← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وَهَذَا بَابٌ لَا يُحْصَى عَدَدُ فُرُوعِهِ فَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَى الْجُمَلِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ: وَهُمَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ. ــ [كشف الأسرار] وُجِدَ أَصْلٌ يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ فِي غَيْرِ التَّقَابُضِ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْثِلَةِ صَحَّتْ التَّعْدِيَةُ أَيْضًا (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ وُجِدَ فِي جَوَازِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَصْلٌ وَهُوَ عُقُودُ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ النِّكَاحَ مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الشُّهُودُ لِصِحَّةِ الْمُعَامَلَاتِ شَرْعًا وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى بَعْضِهَا حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ كَبَيْعِ الْأَمَةِ فَيُعَلَّلُ ذَلِكَ الْأَصْلُ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بِهِ إلَى الْفَرْعِ، وَكَذَلِكَ وُجِدَ لِسُقُوطِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ لِحِلِّ الذَّبِيحَةِ أَصْلٌ وَهُوَ النَّاسِي فَيُعَلَّلُ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بِهِ إلَى الْفَرْعِ (قُلْنَا) لَمْ يُشْتَرَطْ الشُّهُودُ فِي النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعَامَلَةٌ وَلَكِنَّ اشْتِرَاطَ الشُّهُودِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ وَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى مَحَلٍّ لَهُ خَطَرٌ وَهُوَ مَصُونٌ عَنْ الِابْتِذَالِ فَلِإِظْهَارِ خَطَرِهِ يَخْتَصُّ بِشَرْطِ الشُّهُودِ وَلَا يُوجَدُ أَصْلٌ فِي الْمَشْرُوعَاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِيُعَلَّلَ ذَلِكَ الْأَصْلُ فَيُعَدَّى الْحُكْمُ بِهِ إلَى الْفَرْعِ. وَأَمَّا النَّاسِي فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَرْطُ التَّسْمِيَةِ وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْمُسَمَّى حُكْمًا لِلْعُذْرِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﵇ «تَسْمِيَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» كَمَا جَعَلَ النَّاسِيَ فِي الصَّوْمِ كَالْمُبَاشِرِ لِرُكْنِ الصَّوْمِ حُكْمًا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «تِمَّ عَلَى صَوْمِك فَإِنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» وَهَذَا حُكْمٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ وَتَعْلِيلُ مِثْلِهِ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بَاطِلٌ مَعَ أَنَّ الْعَامِدَ لَيْسَ كَالنَّاسِي لِانْعِدَامِ الْعُذْرِ فِي حَقِّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قِيَاسَ الْعَامِدِ عَلَى النَّاسِي فِي الصَّوْمِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا هَاهُنَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ فَصَارَ حَاصِلُ الْبَابِ أَنَّ إثْبَاتَ السَّبَبِ أَوْ الشَّرْطِ أَوْ الْحُكْمِ بِالتَّعْلِيلِ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ فَأَمَّا بِطَرِيقِ التَّعْدِيَةِ فَجَائِزٌ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ التَّعْدِيَةِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ إنَّمَا حَكَمْنَا بِفَسَادِ التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ أُصُولٍ تُقَاسُ هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ عَلَيْهَا لَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْقِيَاسِ وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمٍ مَعْلُومٍ إلَى آخِرِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَعْنِي الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ، الثَّابِتُ بِالتَّعْلِيلِ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّأْيِ مُسْتَنْبَطٌ بِالْعِلَّةِ إلَّا أَنَّهُمَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ نَوْعَانِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُثْبِتُ مَا يَنْفِيهِ الْآخَرُ ثُمَّ الْحُكْمُ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْنَى فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَلِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ جَلِيًّا سَمَّيْنَاهُ قِيَاسًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّيْنَاهُ اسْتِحْسَانًا

стр. 1122

(بَابُ الْقِيَاسِ) (وَالِاسْتِحْسَانِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِيَاسِ فَمَا ضَعُفَ أَثَرُهُ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ الِاسْتِحْسَانِ] (بَابُ بَيَانِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ) : الِاسْتِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحُسْنِ، وَهُوَ عَدُّ الشَّيْءِ وَاعْتِقَادُهُ حَسَنًا تَقُولُ اسْتَحْسَنْت كَذَا أَيْ اعْتَقَدْته حَسَنًا، وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا سَنُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ) وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ، وَالْأَثَرُ قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا وَغَيْرَ قَوِيٍّ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ بِاعْتِبَارِ ضَعْفِ الْأَثَرِ، وَقُوَّتِهِ. وَهَذِهِ تَقْسِيمُ الْقِيَاسِ الَّذِي قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ مَعْنَوِيٌّ وَتَقْسِيمُ هَذَا الِاسْتِحْسَانِ الْمُعَارِضِ لَا تَقْسِيمُ نَفْسِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِمَا فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْخَالِيَ عَنْ مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ. وَكَذَا الِاسْتِحْسَانُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ خَارِجٌ عَنْهُ أَيْضًا فَكَانَ مَعْنَاهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمَا ضَعُفَ أَثَرُهُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قُوَّةِ أَثَرِ مُقَابِلِهِ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ أَيْ ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَعُفَ بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ فَسَدَ. وَالْمُرَادُ فِي الضَّعْفِ وَالْفَسَادِ هَاهُنَا وَاحِدٌ. وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَأَثَرُهُ أَيْ انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنًى خَفِيٌّ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ فِي التَّحْقِيقِ فَانْدَفَعَ بِهِ فَسَادُ ظَاهِرِهِ وَصَارَ رَاجِحًا عَلَى مُقَابِلِهِ، وَنَوْعَا الِاسْتِحْسَانِ عَلَى عَكْسِ نَوْعَيْ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرَ. فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ اسْتِحْسَانًا لِخَفَاءِ أَثَرِهِ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ قِيَاسًا لِظُهُورِ أَثَرِهِ فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ لَا الظَّاهِرُ قُلْنَا ظُهُورُ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خَفَاءِ فَسَادِهِ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ كَمَا فِي سَائِرِ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ فِي مَسْأَلَةِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَخْفَى، وَأَقْوَى مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِمَا إلَّا أَنَّهُ انْضَمَّ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ مَعْنًى أَدَقُّ مِنْ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَقَوِيَ بِهِ

стр. 1123

وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ وَأَثَرُهُ وَأَحَدُ نَوْعَيْ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ وَخَفِيَ فَسَادُهُ، وَإِنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لَكِنَّهُ يُسَمَّى بِهِ ــ [كشف الأسرار] وَجْهُ الْقِيَاسِ وَضَعُفَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَفَسَدَ. فَبِالنَّظَرِ إلَى وَجْهَيْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَوَّلًا كَانَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَخْفَى، وَأَقْوَى مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ فَصَحَّ تَسْمِيَتُهُ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي سَائِرِ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْخَفِيِّ اللَّاحِقِ بِالْقِيَاسِ ثَانِيًا كَانَ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَقْوَى فَتَرَجَّحَ وَجْهُ الْقِيَاسِ وَضَعُفَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَهَذَا مَعْنًى دَقِيقٌ يَنْدَفِعُ بِهِ سُؤَالَاتُ الْخُصُومِ فَافْهَمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْقَادِحِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ طَعَنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ ﵏ فِي تَرْكِهِمْ الْقِيَاسَ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ: حُجَجُ الشَّرْعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ قِسْمٌ خَامِسٌ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرْعِ سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَلْ هُوَ قَوْلٌ بِالتَّشَهِّي فَكَانَ تَرْكُ الْقِيَاسِ بِهِ تَرْكًا لِلْحُجَّةِ لِاتِّبَاعِ هِيَ أَوْ شَهْوَةِ نَفْسٍ فَكَانَ بَاطِلًا ثُمَّ قَالَ إنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي تَرَكُوهُ بِالِاسْتِحْسَانِ إنْ كَانَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً فَالْحُجَّةُ الشَّرْعِيَّةُ حَقٌّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْبَاطِلُ وَاجِبُ التَّرْكِ، وَمِمَّا لَا يُشْتَغَلُ بِذِكْرِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ ذَكَرُوا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّا نَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ وَنَتْرُكُ الِاسْتِحْسَانَ بِهِ فَكَيْفَ يُجَوِّزُونَ الْأَخْذَ بِالْبَاطِلِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَذَكَرَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْوَرَعِ، وَكَثْرَةِ التَّحَيُّزِ وَالْعَدَاوَةِ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ بَالَغَ فِي إنْكَارِ الِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَكُلُّ ذَلِكَ طَعْنٌ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَقَدْحٌ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ عَلَى الْمُرَادِ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَجَلُّ قَدْرًا، وَأَشَدُّ وَرَعًا مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي الدِّينِ بِالتَّشَهِّي أَوْ عَمِلَ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ مِنْ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ شَرْعًا فَالشَّيْخُ ﵀ عَقَدَ الْبَابَ لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَالْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ دَفْعًا لِهَذَا الطَّعْنِ فَقَالَ: بَعْدَمَا قَسَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى نَوْعَيْنِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ وَاخْتَلَفَ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ قِيَاسٍ إلَى قِيَاسٍ أَقْوَى مِنْهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ، وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانُ الثَّابِتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الْقِيَاسِ مِثْلُ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ مَا سَنَذْكُرُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ عَمَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ ﵀ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ أَنْ يَعْدِلَ الْإِنْسَانُ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمِثْلِ مَا حَكَمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا إلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنْ الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنْ الْعُمُومِ إلَى التَّخْصِيصِ وَعَنْ الْمَنْسُوخِ إلَى النَّاسِخِ اسْتِحْسَانًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَلْزَمُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَرَكْت الِاسْتِحْسَانَ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ، قَالَ تَرَكْت الْقِيَاسَ الْأَقْوَى أَوْ الدَّلِيلَ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَتْرُوكَ سُمِّيَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ اتَّصَلَ بِالْقِيَاسِ مَعْنًى آخَرُ صَارَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فَلِذَلِكَ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَأَخَذَ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ، وَإِنَّمَا سَمِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ فَيَكُونُ الْآخِذُ بِهِ مُسْتَحْسِنًا، وَلَمَّا صَارَ اسْمًا لِهَذَا النَّوْعِ

стр. 1124

إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ كَمَا جَازَ الْعَمَلُ بِالطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ أَوْلَى مِنْهُ. ــ [كشف الأسرار] مِنْ الْقِيَاسِ، وَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا أَيْضًا بَقِيَ الِاسْمُ، وَإِنْ صَارَ مَرْجُوحًا فَإِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَرَكْت الِاسْتِحْسَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ عِلَّةً سِوَى عِلَّةِ الْأَصْلِ أَوْ مَعْنًى آخَرَ يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَأَنَّ الْأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي مَا أَخَذْت بِهِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ اسْتِحْسَانًا تَسْمِيَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ اسْتِحْسَانًا تَسْمِيَةً لَا مَعْنًى، وَالِاسْتِحْسَانُ مَعْنًى هُوَ الْقِيَاسُ. وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الِاسْتِحْسَانَ بِالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ مُسْتَحْسَنٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ الِاسْتِحْسَانَ بِالرَّأْيِ فَإِنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِالتَّشَهِّي عَلَى زَعْمٍ فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى دَفْعِ طَعْنِهِمْ بِقَوْلِهِ إنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ أَيْ الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ عِنْدَنَا أَيْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لَا أَنْ يَكُونَ قِسْمًا آخَرَ اخْتَرَعُوهُ بِالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَعَارَضَا فِي حَادِثَةٍ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ لِيُعْمَلَ بِهِ إذَا أَمْكَنَ لَكِنَّهُ سُمِّيَ بِهِ أَيْ لَكِنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ سُمِّيَ بِالِاسْتِحْسَانِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ لِتَرَجُّحِهِ عَلَى الْآخَرِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ سَمَّوْهُ اسْتِحْسَانًا لِلتَّمَيُّزِ بَيْنَ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ الَّذِي تَذْهَبُ إلَيْهِ الْأَوْهَامُ، وَبَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الطُّرُقِ لِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ فَإِنَّ أَهْلَ النَّحْوِ يَقُولُونَ هَذَا نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَهَذَا نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَهَذَا نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي النَّاصِبَةِ، وَأَهْلُ الْعَرُوضِ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ الْبَحْرِ الطَّوِيلِ، وَهَذَا مِنْ الْبَحْرِ الْمُتَقَارِبِ، وَهَذَا مِنْ الْبَحْرِ الْمَدِيدِ فَكَذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا اسْتَعْمَلُوا عِبَارَةَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَخَصَّصُوا أَحَدَهُمَا بِالِاسْتِحْسَانِ لِكَوْنِ الْعَمَلِ بِهِ مُسْتَحْسَنًا، وَلِكَوْنِهِ مَائِلًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ فَسَمَّوْهُ بِهَذَا الِاسْمِ لِوُجُودِ مَعْنَى الِاسْمِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَعْهُودَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ عَادَةً. فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ دَفْعُ الطَّعْنِ، وَإِبَانَةُ الْمُرَادِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لَا تَعْرِيفُ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَقْسَامِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هَاهُنَا أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ تَقْسِيمُ وُجُوهِ الْعِلَلِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا بَيَانُ جَمِيعِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ. قَوْلُهُ: (إنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ) ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوهِمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ الَّذِي عَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ جَائِزٌ لَكِنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ أَوْلَى، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالطَّرْدِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ أَيْ الْعَمَلُ بِالْمُؤَثِّرِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالطَّرْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا ظَنَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ أَوْلَى مَعَ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِحْسَانِ وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالطَّرْدِ مَعَ الْمُؤَثِّرِ، وَقَالَ الْعَمَلُ بِالْمُؤَثِّرِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالطَّرْدِ جَائِزًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدِي فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ، وَالْمَتْرُوكُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَرُبَّمَا قِيلَ إلَّا أَنِّي أَسْتَقْبِحُ ذَلِكَ، وَمَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ الدَّلِيلِ شَرْعًا فَاسْتِقْبَاحُهُ يَكُونُ كُفْرًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ فِي مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ أَصْلًا، وَأَنَّ الْأَضْعَفَ يَسْقُطُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَقْوَى. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ مَا يُوَافِقُ هَذَا حَيْثُ قَالَ فَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ بِمُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِعَدَمِهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَقَالَ فَصَارَ هَذَا بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ

стр. 1125

وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ مِثْلُ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي ــ [كشف الأسرار] وَهَكَذَا حُكْمُ الطَّرْدِ مَعَ الْأَثَرِ فَإِنَّ الطَّرْدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالْأَثَرَ حُجَّةٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ حُجَّةٌ بَلْ الْعَمَلُ بِالْأَثَرِ وَاجِبٌ، وَالطَّرْدُ بِمُقَابَلَتِهِ سَاقِطٌ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُعَارَضَةٍ فَإِنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا رُجْحَانٌ عَلَى الْآخَرِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَسَقَطَ الْآخَرُ أَصْلًا فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ أَنَّهُ هُوَ الْوَجْهُ الْمَأْخُوذُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ إنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ عِنْدَ سَلَامَتِهِ عَنْ مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّرْدِ مَعَ الْأَثَرِ يَعْنِي إذَا لَمْ يُعَارِضْ الطَّرْدَ أَثَرٌ جَازَ الْعَمَلُ بِهِ إذَا كَانَ مُلَائِمًا، وَإِذَا ظَهَرَ الْأَثَرُ فَالْمَعْمُولُ هُوَ الْأَثَرُ وَالطَّرْدُ سَاقِطٌ، وَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ [أَقْسَامُ الِاسْتِحْسَانِ] قَوْلُهُ: (وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ) يَعْنِي لَيْسَ الِاسْتِحْسَانُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَوْعَيْهِ بَلْ لَهُ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِثْلُ الِاسْتِحْسَانِ الثَّابِتِ بِالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّ غَرَضَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ لَمَّا كَانَ تَقْسِيمَ أَنْوَاعِ الْعِلَلِ إذْ نَحْنُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْعِلَّةِ قَسَّمْنَا الِاسْتِحْسَانَ الَّذِي هُوَ قِيَاسٌ خَفِيٌّ فَانْقَسَمَ عَلَى نَوْعَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ الضَّمِيرُ إمَّا أَنْ يَعُودَ إلَى الِاسْتِحْسَانِ أَوْ إلَى أَقْسَامٍ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مُشْتَبِهٌ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ هُوَ، وَمِنْهُ فِيمَا بَعْدُ لَكَانَ أَوْضَحَ مِثْلُ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي. فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْعَقْدِ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً عِنْدَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ الْمُوجِبِ لِلتَّرَخُّصِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» الْحَدِيثَ، وَأَقَمْنَا الذِّمَّةَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَقَامَ مِلْكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جَوَازِ السَّلَمِ. وَكَذَا الْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّفَقَةُ مَعْدُومٌ فِي الْحَالِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْعَقْدِ مُضَافًا إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ لَا تَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» فَالْأَمْرُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَكَذَا الْأَكْلُ نَاسِيًا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَبْقَى مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِيهِ كَالطَّهَارَةِ مَعَ الْحَدَثِ وَالِاعْتِكَافِ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَّا أَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِالْأَثَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَتِمَّ عَلَى صَوْمِك فَإِنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ حَيْثُ قَالَ لَوْلَا قَوْلُ النَّاسِ لَقُلْت يَقْتَضِي يَعْنِي بِهِ رِوَايَةَ الْأَثَرِ. وَمِنْهُ أَيْ وَمِنْ الِاسْتِحْسَانِ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ مِثْلُ الِاسْتِصْنَاعِ يَعْنِي فِيمَا فِيهِ لِلنَّاسِ تَعَامُلٌ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ إنْسَانًا لِيُخَرِّزَ لَهُ خُفًّا مَثَلًا بِكَذَا وَيُبَيِّنَ صِفَتَهُ وَمِقْدَارَهُ، وَلَا يَذْكُرُ لَهُ أَجَلًا وَيُسَلِّمُ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ لَا يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ لِلْحَالِ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَعْدُومٌ وَصْفًا فِي الذِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ إلَّا بَعْدَ تَعَيُّنِهِ حَقِيقَةً أَيْ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ فَأَمَّا مَعَ الْعَدَمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عَقْدٌ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَهُ بِالْإِجْمَاعِ الثَّابِتِ بِتَعَامُلِ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ لِأَنَّ بِالْإِجْمَاعِ يَتَعَيَّنُ جِهَةُ الْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ كَمَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّصِّ فَيَكُونُ وَاجِبَ التَّرْكِ، وَقَصَرُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا فِيهِ تَعَامُلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِجْمَاعُ وَقَعَ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قُلْنَا: قَدْ صَارَ النَّصُّ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ مَخْصُوصًا

стр. 1126

وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الِاسْتِصْنَاعُ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي، وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هُنَا تَقْسِيمُ وُجُوهِ الْعِلَلِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ وَلَمَّا صَارَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا سَمَّيْنَا الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهَا قِيَاسًا وَسَمَّيْنَا الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهَا اسْتِحْسَانًا أَيْ قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الْأَثَرِ دُونَ الظُّهُورِ وَالْجَلَاءِ أَلَا يُرَى أَنَّ الدُّنْيَا ظَاهِرَةٌ وَالْعُقْبَى بَاطِنَةٌ وَقَدْ تَرَجَّحَ الْبَاطِنُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ، وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْخُلُودُ وَالصَّفْوَةُ وَتَأَخُّرُ الظَّاهِرِ لِضَعْفِ أَثَرِهِ، وَكَالنَّفْسِ مَعَ الْقَلْبِ وَالصَّبْرِ مَعَ الْعَقْلِ فَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ بِمُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِعَدَمِهِ فِي التَّقْدِيرِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ سُؤْرُ مَا هُوَ سَبُعٌ مُطْلَقٌ فَكَانَ كَسُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَهَذَا مَعْنًى ظَاهِرُ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ الْأَكْلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا ــ [كشف الأسرار] بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الْقِيَاسُ النَّافِي لِلْجَوَازِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ. وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي. فَإِنَّ الْقِيَاسَ نَافٍ طَهَارَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ تَنَجُّسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْحَوْضِ أَوْ الْبِئْرِ لِيَتَطَهَّرَ. وَكَذَا الْمَاءُ الدَّاخِلُ فِي الْحَوْضِ أَوْ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ الْبِئْرِ تَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ وَالدَّلْوُ تَتَنَجَّسُ أَيْضًا بِمُلَاقَاةِ الْمَاءِ فَلَا تَزَالُ تَعُودُ، وَهِيَ نَجِسَةٌ. وَكَذَا الْإِنَاءُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَسْفَلِهِ ثَقْبٌ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْهُ إذَا أُجْرِيَ مِنْ أَعْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ يَجْتَمِعُ فِي أَسْفَلِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْقِيَاسِ لِلضَّرُورَةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى ذَلِكَ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَلِلضَّرُورَةِ أَثَرٌ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ. ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ تَرْجِيحِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْقِيَاسِ فَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا خِلَافًا لِأَهْلِ الطَّرْدِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ. سَمَّيْنَا الَّذِي أَيْ الشَّيْءَ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهَا قِيَاسًا. وَسَمَّيْنَا الشَّيْءَ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهَا اسْتِحْسَانًا ذَكَرَ الِاسْمَ الْمَوْصُولَ بِتَأْوِيلِ الشَّيْءِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ الْعِلَّةِ. وَلَوْ قَالَ سَمَّيْنَا الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ أَوْ سَمَّيْنَا الَّتِي ضَعُفَ أَثَرُهَا لَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا وَعَلَى الْعَكْسِ، وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ. وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا. وَقَدْ يُرَجَّحُ الْبَاطِنُ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ حَتَّى وَجَبَ الِاشْتِغَالُ لِطَلَبِهِ. وَتَأَخَّرَ الظَّاهِرُ لِضَعْفِ أَثَرِهِ، وَهُوَ الْغَنَاءُ حَتَّى وَجَبَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ لَاخْتَارَ الْعَاقِلُ الْخَزَفَ الْبَاقِيَ عَلَى الذَّهَبِ الْفَانِي كَيْفَ، وَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ. وَكَالنَّفْسِ مَعَ الْقَلْبِ فَإِنَّ الْقَلْبَ تَرَجَّحَ عَلَى النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ ظَاهِرَةً وَالْقَلْبُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّ أَثَرَ عَمَلِ الْقَلْبِ أَقْوَى مِنْ عَمَلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالْبَصَرِ مَعَ الْعَقْلِ فَإِنَّ الْعَقْلَ رَاجِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنًا لِقُوَّةِ أَثَرِ إدْرَاكِهِ وَضَعْفِ أَثَرِ إدْرَاكِ الْبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ تَقَدُّمِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهُ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِثَالُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيَاسِ وَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ. أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ مُعْتَبَرٌ بِاللَّحْمِ، وَلَحْمُ هَذِهِ الطُّيُورِ حَرَامٌ كَلَحْمِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَكَانَ سُؤْرُهَا نَجِسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ كَذَا. اعْلَمْ أَنَّ مَشَايِخَنَا عَلَّلُوا فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ بِأَنَّ لُعَابَهَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ، وَلَحْمَهَا نَجِسٌ فَيَكُونُ السُّؤْرُ نَجِسًا أَيْضًا. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّحْمَ إنْ كَانَ نَجِسًا لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ الْحُرْمَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ السَّبُعِ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوِرِ، وَكَانَتْ عَيْنُهُ طَاهِرَةً كَالْجِلْدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ السُّؤْرُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْمُجَاوِرَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ السُّؤْرِ كَمَا فِي سُؤْرِ الشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ فَسَلَكَ الشَّيْخُ طَرِيقَةً يَنْدَفِعُ عَنْهُ هَذَا السُّؤَالُ. فَقَالَ السَّبُعُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لِدَلِيلِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إذْ لَوْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَمَا حَرُمَ بِالْخِنْزِيرِ وَسَائِرِ الْأَنْجَاسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وَهَذَا

стр. 1127

وَقَدْ ثَبَتَ نَجَاسَتُهُ ضَرُورَةَ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ فَأَثْبَتْنَا حُكْمًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ الْمُجَاوِرَةُ فَيَثْبُتُ صِفَةُ النَّجَاسَةِ فِي رُطُوبَتِهِ وَلُعَابِهِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ يَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْعَظْمُ طَاهِرٌ بِذَاتِهِ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ النَّجِسِ أَلَا يُرَى أَنَّ عَظْمَ الْمَيِّتِ طَاهِرٌ فَعَظْمُ الْحَيِّ أَوْلَى فَصَارَ هَذَا بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ لَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . ــ [كشف الأسرار] يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّبُعُ طَاهِرًا كَالشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ. وَقَدْ ثَبَتَ نَجَاسَتُهُ أَيْ نَجَاسَةُ السَّبُعِ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ لَحْمِهِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ إمَّا أَنْ تَثْبُتَ لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ إذْ الْأَكْلُ أُبِيحَ لِلْغِذَاءِ فَيَصِيرُ بِدُونِهِ عَبَثًا. أَوْ لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ. أَوْ لِلِاحْتِرَامِ كَالْآدَمِيِّ أَوْ لِلنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ كُلَّ نَجِسٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمُجَاوِرٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالطَّعَامِ النَّجِسِ، وَلَا احْتِرَامَ لِلسِّبَاعِ، وَهِيَ صَالِحَةٌ لِلْغِذَاءِ، وَلَمْ تَسْتَخْبِثْهَا الطِّبَاعُ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَأْكُولَةً قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَثَبَتَ أَنَّ حُرْمَتَهَا لِلنَّجَاسَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِفَسَادِ طَبْعٍ فَإِنَّهَا حَيَوَانَاتٌ نَاهِبَةٌ وَيَتَعَدَّى إلَى الْآكِلِينَ فَحَرَّمَهَا الشَّرْعُ صِيَانَةً عَنْ ذَلِكَ. قُلْنَا هَذِهِ مَصْلَحَةٌ وَحِكْمَةٌ مَطْلُوبَةٌ فِي الْعَاقِبَةِ، وَالْمَصَالِحُ وَالْحِكَمُ أَدِلَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الْأَسْبَابِ، وَلَا تَكُونُ عِلَّةً بِأَنْفُسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَالُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسُ قَوْلٌ بِغَالِبِ الرَّأْيِ فَتَثْبُتُ النَّجَاسَةُ لِتَكُونَ الْحُرْمَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ دُونَ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ السَّبَبِ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ بِنَجَاسَةٍ لِيَكُونَ آكَدَ فِي إيجَابِ التَّجَنُّبِ كَمَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عُقُولَنَا بِطَبْعِهَا فَحُرِّمَتْ بِنَجَاسَةٍ، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ. وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِ السَّبُعِ لِنَجَاسَتِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ السَّبُعُ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ. فَأَثْبَتْنَا يَعْنِي لِلسَّبُعِ حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ أَيْ بَيْنَ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ الْمُجَاوِرَةُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ طَاهِرٌ كَالْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالشَّعْرِ، وَمَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ نَجِسٌ كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ فَأَشْبَهَ دُهْنًا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ النَّجِسِ وَالِاسْتِصْبَاحُ بِهِ عِنْدَنَا، وَيَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِهِ لِنَجَاسَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَطْهُرَ لَحْمُهُ بِالذَّكَاةِ كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَقَدْ نَصَّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ كَالْجِلْدِ. قُلْنَا: مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَقُولُ اللَّحْمُ طَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ نَجِسٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي مِثْلِهِ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ وَنُقِلَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ إذَا صَلَّى، وَمَعَهُ لَحْمُ سَبُعٍ مَذْبُوحٍ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ لَا يُجَوِّزُ صَلَاتَهُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَفْسَدَهُ، وَهَكَذَا عَنْ النَّاطِفِيِّ كَذَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ أَيْضًا. وَلَمَّا ثَبَتَتْ صِفَةُ النَّجَاسَةِ فِي لَحْمِهِ ثَبَتَتْ فِي رُطُوبَتِهِ وَلُعَابِهِ؛ لِأَنَّ رُطُوبَتَهُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ لَحْمِهِ الَّذِي هُوَ نَجِسٌ لَا مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهُ يَشْرَبُ بِلِسَانِهِ الَّذِي هُوَ رَطْبٌ مِنْ لُعَابِهِ فَيَتَنَجَّسُ سُؤْرُهُ ضَرُورَةً بِمُخَالَطَةِ لُعَابِهِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ تَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْمِنْقَارُ طَاهِرٌ بِذَاتِهِ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ النَّجِسِ خِلْقَةً؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ جَافٌّ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَلَا يُجَاوِرُ الْمَاءَ بِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ فَيَبْقَى طَاهِرًا. إلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا صِفَةَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَرَزُ بِهَا عَنْ الْمَيْتَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَكَانَتْ كَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ إنَّ مَا يَقَعُ عَلَى الْجِيَفِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مِنْقَارَهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهَا تُدَلِّكُ مِنْقَارَهَا بِالْأَرْضِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ شَيْءٌ صَلْبٌ فَيَزُولُ مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ

стр. 1128

وَأَمَّا الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَأَثَرُهُ فَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏ قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ ظَهَرَ أَثَرُهُ وَاسْتَتَرَ فَسَادُهُ فَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ مِثَالُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَرْكَعُ بِهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعُ خِلَافُهُ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ فَهَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ. فَأَمَّا وَجْهُ الْقِيَاسِ فَمَجَازٌ مَحْضٌ لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى بِأَثَرِهِ الْبَاطِنِ، وَالِاسْتِحْسَانُ مَتْرُوكٌ لِفَسَادِهِ الْبَاطِنِ ــ [كشف الأسرار] فَيَطْهُرُ؛ وَلِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى مِنْقَارِهِ فَيَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بِالْعَادَةِ دُونَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ. ثُمَّ تَأَيَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْهِرَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْبَلْوَى يَتَحَقَّقُ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُضُ مِنْ الْهَوَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصًا فِي الصَّحَارِي بِخِلَافِ سِبَاعِ الْوَحْشِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا بِالضَّرُورَةِ أَيْضًا، وَإِثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهَا لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فَلِوُجُودِ أَصْلِ الضَّرُورَةِ انْتَفَتْ النَّجَاسَةُ وَلِكَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ بَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ. طَعَنَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ أَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَيْسَ قَوْلًا بِالتَّشَهِّي، وَلَكِنَّهُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ ثَابِتًا فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ، وَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ ثُمَّ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا سَنَذْكُرُ. فَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ فَصَارَ هَذَا أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِصِفَةِ الْكَرَاهَةِ بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ لَا أَنْ يَنْعَدِمَ حُكْمُهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ قَوْلٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ بِمَا ذَكَرْنَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْوَحْشِ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ فِي الْآلَةِ الَّتِي تَشْرَبُ بِهَا، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ فَانْعَدَمَ الْحُكْمُ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي شَيْءٍ وَعَلَى اعْتِبَارِ الصُّورَةِ يَتَرَاءَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَتَبَيَّنُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ انْعِدَامُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وُجُوبُ التَّحَرُّزِ عَنْ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، وَقَدْ صَارَ هَذَا مَعْلُومًا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فِي الْهِرَّةِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْعَدِمُ بَعْضُ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ كَانَ انْعِدَامُ الْحُكْمِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ) أَيْ الْقِيَاسُ الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ، وَهَذَا بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ وَيَتَضَمَّنُ بَيَانَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا. مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ الْقِيَاسِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُمْ يَعْنِي عُلَمَاءَنَا قَالُوا فِيمَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ إنَّهُ يَرْكَعُ بِهَا قِيَاسًا. ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَهِيَ فِي آخِرِ السُّورَةِ إلَّا آيَاتٍ بَقِينَ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْضُهُمْ قَالُوا مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ سَجَدَ لَهَا سَجْدَةً عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ رُكُوعًا عَلَى حِدَةٍ غَيْرَ أَنَّ الرُّكُوعَ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ يَنْوِي الرُّكُوعَ لِلتِّلَاوَةِ، وَالسَّجْدَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ السَّجْدَةُ وَالرُّكُوعُ إنْ كَانَ يُخَالِفُ السَّجْدَةَ صُورَةً يُوَافِقُهَا مَعْنًى فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوَافِقُهَا مَعْنًى يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخَالِفُهَا صُورَةً يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاجِبَةُ الْأَصْلِيَّةُ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ رَكَعَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ رُكُوعَ الصَّلَاةِ مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. قُلْت: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ فِي وَسَطِ السُّورَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثُمَّ يَقُومَ فَيَقْرَأَ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِنْ رَكَعَ فِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ عَنْ السَّجْدَةِ نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا

стр. 1129

وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّجُودَ لَمْ يَجِبْ عِنْدَ التِّلَاوَةِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مُجَرَّدُ مَا يَصْلُحُ تَوَاضُعًا عِنْدَ هَذِهِ التِّلَاوَةِ وَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ بِعَمَلِ هَذَا الْعَمَلِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَبِخِلَافِ سُجُودِ الصَّلَاةِ فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ أَحَقَّ مِنْ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ مَعَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهِ بِفَوَاتِ مَحَلِّ الْأَدَاءِ وَبِصَيْرُورَتِهَا دَيْنًا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لَا يَجِبُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ كَالطَّهَارَةِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِحَالٍ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْبِيَّةِ فَلَا يَتَأَدَّى بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ بِالسَّجْدَةِ بِعَيْنِهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُجْزِيهِ إلَّا السَّجْدَةُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ مُرَادُهُ إذَا تَلَاهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَرَكَعَ فِي الْقِيَاسِ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ يَتَقَارَبَانِ فَيَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا يَنُوبُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الرُّكُوعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَمَّا هُوَ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ وَضْعِ السَّجْدَةِ فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ رَدَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَاخْتَارَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ. ثُمَّ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى بَيَانِ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى بَيَانِ قُوَّةِ أَثَرِ الْقِيَاسِ وَضَعْفِ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ ثَانِيًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ. فَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ يَتَشَابَهَانِ فِي مَعْنَى الْخُضُوعِ وَلِهَذَا أَطْلَقَ اسْمَ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أَيْ سَاجِدًا؛ لِأَنَّ الْخُرُورَ هُوَ السُّقُوطُ، وَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي السُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ، وَيُقَالُ رَكَعَتْ النَّخْلَةُ وَسَجَدَتْ إذَا طَأْطَأَتْ رَأْسَهَا، وَلَمَّا ثَبَتَ التَّشَابُهُ بَيْنَهُمَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ كَمَا يَسْقُطُ بِالسُّجُودِ. أَوْ يُقَالُ لَمَّا ثَبَتَ التَّشَابُهُ يَنُوبُ الرُّكُوعُ عَنْ السُّجُودِ كَمَا تَنُوبُ الْقِيمَةُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فَهَذَا قِيَاسٌ ظَاهِرٌ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ بَلْ هُوَ اعْتِبَارٌ لِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ بِالْآخَرِ بِظَاهِرِ الشَّبَهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ بِهِ أَيْ بِالرُّكُوعِ فِي مَقَامِ السُّجُودِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ، وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا تَمَسُّكٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] يَقْتَضِي وُجُوبَ الرُّكُوعِ عَقِيبَ التِّلَاوَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ. قَوْلُهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النجم: ٦٢] ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وَالرُّكُوعُ خِلَافُ السُّجُودِ أَيْ غَيْرُهُ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّكُوعَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنُوبُ عَنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَلَا السُّجُودُ عَنْ الرُّكُوعِ فَلَأَنْ لَا يَنُوبَ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ بَيْنَ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبُ التَّحْرِيمَةِ أَظْهَرُ مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلِهَذَا لَوْ تَلَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَرَكَعَ لَهَا لَمْ يَجُزْ عَنْ السَّجْدَةِ فَفِي الصَّلَاةِ أَوْلَى إنْ أَقَامَ رُكُوعَ الصَّلَاةِ مَقَامَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ مُسْتَحَقٌّ بِجِهَةٍ أُخْرَى. فَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرُّكُوعَ خِلَافُ السُّجُودِ حَقِيقَةً إلَى آخِرِهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يَتَأَدَّى بِإِتْيَانِ مَا يُخَالِفُهُ فَفَسَدَ بِهِ وَجْهُ الْقِيَاسِ، وَصَارَ مَرْجُوحًا؛ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَمَّا وَجْهُ الْقِيَاسِ فَمَجَازٌ مَحْضٌ أَيْ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوعِ السُّجُودُ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ فَإِثْبَاتُ التَّشَابُهِ وَالْقُرْبِ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الدَّلِيلِ، وَبِنَاءُ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِالْمَجَازِ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا سَمَّيْنَا الثَّانِيَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَأَخْفَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ كَمَا تَرَى. فَهَذَا بَيَانُ ظُهُورِ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ وَظُهُورِ فَسَادِ الْقِيَاسِ بِمُقَابَلَتِهِ. لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِأَثَرِهِ الْبَاطِنِ أَيْ بِسَبَبِ قُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ. وَالِاسْتِحْسَانُ مَتْرُوكُ الْعَمَلِ

стр. 1130

وَهَذَا قِسْمٌ عَزَّ وُجُودُهُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَالْأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ، وَبَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَنَّ هَذَا يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُولَةٍ ــ [كشف الأسرار] لِفَسَادِهِ الْبَاطِنِ أَيْ الْخَفِيِّ. بَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ الْأَثَرِ الْبَاطِنِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ السُّجُودَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَمْ يَجِبْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً أَيْ لَمْ يَجِبْ قُرْبَةً لِعَيْنِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْدَادِ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ كَمَا لَا يَلْتَزِمُ الطَّهَارَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مُجَرَّدُ مَا يَصْلُحُ تَوَاضُعًا لِتَحْصُلَ بِهِ مُخَالَفَةُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ السُّجُودِ اسْتِكْبَارًا إذْ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقَرَّبِينَ الَّذِينَ تَبَادَرُوا إلَى السُّجُودِ تَقَرُّبًا وَافْتِخَارًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَفِي النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ - وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ﴾ [الرعد: ١٨ - ١٥] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٤٩] إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّجُودِ التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ. وَكَذَا عَدَمُ اقْتِرَانِهِ بِالرُّكُوعِ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَشَرْعِيَّةُ التَّدَاخُلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَبِالْإِجْمَاعِ وَلِهَذَا شَرَطَ فِيهِ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ. وَالرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ يَعْمَلُ هَذَا الْعَمَلَ أَيْ يَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ لِحُصُولِ مَعْنَى التَّوَاضُعِ وَالْعِبَادَةِ فِيهِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ السُّجُودِ بِهِ كَمَا سَقَطَتْ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ وَقَعَتْ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ، وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ يَسْقُطُ بِالسَّعْيِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. وَتَأَيَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إذَا تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ رَكَعَ. بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بِخِلَافِ سُجُودِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الرُّكُوعِ مَقَامَهُ، وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ، وَقَوْلُهُ ﵇: «مَكِّنْ جَبْهَتَك مِنْ الْأَرْضِ.» «وَأُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ فَلَا تَتَأَدَّى بِغَيْرِهِ. فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالرُّكُوعِ. مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ مَعَ إمْكَانِهِ بِالْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَاعْتِبَارِ نَفْسِ الشَّبَهِ أَحَقَّ مِنْ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ لِلِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ مَعَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَقْصُودِ مُسَاوِيًا لِلْمَقْصُودِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ، وَهُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ قِسْمٌ عَزَّ وُجُودُهُ. وَسَمِعْت مِنْ شَيْخِي ﵀ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا فِي سِتِّ مَسَائِلَ أَوْ سَبْعٍ. مِنْهَا مَا إذَا ادَّعَى الرَّهْنَ الْوَاحِدَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ رَهَنْتنِي بِأَلْفٍ، وَقَبَضْته وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فِي الِاسْتِحْسَانِ يَقْتَضِي بِأَنَّهُ مَرْهُونٌ عِنْدَهُمَا وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا ارْتَهَنَا مَعًا لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ كَمَا فِي الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى، وَكَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ، وَفِي الْقِيَاسِ تَبْطُلُ الْبَيِّنَتَانِ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِالْكُلِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلِاسْتِحَالَةِ تَعَذُّرِ الْقَضَاءِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الشُّيُوعِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الرَّهْنِ فَتَعَيَّنَ التَّهَاتُرُ. وَأَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ لِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى حِدَةٍ وَيُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ حَبْسًا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مِثْلِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَبِهَذَا الْقَضَاءِ يَثْبُتُ عَقْدٌ وَاحِدٌ وَحَبْسٌ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى شَطْرِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْحُجَّةِ. بِخِلَافِ الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَإِنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ وَاحِدٌ فَيُمْكِنُ

стр. 1131

أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُثَمَّنِ لَا يُوجِبُ يَمِينَ الْبَائِعِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بِمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي ثَمَنًا، وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ ــ [كشف الأسرار] إثْبَاتُ مُوجِبِ الْعَقْدِ بِهِ مُتَّحِدًا فِي الْمَحَلِّ وَبِخِلَافِ دَعْوَى الشِّرَاءِ فَإِنَّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ كَأَنَّهُمَا اشْتَرَيَا مَعًا إذْ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لَهُمَا كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ. وَمِنْهَا مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ رَبِّ السَّلَمِ فِي دِرْعَانِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْقِيَاسِ يَتَخَالَفَانِ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ فَالِاخْتِلَافُ فِي دِرْعَانِهِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا فِي أَصْلِهِ بَلْ فِي صِفَتِهِ مِنْ حَيْثُ الطُّولُ وَالسَّعَةُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّخَالُفَ كَالِاخْتِلَافِ فِي دِرْعَانِهِ الثَّوْبَ الْمَبِيعَ بِعَيْنِهِ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ السَّلَمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّخَالُفَ، ثُمَّ أَثَرُ الْقِيَاسِ مُسْتَتِرٌ، وَلَكِنَّهُ قَوِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَقْدَ السَّلَمِ إنَّمَا يُعْقَدُ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ لَا بِالْإِشَارَةِ إلَى الْمُعَيَّنِ، وَكَانَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ خَمْسٌ فِي سَبْعٍ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ أَرْبَعٌ فِي سِتٍّ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا فِي أَصْلِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّخَالُفَ فَلِذَلِكَ أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ. وَمِنْهَا مَا إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي رَكْعَةٍ فَسَجَدَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فَفِي الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ سَجْدَةٌ أُخْرَى فِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ. وَمِنْهَا أَنَّ الرَّهْنَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ رَهْنٌ بِالْمُتْعَةِ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَرَحَ حُرًّا خَطَأً فَخُيِّرَ مَوْلَاهُ بَعْدَ الْبُرْءِ فَاخْتَارَ الْفِدَاءَ ثُمَّ انْتَقَضَتْ الْجِرَاحَةُ وَصَارَتْ نَفْسًا يُخَيَّرُ ثَانِيَةً فِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُخَيَّرُ وَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ. وَمِنْهَا غَاصِبُ الْعَقَارِ فِي الِاسْتِحْسَانِ ضَامِنٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِضَامِنٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ إلَى الْقِيَاسِ لِقُوَّتِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَبَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ فَقَالَ الْمُسْتَحْسَنُ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ التَّعْدِيَةُ، وَهَذَا الْقِسْمُ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِاسْمِ الِاسْتِحْسَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا فَيَكُونُ حُكْمُهُ التَّعْدِيَةَ بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُولَةٍ بَلْ هِيَ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيَةُ. ثُمَّ بَيَّنَ مِثَالًا لِمَا ذَكَرَ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُثَمَّنِ يَعْنِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي. لَا يُوجِبُ يَمِينَ الْبَائِعِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ مُدَّعِيًا عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا فِي الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ فَكَانَ الْقِيَاسُ نَظَرًا إلَى سَائِرِ الْخُصُومَاتِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَاقِي. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الثَّمَنُ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ إحْضَارِ أَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بِمَا يُقِرُّ بِهِ ثَمَنًا وَالْبَيْعُ كَمَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْمِلْكِ عَلَى الْبَائِعِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَيْهِ عِنْدَ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِ. وَهَذَا حُكْمُ أَيْ وُجُوبُ التَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ حُكْمٌ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ وَارِثِيهِمَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ

стр. 1132

وَإِلَى الْإِجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَمْ يَجِبْ يَمِينُ الْبَائِعِ إلَّا بِالْأَثَرِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْدِيَتُهُ إلَى الْوَارِثِ، وَإِلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى أَصْحَابِنَا بَعْضُ النَّاسِ اسْتِحْسَانَهُمْ لِجَهْلِهِمْ بِالْمُرَادِ ــ [كشف الأسرار] مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ فَوَارِثُ الْبَائِعِ يُطَالِبُ وَارِثَ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَوَارِثُ الْمُشْتَرِي يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَيُمْكِنُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ التَّحَالُفِ إلَيْهِمَا، وَإِلَى الْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ الْقَصَّارُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْقَصَّارُ فِي الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ مَشْرُوعٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْفَسْخِ لِيَعُودَ إلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ قَبْلَ إقَامَةِ الْعَمَلِ كَالْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا، وَمُنْكِرًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فَيَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ يَجِبُ التَّحَالُفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْتَمِلُ لِلْفَسْخِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَّارَةِ وَيَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّسْلِيمَ، وَالتَّسْلِيمُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا، وَمُنْكِرًا فَيَجْرِي فِيهِ التَّحَالُفُ أَيْضًا. وَمِثْلُ مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتَا بَدَلًا بِأَنْ قَبِلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْوَاجِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهَا الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ مِثْلَ الْعَيْنِ فِي إمْكَانِ فَسْخِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا. فَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَجِبْ أَيْ لَمْ يَجِبْ بِهِ يَمِينُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا إذْ الْمَبِيعُ مُسَلَّمٌ إلَيْهِ فَكَانَ ثُبُوتُ التَّحَالُفِ بِالْأَثَرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْوَارِثِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ وَارِثُ الْبَائِعِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ. أَوْ وَارِثُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ الْبَائِعِ. أَوْ اخْتَلَفَ الْوَارِثَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالسِّلْعَةُ مَقْبُوضَةٌ قَائِمَةٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا كَانَ مِنْ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَارِثِهِ، وَلَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا، وَلَا إلَى مَا بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ سَوَاءٌ أَخَلَفَتْ بَدَلًا أَوْ لَمْ تَخْلُفْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ مُسْتَحْسَنٌ بِالْأَثَرِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ فِي الْوَارِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ حَالَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِدُخُولٍ تَحْتَ إطْلَاقِ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» قُلْنَا: النَّصُّ الْمُقَيَّدُ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ قِيَامِ السِّلْعَةِ. وَكَذَا الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّرَادِّ إنْ كَانَ رَدُّ الْمَأْخُوذِ حِسًّا وَحَقِيقَةً فَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ رَدَّ الْعَقْدِ فَالْفَسْخُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِذَا فَاتَ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ فَقَدْ فَاتَ مَحَلُّ الْفَسْخِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْمَحَلِّ بِإِقَامَةِ الْقِيمَةِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ قَبْلَ الْفَسْخِ عَلَى أَحَدٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَجْرِي التَّحَالُفُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ الْآخَرُ إذْ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ شَاهِدَيْ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَا تُقْبَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 1133

وَإِذَا صَحَّ الْمُرَادُ عَلَى مَا قُلْنَا بَطَلَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي الْعِبَارَةِ وَثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا الْحُجَّةَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَسْتَحِبُّ كَذَا، وَمَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ وَالِاسْتِحْسَانُ أَفْصَحُهُمَا، وَأَقْوَاهُمَا وَالِاسْتِحْسَانُ بِالْأَثَرِ لَيْسَ مِنْ بَابِ خُصُوصِ الْعِلَلِ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ صَاحِبُهُ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَحَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَحَالَ هَلَاكِهَا فَيَثْبُتُ التَّحَالُفُ فِي الْجَمِيعِ. وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا آخَرَ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِأَلْفَيْنِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ بِأَلْفٍ قَدْ يَصِيرُ بِأَلْفَيْنِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَالْبَيْعَ بِأَلْفَيْنِ يَصِيرُ بِأَلْفٍ عِنْدَ حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَارِيَةً حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَقْدِ لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَالْآخَرُ الْهِبَةَ. وَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِاخْتِلَافِ الْعَقْدِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَهُمَا، وَقَبُولُ بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الِانْفِرَادِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً لَا مَعْنًى وَذَلِكَ كَانَ لِقَبُولِ بَيِّنَتِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَجَّهُ بِهِ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ تُقْبَلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا صَحَّ الْمُرَادُ) أَيْ ثَبَتَ وَظَهَرَ عَلَى مَا قُلْنَا إنَّهُ اسْمٌ لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَوْ اسْمٌ لِلدَّلِيلِ الْأَقْوَى فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّةِ الْعَمَلِ بِهِ بَطَلَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي الْعِبَارَةِ. وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ الطَّاعِنِينَ نَحْنُ لَا نُنَازِعُكُمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُمْ، وَلَكِنْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ بِتَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ كُلَّ الشَّرْعِ اسْتِحْسَانٌ كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ. فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ نِزَاعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. عَلَى أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ وَضَعُوا هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ الْحُسْنِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ الْخُصُومَ وَضَعُوا لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ اسْمًا كَقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَقِيَاسِ الشَّبَهِ وَنَحْوِهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى. وَوُجُودُ مَعْنَى الِاسْمِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعُوهُ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فَإِنَّ الْعَرَبَ سَمَّتْ الزُّجَاجَ قَارُورَةً لِقَرَارِ الْمَائِعِ فِيهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَوَانِي، وَكَيْفَ يَصِحُّ الطَّعْنُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ كَثِيرًا فِي الْمَسَائِلِ. وَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُتْعَةِ أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَقَالَ فِي بَابِ الشَّفِيعِ أَسْتَحْسِنُ أَنْ تَثْبُتَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ أَسْتَحْسِنُ تَرْكَ شَيْءٍ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ. وَذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي التَّهْذِيبِ وَوَضْعُ الْمُصْحَفِ فِي حِجْرِ الْحَالِفِ عِنْدَ التَّحْلِيفِ اسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ تَغْلِيظًا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَسْتَحِبُّ كَذَا، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ بَلْ الِاسْتِحْسَانُ أَفْصَحُهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِكَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] . وَقَالَ ﵇: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَقْوَاهُمَا يَعْنِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ إذْ الْمُرَادُ بَيَانُ حُسْنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّلِيلُ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَضْعِهِ إذْ الِاسْتِحْسَانُ وُجْدَانُ الشَّيْءِ وَعَدُّهُ حَسَنًا فَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَيَدُلُّ بِوَضْعِهِ عَلَى مَيَلَانِ الطَّبْعِ إلَى الشَّيْءِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ

стр. 1134

عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْعِلَّةِ إنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْفَرْعِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ قَطْعًا وَتُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ (بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ) وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ: ــ [كشف الأسرار] وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ الطَّبْعَ قَدْ يَمِيلُ إلَى مَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَقَامِ الذَّمِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَفْصَحُ، وَأَقْوَى مِنْ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ يَعْنِي فِي بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ. ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ التَّلْفِيقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ: وَقَوْلُنَا كَذَا رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ أَيْ أَحْكَامِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. لَا يَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ. وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِالْقِيَاسِ كَذَا. [بَابُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ] [شَرْطُ الِاجْتِهَادِ] (بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ) . إنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ لَا مَحَالَةَ إذْ احْتِمَالُ الْخَطَأِ قَائِمٌ فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَمَنَازِلُهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ أَيْ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوْ مُعَاتَبٌ مُخَطَّأٌ. قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي هـ) أَيْ فِي الِاجْتِهَادِ فِي شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي تَحْقِيقِ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَمَشَقَّةٌ فَيُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الرَّحَى، وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ أَوْ نَوَاةٍ لَكِنْ صَارَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مَخْصُوصًا بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَالِاجْتِهَادُ التَّامُّ أَنْ يَبْذُلَ الْوُسْعَ فِي الطَّلَبِ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ شَوَاهِدِهَا الدَّالَّةِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا، وَقِيلَ هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَاحْتَرَزَ بِالْفَقِيهِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ اسْتِفْرَاغَ النَّحْوِيِّ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي لَا فِقْهَ لَهُ لِتَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى اجْتِهَادًا. وَبِقَوْلِهِ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ كَطَلَبِهِ النَّصَّ فِي حَادِثَةٍ وَظَفَرِهِ بِهِ. وَبِقَوْلِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَنْ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ وَالْعُرْفِيِّ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ فَالْمُجْتَهِدُ مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَا قَاطِعَ فِيهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ الظَّنَّ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْقَاطِعِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ، وَمَسَائِلُ الْكَلَامِ وَوُجُوبُ أَرْكَانِ الشَّرْعِ، وَمَا اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ جَلِيَّاتِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً لَكِنَّ فِيهَا دَلَائِلَ قَطْعِيَّةً. ثُمَّ قِيلَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَنَدْبٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي حَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَالثَّانِيَةُ اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي حَالَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا إذَا نَزَلَتْ حَادِثَةٌ بِأَحَدٍ فَاسْتَفْتَى أَحَدَ الْعُلَمَاءِ كَانَ الْجَوَابُ فَرْضًا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَأَخَصُّهُمْ بِفَرْضِهِ مَنْ خُصَّ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَادِثَةِ فَإِنْ أَجَابَ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ ظُهُورِ الْجَوَابِ وَالصَّوَابِ لَهُمْ أَثِمُوا، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ الْتِبَاسِهِ عَلَيْهِمْ عُذِرَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الطَّلَبُ، وَكَانَ فَرْضُ الْجَوَابِ بَاقِيًا عِنْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ

стр. 1135

أَمَّا شَرْطُهُ فَأَنْ يَحْوِيَ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِهِ الَّتِي قُلْنَا وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، وَمُتُونِهَا وَوُجُوهِ مَعَانِيهَا، وَأَنْ يَعْرِفَ وُجُوهَ الْقِيَاسِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُنَا هَذَا. ــ [كشف الأسرار] قَاضِيَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ فِي النُّطْقِ فَيَكُونُ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ سَقَطَ الْفَرْضُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَالَتَيْنِ أَيْضًا أَحَدَيْهِمَا أَنْ يَجْتَهِدَ الْعَالِمُ قَبْلَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ لِيَسْبِقَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ سَائِلٌ قَبْلَ نُزُولِهَا بِهِ فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْحَالَتَيْنِ نَدْبًا كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ الِاجْتِهَادِ فَأَنْ يَحْوِيَ أَيْ يَجْمَعَ الْمُجْتَهِدُ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ أَيْ مَعَ مَعَانِيهِ أَوْ مُلْتَبِسًا بِمَعَانِيهِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَوُجُوهَهُ أَيْ أَقْسَامَهُ الَّتِي قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ حِفْظَ نَظْمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ مِنْ النَّاظِرِ فِيهِ. وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الطَّلَبِ وَالنَّظَرِ فِيهِ كَمَا فِي السُّنَنِ. وَقِيلَ يَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ مَا اخْتَصَّ بِالْأَحْكَامِ دُونَ مَا سِوَاهُ. وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطَرِيقِهَا أَيْ مُلْتَبِسَةً لِطُرُقِهَا مِنْ التَّوَاتُرِ وَالشُّهْرَةِ وَالْآحَادِ. وَمُتُونَهَا يَعْنِي يَعْرِفُ نَفْسَ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِلَفْظِ الرَّسُولِ أَوْ نُقِلَتْ بِالْمَعْنَى. وَوُجُوهَ مَعَانِيهَا أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا مِثْلُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَسَائِرِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ: مَعْرِفَةَ طُرُقِهَا مِنْ تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ لِيَكُونَ الْمُتَوَاتِرَاتُ مَعْلُومَةً وَالْآحَادُ مَظْنُونَةً. وَمَعْرِفَةَ صِحَّةِ طُرُقِ الْآحَادِ وَرُوَاتِهَا لِيَعْمَلَ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا وَيَعْدِلَ عَمَّا لَا يَصِحُّ. وَمَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِيَعْلَمَ مَا يُوجِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَعْرِفَةَ مَعَانِي مَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ عَنْهُ وَحِفْظُ أَلْفَاظِ مَا وُجِدَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ. وَتَرْجِيحُ مَا تَعَارَضَ مِنْ الْأَخْبَارِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِمَدَارِكِ الشَّارِعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِثْمَارِ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَنِبًا عَنْ الْمَعَاصِي الْقَادِحَةِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ فَمَنْ لَيْسَ عَدْلًا لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطَ قَبُولِ الْفَتْوَى لَا شَرْطَ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ. ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَتْوَى بِأَنْ يَعْرِفَ الْمَدَارِكَ الْمُثْمِرَةَ لِلْأَحْكَامِ، وَأَنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِثْمَارِ. وَالْمَدَارِكُ الْمُثْمِرَةُ أَرْبَعَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ، وَطَرِيقُ الِاسْتِثْمَارِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةِ عُلُومٍ اثْنَانِ مُقَدَّمَانِ وَاثْنَانِ مُتَمِّمَانِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ فَلْنُفَصِّلْهَا وَلْنُنَبِّهْ فِيهَا عَلَى دَقَائِقَ أَهْمَلَهَا الْأُصُولِيُّونَ. أَمَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلْنُحَقِّقْ عَنْهُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْكِتَابِ بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ. الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوَاقِعِهَا حَتَّى يَطْلُبَ الْآيَةَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى أُلُوفٍ فَهِيَ مَحْصُورَةٌ، وَفِيهَا التَّحْقِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالْمَوَاعِظِ، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِهَا. وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلٌ مُصَحَّحٌ بِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ كَالْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ وَالْجَامِعِ لِمُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَيَكْفِيهِ أَنْ يَعْرِفَ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ فَيُرَاجِعُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الْفَتْوَى، وَإِنْ كَانَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَيَّزَ عِنْدَهُ مَوَاقِعُ الْإِجْمَاعِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ

стр. 1136

وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْإِصَابَةُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ حَتَّى قُلْنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ــ [كشف الأسرار] كَمَا تَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِهَا وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يُفْتِي فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَتْوَاهُ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ أَمَّا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ مَذْهَبَ أَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مُتَوَلِّدَةٌ فِي الْعَصْرِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهَا خَوْضٌ فَهَذِهِ الْقَدْرُ فِيهِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَنَعْنِي بِهِ مُسْتَنَدَ النَّصِّ وَالْمُسْتَنَدَ الْأَصْلِيَّ لِلْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْجَرْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَعَلَى نَفْيِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا فِي صُوَرٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُسْتَثْنَيَات مَحْصُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُغَيَّرُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّصِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ ﷺ فَهَذِهِ هِيَ الْمَدَارِكُ الْأَرْبَعَةُ. وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُقَدَّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ نُصُبِ الْأَدِلَّةِ وَشُرُوطِهَا الَّتِي بِهَا تَصِيرُ الْبَرَاهِينُ وَالْأَدِلَّةُ مُنْتِجَةً، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ تَعُمُّ الْمَدَارِكَ الْأَرْبَعَةَ. وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَيَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَعْنِي بِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ خِطَابَ الْعَرَبِ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَى حَدٍّ يُمَيِّزُ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَمُجْمَلِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ وَفَحْوَاهُ، وَمَنْظُومِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ بَلْ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَوَاقِعِ الْخِطَابِ وَدَرْكِ دَقَائِقِ الْمَقَاصِدِ فِيهِ. وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُتَمِّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ عَلَى حِفْظِهِ بَلْ كُلُّ وَاقِعَةٍ يُفْتِي فِيهَا بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَوْ الْآيَةَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَنْسُوخِ، وَهَذَا يَعُمُّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. وَالثَّانِي، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالسُّنَّةِ مَعْرِفَةُ الرُّوَاةِ وَتَمْيِيزُ الصَّحِيحِ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُولِ مِنْ الْمَرْدُودِ. وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُفْتِي بِهِ مِمَّا قَبِلَتْهُ الْأُمَّةُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى النَّظَرِ فِي إسْنَادِهِ فَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ رُوَاتَهُ وَعَدَالَتَهُمْ. وَالْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا الِاكْتِفَاءَ بِتَعْدِيلِ أَئِمَّةِ الدِّينِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْخَلَفُ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رِوَايَتَهَا كَانَ حَسَنًا، وَقَصَّرَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُفْتِي فَهَذِهِ هِيَ الْعُلُومُ الثَّمَانِيَةُ يُسْتَفَادُ بِهَا مَنَاصِبُ الِاجْتِهَادِ. وَمُعْظَمُ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ فُنُونٍ: عِلْمُ الْحَدِيثِ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ، وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ فَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا إنْسَانًا جَازِمًا بِاعْتِقَادِ الْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا لَأَمْكَنَهُ الِاسْتِدْلَال بِالدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ عَنْ حَدِّ التَّقْلِيدِ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ تَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إلَّا وَقَدْ قَرَعَ سَمْعَهُ أَدِلَّةُ خَلْقِ الْعَالَمِ، وَأَوْصَافِ الصَّانِعِ ﷻ وَبَعْثَةِ الرَّسُولِ ﵇، وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ وَذَلِكَ مُحَصِّلٌ لِلْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ مُجَاوِزٌ لِصَاحِبِهِ حَدَّ التَّقْلِيدِ. وَأَمَّا تَفَارِيعُ الْفِقْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِلِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ التَّفَارِيعَ وَلَّدَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا فِي مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، وَتَقَدُّمُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهَا شَرْطٌ. نَعَمْ

стр. 1137

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ فَعِنْدَنَا الْحَقُّ وَاحِدٌ ــ [كشف الأسرار] إنَّمَا يَحْصُلُ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا بِمُمَارَسَتِهَا فَهِيَ طَرِيقُ تَحْصِيلِ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْآنَ سُلُوكُ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا. وَاعْلَمْ أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْعُلُومِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَنْصِبًا لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفُوزَ الْعَالِمُ بِمَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ. فَمَنْ عَرَفَ طَرَفَ النَّظَرِ فِي الْقِيَاسِ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيَاسِيَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَمَنْ نَظَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ عَارِفًا بِأُصُولِ الْفَرَائِضِ وَمَعَانِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَصَّلَ الْأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَابِ الرِّبَا وَالْبُيُوعِ فَلَا اسْتِمْدَادَ لِنَظَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهَا، وَلَا تَعَلُّقَ لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِهَا فَمِنْ أَيْنَ تَضُرُّ الْغَفْلَةُ عَنْهَا وَالْقُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِجَوَابٍ فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَتْ الصَّحَابَةُ وَعَامَّةُ الْمُجْتَهِدِينَ ﵃ فِي الْمَسَائِلِ. فَإِذَنْ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي فَيُفْتِي فِيمَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي وَيُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَدْرِي وَبَيْنَ مَا لَا يَدْرِي فَيَتَوَقَّفُ فِيمَا لَا يَدْرِي وَيُفْتِي فِيمَا يَدْرِي. هَذَا كُلُّهُ مِنْ كَلَامِهِ. [حُكْمُ الِاجْتِهَاد] قَوْلُهُ: (فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَاحِدٌ) أَرَادَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ الْمَسَائِلَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَكَلَّمُوا بِالِاجْتِهَادِ يَعْنِي مَحَلَّ النِّزَاعِ الْحَوَادِثُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُجْتَهَدُ فِيهَا لَا الْمَسَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ إنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس. وَمُضَلَّلٌ مُبْتَدِعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ كَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ مِنْهَا كُفْرٌ كَمَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْإِرَادَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ مُصِيبٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ مَا اعْتَقَدَهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُطَابِقٌ لِلْحَقِّ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا وَغَيْرَ مَخْلُوقٍ وَالْمَعَاصِي دَاخِلَةٌ تَحْتَ إرَادَةِ اللَّهِ وَخَارِجَةٌ عَنْ إرَادَتِهِ، وَالرُّؤْيَةُ مُمْكِنَةٌ وَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ، وَفَسَادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفْيَ الْإِثْمِ وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ. وَزَادَ الْجَاحِظُ أَنَّ مُخَالِفَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إنْ نَظَرَ فَعَجَزَ عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ آثِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوبَ النَّظَرِ فَهُوَ مَعْذُورٌ أَيْضًا، وَإِنْ عَانَدَ عَلَى خِلَافِ اعْتِقَادِهِ فَهُوَ آثِمٌ مُعَذَّبٌ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ، وَلَازَمُوا عَقَائِدَهُمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إذَا انْسَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الْمَعْرِفَةِ فَلَا يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُهُمْ عَلَى مَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ الْإِثْمُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَ الْعَنْبَرِيُّ الْآيَاتُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مُتَشَابِهَةٌ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ وَكُلُّ فَرِيقٍ ذَهَبَ إلَى أَنَّ آرَاءَهُ أَوْفَقُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ، وَأَلْيَقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، وَإِثْبَاتِ دِينِهِ فَكَانُوا مَعْذُورِينَ. وَكَانَ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نُفَاةِ الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ. وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ فَإِنَّا كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ أَمَرَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَذَمَّهُمْ

стр. 1138

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْحُقُوقُ مُتَعَدِّدَةٌ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْحُقُوقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِوَائِهَا فِي الْمَنْزِلَةِ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ: بَلْ وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الصَّحِيحَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي ابْتِدَاءِ اجْتِهَادِهِ لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ انْتِهَاءً فِيمَا طَلَبَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَا قُلْنَا ــ [كشف الأسرار] عَلَى إصْرَارِهِمْ عَلَى عَقَائِدِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَاتَلَ جَمِيعَهُمْ، وَكَانَ يَكْشِفُ عَنْ عَوْرَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ لِيَقْتُلَهُ وَيُعَذِّبَهُ وَنَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الْمُعَانِدَ الْعَارِفَ مِمَّا يَقِلُّ، وَإِنَّمَا الْأَكْثَرُ مُقَلِّدُهُ اعْتَقَدُوا دِينَ آبَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مُعْجِزَةَ الرَّسُولِ وَصِدْقَهُ. وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا مِمَّا لَا يُحْصَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] ﴿إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] وَعَلَى الْجُمْلَةِ ذَمُّ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُهُمْ عَلَى إصَابَةِ الْحَقِّ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ الْعَقْلِ وَنَصَبَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبَعَثَ مِنْ الرُّسُلِ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّذِينَ نَبَّهُوا الْغُفُولَ وَحَرَّكُوا دَوَاعِيَ النَّظَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.، وَمَا قَالَهُ الْعَنْبَرِيُّ يَبْطُلُ بِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِينَ عَلَى ذَمِّ الْمُبْتَدِعَةِ، وَمُهَاجَرَتِهِمْ، وَقَطْعِ الصُّحْبَةِ مَعَهُمْ وَتَشْدِيدِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَرْكِ التَّشْدِيدِ عَلَى الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ. وَرَفْعِ الْإِثْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الْفِقْهِيَّةِ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ مِنْهَا هُوَ الظَّنُّ بِهَا، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْعِلْمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَكُلَّ مَا كَانَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ظَاهِرَةٌ مُتَوَافِرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِيهَا بِالْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ. ١ - قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) إلَى آخِرِهِ. اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ كُلُّ مَنْ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مِثْلُ عَامَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَبَعْضِ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هُذَيْلٍ وَالْجُبَّائِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ إلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بَلْ الْحُكْمُ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى كَانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ الْمُصَوِّبَةَ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مُتَعَيَّنٌ فِي الْحَادِثَةِ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا مَا لَوْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا بِحُكْمٍ لَمَّا حَكَمَ إلَّا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ. وَفَسَّرَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْحَادِثَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا عِنْدَهُمْ إلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الطَّلَبُ إذْ لَا بُدَّ لِلطَّلَبِ مِنْ مَطْلُوبٍ لَكِنْ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُجْتَهِدُ إصَابَتَهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ أَخْطَأَ ذَلِكَ الْحُكْمَ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِإِصَابَتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَتَى مَا كُلِّفَ بِهِ فَأَصَابَ مَا عَلَيْهِ. وَذَهَبَ كُلُّ مَنْ قَالَ الْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ أَوْ يُصِيبُ مِثْلُ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَعَبْدِ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِمْ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الصَّحِيحَةِ إلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا مُعَيَّنًا فِي الْحَادِثَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ دَفِينٍ يَعْثِرُ الطَّالِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ فَلِمَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ أَجْرَانِ وَلِمَنْ اجْتَهَدَ، وَلَمْ يَعْثِرْ أَجْرٌ وَاحِدٌ لِأَجْلِ سَعْيِهِ وَطَلَبِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ بِإِصَابَتِهِ لِخَفَائِهِ وَغُمُوضِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ مَعْذُورًا وَمَأْجُورًا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا ظَنِّيًّا أُمِرَ الْمُجْتَهِدُ بِطَلَبِهِ فَإِذَا أَخْطَأَ لَمْ يَكُنْ مَأْجُورًا لَكِنْ حُطَّ عَنْهُ الْإِثْمُ تَخْفِيفًا

стр. 1139

احْتَجَّ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعًا لَمَّا كُلِّفُوا إصَابَةَ الْحَقِّ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي وُسْعِهِمْ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ تَحْقِيقًا لِشَرْطِ التَّكْلِيفِ كَمَا قِيلَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ إنَّهُمْ جُعِلُوا مُصِيبِينَ حَتَّى تَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ جَمِيعًا وَلَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ إلَّا بِإِصَابَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ إحَاطَةِ الْعِلْمِ بِخَطَأِ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرُّسُلِ وَعَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَنْ قَالَ بِاسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ قَالَ: لِأَنَّ دَلِيلَ التَّعَدُّدِ لَمْ يُوجِبْ التَّفَاوُتَ ــ [كشف الأسرار] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا أُمِرَ الْمُجْتَهِدُ بِطَلَبِهِ فَإِذَا أَخْطَأَ لَا يَصِحُّ عَمَلُهُ وَيَنْقُضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ، وَلَكِنْ يَحُطُّ عَنْهُ الْإِثْمَ لِغُمُوضِ الدَّلِيلِ وَخَفَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْقَطْعِيَّاتِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ إذَا أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً يَعْنِي كَانَ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ، وَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الرَّابِعِ. وَبِقَوْلِهِ هُوَ مُصِيبٌ فِي ابْتِدَاءِ اجْتِهَادِهِ يَعْنِي فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنَّهُ مُخْطِئٌ فِيمَا طَلَبَهُ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْحَادِثَةِ أَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَاخْتَارَهُ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ قَالَ قَوْمٌ إذَا لَمْ يُصِبْ الْمُجْتَهِدُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً حَتَّى أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا كَانَ مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُصِيبًا فِي حَقِّ عَمَلِهِ حَتَّى أَنَّ عَمَلَهُ بِهِ يَقَعُ صَحِيحًا شَرْعًا كَأَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لِيُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مُصِيبٌ فِي حَقِّ عَمَلِهِ. ثُمَّ قَالَ فَصَارَ قَوْلُنَا هَذَا الْقَوْلُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ. قَوْلُهُ: (احْتَجَّ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ) وَهُمْ الْمُصَوِّبَةُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ كُلِّفُوا إصَابَةَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كُلِّفُوا الْفَتْوَى بِغَالِبِ الرَّأْيِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بِإِصَابَةِ الْحَقِّ إذْ لَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ، وَالشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُكَلِّفَ بِالضَّلَالِ وَالْخَطَأِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْفَتْوَى بِغَالِبِ الرَّأْيِ مُكَلَّفُونَ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ أَيْ التَّكْلِيفُ بِالْإِصَابَةِ بِالنَّظَرِ إلَى وُسْعِهِمْ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا، وَكَانَ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ كُلِّ وَاحِدٍ إصَابَتُهُ لِغُمُوضِ طَرِيقِهِ وَخَفَاءِ دَلِيلِهِ فَكَانَ التَّكْلِيفُ بِالْإِصَابَةِ حِينَئِذٍ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْحَقِّ. تَحْقِيقًا بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا تَثْبُتُ بِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّكْلِيفُ بِدُونِهِ. كَمَا قِيلَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ إنَّهُمْ جُعِلُوا مُصِيبِينَ لِلْقِبْلَةِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ وَجُعِلَتْ الْجِهَاتُ كُلُّهَا قِبْلَةً فِي حَقِّهِمْ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] حَتَّى لَوْ صَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ إلَى جِهَةٍ تَأَدَّى عَنْهُمْ الْفَرْضُ جَمِيعًا. وَلَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ أَيْ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِصَابَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ فَلَوْ لَمْ يَصِرْ كُلُّ الْجِهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ فِي حَقِّهِمْ لَمَا تَأَدَّى فَرْضُ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ مِنْهُمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ هَذَا الْوَجْهَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ بِوَجْهٍ فَكَانَ خَطَؤُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا مَنْ وَقَعَ يَمِينُهُ أَوْ يَسَارُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي تَحَرِّيهِ فَلَيْسَ بِمُخْطِئٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِ تَوَجُّهِ الْكَعْبَةِ مِنْهُ بِجُزْءٍ مِنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ الْعِذَارُ وَلِهَذَا أَمَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِإِعَادَةِ صَلَاةِ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ فِي تَحَرِّيهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ صَلَاةِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَهُمَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا حَلَالًا وَحَرَامًا، وَقَلِيلُ النَّبِيذِ حَلَالًا وَحَرَامًا، وَالنِّكَاحُ الْأَوْلَى صَحِيحًا

стр. 1140

وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ اسْتِوَاءَهَا يَقْطَعُ التَّكْلِيفَ؛ لِأَنَّهَا إذَا اسْتَوَتْ أُصِيبَتْ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ وَسَقَطَتْ دَرَجَةُ الْعُلَمَاءِ وَبَطَلَتْ الدَّعْوَةُ وَسَقَطَتْ وُجُوهُ النَّظَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اخْتِيَارِ وُجُوهِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ اخْتِيَارَهُ بِمُجَرَّدِ الْعَزِيمَةِ صَحِيحٌ بِلَا تَأَمُّلٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهَا أَحَقُّ وَوَجْهُ قَوْلِنَا: إنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ مَرَّةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى ــ [كشف الأسرار] وَفَاسِدًا وَذَلِكَ مُحَالٌ. فَقَالَ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِأَنْ كَانَ الْحَظْرُ حَقًّا وَالْإِبَاحَةُ حَقًّا أَيْضًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّعَدُّدِ. كَمَا صَحَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعَدُّدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرُّسُلِ بِأَنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَيْنِ فِي قَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى اقْتِصَارِ رِسَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَوْمِهِ. وَعَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ كَمَا إذَا نُسِخَ الْحَظْرُ بِالْإِبَاحَةِ بِالْحَظْرِ فِي شَرِيعَةِ رَسُولٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانَيْنِ. فَكَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ أَيْ فَكَمَا جَازَ التَّعَدُّدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ جَازَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَثْبُتُ الْحَظْرُ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَالْإِبَاحَةُ فِي حَقِّ آخَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيْتَةَ أُبِيحَتْ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ وَحَرُمَتْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَالْمَنْكُوحَةَ أُحِلَّتْ لِلزَّوْجِ وَحَرُمَتْ عَلَى غَيْرِهِ. وَالْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَى الزَّوْجِ وَأُحِلَّتْ لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ إبَاحَةُ النَّبِيذِ فِي حَقِّ مُجْتَهِدٍ وَحُرْمَتُهُ فِي حَقِّ آخَرَ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا وَيَلْزَمُ قَوْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّبَاعُ إمَامِهِ كَمَا فِي الرَّسُولَيْنِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لِيَمْتَازَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الِابْتِلَاءُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الطَّبَقَاتِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّعَدُّدِ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ لِلْكُلِّ لَمْ يُوجِبْ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْحُقُوقِ بَلْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا فِي حَقِّهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْبَعْضِ بِلَا مُرَجِّحٍ. قَوْلُهُ: (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ) وَهُوَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ أَنَّ اسْتِوَاءَ الْحُقُوقِ يَقْطَعُ التَّكْلِيفَ أَيْ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَمَّا كَانَ حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي إتْعَابِ النَّفْسِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي الطَّلَبِ فَائِدَةٌ بَلْ يَخْتَارُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ كَالْمُصَلِّي فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَخْتَارُ أَيَّ جِهَةٍ شَاءَ مِنْ غَيْرِ بَذْلِ مَجْهُودٍ، وَإِجَالَةِ تَفَكُّرٍ لَكِنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا لَوْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحُكْمُ بِحَقِّيَّةِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ تَابِعٌ لِاجْتِهَادِهِ فَقَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَا يُمْكِنُ إصَابَةُ الْحَقِّ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الِاخْتِيَارِ وَبَعْدَمَا اجْتَهَدَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاخْتِيَارُ أَيْضًا لَازِمًا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ هُوَ الْحَقُّ فِي حَقِّهِ دُونَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَعِبَارَتُهُ فِيهِ وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْوَاحِدَ حَقٌّ ذَهَبُوا إلَى أَنَّا لَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَبَطَلَتْ مَرَاتِبُ الْفُقَهَاءِ وَسَاوَى الْبَاذِلُ كُلَّ جُهْدِهِ فِي الطَّلَبِ الْمُبْلِي عُذْرَهُ بِأَدْنَى طَلَبٍ. قَوْلُهُ: (وَبَطَلَتْ الدَّعْوَةُ وَسَقَطَتْ وُجُوهُ النَّظَرِ) يَعْنِي لَوْ ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهَا فِي الْحَقِّيَّةِ بَطَلَتْ دَعْوَةُ الْمُجْتَهِدِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى مَذْهَبِهِ وَسَقَطَتْ الْمُنَاظَرَةُ وَطُوِيَ بِسَاطُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إظْهَارُ الصَّوَابِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَدَعْوَةِ الْمُخَالِفِ إلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِالدَّلِيلِ فَإِذَا كَانَ الْكُلُّ عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ دَعْوَةُ الْغَيْرِ إلَى مَذْهَبِهِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُنَاظَرَةِ فَائِدَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ إنَّ مَا اعْتَقَدْته حَقٌّ فَلَازِمْهُ إذْ لَا فَضْلَ لِمَذْهَبِي عَلَى مَذْهَبِك. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا مُنَاظَرَةَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ صَلَاتَيْهِمَا لَمَّا ثَبَتَ الْحَقِّيَّةُ عَلَى السَّوَاءِ. وَلَكِنْ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِوَاءِ يَقُولُ لَيْسَتْ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ مُنْحَصِرَةً فِيمَا ذَكَرْتُمْ بَلْ لَهَا فَوَائِدُ أُخَرُ كَتَبَيُّنِ التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى يَجْزِمَ بِالنَّفْيِ أَوْ بِالْإِثْبَاتِ. أَوْ تَبَيُّنِ التَّسَاوِي حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الْوَقْفُ

стр. 1141

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ، وَإِذَا اخْتَصَّ سُلَيْمَانَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِالْفَهْمِ، وَهُوَ إصَابَةُ الْحَقِّ بِالنَّظَرِ فِيهِ كَانَ الْآخَرُ خَطَأً «، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اُحْكُمْ عَلَى أَنَّك إنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنْ أَصَبْتُ فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ «إذَا حَاصَرْتُمْ حِصْنًا فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلُوهُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ» ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَلِأَنَّ تَعَدُّدَ الْحُقُوقِ مُمْتَنِعٌ اسْتِدْلَالًا بِنَفْسِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ أَمَّا السَّبَبُ فَلِأَنَّا قُلْنَا إنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةُ وَضْعٍ لِدَرْكِ الْحُكْمِ ــ [كشف الأسرار] أَوْ التَّخْيِيرُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَكَالتَّمْرِينِ فِي الِاجْتِهَادِ وَاكْتِسَابِ الْمَلَكَةِ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَتَشْحِيذِ الْخَاطِرِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِينَ عَلَى مَدَارِك الْأَحْكَامِ لِتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِمْ إلَى طَلَبِ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ وَنَيْلِ الثَّوَابِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ فَائِدَةِ الدَّعْوَةِ سُقُوطُ الْمُنَاظَرَةِ لِبَقَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ مِنْ سُقُوطِ فَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ أَيْ الْمُنَاظَرَةَ. فِي اخْتِيَارِ وُجُوهِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَيْ اخْتِيَارِ أَحَدِ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَقٌّ، وَلَيْسَ أَحَدُهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَاقِي فَلَمْ يَكُنْ لِلِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ فَائِدَةٌ. وَإِنْ اخْتَارَهُ أَيْ اخْتِيَارُ أَحَدِ الْوُجُوهِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ الَّذِي انْضَمَّ إلَيْهِ الْفِعْلُ صَحِيحٌ بِلَا تَأَمُّلٍ أَيْ بِلَا اجْتِهَادٍ فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقَاضِي الْإِمَامُ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مَا اجْتَهَدُوا إلَّا لِإِصَابَةِ مَا يَشْهَدُ النُّصُوصَ بِالْحَقِّيَّةِ خَلَفًا عَنْ شَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا النَّاسَ كُلَّهُمْ إلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ مَا تَرَى بَيْنَ أَعْدَادِهِمْ اخْتِلَافًا إلَّا بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ كَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَالْغَنَاءِ وَالْفَقْرِ وَنَحْوِهَا، فَالِاجْتِهَادُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَاحِدًا فِي حَقِّ الْكُلِّ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِهِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِإِثْبَاتِ نَفْسِ الْحَقِّيَّةِ لِفَتْوَاهُمْ فَيَبْقَى الْوَاحِدُ أَحَقَّ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الشَّرِيعَةِ الثَّابِتَةِ بِالْوَحْيِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى دَاوُد وَعِنْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ ﵉ أَحَدُهُمَا صَاحِبُ حَرْثٍ، وَقِيلَ كَانَ كَرْمًا قَدْ تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُهُ وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ إنَّ هَذَا انْفَلَتَتْ غَنَمُهُ فَوَقَعَتْ فِي حَرْثِي فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ لَك رِقَابُ الْغَنَمِ، وَقَدْ كَانَتْ قِيمَتَاهُمَا مُسْتَوِيَتَيْنِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ غَيْرُ هَذَا أَوْفَقُ لِلْفَرِيقَيْنِ يَنْطَلِقُ أَهْلُ الْحَرْثِ بِالْغَنَمِ فَيُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَمَنَافِعِهَا وَيَقُومُ أَصْحَابُ الْغَنَمِ عَلَى الْكَرْمِ حَتَّى إذَا كَانَتْ كَلَيْلَةِ نَفَشَتْ فِيهِ دَفَعَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ غَنَمَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ كَرْمَهُمْ فَقَالَ دَاوُد ﵇ الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت فَأَخَذَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أَيْ وَاذْكُرْهُمَا إذْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُمَا ﴿يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] النَّفَشُ أَنْ يَنْتَشِرَ الْغَنَمُ بِاللَّيْلِ تَرْعَى بِلَا رَاعٍ مِنْ حَدٍّ دَخَلَ وَضَرَبَ جَمِيعًا ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] لَمْ يَفُتْ عَنَّا مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ وَجَمَعَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَهُمَا وَالْمُتَحَاكِمِينَ إلَيْهِمَا أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّثْنِيَةُ. فَفَهَّمْنَاهَا الْهَاءُ ضَمِيرُ الْحُكُومَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وَكُلًّا أَيْ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آتَيْنَا حُكْمًا فَصْلًا بَيْنَ الْخُصُومِ، وَعِلْمًا بِأُمُورِ الدِّينِ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ إذْ لَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ لَمَا جَازَ لِسُلَيْمَانَ خِلَافُهُ، وَلَمَا جَازَ لِدَاوُدَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى خَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فِي الْقَضِيَّةِ، وَمَنَّ عَلَيْهِ، وَكَمَالُ الْمِنَّةِ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً فَلَوْ كَانَا مُصِيبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ دَاوُد قَدْ فَهِمَ مِنْ الْحُكْمِ الصَّوَابَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَا فَهِمَ سُلَيْمَانُ ﵉. وَلَا يُقَالُ كَانَ مَا قَضَى بِهِ دَاوُد جَائِزًا، وَمَا قَضَى بِهِ سُلَيْمَانُ أَفْضَلَ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّهُ بِالْفَهْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَاوُد تَرْكَ الْأَفْضَلِ لَمَا وَسِعَ سُلَيْمَانَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِافْتِيَاتَ عَلَى رَأْيِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ

стр. 1142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ خُصُوصًا عَلَى الْأَبِ النَّبِيِّ كَذَا قِيلَ. وَاعْتَرَضَ الْغَزَالِيُّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ كَيْفَ يَصِحُّ أَنَّهُمَا حَكَمَا بِالِاجْتِهَادِ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَمْنَعُ اجْتِهَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَقْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ سَمْعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازُوا حَالَ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُنْسَبُ الْخَطَأُ إلَى دَاوُد ﵇، وَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ عَنْ اجْتِهَادٍ. وَالْآيَةُ عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِكُمْ أَدَلُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَالْخَطَأُ يَكُونُ ظُلْمًا وَجَهْلًا لَا حُكْمًا وَعِلْمًا، وَمَنْ قَضَى بِخِلَافِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْحُكْمَ وَالْعِلْمَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا سِيَّمَا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْخَطَأَ عَلَيْهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ جَائِزَانِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَقْرِيرُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] أَنَّهُ آتَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا وَعِلْمًا فِيمَا حَكَمَا بِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ إيتَاءَ الْعِلْمِ بِوُجُوهِ الِاجْتِهَادِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْخَطَأُ فِي مَسْأَلَةٍ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا فَلَا نُبْقِي لِلْخَصْمِ حُجَّةً. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اقْضِ بَيْنَ هَذَيْنِ قَالَ أَقْضِي، وَأَنْتَ حَاضِرٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلَى مَاذَا أَقْضِي قَالَ عَلَى أَنَّك إنْ اجْتَهَدْت فَأَصَبْت فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» فَفِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي الِاجْتِهَادِ خَطَأً وَصَوَابًا حَيْثُ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْخَطَأِ وَبِتَفَاوُتِ الْأَجْرِ، وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ؟ . وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَكَانَ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ بِالِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ «، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْتُمْ» ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ مُصِيبًا لِلْحَقِّ لَمَا أَمَرَ بِإِنْزَالِهِمْ عَلَى حُكْمِنَا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الْخَطَأِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الصَّوَابِ. قُلْنَا: نَحْنُ لَا نَقُولُ الْمُجْتَهِدُ يَكُونُ مُخْطِئًا لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهُ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ الْإِصَابَةِ، وَهُوَ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ فَلِهَذَا أُمِرْنَا بِالْإِنْزَالِ عَلَى ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُصِيبًا بِالِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْخِلَافِ إذَا أُنْزِلُوا عَلَى حُكْمِنَا وَحَكَمْنَا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْنَا وَيَتَمَكَّنُ إذَا أُنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ. وَالدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثُرَ أَوْ شَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّخْطِئَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ لَيْسَ إلَّا وَاحِدٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ ﵃ فِي تَرْكِ الْقَوْلِ بِالْعَوْلِ وَخَطَّأَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْقَوْلِ بِهِ، وَقَالَ مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْته إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ، وَفِي رِوَايَةٍ إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ وَاحِدٍ نِصْفَيْنِ وَثَلَاثًا. وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ أَقُولُ فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ وَعَنْ عُمَرَ

стр. 1143

فَمَا لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ لَا يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَغْيِيرًا حِينَئِذٍ فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ أَلَا تَرَى لَوْ تَوَهَّمْنَا غَيْرَ مَعْلُومٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ مُتَعَدِّدًا وَذَلِكَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ صِيغَتُهُ بِيَقِينٍ فَلَا يَتَعَدَّدُ بِالتَّعْلِيلِ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ وَيَصِيرُ الْفَرْعُ بِهِ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَهُوَ أَنَّ الْفِطْرَ وَالصَّوْمَ، وَفَسَادَ الصَّلَاةِ وَصِحَّتَهَا، وَفَسَادَ النِّكَاحِ وَصِحَّتَهُ وَوُجُودَ الشَّيْءِ وَعَدَمَهُ، وَقِيَامَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ تَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ، وَلَا يَصْلُحُ الْمُسْتَحِيلُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ــ [كشف الأسرار] ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا وَاَللَّهِ الْحَقُّ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ إنَّ عُمَرَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْلُ جَهْدًا. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِكَاتِبِهِ اُكْتُبْ هَذَا مَا رَأَى عُمَرُ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنْهُ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَحْضَرَهَا عُمَرُ فَأُجْهِضَتْ، وَقَدْ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدَّبٌ لَا نَرَى عَلَيْك شَيْئًا فَقَالَ عَلِيٌّ إنْ كَانَا قَدْ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدَا فَقَدْ غَشَّاكِ أَرَى عَلَيْك الدِّيَةَ يَعْنِي الْغُرَّةَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُفَوَّضَةِ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِعِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ التَّخْطِئَةُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ التَّقْصِيرُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ أَوْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا وَحِينَئِذٍ لَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْطِئَةَ، وَقَعَتْ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ فِيهَا، وَلَا تَقْصِيرَ فِي مُجْتَهِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّأْثِيمُ، وَهُوَ بَاطِلٌ. ١ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ ﵀ عَلَى امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْحُقُوقِ بِنَفْسِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ. أَمَّا السَّبَبُ فَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةٌ، وُضِعَ لِدَرْكِ الْحُكْمِ فَقَوْلُهُ وُضِعَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَيْ الْقِيَاسُ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّهُ وُضِعَ مُدْرِكًا لِحُكْمِ النَّصِّ لَا مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَلِهَذَا حُدَّ بِأَنَّهُ إبَانَةُ مِثْلِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْفَرْعِ. فَمَا لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ لَا يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا يَعْنِي حُكْمَ النَّصِّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا فِي نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّعْدِيَةَ بِصِفَةِ التَّعَدُّدِ يَصِيرُ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ النَّصِّ إذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ مُتَعَدِّدًا. فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَيْ تَعَدُّدُ الْحَقِّ فِي الْفَرْعِ أَوْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مُتَعَدِّدًا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ لِيَثْبُتَ تَعَدُّدُهُ فِي الْفَرْعِ بِالتَّعْدِيَةِ. وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْحَقِّ مُتَعَدِّدًا فِي النَّصِّ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عِنْدَ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَوْ النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَجِبُ بِهِمَا جَمِيعًا بَلْ يَجِبُ الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الرُّجْحَانُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ يُعْرَفُ التَّارِيخُ فَيَكُونُ الْآخَرُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ تَعَدُّدُ الْحَقِّ فِي الْأُصُولِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا. ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَغْيِيرٌ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ تَوَهَّمْنَاهُ أَيْ النَّصَّ. غَيْرُ مَعْلُولٍ أَيْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، وَذَلِكَ أَيْ التَّعَدُّدُ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ مُتَّحِدًا غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ، وَلَكِنَّ التَّعَدُّدَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَصْلِ فَإِنَّ أَصْلَ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفَرْعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ غَيْرُ أَصْلِ خَصْمِهِ فَإِنَّ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ الْجِصِّ مُتَفَاضِلًا اعْتَبَرَهُ بِالْمَذْرُوعِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ اعْتَبَرَ بِالْحِنْطَةِ وَالْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْأَصْلَيْنِ ثَابِتَانِ بِلَا خِلَافٍ وَتَعَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ إلَى الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِيرٍ وَتَعَدُّدٍ فِيهِ، وَلَكِنَّ التَّعَدُّدَ حَصَلَ بِتَعَدُّدِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ أَنْ لَوْ اعْتَبَرَ الْفَرْعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ بِأَنْ اعْتَبَرَهُ الْمُجَوَّزَ بِالْحِنْطَةِ كَمَا اعْتَبَرَ غَيْرَ الْمُجَوَّزِ بِهَا أَوْ اعْتَبَرَهُ غَيْرَ الْمُجَوَّزِ بِالْمَذْرُوعِ كَمَا اعْتَبَرَهُ الْمُجَوَّزَ بِهِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا

стр. 1144

وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ يَحْصُلُ بِمَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِصَابَتِهِ ابْتِدَاءً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مُدَّعِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يُشْهِدْ شُهُودَهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ؛ لِأَنِّي لَا أَكْفُلُ الْمُدَّعِيَ، وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ الْقُضَاةُ، وَهُوَ جَوْرٌ سَمَّاهُ جَوْرًا، وَهُوَ اجْتِهَادٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ مَائِلٌ عَنْ الْحَقِّ، وَهُوَ مَعْنَى الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا نَفَذَ الْحُكْمُ، وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ ــ [كشف الأسرار] أَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ اشْتِبَاهًا. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَظَاهِرٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ أَيْ اجْتِمَاعُ الْمَذْكُورِ يَعْنِي فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ كَالنَّصِّ؛ لِأَنَّهُ خَلَفُ النَّصِّ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ لَا يَخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَكَذَا الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ حُكْمُهُ شَامِلًا لِلْجَمِيعِ كَحُكْمِ النَّصِّ فَيَجْتَمِعُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَوْ اسْتَفْتَى أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَأَفْتَاهُ بِالْحَظْرِ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَلَوْ اسْتَفْتَى الْآخَرَ لَأَفْتَاهُ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا فَكَانَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ مُجْتَمِعَيْنِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ. بِخِلَافِ اجْتِمَاعِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُضْطَرِّ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْحُرْمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَكُونُ اجْتِمَاعًا فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا لَجَازَ لِلَّذِي يَعْمَلُ بِاتِّبَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَثْبَتَ الْكَفَّارَةَ فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنْوَاعًا كَانَ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يَهْوَاهُ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَنْ أَبَاحَ هَذَا فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُدُودَ وَشَرَعَ طَرِيقَ الْإِبَاحَةِ وَبَنَى الدِّينَ عَلَى الْهَوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى مَا نَهَجَ الدِّينَ إلَّا عَلَى دَلِيلٍ غَيْرِ الْهَوَى مِنْ نَصٍّ ثَابِتٍ بِوَحْيٍ أَوْ قِيَاسٍ شَرْعِيٍّ فَمَنْ جَعَلَ الْحَقَّ حُقُوقًا أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْعَامِّيِّ بِهَوَاهُ، وَمَنْ قَالَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ أَلْزَمَ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَّبِعَ إمَامًا وَاحِدًا، وَقَعَ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ النَّظَرِ أَنَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ بِهَوَى نَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْقِيَاسَانِ إذَا تَعَارَضَا ثَابِتٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْخِيَارُ يَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قُلْنَا نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا بِهَوَى نَفْسِهِ بَلْ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهِمَا وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَبْقَ قِبَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ سِوَى شَهَادَةِ قَلْبِهِ فَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِذَا عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَوَجَبَ اتِّبَاعُ الْخَطَأِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاسْتِحَالَةِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ. قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إصَابَةِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ اجْتَهَدَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي الطَّلَبِ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ ظَنِّهِ مَعَ أَنَّهُ خَطَأٌ حَقِيقَةً لِوُجُودِ نَصٍّ عَلَى خِلَافِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَطَأَ جَائِزُ الِاتِّبَاعِ فِي الْفُرُوعِ عِنْدَ ظَنِّ الْإِصَابَةِ وَتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: (وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ تَحْصِيلٌ بِمَا قُلْنَا) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ تَعَدُّدِ الْحَقِّ إذْ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. فَقَالَ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ يَحْصُلُ بِمَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِصَابَتِهِ ابْتِدَاءً يَعْنِي إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ إذَا كُلِّفُوا بِإِصَابَةِ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْحَقِّ، وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِهَا إمَّا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَوْ لِخَفَائِهِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ كُلِّفُوا الِاجْتِهَادَ لِلْإِصَابَةِ فَإِنْ أَصَابُوا أُجِرُوا، وَإِنْ أَخْطَئُوا عُذِرُوا وَأُجِرُوا عَلَى الطَّلَبِ فَكَانُوا مُصِيبِينَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ الْحَقَّ فَلَمْ يَلْزَمْ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. وَهَذَا كَمَنْ أَمَرَ خُدَّامَهُ بِطَلَبِ فَرَسٍ ضَلَّ عَنْهُ فَخَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى جَانِبٍ فِي طَلَبِهِ صَحَّ هَذَا الْأَمْرُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا فِي الطَّلَبِ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلَكِنْ مَنْ وَجَدَ الْفَرَسَ مُصِيبٌ ابْتِدَاءً لِصِحَّةِ طَلَبِهِ وَانْتِهَاءً لِظَفَرِهِ بِالْفَرَسِ وَالْبَاقُونَ مُصِيبُونَ ابْتِدَاءً لِبَذْلِ

стр. 1145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] جُهْدِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ لَا انْتِهَاءً لِحِرْمَانِهِمْ عَنْ إصَابَةِ الْفَرَسِ فَكَذَا هَاهُنَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ اسْتِدْلَالًا بِمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَنْكَرَ الشَّيْخُ ﵀ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ، وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ. فَقَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُدَّعِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ شُهُودُهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ يَعْنِي شَهِدُوا أَنَّ الْمُدَّعِيَ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ. إنِّي لَا أُكَفِّلُ الْمُدَّعِيَ يَعْنِي لَا أُكَلِّفُهُ بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ إذَا سَلَّمْت الْمَالَ إلَيْهِ، وَهَذَا أَيْ أَخْذُ الْكَفِيلِ شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ الْقُضَاةُ، وَهُوَ جَوْرٌ، سَمَّاهُ أَيْ أَخَذَ الْكَفِيلُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ جَوْرًا، وَهُوَ اجْتِهَادٌ. الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ مَعَ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ وَرُبَّمَا يَظْهَرُ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ آخَرُ فَيَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْحَاضِرِ نَظَرًا لِلْغَائِبِ كَالْمُلْتَقِطِ إذَا رَدَّ اللُّقَطَةَ عَلَى صَاحِبِهَا يَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْهُ احْتِيَاطًا فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ جَوْرًا مَعْنًى فَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَاحِدٌ. وَلَمَّا كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْحَقُّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي الْمُجْتَهَدَاتِ لَكِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ جَوْرًا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى الْجَوَابِ فِي الدَّلِيلِ فَقَالَ إنَّمَا سَمَّاهُ جَوْرًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْقَاضِيَ الَّذِي أَمَرَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ احْتِيَاطًا فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ أَخْذُ الْكَفِيلِ مَائِلٌ عَنْ الْحَقِّ، وَهُوَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْمُدَّعِي بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ مَعْلُومٌ قَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ وَحَقَّ الْآخَرِ مَوْهُومٌ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّ الْحَاضِرِ لِآخَرَ مَوْهُومٍ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ. وَمَسْأَلَةُ اللُّقَطَةِ فِيمَا إذَا دَفَعَهَا بِالْعَلَامَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَأَمَّا إذَا دَفَعَهَا بِالْبَيِّنَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهُوَ مَعْنَى الْجَوْرِ يُقَالُ جَارَ عَنْ الطَّرِيقِ إذَا مَالَ عَنْ قَصْدِهِ. وَالظُّلْمُ يَعْنِي إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوْرِ الظُّلْمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ عَنْ الْمُدَّعِي ظَالِمٌ فِي حَقِّهِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَيْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَإِذَا كَلَّفَهُ الْقَاضِي بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ جَبْرًا، وَالْحَقُّ عَلَى خِلَافِهِ كَانَ ذَلِكَ وَضْعًا لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَكَانَ مَيْلًا عَنْ الْحَقِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إذَا الْتَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ عِنْدَنَا، وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ أَيْ الطَّرِيقَةَ الْمَسْلُوكَةَ فِي الشَّرْعِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِصِحَّةِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ نَفَّذُوا قَضَاءَ الْقَاضِي ثُمَّ أَطْلَقُوا اسْمَ الْخَطَأِ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يَقَعُ خَطَأً عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ جَائِزَ الْعَمَلِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ حُكْمُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ اللِّعَانَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْحُكْمَ بِخِلَافِ النَّصِّ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فِي حَدِّ الزِّنَا. قُلْنَا هَذَا حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَيَنْفُذُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ اللِّعَانِ لِلتَّغْلِيظِ، وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ يَحْصُلُ بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَدْنَى الْجَمْعِ كَأَعْلَاهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَإِذَا اجْتَهَدَ الْقَاضِي، وَأَدَّى

стр. 1146

وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ أَيْضًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي قَوْمٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَتَحَرُّوا الْقِبْلَةَ وَاخْتَلِفُوا فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ حَالَ إمَامِهِ، وَهُوَ مُخَالِفُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ لِلْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ صَوَابًا وَالْجِهَاتُ قِبْلَةً لَمَا فَسَدَتْ وَلَمَا كُلِّفُوا التَّحَرِّيَ وَالطَّلَبَ كَالْجَمَاعَةِ إذَا صَلَّوْا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْمُخْطِئَ لِلْقِبْلَةِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ فَلِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ يَقِينًا بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ لَكِنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ابْتِلَاءٌ فَإِذَا حَصَلَ الِابْتِلَاءُ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ رَجَاءِ الْإِصَابَةِ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ طَلَبُ وَجْهِ اللَّهِ سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَفَسَادَهَا مِنْ صِفَاتِ الْعَمَلِ، وَالْمُخْطِئُ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ مُصِيبٌ فَثَبَتَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْقِبْلَةِ، وَمَسْأَلَتَنَا سَوَاءٌ ــ [كشف الأسرار] اجْتِهَادُهُ إلَى هَذَا الطَّرِيقِ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَضَاءَهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفُرْقَةِ، وَمَحَلَّهَا غَيْرُ مَذْكُورَيْنِ فِي النَّصِّ، وَهَذَا الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلِّ الْفُرْقَةِ فَإِنَّ مَنْ أَبْطَلَ هَذَا الْقَضَاءَ يَقُولُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ أَتَمَّتْ الْمَرْأَةُ اللِّعَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَإِنْ تَمَّ الزَّوْجُ اللِّعَانَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ: (وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَذْهَبِ) يَعْنِي الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَثِيرٌ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي، وَمِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِرَأْيِ نَفْسِهِ فِي حَادِثَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ نَفَذَ عَلَى الْكُلِّ وَثَبَتَ صِحَّتُهُ فِي حَقِّ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ هَذَا الْقَاضِي مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إنَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَثِيرٌ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. فَقَالَ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْقِبْلَةِ مُصِيبٌ لَا مَحَالَةَ بَلْ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتِدْلَالًا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ مُصِيبًا لَا مَحَالَةَ لَوَجَبَ عَلَى الْمُخْطِئِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ. فَتَعَرَّضَ لِلْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ إنَّ الْمُخْطِئَ لِلْقِبْلَةِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَجَوَابُ أَمَّا مَحْذُوفٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْمُخْطِئَ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُجْتَهِدَ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ الْمَأْمُورَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي وُسْعِهِ لِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ. بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ أَيْ طَلَبَ الْكَعْبَةِ بِتَأْوِيلِ الْبَيْتِ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ.، وَلَكِنْ الْكَعْبَةُ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ يَعْنِي التَّكْلِيفَ بِطَلَبِ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ لَكِنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا فِي هَذَا التَّكْلِيفِ وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ بِالتَّوَجُّهِ التَّعْظِيمَ لِلْكَعْبَةِ وَالْعِبَادَةَ لَهَا يُكَفَّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَيْنَهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَهُ. وَقَدْ يَنْتَقِلُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ مِنْ عَيْنِهَا إلَى جِهَتِهَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَمِنْ جِهَتِهَا إلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ الدَّابَّةُ أَوْ السَّفِينَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ فَثَبَتَ أَنَّ عَيْنَهَا لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ رِضَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وَاسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ ابْتِدَاءٌ كَمَا كَانَ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ابْتِدَاءً. فَإِذَا حَصَلَ الِابْتِدَاءُ فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى مَا شَهِدَ قَلْبُهُ أَنَّهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ طَلَبُ وَجْهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ. سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ أَيْ حَقِيقَةُ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يُبَالِي بِفَوَاتِ الْوَسِيلَةِ وَصَارَ التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي عِنْدَ الِاضْطِرَارِ كَالتَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ بِاعْتِبَارِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الْإِعَادَةُ. ثُمَّ اسْتَوْضَحَ فَسَادَ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ جَوَازَ الْعِبَادَةِ، وَفَسَادَهَا مِنْ صِفَاتِ الْعَمَلِ يُقَالُ عَمَلٌ جَائِزٌ وَعَمَلٌ فَاسِدٌ لَا مِنْ صِفَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً، وَنَحْنُ نُسَاعِدُكُمْ

стр. 1147

وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ كُلِّفَ الْمُتَحَرِّي إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى إذَا أَخْطَأَ أَعَادَ صَلَاتَهُ ــ [كشف الأسرار] عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ مُصِيبٌ فَكَانَ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ وَالِاجْتِهَادُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ سَوَاءً فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ حَقِيقَةً. قَوْلُهُ: (وَهَذَا عِنْدَنَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ طَلَبَهُ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ مَذْهَبُنَا. فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَالْمُتَحَرِّي كُلِّفَ إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى إذَا أَخْطَأَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا عَلِمَ بِهِ فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا. احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي حَقِّ الْغَائِبِينَ عَنْهَا، وَانْقِطَاعُ دَلِيلِ الْعِيَانِ ثَابِتٌ عَلَى تَحْقِيقِ الْإِصَابَةِ يَقِينًا بِأَنَّ طَرِيقَ الْإِصَابَةِ مِمَّا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ لَوْ تَكَلَّفَ الْعَبْدُ لِمَعْرِفَةِ تَرْكِيبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكَيْفِيَّةِ جِهَاتِ الْأَقَالِيمِ إلَّا أَنَّهُ عُذِرَ دُونَهُ بِسَبَبِ الْحَرَجِ فَكَانَ مُبِيحًا لَا مُسْقِطًا أَصْلًا فَبَقِيَ أَصْلُ الْأَمْرِ مُتَعَلِّقًا بِالْإِصَابَةِ حَقِيقَةً فَمَتَى ظَهَرَ الْخَطَأُ يَقِينًا لَزِمَتْ الْإِعَادَةُ كَالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ أُبِيحَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَ النَّصَّ وَعُذِرَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُ النَّصِّ، وَلَمْ يَتَكَلَّفْ كُلَّ التَّكْلِيفِ فِي طَلَبِ النَّصِّ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ أَصْلُ الْخِطَابِ فَأُبِيحَ لَهُ الْعَمَلُ بِشَرْطِ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَسَدَ عَمَلُهُ. وَأَصْحَابُنَا ﵏ بَنَوْا وُجُوبَ طَلَبِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَنْهَا عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ حَرَجٍ لَا عَلَى مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ بِالشَّرْعِ مِنْ عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالدَّلَائِلِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ لَا تُوَصِّلُنَا إلَى حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ بَلْ هِيَ مُطْمِعَةٌ فَسَقَطَ الْخِطَابُ بِإِصَابَةِ الْحَقِيقَةِ لِقُصُورِ الْحُجَّةِ، وَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى جِهَةٍ فِيهَا رَجَاءُ إصَابَةِ الْكَعْبَةِ فَإِذَا فُقِدَتْ النُّجُومُ وَالْمَحَارِيبُ الْمَنْصُوبَةُ، وَأَخْبَارُ النَّاسِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِرَأْيِ الْقَلْبِ، وَهَذَا الرَّأْيُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَى الْجِهَةِ الظَّاهِرَةِ حَالَ ظُهُورِ الشَّمْسِ وَالْمَحَارِيبِ سَقَطَ إصَابَةُ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةٍ فِيهَا رَجَاءُ إصَابَةِ الْمِحْرَابِ الظَّاهِرِ فَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ صَارَ مُؤْتَمِرًا بِالْأَمْرِ فَلَا يَقَعُ عَمَلُهُ فَاسِدًا بِتَرْكِ مَا تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ بِخِلَافِ حَادِثَةٍ فِيهَا نَصٌّ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَعَمِلَ بِالرَّأْيِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلِّفَ الْعَمَلَ بِالرَّأْيِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ نَصٌّ، وَالنَّصُّ الَّذِي يُخَالِفُهُ مِمَّا يَنَالُهُ حَالَةَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِهِ لَوْلَا تَقْصِيرٌ مِنْهُ فِي الطَّلَبِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَبَهُ مِنْ قَبْلُ أَمْكَنَهُ الْعَمَلُ بِهِ حَالَ حَاجَتِهِ هَذِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ زَوَالَ هَذَا الْجَهْلِ مَقْرُونٌ بِمَعْنًى يُوجَدُ مِنْهُ لَا يَتَبَدَّلُ حَالَ الدَّلِيلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْخَطَأُ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ فَيَتَبَدَّلُ بِهِ حَالَ الدَّلِيلِ بِزَوَالِ الْغَيْمِ وَظُهُورِ النَّجْمِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ تَبَدَّلَ بِهِ حَالُ الدَّلِيلِ فَكَانَ وَرَاءَهُ نُزُولُ نَصٍّ بَعْدَمَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَقُولُ فِيمَنْ اجْتَهَدَ وَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ النَّجَاسَةِ الْخَبَرُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِقُصُورٍ مِنْهُ فِي طَلَبِهِ وَقَعَ الْجَهْلُ، وَالْخَبَرُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ بَلَغَهُ فِي مَوْضِعِهِ لَا يَنْفَعُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَبْقَى إلَّا النَّجْمُ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الدَّلِيلِ مُعَارَضٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَعَلَ الِاقْتِدَاءَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ هُدًى بِقَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَحْكَامٍ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِالْكُلِّ هُدًى. وَبِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ قَوْلًا وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا

стр. 1148

فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ «وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُسَارَى بَدْرٍ حِينَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] الْآيَةَ لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرَ» ــ [كشف الأسرار] بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَقِيَ بَيْنَهُمْ تَعْظِيمُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ وَتَرْكُ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَ الْبَعْضِ، وَلَوْ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ صَاحِبَهُ مُخْطِئٌ لَأَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ. وَبِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِإِزَاحَةِ الْإِشْكَالِ، وَلَوَجَبَ نَقْضُ كُلِّ حُكْمٍ خَالَفَهُ كَمَا قَالَهُ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقَّ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِالْكُلِّ هُدًى بَلْ هُوَ هُدًى؛ لِأَنَّهُ كَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي اتِّبَاعِ ظَنِّهِ مُهْتَدٍ صَحَّ لِلْعَامِّيِّ إذَا قَلَّدَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا مُقَلِّدًا كَانَ أَوْ مُجْتَهِدًا إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاهْتِدَاءِ هُوَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِآحَادِهِمْ إذَا كَانَ اهْتِدَاءً كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِجَمِيعِهِمْ أَوْلَى بِالِاهْتِدَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْطِئَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَقَّ وَاحِدًا فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي هَذَا اهْتِدَاءً. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ صَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنَّمَا بَقِيَ التَّعْظِيمُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ ظَنَّهُ وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ حَتَّى لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا يَجِبُ الْإِنْكَارُ حِينَئِذٍ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَاسِدٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَصْلَحَةُ طَلَبَ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ لِنَيْلِ ثَوَابِ الِاجْتِهَادِ لَا طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ مَعَ إمْكَانِ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نَقْضُ مَا خَالَفَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْخَطَأِ مِنْ الصَّوَابِ. ١ - قَوْلُهُ: (فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدَ إذَا أَخْطَأَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً أَيْ مُخْطِئًا مِنْ الْأَصْلِ فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَفِيمَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» ذَكَرَ الْخَطَأَ مُطْلَقًا وَالْخَطَأُ الْمُطْلَقُ مَا هُوَ الْخَطَأُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. قَالُوا وَالِاجْتِهَادُ الْمُؤَدِّي إلَى الْخَطَأِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ كَالرَّجُلِ الْمَأْمُورِ بِدُخُولِ بَلَدٍ إذَا سَلَكَ طَرِيقًا لَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ مُصِيبٌ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَهَا، وَلَا إنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِقَطْعِهَا. قَالُوا: وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَا الْمُجْتَهِدَ الْعَمَلَ بِقِيَاسِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ صَوَابٌ كَمَا يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِالنَّصِّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَمَتَى ظَهَرَ انْتِسَاخُهُ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ فَكَذَلِكَ مَتَى عَمِلَ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ رُوِيَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يَقِينًا بَطَلَ مَا أَمْضَى بِقِيَاسِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ، وَمَعَهُ ثَوْبٌ أَوْ مَاءٌ شَكَّ فِي طَهَارَتِهِمَا فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ الطَّهَارَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ فَإِذَا تَبَيَّنَ نَجَاسَتُهُمَا فَسَدَ عَمَلُهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ إطْلَاقِ الْإِصَابَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعًا فَعَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ وَجْهُ الْخَطَأِ وَاشْتَبَهَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ الْعَمَلُ بِأَيِّ قِيَاسٍ كَانَ فَيَكُونُ الْعَمَلُ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِقِيَاسِهِ صَوَابًا ظَاهِرًا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ. قَالُوا: وَهَكَذَا تَقُولُ فِي قَوْمٍ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ وَصَلَّوْا إنَّ صَلَاةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَائِزٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ خَطَؤُهُ فَحِينَئِذٍ نَأْمُرُهُ بِالْإِعَادَةِ. قَوْلُهُ: «وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ فِي أُسَارَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَوْمُك، وَأَهْلُك اسْتَانَّ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ: ﵁ كَذَّبُوك، وَأَخْرَجُوك قَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَاك عَنْ الْفِدَاءِ فَمَالَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى رَأْيِ

стр. 1149

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَالْحُكْمُ وَالْعِلْمُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْعَمَلُ فَأَمَّا إصَابَةُ الْمَطْلُوبِ فَمِنْ أَحَدِهِمَا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ لِمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدُ كِلَاكُمَا أَصَابَ وَصَنِيعُ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إِلَيَّ فِيمَا سُبِقَا مِنْ رَكْعَتَيْ ــ [كشف الأسرار] أَبِي بَكْرٍ فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرَ» . فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ ﵁ كَانَ صَوَابًا، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْآخَرَ كَانَ خَطَأً مِنْ الْأَصْلِ لِاسْتِيجَابِهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَهُوَ الْكِتَابُ السَّابِقُ، وَلَوْ كَانَ صَوَابًا فِي حَقِّ الْعَمَلِ لَمَا اسْتَوْجَبَ بِهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ لِوُجُودِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْكِتَابِ السَّابِقِ مَا كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ بَدْرٍ. وَقِيلَ أَنْ يُحِلَّ لَهُمْ الْغَنَائِمَ وَالْفِدَاءَ، وَقِيلَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ قَوْمًا إلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ وَتَقْدِيمِ النَّهْيِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ تَمَسَّكَ الْمَرِيسِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَالَ الْمُجْتَهِدُ يَأْثَمُ بِالْخَطَأِ وَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ دَلِيلُ الْإِثْمِ؛ وَلِأَنَّ الْخَطَأَ إنَّمَا يَقَعُ لِتَقْصِيرٍ فِي الطَّلَبِ، وَالتَّقْصِيرُ فِي طَلَبِ الْوَاجِبِ دَلِيلُ الْإِثْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَطَأَ فِي أُصُولِ الدِّينِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ لِقُصُورٍ فِي الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْمُجْتَهِدِينَ عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ تَشْنِيعُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.، وَقَوْلِهِ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ.، وَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ أَبْلِغْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حَجَّهُ وَجِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَتُبْ. وَقَوْلِ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ جَوْرٌ، وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَطَأَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعِتَابِ وَالْإِثْمِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّشْنِيعِ وَجْهٌ. قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) فَإِنَّهُ ﵇ لَمَّا قَالَ لَهُ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ، وَقَالَ فِي آخَرَ «، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» وَالْخَطَأُ الْمُطْلَقُ لَا يَكُونُ حَسَنَةً، وَلَا سَبَبًا لِلْأَجْرِ بِوَجْهٍ عَرَفْنَا أَنَّهُ مُصِيبٌ فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَمُسْتَحِقٌّ لِلْأَجْرِ بِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ الْحَقِيقِيَّ. وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] أَخْبَرَ أَنَّهُمَا جَمِيعًا أُوتِيَا مِنْ اللَّهِ عِلْمًا وَحُكْمًا بَعْدَمَا بَيَّنَ أَنَّ سُلَيْمَانَ اخْتَصَّ بِفَهْمِ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَطَأَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَثْبُتُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوَابٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ. وَهَذَا التَّمَسُّكُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا سَلَّمَ الْخَصْمُ أَنَّ الْمُرَادَ إتْيَانُ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ بَلْ يَقُولُ الْمُرَادُ إتْيَانُ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَذَا رُوِيَ أَنَّ مَسْرُوقًا وَعَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدَ سُبِقَا بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَمَّا قَامَا إلَى الْقَضَاءِ صَلَّى مَسْرُوقٌ رَكْعَةً وَجَلَسَ ثُمَّ رَكْعَةً وَجَلَسَ وَسَلَّمَ وَصَلَّى الْآخَرُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ كِلَاكُمَا أَصَابَ، وَلَكِنَّ صَنِيعَ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إلَيَّ فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إلَى الْفَائِتِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَعْدَةٌ وَالْآخَرُ إلَى الْبَاقِي فَقَوْلُهُ كِلَاكُمَا أَصَابَ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ، وَقَوْلُهُ صَنِيعُ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إلَيَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقُلْنَا أَرَادَ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ فِيمَا عَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ أَنَّ الْحَقَّ الْحَقِيقِيَّ مَعَ مَسْرُوقٍ عِنْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِلَا الِاجْتِهَادَيْنِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَسْرُوقٌ أَفْضَلُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَائِلِينَ بِالْأَشْبَهِ. قُلْنَا: هَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ

стр. 1150

وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُكَلَّفُ بِمَا فِي وُسْعِهِ فَاسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ وَحَرُمَ الصَّوَابُ وَالثَّوَابُ فِي آخِرِهِ إمَّا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ أَوْ حِرْمَانًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً. وَأَمَّا قِصَّةُ بَدْرٍ فَقَدْ عَمِلَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِشَارَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَكَيْفَ يَكُونُ خَطَأً إلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ رُخْصَةً. وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى حُكْمِ الْعَزِيمَةِ لَوْلَا الرُّخْصَةُ ــ [كشف الأسرار] أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ مَذْهَبَ عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَصَابَ الْحَقَّ حَقِيقَةً، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا أَحَقُّ بَلْ أَرَادَ مَا ذَكَرْنَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مُخْطِئٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً سَاعَدَنَا فِي أَنَّهُ مُخْطِئٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ قَوْلِهِ كِلَاكُمَا قَدْ أَصَابَ عَلَى أَنَّهُمَا أَصَابَا الْحُكْمَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا أَصَابَا فِي الِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُكَلَّفٌ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَفِي وُسْعِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ طَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْحَقِّ دُونَ إصَابَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أُمِرَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا بِلَا خِلَافٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْعَمَلِ بِهِ عَلَى شَرْطِ إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَى تَحَرِّي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مُطْمِعٌ فِي الْإِصَابَةِ فَاسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ وَحُرِمَ الصَّوَابَ، وَالثَّوَابُ فِي آخِرِهِ أَيْ ثَوَابُ إصَابَةِ الْحَقِّ إمَّا بِسَبَبِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ أَوْ بِابْتِدَاءِ حِرْمَانٍ مِنْ اللَّهِ . وَهَذَا كَمَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ عَلَى تَحَرِّي النُّصْرَةِ كَانَ مُصِيبًا فِي قِتَالِهِ مُمْتَثِلًا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إعْلَاءِ كَلِمَتِهِ قَتَلَ أَمْ قُتِلَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَجْرِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُصِيبٌ لَمَّا قَاتَلَ عَلَى تَحَرِّي إصَابَةِ النُّصْرَةِ أَصَابَ أَوْ لَمْ يُصِبْ، وَكَالرُّمَاةِ إذَا نَصَبُوا غَرَضًا فَرَمَوْا عَلَى تَحَرِّي الْإِصَابَةِ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي تَحَرِّيهِمْ الْإِصَابَةَ، وَإِذَا أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ الْغَرَضَ، وَأَصَابَ الْبَعْضُ لَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مُخْطِئًا فِي تَحَرِّيهِ الْإِصَابَةَ بِطَرِيقِهِ (فَإِنْ قِيلَ) خَطَؤُهُ فِي تَقْصِيرِهِ فِي طَلَبِ طَرِيقِ الْإِصَابَةِ لَا فِي قَصْدِ الْإِصَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ مِنْ الرَّأْيِ مَا لَوْ بَذَلَ مَجْهُودَهُ كُلَّ الْبَذْلِ لَأَصَابَ الْحَقَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ. (قُلْنَا) إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا لَمْ يُكَلِّفْ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لَمْ يُكَلِّفْ بِمَا فِيهِ الْحَرَجُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وَفِي بِنَاءِ الْخِطَابِ عَلَى هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَيَصِيرُ عَفْوًا وَيَجِبُ بِنَاءُ الْخِطَابِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَذَلِكَ لَا يُوَصِّلُنَا إلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَإِنَّ الْمُخْطِئَ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُخْطِئٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَلَائِلَ عَلَيْهَا يُوجِبُ الْعِلْمُ يَقِينًا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَمْ يَجِبْ الْخَطَأُ إلَّا بِقِلَّةِ التَّأَمُّلِ. فَأَمَّا قِصَّةُ بَدْرٍ فَقَدْ عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِشَارَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَيْ بِاجْتِهَادِهِ وَرَأْيِهِ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ اجْتِهَادُهُ عَلَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمِلَ بِرَأْيِهِ، وَأُقِرَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] ، وَلَمَّا أُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَمِلْ الْخَطَأَ بِوَجْهٍ. إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ أَخْذَ الْفِدَاءِ كَانَ رُخْصَةً. وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى حُكْمِ الْعَزِيمَةِ لَوْلَا الرُّخْصَةُ أَيْ الْعِتَابُ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ بَقَاءِ الْعَزِيمَةِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَتَأْوِيلُ الْعِتَابِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَكَانَ ذَلِكَ كَرَامَةً خُصِّصَتْ بِهَا رُخْصَةُ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ بِحُكْمِ الْعَزِيمَةِ عَلَى مَا قَالَهُ عُمَرُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] قَبْلَ الْإِثْخَانِ، وَقَدْ أَثْخَنْت يَوْمَ بَدْرٍ فَكَانَ لَك الْأَسْرَى كَمَا كَانَ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَلَكِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَسْرَى الْمَنَّ أَوْ الْقَتْلَ دُونَ الْمُفَادَاةِ فَلَوْلَا الْكِتَابُ السَّابِقُ فِي إبَاحَةِ الْفِدَاءِ لَك لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ

стр. 1151

فَالْمُخْطِئُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يُضَلَّلُ وَلَا يُعَاتَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ الصَّوَابِ بَيِّنًا فَيُعَاتَبُ، وَإِنَّمَا نَسَبْنَا الْقَوْلَ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ وَبِأَنْ يَلْحَقَ الْوَلِيُّ بِالنَّبِيِّ، وَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِهِمْ وَالْمُخْتَارُ مِنْ الْعِبَارَاتِ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ عَلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ الِاعْتِزَالِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا وَعَلَيْهِ مَضَى أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَسَقَطَتْ الْمِحْنَةُ وَبَطَلَ الِاجْتِهَادُ ــ [كشف الأسرار] قَوْلُهُ: (فَالْمُخْطِئُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا لَا يُضَلَّلُ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمُخْطِئِ فِي الْأُصُولِ فَإِنَّهُ مُضَلَّلٌ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخْطِئِ فِي الْفُرُوعِ فَقِيلَ هُوَ مَأْجُورٌ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَقِيلَ هُوَ مَعْذُورٌ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْحَظْرِ يَزُولُ بِعُذْرِ الْخَطَأِ فَأَمَّا أَنْ يَنَالَ أَجْرَ الصَّوَابِ، وَلَا صَوَابَ فَلَا كَالنَّائِمِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ لَا يَنَالُ ثَوَابَ الْمُصَلِّي. وَقِيلَ هُوَ مُعَاقَبٌ مُخَطَّأٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقُلْنَا إذَا كَانَ طَرِيقُ الْإِصَابَةِ بَيِّنًا فَهُوَ مُعَاتَبٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ مَا أَخْطَأَ إلَّا بِتَقْصِيرِ مَنْ قَبْلَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَفِيًّا فَلَيْسَ بِمُعَاتَبٍ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ إنَّمَا وَقَعَ لِخَفَاءِ دَلِيلِ الْإِصَابَةِ وَذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْخَفِيُّ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ فَهْمٍ وَكُلُّ قَلْبٍ فَإِنَّ إدْرَاكَ الْبَصَائِرِ عَلَى التَّفَاوُتِ كَإِدْرَاكِ الْأَبْصَارِ بِحُكْمِ الْخِلْقَةِ فَلَا يَجُوزُ الْعِتَابُ عَلَى فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ مَعْذُورًا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْ مُصِيبًا فِيمَا اسْتَعْمَلَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مَأْجُورًا. وَمَا رُوِيَ مِنْ التَّخْطِئَةِ وَالتَّشْنِيعِ فَعَلَى النَّوْعِ الَّذِي طَرِيقُهُ عِنْدَ الَّذِي خَطَّأَ وَشَنَّعَ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَحَ لِلْعَبْدِ إصَابَةُ الْحَقِّ وَاسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ فَإِذَا حُرِمَ مِنْ الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَصْلَحَ لَهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ عِنْدَهُمْ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِإِصَابَةِ الْكُلِّ. وَبِأَنْ يَلْحَقَ الْوَلِيُّ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ نَبِيٍّ مِنْ الْإِكْرَامِ وَالْإِفْضَالِ مَا لَا يَفْعَلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ يُبْطِلُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَاجْتِسَارِهِ فَالْوَلِيُّ مُلْحَقٌ بِالنَّبِيِّ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ الْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلْحَاقُ الْوَلِيِّ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُصِيبًا لِلْحَقِّ فِي اجْتِهَادِهِ لَا مَحَالَةَ كَانَ قَوْلُهُ فِي الْحَقِّيَّةِ مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّصْوِيبِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّصْوِيبِ لَا يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَهَبُوا إلَيْهِ مَعَ إنْكَارِهِمْ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ، وَلَكِنَّ مَبْنَى التَّصْوِيبِ عَلَى أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْأَصْلَحِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀. وَالثَّانِي امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ بِالتَّصْوِيبِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ. قَوْلُهُ: (عَلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنْ يُرَادَ إصَابَةُ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ، وَإِخْطَاءِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ لِيَحْصُلَ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْأَحَقِّ مِنْهُمْ قَدْ يَقُولُونَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ إصَابَةَ الْأَحَقِّ وَإِخْطَاءَهُ، وَلَكِنَّ الْمُخْطِئَ لِلْأَحَقِّ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ فَإِذَا لَمْ نُرِدْ بِقَوْلِنَا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ حَقِيقَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَا يَكُونُ هَذَا احْتِرَازًا عَنْ الِاعْتِزَالِ ظَاهِرًا حَيْثُ حَصَلَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِاسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ لَا بَاطِنًا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْأَحَقِّ فَأَمَّا إذَا أَرَدْنَا بِهِمَا إصَابَةَ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ، وَإِخْطَاءَهُ فَقَدْ حَصَلَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ مَذْهَبِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ: وَلَقَدْ تَدَبَّرْتُ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّصْوِيبِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرُ حَظٍّ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى شَرَفِ هَذَا الْعِلْمِ، وَمَنْصِبِهِ فِي الدِّينِ، وَمَرْتَبَتِهِ فِي مَسَالِكِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا نِهَايَةُ رَأْسِ مَالِهِمْ الْمُجَادَلَاتُ الْمُوحِشَةُ، وَإِلْزَامُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي مَنْصُوبَاتٍ، وَمَوْضُوعَاتٍ اتَّفَقُوا

стр. 1152

وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ وَهَذَا. (بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ كَانَتْ عِلَّتِي تُوجِبُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ تُوجِبْ لِمَانِعٍ فَصَارَ مَخْصُوصًا مِنْ الْعِلَّةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَنَظَرُوا إلَى الْفِقْهِ، وَمَعَانِيهِ بِأَفْهَامٍ كَلِيلَةٍ وَعُقُولٍ حَسِيرَةٍ فَعَدُّوا ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْ الْأَمْرِ، وَلَمْ يُعْتَقَدْ لَهَا كَثِيرُ مَعَانٍ يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا، وَقَالُوا لَمْ يُكَلَّفْ الْمُجْتَهِدُ إلَّا فِي مَحْضِ ظَنٍّ يَعْثِرُ عَلَيْهِ بِنَوْعِ أَمَارَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ تَكْلِيفُهُ سِوَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ حَقٌّ وَاحِدٌ مَطْلُوبٌ بَلْ مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِ هُوَ الظَّنُّ لِيَعْمَلَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِ مُجَرَّدَ ظَنٍّ، وَالظَّنُّ قَدْ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ، وَقَدْ يَكُونُ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ يَكُونُ بِلَا دَلِيلٍ بَلْ الْمَطْلُوبُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَادِثَةِ بِالْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا إلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَعَانِيَ الشَّرْعِ وَطَلَبُوهَا بِالْجَهْدِ الشَّدِيدِ وَالْكَدِّ الْعَظِيمِ حَتَّى أَصَابُوهَا فَأَمَّا مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ وَيَظُنُّهُ سَهْلًا مِنْ الْأَمْرِ، وَلَا يَعْرِفُ إلَّا مُجَرَّدَ ظَنٍّ يَظُنُّهُ الْإِنْسَانُ فَيَعْثِرُ هَذِهِ الْعَثْرَةَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي لَا انْتِعَاشَ عَنْهَا وَيَعْتَقِدُ تَصْوِيبَ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ ظُنُونِهِمْ فَيُؤَدِّي قَوْلُهُ إلَى اعْتِقَادِ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَإِلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَّةِ وَحَمْلِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ الْمُبَالَاةِ فِيمَا نَصَبُوا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَأَسْهَرُوا لَيَالِيَهُمْ، وَأَتْعَبُوا فِكْرَهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، وَإِظْهَارِ تَأْثِيرَاتِ مَا ادَّعَوْهَا مِنْ الْعِلَلِ ثُمَّ نِهَايَةُ أَمْرِهِمْ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ وَصَلُوا إلَى مِثْلِ مَا وَصَلَ مُخَالِفُوهُمْ، وَأَنَّ مَا وَصَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَضِدُّهُ حَقٌّ، وَقَوْلُهُمْ وَقَوْلُ مُخَالِفِيهِمْ سَوَاءٌ فَيَكُونُ سَعْيُهُمْ شِبْهَ ضَائِعٍ وَثَمَرَتُهُ كَلَا ثَمَرَةٍ، وَبُطْلَانُ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ حِكَايَتَهُ تُغْنِي كَثِيرًا مِنْ الْعُقَلَاءِ عَنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ أَيْ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. أَوْ يَتَّصِلُ بِمَسْأَلَةِ تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ كَمَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ، وَهَذَا أَيْ مَا نَشْرَعُ فِيهِ. [بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ] (بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً لِمَانِعٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْنًى، وَلَا عُمُومَ لِلْمَعْنَى حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُ بِاعْتِبَارِ حُلُولِهِ فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ فَإِخْرَاجُ بَعْضِ الْمَحَالِّ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الْعِلَّةُ عَنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ، وَقَصْرُ عَمَلِ الْعِلَّةِ عَلَى الْبَاقِي يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّخْصِيصِ كَمَا أَنَّ إخْرَاجَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ عَنْ تَنَاوُلِ لَفْظِ الْعَامِّ إيَّاهُ، وَقَصْرِهِ عَلَى الْبَاقِي تَخْصِيصٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَتَى وَرَدَ عَلَيْهَا نَقْضٌ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَقِضَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً شَرْعِيَّةً. وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ إنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ جَائِزٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَذَهَبَ مَشَايِخُ دِيَارِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ فَأَمَّا فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ فَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ عَلَى الْجَوَازِ فِيهَا. وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ التَّخْصِيصَ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ فَأَكْثَرُهُمْ جَوَّزَهُ فِي الْمَنْصُوصَةِ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ فِي الْمَنْصُوصَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مُخْتَارُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي، وَقِيلَ إنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀. احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ

стр. 1153

وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ لُغَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لَا نَقْضٌ وَلَا إبْطَالٌ، وَقَدْ صَحَّ الْخُصُوصُ عَلَى: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ الْمُنَاقَضَةِ قَالَ وَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقِيَاسِ بِسُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةٍ أَوْ اسْتِحْسَانٍ مَخْصُوصٍ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ الْخَصْمَ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ فَإِذَا وُجِدَ وَلَا حُكْمَ لَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ فَيَتَنَاقَضُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِمَانِعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ بَيَانُهُ ــ [كشف الأسرار] الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا صَارَتْ أَمَارَةً بِجَعْلِ جَاعِلٍ فَجَازَ أَنْ تُجْعَلَ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ، وَلَمْ تُجْعَلْ أَمَارَةً فِي مَحَلٍّ كَمَا جَازَ أَنْ تُجْعَلَ أَمَارَةً فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَبِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْحُكْمِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهَا غَلَبَةُ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَهَا كَالْغَيْمِ الرَّطْبِ فِي الشِّتَاءِ أَمَارَةٌ لِلْمَطَرِ قَدْ يَتَخَلَّفُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ. وَبِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ جَائِزٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السَّرِقَةَ وَالزِّنَا عِلَّتَيْنِ لِلْقَطْعِ وَالْحَدِّ، وَقَدْ يُوجَدُ سَارِقٌ لَا يُقْطَعُ وَزَانٍ لَا يُحَدُّ وَجَعَلَ الْمُشَاقَّةَ عِلَّةً لِقَتْلِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] ، وَقَدْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْقَتْلِ وَجَعَلَ وُقُوعَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ عِلَّةً لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا، وَلَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْمَنْصُوصَةِ جَازَ تَخْصِيصُ الْمُسْتَنْبَطَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَجُوزُ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ مَا يَسْتَحِيلُ جَوَازُهُ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ طُرُقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْعِلَّتَيْنِ اخْتِلَافُ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ فِي أَحَدَيْهِمَا النَّصُّ، وَفِي الْأُخْرَى الِاسْتِنْبَاطُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ دَلَالَةَ الْعِلَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَالِّهَا كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ فَلَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ. وَبِأَنَّ خُصُوصَ الْعِلَّةِ لَيْسَ إلَّا امْتِنَاعَ ثُبُوتِ مُوجِبِ الدَّلِيلِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ، وَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْفَسَادِ كَمَا فِي الْعِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ فَإِنَّ النَّارَ عِلَّةٌ لِلْإِحْرَاقِ ثُمَّ إنَّهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلَا فِي الطَّلْقِ لِمَانِعٍ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّارَ لَيْسَتْ بِمُحْرِقَةٍ. وَبِمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ التَّخْصِيصَ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْمُنَاقَضَةِ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ حَقِّيَّةَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ فَقَالَ التَّخْصِيصُ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ. وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَإِجْمَاعًا، وَفِقْهًا. أَمَّا اللُّغَةُ فَلِأَنَّ النَّقْضَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَرِدُ فِعْلًا سَبَقَ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ كَنَقْضِ الْبُنْيَانِ وَنَقْضِ كُلِّ مُؤَلَّفٍ وَالْخُصُوصُ بَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ رَفَعَ الثُّبُوتَ أَلَا تَرَى أَنَّ ضِدَّ الْخُصُوصِ الْعُمُومُ، وَضِدَّ النَّقْضِ الْبِنَاءُ وَالتَّأْلِيفُ. وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ جَائِزٌ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَصْلًا فَيَتَغَايَرَانِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ لِقَوْلِهِ، وَقَدْ صَحَّ الْخُصُوصُ إلَى آخِرِهِ. ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْقَائِسِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةٍ وَذَلِكَ يَكُونُ تَخْصِيصًا لَا مُنَاقَضَةً وَلِهَذَا سَمَّاهَا الشَّافِعِيُّ مَخْصُوصَةً عَنْ الْقِيَاسِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا مَعْدُولًا بِهَا عَنْ الْقِيَاسِ أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ الْقِيَاسَ بَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَالْقِيَاسُ الْمُنْتَقَضُ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ

стр. 1154

إنْ أَبْرَزَ مَانِعًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ بِدَلِيلِ الِاحْتِمَالِ الْفَسَادَ بِخِلَافِ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَحْتَمِلُ فَسَادًا وَبُنِيَ عَلَى هَذَا تَقْسِيمُ الْمَوَانِعِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ حِسًّا وَحُكْمًا مَانِعٌ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ حُكْمَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ فِي الرَّامِي إذَا انْقَطَعَ وَتَرَاهُ أَوْ انْكَسَرَ فَوْقَ سَهْمِهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ عِلَّةً، وَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ حَائِطٌ مَنَعَ تَمَامَ الْعِلَّةِ حَتَّى لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَحَلِّ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَهُ ــ [كشف الأسرار] وَأَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّ الْخَصْمَ أَيْ الْمُعَلِّلَ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ فَلَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِدُونِ ذَلِكَ الْحُكْمِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِفَسَادٍ فِي أَصْلِ عِلَّتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنَاقُضًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بِلَا شُبْهَةٍ ثُمَّ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ بِهِ فِي صُورَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْخِيَارُ الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ فَإِذَا ادَّعَى الْمُعَلِّلُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ صَارَ مَخْصُوصًا مِنْ عِلَّتَيْنِ لِمَانِعٍ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مُحْتَمَلًا فَيَكُونُ مُطَالَبًا بِالْحُجَّةِ. فَإِنْ أَبْرَزَ مَانِعًا صَالِحًا يُقْبَلُ بَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ الْمُعَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ. وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ أَيْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي جَعْلِ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهُ عِلَّةً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. أَوْ ظَهَرَ أَنَّ وَصْفَهُ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِامْتِنَاعِ الْحُكْمِ عَنْهُ مَانِعٌ كَانَ مُوجِبًا وَغَيْرَ مُوجِبٍ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ. ، وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ وَلِلْمَانِعِ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُعَلِّلِ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ بِدَلِيلٍ لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ أَيْ لِاحْتِمَالِ تَعَيُّنِ جِهَةِ فَسَادِ الْعِلَّةِ بِأَنْ يَعْجِزَ عَنْ إبْرَازِ الْمَانِعِ أَصْلًا وَيُبَيِّنَ مَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا إذْ لَا بُدَّ لِلْمَانِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ بِخِلَافِ النُّصُوصِ يَعْنِي إذَا تَمَسَّكَ فِي حَادِثَةٍ بِعُمُومِ نَصٍّ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْعَامِّ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْمُولٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خُصَّ مِنْ هَذَا الْعَامِّ بِدَلِيلٍ يُقْبَلُ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ الْفَسَادِ وَالْغَلَطِ بِوَجْهٍ فَلَا يَبْقَى لِعَدَمِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَجْهٌ إلَّا الْخُصُوصَ الَّذِي يَلِيقُ بِكَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إثْبَاتِهِ بِدَلِيلٍ. فَأَمَّا احْتِمَالُ الْفَسَادِ فِي الْعِلَّةِ فَقَائِمٌ فَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ عِلَّتِهِ لَا يَنْتَفِي جِهَةُ الْفَسَادِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ. وَلَا يُقَالُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَانِعٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ إبْرَازُهُ فَلَا يَثْبُتُ فَسَادُ الْوَصْفِ بِالِاحْتِمَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي التَّخَلُّفِ هُوَ التَّنَاقُضُ. قَوْلُهُ: (وَبَنَى) أَيْ مَنْ أَجَازَ التَّخْصِيصَ عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ تَقْسِيمَ الْمَوَانِعِ أَيْ مَوَانِعِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ. وَهِيَ خَمْسَةٌ حِسًّا وَحُكْمًا أَيْ فِي الْحِسِّيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَذَلِكَ أَيْ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَوَانِعِ حِسًّا يَتَبَيَّنُ فِي الرَّمْيِ فَإِنَّهُ قَتَلَ أَوْ أَصَابَ وَيَلْزَمُ الرَّامِيَ أَحْكَامُ الْقَتْلِ وَالرَّمْيُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ إغْرَاقُ الْقَوْسِ بِالسَّهْمِ، وَإِرْسَالُهُ. فَالرَّامِي إذَا انْقَطَعَ وَتَرُهُ أَيْ وَتَرُ قَوْسِهِ أَوْ انْكَسَرَ فَوْقَ سَهْمِهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنْ السَّهْمِ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ انْعِقَادِ الرَّمْيِ عِلَّةً بَعْدَ تَمَامِ قَصْدِ الرَّامِي إلَى مُبَاشَرَةٍ حَتَّى أَنَّ شَيْئًا مِنْ حُكْمِ الرَّمْي لَا يَظْهَرُ مَعَ هَذَا الْمَانِعِ مِنْ مُضِيِّ السَّهْمِ أَوْ إصَابَتِهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: وَإِذَا حَالَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ حَائِطٌ فِي مَسَافَةِ مُرُورِ السَّهْمِ يُعَارِضُ السَّهْمَ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْمُرُورِ وَيَرُدُّهُ عَنْ سُنَنِهِ فَهُوَ مَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ انْعَقَدَ رَمْيًا لَكِنَّ الرَّمْيَ إنَّمَا يَصِيرُ قَتْلًا إذَا أَصَابَ الْمُرْمَى بِامْتِدَادِ السَّهْمِ إلَى الْمُرْمَى بِقُوَّتِهِ، وَهَذَا الْمَانِعُ مَنَعَ تَمَامَ الِامْتِدَادِ إلَيْهِ فَمَنَعَ تَمَامَ الْعِلَّةِ. وَهَذَانِ لَيْسَا مِنْ أَقْسَامِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ عُدِمَتْ الْعِلَّةُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَصْلًا فَيَكُونُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهِمَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ مَنَعَ وُجُودَ الْعِلَّةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ بِنَاؤُهُمَا عَلَيْهِ وَجَعْلُهُمَا مِنْ أَقْسَامِهِ إلَّا أَنَّ

стр. 1155

فَيَدْفَعُهُ بِتُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاَلَّذِي يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ أَنْ يَجْرَحَهُ ثُمَّ يُدَاوِيَهُ فَيَنْدَمِلَ، وَاَلَّذِي يَمْنَعُ لُزُومَهُ أَنْ يُصِيبَهُ فَيَمْرَضَ بِهِ وَيَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ ثُمَّ يَصِيرَ لَهُ كَطَبْعٍ خَامِسٍ فَيَأْمَنُ مِنْهُ غَالِبًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ ضَرَبَهُ الْفَالِجُ فَيَصِيرُ مَفْلُوجًا كَانَ مَرِيضًا فَإِنْ امْتَدَّ فَصَارَ طَبْعًا صَارَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ. وَمِثَالُهُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْبَيْعُ إذَا أُضِيفَ إلَى حُرٍّ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى مَالٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ مَنَعَ تَمَامَ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ ــ [كشف الأسرار] هَذَا الْقَائِلَ لَمَّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَوَانِعِ ذَكَرَهُمَا تَتْمِيمًا لِلتَّقْسِيمِ لَا أَنَّهُ بَنَاهُمَا عَلَى التَّخْصِيصِ. وَمَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ هُوَ أَنْ يُصِيبَهُ أَيْ يُصِيبَ السَّهْمُ الْمُرْمَى. فَيَدْفَعُهُ أَيْ الْمُرْمَى السَّهْمَ بِتُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ دِرْعٍ أَوْ جَوْشَنٍ أَوْ قَبَاءٍ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ لَمَّا امْتَدَّ إلَيْهِ وَاتَّصَلَ بِهِ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ الْجَرْحُ الَّذِي هُوَ قَتْلٌ، وَهَذَا الْمَانِعُ أَعْنِي التُّرْسَ وَنَحْوَهُ مِنْهُ أَصْلُ الْحُكْمِ. وَلَا يُقَالُ التُّرْسُ مَانِعٌ مِنْ الِاتِّصَالِ كَالْحَائِطِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا مِنْ قَبِيلِ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التُّرْسُ أَوْ الدِّرْعُ مُتَّصِلٌ بِالْمُرْمَى فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ بَدَنِهِ فَكَانَ اتِّصَالُ السَّهْمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِهِ بِبَدَنِهِ بِخِلَافِ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ فَلَا يَكُونُ اتِّصَالُ السَّهْمِ بِالْحَائِطِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِ السَّهْمِ بِالْمُرْمَى فَكَانَ قِسْمًا آخَرَ. وَاَلَّذِي يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ أَنْ يَجْرَحَهُ أَيْ السَّهْمُ الْمُرْمَى ثُمَّ يُدَاوِيهِ أَيْ الْمُرْمَى الْجُرْحَ فَيَنْدَمِلُ فَالْمُدَاوَاةُ مَعَ الِانْدِمَالِ أَوْ الِانْدِمَالُ بِنَفْسِهِ مَانِعٌ مِنْ تَمَامِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ إنَّمَا يُتِمُّ قَتْلًا إذَا سَرَى أَلَمُهُ إلَى الْمَوْتِ فَمَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ يَكُونُ مَانِعًا تَمَامَ حُكْمِ الْعِلَّةِ. وَاَلَّذِي يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ أَنْ يُصِيبَ السَّهْمُ الْمُرْمَى فَيَمْرَضُ بِهِ وَيَصِيرُ صَاحِبَ فِرَاشٍ ثُمَّ يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَرَضُ وَالْجُرْحُ لَهُ كَطَبْعٍ خَامِسٍ أَيْ زَائِدٍ عَلَى الطِّبَاعِ الْأَرْبَعَةِ فَيَأْمَنُ أَيْ الْمُرْمَى الْمُصَابُ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فِي الْغَالِبِ أَيْ يَأْمَنُ الْمُصَابُ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الْجُرْحُ إلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ. فَصَيْرُورَتُهُ طَبْعًا خَامِسًا مَنَعَ لُزُومَ الْحُكْمِ أَيْ مَنَعَ الْجُرْحَ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا إذْ مَعْنَى لُزُومِهِ صَيْرُورَتُهُ قَتْلًا، وَهُوَ كَالِانْدِمَالِ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ زُهُوقِ الرُّوحِ كَالِانْدِمَالِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَذَا الْقِسْمَ فِي أَقْسَامِ الْمَوَانِعِ. إلَّا أَنَّ الْجُرْحَ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الرَّمْيِ لَمَّا بَقِيَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ طَبْعًا فَلَمْ يَنْدَمِلْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَانِعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا فِي الْعَاقِبَةِ، وَلَكِنَّ الدَّفْعَ بِصَيْرُورَتِهِ طَبْعًا إفْضَاؤُهُ إلَى الْقَتْلِ فِي الْحَالِ فَكَانَ مَانِعًا لُزُومَ الْحُكْمِ، وَفِي أَصْلِهِ لِبَقَائِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَبِالِانْدِمَالِ قَدْ انْدَفَعَ الْجُرْحُ الْحَاصِلُ بِالرَّمْيِ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ الِانْدِمَالُ أَقْوَى مَنْعًا لِلْحُكْمِ مِنْ صَيْرُورَةِ الْجُرْحِ طَبْعًا، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُمَا الشَّيْخُ قِسْمَيْنِ. وَفِي الْجُمْلَةِ جَعْلُ صَيْرُورَتِهِ طَبْعًا مَانِعَةً مِنْ لُزُومِ الْحُكْمِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْحُكْمِ ثَابِتًا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمَانِعِ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْحُكْمِ إنْ كَانَ هُوَ الْقَتْلَ فَنَفْسُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا فِي الِانْدِمَالِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ ثَابِتًا غَيْرَ لَازِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْجُرْحَ فَهُوَ لَازِمٌ بَعْدَمَا صَارَ طَبْعًا فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ كَوْنُهُ طَبْعًا مَانِعًا مِنْ اللُّزُومِ أَيْضًا وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ حُكْمَ الرَّمْيِ الْجُرْحُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَاوِمُهُ الْمُرْمَى فَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ فَإِذَا انْدَمَلَ لَمْ يَتِمَّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْمُرْمَى يَصْلُحُ مُقَاوِمًا لَهُ فَيَكُونُ الِانْدِمَالُ مَانِعًا تَمَامَ الْحُكْمِ، وَإِذَا لَمْ يَنْدَمِلْ وَصَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ إلَّا أَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ عَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ بِالِانْدِمَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ لَازِمًا بِإِفْضَائِهِ إلَى الْقَتْلِ فَإِذَا صَارَ طَبْعًا فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ إفْضَاءَهُ إلَى الْقَتْلِ فَكَانَ صَيْرُورَتُهُ طَبْعًا مَانِعَةً لُزُومَ الْحُكْمِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ كَمَا تَرَى. قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ مَا تَحَقَّقَ مِنْهُ الْمَوَانِعُ الْخَمْسَةُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جَمِيعًا ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى حُرٍّ أَوْ مَيِّتَةٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الِانْعِقَادِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ. وَإِذَا أُضِيفَ إلَى مَالٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ مَنَعَ يَعْنِي كَوْنَهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ تَمَامَ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَصْلِ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْمَالِكِ فِيهِ. وَالدَّلِيلُ

стр. 1156

وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ خُصُوصِ الْعِلَلِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ ــ [كشف الأسرار] عَلَى الِانْعِقَادِ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِإِجَازَتِهِ وَغَيْرُ الْمُنْعَقِدِ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، وَمُنْعَقِدًا بِالْإِجَازَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ تَامٌّ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ بَائِعَ مَالِ الْغَيْرِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ أَصْلًا، وَلَمَّا كَانَ رُكْنُ الْبَيْعِ صَادِرًا مِنْ الْأَهْلِ فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ لِلتَّصَرُّفِ وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ تَامًّا مُعْلِنًا أَنَّهُ انْعَقَدَ غَيْرَ تَامٍّ فِي حَقِّ الْمَالِكِ حَمْلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّ إضَافَةَ الْبَيْعِ إلَى مَالِ الْغَيْرِ تَمْنَعُ التَّامَّ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْعَاقِدِ عَلَيْهِ. وَخِيَارُ الشَّرْطِ أَيْ الْخِيَارُ الثَّابِتُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حَتَّى لَا يَخْرُجَ الْبَدَلُ الَّذِي فِي جَانِبِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّمَامِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِالْخِيَارِ لِتَعَلُّقِ الثُّبُوتِ بِسُقُوطِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ دُونَ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ الصِّفَةُ بِالْقَبْضِ مَعَهُ وَيَتَمَكَّنُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ قَضَاءٍ، وَلَا رِضَاءٍ لِعَدَمِ التَّمَامِ. وَصَارَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ يَعْنِي ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَهُ تَامًّا حَتَّى كَانَ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ رِضَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ حَيْثُ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ اللُّزُومِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ مَرَاتِبُ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَصَارَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ فَعَدِمَ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى فَوَاتِ تَمَامِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الرِّضَاءَ يَحْصُلُ بِالْعِلْمِ وَأَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ فَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لِوُجُودِ أَصْلِ الرِّضَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ مَا لَمْ يَتِمَّ الرِّضَاءُ بِالرُّؤْيَةِ. وَخِيَارُ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ لَا عَلَى فَوَاتِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَوْصَافِ قَبْلَ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ الْعَيْبِ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ لَكِنْ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ مَا فَاتَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ بَعْضِ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ وَالْفَسْخِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) أَرَادَ بِهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَهُ صَرِيحًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعِينَ مِنْ التَّخْصِيصِ تَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا مُنَاقَضَةٌ وَالْمُنَاقَضَةُ مِنْ آكَدِ مَا تَفْسُدُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعَبَثِ وَالسَّفَهِ وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً إذَا وُجِدَ مُتَعَرِّيًا عَنْ الْحُكْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَوَّلًا لِمَانِعٍ، وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْمَانِعِ دَلِيلُ الْفَسَادِ وَالْمُنَاقَضَةِ. وَكَذَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ، وَأَدِلَّةٌ عَلَى أَحْكَامِ الشَّارِعِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ أَيْنَمَا وُجِدَ فَإِذَا خَلَا الدَّلِيلُ عَنْ الْمَدْلُولِ كَانَ مُنَاقَضَةً. وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَدُلُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا يَجُوزُ

стр. 1157

وَيُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَعَ التَّعَرُّضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَلَكِنَّ النَّصَّ الْعَامَّ لَحِقَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِأَنْ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُ مَعَ بَقَائِهِ حُجَّةً عَلَى مَا مَرَّ ــ [كشف الأسرار] قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ عَزْلُ الدَّلِيلِ عَنْ دَلَالَتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنْ دَلَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ دَلِيلٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. فَنَقُولُ لَهُ لِأَيِّ مَعْنًى صَارَ عِلَّةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنْ قَالَ بِالْأَثَرِ أَوْ بِالْإِحَالَةِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا فَنَقُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ عِلَّةً. فَإِنْ قَالَ هَذَا الْوَصْفُ عِلَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ، وَأَضْمَرْنَاهُ كَمَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ وَتَعْنُونَ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْمَنْعِ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ. فَنَقُولُ إنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مَقْرُونًا بِالْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِيفَاءً لِإِجْرَائِهَا فَزَالَتْ الْمُنَازَعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِهَا كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ أَقْوَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ هُوَ أَنَّ تَخْصِيصَهَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً وَطَرِيقًا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفُرُوعِ، وَإِذَا مَنَعَ تَخْصِيصُهَا مِنْ كَوْنِهَا طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ فَقَدْ تَمَّ مَا أَرَدْنَاهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا هِيَ كَوْنُهُ مَوْزُونًا ثُمَّ عَلِمْنَا مَثَلًا إبَاحَةَ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ مُتَفَاضِلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ أَوْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ. فَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ عِلَّةٌ يُقَاسُ بِهَا الرَّصَاصُ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّ حُرْمَةَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا بِالْوَزْنِ وَبِعَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ فَيَتَبَيَّنُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَكُنْ كَوْنَهُ مَوْزُونًا فَقَطْ وَأَنْتَ جَعَلْت الْوَزْنَ هُوَ الْعِلَّةُ. وَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ نَصَّ، وَقَدْ عَلِمْنَا عِلَّةَ إبَاحَتِهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَّةَ إبَاحَتِهِ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَقْصُورَةً عَلَى الرَّصَاصِ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَدَّتْ لَوَجَبَ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ يُثْبِتَ الشَّارِعُ عِلْمًا عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ثُبُوتَ حُكْمِهَا فِيمَا عَدَا الرَّصَاصَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ بِالْوَزْنِ فَقَطْ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِرَصَاصٍ فَيَبْطُلُ بِهَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْوَزْنَ فَقَطْ فَثَبَتَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُخْرِجُ الْعِلَّةَ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً. قَالَ وَاَلَّذِي تَبَيَّنَ مَا قُلْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ نَفْيِ الْمُخَصِّصِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ اسْتَدَلَّ عَلَى طَرِيقِهِ فِي بَرِّيَّةٍ بِأَمْيَالٍ مَنْصُوبَةٍ ثُمَّ رَأَى مِيلًا لَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَدُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدِلُّ فِيمَا بَعْدُ عَلَى طَرِيقِهِ بِوُجُودِ مِيلٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ أَسْوَدَ فَقَدْ صَحَّ مَا أَرَدْنَاهُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْكِتَابِ: أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ أَيْ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي أَبْوَابِ الْعَامِّ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ شَبَّهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَيُشَبِّهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْخُصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَلِهَذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِيُمْكِنَ أَنْ يُجْعَلَ الْعَامُّ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَمْرَيْنِ، وَمَعَ التَّعَارُضِ ظَاهِرًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَهُمَا صِيغَةُ الْعَامِّ وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ. فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَيْ لَمْ يَبْطُلْ النَّصُّ الْعَامُّ بِلُحُوقِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ

стр. 1158

وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَيُوجِبُ عِصْمَةَ الِاجْتِهَادِ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِالْأَصْلَحِ لَكِنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ الَّذِي تُسَمِّيهِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهِ يَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ الْعَدَمُ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ ــ [كشف الأسرار] الْبَعْضُ، وَلَمْ يَبْطُلْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا بِالْعَامِّ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ بَلْ صَارَ النَّصُّ الْعَامُّ مُسْتَعَارًا لِمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَقَعَ حُجَّةً فِيهِ. وَهَذَا أَيْ التَّخْصِيصُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ أَنْ يُبْقِيَ الْعِلَّةَ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ فِيهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّخْصِيصَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ تَأْثِيرِهِ بِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ وَيَظْهَرُ فَسَادُهُ وَخَطَؤُهُ بِانْتِقَاضِهِ فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ أَمْكَنَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ فِي عِلَّتِهِ أَنْ يَقُولَ خَصَّصْت عِلَّتِي بِدَلِيلٍ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ فَسَلِمَ اجْتِهَادُهُ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ فَيَكُونُ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدُّنْيَا مُنَاقِضٌ. وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَعِصْمَةِ الِاجْتِهَادِ قَوْلٌ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ. لَكِنَّ الْمُجَوَّزِينَ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّخْصِيصِ تَصْوِيبُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا قُبِلَ مِنْهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ لِمَانِعٍ أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ بَيَانَ مَانِعٍ صَالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ لَا يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يُبَيِّنَ عِلَّةً مُؤَثِّرَةً فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ثُمَّ يُبَيِّنَ عِنْدَ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهَا مَانِعًا صَالِحًا. وَلَئِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِهَذَا الشَّرْطِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ لَكَانَ مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ أَيْضًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ ثَبَتَ تَخْصِيصُهَا عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ فَهِيَ عِنْدَكُمْ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مُنْتَقَضَةٍ أَيْضًا لَكِنَّكُمْ تَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْم إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ وَصْفٍ وَنَحْنُ نَنْسُبُ إلَى الْمَانِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْكِنُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَدِمْت عِلَّتِي فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ بِذَلِكَ كَمَا يَتَخَلَّصُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَبْقَى عِلَّتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَيَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَّجِرِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَهَبُوا إلَى التَّصْوِيبِ مَعَ إنْكَارِهِمْ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الدِّينِ ﵀ فِي فَوَائِدِهِ وَالْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ قَالَ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ يَحْتَاجُ إلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا وُجِدَتْ، وَلَا حُكْمَ تَكُونُ مَنْقُوضَةً فَيَكُونُ الْمُعَلِّلُ مُخْطِئًا ضَرُورَةً، وَهُوَ خِلَافُ مَا اعْتَقَدُوا فَدَعَاهُمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمُجْتَهِدِ مَنْقُوضَةً ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلَحُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ الْخَطَأُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ جَازَ انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فَعِنْدَهُمْ كَمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعِلَلِ أَيْضًا فَصَارَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ نَظِيرَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ فَسَادُ الْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ لُزُومِ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فِي أَصْلَيْنِ وَاقْتَضَتْ التَّحْلِيلَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَصِلْ مَنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْلِيلَ فِي الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ مِمَّنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْرِيمَ

стр. 1159

وَفَرْقٌ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْمِ إلَى مَانِعٍ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ فَصَارَ كَدَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْعُمُومِ وَنَحْنُ نَنْسُبُ الْعَدَمَ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ يَنْعَدِمُ وَصْفُ الْعِلَّةِ أَوْ زِيَادَتُهَا، وَالْعَدَمُ بِالْعَدَمِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ ــ [كشف الأسرار] فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ الْآخَرِ فَيَتَكَافَأُ الدَّلِيلَانِ وَيَسْتَوِي الْقَوْلَانِ. مِثَالُهُ مِنْ عَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ السَّبُعِ بِأَنَّهُ سَبُعٌ فَلَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ فَإِذَا نُقِضَتْ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ بِالضَّبُعِ أَجَابَ بِأَنَّهُ خَصَّهَا فَيَصِيرُ هَذِهِ الْوَصْفُ، وَهُوَ السَّبُعِيَّةُ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّفِقٌ عَلَى كَلِمَةٍ. وَلَيْسَ لِمَنْ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ هَذَا بِدَعْوَاهُ التَّرْجِيحَ فِي أَحَدِ وَجْهِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَرْجِيحُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَخْصِيصِهِ بِأَحَدِ حُكْمَيْهِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يَجُرُّ إلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَشِيئَةً، وَهِيَ عِلَّةُ حُدُوثِ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ الْمَشِيئَةُ تُوجَدُ، وَلَا حَادِثَ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ مِنْ الْكُفَّارِ الْإِيمَانَ، وَلَمْ يَحْدُثْ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فَكَانَتْ عِلَّةُ الْحُدُوثِ مَوْجُودَةً، وَلَكِنْ امْتَنَعَ حُكْمُهَا لِمَانِعٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ كَمَا أَنَّ الْقَائِلَ بِتَخْصِيصِ الْكِتَابِ لَا يَكُونُ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ بِذَاتِهَا فَلَأَنْ لَا يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِلَّةُ كُلِّ حَادِثٍ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَهُمْ. وَلَئِنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ دُونَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ. فَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْفِعْلِ عِلَّةُ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُمْ الْقُوَّةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ مَنَعَ الْمُسْتَطِيعَ مِنْ الْفِعْلِ حَتَّى إنَّ عِنْدَهُمْ لِلْمُقَيَّدِ قُوَّةَ الْفِرَارِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ لِمَانِعِ الْقَيْدِ فَإِذَا جَازَ وُجُودُ عِلَّةِ الْفِعْلِ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ جَازَ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَلَا حُكْمَ لَهَا كَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَاتِ لِمَانِعٍ. وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَجْوِيزَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ مَدْلُولَاتُهَا عَنْهَا فَأَمَّا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ فَمُوجِبَةٌ بِذَوَاتِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ مَعْلُولَاتِهَا عَنْهَا كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَا لَا أَنْسُبُ مَنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إلَى الِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَتَّصِلُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا صَارَ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِيَارِنَا مِنْ شِعَارِ الْمُعْتَزِلَةِ وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الرَّوَافِضِ، وَكَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّزَيِّي بِزِيِّ الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِهِمْ. ١ - قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْحُكْمَ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا يَعْنِي لَا يَقَعُ التَّخْصِيصُ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِوَجْهٍ لَكِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَمْتَنِعُ بَعْدَ وُجُودِ رُكْنِ الْعِلَّةِ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ التَّخْصِيصِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَةِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ أَوْ نُقْصَانِهِ مِنْهَا تَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ بِالزِّيَادَةِ يَصِيرُ مَا هُوَ كُلُّ الْعِلَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ بَعْضَ

стр. 1160

وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنْ تُرِكَ بِالنَّصِّ قَدْ عُدِمَ حُكْمُ الْعِلَّةِ لِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَبَطَلَ حُكْمُهَا لِعَدَمِهَا لَا مَعَ قِيَامِهَا بِدَلِيلِ الْخُصُوصِ بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ صَاحِبَهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَارَضَهُ إجْمَاعٌ أَوْ ضَرُورَةٌ لَمْ يَبْقَ الْوَصْفُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ فِي الضَّرُورَةِ إجْمَاعًا أَيْضًا وَالْإِجْمَاعُ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا إذَا عَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ أَوْجَبَ عَدَمَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَصَارَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ يَفْسُدُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رُكْنُهُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ ثَمَّةَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ ــ [كشف الأسرار] الْعِلَّةِ بَعْدَهَا وَبِالنُّقْصَانِ يَفُوتُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهِ فَيَحْصُلُ التَّغَيُّرُ ضَرُورَةً، وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعِلَّةُ صَارَتْ مَعْدُومَةً حُكْمًا فَيُنْسَبُ عَدَمُ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ مَعَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ إذَا تَرَكَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ مَعْنًى. وَنَظِيرُ زِيَادَةِ الْوَصْفِ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ شَرْعًا، وَمَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَبْقَى مُطْلَقًا بَلْ يَصِيرُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَيَكُونُ مَا هُوَ الْعِلَّةُ مَعْدُومًا كَذَا قِيلَ. وَنَظِيرُ النُّقْصَانِ الزِّنَا حَالَةَ الْإِحْصَانِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلرَّجْمِ فَإِذَا فَاتَ الْإِحْصَانُ لَمْ يَبْقَ الزِّنَا بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً لِلرَّجْمِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ) ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ جَائِزٌ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ الْعِلَّةِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ وَالِاسْتِحْسَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ قَدْ امْتَنَعَ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ. فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذَا أَيْ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ هُوَ طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا طَرِيقُ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ إذَا عَارَضَ الْقِيَاسَ لَمْ يَبْقَ الْقِيَاسُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاسْتِحْسَانِ سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ ضَرُورَةً أَوْ قِيَاسًا أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَدَمَ الْقِيَاسِ الْمُعَارِضِ لَهُ فِي نَفْسِهِ إذًا مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ لِمَا مَرَّ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْمَانِعِ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ. بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ أَيْ النَّصِّ الْعَامِّ وَالنَّصِّ الْخَاصِّ إذَا تَعَارَضَا حَيْثُ يَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ الْآخَرَ لِمَا بَيَّنَّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ ضَرُورَةً. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْفَرْقِ: إنَّ النَّصَّيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا فَالْعَامُّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْخَاصِّ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ تَوَهُّمُ الْفَسَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَاصَّ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْ حُكْمِ الْعَامِّ مَعَ بَقَاءِ الْعَامِّ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَكَّنَ فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ كَالْمُسْتَعَارِ فِيمَا هُوَ حَقِيقَةُ حُكْمِ الْعَامِّ فَأَمَّا الْعِلَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَفِيهَا احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْفَسَادِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْإِعْدَامَ حُكْمًا فَإِذَا جَاءَ مَا يُغَيِّرُهَا جَعَلْنَاهَا مَعْدُومَةً حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ انْعِدَامُ الْحُكْمِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ أَيْ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ إذَا تَخَلَّفَ أَحْكَامُهَا عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَعْنِي الْعَدَمَ مُضَافٌ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لَا إلَى الْمَانِعِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ قَوْلُنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ بِطَرِيقِ الْإِكْرَاهِ إنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ قَدْ فَاتَ لِوُصُولِ الْمُغَذِّي إلَى جَوْفِهِ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُؤَثِّرٍ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ مَعَ فَوَاتِ الرُّكْنِ حَقِيقَةً. فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ أَيْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ. وَنَحْنُ نَقُولُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي النَّاسِي لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ
следующие страницы →