Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ خُصُوصِ الْعِلَلِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الِانْعِقَادِ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِإِجَازَتِهِ وَغَيْرُ الْمُنْعَقِدِ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، وَمُنْعَقِدًا بِالْإِجَازَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ تَامٌّ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ بَائِعَ مَالِ الْغَيْرِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ أَصْلًا، وَلَمَّا كَانَ رُكْنُ الْبَيْعِ صَادِرًا مِنْ الْأَهْلِ فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ لِلتَّصَرُّفِ وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ تَامًّا مُعْلِنًا أَنَّهُ انْعَقَدَ غَيْرَ تَامٍّ فِي حَقِّ الْمَالِكِ حَمْلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّ إضَافَةَ الْبَيْعِ إلَى مَالِ الْغَيْرِ تَمْنَعُ التَّامَّ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْعَاقِدِ عَلَيْهِ. وَخِيَارُ الشَّرْطِ أَيْ الْخِيَارُ الثَّابِتُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حَتَّى لَا يَخْرُجَ الْبَدَلُ الَّذِي فِي جَانِبِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّمَامِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِالْخِيَارِ لِتَعَلُّقِ الثُّبُوتِ بِسُقُوطِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ دُونَ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ الصِّفَةُ بِالْقَبْضِ مَعَهُ وَيَتَمَكَّنُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ قَضَاءٍ، وَلَا رِضَاءٍ لِعَدَمِ التَّمَامِ.
وَصَارَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ يَعْنِي ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَهُ تَامًّا حَتَّى كَانَ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ رِضَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ حَيْثُ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ اللُّزُومِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ مَرَاتِبُ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَصَارَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ فَعَدِمَ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى فَوَاتِ تَمَامِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الرِّضَاءَ يَحْصُلُ بِالْعِلْمِ وَأَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ فَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لِوُجُودِ أَصْلِ الرِّضَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ مَا لَمْ يَتِمَّ الرِّضَاءُ بِالرُّؤْيَةِ. وَخِيَارُ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ لَا عَلَى فَوَاتِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَوْصَافِ قَبْلَ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ الْعَيْبِ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ لَكِنْ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ مَا فَاتَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ بَعْضِ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ وَالْفَسْخِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) أَرَادَ بِهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَهُ صَرِيحًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعِينَ مِنْ التَّخْصِيصِ تَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا مُنَاقَضَةٌ وَالْمُنَاقَضَةُ مِنْ آكَدِ مَا تَفْسُدُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعَبَثِ وَالسَّفَهِ وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً إذَا وُجِدَ مُتَعَرِّيًا عَنْ الْحُكْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَوَّلًا لِمَانِعٍ، وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْمَانِعِ دَلِيلُ الْفَسَادِ وَالْمُنَاقَضَةِ.
وَكَذَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ، وَأَدِلَّةٌ عَلَى أَحْكَامِ الشَّارِعِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ أَيْنَمَا وُجِدَ فَإِذَا خَلَا الدَّلِيلُ عَنْ الْمَدْلُولِ كَانَ مُنَاقَضَةً. وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَدُلُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا يَجُوزُ
стр. 1157
وَيُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَعَ التَّعَرُّضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَلَكِنَّ النَّصَّ الْعَامَّ لَحِقَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِأَنْ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُ مَعَ بَقَائِهِ حُجَّةً عَلَى مَا مَرَّ
ــ
[كشف الأسرار]
قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ عَزْلُ الدَّلِيلِ عَنْ دَلَالَتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنْ دَلَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ دَلِيلٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. فَنَقُولُ لَهُ لِأَيِّ مَعْنًى صَارَ عِلَّةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنْ قَالَ بِالْأَثَرِ أَوْ بِالْإِحَالَةِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا فَنَقُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ عِلَّةً. فَإِنْ قَالَ هَذَا الْوَصْفُ عِلَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ، وَأَضْمَرْنَاهُ كَمَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ وَتَعْنُونَ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْمَنْعِ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ. فَنَقُولُ إنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مَقْرُونًا بِالْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِيفَاءً لِإِجْرَائِهَا فَزَالَتْ الْمُنَازَعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِهَا كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ أَقْوَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ هُوَ أَنَّ تَخْصِيصَهَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً وَطَرِيقًا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفُرُوعِ، وَإِذَا مَنَعَ تَخْصِيصُهَا مِنْ كَوْنِهَا طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ فَقَدْ تَمَّ مَا أَرَدْنَاهُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا هِيَ كَوْنُهُ مَوْزُونًا ثُمَّ عَلِمْنَا مَثَلًا إبَاحَةَ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ مُتَفَاضِلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ أَوْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ. فَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ عِلَّةٌ يُقَاسُ بِهَا الرَّصَاصُ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّ حُرْمَةَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا بِالْوَزْنِ وَبِعَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ فَيَتَبَيَّنُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَكُنْ كَوْنَهُ مَوْزُونًا فَقَطْ وَأَنْتَ جَعَلْت الْوَزْنَ هُوَ الْعِلَّةُ.
وَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ نَصَّ، وَقَدْ عَلِمْنَا عِلَّةَ إبَاحَتِهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَّةَ إبَاحَتِهِ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَقْصُورَةً عَلَى الرَّصَاصِ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَدَّتْ لَوَجَبَ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ يُثْبِتَ الشَّارِعُ عِلْمًا عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ثُبُوتَ حُكْمِهَا فِيمَا عَدَا الرَّصَاصَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ بِالْوَزْنِ فَقَطْ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِرَصَاصٍ فَيَبْطُلُ بِهَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْوَزْنَ فَقَطْ فَثَبَتَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُخْرِجُ الْعِلَّةَ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً.
قَالَ وَاَلَّذِي تَبَيَّنَ مَا قُلْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ نَفْيِ الْمُخَصِّصِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ اسْتَدَلَّ عَلَى طَرِيقِهِ فِي بَرِّيَّةٍ بِأَمْيَالٍ مَنْصُوبَةٍ ثُمَّ رَأَى مِيلًا لَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَدُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدِلُّ فِيمَا بَعْدُ عَلَى طَرِيقِهِ بِوُجُودِ مِيلٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ أَسْوَدَ فَقَدْ صَحَّ مَا أَرَدْنَاهُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ.
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْكِتَابِ: أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ أَيْ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي أَبْوَابِ الْعَامِّ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ شَبَّهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَيُشَبِّهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْخُصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَلِهَذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِيُمْكِنَ أَنْ يُجْعَلَ الْعَامُّ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَمْرَيْنِ، وَمَعَ التَّعَارُضِ ظَاهِرًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَهُمَا صِيغَةُ الْعَامِّ وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ. فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَيْ لَمْ يَبْطُلْ النَّصُّ الْعَامُّ بِلُحُوقِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ
стр. 1158
وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَيُوجِبُ عِصْمَةَ الِاجْتِهَادِ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِالْأَصْلَحِ لَكِنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ الَّذِي تُسَمِّيهِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهِ يَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ الْعَدَمُ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْبَعْضُ، وَلَمْ يَبْطُلْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا بِالْعَامِّ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ بَلْ صَارَ النَّصُّ الْعَامُّ مُسْتَعَارًا لِمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَقَعَ حُجَّةً فِيهِ.
وَهَذَا أَيْ التَّخْصِيصُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ أَنْ يُبْقِيَ الْعِلَّةَ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ فِيهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّخْصِيصَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ تَأْثِيرِهِ بِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ وَيَظْهَرُ فَسَادُهُ وَخَطَؤُهُ بِانْتِقَاضِهِ فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ أَمْكَنَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ فِي عِلَّتِهِ أَنْ يَقُولَ خَصَّصْت عِلَّتِي بِدَلِيلٍ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ فَسَلِمَ اجْتِهَادُهُ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ فَيَكُونُ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدُّنْيَا مُنَاقِضٌ. وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَعِصْمَةِ الِاجْتِهَادِ قَوْلٌ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ. لَكِنَّ الْمُجَوَّزِينَ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّخْصِيصِ تَصْوِيبُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا قُبِلَ مِنْهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ لِمَانِعٍ أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ بَيَانَ مَانِعٍ صَالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ لَا يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يُبَيِّنَ عِلَّةً مُؤَثِّرَةً فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ثُمَّ يُبَيِّنَ عِنْدَ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهَا مَانِعًا صَالِحًا. وَلَئِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِهَذَا الشَّرْطِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ لَكَانَ مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ أَيْضًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ ثَبَتَ تَخْصِيصُهَا عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ فَهِيَ عِنْدَكُمْ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مُنْتَقَضَةٍ أَيْضًا لَكِنَّكُمْ تَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْم إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ وَصْفٍ وَنَحْنُ نَنْسُبُ إلَى الْمَانِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْكِنُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَدِمْت عِلَّتِي فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ بِذَلِكَ كَمَا يَتَخَلَّصُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَبْقَى عِلَّتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَيَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَّجِرِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَهَبُوا إلَى التَّصْوِيبِ مَعَ إنْكَارِهِمْ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الدِّينِ ﵀ فِي فَوَائِدِهِ وَالْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ قَالَ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ يَحْتَاجُ إلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا وُجِدَتْ، وَلَا حُكْمَ تَكُونُ مَنْقُوضَةً فَيَكُونُ الْمُعَلِّلُ مُخْطِئًا ضَرُورَةً، وَهُوَ خِلَافُ مَا اعْتَقَدُوا فَدَعَاهُمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمُجْتَهِدِ مَنْقُوضَةً ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلَحُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ الْخَطَأُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ جَازَ انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فَعِنْدَهُمْ كَمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعِلَلِ أَيْضًا فَصَارَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ نَظِيرَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ فَسَادُ الْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ لُزُومِ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فِي أَصْلَيْنِ وَاقْتَضَتْ التَّحْلِيلَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَصِلْ مَنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْلِيلَ فِي الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ مِمَّنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْرِيمَ
стр. 1159
وَفَرْقٌ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْمِ إلَى مَانِعٍ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ فَصَارَ كَدَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْعُمُومِ وَنَحْنُ نَنْسُبُ الْعَدَمَ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ يَنْعَدِمُ وَصْفُ الْعِلَّةِ أَوْ زِيَادَتُهَا، وَالْعَدَمُ بِالْعَدَمِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ الْآخَرِ فَيَتَكَافَأُ الدَّلِيلَانِ وَيَسْتَوِي الْقَوْلَانِ. مِثَالُهُ مِنْ عَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ السَّبُعِ بِأَنَّهُ سَبُعٌ فَلَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ فَإِذَا نُقِضَتْ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ بِالضَّبُعِ أَجَابَ بِأَنَّهُ خَصَّهَا فَيَصِيرُ هَذِهِ الْوَصْفُ، وَهُوَ السَّبُعِيَّةُ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّفِقٌ عَلَى كَلِمَةٍ. وَلَيْسَ لِمَنْ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ هَذَا بِدَعْوَاهُ التَّرْجِيحَ فِي أَحَدِ وَجْهِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَرْجِيحُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَخْصِيصِهِ بِأَحَدِ حُكْمَيْهِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يَجُرُّ إلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَشِيئَةً، وَهِيَ عِلَّةُ حُدُوثِ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ الْمَشِيئَةُ تُوجَدُ، وَلَا حَادِثَ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ مِنْ الْكُفَّارِ الْإِيمَانَ، وَلَمْ يَحْدُثْ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فَكَانَتْ عِلَّةُ الْحُدُوثِ مَوْجُودَةً، وَلَكِنْ امْتَنَعَ حُكْمُهَا لِمَانِعٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ كَمَا أَنَّ الْقَائِلَ بِتَخْصِيصِ الْكِتَابِ لَا يَكُونُ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ بِذَاتِهَا فَلَأَنْ لَا يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِلَّةُ كُلِّ حَادِثٍ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَهُمْ. وَلَئِنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ دُونَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ. فَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْفِعْلِ عِلَّةُ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُمْ الْقُوَّةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ مَنَعَ الْمُسْتَطِيعَ مِنْ الْفِعْلِ حَتَّى إنَّ عِنْدَهُمْ لِلْمُقَيَّدِ قُوَّةَ الْفِرَارِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ لِمَانِعِ الْقَيْدِ فَإِذَا جَازَ وُجُودُ عِلَّةِ الْفِعْلِ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ جَازَ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَلَا حُكْمَ لَهَا كَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَاتِ لِمَانِعٍ. وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَجْوِيزَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ مَدْلُولَاتُهَا عَنْهَا فَأَمَّا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ فَمُوجِبَةٌ بِذَوَاتِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ مَعْلُولَاتِهَا عَنْهَا كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَا لَا أَنْسُبُ مَنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إلَى الِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَتَّصِلُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا صَارَ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِيَارِنَا مِنْ شِعَارِ الْمُعْتَزِلَةِ وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الرَّوَافِضِ، وَكَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّزَيِّي بِزِيِّ الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِهِمْ.
١ -
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْحُكْمَ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا يَعْنِي لَا يَقَعُ التَّخْصِيصُ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِوَجْهٍ لَكِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَمْتَنِعُ بَعْدَ وُجُودِ رُكْنِ الْعِلَّةِ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ التَّخْصِيصِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَةِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ أَوْ نُقْصَانِهِ مِنْهَا تَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ بِالزِّيَادَةِ يَصِيرُ مَا هُوَ كُلُّ الْعِلَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ بَعْضَ
стр. 1160
وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنْ تُرِكَ بِالنَّصِّ قَدْ عُدِمَ حُكْمُ الْعِلَّةِ لِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَبَطَلَ حُكْمُهَا لِعَدَمِهَا لَا مَعَ قِيَامِهَا بِدَلِيلِ الْخُصُوصِ بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ صَاحِبَهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَارَضَهُ إجْمَاعٌ أَوْ ضَرُورَةٌ لَمْ يَبْقَ الْوَصْفُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ فِي الضَّرُورَةِ إجْمَاعًا أَيْضًا وَالْإِجْمَاعُ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا إذَا عَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ أَوْجَبَ عَدَمَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَصَارَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ يَفْسُدُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رُكْنُهُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ ثَمَّةَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةِ بَعْدَهَا وَبِالنُّقْصَانِ يَفُوتُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهِ فَيَحْصُلُ التَّغَيُّرُ ضَرُورَةً، وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعِلَّةُ صَارَتْ مَعْدُومَةً حُكْمًا فَيُنْسَبُ عَدَمُ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ مَعَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ إذَا تَرَكَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ مَعْنًى. وَنَظِيرُ زِيَادَةِ الْوَصْفِ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ شَرْعًا، وَمَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَبْقَى مُطْلَقًا بَلْ يَصِيرُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَيَكُونُ مَا هُوَ الْعِلَّةُ مَعْدُومًا كَذَا قِيلَ. وَنَظِيرُ النُّقْصَانِ الزِّنَا حَالَةَ الْإِحْصَانِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلرَّجْمِ فَإِذَا فَاتَ الْإِحْصَانُ لَمْ يَبْقَ الزِّنَا بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً لِلرَّجْمِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ) ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ جَائِزٌ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ الْعِلَّةِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ وَالِاسْتِحْسَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ قَدْ امْتَنَعَ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ.
فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذَا أَيْ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ هُوَ طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا طَرِيقُ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ إذَا عَارَضَ الْقِيَاسَ لَمْ يَبْقَ الْقِيَاسُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاسْتِحْسَانِ سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ ضَرُورَةً أَوْ قِيَاسًا أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَدَمَ الْقِيَاسِ الْمُعَارِضِ لَهُ فِي نَفْسِهِ إذًا مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ لِمَا مَرَّ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْمَانِعِ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ. بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ أَيْ النَّصِّ الْعَامِّ وَالنَّصِّ الْخَاصِّ إذَا تَعَارَضَا حَيْثُ يَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ الْآخَرَ لِمَا بَيَّنَّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ ضَرُورَةً.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْفَرْقِ: إنَّ النَّصَّيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا فَالْعَامُّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْخَاصِّ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ تَوَهُّمُ الْفَسَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَاصَّ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْ حُكْمِ الْعَامِّ مَعَ بَقَاءِ الْعَامِّ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَكَّنَ فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ كَالْمُسْتَعَارِ فِيمَا هُوَ حَقِيقَةُ حُكْمِ الْعَامِّ فَأَمَّا الْعِلَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَفِيهَا احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْفَسَادِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْإِعْدَامَ حُكْمًا فَإِذَا جَاءَ مَا يُغَيِّرُهَا جَعَلْنَاهَا مَعْدُومَةً حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ انْعِدَامُ الْحُكْمِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ أَيْ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ إذَا تَخَلَّفَ أَحْكَامُهَا عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَعْنِي الْعَدَمَ مُضَافٌ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لَا إلَى الْمَانِعِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ قَوْلُنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ بِطَرِيقِ الْإِكْرَاهِ إنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ قَدْ فَاتَ لِوُصُولِ الْمُغَذِّي إلَى جَوْفِهِ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُؤَثِّرٍ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ مَعَ فَوَاتِ الرُّكْنِ حَقِيقَةً. فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ أَيْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ. وَنَحْنُ نَقُولُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي النَّاسِي لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ
стр. 1161
وَقُلْنَا نَحْنُ: الْعَدَمُ لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِي مَنْسُوبٌ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَسَقَطَ عَنْهُ مَعْنَى الْجِنَايَةِ، وَصَارَ الْفِعْلُ عَفْوًا فَفِي الصَّوْمِ لِبَقَاءِ رُكْنِهِ لَا لِمَانِعٍ مَعَ فَوَاتِ رُكْنِهِ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ لَمَّا صَارَ سَبَبَ مِلْكٍ بَدَلَ الْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ مِلْكِ الْمُبْدَلِ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّمَا امْتَنَعَ حُكْمُ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِيهِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ فَكَانَ هَذَا تَخْصِيصًا، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ عَدَمٌ لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْغَصْبِ سَبَبًا لِمِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ لَكِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّقْلِ فَاَلَّذِي جُعِلَ عِنْدَهُمْ دَلِيلَ الْخُصُوصِ جَعَلْنَاهُ دَلِيلَ الْعَدَمِ، وَهَذَا أَصْلُ هَذَا الْفَصْلِ احْفَظْهُ، وَأَحْكِمْهُ فَفِيهِ فِقْهٌ كَثِيرٌ، وَمُخَلِّصٌ كَبِيرٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُصُوصُ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَشْفُ قَائِمَةٍ بِصِيغَتِهَا، وَالْخُصُوصُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَاتِ دُونَ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّهَا عُدِمَتْ بِسَبَبِ زِيَادَةٍ الْتَحَقَتْ بِهَا، وَهِيَ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي نُسِبَ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: «إنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» فَصَارَ فِعْلُهُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ سَاقِطَ الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِعْلُهُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا كَانَ رُكْنُ الصَّوْمِ بَاقِيًا فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْفِطْرُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْفِطْرِ لَا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ الْفِطْرِ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ.
قَالُوا فِيهِ إنْكَارُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَانْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ. أَمَّا الْحِسُّ فَلِأَنَّ الْأَكْلَ قَدْ وُجِدَ حِسًّا وَالْفِعْلُ الْحِسِّيُّ لَا يَقْبَلُ الِارْتِفَاعَ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْمُطَابَقَةُ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالْكَفِّ مُتَحَقِّقَةٌ عَقْلًا، وَقَدْ حَكَمَ صَرِيحُ الْعَقْلِ بِوُقُوعِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِلَا رَيْبٍ فَانْتَفَى الْآخَرُ ضَرُورَةً. وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُفْطِرُ فَأَكَلَ نَاسِيًا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. وَأَمَّا انْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ فَلِوُجُودِ الْأَكْلِ حَقِيقَةً فَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِهِ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَجْعَلُ الْأَكْلَ غَيْرَ أَكْلٍ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلْفِطْرِ بِنِسْبَتِهِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ التَّسْبِيبُ، وَمَسْأَلَةُ الْفِطْرِ مَمْنُوعَةٌ. وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ لَمَّا صَارَ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، وَهُوَ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ مِلْكِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ تَحْقِيقًا لِلتَّسَاوِي وَاحْتِرَازًا عَنْ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ يَعْنِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُدَبَّرُ فَإِنَّ غَصْبَهُ يُوجِبُ تَقَرُّرَ الْمِلْكِ فِي قِيمَتِهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِدُونِ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْغَاصِبِ فِيهِ فَلَوْ قِيلَ إنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْمُدَبَّرِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ عَدَمٌ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لِانْتِقَاصِ وَصْفٍ مِنْهَا، وَهُوَ كَوْنُ الْغَصْبِ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْيَدِ لَا سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَقَرُّرُ الْمِلْكِ فِي ضَمَانٍ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ وَضَمَانُ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ كَوْنِ الضَّمَانِ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَيْنُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّمْلِيكِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ بَلْ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ لِلْمَالِكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَعَ جَرَيَانِ الْعِتْقِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ مَمْلُوكٌ لِلْمَالِكِ، وَمَالِيَّتُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ، وَلَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ كَمَا فِي الْقِنِّ وَالْغَاصِبِ قَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ فَكَانَ الضَّمَانُ بِمُقَابَلَتِهَا لِتَعَذُّرِ إيجَابِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ عُدِمَتْ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا الْغَصْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ وَالْغَصْبُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِلْمَانِعِ. فَاَلَّذِي جَعَلَ عِنْدَهُمْ دَلِيلَ الْخُصُوصِ أَيْ جُعِلَ مَانِعًا لِلْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ. جَعَلْنَاهُ أَيْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ دَلِيلَ عَدَمِ الْعِلَّةِ، وَهَذَا أَيْ جَعْلُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ دَلِيلَ الْعَدَمِ. أَصْلُ هَذَا الْفَصْلِ، وَهُوَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ فَاحْفَظْ هَذَا الْأَصْلَ، وَأَحْكِمْهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فِقْهًا كَثِيرًا، وَمُخَلِّصًا كَبِيرًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُعَلِّلَ يَحْتَاجُ فِي رِعَايَةِ هَذَا الْأَصْلِ إلَى ضَبْطِ جَمِيعِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ فِي كُلِّ صُورَةٍ لِيُمْكِنَهُ رَدُّ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ التَّخْصِيصِ يَبْطُلُ بِهَذَا الْأَصْلِ فَكَانَتْ رِعَايَتُهُ وَاجِبَةً. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُصُوصُ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ) أَيْ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ فِي الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِصِيَغِهَا أَيْ بِصُوَرِهَا لَا بِمَعَانِيهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطَّرْدِ جَعَلُوا نَفْسَ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَأْثِيرٍ فَكَانَ مُوجِبًا بِصِيغَتِهِ كَالنَّصِّ فَإِذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ يَلْزَمُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى
стр. 1162
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الزِّنَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ إنَّهُ حَرْثٌ لِلْوَلَدِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَلَمَّا خُلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَائِهِمَا أَوْ اجْتَمَعَا عَلَى الْوَطْءِ جَاءَتْ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ صَارَتْ بَنَاتُهَا وَأُمَّهَاتُهَا كَبَنَاتِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَآبَاؤُهُ كَآبَائِهَا، وَأَبْنَائِهَا فَلَزِمَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ الْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ فَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ، وَقُلْنَا نَحْنُ بَلْ الْعِلَلُ صَارَتْ عِلَلًا شَرْعًا لَا بِذَوَاتِهَا، وَهِيَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً عِنْدَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ، وَفِي هَذَا مُعَارَضَةٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّصِّ يَزْدَادُ بِامْتِدَادِ الْحُرْمَةِ إلَى الْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ فَلَا يَبْقَى عِلَّةٌ عِنْدَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَمَنْ أَحْكَمَ الْمَعْرِفَةَ، وَأَحْسَنَ الطَّوِيَّةَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَخْرِيجُ الْجُمَلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
[كشف الأسرار]
التَّخْصِيصِ كَمَا فِي النَّصِّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ بِخِلَافِ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى فَيُحْمَلُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا يَكُونُ تَنَاقُصًا.، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَعَانِي الْخَالِصَةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَجْرِي فِي الْمَعَانِي تَبَعًا لِلْأَلْفَاظِ إذْ الْمَعَانِي لَازِمَةٌ لِلْأَلْفَاظِ فَإِذَا خُصِّصَتْ الْأَلْفَاظُ فَقَدْ خُصِّصَتْ مَعَانِيهَا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ قَصْدًا فَلِهَذَا قَالَ دُونَ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَ أَهْلِ الطَّرْدِ جَائِزٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّ أَهْلَ الطَّرْدِ زَعَمُوا أَنَّ الْعِلَلَ قِيَاسِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ الْخُصُوصَ وَسَمَّوْا الْخُصُوصَ نَقْضًا لِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْوَصْفِ فَلَمْ يَجُزْ وُجُودُهُ بِلَا مَانِعٍ، وَلَا حُكْمٍ لَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَشَدُّ إنْكَارًا لِلتَّخْصِيصِ مِنْ أَهْلِ التَّأْثِيرِ ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت فِيمَا ذَكَرَ الْفَرِيقَانِ عَرَفْت أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إلَى الْعِبَارَةِ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَفِي مَوْضِعِ التَّخَلُّفِ الْحُكْمُ مَعْدُومٌ بِلَا شُبْهَةٍ إلَّا أَنَّ الْعَدَمَ مُضَافٌ إلَى مَانِعٍ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ، وَمِمَّا يُضَافُ فِيهِ عَدَمُ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ قَوْلُنَا فِي الزِّنَا كَذَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فَأُقِيمَ أَيْ الزِّنَا مَقَامَ الْوَلَدِ. فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَيْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ عَدَمُ تَحْرِيمِ أَخَوَاتِ الْمُزَنِيَّةِ بِهَا وَعَمَّاتِهَا وَخَالَاتِهَا حَيْثُ لَمْ يَصِرْنَ كَأَخَوَاتِهِ وَعَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ حَتَّى حَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ. أَنَّهُ أَيْ عَدَمَ تَحْرِيمِهِنَّ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ، وَهِيَ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ لِمَانِعٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَإِنَّهُ يُوجِبُ إبَاحَةَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ. أَوْ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ، وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» الْحَدِيثَ فَإِنَّهُمَا يُوجِبَانِ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ نِكَاحًا أَوْ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا حُرْمَةَ الذَّوَاتِ فَخُصَّتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ.
، وَقُلْنَا فِي هَذَا أَيْ فِي تَحْرِيمِهِنَّ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ مُعَارَضَةُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] تُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْآبَاءِ وَالْبَنِينَ خَاصَّةً فَلَوْ أَثْبَتْنَا حُرْمَةَ الْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الزِّنَا لَازْدَادَ حُكْمُ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ النِّكَاحُ فَيَكُونُ هَذَا تَغْيِيرًا لِلنَّصِّ، وَإِثْبَاتًا لِحُرْمَةٍ أُخْرَى بِالْعِلَّةِ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ إذْ الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ الْمُمْتَدَّةُ إلَى الْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ غَيْرُ الْحُرْمَةِ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى الْبَنَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصْلُحُ مُعَارِضَةً لِلنَّصِّ بِوَجْهٍ بَلْ تَعْدَمُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ.
وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ عَدَمِ الْعِلَّةِ لِفَوَاتِ وَصْفٍ مِنْهَا، وَهُوَ عَدَمُ تَحَقُّقِ شَرْطِهَا إذْ مِنْ شَرْطِهَا عَدَمُ النَّصِّ عَلَى مَا مَرَّ. وَمَنْ أَحْكَمَ الْمَعْرِفَةَ، وَأَحْسَنَ الطَّوِيَّةَ أَيْ الْعَقِيدَةَ يَعْنِي تَرَكَ التَّعَنُّتَ وَتَأَمَّلَ عَنْ إنْصَافٍ سَهُلَ عَلَيْهِ تَخْرِيجُ الْجُمَلِ الَّتِي لَمْ نَذْكُرْهَا وَيَتَرَاءَى أَنَّهَا تَخْصِيصٌ. عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ إضَافَةُ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا أَنَّ عِلَلَ
стр. 1163
(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: ﵁ الْعِلَلُ قِسْمَانِ طَرْدِيَّةٌ، وَمُؤَثِّرَةٌ وَعَلَى كُلِّ قِسْمٍ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّفْعِ أَمَّا الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فَإِنَّ دَفْعَهَا بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ وَبِطَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْمُنَاقَضَةُ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ الْعِلَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ أَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَلِمَا قُلْنَا: إنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْعِلَلِ مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ الثَّابِتُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُنَاقَضَةَ لَكِنَّهُ إذَا تَصَوَّرَ مُنَاقَضَةً وَجَبَ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ يُوجِبُ الْخُصُوصَ
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إلَى آخِرِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ الْمُعْتَبَرَةَ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا الْأَمَارَةُ الْمُقَوِّيَةُ لِلظَّنِّ وَبِالنَّقْضِ يَزُولُ قُوَّةُ الظَّنِّ. أَوْ نَقُولُ هِيَ أَمَارَاتٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَنْتَقِضَ كَمَا أَنَّهَا أَمَارَاتٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعَارِضَهَا نَصٌّ. وَبِهِ خَرَّجَ الْجَوَابَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالْغَيْمِ الرَّطْبِ فِي الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ أَمَارَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ الْمَطَرُ عَنْهُ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ قُوَّةِ الظَّنِّ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ نِهَايَةَ الْقُوَّةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا مُطَّرِدًا وَبِالتَّخَلُّفِ يَزُولُ ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي الْغَيْمِ الرَّطْبِ.
وَكَذَا اعْتِبَارُهُمْ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ بِالْمَنْصُوصَةِ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ تَخْصِيصُ الْمَنْصُوصَةِ أَيْضًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ تَنَاقَضَ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَاقُضُ عَلَى الْمُسْتَنْبَطَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُتَخَلِّفًا عَنْهَا حُكْمُهَا عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْضَ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ تَخْصِيصِهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَلِيلَ صِحَّةِ الْمَنْصُوصَةِ هُوَ النَّصُّ فَحَسْبُ، وَقَدْ وُجِدَ فَصَحَّتْ وَحُمِلَ تَخَلُّفُ حُكْمِهَا عَنْهَا عَلَى التَّخْصِيصِ كَمَا فِي الْعَامِّ فَأَمَّا دَلِيلُ صِحَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ فَالتَّأْثِيرُ بِشَرْطِ الِاطِّرَادِ وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِالتَّخْصِيصِ لِفُتُورِ قُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ. وَقَوْلُهُمْ امْتِنَاعُ مُوجِبِ الدَّلِيلِ لِمَانِعٍ مِمَّا لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا قَدْ أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى فَسَادِهِ. وَاعْتِبَارُهُمْ بِالْعِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَحَلِّهَا وَالطَّلْقُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْإِحْرَاقِ كَالْمَاءِ فَامْتِنَاعُ الْحُكْمِ فِيهِ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ. وَكَذَا النَّارُ لَمْ تَبْقَ عِلَّةً فِي حَقِّ إبْرَاهِيمَ ﵇ مُعْجِزَةً لَهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ، وَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ أَوْجَبَ تَخْصِيصَهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُقْنِعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ]
[أَقْسَام الْعِلَل]
[الْعِلَل الْمُؤْثَرَة وَطُرُق دُفَعهَا]
[دَفْعِ الْعِلَل الْمُؤْثَرَة بِطَرِيقِ فاسد وَطَرِيق صَحِيح]
(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ) :
وَلَمَّا بَيَّنَ الشَّيْخُ ﵀ شُرُوطَ الْقِيَاسِ وَرُكْنَهُ وَحُكْمَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الدَّفْعُ. فَقَالَ الْعِلَلُ قِسْمَانِ طَرْدِيَّةٌ، وَمُؤَثِّرَةٌ. وَالِاحْتِجَاجُ بِالطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَمَّ بَيْنَ الْجَدَلِيِّينَ، وَمَالَ إلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ النَّظَرِ ذَكَرَ الْعِلَلَ الطَّرْدِيَّةَ فِي التَّقْسِيمِ لِيُبَيِّنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَيْهَا. وَعَلَى كُلِّ قِسْمٍ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّفْعِ أَيْ أَنْوَاعٌ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا فَاسِدٌ كَمَا ذَكَرَ. الْمُنَاقَضَةُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ لِغَيْرِ مَانِعٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ إذْ التَّخْصِيصُ مُنَاقَضَةٌ عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَ مَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ هِيَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَمَّا ادَّعَاهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لَا لِمَانِعٍ. وَفَسَادُ الْوَضْعِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْجَامِعِ فِي الْقِيَاسِ بِحَيْثُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ فَسَادُ الْوَضْعِ أَنْ لَا يَكُونَ الْقِيَاسُ عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ كَتَلَقِّي التَّضْيِيقِ مِنْ التَّوَسُّعِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ التَّغْلِيظِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ النَّفْيِ وَبِالْعَكْسِ. وَصُورَةُ الْفَرْقِ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ كَذَا، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُنَاقَضَةُ) أَيْ الْفَسَادُ الدَّفْعُ
стр. 1164
مِثْلُ قَوْلِنَا مَسْحٌ فِي وُضُوءٍ فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ لَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ بَلْ إزَالَةٌ لِلنَّجَاسَةِ أَلَا تَرَى الْحَدَثَ إذَا لَمْ يُعْقِبْ أَثَرًا لَمْ يُسَنَّ مَسْحُهُ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْمُنَاقَضَةِ فَلِأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ إذْ التَّأْثِيرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّنَاقُضَ فَكَذَا التَّأْثِيرُ الثَّابِتُ بِهَا؛ لِأَنَّ فِي مُنَاقَضَتِهِ مُنَاقَضَةَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ هَذِهِ شَهَادَةٌ تَمَكَّنَتْ فِيهَا تُهْمَةٌ فَلَا تُقْبَلُ كَشَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ شَهَادَةَ صَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَدْيُونِهِ أَوْ شَهَادَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مَعَ وُجُودِ التُّهْمَةِ فِي الْفَرْعِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ التُّهْمَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الْقَبُولِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِنَقِيضِهِ سَفَهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْمُجِيبِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِيمَا ذَكَرَ السَّائِلُ، وَيَجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأَنَّ التُّهْمَةَ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي شَهَادَةَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ لَا بِالنَّقْضِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ. فَإِنْ قِيلَ الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ تَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ تَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ التَّعَارُضِ كَمَا لَا تَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ التَّنَاقُضِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا بِالْمُنَاقَضَةِ كَمَا يَصِحُّ بِالْمُعَارَضَةِ (قُلْنَا) النُّصُوصُ قَدْ تَحْتَمِلُ لُزُومَ التَّعَارُضِ صُورَةً بِحَيْثُ يَجِبُ التَّهَاتُرُ وَيَرْجِعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَكَذَا الْعِلَلُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَارَضَ لِجَهْلِنَا بِمَا هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ حَقِيقَةً فَأَمَّا النُّصُوصُ فَلَا تَحْتَمِلُ التَّنَاقُضَ فَكَذَا الْعِلَلُ الثَّابِتَةُ بِهَا.
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى مِنْهُ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُبْطِلُ نَفْسَ الدَّلِيلِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُمَا فَأَمَّا التَّعَارُضُ فَلَا يُبْطِلُ الدَّلِيلَ بَلْ يُقَرِّرُهُ وَيُؤَدِّي إلَى نِسْبَةِ الْجَهْلِ إلَيْنَا لَا إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَذَا قِيلَ. لَكِنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ إذَا تَصَوَّرَ مُنَاقَضَتَهُ أَيْ مُنَاقَضَةَ الصَّحِيحِ مِنْ الْعِلَلِ أَيْ إذَا وَقَعَ صُورَةُ نَقْضٍ فِي الْعِلَّةِ الصَّحِيحَةِ وَجَبَ تَخْرِيجُهُ أَيْ تَخْرِيجُ النَّقْضِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ وَصْفٍ أَوْ زِيَادَتِهِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْأَلَةِ تَكْرَارِ الْمَسْحِ إنَّهُ مَسْحٌ مَشْرُوعٌ فِي الطَّهَارَةِ فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ نَقْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ بَلْ الْمَشْرُوعُ فِيهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَقِّبْ أَثَرًا بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَا يُسَنُّ مَسْحُهُ بَلْ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ بِدْعَةٌ عَلَى مَا قِيلَ. وَبِدَلِيلِ أَنَّ غَسْلَ الْمَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ الْمَشْرُوعُ مَسْحًا لَكَانَ الْغَسْلُ بِدْعَةً كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ فَسَادِ دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْمُنَاقَضَةِ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالشَّيْخَيْنِ، وَمُتَابِعِيهِمْ. وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ النَّقْضَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يَبْطُلُ بِهِ الْعِلَّةُ خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ إذَا لَمْ يَجُزْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ مَتَى نَصَبَ عِلَّةً قَدْ الْتَزَمَ طَرْدَهَا، وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَتَى وُجِدَتْ فَالْحُكْمُ يَتْبَعُهَا فَإِذَا لَمْ يَفِ بِقَوْلِهِ وَوُجِدَ عَلَيْهِ مُنَاقَضَةٌ بَطَلَتْ عِلَّتُهُ لِعَدَمِ وَفَائِهِ لِدَعْوَاهُ وَتَصْحِيحِهِ مَا يَدَّعِيهِ ثُمَّ عَلَى الْمُعَلِّلِ الدَّفْعُ بِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلَهُ عِلَّةً فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَزِمَ النَّقْضُ وَبَطَلَتْ الْعِلَّةُ وَظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُؤَثِّرَةً. قُلْت فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ مَا ذَكَرَ أَنَّ سُؤَالَ الْمُنَاقَضَةِ فَاسِدٌ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَسَادَهُ بَعْدَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمِثَالِ فَأَمَّا قَبْلَ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ ظُهُورَ التَّأْثِيرِ فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مُمَانِعَةٌ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ فِي التَّحْقِيقِ. وَنُقِلَ عَنْ
стр. 1165
وَكَذَلِكَ فَسَادُ الْوَضْعِ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَثَرِ إذْ لَا يُوصَفُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ بِالْفَسَادِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلَّةِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِاحْتِمَالِ عِلَّةٍ أُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَكْسَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ لَكِنَّهُ دَلِيلٌ مُرَجِّحٌ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ أَلْزَمَ عَلَيْهِ نَقْضٌ فَعَلَيْهِ تَعْلِيلُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نُقِضَتْ بِهَا.
وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَدَّعِي اطِّرَادَ الْعِلَّةِ فِيهَا. وَلَكِنَّ الْحَقَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْحُكْمِ لَا يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إلَّا لِمَانِعٍ أَوْ لِزَوَالِ قَيْدٍ، وَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قَدْ تَخَلَّفَ حُكْمُهَا بِدُونِ الْمَانِعِ أَوْ بِدُونِ زَوَالِ وَصْفٍ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ فَسَادُ الْوَضْعِ) أَيْ، وَكَمَا لَا يُتَصَوَّرُ الْمُنَاقَضَةُ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَثَرِ وَظُهُورِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَسَادُ الْوَضْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّ الْوَصْفَ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ فِي وَضْعِهِ فَاسِدٌ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ لَا يَضَعُ الْفَاسِدَ، وَهُوَ مِثْلُ النَّقْضِ بَلْ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلَّةِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مُوجِبَةٌ لِهَذَا الْحُكْمِ فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُهَا فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَجَبَ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِهَا. فَأَمَّا ثُبُوتُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لَمْ يَقَعْ لِإِبْطَالِ عِلَّةٍ أُخْرَى بَلْ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ بِهَا، وَمَعَ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِهَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِعِلَّةٍ لَا يُنَافِي الثُّبُوتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ حَتَّى إذَا رَجَعَ اثْنَانِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَبْقَى الْقَضَاءُ وَاجِبًا بِشَهَادَةِ الْبَاقِينَ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الْعِلَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ ثَابِتًا بِعِلَّةٍ أُخْرَى دَلِيلَ فَسَادِ الْعِلَّةِ.
وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى اشْتِرَاطُ الْعَكْسِ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ فَمَنْ مَنَعَ مِنْ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِانْحِصَارِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِي وَاحِدَةٍ، وَلَزِمَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ الِانْعِكَاسِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ فَإِذَا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ انْتَفَى الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهَا إذْ لَوْ بَقِيَ لَكَانَ ثَابِتًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَمَنْ جَوَّزَ تَعْلِيلَهُ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ دَلِيلٍ آخَرَ.
احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي التَّعْلِيلِ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ بِهِ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُسْتَقِلَّةً بِالتَّعْلِيلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا وَحْدَهَا دُونَ غَيْرِهَا فَإِذَا تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ يَلْزَمُ مِنْ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَدَمُ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لِاسْتِلْزَامِ عِلِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَمَ عِلِّيَّةِ الْغَيْرِ فَضْلًا عَنْ اسْتِقْلَالِهَا. يُبَيِّنُهُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ تَعَلَّقُوا بِالتَّرْجِيحِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْكَيْلَ وَبَعْضُهُمْ الطُّعْمَ وَبَعْضُهُمْ الْقُوتَ تَفَادِيًا عَنْ لُزُومِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَلَوْلَا امْتِنَاعُهُ لَمْ يُرَجِّحُوا الْبَعْضَ بَلْ جَوَّزُوا كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ عِلَّةً مِنْ صِحَّةِ اسْتِقْلَالِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِالْعِلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْلَالَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّرْجِيحِ بَعْدَ التَّعَارُضِ، وَلَا تَعَارُضَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي قُوَّةِ صَاحِبِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَعَلَى هَذَا لَوْلَا صِحَّةُ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ بِالْعِلِّيَّةِ لَمَا رَجَّحُوا. وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ نَصْبُ عَلَامَتَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. وَدَلِيلُ جَوَازِهِ وُقُوعُهُ فَإِنَّ الْحَدَثَ يَقَعُ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَخُرُوجِ الدَّمِ
стр. 1166
وَأَمَّا الْفَرْقُ فَإِنَّمَا فَسَدَ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ. أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ مُنْكِرٌ فَسَبِيلُهُ الدَّفْعُ دُونَ الدَّعْوَى فَإِذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى آخَرَ انْتَصَبَ مُدَّعِيًا؛ وَلِأَنَّ دَعْوَاهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْجِرَاحَةِ مَعًا مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهَا فِي إيجَابِ الْحَدَثِ. وَكَذَا الْقَتْلُ حُكْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ حَيَاةِ الْوَاحِدِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِالْقِصَاصِ وَالرِّدَّةِ مَعًا كَمَنْ قَتَلَ وَارْتَدَّ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي إيجَابِ الْقَتْلِ.
وَكَذَا لَوْ جَمَعْتَ لَبَنَ زَوْجَةِ أَخِيكَ، وَلَبَنَ أُخْتِكَ، وَأَوْجَرْتَ مُرْتَضِعَةً دَفْعَةً مِنْهَا تَحْرُمُ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّكَ عَمُّهَا وَخَالُهَا مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ حُكْمٌ وَاحِدٌ مُعَلَّلٌ بِالْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحَالَ إلَى أَحَدَيْهِمَا دُونَ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: الْعِلَلُ إذَا كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً كَانَتْ الْأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةً تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ مَثَلًا مُغَايِرٌ لِقَتْلِ الرِّدَّةِ، وَلِذَلِكَ يَنْتَفِي قَتْلُ الْقِصَاصِ بِالْعَفْوِ وَيَبْقَى الْآخَرُ، وَهُوَ قَتْلُ الرِّدَّةِ لِعَدَمِ عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَبِالْعَكْسِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ يَنْتَفِي قَتْلُ الرِّدَّةِ وَيَبْقَى قَتْلُ الْقِصَاصِ، وَلَوْلَا تَغَايُرُ الْقَتْلَيْنِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
قُلْنَا: إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى أَحَدِ دَلِيلَيْهِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدًا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِلَّا لَزِمَ مُغَايَرَةُ حَدَثِ الْبَوْلِ حَدَثَ الْغَائِطِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا تَعَدُّدَ فِيهِ بَلْ فِي اسْتِنَادِهِ وَلِهَذَا كَانَ الزَّائِلُ بِالْعَفْوِ هُوَ اسْتِنَادُهُ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَالزَّائِلُ بِالْإِسْلَامِ هُوَ اسْتِنَادُهُ إلَى الرِّدَّةِ لَا نَفْسُ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ، وَلَمْ يَزُلْ عَمَّا عَلَيْهِ. وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ لُزُومَ التَّنَاقُضِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرُوا، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتَقَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ بِهَا لَا غَيْرُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَنَاقُضَ فِي التَّعَدُّدِ إذْ قَدْ يَجْتَمِعُ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ عِلَلٌ لَوْ انْفَرَدَتْ اسْتَقَلَّتْ بِإِثْبَاتِهِ كَمَا اجْتَمَعَ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ حُكْمٌ وَاحِدٌ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَا تَعَلُّقُهُمْ تَرْجِيحَ الْأَئِمَّةِ عِلَّةَ الرِّبَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ بَلْ إنَّمَا تَعَرَّضُوا لِإِبْطَالِ كَوْنِ الْغَيْرِ عِلَّةً، وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لَهُ لِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ بَلْ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِي الرِّبَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ هَاهُنَا بِكَوْنِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ جَعْلُ عِلَلِ الرِّبَا الْمُخْتَلَفِ فِيهَا آخِرَ الْعِلَّةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَإِذَا حَقَّقْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ عَدَمِ فَسَادِ الْعِلَّةِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أُولَئِكَ الْبَعْضِ وُجُودَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْعِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا فَيَصِحُّ الدَّفْعُ بِهَذَا الْوَجْهِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْفَرْقُ فَإِنَّمَا فَسَدَ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى مِنْهُ كَذَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَرْعِ وَلِهَذَا فَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ بَيَانُ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّعْلِيلِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْفَرْعِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْقَ اعْتِرَاضٌ صَحِيحٌ وَسَمَّوْهُ فِقْهًا.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ، وَفُقَهَاءِ غَزْنَةَ مُسْتَدِلِّينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَإِذَا عُورِضَتْ امْتَنَعَتْ صِحَّتُهَا. قَالُوا وَحَقِيقَتُهُ رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَا يَسْتَقِرُّ كَلَامُهُ مَا لَمْ يُبْطِلْ بِمَسْلَكِ السِّيَرِ كُلَّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِهِ فَإِذَا عَلَّلَ، وَلَمْ يُسَيِّرْ فَعُورِضَ مَعْنَى الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ طُولِبَ بِالْوَفَاءِ بِالسِّيَرِ وَتَتَبُّعِ كُلِّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ بِالنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِنَاءُ السَّلَفِ بِالْفِرَقِ وَنُقِلَ ذَلِكَ فِي وَقَائِعَ جَرَتْ فِي مَجَامِعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - مِنْهَا قِصَّةُ إجْهَاضِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ -
стр. 1167
لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْدِيَةِ إلَى هَذَا الْفَرْعِ لَا يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ فَلَمْ يَبْقَ لِدَعْوَاهُ اتِّصَالٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَلِأَنَّ الْخِلَافَ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ وَلَمْ يَصْنَعْ بِمَا قَالَ فِي الْفَرْعِ إلَّا إنْ أَرَانَا عَدَمَ الْعِلَّةِ، وَعَدَمُ الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْعَدَمِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فَلَأَنْ لَا يَصْلُحَ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْحُجَّةِ أَوْلَى.
ــ
[كشف الأسرار]
لَمَّا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، وَلَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ أَرَى أَنَّ عَلَيْك الْغُرَّةَ.
فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁ شَبَّهَ فِعْلَهُ بِالْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا تُوجِبُ ضَمَانًا وَجَعَلَ الْجَامِعَ أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ وَتَشَبَّثَ بِالْفَرْقِ، وَأَبَانَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ الْمَضْبُوطَةَ النِّهَايَاتِ لَيْسَتْ كَالتَّعْزِيرَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْوُقُوفُ فِيهَا دُونَ مَا يُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ، وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مُعْظَمَ مَا خَاضَ فِيهِ الصَّحَابَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُفَرِّقُونَ وَيَجْمَعُونَ. ثُمَّ الْغَرَضُ مِنْ الْفَرْقِ لَيْسَ مُقَابَلَةَ عِلَّةِ الْأَصْلِ بِعِلَّةِ الْفَرْعِ بَلْ الْغَرَضُ بَيَانُ مُنَاقَضَةِ الْجَمْعِ، وَإِبْطَالُ فِقْهِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِالطَّرْدِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَنْتَظِمُ بِفَرْعٍ، وَأَصْلٍ، وَمَعْنًى رَابِطٍ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرَائِطَ مَعْلُومَةٍ وَالْفَرْقُ مَعْنًى يَشْمَلُ ذِكْرَ أَصْلٍ، وَفَرْعٍ، وَهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْمَعْنَى فَكَانَ وُقُوعُهُ عَلَى نَقِيضِ غَرَضِ الْجَمْعِ وَيَظْهَرُ لَهُ فِقْهٌ يُشْعِرُ بِمُفَارَقَةِ الْفَرْعِ الْأَصْلَ عَلَى مُنَاقَضَةِ الْجَمْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا اعْتِرَاضًا صَحِيحًا.
وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَى أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ فَاسِدٌ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْعِلَّةُ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀. أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةُ لَا فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَى فَإِذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى آخَرَ انْتَصَبَ مُدَّعِيًا، وَلَمْ يَبْقَ سَائِلًا فَيَكُونُ تَجَاوُزًا عَنْ حَدِّهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. بِخِلَافِ مَا إذَا عَارَضَهُ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَائِلًا بَعْدُ حَيْثُ تَمَّ دَلِيلُ الْمُعَلِّلِ بَلْ يَكُونُ مُدَّعِيًا ابْتِدَاءً فَأَمَّا مَا دَامَ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ فَلَمْ يَسَعْ لَهُ الدَّعْوَى.
وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا بِعِلَّتَيْنِ ثُمَّ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى بَعْضِ الْفُرُوعِ بِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَبِأَنْ عَدِمَ فِي الْفَرْعِ الْوَصْفَ الَّذِي يَدُومُ بِهِ السَّائِلُ الْفَرْقَ إنْ سَلِمَ لَهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُعَدِّيَ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدَّعِيهِ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فَلَمْ يَبْقَ لِدَعْوَى السَّائِلِ اتِّصَالٌ بِالْمَسْأَلَةِ إذْ كُلُّ سُؤَالٍ يُمْكِنُ لِلْمُعَلِّلِ الِاعْتِرَافُ بِهِ مَعَ الِاسْتِقْرَارِ عَلَى مُدَّعَاهُ كَانَ فَاسِدًا، وَلَا يَكُونُ قَدْحًا فِي كَلَامِ الْمُعَلِّلِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَبَثًا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ وَقَعَ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ لَا فِي حُكْمِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَصْنَعْ السَّائِلُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْفَرْقِ فِي الْفَرْعِ إلَّا أَنْ أَرَانَا عَدَمَ الْعِلَّةِ فِيهِ.
وَعَدَمُ الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْعَدَمِ يَعْنِي إذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ آخَرُ يُوجِبُ وُجُودَ الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ عَلَّلَ، وَقَالَ الْحُكْمُ مَعْدُومٌ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ مَعْدُومَةٌ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي بَيَانِ فَسَادِ التَّعْلِيلِ بِالنَّفْيِ. فَلَأَنْ لَا يَصْلُحَ عَدَمُ الْعِلَّةِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ كَانَ أَوْلَى.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: الْمُفَارَقَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مِنْ أَفْسَدِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَّا أَنْ يُذْكَرَ مَعْنًى فِي الْفَرْعِ يُفِيدُ خِلَافَ الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَأَسْنَدَهُ إلَى أَصْلٍ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُعَارَضَةً، وَلَمْ يَبْقَ فَرْقًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوَّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْمُعَارَضَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي حُكْمَيْنِ عَلَى التَّضَادِّ فَأَمَّا إذَا ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعَارَضَةٍ. وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ مَا لَمْ يُبْطِلْ كُلَّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ بَاطِلٌ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُعَلِّلُ سِوَى تَصْحِيحِ عِلَّتِهِ بِبَيَانِ
стр. 1168
وَأَمَّا الْقِسْمُ الصَّحِيحُ فَوَجْهَانِ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَارَضَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّأْثِيرِ فَأَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ.
وَكَذَا مَا ذَكَرُوا مِنْ اعْتِنَاءِ السَّلَفِ بِالْفَرْقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ الْمُفَارَقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَخُوضُ فِيهِ عَنْهُمْ أَصْلًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْمَعَانِيَ الْمُؤَثِّرَةَ، وَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ الْإِجْهَاضِ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ مَعْنًى أَلْطَفُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ كَانَ جَائِزَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَالتَّرْكِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى حَدٍّ مَضْبُوطٍ فِي الشَّرْعِ، وَمِثْلُهُ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بِوَجْهٍ. وَمَا ذَكَرُوا مِنْ ظُهُورِ فِقْهٍ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُفَاقَهَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُمَانَعَةِ دُونَ الْمُفَارَقَةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: ﵀ مِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ مُفَاقَهَةٌ، وَلَعَمْرِي الْمُفَارَقَةُ مُفَاقَهَةٌ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ مُجَادَلَةٌ لَا فَائِدَةَ فِيهَا فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُفَاقَهَةُ فِي الْمُمَانَعَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُجِيبُ تَأْثِيرَ عِلَّتِهِ فَالْفِقْهُ حِكْمَةٌ بَاطِنَةٌ، وَمَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ شَرْعًا فَهُوَ الْحِكْمَةُ الْبَاطِنَةُ فَالْمُطَالَبَةُ بِهِ تَكُونُ مُفَاقَهَةً فَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ عَنْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِالْفَرْقِ فَيَكُونُ قَبُولًا لِمَا فِيهِ احْتِمَالُ أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَاشْتِغَالًا لَا بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِلَّةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُفَاقَهَةِ فِي شَيْءٍ.
стр. 1169
(بَابُ الْمُمَانَعَةِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ، وَهِيَ أَسَاسُ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ مُنْكِرٌ فَسَبِيلُهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الْمَنْعِ وَالْإِنْكَارِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ، وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً أَمَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ أَمْ لَا، وَالْمُمَانَعَةُ فِي شَرْطِ الْعِلَّةِ، وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَ دَلِيلًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي النِّكَاحِ إنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنَّفْيِ وَالتَّعْلِيلِ بِهِ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالطَّرْدِ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ إنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَإِنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَسْخٌ عِنْدَ الْخَصْمِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّرْعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ عِنْدَهُ.
وَمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْغَمُوسِ إنَّهَا مَعْقُودَةٌ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرْنَا شُرُوطَ التَّعْلِيلِ
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ الْمُمَانَعَةِ]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقِسْمُ الصَّحِيحُ) أَيْ دَفْعُ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ فَوَجْهَانِ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَارَضَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ فِي هَذَا الْبَابِ جَعَلَ الدَّفْعَ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ فَاسِدًا أَوْ الدَّفْعَ بِالْمُمَانَعَةِ صَحِيحًا. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِفَسَادِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَسَادَهُ قَبْلَ ظُهُورِ أَثَرِ الْوَصْفِ وَصِحَّتِهِ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالْمُمَانَعَةِ لَمَّا صَحَّ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ صَحِيحًا أَوْ لَا يَكُونَ مُؤَثِّرًا صَحَّ الِاعْتِرَاضُ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ أَيْضًا كَمَا فِي الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ فَاسِدٌ بَعْدَ ظُهُورِ صِحَّةِ الْوَصْفِ وَتَأْثِيرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ التَّقْوِيمِ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ دَعْوَى فَسَادِ الْوَضْعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مُؤَثِّرًا لَا يُتَصَوَّرُ.
وَكَذَا دَعْوَى الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّأْثِيرِ بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْمُمَانَعَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَثَرِ فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ لَمَّا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ مَحَلُّ الْمُمَانَعَةِ، وَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ إلَّا الْمُعَارَضَةُ فَثَبَتَ أَنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ فَسَادَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ لَكِنَّهُ تَبَيَّنَ بِالتَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ بِخِلَافِ الْمُمَانَعَةِ فَإِنَّهَا طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْوَصْفِ وَتَأْثِيرِهِ وَبَعْدَ ظُهُورِهِ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ كَانَ بَاطِلًا.
وَلَا يَخْلُو هَذَا الْجَوَابُ عَنْ وَهَاءٍ وَتَمَحُّلٍ كَمَا تَرَى. وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةَ عَلَى الْعِلَلِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا الْمُمَانَعَةُ، وَبَعْدَهَا بَيَانُ فَسَادِ الْوَضْعِ، وَبَعْدَهُ الْمُنَاقَضَةُ، وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْقَلْبُ وَالْعَكْسُ، وَالْخَامِسُ وَهُوَ الْأَخِيرُ الْمُعَارَضَةُ، وَبَيَّنَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِرَاضَاتُ الْفَاسِدَةُ فَلَا نِهَايَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ فَاسِدُ الْخَاطِرِ يَعْتَرِضُ بِمَا بَدَا لَهُ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى حَصْرِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابُ الْمُمَانَعَةِ) .
الْمُمَانَعَةُ أَوْقَعُ سُؤَالٍ عَلَى الْعِلَلِ، وَهِيَ أَسَاسُ النَّظَرِ أَيْ أَصْلُ الْمُنَاظَرَةِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى مِثَالِ الْخُصُومَاتِ فِي الدَّعَاوَى الْوَاقِعَةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادَةِ فَالْمُعَلِّلُ يَدَّعِي لُزُومَ الْحُكْمِ الَّذِي رَامَ إثْبَاتَهُ عَلَى السَّائِلِ، وَالسَّائِلُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَكَانَ سَبِيلُهُ الْإِنْكَارَ كَمَا أَنَّ سَبِيلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْحُقُوقِ الْإِنْكَارُ وَدَفْعُ الدَّعَاوَى عَنْ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِنْكَارِ الْمُمَانَعَةُ فَكَانَتْ الْمُمَانَعَةُ أَسَاسَ الْمُنَاظَرَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى غَيْرِهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ الْمُجِيبُ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهَا إلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَشْتَغِلُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ الْعَكْسِ ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ فَإِذَا آلَ الْكَلَامُ إلَى الْمُعَارَضَةِ سَهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُجِيبِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَسَاسَ هُوَ الْمُمَانَعَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ وُجُوهِهَا كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ أَيْ بِمَنْعِ كَوْنِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجِيبُ عِلَّةً بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ يَعْنِي بَعْدَمَا ثَبَتَ صَلَاحِيَةُ الْوَصْفِ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ لِيُثْبِتَهُ الْمُجِيبُ بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فِي بَابِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي صَارَ الْوَصْفُ بِهِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ الْأَثَرُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ صِحَّةُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ فَلِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا وَيَعْتَقِدُهُ حُجَّةً. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَذَا فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا يَعْنِي فِي بَابِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنَّفْيِ وَالتَّعْلِيلَ بِهِ بَاطِلٌ. وَكَذَا مَنْ تَمَسَّكَ بِالطَّرْدِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَتَعَارُضِ الْحَالِ وَتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ مُحْتَجٌّ بِلَا دَلِيلٍ فَلَوْ تُرِكَتْ الْمُمَانَعَةُ يَكُونُ قَبُولًا مِنْ الْخَصْمِ مَا لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَهْلِ فَكَانَتْ الْمُمَانَعَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَلِيلَ الْفَقَاهَةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ أَيْ صِحَّةُ الْمُمَانَعَةِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ بَعْدَمَا سَلَّمَ أَنَّهُ صَالِحٌ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَيْ مُخْتَلِفٍ فِي وُجُودِهِ لَا فِي كَوْنِهِ عِلَّةً. مِثْلُ قَوْلِنَا يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ أَيْ فِيمَا إذَا أَوْدَعَ مِنْ الصَّبِيِّ شَيْئًا أَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ لِمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَهَذَا الْوَصْفُ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ لَيْسَ بِتَسْلِيطٍ عِنْدَهُ إذْ لَوْ كَانَ تَسْلِيطًا عِنْدَهُ لَمَا بَقِيَ النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ. وَمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْغَمُوسِ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ، هَذَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ عِنْدَهُ الْقَصْدُ وَعِنْدَنَا ارْتِبَاطُ اللَّفْظَيْنِ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْبِرِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ عِنْدِي كَذَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَذَلِكَ أَيْ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْمَذْهَبُ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ أُسْلِمُ فِي مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ فَيُقَالُ لَهُ لِمَ قُلْت إنَّهُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ بَلْ الْقُدْرَةُ مَعْدُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِالْأَجَلِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ هَذَا شِرَاءُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ فَلَا يَجُوزُ فَيُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عِنْدَنَا وَاقِعٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ فَلَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ الَّذِي ادَّعَاهُ عِلَّةً مَوْجُودًا. وَمِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَنْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ مَعَ غَيْرِهِ إنَّ الْأَجْنَبِيَّ رَضِيَ بِاَلَّذِي وَقَعَ الْعِتْقُ بِهِ بِعَيْنِهِ
стр. 1170
وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ شَرْطًا مِنْهَا هُوَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عُدِمَ فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ إنَّهُ أَحَدُ عِوَضَيْ الْبَيْعِ فَثَبَتَ حَالًّا، وَمُؤَجَّلًا كَثَمَنِ الْبَيْعِ فَيُقَالُ لَهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ شَرْطِ التَّعْلِيلَ أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمًا، وَالنَّصُّ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ بِحُكْمِهِ، وَأَنَّا لَا نُسَلِّمُ هَذَا الشَّرْطَ هَهُنَا وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَ دَلِيلًا فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ مَجْرَى الْوَصْفِ بِلَا أَثَرٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ الْخَصْمِ عَلَى مَنْ لَا يَرَاهُ دَلِيلًا حَتَّى يُبَيِّنَ أَثَرَهُ وَسَبِيلَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ الْإِنْكَارُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِنْكَارُ مَعْنًى لَا صُورَةً مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْمُودَعِ يَدَّعِي الرَّدَّ، إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَهُوَ مُدَّعٍ صُورَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَقُولُ الْخَصْمُ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الرِّضَاءَ كَانَ مَوْجُودًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ السَّائِلُ شَرْطًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ شُرُوطِ الْقِيَاسِ مَا هُوَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ لِيُفِيدَ مَنْعُهُ بُطْلَانَ التَّعْلِيلِ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَأَمَّا إذَا مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَقُولُ الْمُعَلِّلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدِي وَحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ مَا مَنَعَهُ السَّائِلُ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ أَمْ لَا وَذَلِكَ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ دُونَ إثْبَاتِ شَرْطِ الْقِيَاسِ. وَمَعَ هَذَا لَوْ مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ إلْزَامِ الْمُعَلِّلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ انْتِقَالُ الْكَلَامِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ. وَلَفْظُ مَا فِي قَوْلِهِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ " شَرْطًا " لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَيْ الشَّافِعِيِّ الْمَذْهَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَيُقَالُ لَهُ: وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ هَذَا الشَّرْطَ أَيْ وُجُودَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّصْبِ يَتَغَيَّرُ بِهَذَا التَّعْلِيلِ فَيَصِيرُ مَا هُوَ رُخْصَةٌ نَقْلَ رُخْصَةِ إسْقَاطٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَكَذَا جَوَازُ السَّلَمِ ثَبَتَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ أَيْضًا لِكَوْنِ الْمَبِيعِ مَعْدُومًا حَقِيقَةً فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى يَعْنِي إذَا ثَبَتَ صَلَاحُ الْوَصْفِ وَوُجُودُهُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَتَحَقُّقُ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ كَانَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَاجِبٌ بَلْ الْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ وَجَبَ كَالنَّوَافِلِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَكَالْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورِ الْحَالِ فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَنَّهُ وَاجِبُ الْعَمَلِ لِيَتِمَّ الْإِلْزَامُ عَلَى السَّائِلِ وَذَلِكَ بِبَيَانِ الْأَثَرِ كَالْكَافِرِ يُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ مُسْلِمًا يَكُونُ شَهَادَتُهُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُرِيدُ الْإِيجَابَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَذَا هَاهُنَا. وَسَبِيلُهُ أَيْ سَبِيلُ السَّائِلِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِ الْمُمَانَعَةِ الْإِنْكَارُ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلدَّعْوَى، وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ هُوَ فِي صُورَةِ الدَّعْوَى. فَإِذَا تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ فِي صُورَةِ الدَّعْوَى لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ إنْكَارًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُودِعُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُودَعِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً.
وَكَذَا الْبِكْرُ إذَا قَالَتْ بَلَغَنِي خَبَرُ النِّكَاحِ فَرَدَدْت، وَقَالَ الزَّوْجُ مَا رَدَّتْ بَلْ سَكَتَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ ثُبُوتَ مِلْكِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَلُزُومَ الْعَقْدِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَتْ تَدَّعِي الرَّدَّ صُورَةً فَالْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْمُمَانَعَةِ إنْكَارٌ صُورَةً، وَمَعْنًى فَكَانَتْ صَحِيحَةً. وَلَوْ قَالَ السَّائِلُ إنَّ الْحُكْمَ مَا تَعَلَّقَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَقَطْ بَلْ بِهِ وَبِقَرِينَةٍ أُخْرَى يَكُونُ إنْكَارًا مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ دَعْوَى صُورَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِوُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةً صَحِيحَةً. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ عَلَّلَ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ مَقْصُودَةٌ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِهَذَا الْوَصْفِ إلَى الْغَمُوسِ فَيَقُولُ: الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ قَرِينَةٍ، وَهِيَ تَوَهُّمُ الْبِرِّ فِيهَا فَيَكُونُ هَذَا مَنْعًا لِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ وَيَحْتَاجُ الْخَصْمُ إلَى إثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ فَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ كَذَا فَإِنْكَارٌ صُورَةً، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى دَعْوَى فَلَا يَكُونُ مُمَانَعَةً بَلْ هُوَ دَعْوَى فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ كَمَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1171
بَابُ الْمُعَارَضَةِ) .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ بَعْدَ الْمُمَانَعَةِ إلَّا الْمُعَارَضَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَالْقَلْبُ وَهُوَ نَوْعَانِ وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ وَهُوَ نَوْعَانِ لَكِنْ الْعَكْسُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ الْمُعَارَضَةِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلِ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ]
قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الْمُعَارَضَةِ فِيمَا سَبَقَ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ هُنَا تَسْلِيمُ الْمُعْتَرِضِ دَلَالَةَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الْوَصْفِ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَإِنْشَاءُ دَلِيلٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَطْلُوبِهِ وَقِيلَ هِيَ مُمَانَعَةٌ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إذْ السَّائِلُ يَقُولُ لِلْمُجِيبِ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ لَكِنْ عِنْدِي مِنْ الدَّلِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِدَلِيلِهِ بِالْإِبْطَالِ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ مِنْ السَّائِلِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِضُ حِينَئِذٍ مُسْتَدِلًّا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ لَهُ الِاعْتِرَاضُ الْمَحْضُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا فَإِذَا انْتَصَبَ السَّائِلُ لِذَلِكَ كَانَ بَانِيًا مُسْتَدِلًّا لَا هَادِمًا مُعْتَرِضًا. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْعِلَّةِ فَتَكُونُ مَقْبُولَةً كَالْمُمَانَعَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُجِيبُ لَا تَتِمُّ حُجَّةً مَا لَمْ تَسْلَمْ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّ الْمُعَارَضَةَ تُوجِبُ وُقُوفَ الْحُجَّةِ بِدَلِيلِ الْبَيِّنَاتِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْقَوْلَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً عِنْدَ السَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَكَانَتْ الْمُعَارَضَةُ اعْتِرَاضًا عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَتَكُونُ مَقْبُولَةً.
وَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْقِيَاسِ قُوَّةُ الظَّنِّ، وَإِذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ يَفُوتُ بِهِ قُوَّةُ الظَّنِّ وَيَخْرُجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فَكَانَتْ الْمُعَارَضَةُ بَيَانَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فَتَكُونُ اعْتِرَاضًا صَحِيحًا. فَإِنْ قِيلَ إنَّ السَّائِلَ، وَإِنْ قَصَدَ الِاعْتِرَاضَ وَلَكِنَّهُ أَتَى بِدَلِيلٍ مُبْتَدَأٍ صُورَةً فَيَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قُلْنَا صُورَةُ الْأَدِلَّةِ مَا امْتَنَعَتْ عَنْ السَّائِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَدِلَّةٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ إذَا كَانَ السَّائِلُ مُعْرِضًا عَنْ الِاعْتِرَاضِ آتِيًا بِكَلَامٍ مُبْتَدَأٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُعْتَرِضٌ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَتُسْمَعُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسْمَعُ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إفَادَةً فَلَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ وَبِقَدَحٍ فِي كَلَامِ الْخَصْمِ كَانَ أَوْلَى. ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّائِلِ بَعْدَ الْمُمَانَعَةِ إلَّا الْمُعَارَضَةُ.
وَذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بَعْدَ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمُمَانَعَةِ أَنَّ التَّأْثِيرَ إذَا ثَبَتَ لِلْوَصْفِ تَجَاوَزَ السَّائِلُ عَنْ الْمُمَانَعَةِ إلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَ ثُمَّ إلَى الْقَلْبِ ثُمَّ إلَى الْعَكْسِ الْكَاسِرِ ثُمَّ إلَى الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَا أَمْكَنَ بِتَسْلِيمِ مَا عَلَّلَهُ الْخَصْمُ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَانَعَةِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْمُعَارَضَةِ الَّتِي هِيَ أَسْوَأُ أَحْوَالِ السَّائِلِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ مُعَارَضَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِإِبْطَالِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَيْ مَحْضَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ إبْطَالًا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ إذْ الْمُعَارَضَةُ تَسْتَلْزِمُ تَسْلِيمَ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَصِحَّةَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمُنَاقَضَةُ تَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ دَلِيلِهِ، وَفَسَادَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَقَدْ اخْتَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ.
قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ مُمَانَعَةٌ فِي الْحُكْمِ صُورَةً، وَمُمَانَعَةٌ لِلدَّلِيلِ مَعْنًى بِدَعْوَى عَدَمِ سَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَنَافٍ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 1172
أَمَّا الْقَلْبُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ فِي اللُّغَةِ يَقُومُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ مَنْكُوسًا أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْإِبْطَالُ ثُمَّ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةُ تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْمُعَارَضَةِ فَلَا تَمْنَعُ الْقَبُولَ إذْ الِاعْتِبَارُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُتَضَمِّنِ دُونَ الْمُتَضَمَّنِ؛ وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ بَعْدَ بَيَانِ التَّأْثِيرِ لِمَا قَبْلَ الْإِبْطَالِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا، وَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ مُشَبَّهٌ بِالْأَثَرِ، وَلَيْسَ بِأَثَرٍ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمُنَاقَضَةُ إنَّمَا تَمْتَنِعُ عَلَى مَا هُوَ مُؤَثِّرٌ حَقِيقَةً كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀ وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ أَيْ يُقَابِلُ الْقَلْبَ الْعَكْسُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يُذْكَرُ لِإِبْطَالِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَالْعَكْسُ يُذْكَرُ لِتَصْحِيحِهِ وَلِهَذَا يَذْكُرُهُ الْمُعَلِّلُ دُونَ السَّائِلِ فَكَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ نَوْعَيْهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ مُرَجِّحَاتِ الْعِلَّةِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي التَّحْقِيقِ لَكِنْ الْقَلْبُ لَمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ ذُكِرَ الْعَكْسُ بِمُقَابَلَتِهِ أَيْضًا لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ.
قَوْلُهُ (أَمَّا الْقَلْبُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ فِي اللُّغَةِ) مَعْنَى الْقَلْبِ فِي اللُّغَةِ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَالْمَعْنَيَانِ الْمَذْكُورَانِ يَرْجِعَانِ إلَيْهِ وَبِالْمَعْنَيَيْنِ اُسْتُعْمِلَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، وَيَرْجِعُ الْمَعْنَيَانِ فِيهِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أَيْضًا، وَهُوَ تَغْيِيرُ التَّعْلِيلِ إلَى هَيْئَةٍ تُخَالِفُ الْهَيْئَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لُغَةً فَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ مَنْكُوسًا أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ بِنَصْبِ اللَّامِ، وَأَسْفَلُهُ بِرَفْعِهَا أَعْلَاهُ كَقَلْبِ الْإِنَاءِ وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى التَّعْلِيلِ جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ يَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ حَيْثُ يَفْتَقِرُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَلَا يَفْتَقِرُ وُجُودُهَا إلَى الْحُكْمِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهِ ذِهْنًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ وَزَمَانًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ.
وَالْحُكْمُ تَابِعٌ يَعْنِي فِي الْوُجُودِ حَيْثُ يَفْتَقِرُ وُجُودُهُ إلَيْهَا فَإِذَا قَلَبْته يَعْنِي التَّعْلِيلَ فَقَدْ جَعَلْته مَنْكُوسًا بِجَعْلِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنْ الْفَرْعِ تَابِعًا لَهُ وَجَعْلِ الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْأَصْلِ أَعْلَى مِنْهُ فَكَانَ هَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ مُعَارَضَةً أَيْ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ إبْطَالٌ لِتَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُعَارَضَةِ، وَهِيَ ذِكْرُ دَلِيلٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُوجَدْ إذْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِتَعْلِيلِ الْقَالِبَ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِتَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ بِنَفْيٍ، وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ تَعْلِيلُهُ عَلَى فَسَادِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ فَكَانَ هَذَا إبْطَالًا لَا مُعَارِضَةً لَكِنْ الشَّيْخُ اعْتَبَرَ صُورَةَ الْمُعَارَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَالَبَ عَارَضَ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِتَعْلِيلٍ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ حُكْمِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ فَقَالَ مَا جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لِمَا صَارَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِ الْقَالَبِ وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْ احْتَمَلَ مَا جَعَلَهُ عِلَّةً صَيْرُورَتَهُ حُكْمًا فَسَدَ الْأَصْلُ أَيْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقِيسًا عَلَيْهِ لِلْمُسْتَدِلِّ فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ فَبَقِيَ قِيَاسُهُ بِلَا مَقِيسٍ عَلَيْهِ فَبَطَلَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ فِيمَا إذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ بِالْحُكْمِ بِأَنْ جَعَلَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ فِيهِ ثُمَّ عَدَّاهُ إلَى الْفَرْعِ.
فَأَمَّا إذَا عُلِّلَ بِالْوَصْفِ الْمَحْضِ أَيْ بِالْمَعْنَى فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَصِيرُ حُكْمًا بِوَجْهٍ، وَلَا يَصِيرُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عِلَّةً لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْحُكْمِ فَإِذَا
стр. 1173
وَمِثَالُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَنْ يُجْعَلَ الْمَعْلُولُ عِلَّةً وَالْعِلَّةُ مَعْلُولًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ وَالْحُكْمُ تَابِعٌ فَإِذَا قَلَبْته فَقَدْ جَعَلْته مَنْكُوسًا، وَكَانَ هَذَا مُعَارَضَةً فِيهَا مُنَاقَضَةٌ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لِمَا صَارَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ فَسَادَ الْأَصْلِ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِيمَا يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِالْحُكْمِ فَأَمَّا بِالْوَصْفِ الْمَحْضِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ، وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَكَانَتْ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقُلْنَا الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا جُلِدَ بِكْرُهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّ ثَيِّبَهُمْ يُرْجَمُ، وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَّلْنَا فِي الْجِصِّ مَثَلًا بِأَنَّهُ مَكِيلٌ جِنْسٌ فَيَجْرِي فِيهِ الرِّبَا كَالْحِنْطَةِ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ مَكِيلَ جِنْسٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَكِيلَ جِنْسٍ سَابِقٌ عَلَيْهِ مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ قَوْلُهُمْ أَيْ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ الْحُرُّ الثَّيِّبُ يُرْجَمُ عِنْدَهُمْ، الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مِنْهُمْ وَبِقَوْلِهِ مِائَةً أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْبِكْرَ مِنْ الْعَبِيدِ لَمَّا لَمْ يُجْلَدْ مِائَةً لَمْ يُرْجَمْ الثَّيِّبُ مِنْهُمْ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ الْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ إلَى آخِرِهِ، وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ فَرْضًا عَنْ السُّورَةِ فَإِنَّهَا تَكَرَّرَتْ، وَلَكِنْ غَيْرَ فَرْضٍ فَجَعَلُوا جَلْدَ الْمِائَةِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَالتَّكَرُّرُ فِي الْأُولَيَيْنِ عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ فِي الْبَاقِي فَقُلْنَا الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ لِأَنَّ ثَيِّبَهُمْ يُرْجَمُ لَا أَنَّهُ يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ فَجَعَلْنَا مَا نَصَبَهُ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ جَلْدُ الْمِائَةِ حُكْمًا، وَمَا جَعَلَهُ حُكْمًا فِيهِ، وَهُوَ رَجْمُ الثَّيِّبِ عِلَّةً فَانْتُقِضَ تَعْلِيلُهُمْ بِهَذَا الْقَلْبِ وَبَطَلَ لِبَقَائِهِ بِلَا أَصْلٍ إذْ لَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُهُمْ: الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ أَصْلًا.
وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَكَانَ هَذَا مُعَارَضَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِهِ فَإِنَّ الْقَالِبَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الرَّجْمُ لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ عِلَّةً لِلرَّجْمِ فَعَدِمَ فِي حَقِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ الْكَافِرُ الذِّمِّيُّ عِلَّةُ الرَّجْمِ فَيَكُونُ الرَّجْمُ مُنْتَفِيًا لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ فَيَكُونُ مُعَارَضَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَعَمْرِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَانَعَةِ مِنْهُ إلَى الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْعُ نَفْسِ الدَّلِيلِ وَصَلَاحِيَتُهُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالْعَدَمِ، وَهُوَ فَاسِدٌ فَكَيْفَ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلتَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ تَجْوِيزَ الشَّيْخِ ﵀ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَنْعِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهَا بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ، مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ بَعْدَمَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهَا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ الْقَلْبَ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُنَاقَضَةَ، وَفَسَادَ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّأْثِيرُ لِوُجُوبِ الْجَلْدِ فِي إيجَابِ الرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِجَعْلِ الرَّجْمِ عِلَّةً لِلْجَلْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي قَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ لَمَّا ظَهَرَ التَّأْثِيرُ لِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْبَيْعِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَا لَا يُمْكِنُ لِلْقَالِبِ بَيَانُ التَّأْثِيرِ لِتَعْلِيلِهِ بَعْدَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَبِدُونِ بَيَانِ التَّأْثِيرِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَلْبُهُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمُؤَثِّرِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرِدَ الْقَلْبُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ كَفَسَادِ الْوَضْعِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الطَّرْدِيَّةِ.
يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ بَعْدَ بَيَانِ نَوْعَيْ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ الْأَوَّلُ إنَّمَا يَجِيءُ فِي كُلِّ طَرْدٍ جَعَلَ الْحُكْمَ عِلَّةً، وَالْقَلْبُ الثَّانِي يَجِيءُ عَلَى كُلِّ طَرْدٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ التَّأْثِيرُ، وَمَا ذُكِرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمُخَلِّصُ مِنْ الْقَلْبِ بِذَكَرِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عُلِّلَ دُونَ الْحُكْمِ الَّذِي قَالَهُ خَصْمُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالْقَلْبِ بَعْدَ التَّأْثِيرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَنَّهُ كَالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ
стр. 1174
وَالْمُخَلِّصُ عَنْ هَذَا أَنْ يُخَرَّجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُخَلِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا نَظِيرَانِ مِثْلُ التَّوْأَمِ وَذَلِكَ قَوْلُنَا مَا يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ كَالْحَجِّ فَقَالُوا الْحَجُّ إنَّمَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فَقَالُوا إنَّمَا يُوَلَّى عَلَى الْبِكْرِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا فَقُلْنَا: النَّذْرُ لَمَّا وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَسْبِيبًا لَزِمَتْهُ مُرَاعَاتُهُ بِابْتِدَاءِ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ النَّذْرِ وَبِالشُّرُوعِ حَصَلَ فِعْلُ الْقُرْبَةِ فَلَأَنْ يَجِبَ مُرَاعَاتُهُ بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
قَوْلُهُ: (الْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ يَدْفَعُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ بَعْدَ وُرُودِهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ لَا يَرِدَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُخْرِجَ الْكَلَامَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ وَذَلِكَ الشَّيْءُ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَوْجُودٌ فَيَجُوزُ رُؤْيَتُهُ، وَأَنْ يُقَالَ يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ فَيَكُونُ مَوْجُودًا، وَكَذَا يَكُونُ الدُّخَانُ دَلِيلًا عَلَى النَّارِ وَالنَّارُ دَلِيلًا عَلَى الدُّخَانِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِحُكْمٍ عَلَى حُكْمٍ طَرِيقُ السَّلَفِ فِي الْحَوَادِثِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْمُخَلِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ نَظِيرَانِ أَيْ مِثْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فَيَدُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّوْأَمَيْنِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِأَحَدِهِمَا بِثُبُوتِهَا فِي الْآخَرِ وَيَثْبُتُ الرِّقُّ فِي أَيِّهِمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ فِي الْآخَرِ، وَكَذَا النَّسَبُ يَثْبُتُ فِيهِمَا بِثُبُوتِهِ لِأَحَدِهِمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُثْبَتٍ بَلْ هُوَ مُظْهِرٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلًا عَلَى الْآخَرِ فِي عَيْنِ مَا كَانَ هُوَ مَدْلُولُهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي التَّوْأَمَيْنِ فَأَمَّا الْعِلَّةُ فَمُثْبِتَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا بِشَيْءٍ، وَمُثْبِتًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً عَلَى الْحُكْمِ رُتْبَةً، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْبِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالتَّوْأَمُ اسْمٌ لِلْوَلَدِ إذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ يُقَالُ هُمَا تَوْأَمَانِ، وَقَوْلُهُمْ هُمَا تَوْأَمٌ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَذَلِكَ أَيْ الْمَخْلَصُ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ مَخْرَجَ الِاسْتِدْلَالِ يَتَحَقَّقُ فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُكْمَيْنِ لَا فِيمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا اسْتَدَلُّوا فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّافِلَةِ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ فَقَالُوا مَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ الشُّرُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَمَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَقَالُوا فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ لِلْوَلِيِّ إنَّهُ - الضَّمِيرُ لِلشَّانِّ - يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فَقَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى بَيَانِ الْمُخَلِّصِ بِقَوْلِهِ فَقُلْنَا النَّذْرُ لَمَّا وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَسَبُّبًا يَعْنِي النَّذْرَ سَبَبُ قُرْبَةٍ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ ثُمَّ لَزِمَتْهُ مُرَاعَاةُ النَّذْرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقُرْبَةِ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِابْتِدَاءِ مُبَاشَرَةِ فِعْلِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْقُرْبَةِ صِيَانَةً لِلسَّبَبِ عَنْ الْبُطْلَانِ مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُبَاشَرَةِ مُنْفَصِلٌ عَنْ النَّذْرِ وَبِالشُّرُوعِ حَصَلَ فِعْلُ الْقُرْبَةِ حَقِيقَةً فَلَأَنْ يَجِبَ مُرَاعَاةُ هَذَا الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ قُرْبَةً بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ أَيْ بِإِلْزَامِ الْإِتْمَامِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْبُطْلَانِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَحَقِيقَةُ الْقُرْبَةِ أَوْلَى بِالصِّيَانَةِ مِنْ سَبَبِهَا، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُمْ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّا نَسْتَدِلُّ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْصِيلُ عِبَادَةٍ زَائِدَةٍ هِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْمُضِيُّ فِيهَا لَازِمًا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَدَاءِ حَرَامٌ، وَإِبْطَالُهَا بَعْدَ الصِّحَّةِ جِنَايَةٌ فَبَعْدَ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا يُجْعَلُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ تَارَةً وَذَلِكَ عَلَى هَذَا تَارَةً قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ الشُّرُوعُ مَعَ النَّذْرِ فِي الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ تَوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا
стр. 1175
وَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ شُرِعَتْ لِلْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ عَلَى مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِيهِ سَوَاءٌ فَأَمَّا الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَلَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِي شُرُوطِهِمَا أَيْضًا حَتَّى افْتَرَقَا فِي شَرْطِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَيْسَا بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ تَسْقُطُ بِالِاقْتِدَاءِ عِنْدَنَا وَتَسْقُطُ لِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ عِنْدَهُ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْأَفْعَالِ لَمْ يَصْلُحْ الذِّكْرُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ، وَكَذَلِكَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ شَطْرَيْ الْقِرَاءَةِ سَقَطَ عَنْهُ، وَهُوَ السُّورَةُ وَيَسْقُطُ أَحَدُ وَصْفَيْهِ، وَهُوَ الْجَهْرُ فَلَمْ يَجْهَرْ بِحَالٍ فَفَسَدَ الِاسْتِدْلَال.
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا صَارَ سَبَبًا؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ عَهِدَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَكَذَا الشَّارِعُ فِي عِبَادَةٍ عَازِمٌ عَلَى إبْقَائِهِ فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِإِبْقَاءِ مَا أَدَّى بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَلَا يُتَصَوَّرُ إبْقَاءُ مَا أَدَّى إلَّا بِانْضِمَامِ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ إلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمُّ صِيَانَةً لِمَا أَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ ثُمَّ إبْطَالُ مَا أَدَّى فَوْقَ تَرْكِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ تَحْقِيقًا لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَلَأَنْ يَلْزَمَ إتْمَامُ مَا أَدَّى وَإِبْقَاؤُهُ عِبَادَةً بَعْدَ الْأَدَاءِ تَحْقِيقًا لِلْوَفَاءِ كَانَ أَحْرَى وَأَوْلَى.
وَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ أَيْ، وَكَمَا أَنَّ النَّذْرَ وَالشُّرُوعَ مُتَسَاوِيَانِ فِي مَعْنَى الْإِيجَابِ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ وَالْوِلَايَةُ عَلَى النَّفْسِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الثُّبُوتِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ شُرِعَتْ أَيْ ثَبَتَتْ وَوَجَبَتْ لِلْعَجْزِ أَيْ لِعَجْزِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ عَلَى مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوِلَايَةِ لِحُرٍّ عَلَى حُرٍّ مِثْلِهِ وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لِلشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْأَصْلُ رَأْيُهُ لَكِنْ إذَا عُدِمَ رَأْيُهُ بِالصِّغَرِ أَوْ الْجُنُونِ أُقِيمَ رَأْيُ الْغَيْرِ مَقَامَ رَأْيِهِ وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْغَيْرِ نَظَرًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ النَّظَرِ فَالْوِلَايَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْوَلِيِّ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَاهِرًا، وَلَكِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْوَلِيِّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَعْنًى نَظَرًا لَهُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ لِنَفْسِهِ وَالْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ رَدِّهَا، وَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ يَأْثَمُ.
وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الْوِلَايَةُ، وَهُوَ الْعَجْزُ وَالْحَاجَةُ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوِلَايَتَيْنِ حَالَ وُجُودِ الرَّأْيِ عَلَى السَّوَاءِ فَكَذَا تَسْتَوِيَانِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَلَا يُقَالُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْمَالِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مُبْتَذَلٌ وَالْمَالُ مُبْتَذَلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لِصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بَلْ الْمَشْرُوطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ وَالْمَالَ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّصَرُّفِ النَّافِعِ الَّتِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا سَوَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْحَاجَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْحَالِ لِلتَّثْمِيرِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ لَكِنْ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ النَّفْسِ مُتَأَخِّرَةٌ إلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ الْوِلَايَةُ عَلَى النَّفْسِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. قُلْنَا: الْحَاجَةُ فِي النَّفْسِ قَدْ تَتَحَقَّقُ فِي الْحَالِ عَلَى تَقْدِيرِ فَوَاتِ الْكُفُؤِ، وَفِي الْمَالِ قَدْ لَا يَقَعُ الْحَاجَةُ بِأَنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَانَا سَوَاءً لِاجْتِمَاعِ جِهَةِ الْحَاجَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنْ لَا مُخَلِّصَ لِلْخَصْمِ عَنْ الْقَلْبِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَقَالَ فَأَمَّا الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَلَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ وَالْآخَرُ تَأْدِيبٌ مَحَلُّهُ ظَاهِرُ الْبَدَنِ. وَفِي شُرُوطِهَا فَإِنَّ الثِّيَابَةَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَهِيَ الثِّيَابَةُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الرَّجْمِ دُونَ وُجُوبِ الْجَلْدِ، وَإِذَا انْتَفَى التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُودِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَغْلَظِ وَبِالِابْتِدَاءِ عَلَى النِّهَايَةِ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَيْسُوا بِسَوَاءٍ، وَلَوْ قِيلَ لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ، أَوْ لَيْسَ بِسَوَاءٍ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْأَفْعَالِ لَمْ يَصْلُحْ الذِّكْرُ أَصْلًا يَعْنِي لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَذْكَارِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ
стр. 1176
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْهُ فَهُوَ قَلْبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ شَاهِدًا عَلَيْك فَقَلَبْته فَجَعَلْته شَاهِدًا لَك، وَكَانَ ظَهْرُهُ إلَيْك فَصَارَ وَجْهُهُ إلَيْك فَنَقَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَصَارَتْ مُعَارَضَةً فِيهَا مُنَاقَضَةٌ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ بِقِيَاسٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ إلَّا بِتَرْجِيحٍ وَلَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِوَصْفٍ زَائِدٍ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَفْسِيرُهُ فَكَانَ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعَيُّنِ النِّيَّةِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ فَقُلْنَا لَمَّا كَانَ صَوْمًا فَرْضًا اسْتَغْنَى عَنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ بَعْدَ تَعَيُّنِهِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ، وَهَذَا تَعَيَّنَ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ بِثَلَاثَةٍ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمَّا كَانَ رُكْنًا فِي الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ لَا يُسَنَّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يَتَأَدَّى بِالْقَلِيلِ فَيَكُونُ اسْتِيعَابُهُ تَكْمِيلًا لِلْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ فِي الْوَجْهِ.
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْإِيمَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا دُونَ الْأَذْكَارِ كَالْأَخْرَسِ وَالْأُمِّيِّ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، يَسْقُطُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّفْعِ الثَّانِي أَوْ مِنْ الْمُصَلِّي فِي الشَّفْعِ الثَّانِي أَحَدُ وَصْفَيْهِ أَيْ أَحَدُ وَصْفَيْ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ فَلَمْ يَجْهَرْ بِحَالٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا فَفَسَدَ الِاسْتِدْلَال أَيْ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَمِيعِ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي الْمُعَارَضَة الْخَالِصَة]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا) (النَّوْعُ الثَّانِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَلْبِ فَهُوَ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أَيْ جَعْلُ ظَهْرِهِ بَطْنًا وَبَطْنِهِ ظَهْرًا مِثْلُ قَلْبِ الْجِرَابِ، وَذَلِكَ أَيْ الْقَلْبُ الْمَأْخُوذُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ شَاهِدًا أَيْ حُجَّةً عَلَيْك فَقَلَبْته فَجَعَلْته شَاهِدًا لَك فَنَقَضَ أَيْ أَبْطَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ صَاحِبَهُ لِمَا نُبَيِّنُ فَصَارَتْ أَيْ صَارَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ، وَالتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ مُعَارَضَةً؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ وَمَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ حَدِّ الْمُعَارَضَةِ فِيهِ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ إبْطَالٌ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ الَّذِي يَشْهَدُ بِثُبُوتِهِ مِنْ وَجْهٍ وَبِانْتِفَائِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَكُونُ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الَّذِي يَشْهَدُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ بِقِيَاسٍ آخَرَ حَيْثُ لَا تَكُونُ مُنَاقَضَةً؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّعَارُضَ يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ فَيَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ لِلِاشْتِبَاهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ رُجْحَانٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا أَيْ إبْطَالًا لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْقَلْبِ لَا يَكُونُ أَيْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ.
فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ الزَّائِدِ تَقْرِيرٌ لِلْوَصْفِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْقَلْبُ يَكُونُ بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ وَصْفٌ آخَرُ لَمْ يَبْقَ بِعَيْنِهِ عِلَّةً فَيَكُونُ هَذَا تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ مُعَارَضَةً مَحْضَةً غَيْرَ مُتَضَمَّنَةٍ لِمَعْنَى الْإِبْطَالِ فَقَالَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفْسِيرٌ لِلْوَصْفِ الْأَوَّلِ، وَتَقْرِيرٌ لَهُ لَا تَغْيِيرٌ فَلَا تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ قَالَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ هَذَا صَوْمُ فَرْضٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِعَدَمِ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامَاتِ مَشْرُوعًا مَعَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَلْبِيسًا عَلَيْنَا فَنَحْنُ فَسَّرْنَا الصَّوْمَ الْمَذْكُورَ تَفْسِيرًا تَرَكَهُ الْخَصْمُ وَبَيَّنَّا مَحَلَّ النِّزَاعِ فَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الصَّوْمِ مِنْ الْقَضَاءِ مَا بَعْدَ الشُّرُوعِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ، وَلَمْ يُفَسِّرْ أَنَّهُ إكْمَالٌ بِأَمْثَالِ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَنَحْنُ بَيَّنَّا ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَغْيِيرًا بَلْ كَانَ قَلْبًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ فَبَطَلَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا تَعَارَضَا سَقَطَ كَلَامُ الْمُجِيبِ لَكِنَّهُ أَيْ الْقَضَاءَ تَعَيَّنَ بِالشُّرُوعِ وَهَذَا أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ تَعَيَّنَ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَبِهَذَا الْقَدْرِ لَا تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ فِي كُتُبِهِمْ، وَفَسَّرُوا الْقَلْبَ بِأَنَّهُ تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِيَاسٍ بِالرَّدِّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ، وَأَرَادُوا بِالنَّقِيضِ مَا يُنَافِي الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَلَا يُجْمَعُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا
стр. 1177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
اشْتَرَطَ الرَّدَّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ فَحُكْمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ إنْ وُجِدَ فِي هَذَا الْأَصْلِ كَانَ الرَّدُّ إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ وُجُودِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِيهِ وَيُمْكِنُهُ مَنْعُ وُجُودِهَا فِي أَصْلٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ نَقْضًا عَلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ.
ثُمَّ قَسَّمُوهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا لَهُ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِي غَيْرِ النُّصُوصِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَدَلَّ مَنْ وَرَّثَ الْخَالَ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ الْجَرْعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ. وَالثَّانِي ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ الْقَالِبُ فِي الْقَلْبِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ، وَثَانِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ صَرِيحًا.
وَثَالِثُهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ بِأَنْ يُرَتِّبَ عَلَى الدَّلِيلِ حُكْمًا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ: لُبْثٌ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ عِبَادَةٍ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: لُبْثٌ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ الصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ أَشَارَ بِعِلَّتِهِ إلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَالْمُعْتَرِضُ أَشَارَ إلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهِ صَرِيحًا.
وَقَدْ يَتَّفِقُ تَعَرُّضُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ اعْتِرَاضًا طَهَارَةٌ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَتَصِحُّ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا. وَمِثَالُ الثَّانِي مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبْعِ كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي دَلِيلِهِ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ صَرِيحًا وَلَيْسَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ مَذْهَبِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَصْحِيحُ الْآخَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀، وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَائِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَائِلَيْنِ، وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعًا عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ ثَالِثٍ.
وَمِثَالُ الثَّالِثِ: مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُعَوَّضِ كَالنِّكَاحِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ عَقْدُهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ فَالْمُعْتَرِضُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا بَلْ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ انْتِفَاءُ الصِّحَّةِ.
قُلْت هَذِهِ أَقْيِسَةٌ لَيْسَتْ بِمُنَاسِبَةٍ فَضْلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً بَلْ بَعْضُهَا طَرْدِيَّةٌ وَبَعْضُهَا شَبَهِيَّةٌ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الشَّارِطُونَ لِلتَّأْثِيرِ الْمُعْتَرِضُونَ مِنْ الطَّرْدِ وَالشَّبَهِ كَيْفَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ، وَكَيْفَ يُعَلِّلُونَ بِهَا، وَالِالْتِفَاتُ إلَى مِثْلِهَا لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِمْ وَهَجِيرِهِمْ لَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ وَضَعُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَنَسَبُوهَا إلَى أَصْحَابِنَا، وَأَوْرَدُوهَا
стр. 1178
وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَكِنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ أُلْحِقَ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ وَأَصْلُهُ رَدُّ الشَّيْءِ عَلَى سَنَنِهِ الْأَوَّلِ مِثْلُ عَكْسِ الْمِرْآةِ إذَا رَدَّ نُورَ الْبَصَرِ بِنُورِهِ حَتَّى انْعَكَسَ فَأَبْصَرَ نَفْسَهُ كَأَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الْمِرْآةِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا مَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ، وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ، وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ــ
[كشف الأسرار]
أَمْثِلَةً فِي كُتُبِهِمْ لِيَتَّضِحَ فَهْمُ أَقْسَامِ الْقَلْبِ الَّتِي ذَكَرُوهَا ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ الْقَلْبَ عَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا نَوْعُ مُعَارَضَةٍ لَكِنَّهَا تُفَارِقُ مُطْلَقَ الْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهَا نَشَأَتْ مِنْ نَفْسِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَبِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِلَّةِ لِوُجُوبِ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِيهَا، وَبِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ فِيهَا مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَالِبِ، وَفَرْعَهُ هُوَ أَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ.
وَفَرْعُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلِهَذَا كَانَ الْقَلْبُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ مُطْلَقِ الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ أَقْوَى فِي النَّاقِصَةِ مِمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لِلْمُسْتَدِلِّ مِنْ تَرْجِيحِ أَصْلِهِ وَجَامِعِهِ عَلَى أَصْلِ الْقَالِبِ وَجَامِعِهِ لِلِاتِّحَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْقَلْبَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْقَلْبِ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ وَلِلْأَصْلِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لِنَقِيضِهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِأَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَلَا إثْبَاتُهُ بِعِلَّتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَاسْتِحَالَةِ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ لِتَعَذُّرِ مُنَاسَبَتِهَا إيَّاهُمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَقْضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قَادِحًا فِي الدَّلِيلِ إذَا كَانَ مَا تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ مِنْ لَوَازِمِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَمْثِلَةِ. وَعَنْ الثَّانِي إنَّ شَرْطَ الْقَلْبِ اشْتِمَالُ الْأَصْلِ عَلَى حُكْمَيْنِ غَيْرِهِ مُتَنَافِيَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا قَدْ امْتَنَعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي النَّوْعِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ وَنَقِيضِهِ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِحُّ حُصُولُهُمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا فِي ذَاتَيْهِمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ مُنَاسَبَةً لِحُكْمٍ فِي نَظَرِ الْمُسْتَدِلِّ وَلِنَقِيضِهِ فِي نَظَرِ السَّائِلِ، وَإِذَا انْدَفَعَتْ الِاسْتِحَالَةُ صَحَّ الْقَلْبُ. وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقَلْبَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُعَارَضَةٌ كَانَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَمْنَعَ حُكْمَ الْقَالِبِ فِي الْأَصْلِ، وَأَنْ يَقْدَحَ فِي تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ بِالنَّقْضِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَأَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِهِ إذَا أَمْكَنَهُ بَيَانُ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَلْبِ لَا يُنَافِي حُكْمَهُ وَأَنْ يَقْلِبَ قَلْبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَلْبُ الْقَلْبِ مُنَاقِضًا لِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْقَالِبِ إذَا أَفْسَدَ بِالْقَلْبِ الثَّانِيَ سَلِمَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مِنْ الْقَلْبِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْقَلْبُ وَالنَّقْضُ عَلَى الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْسَادِ لِكَلَامِ الْخَصْمِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ، وَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْقَلْبَ لَا يَخْرُجُ فِي دَلَالَةِ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ) أَيْ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ لِلدَّفْعِ وَالْعَكْسَ لِلتَّصْحِيحِ فَلَا يَكُونَ الْعَكْسُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُذْكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ. لَكِنَّهُ أَيْ الْعَكْسَ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْقَلْبَ لِلْإِبْطَالِ وَالْعَكْسَ لِلتَّصْحِيحِ أُلْحِقَ الْعَكْسُ بِالْقَلْبِ أَيْ بَيَانُ الْعَكْسِ بِبَيَانِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مُقَابِلِ الشَّيْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ لَا يُقَالُ لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَكْسِ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ نَفْيُهُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّ نَفْيَهُ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْفَسَادِ إذْ الْفَاسِدُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ فَسَادِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ
стр. 1179
وَالنَّوْعُ الثَّانِي إنْ رُدَّ عَلَى خِلَافِ سَنَنِهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا يَمْضِي فِي فَسَادِهَا فَلَا تُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَيُقَالُ لَهُمْ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ لَا يَصِحُّ مِنْ السَّائِلِ إلَّا بِطَرِيقِ الِابْتِدَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْمُفَسَّرَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ، وَالِاسْتِوَاءُ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى سُقُوطٌ مِنْ وَجْهٍ وَثُبُوتٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى التَّضَادِّ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْعَكْسُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ قَلْبٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ لَمَّا تَشَابَهَ الْعَكْسُ مِنْ وَجْهٍ أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ.
وَأَصْلُهُ أَيْ أَصْلُ الْعَكْسِ لُغَةً رَدُّ الشَّيْءِ عَلَى سُنَنِهِ أَيْ رَجَعَهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى طَرِيقِهِ الْأَوَّلِ مِثْلُ عَكْسِ الْمِرْآةِ إذَا رَدَّتْ الْمِرْآةُ نُورَ بَصَرِ النَّاظِرِ بِنُورِهَا حَتَّى انْعَكَسَ نُورُ الْبَصَرِ فَأَبْصَرَ النَّاظِرُ بِانْعِكَاسِ نُورِ بَصَرِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْسَهُ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الْمِرْآةِ قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا قَوْلُ ثُمَامَةَ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ: إنَّ الِانْعِكَاسَ لَا يَسْتَقِيمُ بَلْ يَرَى مَا يَرَى بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ ﷻ يُحْدِثُ صُوَرَ الْأَشْيَاءِ فِيهَا عِنْدَ مُقَابَلَةٍ مَخْصُوصَةٍ إذَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا جِسْمٌ شَفَّافٌ كَمَا يُحْدِثُ الرُّوحَ فِي الْبَدَنِ عِنْدَ اسْتِعْدَادِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِلْقَبُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِانْعِكَاسِ إنَّ صُوَرَ الْأَشْيَاءِ تَحْدُثُ فِيهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَاظِرٌ وَنَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَعْمَى إذَا قَابَلَ الْمِرْآةَ بِوَجْهِهِ يُحْدِثُ صُورَتَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَصَرِهِ نُورٌ يَنْعَكِسُ.
وَكَذَا لَوْ نَظَرَ مَنْ انْطَبَعَ صُورَتُهُ فِي الْمِرْآةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ خَارِجَ الْمِرْآةِ لَا تَزُولُ صُورَتُهُ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الِانْعِكَاسِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْقِيَ الصُّورَةَ فِيهَا بَعْدَمَا صَرَفَ طَرْفَهُ عَنْ الْمِرْآةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالِانْعِكَاسِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْهُ التَّمْثِيلُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ إبْصَارَ الصُّوَرِ فِي الْمِرْآةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَذَكَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ تَقْرِيبًا إلَى الْفَهْمِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ أَنَّ الْعَكْسَ فِي اللُّغَةِ هُوَ رَدُّ أَوَّلِ الشَّيْءِ إلَى آخِرِهِ وَآخِرِهِ إلَى أَوَّلِهِ، وَأَصْلُهُ شَدُّ رَأْسِ الْبَعِيرِ بِخِطَامِهِ إلَى ذِرَاعِهِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ هُوَ انْتِقَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَقِيلَ هُوَ تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِنَقِيضِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَرَدُّهُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ وَذَلِكَ أَيْ الْعَكْسُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ فَلَزِمَ مَا يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ وَيَلْتَزِمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ يَعْنِي عَكْسَهُ أَنَّ مَا لَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ لَا يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَعَكَسْت الْحُكْمَ بِقَلْبِ الْوَصْفِ الَّذِي جَعَلْته عِلَّةً فِي الطَّرْدِ.
وَهَذَا أَيْ الْعَكْسُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ كَقَوْلِنَا فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، وَعَكْسُهُ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ فَإِنَّهُ لَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا مِمَّا لَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ يَعْنِي هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَكْسِ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْعِلَلِ أَصْلًا بَلْ هُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ عَلَى الَّتِي تَطَّرِدُ، وَلَا تَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ الِانْعِكَاسَ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ تَعَلُّقٍ لِلْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وَيُوجِبُ زِيَادَةَ قُوَّةٍ فِي ظَنِّ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً.
وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ عَلَى خِلَافِ سُنَنِهِ أَيْ يَرِدُ الْحُكْمُ إلَى خِلَافِهِ لَا عَلَى سُنَنِهِ بَلْ سُنَنٍ غَيْرِ سُنَنِهِ كَذَا لَفْظُ التَّقْوِيمِ وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي تَعْرِيفِ الْعَكْسِ بَلْ هُوَ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الْعَكْسِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُشْبِهُ الْعَكْسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَدٌّ لِلْحُكْمِ الَّذِي اطَّرَدَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ سُنَنِهِ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ هَذَا أَيْ الصَّوْمُ النَّفَلُ عِبَادَةٌ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا يَعْنِي إذَا فَسَدَتْ لَا يَجِبُ، وَلَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا وَالْمُضِيُّ فِيهَا، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ وَجَبَ بِالشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُضِيَّ يَجِبُ فِيهِ بَعْدَ الْفَسَادِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ بِالشُّرُوعِ
стр. 1180
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الْخَالِصَةُ فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْفَرْعِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ
ــ
[كشف الأسرار]
لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ لَمَّا كَانَ الشَّأْنُ كَمَا قُلْنَا إنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهَا أَوْ لَمَّا كَانَ صَوْمُ النَّفْلِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ أَيْ فِي الصَّوْمِ النَّفَلُ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ كَمَا اسْتَوَى عَمَلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ يَعْنِي اسْتَوَى عَمَلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي التَّنَازُعِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ أَيْضًا فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَهَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ ضَعِيفٌ أَيْ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَلْبِ، وَيُسَمَّى هَذَا قَلْبَ التَّسْوِيَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ صَحَّحَ الْقَلْبَ إلَى قَبُولِ هَذَا النَّوْعِ لِوُجُودِ حَدِّ الْقَلْبِ فِيهِ إذْ السَّائِلُ قَدْ جَعَلَ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ بَعْدَمَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمُخَالَفَةِ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ لَوْ ثَبَتَ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الشُّرُوعِ مُلْزِمًا كَالنَّذْرِ، وَهُوَ خِلَافُ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْكِتَابِ أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ لِيَكُونَ إثْبَاتُهَا مُنَاقِضًا لِمُدَّعَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ صِحَّةِ الْقَلْبِ فَلَمْ يَكُنْ دَفْعًا لِدَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ يَقُولُونَ لَيْسَ تَنَاقُضُ الْحُكْمَيْنِ ذَاتًا شَرْطًا لِصِحَّةِ الْقَلْبِ بَلْ انْتِفَاءُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ كَافٍ لِصِحَّتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِوَاءِ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفَاءِ مُدَّعَى الْمُسْتَدِلِّ، وَفِي بَيَانِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ دُفِعَ هَذَا السُّؤَالُ، وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِانْتِفَاءِ الْمُنَاقَضَةِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ مُعَارَضَةً صُورَةً، وَإِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَلِهَذَا كَانَ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً.
وَالثَّانِي أَنَّ السَّائِلَ جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ إذْ الِاسْتِوَاءُ يَحْتَمِلُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْإِلْزَامِ الْمُسَاوَاةَ فِي السُّقُوطِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْبَيَانُ إلَّا بِكَلَامٍ مُبْتَدَأٍ بِأَنْ يُثْبِتَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ فِي الْإِلْزَامِ وَلَيْسَ إلَى السَّائِلِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ مُجْمَلٌ لِمَا قُلْنَا وَالْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُفَسِّرٌ وَالْمُجْمَلُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمُفَسَّرِ لِثُبُوتِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمُجْمَلِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ الْمُفَسَّرِ. وَالرَّابِعُ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ فَإِنَّ مَا لَا مَعْنَى لَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَالسَّائِلُ، وَإِنْ عَلَّقَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ حُكْمَ الِاسْتِوَاءِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ شَيْءٌ آخَرُ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فَإِنَّ اسْتِوَاءَ النَّذْرِ وَالشُّرُوعَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِلْزَامِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلنَّذْرِ، وَلَا لِلشُّرُوعِ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْإِجْمَاعِ وَاسْتِوَاؤُهَا فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الصَّوْمُ النَّفَلُ بِاعْتِبَارِ الْإِلْزَامِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُبُوتٌ مِنْ وَجْهٍ سُقُوطٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ عَلَى وَجْهِ التَّضَادِّ أَيْ التَّنَافِي وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إبَانَةٌ مِثْلُ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَدَّى مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ حُكْمٌ لَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحِلِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّعْلِيلُ إذَا كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الْخَافِضَةُ) أَيْ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي خَلَصَتْ عَنْ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَالْإِبْطَالِ فَثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ، خَمْسَةٌ مِنْهَا تَتَحَقَّقُ فِي الْفَرْعِ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ اثْنَانِ مِنْ الْخَمْسَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْفَرْعِ
стр. 1181
أَمَّا الَّتِي فِي الْفَرْعِ فَأَصَحُّ وُجُوهِهَا الْمُعَارَضَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَقَعُ بِذَلِكَ مَحْضُ الْمُقَابَلَةِ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ وَيَنْسَدُّ الطَّرِيقُ إلَّا بِتَرْجِيحٍ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ إنَّ الْمَسْحَ رُكْنٌ فِي وُضُوءٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغَسْلِ فَيُقَالُ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ.
وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ بِزِيَادَةٍ هِيَ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ فَمِثْلُ قَوْلِنَا إنَّ الْمَسْحَ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ كَالْغَسْلِ، وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَا فِيهِ نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ أَوْ إثْبَاتٌ لِمَا نَفَاهُ لَكِنْ بِضَرْبِ تَغْيِيرٍ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الثَّيِّبِ الْيَتِيمَةِ إنَّهَا صَغِيرَةٌ فَتُنْكَحُ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ أَيْ فَقَالُوا هِيَ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةٍ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ لَا لِتَعْيِينِ الْوَلِيِّ إلَّا أَنَّ تَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نَفْيًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأُخُوَّةِ إذَا بَطَلَتْ بَطَلَ سَائِرُهَا بِنَاءً عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الْعَكْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
ــ
[كشف الأسرار]
صَحِيحَانِ بِلَا شُبْهَةٍ وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِيهَا شُبْهَةُ الصِّحَّةِ، وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْأَصْلِ فَاسِدَةٌ كُلُّهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْفَاسِدَةَ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ لِبَيَانِ جَمِيعِ أَقْسَامِهَا، وَإِحَاطَةِ سَائِرِ أَنْوَاعِهَا أَمَّا الَّتِي فِي الْفَرْعِ أَيْ الْمُعَارَضَاتُ الَّتِي فِي الْفَرْعِ فَأَصَحُّ وُجُوهِهَا. الْمُعَارَضَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْ بِمَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْمُسْتَدِلِّ بِأَنْ يَذْكُرَ عِلَّةً أُخْرَى تُوجِبُ خِلَافَ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَتَغْيِيرٍ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِعَيْنِهِ فَيَقَعُ بِذَلِكَ أَيْ بِإِيرَادِ الضِّدِّ مَحْضُ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإِبْطَالِ عِلَّةِ الْخَصْمِ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِمَا بِمُدَافَعَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا يُقَابِلُهَا وَيَفْسُدُ طَرِيقُ الْعَمَلِ إلَّا بِتَرَجُّحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَإِذَا تَرَجَّحَتْ إحْدَاهُمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحَةِ حِينَئِذٍ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ الْمُعَارِضَةُ تَجِيءُ عَلَى كُلِّ عِلَّةٍ يَذْكُرُهَا الْمُعَلِّلُ. مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ يَتَحَقَّقُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغَسْلِ فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ صَحِيحَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَتَغْيِيرٍ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ كَالْغَسْلِ مُعَارَضَةٌ بِتَغْيِيرٍ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا حَتَّى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ فِيهَا كَمَا فِي الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى وَلَكِنَّهَا دُونَ الْأُولَى فَإِنَّ الْأُولَى تَصِحُّ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَهَذِهِ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا كَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ أَقْوَى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الدَّفْعِ، وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ لِتَضَمُّنِهِ إبْطَالَ عِلَّةِ الْخَصْمِ ثُمَّ إيرَادُ الشَّيْخِ ﵀ هَذَا النَّوْعَ هَاهُنَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ الْخَالِصَةِ عَنْ تَضَمُّنِ مَعْنَى الْإِبْطَالِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ خَالِصَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ إيرَادُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُعَارَضَةٌ ذَاتًا، وَمُنَاقَضَةٌ ضِمْنًا فَيَصِحُّ إيرَادُهُ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ، وَيَصِحُّ إيرَادُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْقَلْبِ فَالسَّائِلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ يَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِنْ شَاءَ يَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَلْبِ لَا يَدْفَعَانِ هَذَا الْإِشْكَالَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ قَيَّدَ الْمُعَارَضَةَ بِالْخَالِصَةِ وَبِإِيرَادِ هَذَا النَّوْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَحْدُثُ الْخُلُوصُ فِيهِ.
وَكَذَا بِإِيرَادِ السَّائِلِ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَصِيرُ مُعَارِضَةً خَالِصَةً فَلَا يَسْتَقِيمُ إيرَادُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ بِوَجْهٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَقْسَامَ الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ عَلَى وَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُمَا ذَكَرَا الْقَلْبَ وَالْعَكْسَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، وَذَكَرَا أَقْسَامَ الْمُعَارَضَةِ فِي فَصْلٍ آخَرَ، وَلَمْ يُقَيِّدَا الْمُعَارَضَةَ بِالْخُلُوصِ فَاسْتَقَامَ إيرَادُ هَذَا الْقِسْمِ مِنْهُمَا فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ كَمَا اسْتَقَامَ إيرَادُهُ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ وَلَكِنَّ الشَّيْخُ لَمَّا تَصَرَّفَ وَجَعَلَ الْكُلَّ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ قَسَّمَ الْمُعَارَضَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ خَالِصَةٍ وَغَيْرِهَا اشْتَبَهَ إيرَادُهُ فِي الْقِسْمَيْنِ لِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَ هَذَا النَّوْعِ مُعَارَضَةً خَالِصَةً وَغَيْرَ خَالِصَةٍ، وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَ التَّقَصِّي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّالِثُ) أَيْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ فِي الْفَرْعِ فَمَا فِيهِ
стр. 1182
فَفِيهِ صِحَّةٌ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا الْكَافِرُ يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فَيَمْلِكُ شِرَاءَهُ كَالْمُسْلِمِ فَقَالُوا بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ ابْتِدَاؤُهُ وَقَرَارُهُ كَالْمُسْلِمِ.
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ فَالْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ أَوْ إثْبَاتٌ لِمَا نَفَاهُ، وَلَكِنْ بِضَرْبِ تَغَيُّرٍ فِيهِ إخْلَالٌ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنَّ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهَا أَيْ الْيَتِيمَةَ صَغِيرَةٌ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ فَقَالُوا أَيْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا تَغْيِيرُ الْأَوَّلِ أَيْ تَعْيِينُ الْأَخِ زِيَادَةٌ تُوجِبُ تَغْيِيرًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ وَقَعَ لِإِثْبَاتِ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ عَلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا لِتَعْيِينِ الْوَلِيِّ الزَّوْجِ لَهَا وَالْخَصْمُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ عَلَّلَ لِنَفْيِ الْوِلَايَةِ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ الْأَخُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُكْمُ عَيْنَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ دَفْعًا إلَّا أَنَّ أَيْ لَكِنْ تَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ التَّعْلِيلُ لِنَفْيِ وِلَايَةِ الْأَخِ فِي التَّزْوِيجِ نَفْيُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ إثْبَاتُ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ أَقْرَبُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ، وَالْأَخُ هُوَ الْأَصْلُ بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِسَائِرِ الْأَقَارِبِ تَثْبُتُ بَعْدَ وِلَايَةِ الْأَخِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْأَخِ بَعْدَ وِلَايَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلَمَّا انْتَفَى بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وِلَايَةُ الْأَخِ الَّذِي هُوَ الْأَقْرَبُ وَالْأَصْلُ؛ فَلَأَنْ تَنْتَفِيَ وِلَايَةُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ الَّتِي هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْأَخِ كَانَ الْأَخُ أَوْلَى، أَوْ يُقَالُ وِلَايَةُ الْأَخِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهَا بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَوِلَايَةُ مَنْ سِوَى الْأَخِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهَا بِالْأَخِ فَيَكُونُ كُلُّ الْوِلَايَاتِ مُنْتَفِيَةٌ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَظْهَرُ مَعْنَى الصِّحَّةِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا.
قَوْلُهُ: (فَفِيهِ صِحَّةٌ مِنْ وَجْهٍ) يَعْنِي إيرَادَهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بَعْدَمَا بَيَّنَّا فِيهِ مَا يُوجِبُ فَسَادَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ صِحَّةً مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ السَّائِلُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ خِلَافُ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا وَقَصْدًا لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِيهِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ مَا ادَّعَاهُ السَّائِلُ مِنْ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ يَظْهَرُ فِيهَا جِهَةُ الصِّحَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ جِهَةُ الصِّحَّةِ قُلْنَا كَذَا فَقَالُوا كَذَا.
الْكَافِرُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ فَعَلَّلَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مَالٌ يَمْلِكُ الْكَافِرُ بَيْعَهُ فَيَمْلِكُ شِرَاءَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَعَارَضُوهُ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا مَلَكَ بَيْعَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ ابْتِدَاؤُهُ أَيْ ابْتِدَاءُ الْمِلْكِ.
وَقَوْلُهُ كَالْمُسْلِمِ وَفِي التَّقْوِيمِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الشِّرَاءِ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ ثُمَّ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِقَرَارِ مِلْكِ الْكَافِرِ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحَلًّا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِ ابْتِدَاءً فَفِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ إثْبَاتُ مَا لَمْ يَنْفِهِ الْمُسْتَدِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْقَرَارِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً إلَّا أَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ اسْتِوَاءُ الْبَقَاءِ وَالِابْتِدَاءِ ظَهَرَتْ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً فَيَتَّصِلُ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ الِاتِّصَالُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِإِثْبَاتِ
стр. 1183
وَأَمَّا الْخَامِسُ فَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ لَكِنْ فِيهِ نَفْيٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الَّتِي نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا فَنَكَحَتْ وَوَلَدَتْ ثُمَّ جَاءَ الْأَوَّلُ حَيًّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَإِنْ عَارَضَهُ الْخَصْمُ بِأَنَّ الثَّانِيَ صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ فَيُسْتَوْجَبُ بِهِ نَسَبُ الْوَلَدِ كَرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ فَوَلَدَتْ فَهَذِهِ الْمُعَارَضَةُ فِي الظَّاهِرِ فَاسِدَةٌ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّ النَّسَبَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ إثْبَاتُهُ مِنْ زَيْدٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مِنْ عَمْرٍو صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ بِمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ فَاحْتَاجَ الْخَصْمُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَنَّ فِرَاشَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ ثُمَّ عَارَضَهُ الْخَصْمُ بِأَنَّ الثَّانِيَ شَاهِدٌ وَالْمَاءُ مَاؤُهُ فَتَبَيَّنَ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْمِلْكَ أَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْحَضْرَةِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ شُبْهَةٌ فَلَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ فَيَفْسُدُ التَّرْجِيحُ.
ــ
[كشف الأسرار]
التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ، وَلَيْسَ إلَى السَّائِلِ الْبِنَاءُ تَرَجَّحَتْ جِهَةُ الْفَسَادِ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَلَا تَصْلُحُ لِدَفْعِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّقْوِيمِ وَفِي إيرَادِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ مِنْ السُّؤَالِ مَا فِي إيرَادِ النَّوْعِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ جِهَةَ صِحَّةِ الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ أَيْضًا فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً لَا يَكُونُ خَالِصَةً.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْخَامِسُ فَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي يَأْتِي السَّائِلُ بِحُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمًا آخَرَ، وَإِلَّا يُخَالِفُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ صُورَةً لَكِنْ فِيهِ أَيْ فِيمَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ الْحُكْمِ نَفْيٌ مِنْ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَمَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِلَفْظِهِ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إنَّ الثَّانِيَ يَسْتَوْجِبُ نَسَبَ الْوَلَدِ يُعَارِضُ عَدَمَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلثَّانِي، وَلَا يُعَارِضُ ثُبُوتَ النَّسَبِ لِلْأَوَّلِ صُورَةً إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ إنَّ مَحَلَّ حُكْمَيْ الْمُسْتَدِلِّ وَالسَّائِلِ مُخْتَلِفٌ فِي هَذَا النَّوْعِ.
وَفِيمَا تَقَدَّمَ كَانَ الْمَحَلُّ وَاحِدًا مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ مِثْلَ مُعَارَضَةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا أَيْ أُخْبِرَتْ بِمَوْتِهِ مِنْ نَعَى النَّاعِي الْمَيِّتَ نَعْيًا إذَا أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ، وَهُوَ مَنْعِيٌّ فَاعْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ حَضَرَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ لِقِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بِصِفَةِ الصِّحَّةِ فَكَانَ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ كَمَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَجَاءَتْ بِالْأَوْلَادِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ بِأَنَّ الثَّانِيَ صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ إلَى آخِرِهِ فَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ فِي الظَّاهِرِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ يَعْنِي مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يَتَوَارَدُ عَلَيْهِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُجَّةً لِلْمُدَافَعَةِ وَالْمُدَافَعَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِيمَا قُلْنَا، وَهَاهُنَا الْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَّلَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالسَّائِلُ عَلَّلَ لِإِثْبَاتِهِ مِنْ الثَّانِي، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّلَ لِنَفْيِهِ عَنْ الْأَوَّلِ لِيَتَوَارَدَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فَفَسَدَتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ فَقِيلَ هُوَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَالسَّائِلُ أَثْبَتَ النَّسَبَ لِلثَّانِي فَكَانَ مَحَلُّ الْحُكْمِ مُخْتَلِفًا فَفَسَدَتْ الْمُعَارَضَةُ لِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ إذْ مِنْ شَرْطِهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنَّ فِيهَا صِحَّةً مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّسَبَ مَتَى ثَبَتَ مِنْ عَمْرٍو مَثَلًا وَهُوَ الثَّانِي لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ زَيْدٍ، وَهُوَ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ثُبُوتِهِ مِنْ شَخْصَيْنِ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ نَفْيَ النَّسَبِ عَنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ وُجِدَ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ فِي حَقِّ الثَّانِي، وَهُوَ الْفِرَاشُ الْفَاسِدُ فَصَحَّتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ: إنَّ فِيهَا شُبْهَةَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَوْ ثَبَتَ مِنْ الْحَاضِرِ انْتَفَى مِنْ الْغَائِبِ لَكِنْ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُجِيبُ لَا يَنْتَفِي إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ السَّائِلِ الْحُكْمَ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَلَيْسَ إلَيْهِ إثْبَاتُهُ، وَإِنَّمَا إلَيْهِ الْإِبْطَالُ بِالْمُدَافَعَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَتَكُونُ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً فَاحْتَاجَ الْخَصْمُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَلَمَّا صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ احْتَاجَ الْخَصْمُ، وَهُوَ الْمُجِيبُ إلَى تَرْجِيحِ مَا ادَّعَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنْ يَقُولَ فِرَاشُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَالْمِلْكُ قَائِمٌ حَقِيقَةً، وَفِرَاشُ الزَّوْجِ الثَّانِي فَاسِدٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَحَقَّ بِالِاعْتِبَارِ.
كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ، وَاحِدُ الْفِرَاشَيْنِ صَحِيحٌ وَالْآخَرُ فَاسِدٌ، ثُمَّ عَارَضَهُ الْخَصْمُ، وَهُوَ السَّائِلُ بِأَنَّ الثَّانِيَ شَاهِدٌ أَيْ حَاضِرٌ
стр. 1184
وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ فَثَلَاثَةٌ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَدَّى إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي الْعِلَّةَ الْأُولَى، وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى مَعْنًى مُخْتَلَفٍ فِيهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمَاءُ مَاؤُهُ، وَقَدْ وُجِدَ مَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، وَهُوَ الْفِرَاشُ الْفَاسِدُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَيْ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ فِرَاشِ الْأَوَّلِ، وَقِيَامَ مِلْكِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ أَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ حَضْرَةِ الثَّانِي، وَكَوْنُهُ صَاحِبُ الْمَاءِ مَعَ فَسَادِ فِرَاشِهِ وَانْتِفَاءِ مِلْكِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ يُوجِبُ الشُّبْهَةَ، وَالصَّحِيحُ يُوجِبُ الْحَقِيقَةَ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الشُّبْهَةِ كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ الَّذِي لِلْغَائِبِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ النَّسَبِ لِلْأَوَّلِ، وَالْفِرَاشُ الْفَاسِدُ مَعَ قَرَائِنِهِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ مَثَلًا لِلصَّحِيحِ فَلَا يُنْسَخُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ وَبَعْدَمَا صَارَ النَّسَبُ مُسْتَحَقًّا لِزَيْدٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ لِعَمْرٍو بِوَجْهٍ مَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ) أَيْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَذْكُرَ السَّائِلُ عِلَّةً أُخْرَى فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ تُفْقَدُ هِيَ فِي الْفَرْعِ، وَيُسْنَدُ الْحُكْمُ إلَيْهَا مُعَارِضًا لِلْمُجِيبِ فِي عِلَّتِهِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يَدَّعِيهِ السَّائِلُ مُتَعَدِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ لَا يُنَافِي الْوَصْفَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُجِيبُ إذْ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ.
كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي دَنٍّ قَطْرَةُ بَوْلٍ وَدَمٍ وَخَمْرٍ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ حَتَّى لَوْ تَوَهَّمْنَا زَوَالَ الْبَعْضِ يَبْقَى الْبَاقِي مُنَجَّسًا ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى بَيَانِ فَسَادِ أَنْوَاعِهَا مُفَصَّلَةً فَقَالَ: وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ فَثَلَاثَةٌ أَيْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى أَيْ بِذِكْرِ السَّائِلِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ لَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ كَمَا إذَا عَلَّلَ الْمُجِيبُ فِي بَيْعِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ بِأَنَّهُ مَوْزُونٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُعَارِضُهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الثَّمِينَةُ دُونَ الْوَزْنِ، وَأَنَّهَا عُدِمَتْ فِي الْفَرْعِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْحُرْمَةُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بَاطِلٌ إذْ التَّعْلِيلُ بِمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى بَاطِلٌ؛ لِعَدَمِ حُكْمِهِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ التَّعْلِيلِ لَيْسَ إلَّا التَّعْدِيَةَ فَإِذَا خَلَا تَعْلِيلٌ عَنْ التَّعْدِيَةِ بَطَلَ الْخَلْوَةُ عَنْ الْفَائِدَةِ إذْ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ دُونَ الْعِلَّةِ وَلَا فَرْعَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْعِلَّةِ، وَإِذَا بَطَلَ التَّعْلِيلُ بَطَلَتْ الْمُعَارَضَةُ بِهِ.
وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً يَعْنِي لَوْ عَارَضَ السَّائِلُ بِمَعْنًى يُفِيدُ تَعْدِيَةً كَانَتْ الْمُعَارَضَةُ فَاسِدَةً أَيْضًا سَوَاءٌ تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَنْعَدِمُ تِلْكَ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ، وَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ حُجَّةٍ أُخْرَى فَكَيْفَ يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ حُجَّةٍ.
مِثَالُ التَّعْدِيَةِ إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَا إذَا عَلَّلَ الْمُجِيبُ فِي حُرْمَةِ بَيْعِ الْجِصِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا بِأَنَّهُ مَكِيلٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَيُعَارِضُهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّهُ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، وَقَدْ فُقِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَنَحْوُهُمَا إذْ لَا يُنَاقِشُ الْمُجِيبُ السَّائِلَ فِيهَا لَكِنْ الْمُعَارَضَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا تُفِيدُ لِلسَّائِلِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْجِصِّ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ عَدَمَ
стр. 1185
وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ حَسَنَةً لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُهُمَا فَصَارَتَا مُتَدَافِعَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ الْأُخْرَى إبْطَالًا مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا.
وَمِثَالُ مَا إذَا تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَا إذَا عَارَضَ السَّائِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّهُ الطَّعْمُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ فَهَذَا الْمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ الْفَوَاكِهُ، وَمَا دُونَ الْكَيْلِ وَأَقْوَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فَسَادُ مَا سِوَاهُ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ ثُمَّ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِفَسَادِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَاللَّامِ الْأُولَى وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَعْنَى فَصَارَ التَّقْدِيرُ الْمُعَارَضَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَعَدَّى بَاطِلَةً لِكَذَا وَلِفَسَادِ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَعَدَّى لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَدَّى لَا يُفِيدُ تَعْدِيَةً بِوَجْهٍ إذْ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً لَمْ يَبْقَ غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِهَذَا التَّرْتِيبِ الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى، وَمُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مَجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمُعَارَضَةٌ بِمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُكْمِ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ إنْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي عَارَضَ بِهِ السَّائِلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَوَاضِعِ النِّزَاعِ إلَّا أَنَّ نَظَرَ الْمَشَايِخِ لَمَّا كَانَ إلَى تَصْحِيحِ الْمَعْنَى لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى رِعَايَةِ اللَّفْظِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ لَفْظَ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَلَفْظَ الْفَسَادِ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَدَمُ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ وَعَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ) أَيْ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ حَسَنَةً كَذَا فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ فَيَكُونُ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى فَاسِدَةً بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ ثُمَّ سِيَاقُ كَلَامِ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا إفْسَادَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَقَامَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ ثُمَّ قَالَا وَكَذَلِكَ مَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ فَقَالَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ حَسَنَةٌ وَكَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ لَا كِلَاهُمَا بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَتَا مُتَدَافِعَتَيْنِ أَيْ مُتَنَافِيَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى مِنْ السَّائِلِ إبْطَالًا لِعِلَّةِ الْمُجِيبِ مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ وَالْمُدَافَعَةِ فَتَصِحُّ فَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْهُمْ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ إذْ لَا يُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا لِإِنْكَارِهِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلسَّائِلِ أَيْضًا فَيَثْبُتُ التَّدَافُعُ بِالِاتِّفَاقِ فَيَبْطُلُ الْمَعْنَيَانِ بِالتَّعَارُضِ وَيَبْقَى الْأَصْلُ بِلَا مَعْنَى فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَيُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ وَيَقُولُ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عَلَى أَنَّ الْعَلَّةَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ فَتَكُونُ الْمُعَارَضَةُ فَاسِدَةً بِالِاتِّفَاقِ لِفَوَاتِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ أَصْلًا.
وَبَيَانُ
стр. 1186
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى فَسَادِ أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِ لَا لِصِحَّةِ الْآخَرِ كَالْكَيْلِ وَالطَّعْمِ وَالصَّحِيحُ أَحَدُهُمَا لَا غَيْرُ لَكِنْ الْفَسَادُ لَيْسَ لِصِحَّةِ الْآخَرِ لَكِنْ لِمَعْنًى فِيهِ يُفْسِدُهُ فَإِثْبَاتُ الْفَسَادِ لِصِحَّةِ الْآخَرِ بَاطِلٌ فَبَطَلَتْ الْمُعَارَضَةُ، وَكُلُّ كَلَامٍ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ فِي تَعْلِيلِ الْحِنْطَةِ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لِلتَّعْدِيدِ إلَى الْجِصِّ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ الطَّعْمُ دُونَ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لَا يُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْعِلَّتَيْنِ لِإِنْكَارِهِ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ فِي التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ وَالْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ عِلَّةِ السَّائِلِ فَيَثْبُتُ التَّدَافُعُ فَأَمَّا إذَا عَارَضَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالِاقْتِيَاتِ وَالْإِدْخَارِ أَوْ عَارَضَ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَدِيدِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَنِيَّةُ دُونَ الْوَزْنِيَّةِ فَيُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ قَصْدًا بَلْ الِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ذَاتًا لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى ذَلِكَ جَازَ وَحِينَئِذٍ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا إلَى فُرُوعٍ وَبِالْآخَرِ إلَى فُرُوعٍ أُخَرَ.
وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لِمَعْنًى فِيهَا لَا لِصِحَّةِ الْأُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا، وَأَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحِنْطَةِ الْكَيْلُ أَوْ الطَّعْمُ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَقُولُوا بِفَسَادِ أَحَدِهِمَا لِصِحَّةِ الْآخَرِ، وَلَا بِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا لِفَسَادِ الْآخَرِ بَلْ قَالَ كُلُّ فَرِيقٍ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ عِلَّةً لِمَعْنًى فِيهِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ وَبِفَسَادِ عِلَّةِ صَاحِبِهِ لِمَعْنًى فِيهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ إثْبَاتُ الْفَسَادِ لِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِثُبُوتِ صِحَّةِ الْأُخْرَى بَاطِلًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَعْنًى مُفْسِدٍ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ لِثُبُوتِ الْفَسَادِ فِيهِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَعْنًى مُصَحِّحٍ لِثُبُوتِ الصِّحَّةِ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ لِظُهُورِ فَسَادِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لَا يَثْبُتُ التَّأْثِيرُ فِي الْأُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ كَذَلِكَ عَكْسُهُ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ فَسَادُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ عِنْدَ ثُبُوتِ صِحَّةِ الْأُخْرَى لَزِمَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ أَحَدَيْهِمَا دُونَ صِحَّتِهِمَا. قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ ثَبَتَ صِحَّتُهَا قَطْعًا وَلَكِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بَلْ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْفَاسِدَةُ هِيَ الَّتِي بَيَّنَ صِحَّتَهَا وَالْأُخْرَى هِيَ الصَّحِيحَةُ أَوْ يَقُولُ الْإِجْمَاعُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِدُونِ بَيَانِ الْمُفْسِدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْمُفَارَقَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ ﵀؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ الْفَرْعِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ صَرَّحَ السَّائِلُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِالْفَرْقِ بِأَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْت ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ كَذَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَرْعِ فَهِيَ مُتَفَارِقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْفَرْقِ بَلْ قَصَدَ بِالْمُعَارَضَةِ بَيَانَ عَدَمِ انْتِهَاضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَالَ دَلِيلُك إنَّمَا كَانَ يَنْتَهِضُ عَلَيَّ لَوْ كَانَ مَا ذَكَرْته مُسْتَقِلًّا بِالْعَلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاجِ الْوَصْفِ الَّذِي أَقُولُهُ فِي التَّعْلِيلِ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُفَارَقَةٍ وَلِهَذَا قَبِلُوا هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ رَاجِعٌ إلَى الْمُمَانَعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُفَارَقَةُ هِيَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ فَرْقًا وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مُفَارَقَةً، وَهِيَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُقْبَلُ مِنْ السَّائِلِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ الْفَرْقُ بِمَعْنًى فِقْهِيٍّ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ بَيَّنَ الشَّيْخُ وَجْهَ إيرَادِهِ عَلَى طَرِيقٍ يُقْبَلُ مِنْهُ
стр. 1187
يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْمُفَارَقَةِ فَاذْكُرْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الرَّاهِنِ يُلَاقِي حَقَّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِبْطَالِ، وَكَانَ مَرْدُودًا كَالْبَيْعِ فَقَالُوا لَيْسَ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ نَقُولَ إنَّ الْقِيَاسَ لِتَعَدِّيَةِ حُكْمِ النَّصِّ دُونَ تَغْيِيرِهِ، وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ هُنَا، وَبَيَانُهُ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَقْفُ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ وَأَنْتَ فِي الْفَرْعِ تُبْطِلُ أَصْلًا مَا لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخُ كَذَلِكَ إنْ اعْتَبَرَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ ثَمَّةَ تَوَقُّفُ الْعِتْقِ وَلُزُومُ الْإِعْتَاقِ وَأَنْتَ قَدْ عَدَّيْت الْبُطْلَانَ أَصْلًا فَإِنْ ادَّعَى فِي الْأَصْلِ حُكْمًا غَيْرَ مَا قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ
ــ
[كشف الأسرار]
فَقَالَ: وَكُلُّ كَلَامٍ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي نَفْسِهِ يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْمُفَارَقَةِ أَيْ يَذْكُرُهُ أَهْلُ الطَّرْدِ عَلَى وَجْهِ الْفَرْقِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ فَاذْكُرْهُ أَنْتَ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُفَاقَهَةً صَحِيحَةً عَلَى حَدِّ الْإِنْكَارِ فَيُقْبَلُ مِنْك لَا مَحَالَةَ كَقَوْلِهِمْ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ.
إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا يُؤْمَرُ الْعَبْدُ بِالسِّعَايَةِ فِي أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى عِنْدَ الْيَسَارِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَهُ قَوْلَانِ فِي الْمُوسِرِ فَعَلَّلَ أَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ مِنْ الرَّاهِنِ إلَّا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِبْطَالِ أَيْ يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الرَّهْنِ بِدُونِ رِضَاءٍ بِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ عِنْدَهُ، فَكَانَ مَرْدُودًا كَالْبَيْعِ أَيْ كَمَا إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَقَالُوا أَيْ فَرَّقَ أَهْلُ الطَّرْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْبَيْعِ هُوَ الْأَصْلُ وَبَيْنَ الْإِعْتَاقِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ فَقَالُوا لَيْسَ الْإِعْتَاقُ مِثْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيَظْهَرُ أَثَرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفَاذِ فَيَنْعَقِدُ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ فَسْخِهِ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفَاذِ فَيَنْعَقِدُ لَازِمًا، وَهَذَا فَرْقٌ فِقْهِيٌّ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ فَسَدَ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْفَرْقِ وَهُوَ السَّائِلُ فَلَمْ يُقْبَلْ.
وَالْوَجْهُ فِي إيرَادِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُمَانَعَةِ لِيَقْبَلَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ إنَّ الْقِيَاسَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ أَيْ الْأَصْلِ دُونَ تَغْيِيرِهِ، وَأَنَا لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ بِدُونِ التَّغْيِيرِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ فَوَاتِ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَقَفَ أَيْ تَوَقَّفَ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ فِي ابْتِدَائِهِ وَالْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ عَلَيْهِ مِنْ الرَّاهِنِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ تَرَبَّصَ إلَى أَنْ يَذْهَبَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ تَمَّ الْبَيْعُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَأَنْتَ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ تُبْطِلُ أَصْلًا مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالرَّدَّ أَيْ تُلْغِي مِنْ الْأَصْلِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالرَّدَّ فِي ابْتِدَائِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ رَدَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَرْتَدُّ، وَلَوْ أَرَادَ هُوَ وَالْمَوْلَى أَنْ يَفْسَخَاهُ لَا يَنْفَسِخُ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ مِنْ الْأَصْلِ غَيْرُ الِانْعِقَادِ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ وَأَصْلًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ وَمَا مَفْعُولٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اعْتَبَرَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ أَيْ، وَمِثْلُ اعْتِبَارِ الْخَصْمِ الْإِعْتَاقَ بِالْبَيْعِ اعْتِبَارُهُ إيَّاهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ فِي لُزُومِ تَغْيِيرِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَسَادِ فِي اعْتِبَارِهِ الْإِعْتَاقَ بِالْبَيْعِ أَلْحَقَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ.
وَقَالَ: إنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ الْمُتَعَلِّقَ بِالْعَبْدِ فَلَا يَصِحُّ كَإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ عَبْدَهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي عَبْدِ الْمَرِيضِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَرِيضِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَيَمْتَنِعُ عَلَى الرَّاهِنِ ثُمَّ إنَّ حَقَّهُمْ يَمْنَعُ نُفُوذَ إعْتَاقِ الْمَرِيضِ إذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ فَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَوْلَى فَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ ثَمَّةَ فِي إعْتَاقِ الْمَرِيضِ تَوَقَّفَ الْعِتْقُ إلَى أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكَاتَبِ مَا دَامَ يَسْعَى فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ وَلُزُومُ
стр. 1188
وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٌ فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمِثْلُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَسَبِيلُهُ مَا قُلْنَا أَنْ لَا نُسَلِّمَ قِيَامَ شَرْطِ الْقِيَاسِ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ شَرَعَ الْمَالَ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ وَأَنْتَ جَعَلْته مُزَاحِمًا لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بَعْدَ صِحَّةِ أَثَرِهَا، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ، وَهَذَا.
ــ
[كشف الأسرار]
الْإِعْتَاقِ بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ وَرَدِّ الْعَبْدِ إلَى الرِّقِّ أَصْلًا وَأَنْتَ عَدَّيْت الْإِبْطَالَ أَصْلًا أَيْ أَبْطَلْت الْإِعْتَاقَ فِي الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ بِحَيْثُ لَوْ أَجَازَهُ الْمُرْتَهِنُ بَعْدُ لَا يَنْفُذُ فَكَانَ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ وَعِتْقُ الْمَرِيضِ عِنْدَنَا لَا يَلْغُوا قِيَامَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ لَا مَحَالَةَ فَهَاهُنَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْغُوَ إلَّا أَنْ هُنَاكَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ مَا دَامَ يَسْعَى، وَهَاهُنَا يَكُونُ حُرًّا، وَإِنْ لَزِمَتْهُ السِّعَايَةُ عِنْدَ اعْتِبَارِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ لِرَدِّ الْوَصِيَّةِ قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هُنَاكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَدَلُ رَقَبَتِهِ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمُبْدَلُ مَا لَمْ يَرُدَّ الْبَدَلَ، وَهَاهُنَا السِّعَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَتْ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ فَوُجُوبُ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَانِعًا نُفُوذَ عِتْقِهِ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ أَيْسَرَ الرَّاهِنُ هَذَا رَجَعَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ السِّعَايَةِ، وَهُنَاكَ لَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى أَحَدٍ بِمَا سَعَى فِيهِ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنْ ادَّعَى أَيْ الْمُعَلَّلَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَيْعُ أَوْ إعْتَاقُ الْمَرِيضِ حُكْمًا غَيْرَ مَا قُلْنَا بِأَنْ يَقُولَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْبُطْلَانُ لَا التَّوَقُّفُ، وَكَذَا حُكْمُ إعْتَاقِ الْمَرِيضِ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرُ حُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ نُسَلِّمْ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا حُكْمُهُمَا مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ وَافَقَنَا فِيهِ يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ ضَرُورَةً، وَإِنْ خَالَفَنَا فِيهِ بِأَنْ قَالَ عِنْدِي حُكْمُهُمَا الْبُطْلَانُ يَكُونُ هَذَا رَدَّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْخَصْمِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ) أَيْ مِثْلُ تَعْلِيلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ بِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٍ فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْقَتْلِ الْخَطَأِ فَإِنْ فَرَّقَ السَّائِلُ بِأَنَّ الْعَمْدَ لَيْسَ كَالْخَطَأِ فِي لُزُومِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ فِي الْخَطَأِ بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْمِثْلِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ لِعَدَمِ الْقَصْدِ فَيَصِيرُ إلَى إيجَابِ الْمَالِ خَلَفًا عَنْهُ صَوْنًا لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ، وَقَدْ عُدِمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمْدُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، فَهَذَا فَرْقٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْ السَّائِلِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ قِيَامَ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ تَغْيِيرِ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَتَفْسِيرُهُ أَيْ بَيَانِ عَدَمِ قِيَامِ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْقَتْلُ خَطَأً شُرِعَ الْمَالُ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِيفَائِهِ، وَأَنْتَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ جَعَلْت الْمَالَ مُزَاحِمًا لِلْقَوَدِ حَيْثُ أَثْبَتَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ كَالْقَوَدِ، وَالْخَلَفُ قَطُّ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ فَكَانَ هَذَا تَقْلِيلًا يُوجِبُ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْأَصْلِ فَكَانَ بَاطِلًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِ فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْحَائِضِ مَعَ الصَّوْمِ إذَا أَخَّرْت الْقَضَاءَ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْفِدْيَةَ الَّتِي هِيَ خَلَفٌ عَنْ الصَّوْمِ مُزَاحِمًا لَهُ فِي الْوُجُوبِ حَيْثُ أَوْجَبَهُمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ دَفْعِ الْعِلَلِ أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بَعْدَ صِحَّةِ أَثَرِهَا؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ الْمُنَاقَضَةَ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ صِحَّتِهَا الِاطِّرَادُ وَبِالْمُنَاقَضَةِ لَمْ يَبْقَ الْإِطْرَادُ، وَلَكِنْ قَدْ يَرِدُ النَّقْضُ صُورَةً عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْضٍ، وَإِنَّمَا نُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْ عَدَمَ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ حَقِيقَةً، وَإِنْ يَتَرَاءَى نَقْضًا صُورَةً بِطُرُقٍ أَرْبَعَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1189
بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ) :
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُجِيبَ مَتَى أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ادَّعَاهُ عِلَّةً وَبَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ مُنَاقَضَةً بِتَوْفِيقٍ بَيِّنٍ بَطَلَتْ الْمُنَاقَضَةُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمُنَاقَضَاتِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَبَيْنَ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ مَتَى احْتَمَلَ التَّوْفِيقَ وَظَهَرَ ذَلِكَ بَطَلَ التَّنَاقُضُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِالْوَصْفِ الَّذِي جَعَلَهُ عِلَّةً وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ صَارَ الْوَصْفُ عِلَّةً، وَهُوَ دَلَالَةُ أَثَرِهِ، وَالثَّالِثُ بِالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَالرَّابِعُ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْحُكْمُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَكِنَّهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ فَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ بَدَنُهُ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةً، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْإِنْسَانِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ جَلْدَةٍ رُطُوبَةً وَفِي كُلِّ عِرْقٍ دَمًا فَإِذَا زَايَلَهُ الْجِلْدُ كَانَ ظَاهِرًا لَا خَارِجًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ بِالْإِجْمَاعِ.
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ]
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَيْ حَاصِلُ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْخُرُوجِ عَنْهَا أَنَّ الْمُجِيبَ مَتَى أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ عِلَّةً وَبَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ مُنَاقَضَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ لَزِمَهُ النَّقْضُ ثُمَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْ الْأَوَّلِ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْفِقْهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ لِأَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْوُقُوفُ عَلَى الْمَعْنَى الْخَفِيِّ فَالدَّفْعُ عَلَى طَرِيقِ الْفِقْهِ إنَّمَا يَكُونُ بِوُجُوهٍ لَا تُنَالُ إلَّا بِضَرْبِ تَأَمُّلٍ أَمَّا الدَّفْعُ بِأَلْفَاظٍ ظَاهِرَةٍ فَلَا يَكُونُ فِقْهًا بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولَ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسَمِائَةٍ إلَّا إنِّي قَبَضْت خَمْسَمِائَةٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ هَذَا الْعَيْنَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا قَالَ: وَهَبَنِي فَجَحَدَ فَاشْتَرَيْته مِنْهُ وَبَيَّنَ الشَّهَادَاتِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَكْثَرَ يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْأَلْفِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْأَلْفِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةٍ بَقَرٍ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا لَوْنُهُ أَحْمَرُ، وَقَالَ الْآخَرُ لَوْنُهُ أَسْوَدُ تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ بِأَنْ شَهِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ لَوْنِ الْبَقَرِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ وُجُوهِ الدَّفْعِ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرْته عِلَّةً لَيْسَ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ. وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَهُوَ دَلَالَةُ أَثَرِهِ أَيْ أَثَرِ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلَ الْوَصْفَ بِهِ عِلَّةً، وَهُوَ التَّأْثِيرُ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ بِدُونِهِ عِلَّةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يَكُنْ نَقْضًا.
وَالثَّالِثُ بِالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِالْوَصْفِ مُتَخَلِّفًا عَنْ الْوَصْفِ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا إذْ النَّقْضُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ الْوَصْفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الدَّفْعِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَأْبَاهُ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الدَّفْعُ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَالرَّابِعُ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَفِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِالتَّعْلِيلِ، وَهُوَ أَوْضَحُ، وَلَفْظُ التَّقْوِيمِ ثُمَّ بِالْغَرَضِ الَّذِي قَصَدَ الْمُعَلِّلُ التَّعْلِيلَ لِأَجْلِهِ، وَأَثْبَتَ الْحُكْمَ بِقَدْرِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ أَيْ الدَّفْعُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ رُكْنُ الْعِلَّةِ فَعَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّتِهِ فَيَصِحُّ الدَّفْعُ بِهِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَيُورِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ نَقْضًا فَإِنَّهُ مَسْحٌ، وَيُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ فَإِنَّ الْعَدَدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْنُونًا عِنْدَنَا لَكِنْ إذَا اُحْتِيجَ إلَى التَّثْلِيثِ فَإِنَّهُ يَقَعُ سُنَّةً بِالْإِجْمَاعِ.
وَكَذَا الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ سُنَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَدَدُ مَسْنُونًا عِنْدَنَا كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَنَدْفَعُهُ بِالْوَصْفِ بِأَنْ نَقُولَ إنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ بِمَسْحٍ أَيْ لَا اعْتِبَارَ لِلْمَسْحِ فِيهِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَ بِشَيْءٍ لَهُ أَثَرٌ فِي الْإِزَالَةِ كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْمَاءِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ، وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ بَدَنُهُ بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَكُنْ الْمَسْحُ سُنَّةً، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ مَسْحًا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى تَلَطُّخِ الْبَدَنِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ.
وَبِدَلِيلِ
стр. 1190
وَأَمَّا الدَّفْعُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ فَإِنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَمْ يَصِرْ حُجَّةً بِصِيغَتِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ ظَاهِرٌ أَوْ الثَّانِي بِمَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ دَلَالَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ فَكَانَ ثَابِتًا بِهِ لُغَةً فَصَحَّ الدَّفْعُ بِهِ كَمَا صَحَّ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَكَانَ دَفْعًا بِنَفْسِ الْوَصْفِ، وَهَذَا أَحَقُّ وَجْهَيْ الدَّفْعِ لَكِنْ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَنَبْدَأُ بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَمْ يَكُنْ التَّكْرَارُ فِيهِ مَسْنُونًا كَمَسْحِ الْخُفِّ وَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالتَّكْرَارُ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا بَطَلَ التَّكْرَارُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَفِي التَّكْرَارِ تَوْكِيدُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِهِ فَصَارَ ذَلِكَ نَظِيرَ الْغُسْلِ، وَهَذَا مَعْنًى ثَابِتٌ بِاسْمِ الْمَسْحِ لُغَةً
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ غَسْلَهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ، وَلَوْ كَانَ مَسْحًا لَكُرِهَ تَبْدِيلُهُ بِالْغَسْلِ إذْ الْغَسْلُ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ وَكَذَلِكَ أَيْ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ قَيْدَ الْحَيَاةِ فَقَالُوا مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ احْتِرَازًا عَنْ النَّجَسِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِهِ ثَانِيًا، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ إنْسَانًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ مُطْلَقِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقْضًا فَإِنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ، وَلَيْسَ بِحَدَثٍ، وَمِثْلُهُ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَبِهَذَا زَادَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْكَثِيرِ فَقَالُوا الْخَارِجُ الْكَثِيرُ النَّجَسُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ احْتِرَازًا عَنْهُ.
فَوَجَبَ دَفْعُ هَذَا النَّقْضِ بِمَنْعِ الْوَصْفِ بِأَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان بَاطِنٍ إلَى مَكَان ظَاهِرٍ كَالرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بَعْدُ فِي مَحَلِّهَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ جَلْدَةٍ رُطُوبَةٌ فِي كُلِّ عِرْقٍ دَمًا وَالْجِلْدَةُ سَاتِرَةٌ لَهَا فَإِذَا زَالَتْ الْجَلْدَةُ صَارَ مَا تَحْتَهَا ظَاهِرًا لَا خَارِجًا لِعَدَمِ الِانْتِقَالِ كَمَنْ كَانَ فِي بَيْتٍ أَوْ خَيْمَةٍ مُتَسَتِّرًا بِهِ إذَا رُفِعَ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَسَتِّرًا بِهِ يَكُونُ ظَاهِرًا لَا خَارِجًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى خَارِجًا إذَا فَارَقَ الْبَيْتَ أَوْ الْخَيْمَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَلَوْ ثَبَتَ وَصْفُ الْخُرُوجِ لَوَجَبَ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَهُ قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا، وَلَوَجَبَ عِنْدَنَا إذَا جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَيُسَنُّ إذَا كَانَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يُسَنَّ بِالْإِجْمَاعِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِي مَحَلِّهَا، وَكَذَا لَوْ أُزِيلَتْ عَنْ ذَلِكَ الْمَحِلِّ بِقُطْنَةٍ أَوْ بِالْمَسْحِ عَلَى جِدَارٍ لَا يُنْتَقَضُ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ حَصَلَ الِانْفِصَالُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَعَ الْبُزَاقِ دَمٌ وَالْبُزَاقُ غَالِبٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ بَلْ بِقُوَّةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْبُزَاقُ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَجَسٌ أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الدَّفْعُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ) ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ فَإِنَّمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَمْ يَصِرْ حُجَّةً بِصِيغَتِهِ أَيْ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ اللَّفْظِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُلَائِمَتُهُ، وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَدَالَتُهُ، وَإِنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ أَيْ يُعْلَمُ وَيُفْهَمُ مِنْ الْوَصْفِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ ظَاهِرًا يَعْنِي ظَاهِرَ لَفْظِهِ لُغَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْخُرُوجِ لُغَةً عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَدَلَالَةُ لَفْظِ الْمَسْحِ لُغَةً عَلَى الْإِصَابَةِ.
وَالثَّانِي بِمَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ دَلَالَةً، وَهُوَ التَّأْثِيرُ فَإِنَّ الْوَصْفَ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْرَارِ وَوَصْفُ الْخُرُوجِ فِي مَسْأَلَةِ السَّبِيلَيْنِ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ بِمَحَلِّ الطَّهَارَةِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ التَّطْهِيرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ يَعْنِي فِي بَابِ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الرِّبَا، وَفِي بَابِ رُكْنِ الْقِيَاسِ فِي قَوْلِهِ الْأَثَرُ مَعْقُولٌ مِنْ كُلِّ مَحْسُوسٍ لُغَةً وَعِيَانًا وَمِنْ كُلِّ مَشْرُوعٍ مَعْقُولٍ دَلَالَةً فَكَانَ أَيْ الْمَعْنَى
стр. 1191
وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ مَا سَالَ مِنْهُ نَجَسٌ أَوْجَبَ تَطْهِيرًا حَتَّى وَجَبَ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَصَارَ بِمَعْنَى الْبَوْلِ، وَهَذَا غَيْرُ خَارِجٍ إذَا لَمْ يَسِلْ حَتَّى لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي، وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرُ ثَابِتًا أَيْ بِالْوَصْفِ لُغَةً كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهَذَا كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ يَصِيرُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْعِتْقِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمِلْكُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمِلْكُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ صَارَ الْعِتْقُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ أَيْضًا حَتَّى صَارَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا فَكَذَا التَّأْثِيرُ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ صَارَ مُضَافًا إلَى الْوَصْفِ بِهِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَصَحَّ الدَّفْعُ بِهِ أَيْ بِالْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا صَحَّ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَإِنَّ الدَّفْعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الدَّفْعُ بِنَفْسِ الْوَصْفِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَكَانَ أَيْ الدَّفْعُ بِالْأَثَرِ دَفْعًا بِنَفْسِ الْوَصْفِ أَيْ بِمَنْعِ نَفْسِ الْوَصْفِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا أَيْ الدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ أَحَقُّ وَجْهَيْ الدَّفْعِ بِالِاعْتِبَارِ وَهُمَا الدَّفْعُ بِنَفْسِ الْوَصْفِ وَالدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَصْفِ شَرْعًا دُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْهُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الدَّفْعُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ مَفْهُومُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَبَدَأْنَا بِهِ وَذَلِكَ أَيْ الدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ يَعْنِي إنَّمَا لَا يَكُونُ التَّكْرَارُ فِيهِ مَسْنُونًا، وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ أَيْ تَأْثِيرُهُ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حُصُولُ التَّطْهِيرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْمَسْحِ بَلْ يَزْدَادُ بِهِ النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي الْمَحَلِّ، وَكَذَا الْغَسْلُ فِي مَوْضِعِ الْمَسْحِ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ التَّطْهِيرُ مَقْصُودًا لَكَانَ الْغُسْلُ أَفْضَلَ بَلْ هُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ كَالتَّيَمُّمِ وَالتَّكْرَارِ فِيمَا شُرِعَ، وَهُوَ الْغَسْلُ إنَّمَا شُرِعَ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّظْهِيرُ هَاهُنَا مُرَادًا بَطَلَ التَّكْرَارُ الَّذِي شُرِعَ لِتَوْكِيدِهِ، وَكَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرِّبٌ إلَى الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ الْغُسْلُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْحَ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ مَحَلِّهِ تَوْضِيحٌ لِكَوْنِ التَّطْهِيرِ غَيْرَهُ مَقْصُودٌ فِيهِ يَعْنِي الْغَرَضَ يَتَأَدَّى بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الرُّبْعُ أَوْ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَلَوْ كَانَ التَّطْهِيرُ مَقْصُودًا لَمَا تَأَدَّى بِبَعْضِ الْمَحَلِّ كَالْغَسْلِ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ فِيهِ مَقْصُودٌ إذْ هُوَ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْغَسْلُ فِيهِ أَفْضَلَ وَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ تَخْفِيفًا وَفِي التَّكْرَارِ تَوْكِيدُهُ أَيْ تَوْكِيدُ الْإِزَالَةِ الْمَقْصُودَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِكَوْنِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ تَطْهِيرٌ فِيهِ مَقْصُودًا يَعْنِي لَوْ اسْتَعْمَلَ الْحَجَرَ فِي بَعْضِ الْمَحَلِّ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِنْجَاءُ، وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْمَسْحِ فِيهِ مَقْصُودًا لَتَأَدَّى بِبَعْضِهِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ فَصَارَ ذَلِكَ أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِيعَابِ وَالْقَصْدِ إلَى تَطْهِيرِ الْمَحَلِّ نَظِيرَ الْغُسْلِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ سُنَّةً كَالْمَضْمَضَةِ أَوْ فَرْضًا كَغَسْلِ الْوَجْهِ لَا نَظِيرَ الْمَسْحِ فَلِذَلِكَ شُرِعَ التَّكْرَارُ فِيهِ، وَهَذَا مَعْنًى ثَابِتٌ أَيْ كَوْنُهُ تَطْهِيرًا حُكْمِيًّا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى مُؤَثِّرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّكْرَارِ ثَابِتٌ بِاسْمِ الْمَسْحِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَهِيَ لَا تُنْبِئُ عَنْ التَّطْهِيرِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَكَانَ الدَّفْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَالدَّفْعِ بِنَفْسِ الْوَصْفِ وَعِبَارَةُ التَّقْوِيمِ إنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ إنَّمَا صَارَ عِلَّةً لِمَنْعِ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ التَّخْفِيفُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَسْلِ فِعْلًا يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الْأَصَابِعِ، وَذَاتًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَصَابَهُ، وَكَذَلِكَ قَدْرًا مِنْ حَيْثُ التَّأَدِّي بِبَعْضِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
(قَوْلُهُ:) وَكَذَلِكَ أَيْ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا
стр. 1192
وَأَمَّا الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ فَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ فَكَانَ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ سَبَبًا فِيهِ أَيْضًا لَكِنَّهُ امْتَنَعَ حُكْمُهُ لِمَانِعٍ كَالْبَيْعِ يُضَافُ إلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ مَا سَالَ مِنْهُ نَجَسٌ أَوْجَبَ تَطْهِيرًا يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجَسَ إنَّمَا صَارَ حَدَثًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي تَنْجِيسِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِيجَابِ تَطْهِيرِهِ حَتَّى وَجَبَ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلتَّطْهِيرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا يَجِبُ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ فَلَمَّا سَاوَى الْبَوْلَ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقَةِ سَاوَاهُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِيَّةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا دُونَ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَأَخَفُّ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا طَهَارَةٌ.
وَهَذَا أَيْ الَّذِي ظَهَرَ، وَلَمْ يَسِلْ لَمْ يُوجِبْ تَنْجِيسَ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إيجَابِ التَّطْهِيرِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَكُنْ كَالْبَوْلِ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ فِي مَحَلِّهَا فَكَذَا فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا فَتَبَيَّنَ بِدَلَالَةِ التَّأْثِيرِ أَنَّ غَيْرَ السَّائِلِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ التَّعْلِيلِ، وَإِنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ هُنَاكَ لِعَدَمِ الْوَصْفِ مَعْنًى، وَإِنْ وُجِدَ صُورَةً وَمِثْلُهُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِلْعِلَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ نَقْضًا.
وَقَوْلُهُ غَيْرُ خَارِجٍ إذَا لَمْ يَسِلْ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الدَّفْعِ بِالتَّأْثِيرِ لَا فِي بَيَانِ الدَّفْعِ بِنَفْسِ الْوَصْفِ بَلْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ، وَهَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِيَضُمَّ الدَّفْعَ بِالْوَصْفِ إلَى الدَّفْعِ بِالتَّأْثِيرِ تَوْكِيدًا فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي إيجَابِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِكُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ النَّجِسَ إذَا تَجَاوَزَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ عِنْدَكُمْ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ خُرُوجُ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِيَّةِ قُلْنَا: غَرَضُنَا مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ إلْحَاقُهُ بِالْبَوْلِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الشَّرْعَ عَفَا عَنْ الْقَلِيلِ فِي السَّبِيلَيْنِ حَيْثُ اكْتَفَى بِالْأَحْجَارِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْغَسْلَ فَأَلْحَقْنَا غَيْرَ السَّبِيلَيْنِ بِهِمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي إيجَابِ الْغَسْلِ بَلْ الْقَلِيلُ مُؤَثِّرٌ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْحُكْمِيَّةِ جَمِيعًا كَالْكَثِيرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَعْنِي فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ عَفَا فِي الْقَلِيلِ عَنْ إيجَابِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ فَبَقِيَتْ الْأُخْرَى وَاجِبَةً بِهِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ الْخَصْمِ الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ حَتَّى وَجَبَ غَسْلُ الْقَلِيلِ كَغَسْلِ الْكَثِيرِ.
وَعِنْدَ مَشَايِخِنَا يَجِبُ غَسْلُ الْقَلِيلِ أَيْضًا حَتَّى قَالُوا لَوْ رَأَى الْمُصَلِّي فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً دُونَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ ثُمَّ يُصَلِّي وَقَالُوا أَيْضًا لَوْ اشْتَغَلَ بِغَسْلِ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَكِنْ لَا تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِغَسْلِهَا وَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ كَالْكَثِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ) فَكَذَا دَفْعُ الْمُنَاقَضَةِ بِالْحُكْمِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُعَلِّلُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْضِ بِمَنْعِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْوَصْفَ إنْ وُجِدَ لَمْ يُوجَدْ حُكْمُهُ بَلْ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ فِيهَا أَيْضًا تَقْدِيرًا كَمَا إذَا قَالَ الْمُجِيبُ إنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الضَّمَانُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْمُدَبَّرُ نَقْضًا حَيْثُ كَانَ غَصْبُهُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ، وَلَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ يَدْفَعُهُ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْهُ بَلْ الْغَصْبُ فِيهِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مُدَبَّرٍ وَقِنٍّ فِي الْبَيْعِ دَخَلَ الْمُدَبَّرُ فِي الْبَيْعِ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَبْقَى الْعَقْدُ فِي الْقَنِّ بِحِصَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مُنْعَقِدًا فِي حَقِّ الْمُدَبَّرِ لَمَّا انْعَقَدَ الْعَقْدُ فِي الْقَنِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا إيَّاهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ، وَقِنٍّ وَبَاعَهُمَا. لَكِنَّهُ أَيْ
стр. 1193
وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ أَتْلَفَهُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَالِاسْتِحْلَالُ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمُتْلَفِ كَمَا إذَا أَتْلَفَهُ دَفْعًا لِلْمَخْمَصَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مَالُ الْبَاغِي، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ لَمْ تَبْطُلْ بِهَذَا الْمَعْنَى فَكَانَ طَرْدًا لَا نَقْضًا، وَكَذَلِكَ مَتَى قُلْنَا فِي الدَّمِ إنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا لَمْ يَلْزَمْ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَيْضًا لَكِنْ عَمَلُهُ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
السَّبَبَ، وَهُوَ الْغَصْبُ امْتَنَعَ حُكْمُهُ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِمَانِعٍ وَهُوَ حَقُّ الْمُدَبَّرِ نَظَرًا لِلْمُدَبَّرِ لَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يُوجَدْ كَالْبَيْعِ يُضَافُ إلَى الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ سَبَبًا فِي حَقِّهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ امْتَنَعَ حُكْمُهُ لِلْمَانِعِ، وَإِذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ كَانَ الْحُكْمُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا نَظَرًا إلَى اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ إيَّاهُ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا بَلْ يَكُونُ طَرْدًا وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ أَنْكَرَهُ فَالْغَصْبُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْعَيْنِ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمٍ لَا لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّخْصِيصِ.
وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا الْقِسْمَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ إنْكَارِهِ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ اتِّبَاعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ بَعْدَ بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الدَّفْعَ بِهَذَا الْوَجْهِ لَا يَسْلَمُ عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِهَذَا الْوَجْهِ مِنْ الدَّفْعِ مِثْلُ إنْكَارِهِ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ. وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى أَظُنُّهَا مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ فِي بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِأَمَارَةِ مِلْكِ الْمُبْدَلِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّ فِي فَصْلِ الْمُدَبَّرِ إنَّمَا لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا؛ لِأَنَّ فِي الْمَحَلِّ مَانِعًا كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمُدَبَّرِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِمَانِعٍ فِي الْمَحَلِّ فَكَذَا هَاهُنَا فَجُعِلَ السَّبَبُ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ لِلْمَانِعِ فَكَانَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِوُجُودِهَا مَعَ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ) الْجَمَلُ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْحُرِّ الصَّائِلِ وَالْعَبْدِ الصَّائِلِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مَعْصُومًا حَقًّا لِلْمَالِكِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ الصِّيَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا تُنَافِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْهَلَاكِ يَحْصُلُ مَعَ بَقَاءِ عِصْمَةِ الْمَحَلِّ بِإِبَاحَةِ الْإِتْلَافِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْإِتْلَافِ لِدَفْعِ الْمَخْمَصَةِ، وَكَمَا فِي مُبَاشَرَةِ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الْعُذْرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ.
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا أَتْلَفَ الْعَادِلُ مَالَ الْبَاغِي حَالَ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِثْلُ إتْلَافِ نَفْسِ الْبَاغِي، وَإِتْلَافِ عَبْدِ الْغَيْرِ إذَا صَالَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إتْلَافٌ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ ثُمَّ عِصْمَةُ الْمَحَلِّ قَدْ سَقَطَتْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ إحْيَاءً لِنَفْسِهِ، فَيُدْفَعُ هَذَا النَّقْضُ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ سَقَطَتْ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ إحْيَاءُ الْمُهْجَةِ لَكِنَّهَا سَقَطَتْ بِالْبَغْيِ فِي حَقِّ الْبَاغِي وَبِالصِّيَالِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ، وَأَنَّهُ فِي حَقِّ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فَبَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ كَمَا تَبْطُلُ حُرْمَةُ الْحُرِّ بِصِيَالِهِ، وَبُطْلَانُ حَقِّ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا فِي إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَكَانَ أَيْ إتْلَافُ مَالِ الْبَاغِي، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ طَرْدًا أَيْ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى لَا نَقْضًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا أَنْ لَوْ وُجِدَ الْإِتْلَافُ مُنَافِيًا لِلْعِصْمَةِ مُوجِبًا سُقُوطَهَا فِي صُوَرِ النَّقْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ بَلْ السُّقُوطُ وُجِدَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لَا بِالْإِتْلَافِ فَكَانَ حُكْمُ الْإِتْلَافِ، وَهُوَ عَدَمُ مُنَافَاتِهِ لِلْعِصْمَةِ مَوْجُودًا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كَمَا فِي إتْلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَعْنًى آخَرَ مُسْقِطٍ لِلْعِصْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعِصْمَةِ لَا يَمْنَعُ حُدُوثَ مَعْنًى آخَرَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْعِصْمَةِ فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 1194
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمِثْلُ قَوْلِنَا نَجَسٌ خَارِجٌ وَلَا يَلْزَمُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَدَمُ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ الدَّائِمِ؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَذَلِكَ حَدَثٌ فَإِذَا لَزِمَ صَارَ عَفْوًا لِقِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي التَّأْمِينِ إنَّهُ ذِكْرٌ فَكَانَ سَبِيلُهُ الْإِخْفَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ وَتَكْبِيرَاتُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا أَنَّ أَصْلَ الذِّكْرِ الْإِخْفَاءُ، وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرَاتِ إلَّا أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَذْكَارِ مَعْنًى زَائِدًا، وَهُوَ أَنَّهَا أَعْلَامٌ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ فِيهَا حُكْمًا عَارِضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ وَالْمُقْتَدِيَ لَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِمُوجِبٍ لِلْعِصْمَةِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْقَطٍ لَهَا فَهَذَا مَعْنَى الدَّفْعِ بِالْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالصُّولُ وَالصِّيَالُ الْوَثْبُ وَالْمُهْجَةُ الدَّمُ وَيُقَالُ الْمُهْجَةُ دَمُ الْقَلْبِ خَاصَّةً وَالْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا الرُّوحُ يُقَالُ خَرَجَتْ مُهْجَتُهُ إذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ وَكَذَلِكَ أَيْ، وَكَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُدَبَّرَ، وَمَالُ الْبَاغِي عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ لِوُجُودِ حُكْمِ الْعِلَّةِ فِي صُوَرِ النَّقْضِ لَا يَلْزَمُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي لَوْ قِيلَ إنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ نَجَسٌ، وَلَيْسَ يَحْدُثُ حَيْثُ لَمْ يُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا أَوْ مَا دَامَتْ تُصَلِّي الْفَرْضَ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ النَّوَافِلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ حَدَثٌ، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ حُكْمُهُ إلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِلْعُذْرِ وَلِهَذَا تَلْزَمُهَا الطَّهَارَةُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الْحَدَثِ فَإِنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِالْإِجْمَاعِ وَالْحُكْمُ تَارَةً يَتَّصِلُ بِالسَّبَبِ وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَانِعٍ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ امْتَنَعَ عَمَلُهُ لِمَانِعٍ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الرَّابِعُ، وَهُوَ الدَّفْعُ) فَالْغَرَضُ بِأَنْ يَقُولَ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وَقَدْ حَصَلَ فَمَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ الَّذِي لِلْخَصْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ هُوَ الْجَوَابُ لَنَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَذَلِكَ مِثْلُ تَعْلِيلِنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ فَيَكُونُ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمَ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ إذْ هُوَ خَارِجٌ نَجَسٌ عَنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَلَيْسَ بِحَدَثٍ.
وَالثَّانِي يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْفَرْعِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَلَيْسَ بِحَدَثٍ فَيُدْفَعُ بِالْغَرَضِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَ فَإِنَّ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ فَإِذَا لَزِمَ أَيْ دَامَ صَارَ عَفْوًا لِقِيَامِ، وَقْتِ الصَّلَاةِ أَيْ بِسَبَبِ قِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالْأَدَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً، وَلَا قُدْرَةَ إلَّا بِسُقُوطِ حُكْمِ الْحَدَثِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَمِثْلُ الْأَصْلِ الْفَرْعُ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فِي أَنَّهُ إذَا صَارَ لَازِمًا يَصِيرُ عَفْوًا لِقِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا فِي الْفَرْعِ عِنْدَ اللُّزُومِ لَكَانَ الْفَرْعُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي جَعْلِهِ عَفْوًا كَالْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ، وَكَمَا يُدْفَعُ بِالْغَرَضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُدْفَعُ بِالْغَرَضِ فِي مَسْأَلَةِ التَّأْمِينِ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا السُّنَّةُ فِي التَّأْمِينِ الْإِخْفَاءُ دُونَ الْجَهْرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ أَيْ دُعَاءٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى، وَهَارُونَ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو، وَهَارُونَ ﵉ كَانَ يُؤَمِّنُ فَكَانَ سُنَّتُهُ الْإِخْفَاءَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ إذَا الْأَصْلُ فِيهَا الْإِخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَلِقَوْلِهِ ﵇ «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي» أَوْ هُوَ ذِكْرٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ آمِينَ بِالْمَدِّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَكَانَتْ سُنَّتُهُ الْإِخْفَاءَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] الْآيَةَ.
«وَقَوْلُهُ ﵇ لِلَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ إنَّك لَنْ تَدْعُوَا أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ
стр. 1195
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا فِي الدَّفْعِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ لَكِنْ مَا قُلْنَاهُ أَبْيَنُ فِي وُجُوهِ الدَّفْعِ وَإِذَا قَامَتْ الْمُعَارَضَةُ كَانَ السَّبِيلُ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَهَذَا.
ــ
[كشف الأسرار]
وَتَكْبِيرَاتُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا أَذْكَارٌ شُرِعَتْ بِالْجَهْرِ فَيُدْفَعُ بِالْغَرَضِ بِأَنْ يُقَالَ غَرَضُنَا مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يُجْعَلَ الذَّكَرُ سَبَبًا لِشَرْعِ الْمُخَافَتَةِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَذْكَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي صُوَرِ النَّقْضِ الْأَصْلُ هُوَ الْإِخْفَاءُ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَذْكَارِ مَعْنًى زَائِدًا يُوجِبُ الْجَهْرَ بِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهَا أَعْلَامٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ دَلَالَاتٌ عَلَى انْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ وَعَلَى دُخُولِ، وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ أَنَّهَا إعْلَامٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ هِيَ إخْبَارٌ وَتَنْبِيهٌ لِمَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ بِانْتِقَالِهِ إلَى رُكْنٍ آخَرَ وَلِلنَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ أَذَانًا فَذَلِكَ الْمَعْنَى الزَّائِدِ أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ حُكْمًا عَارِضًا عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْجَهْرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إعْلَامًا إلَّا بِصِفَةِ الْجَهْرِ.
فَبِبَيَانِ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِالتَّعْلِيلِ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا الذِّكْرِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ انْدَفَعَ النَّقْضُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الدَّفْعِ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ كَوْنُهُ ذِكْرًا يُوجِبُ الْإِخْفَاءَ فِي صُوَرِ النَّقْضِ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ أَقْوَى وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ عِلَّةٍ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ عِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَكَانَ الْإِخْفَاءُ فِيهَا ثَابِتًا تَقْدِيرًا وَلِهَذَا لَوْ جَهَرَ الْمُقْتَدِي أَوْ الْمُنْفَرِدُ فَقَدْ أَسَاءَ، وَكَذَا لَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْعِلْمِ فَقَدْ أَسَاءَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْجَهْرِ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الْإِعْلَامِ فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ذِكْرٍ هُوَ الْإِخْفَاءُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي التَّأْمِينِ مَعْنًى آخَرُ يُوجِبُ الْجَهْرَ، وَهُوَ إعْلَامُ الْقَوْمِ أَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ تَأْمِينَ الْقَوْمِ بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» أَوْ لَمْ يَكُنْ تَأْمِينُ الْإِمَامِ مَسْمُوعًا لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ تَأْمِينِ الْقَوْمِ بِهِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا إذَا أَمَّنُوا سُمِعَ لِتَأْمِينِهِمْ ضَجَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ قُلْنَا قَدْ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِبَيَانِ الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، «وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ، وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْجَهْرِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِخْفَاءُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵇ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا، وَلَوْ كَانَ تَأْمِينُهُ مَسْمُوعًا لَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَخْبَارٌ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ فَيُحْمَلُ الْجَهْرُ عَلَى التَّعْلِيمِ أَوْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ رَدَّ حَدِيثَ أَبِي وَائِلٍ فَقَالَ أَشَهِدَ أَبُو وَائِلٍ وَغَابَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو وَائِلٍ مِنْ الْأَعْرَابِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ بِخِلَافِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي التَّأْمِينِ الْإِخْفَاءُ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ فَيَدُلُّ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ بِمَا ذَكَرْنَا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا يَعْنِي أَهْلَ النَّظَرِ مِنْهُمْ فِي بَابِ الدَّفْعِ أَنَّهُ أَيْ الْفَرْعَ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ يَعْنِي أَنَّهُمْ إذَا دَفَعُوا النَّقْضَ بِأَنْ قَالُوا إنَّ الْفَرْعَ مَعَ وُرُودِ هَذَا النَّقْضِ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ فَهُوَ الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُمْ لَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ حُكْمَ أَصْلِهِ وَنَحْنُ لَقَّبْنَاهُ بِالْغَرَضِ؛ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي وَجْهٍ مِمَّا قَالُوا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ عَدَمَ مُفَارَقَتِهِمَا فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ التَّعْلِيلِ أَوْ فِي وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهِمَا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ وَفِيمَا قُلْنَا بَيَانُ تَسْوِيَتِهِمَا فِي الْغَرَضِ، وَهُوَ
следующие страницы →