَا بِالْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ صَلُّوا بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] كَمَا لَا يَحْتَاجُ قَوْلُهُ افْعَلُوا كَذَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ يُوجِبُ الِامْتِثَالَ بِهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَابِهِ وَجَوَابِ أَمْثَالِهِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» ، بَيَانٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ شَرْعَهُ وَشَرْعَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فَفَهِمُوا وُجُوبَ الِاتِّبَاعِ بِذَلِكَ لَا بِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُسَمَّى فَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ جَمْعُ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ لَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَالْأَعْوَادُ وَالْعِيدَانُ كِلَاهُمَا جَمْعُ عُودٍ مُطْلَقًا كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَأَمَّا الْأَوَامِرُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّهَا جَمْعُ آمِرَةٍ لَا جَمْعُ أَمْرٍ، وَهُوَ حَقٌّ؛ لِأَنَّ فَوَاعِلَ فِي الثُّلَاثِيِّ جَمْعُ فَاعِلٍ اسْمًا كَكَوَاهِلَ أَوْ فَاعِلَةٍ اسْمًا وَصِفَةً كَكَوَاثِبَ وَضَوَارِبَ فَأَمَّا فَعْلُ فَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى فَوَاعِلَ أَلْبَتَّةَ لَكِنَّهُ قِيلَ أَوَامِرُ جَمْعُ آمِرَةٍ مَجَازًا كَأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ جَعَلَتْ آمِرَةً وَجُمِعَتْ عَلَى أَوَامِرَ كَمَا جُمِعَ نَهْيٌ عَلَى نَوَاهِي بِهَذَا التَّأْوِيلِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ مَا لَهُ نَاهِيَةٌ أَيْ نَهْيٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ أَيْ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي أَمْرٍ عَامٍّ قَدْ يُوجَدُ بَيْنَ كُلِّ مُشْتَرَكَيْنِ وَكُلِّ مَجَازٍ وَحَقِيقَةٍ. وَقَوْلُهُمْ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ قُلْنَا كُلُّ مَا هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ يَصِيرُ مُوَافِقًا لَهُ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَجَازِ هَهُنَا كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ [بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ] أَيْ حُكْمُ الْأَمْرِ، الْبَابُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَيَانِ لُزُومِ الصِّيغَةِ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِدُونِهَا وَبَيَانُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالصِّيغَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ ذَلِكَ الْمُرَادِ صَرِيحًا

стр. 106

وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَا يَجِبُ بِهِ حُكْمٌ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ ــ [كشف الأسرار] وَهَذَا الْبَابُ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ أَمْ وَاحِدٌ، مُتَعَيِّنٌ أَوْ مُبْهَمٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ) أَيْ لُزُومُهَا لِلْمَعْنَى وَاخْتِصَاصُهَا بِهِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ أَيْ انْفِرَادُ الْمَعْنَى وَتَعَيُّنُهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُتَعَيِّنًا مَعَ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَازِمَةٌ لَهُ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْإِجْمَالُ فِي الصِّيغَةِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ الْإِفْهَامُ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ وَالْإِجْمَالُ يُخِلَّانِ بِهِ إلَّا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْإِجْمَالَ وَقَعَا لِعَوَارِضَ قَدْ ذَكَرْنَا وَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ قِيلَ) إنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: الْخَاصُّ لَفْظٌ وُضِعَ لِكَذَا وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَقْسَامِ خُصُوصِ الْمَعْنَى فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ اللَّفْظِيِّ (قُلْنَا) لَا يَتِمُّ خُصُوصُ اللَّفْظِ إلَّا بِبَيَانِ خُصُوصِ الْمَعْنَى أَعْنِي تَفَرُّدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَحْدِيدِ الْخَاصِّ لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِجَانِبِ خُصُوصِ الْمَعْنَى لِيَتِمَّ خُصُوصُ اللَّفْظِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ لِوُجُوهٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهًا، لِلْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] وَلِلْإِرْشَادِ إلَى الْأَوْثَقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْشَادِ وَالنَّدْبِ أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْإِرْشَادَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الدُّنْيَا وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ، وَلِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَلِلْإِكْرَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] وَلِلِامْتِنَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وَلِلْإِهَانَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وَلِلتَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وَلِلتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أَيْ مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ وَلِلتَّكْوِينِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وَلِلِاحْتِقَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] وَلِلْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وَلِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وَ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلُوهُ قِسْمًا آخَرَ، وَلِلتَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وَلِلتَّسْخِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وَلِلتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ، وَلِلتَّأْدِيبِ كَقَوْلِهِ ﵇ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ «كُلْ مِمَّا يَلِيك» ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إذْ الْأَدَبُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَلِلدُّعَاءِ كَقَوْلِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لَيْسَتْ حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّسْخِيرِ وَالتَّعْجِيزِ وَالتَّسْوِيَةِ مَثَلًا غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ بَلْ إنَّمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ، إنَّمَا الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّهْدِيدُ فَقَالَ بَعْضُ الْوَاقِفِيَّةِ الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الشِّيعَةِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ الشَّيْخُ حَيْثُ جَعَلَ التَّوْبِيخَ مِنْ مَوَاجِبِهِ. وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقِيلَ

стр. 107

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْلِمَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلْإِيجَابِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَلِلنَّدْبِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وَلِلْإِبَاحَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَلِلتَّقْرِيعِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وَلِلتَّوْبِيخِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وَإِذَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ ــ [كشف الأسرار] بِالْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الشَّامِلِ لِلثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ فِي التَّهْدِيدِ مَجَازًا. وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَفْظًا، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنًى بِأَنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً فِي مَعْنَى الطَّلَبِ الشَّامِلِ لَهُمَا، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: فِي رِوَايَةٍ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْغَزَالِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ لَا يُدْرَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ فِي النَّدْبِ فَقَطْ أَوْ فِيهِمَا مَعًا بِالِاشْتِرَاكِ فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا بِدُونِ الْقَرِينَةِ إلَّا التَّوَقُّفُ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِازْدِحَامِ الْمَعَانِي فِيهِ وَحُكْمُ الْمُجْمَلِ التَّوَقُّفُ لَا أَنَّ التَّوَقُّفَ عِنْدَ الْبَعْضِ فِي نَفْسِ الْمُوجِبِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ فِي تَعْيِينِهِ، وَقَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: رَئِيسُهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵏ إنَّ حُكْمَهُ الْوُجُوبُ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ فِيهِ بِنَدْبٍ وَلَا إيجَابٍ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ بَلْ يَعْتَقِدُ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنْ يُؤْتَى بِالْفِعْلِ لَا مَحَالَةَ حَتَّى إنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابُ يَحْصُلُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ يَحْصُلُ الثَّوَابُ فَهَذَا بَيَانُ أَقْوَالِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَأَمَّا عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالُوا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي عَيْنًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ وَلَا إجْمَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْجُبَّائِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ﵀. قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) أَيْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ تَرْجِيحُ أَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَيَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجْمَالِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمَعَانِي عَلَى سَائِرِهَا لِاسْتِحَالَةِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَالتَّقْرِيعُ التَّعْجِيزُ وَالْإِفْحَامُ وَالتَّوْبِيخُ التَّهْدِيدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي التَّقْرِيعِ لَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِهَذَا يُلْحَقُ بِهِ افْعَلْ كَذَا إنْ اسْتَطَعْت كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَالْمُرَادُ مِنْهُ النَّفْيُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالسُّورَةِ أَوْ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَمَقْدُورٍ أَصْلًا وَفِي التَّوْبِيخِ يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] فَإِنَّ الْمَأْمُورَ قَادِرٌ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي التَّوْبِيخِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ بَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ مِنْهُ أَيْ لَا تَفْعَلْ هَذَا فَإِنَّك إنْ فَعَلْته سَتَلْحَقُ بِك عُقُوبَتُهُ وَلِهَذَا يَلْحَقُ بِهِ افْعَلْ فَإِنَّك تَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ، ثُمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أَيْ اسْتَخِفَّ وَاسْتَزِلَّ وَهَيِّجْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ مِنْ قَبِيلِ التَّهْدِيدِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّقْرِيعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَالْمَطْلَعِ وَعَيْنِ الْمَعَانِي وَعَامَّةِ التَّفَاسِيرِ وَالتَّقْوِيمِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ

стр. 108

وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي، فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرَادِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ إلَّا بِعَارِضٍ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ ــ [كشف الأسرار] وَأُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ وَغَيْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّعِينَ قَادِرٌ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَالدُّعَاءِ إلَى الشَّرِّ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّقْرِيعِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ التَّقْرِيعِ هَهُنَا؛ وَإِنْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ لِيَثْبُتَ الِاشْتِرَاكُ عَلَى زَعْمِ الْخَصْمِ وَهَذَا مِنْ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ، وَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُتَمَسَّكُ لِلْبَاقِينَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا حَمْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّهْدِيدِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا بَيْنَ قَوْلِهِ افْعَلْ وَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت لَا تَفْعَلْ حَتَّى إذَا قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا وَقَدَّرْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ مَنْقُولَةً عَنْ غَائِبٍ لَا فِي فِعْلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ حَتَّى يَتَوَهَّمَ فِيهِ قَرِينَةً دَالَّةً بَلْ فِي الْفِعْلِ مُطْلَقًا سَبَقَ إلَى فَهْمِنَا اخْتِلَافُ مَعَانِي هَذِهِ الصِّيَغِ وَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا أَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ قَامَ زَيْدٌ وَيَقُومُ زَيْدٌ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَاضِي وَالثَّانِيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِالْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَبِالْعَكْسِ لِقَرَائِنَ تَدُلُّ، وَكَمَا مَيَّزُوا الْمَاضِيَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ مَيَّزُوا الْأَمْرَ عَنْ النَّهْيِ وَقَالُوا: الْأَمْرُ قَوْلُهُ افْعَلْ وَالنَّهْيُ لَا تَفْعَلْ؛ وَإِنَّهُمَا لَا يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ. وَهَذَا أَمْرٌ نَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ اللُّغَاتِ فَعُلِمَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ افْعَلْ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَالتَّهْدِيدُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ خِلَافُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَبَحْتُ لَك إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ يَرْفَعُ التَّرْجِيحَ فَبَقِيَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ قَالَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَوْ الطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ أَوْلَى دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، ثُمَّ الْوَاقِفِيَّةُ إنَّمَا قَالُوا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] بِقَرِينَةِ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَبِمَا وَرَدَ مِنْ التَّهْدِيدَاتِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْمَرَضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةُ وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَبِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَإِيجَابُ تَدَارُكِهِ عَلَى الْحَائِضِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْقَتْلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَرَدَتْ فِيهَا تَهْدِيدَاتٌ وَدَلَالَاتٌ تَوَارَدَتْ عَلَى طُولِ مُدَّةِ النُّبُوَّةِ لَا تُحْصَى. قَوْلُهُ (وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ لِلْأَمْرِ مُوجِبًا مُتَعَيِّنًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ صِيغَةُ الْأَمْرِ أَحَدُ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِي خُصُوصِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الدَّلِيلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تُقْصَرُ عَنْ الْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ كَافِيَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَعَانِي أَيْ كُلُّ عِبَارَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمَعْنًى فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَالْمُرَادُ بِالْمُرَادِ الْجِنْسُ. وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ أَيْ فِي الْعِبَارَةِ إلَّا بِعَارِضٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْكَلَامِ إفْهَامَ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ

стр. 109

لِمَعْنًى خَاصٍّ ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ سِوَى الْوَاقِفِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْأَمْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ حُكْمُهُ الْإِبَاحَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّدْبُ وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: حُكْمُهُ الْوُجُوبُ ــ [كشف الأسرار] فَلَمْ يَكُنْ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِعَارِضٍ، وَهُوَ تَعَدُّدُ الْوَضْعِ مَعَ غَفْلَةِ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً، وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الْوَاضِعُ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ وَقَدْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاضِعُ مُتَعَدِّدًا وَقَدْ غَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ وَضْعِ صَاحِبِهِ وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْأَقْوَامِ، أَوْ الِابْتِلَاءِ إنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَاللَّامُ فِي الْمَعْنَى إشَارَةٌ إلَى اخْتِصَاصِ الصِّيغَةِ بِالْمَعْنَى، ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ، السَّائِرِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ يُقَالُ سَائِرُ النَّاسِ أَيْ جَمِيعُهُمْ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، أَوْ بِمَعْنَى الْبَاقِي كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَائِقِ أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ سَأَرَ إذَا بَقِيَ وَمِنْهُ السُّؤْرُ وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ الْخَاصَّةُ فَيَضَعُهُ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِمَعْنًى خَاصٍّ أَيْ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا عَنْ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِعَارِضٍ كَجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ أَوْ بَاقِيهَا؛ فَإِنَّهَا لَمَعَانٍ خَاصَّةٍ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا إلَّا بِدَلِيلٍ مُغَيِّرٍ كَمَا قُلْنَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْخُصُوصُ فِي الْعَامِّ، فَيَكُونُ إضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَى الْخُصُوصِ إضَافَةَ السَّبَبِ إلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِك وَقْتَ الظُّهْرِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ إلَّا بِعَارِضٍ مُغَيِّرٍ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِاشْتِرَاكِ الِاشْتِرَاكَ الْحَقِيقِيَّ الْمُصْطَلَحَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ الصُّورِيَّ الَّذِي يَحْدُثُ لِلْأَلْفَاظِ بِسَبَبِ الِاسْتِعَارَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الِاسْتِعْمَالِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ وَبَيْنَ الشُّجَاعِ وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَمْنَعُ خُصُوصَ اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ أَنَّهُ غُيِّرَ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَأُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الْآخَرُ؛ وَلِهَذَا لَا يُخِلُّ هَذَا الِاشْتِرَاكُ بِالْفَهْمِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ قَرِينَةً لَازِمٌ لَهُ فَيَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْخُصُوصُ وَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الْخَالِي عَنْ الْقَرِينَةِ؛ وَلِهَذَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْتَ رَأَيْتُ أَسَدًا يُفْهَمُ مِنْهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ لَا غَيْرُ وَإِذَا قُلْتَ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ لَا غَيْرُ فَأَمَّا إذَا قُلْتَ رَأَيْت عَيْنًا فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ الْخُصُومُ لَمَّا اسْتَدَلُّوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ فِي الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ حَقِيقِيٌّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ دُونَ الِاشْتِرَاكِ أَجَابَ عَمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ فَقَالَ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ. ثُمَّ قَدْ يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الصُّورِيُّ أَيْ الْمَجَازُ بِالدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ، وَهُوَ الْقَرِينَةُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ تُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْضَمَّةِ إلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الَّذِي تَمَسَّكْتُمْ بِهِ بَعْدَمَا ثَبَتَ الْخُصُوصُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ لَا الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْخُصُوصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى الْمَجَازِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا

стр. 110

أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْإِبَاحَةِ قَالُوا إنَّ مَا ثَبَتَ أَمْرًا كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالنَّدْبِ قَالُوا لَا بُدَّ مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الْوُجُودِ وَأَدْنَى ذَلِكَ مَعْنَى النَّدْبِ إلَّا أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ بِهِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِيهِ فَثَبَتَ أَعْلَاهُ عَلَى احْتِمَالِ الْأَدْنَى إذْ لَا قُصُورَ فِي الصِّيغَةِ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ وَالدَّلِيلُ ــ [كشف الأسرار] بِالْإِبَاحَةِ) قَالُوا الْفَاءُ فِي جَوَابِ إمَّا لَازِمٌ لَكِنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ يَتْرُكُونَهَا كَثِيرًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُمْ كَانَ إلَى الْمَعْنَى لَا إلَى اللَّفْظِ كَذَا كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حَافِظُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ: قَالُوا: إنَّ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا أَيْ الَّذِي ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا مِنْ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ، وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبِيخِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الصِّيغَةَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي لَيْسَتْ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِاتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ لَا مَحَالَةَ، فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى مَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ كَمَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي مَالِهِ يَثْبُتُ بِهِ الْحِفْظُ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ، وَفِي التَّقْوِيمِ قَالُوا: الْأَمْرُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِالِائْتِمَارِ فَدَلَّ ضَرُورَةً عَلَى انْفِتَاحِ طَرِيقِ الِائْتِمَارِ عَلَيْهِ وَأَدْنَاهُ الْإِبَاحَةُ. وَأَمَّا النَّادِبُونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَانِبُ إيجَادِ الْفِعْلِ رَاجِحًا عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَلَيْسَ فِي الْإِبَاحَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا فِيهَا سَوَاءٌ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّرَجُّحِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ يَثْبُتُ أَدْنَاهُمَا لِلتَّيَقُّنِ بِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَبِ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ بَعْدُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّرْجِيحُ بِالنَّدْبِ لِاقْتِضَائِهِ كَوْنَ الْفِعْلِ أَحْسَنَ مِنْ التَّرْكِ وَتَعَلُّقُ الثَّوَابِ بِهِ، قَالَ الشَّيْخُ: ﵀ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِالنَّدْبِ مَعَ دَلِيلِهِ فَاسِدٌ، خَصَّهُ بِالْحُكْمِ بِالْفَسَادِ دُونَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ النَّادِبِينَ قَدْ تَضَمَّنَ إفْسَادَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَكَمَالُهُ بِالْوُجُوبِ لَا بِالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ كَتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِهِ دَلَّ أَنَّ الْفِعْلَ مَطْلُوبُ الْأَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ بِهِ كَمَالُ الطَّلَبِ مِنْ جَانِبِهِ، وَكَذَا الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ الْفِعْلُ يَحْصُلُ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُورِ غَالِبًا فَأَمَّا النَّدْبُ فَفِيهِ نُقْصَانٌ فِي جَانِبِ الطَّلَبِ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَا لَا يُؤَدِّي إلَى وُجُودِ الْمَطْلُوبِ غَالِبًا، وَإِذَا كَانَ كَمَالُ الطَّلَبِ فِي الْوُجُوبِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ إذْ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ يَمْلِكُ الْإِلْزَامَ، وَكَانَ قَوْلُهُ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ احْتِرَازٌ عَنْ صِيغَةٍ اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] فَكَانَ قُصُورُ الصِّيغَةِ عِبَارَةً عَنْ عَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا، وَهُوَ الْإِيجَابُ. وَقَوْلُهُ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِالْمُتَكَلِّمِ مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الْأَمْرُ لَفْظٌ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ خَاصًّا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ بِعَارِضٍ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُجُودِ فَكَانَ الْوُجُودُ بِوَاسِطَةِ الْوُجُوبِ مُضَافًا إلَى الْأَمْرِ السَّابِقِ فَمَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ جَعَلَ النُّقْصَانَ أَصْلًا وَالْكَمَالَ بِعَارِضٍ، وَهَذَا قَلْبُ الْقَضِيَّةِ، وَلَا حُجَّةَ لِلنَّادِبِينَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «، إذَا أَمَرْتُكُمْ
следующие страницы →