Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وَلَا يُعْقَلُ فِيهِ مَعَانِي الْعِلَلِ لَكِنْ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ لَا يُضَافُ إلَى السَّبَبِ فَإِنْ أُضِيفَتْ الْعِلَّةُ إلَيْهِ صَارَ لِلسَّبَبِ حُكْمُ الْعِلَلِ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَذَلِكَ مِثْلُ سَوْقِ الدَّابَّةِ وَقَوْدِهَا هُوَ سَبَبٌ لِمَا يَتْلَفُ بِهَا لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ لَكِنْ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ بِالْقِصَاصِ سَبَبٌ لِقَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ حَدَّ الْعِلَلِ فِيهِ لَمْ يُوجَدْ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ مَحْضٌ خَالِصٌ فَكَانَ سَبَبًا وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ سَلَّمَ الشَّافِعِيُّ هَذَا لَا أَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ الْمُؤَكَّدَ بِالْعَمْدِ الْكَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ وُجِدَ لِأَنَّ الشَّاهِدَ غَيْرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَكِنَّا قُلْنَا إنَّ فِعْلَ الشَّهَادَةِ لَيْسَ بِفِعْلِ قَتْلٍ بِلَا شُبْهَةٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ قَتْلًا بِوَاسِطَةٍ لَيْسَتْ فِي يَدِ الشَّاهِدِ وَهُوَ حُكْمُ الْقَاضِي وَاخْتِيَارُ الْوَلِيِّ قَتْلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الرَّقَبَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَارَ الْمَوْتُ وَسِرَايَةُ الْأَلَمِ وَانْتِقَاضُ الْبِنْيَةِ وَنُفُوذُ السَّهْمِ أَحْكَامًا لِلرَّمْيِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالسَّوْقِ شَهَادَةُ الشُّهُودِ بِالْقِصَاصِ سَبَبٌ لِقَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ لَا أَنَّهَا عِلَّةٌ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْعِلَلِ فِيهِ أَيْ فِي فِعْلِ الشَّهَادَةِ أَوْ كَلَامِ الشُّهُودِ لَمْ يُوجَدْ لِتَخَلُّلِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ كَمَا سَنُبَيِّنُ لَكِنَّهُ أَيْ فِعْلَ الشَّهَادَةِ طَرِيقٌ إلَى الْقَتْلِ مَحْضٌ خَالِصٌ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُوضَعْ لِلْقَتْلِ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا تَأْثِيرٌ فِي الْقَتْلِ بِوَجْهٍ لِتَوَسُّطِ فِعْلِ الْمُخْتَارِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُكْمِ فَكَانَ أَيْ فِعْلُ الشَّهَادَةِ سَبَبًا لَا عِلَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ لِلْقَتْلِ.
وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِهِ سَبَبًا لَمْ يَجِبْ بِفِعْلِ الشَّهَادَةِ الْقِصَاصُ عِنْدَ الرُّجُوعِ يَعْنِي إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْوَلِيِّ الْقِصَاصَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ بِشَهَادَتِهِمْ الْكَاذِبَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ الْمُبَاشَرَةُ وَقَدْ سَلَّمَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَيْ سَلَّمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ وَلَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ لَهُ حَقِيقَةً وَأَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ الْمُؤَكَّدَ بِالْعَمْدِ الْكَامِلِ أَيْ الْقَصْدِ الْكَامِلِ إلَى الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا وَجَبَ لِلزَّجْرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَالسَّبَبُ إذَا قَوِيَ وَأَدَّى إلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا أُلْحِقَ بِالْقَتْلِ لِوُقُوعِ الِاحْتِيَاجِ حِينَئِذٍ إلَى الزَّجْرِ فَوَجَبَ الْقَوَدُ بِهِ وَإِذَا ضَعُفَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا اسْتَغْنَى عَنْ الزَّجْرِ فَسَقَطَ الْقَوَدُ وَقَدْ قَوِيَ السَّبَبُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ عَيْنُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَعْنِي قَصَدَ بِشَهَادَتِهِ إتْلَافَ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ إلَّا بِالتَّمْكِينِ فَصَارَتْ شَهَادَتُهُ سَبَبًا مُعَيَّنًا لِلْقَتْلِ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِمَا إتْلَافَ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَلِأَنَّ الشُّهُودَ أَلْجَئُوا الْقَاضِي إلَى الْقَضَاءِ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَخَافُ الْعُقُوبَةَ إنْ امْتَنَعَ عَنْهُ وَهُوَ هَلَاكٌ حُكْمِيٌّ شَرٌّ مِنْ الْهَلَاكِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمُلْجِئُ كَالْمُبَاشِرِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّ الشُّهُودَ أَتْلَفُوهُ بِالْقَضَاءِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ إتْلَافٌ حُكْمًا بِأَنْ صَارَ نَفْسُهُ لِغَيْرِهِ حَتَّى قَتَلَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ ضَمِنُوا الدِّيَةَ مَعَ مُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ مُخْتَارًا وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا بِمُبَاشَرَتِهِمْ الْإِتْلَافَ حُكْمًا ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُؤَكَّدُ بِالْعَمْدِ الْكَامِلِ مَا ذُكِرَ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ الشُّهُودَ إنْ قَالُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ تَعَمَّدْنَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ لَا تَقْطَعُ الْمُبَاشَرَةُ حُكْمَهُ فَكَانَ كَالْإِكْرَاهِ وَكَذَا إنْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا وَهُمْ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ يَجِبُ الْقِصَاصُ كَمَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى إنْسَانٍ فَأَصَابَهُ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يُتْلِفُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا وَهُمْ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ حَلَفُوا عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ وَعُزِّرُوا وَتَجِبُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مُؤَجَّلَةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِقَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُمْ الْعَاقِلَةُ فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ حَلَفُوا وَتَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي أَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُمْ الْعَاقِلَةُ فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ لَكِنَّا نَقُول إنَّ فِعْلَ الشَّهَادَةِ لَيْسَ بِفِعْلِ قَتْلٍ بِنَفْسِهِ بِلَا شُبْهَةٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِلْقَتْلِ وَيَتَخَلَّفُ الْقَتْلُ عَنْهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ قَبْلَ الشَّهَادَةِ قَتْلًا بِوَاسِطَةٍ لَيْسَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ تَحْصِيلُهُ وَهُوَ أَيْ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِتَذْكِيرِ الْخَبَرِ حُكْمُ الْقَاضِي بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ الصَّادِرَيْنِ عَنْ اخْتِيَارٍ إذَا لَيْسَ فِي وُسْعِ الشَّاهِدِ إيجَادُ مَا يُظْهِرُهُ الْقَاضِي
стр. 1297
وَقُلْنَا نَحْنُ بِأَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِمَا سَبَقَ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الْقِسْمُ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أُضِيفَتْ إلَيْهِ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ حَادِثَةٌ بِاخْتِيَارِ الْمُبَاشِرِ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ سَبَبًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ وَلِهَذَا لَمْ يَصْلُحْ لِإِيجَابِ مَا هُوَ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ.
وَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَى السَّبَبِ عِلَّةٌ لَا يُضَافُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ كَانَ سَبَبًا مَحْضًا مِثْلُ دَلَالَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ عَلَى مَالِ رَجُلٍ لِيَسْرِقَهُ أَوْ لِيَقْطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ أَوْ لِيَقْتُلَهُ وَمِثْلُ دَلَالَةِ الرَّجُلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصْفِ طَرِيقِهِ فَأَصَابُوهُ بِدَلَالَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِقَضَائِهِ أَوْ يُوجِبُهُ وَلَا إيجَادَ اخْتِيَارِ الْقَتْلِ مِنْ الْوَلِيِّ فَبَقِيَ فِعْلُهُ تَسْبِيبًا فَلَا يَجِبُ بِهِ مَا يَجِبُ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُسَبِّبِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ مَعَ أَنَّهَا جَزَاءٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا يَعْتَمِدُ الْمُبَاشَرَةَ فَالْقِصَاصُ الَّذِي هُوَ جَزَاءٌ كَامِلٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِلْجَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَخَافُ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَبِهِ لَا يَصِيرُ مَلْجَأً فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يُقِيمُ الطَّاعَةَ خَوْفًا مِنْ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَصِيرُ بِهِ مُكْرَهًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا الْإِلْجَاءَ فِي حَقِّ الْقَاضِي فَلَا نُسَلِّمُ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى الْعَفْوِ شَرْعًا فَثَبَتَ أَنَّ فِعْلَهُمْ تَسْبِيبٌ وَلَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ حُكْمًا
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ حُكْمًا فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ عَلَى الْمُبَاشِرِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْوَلِيُّ هَاهُنَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِشُبْهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَعَلَى الْمُبَاشِرِ حُكْمًا أَوْلَى أَنْ لَا يُلْزَمَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْقَتْلِ الَّذِي بَاشَرَهُ الْوَلِيُّ لَا بِالشَّهَادَةِ وَحْدَهَا فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدٍ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَتَلَ شُهُودَ الْقِصَاصِ بَعْدَمَا رَجَعُوا.
وَرُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ جِيءَ بِآخَرَ فَقَالَا أُوهِمْنَا إنَّمَا السَّارِقُ هَذَا فَقَالَ لَا أُصَدِّقُكُمَا عَلَى هَذَا وَأُغَرِّمُكُمَا الدِّيَةَ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا عَلَى الْأَوَّلِ لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ أَنَّ الْعَمْدَ فِيهِ مُوجِبُ لِلْقِصَاصِ قُلْنَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ غَرِيبٌ جِدًّا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَوْ ثَبَتَ يُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسَةِ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْيَدَيْنِ لَا يُقْطَعَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَلِمَا بَيْنَ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْعِلَّةِ فِيهَا فَقَالَ وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الْقِسْمُ يَعْنِي شَهَادَةَ الشُّهُودِ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ حَتَّى صَلَحَ مُوجِبًا لِلدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقَتْلِ أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بِهَا فَكَانَ اسْتِيفَاءً مُرَتَّبًا عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ إيَّاهُ مِنْهُ
فَصَارَ أَيْ هَذَا الْقِسْمُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ بِصَيْرُورَةِ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ التَّلَفِ مُضَافَةً إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ سَبَبًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ حَادِثَةٌ بِاخْتِيَارِ الْمُبَاشِرِ يَعْنِي بِاخْتِيَارِهِ الصَّحِيحِ. بِخِلَافِ حُدُوثِ مُبَاشَرَةِ الْمُكْرَهِ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْعَلُ الْإِكْرَاهَ سَبَبًا حَتَّى لَمْ يَمْتَنِعْ وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُبَاشَرَةَ حَادِثَةٌ بِاخْتِيَارٍ فَاسِدٍ فَأَوْجَبَ نَقْلَ الْفِعْلِ إلَى الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ بَاشَرَهُ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ أَيْ فِعْلُ الشَّهَادَةِ سَبَبًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ حَتَّى صَلَحَ لِإِيجَابِ مَا هُوَ ضَمَانُ الْمَحَلِّ وَهُوَ الدِّيَةُ وَلَمْ يَصْلُحْ لِإِيجَابِ مَا هُوَ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْقِصَاصِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْإِرْثِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ الْمُبَاشَرَةُ وُجِدَتْ مِنْهُمْ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ بِالْفَرَاغِ عَنْ الْأَدَاءِ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَمَا وَجَبَ بِهِ مُضَافٌ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوا الْحَاكِمَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ التَّلَفَ الْوَاقِعَ بِالْحُكْمِ تَلَفٌ حُكْمِيٌّ وَالْإِتْلَافُ الْحَقِيقِيُّ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ وَهُوَ فِيهِ مُخْتَارٌ غَيْرُ مُلْجَأٍ حُكْمًا فَيَقْتَصِرُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الشُّهُودِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ ضَمَانُ الْقَتْلِ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ (وَإِذَا اُعْتُرِضَ عَلَى السَّبَبِ) أَيْ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ طَرِيقٌ لِلْوُصُولِ إلَى الْحُكْمِ عِلَّةٌ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهَا وَلَا تُضَافُ تِلْكَ
стр. 1298
لَمْ يَكُنْ الدَّالُّ شَرِيكًا لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ مَحْضٍ وَمِثْلُ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةٌ وَقَدْ اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الدَّالِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ لِمَا بَيَّنَّا بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّهُ صَارَ صَاحِبَ عِلَّةٍ وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا اسْتَوْلَدَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ لَمْ يَجْعَلْ قِيمَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَتَهُ سَبَبٌ مَحْضٌ لَا يُضَافُ إلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الِاسْتِيلَادِ بِوَجْهٍ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُعِيرِ بِضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ لِمَا قُلْنَا
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةُ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ بِوَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ مَحْضًا أَيْ سَبَبًا حَقِيقِيًّا وَهُوَ بَيَانُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَسْبَابِ مِثْلُ دَلَالَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ لِيَسْرِقَهُ فَفَعَلَ لَمْ يَضْمَنْ الدَّالُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ سَبَبٌ مَحْضٌ إذْ هِيَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مَا هُوَ عِلَّةٌ غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي يُبَاشِرُهُ الْمَدْلُولُ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَكُنْ الدَّالُّ شَرِيكًا فِي الْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ مَحْضٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ طَرِيقٌ لِلْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ وَتَخَلَّلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ عِلَّةٌ غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَى الدَّلَالَةِ وَهِيَ فِعْلُ الْقَوْمِ الصَّادِرِ عَنْ اخْتِيَارِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ فِي دَلَالَتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ شِرْكَةٌ فِي الْمُصَابِ إلَّا إذَا ذَهَبَ مَعَهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَى الْحِصْنِ فَحِينَئِذٍ يُشْرِكُهُمْ فِي الْمُصَابِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ إذًا تَسْبِيبٌ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا سَعَى إنْسَانٌ إلَى سُلْطَانٍ ظَالِمٍ فِي حَقِّ آخَرَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى غَرَّمَهُ مَالًا كَانَ السَّاعِي ضَامِنًا وَهُوَ صَاحِبُ سَبَبٍ مَحْضٍ لِتَخَلُّلِ فِعْلِ الْمُخْتَارِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ كَمَا فِي دَلَالَةِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ لِغَلَبَةِ السُّعَاةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ دُونَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إذَا سَعَى إنْسَانٌ إلَى السُّلْطَانِ فِي حَقِّ آخَرَ حَتَّى غَرَّمَهُ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُفْتُونَ أَنَّ السَّاعِيَ يَضْمَنُ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا إنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ وَتَغْرِيمِ مَنْ سُعِيَ بِهِ إلَيْهِ يَضْمَنُ السَّاعِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَا يَضْمَنُ وَلَكِنْ نَحْنُ لَا نُفْتِي بِهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ أُصُولِ أَصْحَابِنَا ﵏ فَإِنَّ السَّعْي سَبَبٌ مَحْضٌ لِهَلَاكِ مَالِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يُغَرِّمُهُ اخْتِيَارًا لَا طَبْعًا وَلَكِنْ لَوْ رَأَى الْقَاضِي تَضْمِينَ السَّاعِي لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ فَنَحْنُ نَكِلُ الرَّأْيَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَنْزَجِرَ السُّعَاةُ عَنْ السَّعْيِ.
قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الَّذِي دَلَّ السَّارِقُ أَوْ الَّذِي دَلَّ عَلَى الْحِصْنِ رَجُلٌ قَالَ إلَى آخِرِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمُتَزَوِّجِ عَلَى الدَّالِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ الَّتِي أَدَّاهَا إلَى الْمَالِكِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ مَحْضٍ فَإِنَّ إخْبَارَهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ وَلَكِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ عِلَّةٌ غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَى السَّبَبِ وَهِيَ عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِي بَاشَرَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بِاخْتِيَارِهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهَا رَجُلٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَيْ بِشَرْطِ أَنَّهَا حُرَّةٌ بِأَنْ قَالَ زَوَّجْتُكُمَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ حَيْثُ يَرْجِعُ الْمُسْتَوْلِدُ بِضَمَانِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُزَوِّجِ
؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَاحِبَ عِلَّةٍ إذْ الِاسْتِيلَادُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّزْوِيجِ وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِهَذَا التَّزْوِيجِ فَيَكُونُ الِاسْتِيلَادُ بِنَاءً عَلَى التَّزْوِيجِ وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ كَالتَّزْوِيجِ فَكَانَ الشَّارِطُ لَهَا صَاحِبَ عِلَّةٍ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِمَا يَلْحَقُك بِسَبَبِ هَذَا الْعَقْدِ أَوْ يُقَالُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ إنَّمَا لَزِمَ بِالِاسْتِيلَادِ وَالِاسْتِيلَادُ حُكْمُ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ فَكَانَ الْمُزَوِّجُ صَاحِبَ الْعِلَّةِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ قُلْنَا أَيْ وَكَمَا قُلْنَا إنَّ الْمُتَزَوِّجَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُخْبِرِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ قُلْنَا فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الْجَارِيَةُ إذَا اسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ وَضَمِنَ الْمُسْتَوْلِدُ قِيمَةَ الْوَلَدِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْوَاهِبِ سَبَبٌ مَحْضٌ لِضَمَانِ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيلَادِ لَا بِالْهِبَةِ
وَالِاسْتِيلَادُ لَيْسَ
стр. 1299
بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ صَارَ كَفِيلًا عَنْهُ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَلِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ إنَّ وَلَدَك حُرٌّ بِحُكْمِ بَيْعِي فَإِنْ ضَمِنَك أَحَدٌ بِحُكْمٍ بَاطِلٍ فَأَنَا كَفِيلٌ عَنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ بِالْعُقْرِ لِأَنَّ مَا ضَمِنَهُ فَهُوَ قِيمَةُ مَا سُلِّمَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ غُرْمًا فَلَمْ يَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا دَلَالَةُ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ أَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ سَبَبٌ لِأَنَّهُ الدَّلَالَةُ فِي إزَالَةِ أَمْنِ الصَّيْدِ مُبَاشَرَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَبْقَى آمِنًا عَلَى الْمَدْلُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِمُضَافٍ إلَيْهِ أَيْ إلَى السَّبَبِ وَهُوَ الْهِبَةُ إذْ الْهِبَةُ لَيْسَتْ بِمَوْضُوعَةٍ لِلِاسْتِيلَادِ بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِإِظْهَارِ الْجُودِ وَالسَّمَاحَةِ وَإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِاسْتِيلَادِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِيلَادِ وَطَلَبِ النَّسْلِ قَالَ ﵇ «تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكْثُرُوا» الْحَدِيثَ.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَاهِبِ لَا يَرْجِعُ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ بِضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ يَعْنِي إذَا أَتْلَفَ الْمُسْتَعِيرُ الْمُسْتَعَارَ بِاسْتِعْمَالِهِ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ وَضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ قِيمَتَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْمُعِيرِ لِمَا قُلْنَا إنَّ السَّبَبَ الْمَحْضَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَالْإِعَارَةُ سَبَبٌ مَحْضٌ لَا يُضَافُ الِاسْتِعْمَالُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّلَفِ إلَيْهِ
بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَاةَ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ الَّتِي ضَمِنَهَا لِلْمُسْتَحِقِّ، وَثَمَنُ الْجَارِيَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ صَارَ كَفِيلًا عَنْ الْمُشْتَرِي أَيْ لِلْمُشْتَرِي بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَيْ بِسَبَبِ مَا شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْبَيْعِ عَلَى مُسَاوَاةِ الْبَدَلَيْنِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ فَلَمَّا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي سَالِمًا لِلْبَائِعِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْبَائِعُ كَفِيلًا بِسَبَبِ تَمَلُّكِهِ لِلْبَدَلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِلْمُشْتَرِي إنَّ الْمِلْكَ قَدْ ثَبَتَ لَك فِي الْجَارِيَةِ بِحُكْمِ بَيْعِي وَأَنَّ وَلَدَك مِنْهَا حُرٌّ بِحُكْمِ بَيْعِي فَإِنْ ضَمَّنَك أَحَدٌ بِحُكْمٍ بَاطِلٍ فَأَنَا كَفِيلٌ لَك بِمَا ضَمَّنَك وَهَذَا الضَّمَانُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي عَقْدِ التَّبَرُّعِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي عَقْدِ الضَّمَانِ بِاشْتِرَاطِ الْبَدَلِ إنَّمَا قَالَ بِحُكْمٍ بَاطِلٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي زَعْمِ الْبَائِعِ بَاطِلٌ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي بِالْعُقْرِ الَّذِي ضَمِنَهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَهُ مِنْ الْعُقْرِ قِيمَةُ مَا سَلَّمَ لَهُ مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فَلَمْ يَكُنْ غُرْمًا فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ أَيْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ كَفَالَةِ الْبَائِعِ بِمَا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَرَامَةٍ وَالرُّجُوعُ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ إنَّمَا يَصِحُّ إنْ لَوْ كَانَ الْغُرْمُ لَاحِقًا هَذَا طَرِيقُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَمُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ بِمُبَاشَرَةِ عَقْدِ الزَّمَانِ قَدْ الْتَزَمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي صِفَةَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ وَلَا عَيْبَ فَوْقَ الِاسْتِحْقَاقِ وَبِمُبَاشَرَةِ عَقْدِ التَّبَرُّعِ لَا يَصِيرُ مُلْتَزِمًا سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَنْ الْعَيْبِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ بَدَلًا عَمَّا اسْتَوْفَاهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ ضَمِنَ لَهُ صِفَةَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا آجَرَ دَابَّةً فَتَلِفَتْ بِاسْتِعْمَالِ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَا يَضْمَنُ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى الْعَبْدِ فِي الْحَالِ وَالْعَبْدُ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ مَا لَمْ يُعْتَقْ وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِالضَّمَانِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبُهُ الْعَيْبُ بَعْدَمَا الْتَزَمَ صِفَةَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ بِعَقْدِ الضَّمَانِ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ هُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُضَافُ إلَى السَّبَبِ الْمَحْضِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ دَلَالَةُ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ أَيْ أَنَّهُ فِعْلُ الدَّلَالَةِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ الدَّالِّ وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الدَّلَالَةِ سَبَبًا مَحْضًا؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّلَالَةِ وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ فِعْلُ مُخْتَارٍ وَهُوَ الْقَتْلُ مِنْ الْمَدْلُولِ
وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ جَوَابُ السُّؤَالِ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا سَبَبٌ بَلْ الدَّلَالَةُ فِي إزَالَةٍ أَمْنِ الصَّيْدِ مُبَاشَرَةٌ
стр. 1300
إذَا صَحَّتْ بِالدَّلَالَةِ غَيْرَ أَنَّهَا يَعْرِضُ الِانْتِقَاضُ فَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ بِنَفْسِ الدَّلَالَةِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَّصِلَ بِهَا الْقَتْلُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْجِرَاحَةِ فَسَيَأْتِي فِيهَا لِمَعْرِفَةِ قَرَارِهَا فَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى مَالِ النَّاسِ فَلَيْسَ بِمُبَاشَرَةِ عُدْوَانٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ بِالْبُعْدِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ بَلْ مَا لِعِصْمَةِ وَدَفْعِ الْمَالِكِ عَنْ الْمَالِ وَلَا يَلْزَمُ دَلَالَةُ الْمُودَعِ عَلَى الْوَدِيعَةِ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةُ خِيَانَةٍ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْحِفْظِ بِالتَّضْيِيعِ فَصَارَ ضَامِنًا بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ أَنْ يَضْمَنَ بِفِعْلِ الْمَدْلُولِ مُضَافًا إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ وَكَانَ حُكْمُ الْمُحْرِمِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ حُكْمُ الْمُودَعِ وَكَأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إلَى بَقَاءِ الْأَرْضِ مِثْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ.
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ مُبَاشَرَةُ جِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ يَزُولُ بِهَا عَنْ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ أَمِنَ بِبُعْدِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَتَوَارِيهِ عَنْ أَعْيُنِهِمْ وَأَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ بِعَقْدِ الْإِحْرَامِ الْأَمْنَ لِلصَّيْدِ عَنْهُ فَصَارَ الدَّالُّ جَانِيًا بِإِزَالَةِ الْأَمْنِ عَنْهُ بِالدَّلَالَةِ فَيَضْمَنُ
إذَا صَحَّتْ الدَّلَالَةُ أَيْ وُجِدَتْ شَرَائِطُهَا وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ إذْ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ تَمَكُّنٌ مِنْ قِبَلِهِ بِدَلَالَتِهِ فَكَانَ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءً
وَأَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَدْلُولُ فِي الدَّلَالَةِ حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَذِّبِ وَأَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ وَأَنْ يَكُونَ الدَّالُّ مُحْرِمًا عِنْدَ الْقَتْلِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُحْرِمًا وَقْتَ الدَّلَالَةِ وَحَلَّ وَقْتَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَ الْقَتْلِ فَيُشْتَرَطُ الْإِحْرَامُ عِنْدَ الْقَتْلِ
وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهَا يَعْرِضُ الِانْتِقَالَ أَيْ الدَّلَالَةَ، جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَتْ الدَّلَالَةُ جِنَايَةً بِنَفْسِهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَى قَتْلِ الْمَدْلُولِ الصَّيْدَ فَقَالَ غَيْرَ أَنَّهَا يَعْرِضُ الِانْتِقَاضُ وَالْإِبْطَالُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَوَارَى الصَّيْدُ عَنْ الْمَدْلُولِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَعُودَ آمِنًا كَمَا كَانَ وَصَارَ كَمَا إذَا أَخَذَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ أَوْ رَمَاهُ فَلَمْ يُصِبْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَكَانَ ذَلِكَ أَيْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ إلَى الِاسْتِقْرَارِ بِمَنْزِلَةِ الْجِرَاحَةِ فَيَسْتَأْنِي فِيهَا أَيْ يَنْتَظِرُ مَآلَ أَمْرِهَا لِمَعْرِفَةِ قَرَارِهَا فِي حَقِّ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ انْدِمَالَهَا بِالْبُرْءِ مُتَوَهَّمٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ وَهُوَ كَالْمُضَارِبِ إذَا أَمَرَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي بَلَدِ كَذَا فَجَاوَزَهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِنَفْسِ الْمُجَاوَزَةِ وَلَكِنْ لَا يَتَأَكَّدُ لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَاضِ بِالْمُعَاوَدَةِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَإِذَا انْصَرَفَ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ فَحِينَئِذٍ يَتَأَكَّدُ الضَّمَانُ كَذَا هَاهُنَا
فَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى مَالِ النَّاسِ فَلَيْسَتْ بِنَفْسِهَا بِمُبَاشَرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ بِالْبُعْدِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ وَأَعْيُنِهِمْ بَلْ هُوَ مَحْفُوظٌ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ وَبِأَيْدِيهِمْ وَالدَّالُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْحِفْظَ أَيْضًا فَلَا يَصِيرُ جَانِيًا بِإِزَالَتِهِ الْحِفْظَ بِدَلَالَتِهِ فَبَقِيَتْ دَلَالَتُهُ سَبَبًا مَحْضًا.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ دَلَالَةُ الْمُودَعِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا فَإِنَّ دَلَالَةَ الْمُودَعِ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ سَبَبٌ مَحْضٌ كَدَلَالَةِ غَيْرِ الْمُودَعِ لِتَخَلُّلِ فِعْلِ الْمُخْتَارِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّلَفِ ثُمَّ إنَّهَا تُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الدَّالِّ بِالِاتِّفَاقِ فَقَالَ هُوَ ضَامِنٌ بِجِنَايَتِهِ عَلَى مَالِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْحِفْظِ وَتَضْيِيعِهِ إيَّاهَا فَكَانَ ضَامِنًا بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ التَّسْبِيبِ مُضَافًا إلَيْهِ أَيْ إلَى الدَّالِّ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ أَيْ مُوجِبِ عَقْدِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ تَرَكَ مَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدِ الْإِحْرَامِ مِنْ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَأَمْنِهِ عَنْهُ كَالْمُودَعِ تَرَكَ مَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَكَانَ صَيْدُ الْحَرَمِ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ مِثْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ يَعْنِي لَوْ دَلَّ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقُتِلَ بِدَلَالَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ الدَّالُّ شَيْئًا كَمَا لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ لِيَسْرِقَهُ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رَاجِعًا إلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ مِثْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْحَرَمَ مَأْمَنًا آمِنًا لِاسْتِينَاسِ زُوَّارِ الْبَيْتِ وَمُجَاوِرِيهِ لِيَبْقَى مَعْمُورًا إلَى آخِرِ الدَّهْرِ بِمُجَاوَرَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ فَإِنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْأَمْنِ فَكَانَتْ حُرْمَةُ الصَّيْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ عِمَارَةِ الْحَرَمِ وَزِينَتِهِ فَأَشْبَهَ تَعَرُّضُ الصَّيْدِ فِيهِ إتْلَافَ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ وَإِتْلَافَ مَتَاعِ الْمَسْجِدِ وَالْأَمْوَالِ الْمُحْتَرَمَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْأَمْوَالِ الْمَوْقُوفَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ فِيهِ ضَمَانُ الْمَحَلِّ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْجَانِي وَالضَّمَانُ الْوَاجِبُ بِالْإِحْرَامِ جَزَاءُ الْفِعْلِ حَتَّى تَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْجَانِي مَعَ إيجَادِ الْمَحَلِّ كَالْجَزَاءِ الْوَاجِبِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ عَمْدًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَقِيَتْ دَلَالَتُهُ سَبَبًا مَحْضًا كَدَلَالَةِ غَيْرِ
стр. 1301
وَمَنْ دَفَعَ إلَى صَبِيٍّ سِكِّينًا أَوْ سِلَاحًا آخَرَ لِيُمْسِكَهُ لِلدَّافِعِ فَوَجَأَ بِهِ نَفْسَهُ لَمْ يَضْمَنْ الدَّافِعُ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ مَحْضٌ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ لَا تُضَافُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ وَإِذَا سَقَطَ عَنْ يَدِ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ فَجَرَحَهُ كَانَ ذَلِكَ الدَّافِعُ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَطَبُ هَا هُنَا لِأَنَّ السُّقُوطَ أُضِيفَ إلَى الْإِمْسَاكِ فَصَارَ سَبَبًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ وَشُبِّهَ بِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُودَعِ السَّارِقَ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ لِتَخَلُّلِ فِعْلِ مُخْتَارٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّلَفِ وَهُوَ فِعْلُ الصَّائِدِ وَانْعِدَامُ عَقْدِ الْتِزَامٍ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ مِنْ الْحَلَالِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ دَفَعَ) مِثَالٌ آخَرُ لِلسَّبَبِ الْمَحْضِ فَوَجَأَ بِهِ نَفْسَهُ أَيْ ضَرَبَ بِذَلِكَ السِّكِّينِ أَوْ السِّلَاحِ نَفْسَهُ فَهَلَكَ مِنْ الْوَجِّ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْيَدِ أَوْ بِالسِّكِّينِ مِنْ بَابِ مَنَعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الدَّفْعَ إلَى الصَّبِيِّ سَبَبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى التَّلَفِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ وَهِيَ قَتْلُ الصَّبِيِّ نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ لَا تُضَافُ تِلْكَ الْعِلَّةُ إلَى السَّبَبِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ السِّلَاحِ لَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَأَنَّهُ تَلِفَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ جِهَةِ الدَّافِعِ فَإِذَا سَقَطَ عَنْ يَدِ الصَّبِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ فَجَرَحَهُ كَانَ الضَّمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أُضِيفَ إلَى الدَّافِعِ الْعَطَبُ أَيْ الْهَلَاكُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَمْ يَحْصُلْ بِمُبَاشَرَتِهِ فِعْلَ الْإِهْلَاكِ اخْتِيَارًا بَلْ بِإِمْسَاكِهِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ دَفْعِ الدَّافِعِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي الدَّفْعِ فَيُضَافُ مَا لَزِمَ مِنْ الْإِمْسَاكِ إلَيْهِ فَيَضْمَنُ فَصَارَ أَيْ الدَّفْعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ سَبَبًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عِلَّةَ التَّلَفِ وَهِيَ السُّقُوطُ عَنْ يَدِ الصَّبِيِّ تُضَافُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَدَافِعِ السِّكِّينِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَنْ حَمَلَ صَبِيًّا يَعْنِي صَبِيًّا حُرًّا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ.
لَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ أَيْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إلَى بَعْضِ الْمَهَالِكِ فَهَلَكَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْ بِالْحَرِّ فِي مَوْضِعِ الْحَرِّ أَوْ بِالْبَرْدِ فِي مَوْضِعِ الْبَرْدِ أَوْ بِالتَّرَدِّي مِنْ الشَّاهِقِ أَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَسْبَعَةً أَوْ مُحَيَّاةً فَهَلَكَ بِافْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ لَدْغِ حَيَّةٍ كَانَ عَاقِلَةُ الْغَاصِبِ أَيْ الَّذِي حَمَلَهُ إلَى الْمَهْلَكَةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ ضَامِنًا لِلدِّيَةِ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ قِيلَ ضَامِنَةً أَوْ ضَامِنِينَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَرَّ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَإِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يَخْتَصُّ بِمَا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَالْحَرُّ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَمْ يَكُنْ النَّقْلُ إلَى الْمَهْلَكَةِ غَصْبًا فَصَارَ كَمَا لَوْ نَقَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِمَرَضٍ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ.
فَالْحُرُّ حَقِيقَةً أَوْلَى بِذَلِكَ وَكَذَا لَوْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فَكَذَا لَوْ لَمْ يُعَبِّرْ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمَا لَا يُضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَالْمُسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي تَسَبُّبِهِ كَانَ ضَامِنًا لِلدِّيَةِ عَلَى مَا قُلْته كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَحْفُوظٌ بِيَدِ الْوَلِيِّ فَصَارَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مُمْسِكَةً لِحِفْظِهِ فَإِذَا أَزَالَ يَدَهُ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي فَقَدْ أَزَالَ الْمُمْسِكَةَ الْحَافِظَةَ وَصَارَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ الْغَاصِبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِوُجُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بِلَا مُعَارَضَةٍ فَإِنَّ الصَّبِيَّ لَا يُعَارِضُهُ بِيَدِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ إذْ لَا عِبَارَةَ لَهُ فَصَارَ النَّقْلُ إلَى الْمَهْلَكَةِ مُضَافًا إلَى يَدِ الْغَاصِبِ كَمَا فِي الدَّابَّةِ فَكَانَ تَحْصِيلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَعَدِّيًا وَالتَّلَفُ مُضَافٌ إلَى حُصُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ إذْ لَوْ كَانَ بِمَكَانٍ آخَرَ لَمَا أَصَابَهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلتَّلَفِ فَكَانَ تَقْرِيبُهُ إلَى الْمَهْلَكَةِ سَبَبًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَوْلَا تَقْرِيبُهُ إيَّاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَهْلَكَةِ لَمَا أَصَابَتْهُ الْآفَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِمَرَضٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْهَلَاكِ أَمْرٌ حَدَثَ مِنْ نَفْسِ الصَّبِيِّ وَلَا يُضَافُ إلَى إزَالَةِ الْوَلِيِّ عَنْهُ وَلَا إلَى نَقْلِهِ إلَى مَكَان آخَرَ بِوَجْهٍ إذْ لَا يُقَالُ لَوْلَا أَخْذُهُ مِنْ يَدِ وَلِيِّهِ وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَوْلَا تَقْرِيبُهُ مِنْ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَمُتْ إذْ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْوَلِيِّ وَفِي الْمَكَانِ الْأَوَّلِ لَأَصَابَهُ الْمَوْتُ أَيْضًا إذْ الْمَوْتُ مَحْتُومٌ عَلَى الْعِبَادِ فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ سَبَبًا فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ بِلِسَانِهِ فَلَا تَثْبُتُ يَدُهُ حُكْمًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ حَكَّمَ فِيهِ قَوْلَ الصَّبِيِّ لَا يَدَهُ.
وَبِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ
стр. 1302
وَكَذَلِكَ مَنْ حَمَلَ صَبِيًّا لَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ لَهُ إلَى بَعْضِ الْمَهَالِكِ مِثْلُ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ الشَّوَاهِقِ فَعَطِبَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ كَانَ عَاقِلَةُ الْغَاصِبِ ضَامِنًا إذَا قُتِلَ الصَّبِيُّ فِي يَدِهِ رَجُلًا لَمْ يَرْجِعْ عَاقِلَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ بِمَرَضٍ لَمْ تَضْمَنْ عَاقِلَةُ غَاصِبِهِ شَيْئًا لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ مَنْ حَمَلَ صَبِيًّا لَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ عَلَى دَابَّةٍ كَانَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ فَإِنْ سَقَطَ مِنْهَا وَهِيَ وَاقِفَةٌ أَوْ سَارَتْ بِنَفْسِهَا ضَمِنَهُ عَاقِلَةُ الْحَامِلِ إذَا كَانَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ أَوْ لَا
ــ
[كشف الأسرار]
الْوِلَايَةَ عَلَى الْمُكَاتَبِ الصَّغِيرِ وَجُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْكَبِيرِ حُكْمًا حَتَّى لَا يُوَلَّى عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَكْسَابِ وَلَا عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُزَوَّجُ وَلَمَّا أُلْحِقَ بِالْكَبِيرِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدٌ لِلْمُسْتَوْلِي؛ لِأَنَّ يَدَهُ فِي نَفْسِهِ أَقْرَبُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَتَبَيَّنَ بِمَا قُلْنَا أَنَّ هَذَا ضَمَانُ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانُ غَصْبٍ وَالْحُرُّ يَضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ مُبَاشَرَةً وَتَسْبِيبًا وَإِذَا قَتَلَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ الْغَاصِبِ رَجُلًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً حَتَّى ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَاقِلَتُهُ بِمَا ضَمِنَتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَأَ الْقَتْلَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَوْ ثَبَتَ لِلْعَاقِلَةِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ كَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْحُرُّ لَا يَضْمَنُ بِالْيَدِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا لَا تَضْمَنُ عَاقِلَةُ الْغَاصِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ تَضْمَنْ إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ بِمَرَضٍ لِمَا ذَكَرْنَا دَلِيلُ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ يَعْنِي ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ سُقُوطِ السِّكِّينِ أَنَّ الدَّافِعَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ فِيهَا سَبَبٌ لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ لِإِضَافَةِ السُّقُوطِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ إلَى بَعْضِ الْمَهَالِكِ وَذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الصَّبِيِّ نَفْسَهُ أَنَّ الدَّافِعَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِاعْتِرَاضِ عِلَّةٍ تَمْنَعُ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الدَّفْعِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الصَّبِيِّ رَجُلًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَفِي مَسْأَلَةِ مَوْتِ الصَّبِيِّ فِي يَدِهِ بِمَرَضٍ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ مَنْ دَفَعَ سِكِّينًا فِي أَنَّهُ إذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ انْقَطَعَ الْحُكْمُ عَنْهُ وَبَقِيَ سَبَبًا مَحْضًا وَإِلَّا كَانَ سَبَبًا فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ مَنْ حَمَلَ صَبِيًّا حُرًّا عَلَى دَابَّةٍ وَقَالَ أَمْسِكْهَا لِي وَلَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ كَانَ هَذَا أَيْ حَمْلُهُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَيْهِ.
فَإِنْ سَقَطَ الصَّبِيُّ مِنْ الدَّابَّةِ وَهَلَكَ وَهِيَ وَاقِفَةٌ وَقَدْ سَارَتْ بِنَفْسِهَا ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْحَامِلِ أَيْ دِيَةَ الصَّبِيِّ سَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مِمَّنْ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ أَيْ يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِ نَفْسِهِ وَضَبْطِهَا وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ سَبَبٌ لِإِتْلَافِهِ حِينَ حَمَلَهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَوْلَا حَمْلُهُ لَمَا سَقَطَ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبِيلٍ مِنْهُ شَرْعًا وَلَمْ تُوجَدْ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا بَعْدُ فَبَقِيَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَصَارَ الْحَامِلُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَبِّبَ كَالْمُبَاشِرِ فِي هَذَا الْبَابِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا وَإِنْ سَاقَهَا الصَّبِيُّ وَهُوَ بِحَيْثُ يَصْرِفُهَا أَيْ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ الدَّابَّةِ مِنْ السَّيْرِ وَعَلَى أَنْ يُسَيِّرَهَا عَلَى وَفْقِ إرَادَتِهِ انْقَطَعَ السَّبَبُ أَيْ لَمْ يَبْقَ السَّبَبُ مُعْتَبَرًا بِهَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ الْحَادِثَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ مُسْتَمْسِكًا عَلَى الدَّابَّةِ كَانَ مُحْتَارًا فِي تَسْيِيرِ الدَّابَّةِ وَالتَّلَفُ حَدَثَ تَسْيِيرُهَا فَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى السَّبَبِ فِعْلٌ مُخْتَارٌ فَانْقَطَعَ بِهِ نِسْبَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ ضَمِنَ الْحَامِلُ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَتَاعٍ مَوْضُوعٍ عَلَيْهَا فَلَا يُمْكِنُ نِسْبَةُ السَّيْرِ إلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُ بِهِ نِسْبَةَ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ بَقِيَ مُضَافًا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ دَافِعِ السِّكِّينِ أَوْ الْحَامِلِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا رَجُلٌ قَالَ لِصَبِيٍّ اصْعَدْ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَانْفُضْ ثَمَرَتَهَا لِتَأْكُلَ أَنْتَ أَوْ لِنَأْكُلَ نَحْنُ فَفَعَلَ فَعَطِبَ لَمْ يَضْمَنْ الْآمِرُ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ فَإِنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّقُوطِ وَالْهَلَاكِ مَا هُوَ عِلَّةٌ وَهُوَ صُعُودُ الصَّبِيِّ الشَّجَرَةَ بِاخْتِيَارِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَيَنْقَطِعُ نِسْبَةُ الْحُكْمِ بِهَا عَنْ السَّبَبِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ فِي قَوْلِهِ لِتَأْكُلَ أَنْتَ وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ لِنَأْكُلَ نَحْنُ لَا يَسْتَقِيمُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ نِصْفُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِآكُلَ أَنَا يُوجِبُ كُلَّ الدِّيَةِ.
وَقَوْلُهُ: لِتَأْكُلَ أَنْتَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا فَإِذَا قَالَ لِنَأْكُلَ نَحْنُ كَانَ جَامِعًا بَيْنَ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ فَيُوجِبُ سُقُوطَ نِصْفِهِ كَمَا إذَا لَدَغَتْهُ حَيَّةٌ وَجَرَحَهُ إنْسَانٌ يَسْقُطُ نِصْفُ الضَّمَانِ لِاجْتِمَاعِ الْمُوجِبِ وَغَيْرِ الْمُوجِبِ (قُلْنَا) الْأَصْلُ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ دُونَ السَّبَبِ وَإِنَّمَا يُضَافُ إلَى السَّبَبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ إلَى الْعِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَاهُنَا لَمْ يَتَعَذَّرْ الْإِضَافَةُ؛ لِأَنَّ صُعُودَ الصَّبِيِّ
стр. 1303
لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْعِلَّةِ وَإِنْ سَاقَهَا الصَّبِيُّ وَهُوَ بِحَيْثُ يَصْرِفُهَا انْقَطَعَ التَّسْبِيبُ بِهَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ الْحَادِثَةِ وَكَذَلِكَ رَجُلٌ قَالَ لِصَبِيٍّ اصْعَدْ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَانْفُضْ ثَمَرَتَهَا لِتَأْكُلَ أَنْتَ أَوْ لِنَأْكُلَ نَحْنُ فَفَعَلَ فَعَطِبَ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ وَلَوْ قَالَ لِآكُلَ أَنَا ضَمِنَ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْعِلَّةِ لَمَّا وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ لَهُ وَمَسَائِلُنَا عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.
فَأَمَّا الَّذِي يُسَمَّى سَبَبًا مَجَازًا فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَمِثْلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَمِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ سُمِّيَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ مَجَازًا وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ سَبَبًا مَجَازًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا وَالْيَمِينُ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ وَذَلِكَ قَطُّ لَا يَكُونُ طَرِيقًا لِلْجَزَاءِ وَلَا لِلْكَفَّارَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ سُمِّيَ سَبَبًا مَجَازًا
ــ
[كشف الأسرار]
بِاخْتِيَارِهِ لِمَنْفَعَةِ دُرِّ نَفْسِهِ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ صَالِحٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ السَّبَبِ وَإِنْ كَانَ إشْرَاكُ الْأَمْرِ نَفْسِهِ فِي الْمَنْفَعَةِ بِقَوْلِهِ لِنَأْكُلَ نَحْنُ صَالِحًا لِلْإِضَافَةِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ سَبَبٌ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ دُونَ السَّبَبِ فَأَمَّا الْجَرْحُ وَاللَّدْغُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ لِلتَّلَفِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَتَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْأَمْرَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْعِلَّةِ لَمَّا وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ لَهُ يَعْنِي لَمَّا وَقَعَتْ مُبَاشَرَةُ الصَّبِيِّ عِلَّةَ التَّلَفِ وَهِيَ الصُّعُودُ لِلْأَمْرِ بِحُكْمِ الْأَمْرِ صَارَ الْأَمْرُ مُسْتَعْمَلًا لَهُ فِي التَّلَفِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ وَأُضِيفَ فِعْلُ الصَّبِيِّ إلَيْهِ فَصَارَ أَمْرُهُ سَبَبًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ بِإِضَافَةِ الْعِلَّةِ إلَيْهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ الْمَحْضَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَيُضَافُ إلَى السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي يُسَمَّى سَبَبًا مَجَازًا) أَيْ السَّبَبُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّبَبِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَا الْقِسْمُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَقْسَامِ سِوَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَجَازًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ إلَى الْحُكْمِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ فِيهِ مَوْجُودٌ مَعَ زِيَادَةِ مَعْنًى وَهُوَ التَّأْثِيرُ وَمِثْلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ النَّذْرُ قَدْ يُعَلَّقُ بِشَرْطٍ يُرَادُ كَوْنُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِشَرْطِ الْإِيرَادِ كَوْنُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ كَذَا وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يُرَادُ كَوْنُهُ سَبَبًا فِي الْحَالِ إذْ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيقِ حُصُولُ الشَّرْطِ فَكَانَ مَقْضِيًّا إلَى وُجُودِ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ عَدَمُ الشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ مُفْضِيًا إلَى وُجُودِ الْمَشْرُوطِ فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ سَبَبًا مَجَازًا فَأَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ الْمُعَلَّقُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ إلَى أَنَّ الْوَجْهَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ عَلَيَّ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ فِي الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَصِلْ إلَى ذِمَّتِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا فَكَانَ تَسْمِيَتُهُ سَبَبًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى كَبَيْعِ الْحُرِّ إلَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ تَصَرُّفٌ آخَرُ وَهُوَ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِمَقْصُودٍ وَفِي ذَلِكَ الْمَقْصُودِ قَدْ صَادَفَ التَّصَرُّفَ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا وَكَانَ هَذَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَرْمَى فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعْتَبَرًا عَلَى أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا بِالْوُصُولِ إلَيْهِ ثُمَّ السِّرَايَةِ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَأَمَّا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَكُونُ قَتْلًا وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تُرْسٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا كَذَا فِي التَّقْوِيمِ.
وَمِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ يَعْنِي قَبْلَ الْحِنْثِ وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ مَجَازًا يَعْنِي سُمِّيَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِلْكَفَّارَةِ وَسُمِّيَ الْمُعَلَّقُ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَا أَنَّ الْيَمِينَ أَوْ الْمُعَلَّقَ سَبَبٌ حَقِيقَةً لِمَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ وَإِنَّمَا قَالَ أَدْنَى؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ حَقِيقَةً أَوْ السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ أَوْ طَرِيقٌ إلَيْهِ مَعَ نَوْعِ تَأْثِيرٍ فَاَلَّذِي لَا تَأْثِيرَ فِيهِ يَكُونُ أَدْنَى حَالًا مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّبَبِيَّةِ حَقِيقَةً وَالْيَمِينُ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْبِرُّ قَطُّ لَا يَكُونُ طَرِيقًا لِلْجَزَاءِ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا لِلْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ مَانِعٌ مِنْ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَبِدُونِ الْحِنْثِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَانِعُ عَنْ الْحُكْمِ سَبَبًا لِثُبُوتِهِ وَطَرِيقًا إلَيْهِ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ أَيْ الْحَلِفَ أَوْ الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْمُعَلَّقُ أَوْ الْيَمِينُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ أَيْ يُفْضِيَ إلَى الْحُكْمِ
стр. 1304
وَهَذَا عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ ﵀ جَعَلَهُ سَبَبًا هُوَ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ وَعِنْدَنَا لِهَذَا الْمَجَازِ شُبْهَةُ الْحَقِيقَةِ حُكْمًا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ وَذَلِكَ تَبَيَّنَ فِي مَسْأَلَةِ التَّنْجِيزِ هَلْ يُطْلَقُ التَّعْلِيقُ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا يُبْطِلُهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ وَإِذَا صَارَ مَضْمُونًا بِهِ صَارَ لِمَا ضَمِنَ بِهِ الْبِرَّ لِلْحَالِ شُبْهَةُ الْوُجُوبِ كَالْمَغْصُوبِ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فَيَكُونُ لِلْغَصْبِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ شُبْهَةُ إيجَابِ الْقِيمَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الشُّبْهَةُ إلَّا فِي مَحَلِّهِ كَالْحَقِيقَةِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْمَحَلِّ فَإِذَا فَاتَ الْمَحَلُّ بَطَلَ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ الْجَزَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ سُمِّيَ سَبَبًا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ خَمْرًا فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وَتَسْمِيَةِ الْبَيْضِ صَيْدًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْبَيْضُ فِي عَامَّةِ الْأَقَاوِيلِ وَتَسْمِيَةُ الْأَحْيَاءِ أَمْوَاتًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
قَوْلُهُ (وَهَذَا عِنْدَنَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ وَالْيَمِينِ لَيْسَا بِسَبَبَيْنِ فِي الْحَالِ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا مَعْنَى الْعِلَّةِ مَذْهَبُنَا حَتَّى لَمْ يَجُزْ التَّكْفِيرُ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَجَوَّزْنَا التَّعْلِيقَ بِالْمِلْكِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ جَعَلَهُ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْيَمِينُ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ سَبَبًا هُوَ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْحِنْثِ وَالْمُعَلَّقَ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبًا فِي الْحَالِ لَا عِلَّةً بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ الْحُكْمِ وَلَكِنْ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ لَا غَيْرُ وَإِذَا كَانَ سَبَبًا فِي الْحَالِ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَالْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ وَالْعَبْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي مِلْكِهِ لَيْسَا بِمَحَلَّيْنِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ (وَعِنْدَنَا لِهَذَا الْمَجَازِ) يَعْنِي الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ مَجَازًا وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ طَالِقٌ شُبْهَةُ الْحَقِيقَةِ أَيْ جِهَةُ كَوْنِهِ عِلَّةً حَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ خَالٍ عَنْ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ بَلْ هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ أَيْ الْخِلَافُ يَتَبَيَّنُ فِي مَسْأَلَةِ التَّنْجِيزِ هَلْ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُلُثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَالتَّنْجِيزُ تَفْعِيلٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَاجَزَ يُنَاجِزُ أَيْ نَقَدَ يَنْقُدُ وَأَصْلُهُ التَّعْجِيلُ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ فَعِنْدَنَا يُبْطِلُ التَّنْجِيزُ التَّعْلِيقَ حَتَّى لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ يَعْنِي الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْيَمِينِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِغَيْرِهِ تَحْقِيقُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ فَإِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَلِفِ كَانَ جَائِزَ الْإِقْدَامِ وَالتَّرْكِ فَإِذَا قَصَدَ الْحَالِفُ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَتَحْقِيقَهُ أَكَّدَهُ بِالْيَمِينِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى تَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْبِرُّ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ لَا مَحَالَةَ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْيَمِينِ مِنْ الْحَمْلِ وَالْمَنْعِ وَإِذَا صَارَ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ يَعْنِي فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ لِمَا ضَمِنَ بِهِ الْبِرُّ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا شُبْهَةُ الْوُجُوبِ أَيْ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ يَعْنِي قَبْلَ فَوَاتِ الْبِرِّ كَالْمَغْصُوبِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ عِنْدَ فَوَاتِ الْمَغْصُوبِ لَا مَحَالَةَ فَيَكُونُ الْغَصْبُ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ شُبْهَةَ إيجَابِ الْقِيمَةِ حَتَّى صَحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْقِيمَةِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ بِهَا حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثُبُوتٌ بِوَجْهٍ لَمَا صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كَمَا لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْغَصْبِ.
وَتَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبِرَّ وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ خَوْفِ لُزُومِ الْجَزَاءِ لَا لِعَيْنِهِ إذْ لَيْسَ إلَى الْعَبْدِ إيجَابُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ نَصْبُ شَرِيعَةٍ وَهُوَ نَزَعَ إلَى الشِّرْكَةِ وَمَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَالْبِرُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاجِبٌ كَانَ ثَابِتًا مَوْجُودًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِعَيْنِهِ كَانَ مَعْدُومًا فِي نَفْسِهِ فَثَبَتَ لَهُ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ يَثْبُتُ بِقَدْرِهَا عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ فَثَبَتَ لِسَبَبِهِ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ أَيْضًا لِيَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا عَنْ قَدْرِ سَبَبِهِ
стр. 1305
وَعَلَى قَوْلِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا الْمِلْكُ لِلْحَالِ اُعْتُبِرَ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْوُجُودِ لِيَصِحَّ الْإِيجَابُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِلْبَقَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَعَرَفْنَا أَنَّ لِهَذَا السَّبَبِ وَهُوَ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ شُبْهَةَ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَلَا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ ثَبَتَ لِلْبِرِّ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْتُمْ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْجَزَاءِ بِقَدْرِهَا عَرَضِيَّةُ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجَزَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِفَوَاتِ الْبِرِّ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَا بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْبِرِّ فِيهَا أَصْلِيٌّ بِخِلَافِ الْمُنْعَقِدَةِ وَعَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ لِلْبِرِّ لَوْ ثَبَتَتْ إنَّمَا تَثْبُتُ مِنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْبِرِّ غَيْرَ وَاجِبٍ لِعَيْنِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ لَهُ مِنْ الْأَصْلِ لَا أَنْ تَثْبُتَ لَهُ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ بَعْدَ الْوُجُودِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ بِهَذِهِ الْعَرَضِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَا ذَكَرْت مُسَلَّمٌ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ فِي التَّعْلِيقِ قَدْ يَثْبُتُ الْجَزَاءُ عِنْدَ عَدَمِ الْبِرِّ مِنْ الْأَصْلِ كَمَا يَثْبُتُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ بَعْدَ الْوُجُودِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت أَمْسِ كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَقَدْ كَانَ فَعَلَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَعَرَضِيَّةُ عَدَمِ الْبِرِّ فِيهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ تُوجِبُ عَرَضِيَّةَ وُجُودِ الْجَزَاءِ بِقَدْرِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ ثُبُوتِ شُبْهَةِ السَّبَبِيَّةِ لِلْمُعَلَّقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَمْ يَبْقَ شُبْهَةُ السَّبَبِ إلَّا فِي مَحَلِّهِ أَيْ مَحَلِّ السَّبَبِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الشُّبْهَةِ وَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَى التَّذْكِيرِ إذْ لَا يُقَالُ شَبَهٌ وَشُبْهَةٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَا بُدَّ لِشُبْهَةِ السَّبَبِ مِنْ مَحَلٍّ يَبْقَى فِيهِ كَمَا لَا بُدَّ لِحَقِيقَةِ السَّبَبِ مِنْ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ لَا تَثْبُتُ فِيمَا لَا تَثْبُتُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ فِي الرِّجَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ عِنْدَهُمَا وَأَنَّ شُبْهَةَ الْبَيْعِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ لَا تَثْبُتُ فِيهِمَا فَإِذَا فَاتَ الْمَحَلُّ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ بَطَلَ أَيْ التَّعْلِيقُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَطَلَتْ أَيْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ أَوْ الْيَمِينَ يَثْبُتُ بِصِفَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُعَلَّقِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَإِذَا بَطَلَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ لَمْ يَبْقَ التَّعْلِيقُ لِبُطْلَانِ مَحَلِّ الْجَزَاءِ كَمَا يَبْطُلُ بِبُطْلَانِ مَحَلِّ الشَّرْطِ بِأَنْ جَعَلَ الدَّارَ بُسْتَانًا وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاءُ الْمِلْكِ لِبَقَاءِ التَّعْلِيقِ كَمَا شَرَطَ الْحِلَّ؛ لِأَنَّ مَحَلِّيَّةَ الطَّلَاقِ تَثْبُتُ بِمَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ وَمَحَلِّيَّةُ النِّكَاحِ تَفْتَقِرُ إلَى بَقَاءِ الْحِلِّ وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى بَقَاءِ الْمِلْكِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَشَرْطُ الْمِلْكِ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا سَنَذْكُرُ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ زُفَرَ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَصْلًا يَعْنِي لَيْسَ لِهَذَا الْمَجَازِ شُبْهَةُ الْحَقِيقَةِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلسَّبَبِ، وَشُبْهَتُهُ مِنْ مَحَلٍّ يَنْعَقِدُ فِيهِ كَالسَّبَبِ الْحِسِّيِّ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ حَائِلٌ بَيْنَ الْمُعَلَّقِ وَمَحَلِّهِ فَأَوْجَبَ قَطْعَ السَّبَبِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَالتُّرْسِ إذَا حَالَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْمَرْمِيِّ إلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ جِهَةُ السَّبَبِيَّةِ بِوَجْهٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَحَلِّ وَاحْتِمَالُ صَيْرُورَتِهِ سَبَبًا فِي الزَّمَانِ الثَّانِي لَا يُوجِبُ اشْتِرَاطَ الْمَحَلِّ فِي الْحَالِ بَلْ يَكْفِيهِ احْتِمَالُ حُدُوثِ الْمَحَلِّيَّةِ وَهُوَ قَائِمٌ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهَا إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ فِي الْحَالِ يَمِينٌ وَمَحَلُّهَا ذِمَّةُ الْحَالِفِ فَتَبْقَى بِبَقَائِهَا.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا الْمِلْكُ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا خَلَا الْمُعَلَّقُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ حَقِيقَةً وَشُبْهَةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْمِلْكُ وَالْحِلُّ فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيقِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ لِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ لَمَّا شَرَطَ الْمِلْكَ وَالْحِلَّ فِي ابْتِدَاءٍ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ عَنْ شُبْهَةِ السَّبَبِيَّةِ فَقَالَ اشْتِرَاطُ الْمِلْكِ
стр. 1306
فَكَذَلِكَ الْحِلُّ وَذَلِكَ مِثْلُ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ يَصِحُّ فِي امْرَأَةٍ حَرُمَتْ بِالثَّلَاثِ عَلَى الْحَالِفِ بِالْمِلْكِ وَإِنْ عَدِمَ الْحِلَّ عِنْدَ الْحَلِفِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ فَصَارَ ذَلِكَ مُعَارِضًا لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ السَّابِقَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْإِيجَابُ الْمُضَافُ فَهُوَ سَبَبٌ لِلْحَالِ وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلَلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَأَمَّا السَّبَبُ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ فَمِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الِابْتِدَاءِ لَيْسَ لِشُبْهَةِ السَّبَبِيَّةِ وَلَكِنْ اشْتِرَاطُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ يَمِينٍ وَهِيَ وُضِعَتْ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ عِنْدَ تَرْكِ الْبِرِّ يَتَحَرَّزُ عَنْهُ وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ التَّرْكِ لَا يُبَالِي بِفَوَاتِ الْبِرِّ فَيُفَوِّتُ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْيَمِينِ فَشَرَطَ الْمِلْكَ فِي الِابْتِدَاءِ لِيَكُونَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ الرَّاهِنَةِ ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْيَمِينُ بِوُجُودِ الْمِلْكِ لَمْ يُشْتَرَطْ لِلْبَقَاءِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَالْمِلْكِ الْحِلُّ يُشْتَرَطُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَقَاءِ.
ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ التَّعْلِيقِ أَيْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْحِلِّ لِبَقَاءِ التَّعْلِيقِ مِثْلُ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الثَّلَاثِ بِالْمِلْكِ فِي امْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَى الْحَالِفِ بِالثَّلَاثِ يَصِحُّ بِأَنْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَأَنْ يَبْقَى بِدُونِ الْحِلِّ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ.
وَالْجَوَابُ يَعْنِي عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ زُفَرُ وَهُوَ مَسْأَلَةُ التَّعْلِيقِ بِالْمِلْكِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ وَهُوَ النِّكَاحُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الطَّلَاقُ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الطَّلَاقِ يُسْتَفَادُ بِالنِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ لَهُ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِحَقِيقَةِ عِلَّتِهِ يُبْطِلُ حَقِيقَةَ الْإِيجَابِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ أَعْتَقْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ بَاطِلًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ هَذَا التَّطْلِيقِ فَالتَّعْلِيقُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ يُبْطِلُ شُبْهَةَ الْإِيجَابِ اعْتِبَارًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ فَصَارَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُ هَذَا الشَّرْطِ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ مُعَارِضًا لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ أَيْ مَانِعًا لَهَا مِنْ الثُّبُوتِ وَهِيَ شُبْهَةُ وُقُوعِ الْجَزَاءِ وَثُبُوتُ السَّبَبِيَّةِ لِلْمُعَلَّقِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ السَّابِقَةُ عَلَيْهِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الشَّرْطِ وَمَعْنَى الْمُعَارَضَةِ أَنَّ أَصْلَ التَّعْلِيقِ يُوجِبُ ثُبُوتَ شُبْهَةِ وُقُوعِ الْجَزَاءِ وَكَوْنُ الشَّرْطِ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهَا فَامْتَنَعَ ثُبُوتُهَا بِمُعَارَضَتِهِ وَإِذَا امْتَنَعَ ثُبُوتُهَا بِمُعَارَضَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُ مَحَلِّ الْجَزَاءِ بَعْدُ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لَهُ بَلْ يَبْقَى التَّعْلِيقُ مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنْ الشُّبْهَةِ وَمَحَلُّهُ ذِمَّةُ الْخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ مَحْضَةٌ فَتَبْقَى بِبَقَائِهَا.
وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ مَرَّ فِي فَصْلِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْإِيجَابُ الْمُضَافُ فَهُوَ سَبَبٌ لِلْحَالِ) إذْ الْمَانِعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِيجَابِ سَبَبًا فِيهَا فِيمَا تَقَدَّمَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّعْلِيقِ الَّذِي هُوَ حَائِلٌ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَبَيْنَ مَحَلِّهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْإِيجَابِ الْمُضَافِ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا إلَّا أَنَّ حُكْمَهُ يَتَأَخَّرُ إلَى الْوَقْتِ الْمُضَافِ إلَيْهِ لِلْإِضَافَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ إضَافَةَ إيجَابِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُسَافِرِ إلَى عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَا يُخْرِجُ شُهُودَ الشَّهْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي حَقِّهِ حَقِيقَةً مِثْلُهُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْمُقِيمِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْإِضَافَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ عَنْ سَبَبِيَّةِ الْإِيجَابِ
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَتَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ صَحَّ عَنْ الْمَنْذُورِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَخَلَتْ عَلَى الْحُكْمِ فَأَجَّلَهُ لَا عَلَى نَفْسِ السَّبَبِ فَإِذَا عَجَّلَ الْمُؤَجَّلَ صَحَّ كَمَا إذَا عَجَّلَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ أَوْ عَجَّلَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا فَعَجَّلَ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَيْثُ لَا يَقَعُ عَنْ الْمَنْذُورِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلشَّرْطِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا يَصِحُّ
стр. 1307
بَابُ تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ) .
وَهِيَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ عِلَّةٌ اسْمًا وَحُكْمًا وَمَعْنًى وَهُوَ الْحَقِيقَةُ فِي الْبَابِ وَعِلَّةٌ اسْمًا لَا حُكْمًا وَلَا مَعْنًى وَهُوَ الْمَجَازُ وَعِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا وَعِلَّةٌ هُوَ فِي حَيِّزِ الْأَسْبَابِ لَهَا شَبَهٌ بِالْأَسْبَابِ وَوَصْفٌ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ وَعِلَّةٌ مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا وَعِلَّةٌ اسْمًا وَحُكْمًا لَا مَعْنًى أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ لِلْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ لِلْحِلِّ وَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ وَمَا يَجْرِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلَلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِهَا وَحَقِيقَةُ مَا وُضِعَتْ لَهُ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْأَثَرُ.
ــ
[كشف الأسرار]
التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ وَسَيَأْتِيك زِيَادَةُ بَيَانٍ لِهَذَا الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِثْلُ مَا قُلْنَا يَعْنِي السَّبَبَ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ سَبَبٌ مَجَازًا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ عَلَى مَا قَرَعَ سَمْعَك تَقْرِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ]
أَيْ تَقْسِيمُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعِلَّةِ أَوْ مَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ بِوَجْهٍ لَا تَقْسِيمُ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُنْقَسِمَةٍ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْحَقِيقَةُ تَتِمُّ بِأَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةً اسْمًا بِأَنْ تَكُونَ فِي الشَّرْعِ مَوْضُوعَةً لِمُوجِبِهَا وَيُضَافَ ذَلِكَ الْمُوجِبُ إلَيْهَا لَا بِوَاسِطَةٍ
وَثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةً مَعْنًى بِأَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ عِلَّةً حُكْمًا بِأَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا مُتَّصِلًا بِهَا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ كَانَتْ عِلَّةً حَقِيقَةً وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهَا بَعْضُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَانَتْ عِلَّةً مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً قَاصِرَةً عَلَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ ثُمَّ إنَّهَا تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ اسْتِكْمَالِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَعَدَمِ اسْتِكْمَالِهَا إلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ قِسْمَةً عَقْلِيَّةً: عِلَّةٍ اسْمًا وَمَعْنًى وَحُكْمًا وَفِي نَظَائِرِهَا كَثْرَةٌ،
وَعِلَّةٍ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا كَالْبَيْعِ لِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَعِلَّةٍ اسْمًا وَحُكْمًا لَا مَعْنَى كَالسَّفَرِ، وَعِلَّةٍ مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا كَالْوَصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ، وَعِلَّةٍ مَعْنًى لَا اسْمًا وَلَا حُكْمًا كَالْوَصْفِ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّيْخُ وَصْفًا لَهُ شَبَهُ الْعِلَلِ
وَعِلَّةٍ اسْمًا لَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالْقِسْمُ الْمَذْكُورُ رَابِعًا فِيهِ وَهُوَ الْعِلَّةُ الَّتِي لَهَا شُبْهَةٌ بِالْأَسْبَابِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا كَالْإِيجَابِ الْمُضَافِ أَوْ عِلَّةٌ مَعْنًى لَا اسْمًا وَلَا حُكْمًا كَعِلَّةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ شَبَهِهِ بِالْأَسْبَابِ الَّذِي قَدْ يَخْلُو الْقِسْمَانِ عَنْهُ جَعَلَهُ الشَّيْخُ قِسْمًا آخَرَ فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ بِهِ سَبْعَةً.
وَالْقِسْمُ السَّابِعُ بِالْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ الْعِلَّةُ حُكْمًا لَا اسْمًا وَلَا مَعْنًى مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي سَلِمَ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ وَالضَّمِيرُ فِي وَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ الْمَجَازُ رَاجِعٌ إلَى الْقِسْمِ مَعْنًى فِي حَيِّزِ الْأَسْبَابِ أَيْ فِي دَرَجَتِهَا وَمَحَلِّهَا وَالْحَيِّزُ كُلُّ مَكَان فَيْعُلُ مِنْ الْحَوْزِ هُوَ الْجَمْعُ
وَفِي الصِّحَاحِ الْحَيِّزُ مَا انْضَمَّ إلَى الدَّارِ مِنْ مَرَافِقِهَا وَكُلُّ نَاحِيَةٍ حَيِّزٌ فَمِثْلُ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ أَيْ الْبَيْعِ الْبَاتِّ الْخَالِي عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ
وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَلِ مِثْلُ التَّطْلِيقِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ لِإِزَالَةِ الرِّقِّ وَإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّذْرِ لِإِيجَابِ الْمَنْذُورِ وَنَحْوِهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِهَا، اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنِ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَعْنِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِلَلٌ حَقِيقَةً لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ لُغَةً أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمُغَيِّرِ وَحَقِيقَةً مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَتَكُونُ عِلَلًا حَقِيقَةً
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عِلَّةٌ اسْمًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَجْلِ هَذَا الْمُوجِبِ وَأَنَّ هَذَا الْمُوجِبَ مُضَافٌ إلَيْهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَعِلَّةٌ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ لِأَجْلِ هَذَا الْمُوجِبِ وَعِلَّةٌ حُكْمًا مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاخَى عَنْهُ فَكَانَ عِلَّةً حَقِيقَةً
وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ
стр. 1308
وَلَيْسَ مِنْ صِفَةِ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْحُكْمِ بَلْ الْوَاجِبُ اقْتِرَانُهُمَا مَعًا وَذَلِكَ كَالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ عِنْدَنَا فَإِذَا تَقَدَّمَ لَمْ يُسَمَّ عِلَّةً مُطْلَقَةً وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ
وَقَالَ لَا بَلْ مِنْ صِفَةِ الْعِلَّةِ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ يَعْقُبُهَا وَلَا يُقَارِنُهَا بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَرَضٌ لَا بَقَاءَ لَهَا لِيَكُونَ الْفِعْلُ عَقِيبَهَا فَلِضَرُورَةِ عَدَمِ الْبَقَاءِ تَكُونُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ فَأَمَّا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَهَا بَقَاءٌ وَأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ فَيُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا وَتَرَاخِي الْحُكْمِ عَنْهَا بِلَا فَصْلٍ
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْمَعْنَى كَذَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَوْ الِاصْطِلَاحِيَّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ مِنْ صِفَةِ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْحُكْمِ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ عَقْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ شَرْعِيَّةً تَتَقَدَّمُ فِي الْمَعْلُولِ رُتْبَةً وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ تُقَارِنُ مَعْلُولَهَا زَمَانًا كَحَرَكَةِ الْأُصْبُعِ تُقَارِنُ حَرَكَةَ الْخَاتَمِ وَفِعْلُ التَّحَرُّكِ يُقَارِنُ صَيْرُورَةَ الْفَاعِلِ مُتَحَرِّكًا وَكَالْكَسْرِ يُقَارِنُ الِانْكِسَارَ وَكَالِاسْتِطَاعَةِ تُقَارِنُ الْفِعْلَ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونَا مُتَقَارِنَيْنِ لَزِمَ بَقَاءُ الْأَغْرَاضِ أَوْ وُجُودُ الْمَعْلُولِ بِلَا عِلَّةٍ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقَدُّمِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى مَعْلُولِهَا وَتَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَنْهَا تَقَدُّمًا وَتَأَخُّرًا زَمَانِيًّا فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهَا مِثْلُ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فِي اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ كَالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ عِنْدَنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْوَاجِبُ كَذَا يَعْنِي الْوَاجِبَ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ اقْتِرَانُ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ عِنْدَنَا كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ وَالْفِعْلِ اقْتِرَانُهُمَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِذَا تَقَدَّمَتْ أَيْ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى الْحُكْمِ لَمْ تُسَمَّ عِلَّةً مُطْلَقَةً أَيْ تَامَّةً حَقِيقِيَّةً بَلْ تُسَمَّى عِلَّةً مَجَازًا أَوْ سَبَبًا فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَغَيْرِهِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَيْ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَوْ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ فَلَمْ يُجَوِّزْ تَرَاخِي الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَوْ تَرَاخِي الْفِعْلِ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَالَ لَا يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْ الْحُكْمِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَتَّصِلَ الْحُكْمُ بِهَا وَيَتَأَخَّرَ عَنْهَا لِمَانِعٍ.
كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إلَى جَوَازِ تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَنْهَا عِنْدَهُمْ دُونَ الْوُجُوبِ وَإِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ وَلَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى وُجُوبِ التَّأَخُّرِ وَعَدَمِ جَوَازِ الْمُقَارَنَةِ عِنْدَهُمْ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حُكْمُ الْعِلَّةِ يَثْبُتُ بَعْدَ الْعِلَّةِ بِلَا فَصْلٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ وَجْهُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِلَّةَ مَا لَمْ تُوجَدْ بِتَمَامِهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً حُكْمَهَا؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي شَيْءٍ وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ تُوجِبُ الْحُكْمَ بَعْدَ وُجُودِهَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهَا ضَرُورَةً وَإِذَا جَازَ تَقَدُّمُهَا بِزَمَانٍ جَازَ بِزَمَانَيْنِ وَأَزْمِنَةٍ بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَلَزِمَ الْقَوْلُ بِمُقَارَنَةِ الْفِعْلِ إيَّاهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ وُجُودُ الْمَعْلُولِ بِلَا عِلَّةٍ أَوْ خُلُوُّ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ فَأَمَّا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ فَمَوْصُوفَةٌ بِالْبَقَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ الْوَدِيعَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ جَائِزٌ بَعْدَ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَقَاءٌ شَرْعًا لَمَا تُصُوِّرَ فَسْخُهَا بَعْدَ مُدَّةٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَنْهَا مَا لَزِمَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا وَتَرَاخَى الْحُكْمِ عَنْهَا بِلَا فَصْلٍ أَيْ بِلَا لُزُومِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ بَاقِيَةً وَقْتَ وُجُودِ الْحُكْمِ ثَبَتَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا ضَرُورَةً وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ مُقَارَنَةُ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ مَعْلُولَهَا وَمُقَارَنَةُ الِاسْتِطَاعَةِ الْفِعْلَ وَالْأَصْلُ اتِّفَاقُ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَارِنَةً لِحُكْمِهَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَعْرَاضٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَكَانَتْ كَالِاسْتِطَاعَةِ فِي عَدَمِ قَبُولِ الْبَقَاءِ.
وَمَا قَالُوا إنَّهَا
стр. 1309
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا فَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ.
وَأَمَّا الْعِلَّةُ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا فَمِثْلُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَشْرُوعٌ وَمَعْنًى لِأَنَّ الْبَيْعَ لُغَةً وَشَرْعًا وُضِعَ لِحِكْمَةٍ وَذَلِكَ مَعْنَاهُ لَا حُكْمًا لِأَنَّ حُكْمَهُ تُرَاخَى لِمَانِعٍ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ الْأَصْلِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ عِلَّةً لَا سَبَبًا وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا لِأَنَّ الشَّرْطَ دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّرْطِ فِيهِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَلَوْ جُعِلَ دَاخِلًا لَا عَلَى السَّبَبِ لَدَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ أَيْضًا وَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى السَّبَبِ وَكَانَ أَقَلُّهُمَا أَوْلَى فَبَقِيَ السَّبَبُ مُطْلَقًا فَلِذَلِكَ كَانَ عِلَّةً اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا وَدَلَالَةُ كَوْنِهِ عِلَّةً لَا سَبَبًا مَا قُلْنَا أَنَّ الْمَانِعَ إذَا زَالَ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ حِينِ الْإِيجَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَوْصُوفَةٌ بِالْبَقَاءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ وَلَا بَقَاءَ لَهُ حَقِيقَةً فَلَوْ بَقِيَ لَبَقِيَ حُكْمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إلَى بَقَائِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْحُكْمِ وَأَنَّهُ يَبْقَى بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ يَبْقَى حَتَّى يُوجَدَ مَا يَرْفَعُهُ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْفَسْخُ يَرِدُ عَلَى الْحُكْمِ فَيُبْطِلُ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْعَقْدِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِالْبَقَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ فَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ ثَبَتَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ إلَى فَسْخِ أَحْكَامِهَا إذْ فَسْخُ الْحُكْمِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِفَسْخِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ بِمُنْعَقِدٍ حَتَّى يُمْكِنَ فَسْخُهُ فَلَمْ يَثْبُتْ الْبَقَاءُ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ أَشَارَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الَّذِي) أَيْ الْقِسْمُ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا فَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ وَالْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ اسْمًا لِوُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ يُضَافُ إلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تُضَافُ إلَى الْيَمِينِ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ الْوَاقِعُ يُضَافُ إلَى التَّطْلِيقِ أَوْ لِلْإِعْتَاقِ السَّابِقِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْحِنْثِ وَلَا حُكْمًا.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحُرِّ عِلَّةٌ اسْمًا لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْحُكْمِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الْعِلَّةُ مَعْنًى وَحُكْمًا مَا يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ تَقَرُّرِهِ لَا عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ وَبَعْدَ الْحِنْثِ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ بَلْ تَرْتَفِعُ وَكَذَا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْعِلَّةُ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا فَمِثْلُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ) كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمَشْرُوعَ هُوَ أَنْ يُوجَدَ رُكْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ وَقَدْ وُجِدَ وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لُغَةً وَشَرْعًا وُضِعَ لِحِكْمَةٍ وَذَلِكَ مَعْنَاهُ أَيْ أَثَرُ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لُغَةً وَشَرْعًا مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَهَذَا الْبَيْعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي الْبَيْعِ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ الْمَبِيعَ بِتَوَقُّفِ إعْتَاقِهِ وَلَا يَبْطُلُ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ مَوْقُوفًا لَمَا تَوَقَّفَ وَبَطَلَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ عِلَّةٌ مَعْنًى وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَحْنَثُ كَذَا فِي إجَازَاتِ الْأَسْرَارِ لَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَيْ حُكْمَهُ الْأَصْلِيَّ وَهُوَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ الْبَاتِّ تَرَاخَى إلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ لِمَانِعٍ وَهُوَ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُحْتَرَمٌ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ الْبَاتُّ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَتَضَرَّرَ بِهِ لِخُرُوجِ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ بِدُونِ رِضَاهُ.
فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ بِالْإِجَازَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَذَا الْبَيْعِ مِنْ الْأَصْلِ أَيْ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَمْلِكَهُ الْمُشْتَرِي بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ جَمِيعًا فَيَظْهَرُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ عِلَّةً لَا سَبَبًا يَعْنِي لَا يُتَوَهَّمُ بِتَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَنْهُ أَنَّهُ سَبَبٌ لَا عِلَّةٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ يَتَأَخَّرُ حُكْمُهَا الْمَانِعُ فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ صَحِيحٌ مِنْ الْمَالِكِ وَالْحُكْمُ مُتَأَخِّرٌ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ يَتَفَرَّقَا وَهَذَا تَأَخَّرَ لِمَانِعٍ وَهُوَ الْخِيَارُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ سَبَبٌ أَيْ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْحُكْمُ مُتَأَخِّرٌ إلَى إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّ حُكْمَهُ تَرَاخَى لِمَانِعٍ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ
стр. 1310
وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَلِذَلِكَ صَحَّ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ حَتَّى لَا يَسْتَنِدَ حُكْمُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ التَّخْصِيصَ عَلَى مَعْنَى أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ قَائِمَةً حَقِيقَةً وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ لِمَانِعٍ وَهَاهُنَا وَإِنْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ اسْمًا وَمَعْنًى لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا تَصَوُّرَ لِلتَّخْصِيصِ مَعَ قِيَامِ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا لِمَانِعٍ لَمْ يَبْقَ عِلَّةً حَقِيقَةً وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا تَعْلِيقَ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ وَهُوَ قِمَارٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَهُ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإِدْخَالِ الشَّرْطِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ خَطَرًا فَكَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ إدْخَالِهِ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ خَطَرًا تَقْلِيلًا لِلْخَطَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
فَيَبْقَى السَّبَبُ وَهُوَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا أَيْ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِالشَّرْطِ كَالْبَيْعِ الْخَالِي عَنْ الْخِيَارِ فَلِذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِهِ مُطْلَقًا كَانَ عِلَّةً اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالشَّرْطِ وَدَلَالَةً لِكَوْنِهِ عِلَّةً لَا سَبَبًا مَا قُلْنَا فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَنَّ الْمَانِعَ وَهُوَ الْخِيَارُ إذَا زَالَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ بِإِسْقَاطِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَجَبَ الْحُكْمُ أَيْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي بِهَذَا الْبَيْعِ مِنْ وَقْتِ الْإِيجَابِ حَتَّى يَمْلِكَ الْمُشْتَرَى بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ إلَّا أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ لَمَّا صَارَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الشَّرْطِ فَالْعِتْقُ الْمَوْجُودُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ إذَا سَقَطَ الْخِيَارُ وَفِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ ثَبَتَ فِي الْمِلْكِ صِفَةُ التَّوَقُّفِ لَا التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَتَوَقُّفُ الشَّيْءِ لَا يَعْدَمُ أَصْلُهُ فَثَبَتَ إعْتَاقُهُ بِصِفَةِ التَّوَقُّفِ أَيْضًا عَلَى أَنْ يَنْفُذَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ وَدَلَالَةُ كَوْنِهِ عِلَّةً لَا سَبَبًا إشَارَةً إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ لَهُ شَبَهًا بِالسَّبَبِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ هَاهُنَا أَيْ الْمَانِعُ إذَا زَالَ يُشِيرُ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْجَوَابَ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَالْأُجْرَةِ اسْمًا؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَيْهِ وَمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ دُونَ غَيْرِهِ لَا حُكْمًا لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ وَارِدٌ عَلَى الْمَعْدُومِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ الَّتِي تُوجَدُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِي الْمَنَافِعِ فِي الْحَالِ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَدَلِهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الثُّبُوتِ كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ حُكْمًا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْعَقْدُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ إلَّا أَنَّ الْعَيْنَ الْمُنْتَفَعَ بِهَا الْمَوْجُودَةَ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حُكْمِ جَوَازِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ لِحَاجَةٍ كَمَا تُقَامُ عَيْنُ الْمَرْأَةِ مَقَامَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ فِي الْعَقْدِ وَالتَّسْلِيمِ وَتُقَامُ الذِّمَّةُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مَقَامَ تِلْكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جَوَازِ السَّلَمِ.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهِ عِلَّةً اسْمًا وَمَعْنًى صَحَّ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَصَحَّ اشْتِرَاطُ التَّعْجِيلِ كَمَا صَحَّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَأَدَاءُ الصَّوْمِ مِنْ الْمُسَافِرِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى لَكِنَّهُ عَقْدٌ أَيْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ يَعْنِي هَذَا الْعَقْدَ وَإِنْ صَحَّ فِي الْحَالِ بِإِضَافَتِهِ إلَى الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَافِ إلَى زَمَانِ وُجُودِهَا كَأَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَقْتَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ لِيَقْتَرِنَ الِانْعِقَادُ بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا إنَّ الْإِجَازَةَ عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ يَتَجَدَّدُ
стр. 1311
وَكَذَلِكَ كُلُّ إيجَابٍ مُضَافٍ إلَى وَقْتٍ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ وَذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ رُكْنُ الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى وَتَرَاخَى عَنْهُ وَصْفُهُ فَيَتَرَاخَى الْحُكْمُ إلَى وُجُودِهِ.
وَإِذَا وُجِدَ الْوَصْفُ اتَّصَلَ بِالْأَصْلِ لِحُكْمِهِ فَكَانَ بِمَعْنَى الْأَسْبَابِ حَتَّى يَصِحَّ أَدَاءُ الْحُكْمِ قَبْلَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَانْعِقَادُهَا بِحَسَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَلِذَلِكَ يَقْتَصِرُ الْمِلْكُ فِي الْأُجْرَةِ عَلَى حَالِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَلَا يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْغَيْرِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَافِ إلَى مَعْدُومٍ سَيُوجَدُ كَالْوَصِيَّةِ الْمُضَافَةِ إلَى مَا يُثْمِرُ نَخِيلَهُ الْعَامَ وَالطَّلَاقِ الْمُضَافِ إلَى شَهْرٍ وَإِذَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِضَافَةِ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ثَبَتَ فِيهِ شَبَهُ السَّبَبِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الِانْعِقَادِ إلَى زَمَانٍ سَيُوجَدُ تُوجِبُ عَدَمَ الْعِلِّيَّةِ فِي الْحَالِ وَلَكِنْ مَا وُجِدَ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مُفْضٍ إلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ انْعِقَادِهِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالْأَسْبَابِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوف وَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ انْعِقَادَهُمَا ثَبَتَ فِي الْحَالِ لِقِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَالَةَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِمَا إلَى إثْبَاتِ مَعْنَى الْإِضَافَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا شَبَهٌ بِالْأَسْبَابِ فَاسْتَنَدَ الْحُكْمُ فِيهَا إلَى زَمَانِ الْإِيجَابِ وَاقْتَصَرَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى زَمَانِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَا يُقَالُ لَمَّا ثَبَتَ مَعْنَى الْإِضَافَةِ فِي هَذَا الْعَقْدِ لِعَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ الْإِضَافَةُ فِي حَقِّ الْأُجْرَةِ لِقِيَامِ مَحَلِّهَا وَهُوَ الذِّمَّةُ فَيَثْبُتُ مِلْكُ الْأُجْرَةِ بِهِ فِي الْحَالِ كَمَا يَثْبُتُ مِلْكُ الثَّمَنِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُثْبِتُ الْإِضَافَةَ فِي حَقِّ الْأُجْرَةِ وَلَكِنْ لَا نُثْبِتُ مِلْكَ الْأُجْرَةِ فِي الْحَالِ رِعَايَةً لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ وَنَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يَثْبُتُ مِلْكُ الْأُجْرَةِ لِلْمُؤَاجِرِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْمُؤَاجِرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْتَأْجِرِ سَقَطَ بِقَبُولِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ فَلَمْ تَبْقَ الْمُعَادَلَةُ وَاجِبَةَ الرِّعَايَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا عَجَّلَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَهُوَ الْخِيَارُ قَائِمٌ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ مَعَ الْمَانِعِ كَالْمَدْيُونِ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ لَا يَقَعُ زَكَاةً بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ وَهُوَ الدَّيْنُ قَائِمٌ فَأَمَّا الْمَانِعُ هَاهُنَا فَحَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ وَقَدْ سَقَطَ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَعَقْدِ الْإِجَارَةِ كُلُّ إيجَابٍ مُضَافٍ إلَى وَقْتٍ كَالطَّلَاقِ الْمُضَافِ إلَى وَقْتٍ وَكَالنَّذْرِ الْمُضَافِ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِلَّةٌ اسْمًا لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَمَعْنًى لِتَأْثِيرِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لَا حُكْمًا لِتَأَخُّرِهِ إلَى الزَّمَانِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ لَمَّا قُلْنَا أَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْدِيرًا أَوْجَبَتْ شَبَهِيَّةَ السَّبَبِ فَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَلَمَّا ثَبَتَ مَعْنَى السَّبِيبَةِ فِي هَذَا الْإِيجَابِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ عِنْدَ مَجِيءِ الْوَقْتِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لَا مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْإِيجَابِ وَلَمَّا كَانَ عِلَّةً اسْمًا وَمَعْنًى قَبْلَ مَجِيءِ الْوَقْتِ صَحَّ تَعْجِيلُ الْأَدَاءِ فِيمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ غَدًا حَتَّى لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ وَقَعَ عَنْ الْمَنْذُورِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ وَكَأَدَاءِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَكَذَا لَوْ أَضَافَ النَّذْرَ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالصَّلَاةِ إلَى زَمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَهُ فَكَذَا مَا تُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ إلَّا
стр. 1312
وَذَلِكَ مِثْلُ زَكَاةِ النِّصَابِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى أَمَّا اسْمًا لِأَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَمَعْنًى لِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ الْغَنَاءَ يُوجِبُ الْمُوَاسَاةَ لَكِنَّهُ جُعِلَ عِلَّةً بِصِفَةِ النَّمَاءِ فَلَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ أَشْبَهَ الْأَسْبَابَ أَلَا يُرَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَرَاخَى إلَى مَا لَيْسَ بِحَادِثٍ بِهِ إلَى مَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْعِلَلِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولَانِ إنَّ النَّاذِرَ يَلْتَزِمُ بِنَذْرِهِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ دُونَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَا فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ فَلَا يَكُونُ الْوَقْتُ فِيهِ مُعْتَبَرًا كَمَا فِي الصَّدَقَةِ.
وَلَا يُقَالُ الْعِبَادَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ النَّذْرُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْفَضِيلَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ فَصَامَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمًا دُونَهُ فِي الْفَضِيلَةِ عَنْ مُوجِبِ نَذْرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِيمَا بَعْدُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ الْفَرْضِ وَالصَّلَاةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْوَقْتَ سَبَبًا فِيهِمَا فَأَدَاؤُهُمَا قَبْلَ الْوَقْتِ كَانَ أَدَاءً قَبْلَ السَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَكَانَ ذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَالْإِيجَابِ الْمُضَافِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَقَالَ ذَلِكَ أَيْ الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يُوجَدَ رُكْنُ الْعِلَّةِ وَيَتَرَاخَى عَنْهُ وَصْفُهُ فَيَتَرَاخَى الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ إلَى وُجُودِ الْوَصْفِ فَمِنْ حَيْثُ وُجُودُ الْأَصْلِ كَانَ الْمَوْجُودُ عِلَّة؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ فَبِعَدَمِهِ لَا يَنْعَدِمُ الْأَصْلُ وَلِهَذَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ دُونَ الْوَصْفِ مَنْ حَيْثُ إنَّ إيجَابَهُ لِلْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَهُوَ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ كَانَ الْأَصْلُ قَبْلَ وُجُودِ الْوَصْفِ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَى الْحُكْمِ فَكَانَ سَبَبًا
فَإِذَا وُجِدَ الْوَصْفُ اتَّصَلَ بِالْأَصْلِ بِحُكْمِهِ أَيْ إذَا وُجِدَ الْوَصْفُ وَثَبَتَ الْحُكْمُ اتَّصَلَا بِالْأَصْلِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ إذْ الْوَصْفُ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ الْأَصْلُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً فَكَانَ أَيْ الْأَصْلُ قَبْلَ وُجُودِ الْوَصْفِ بِمَعْنَى الْأَسْبَابِ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى وَاسِطَةٍ وَهِيَ الْوَصْفُ
وَقَوْلُهُ حَتَّى يَصِحَّ أَدَاءُ الْحُكْمِ أَيْ الْوَاجِبِ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْوَصْفِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَنْ يُوجَدَ رُكْنُ الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى وَيَتَرَاخَى عَنْهُ وَصْفُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى الْأَسْبَابِ أَيْ لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْوَصْفِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ بِدُونِ الْوَصْفِ عِلَّةٌ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ.
وَذَلِكَ أَيْ مَا يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ مِنْ الْعِلَّةِ مِثْلُ نِصَابِ الزَّكَاةِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَيْسَ النِّصَابُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ حُكْمَ الْعِلَّةِ بَلْ كَوْنُهُ نَامِيًا بِالْحَوْلِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ النِّصَابُ قَبْلَ الْحَوْلِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَيْسَ فِيهَا شَبَهُ الْأَسْبَابِ بَلْ الْحَوْلُ أَجَلُ آخِرِ الْمُطَالَبَةِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ تَيْسِيرًا كَالسَّفَرِ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ وَصْفُ كَوْنِهِ حَوْلِيًّا مِنْ الْعِلَّةِ لَمَا صَحَّ التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ عَجَّلَ قَبْلَ تَمَامِ النِّصَابِ وَقَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِبِلَ سَائِمَةً
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ الْمُؤَدَّى زَكَاةً غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى حُلُولِ الْأَجَلِ كَالْمَدْيُونِ إذَا عَجَّلَ الدَّيْنَ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ صَحَّ فَرْضًا كَالْمُقِيمِ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِذَا وَقَعَ الْمُؤَدَّى زَكَاةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْفَقِيرِ وَلَا مِنْ الْإِمَامِ عِنْدَ هَلَاكِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ عَدَمِ تَمَامِهِ عِنْدَ الْحَوْلِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَبْسُوطِ وَكُتُبِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النِّصَابَ إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْحَوْلِ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمُعَجَّلَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْهُ إذَا بَيَّنَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مُعَجَّلًا وَإِنْ أَطْلَقَ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْأَسْرَارِ بَعْضَ أَقْوَالِهِ
стр. 1313
وَلَمَّا كَانَ مُتَرَاخِيًا إلَى وَصْفٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ الْعِلَلَ وَكَانَ هَذَا الشَّبَهُ غَالِبًا لِأَنَّ النِّصَابَ أَصْلٌ وَالنَّمَاءَ وَصْفٌ وَمِنْ حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ قَطْعًا بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْبُيُوعِ وَلَمَّا أَشْبَهَ الْعِلَلَ وَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا مِنْ الْأَصْلِ فِي التَّقْدِيرِ حَتَّى صَحَّ التَّعْجِيلُ لَكِنْ لِيَصِيرَ زَكَاةً بَعْدَ الْحَوْلِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَعِنْدَنَا هُوَ عِلَّةٌ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَلَكِنْ لَهُ شَبَهُ الْأَسْبَابِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ النِّصَابَ وُضِعَ لَهُ أَيْ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ شَرْعًا وَلِهَذَا تُضَافُ الزَّكَاةُ إلَيْهِ وَمَعْنًى لِكَوْنِ النِّصَابِ مُؤَثِّرًا فِي حُكْمِهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ إذْ الْغَنَاءُ يُوجِبُ الْمُوَاسَاةَ أَيْ الْإِحْسَانَ إلَى الْغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحْسِنُوا - وَأَنْفِقُوا﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالْغَنَاءُ فِي النِّصَابِ دُونَ وَصْفِهِ وَهُوَ النَّمَاءُ وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ آسَيْته لِمَالِي مُؤَاسَاةً أَيْ جَعَلْته أُسْوَةً أَقْتَدِي بِهِ وَيَقْتَدِي هُوَ بِي أَوْ وَاسَيْته، لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ لَكِنَّهُ أَيْ النِّصَابَ عِلَّةٌ بِصِفَةِ النَّمَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» فَلَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ أَيْ حُكْمُ النِّصَابِ وَهُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ إلَى وُجُودِ وَصْفِ النَّمَاءِ أَشْبَهَ النِّصَابَ قَبْلَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْأَسْبَابِ ثُمَّ أَوْضَحَ مُشَابَهَتَهُ بِالْأَسْبَابِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْوُجُوبُ إنَّمَا تَرَاخَى عَنْ أَصْلِ النِّصَابِ إلَى مَا لَيْسَ بِحَادِثٍ بِالنِّصَابِ وَهُوَ النَّمَاءُ فَإِنَّ النَّمَاءَ الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَالسِّمَنُ فِي الْإِسَامَةِ وَزِيَادَةُ الْمَالِ فِي التِّجَارَةِ وَالنَّمَاءُ الْحُكْمِيُّ وَهُوَ حَوَلَانُ الْحَوْلِ لَا يَثْبُتَانِ بِالنِّصَابِ بَلْ السِّمَنُ وَالدَّرُّ وَالنَّسْلُ فِي الْحَيَوَانِ يَحْصُلُ بِسَوْمِهَا فِي الْمَرْعَى وَسَفَادِهَا، وَزِيَادَةُ الْمَالِ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ وَتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ الْحَادِثِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَهُوَ النَّمَاءُ حَادِثًا بِالْمَالِ تَأَكَّدَ الِانْفِصَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَوِيَ شَبَهُهُ بِالسَّبَبِ وَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الرَّمْيِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَرْحِ وَإِنْ تَوَقَّفَ الْجَرْحُ عَلَى تَحَرُّكِ السَّهْمِ وَمُضِيِّهِ فِي الْهَوَاءِ وَوُصُولِهِ إلَى الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ وَنُفُوذِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَسَائِطِ لَمَّا حَدَثَتْ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَبَهٌ بِالْأَسْبَابِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بَلْ جُعِلَ عِلَّةً لِلْجَرْحِ حَقِيقَةً كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ تَرَاخَى إلَى مَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْعِلَلِ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَضْلٌ عَلَى الْغَنَاءِ يُوجِبُ الْمُوَاسَاةَ كَأَصْلِ الْغَنَاءِ وَيَثْبُتُ أَوْ يَزْدَادُ بِهِ الْيُسْرُ فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ مَقْصُودٌ فِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ أَثَرًا لَهُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَرَاخِيًا إلَى مَا هُوَ عِلَّةٌ حَقِيقَةً غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَى النِّصَابِ كَانَ النِّصَابُ سَبَبًا حَقِيقِيًّا كَمَا بَيَّنَّا فِي دَلَالَةِ السَّارِقِ فَإِذَا تَرَاخَى إلَى مَا هُوَ شَبَهٌ بِالْعِلَلِ كَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالْأَسْبَابِ أَيْضًا ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ الْعِلِّيَّةِ فِي النِّصَابِ وَجِهَةَ أَصَالَتِهَا فَقَالَ وَلَمَّا كَانَ أَيْ الْحُكْمُ مُتَرَاخِيًا إلَى وَصْفٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ أَيْ النِّصَابُ الْعِلَلَ إذْ السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ أَنْ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى السَّبَبِ كَمَا فِي دَلَالَةِ السَّارِقِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكَانَ شَبَهُ الْعِلَّةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ النِّصَابَ أَصْلٌ وَالنَّمَاءَ وَصْفٌ يَعْنِي النِّصَابَ شَبَهُ الْعِلَلِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَشَبَهُ السَّبَبِ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى النَّمَاءِ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ وَتَابِعٌ لَهُ فَيُرَجَّحُ الشَّبَهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ عَلَى الشَّبَهِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ مِنْ جِهَةِ وَصْفِهِ.
وَمِنْ حُكْمِهِ أَيْ حُكْمِ النِّصَابِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ عِلَّةٌ تُشْبِهُ الْأَسْبَابَ أَنْ لَا يَظْهَرَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ قَطْعًا فَقَوْلُهُ قَطْعًا دَاخِلٌ تَحْتَ النَّفْيِ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَإِنْ وُجِدَ أَصْلُ الْعِلَّةِ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ عَنْهَا وَهُوَ النَّمَاءُ إذْ الْعِلَّةُ الْمَوْصُوفَةُ بِوَصْفٍ لَا تَعْمَلُ بِدُونِ الْوَصْفِ كَالْأَرْضِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ بِصِفَةِ النَّمَاءِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَإِذَا فَاتَ هَذَا الْوَصْفُ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ تَبْقَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ
стр. 1314
وَكَذَلِكَ مَرَضُ الْمَوْتِ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الْأَحْكَامِ اسْمًا وَمَعْنًى إلَّا أَنَّ حُكْمَهُ يَثْبُتُ بِهِ بِوَصْفِ الِاتِّصَالِ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهَ الْأَسْبَابَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةٌ
ــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْبُيُوعِ يَعْنِي الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ وَالْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ بِرُكْنِهَا وَوَصْفِهَا مَوْجُودَةٌ قَبْلَ وُجُودِ الْإِجَارَةِ وَالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعَانِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فَعِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ مِنْ أَوَّلِ الْإِيجَابِ بِلَا شُبْهَةٍ فَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ وَبِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَالْمُقِيمِ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْمُؤَدَّى يَقَعُ عَنْ الْوَاجِبِ بِلَا شُبْهَةٍ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ مُطْلَقَةً بِصِفَتِهَا وَلَمَّا أَشْبَهَ النِّصَابُ الْعِلَلَ وَكَانَ النِّصَابُ أَصْلًا كَانَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ ثَابِتًا مِنْ الْأَصْلِ فِي التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مَتَى ثَبَتَ وَالْوَصْفُ لَا يُقَدَّمُ بِنَفْسِهِ بَلْ بِالْمَوْصُوفِ اسْتَنَدَ إلَى أَصْلِ النِّصَابِ وَصَارَ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ حَوْلِيٌّ كَرَجُلٍ يَعِيشُ مِائَةً يَكُونُ الْوَصْفُ بِهَذَا الْبَقَاءِ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بِعَيْنِهِ مِنْ أَوَّلِ مَا وُلِدَ إلَى هَذَا الزَّمَانِ وَإِذَا اسْتَنَدَ الْوَصْفُ اسْتَنَدَ الْحُكْمُ وَهُوَ الْوُجُوبُ إلَى أَوَّلِهِ أَيْضًا فَيَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ لِوُقُوعِ الْأَدَاءِ بَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْعِلَّةِ لَكِنْ لِيَصِيرَ الْمُؤَدَّى زَكَاةً بَعْدَ الْحَوْلِ عَلَى خِلَافِ مَا.
قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِعَدَمِ وَصْفِ الْعِلَّةِ فِي الْحَالِ فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَنِصَابُهُ كَامِلٌ جَازَ الْمُؤَدَّى عَنْ الزَّكَاةِ لِاسْتِنَادِ الْوَصْفِ إلَى أَوَّلِ الْحَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا كَانَ الْمُؤَدَّى تَطَوُّعًا حَتَّى لَوْ كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْفَقِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ مِنْهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالْوُصُولِ إلَى يَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ زَكَاةً وَإِنْ أَدَّاهُ الْإِمَامَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ إذَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الْمَدْفُوعِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى الْفَقِيرِ فَصَارَ غَنِيًّا قَبْلَ الْحَوْلِ وَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ كَامِلٌ جَازَ الْمُؤَدَّى عَنْ الزَّكَاةِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَلَوْ صَارَ الْمُؤَدَّى زَكَاةً بَعْدَ الْحَوْلِ لِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْمَصْرِفِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ كَمَا شُرِطَ كَمَالُ النِّصَابِ (قُلْنَا) وَصْفُ كَوْنِ النِّصَابِ حَوْلِيًّا وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ لَكِنَّهُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ السَّبَبِ بِحُكْمِهِ فَيَصِيرُ الْمُؤَدَّى زَكَاةً بَعْدَ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ الْأَدَاءِ لَا مُقْتَصِرًا عَلَى تَمَامِ الْحَوْلِ فَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْمَصْرِفِ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَكَانَ اسْتِغْنَاؤُهُ أَوْ ارْتِدَادُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ سَوَاءً وَالْحَوْلُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْأَجَلِ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ وَيَصِيرُ الدَّيْنُ حَالًّا وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَبِمَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ هَاهُنَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَكَذَا الْمَدْيُونُ يَمْلِكُ إسْقَاطَ الْأَجَلِ وَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْمَالِ هَاهُنَا إسْقَاطَ الْحَوْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْأَجَلِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ النِّصَابِ مَرَضُ الْمَوْتِ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الْأَحْكَامِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ بِالْمَالِ وَحَجْرِ الْمَرِيضِ عَنْ التَّبَرُّعِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمُحَابَاةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا اسْمًا؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ فِي الشَّرْعِ لِلتَّغَيُّرِ مِنْ الْإِطْلَاقِ إلَى الْحَجْرِ وَمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْحَجْرِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ حَقُّ الْوَارِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّك لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
فَمَنَعَهُ عَنْ التَّبَرُّعِ فِيمَا وَرَاءَ الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إلَّا أَنَّ أَيْ لَكِنَّ حُكْمَ الْمَرَضِ وَهُوَ الْحَجْرُ عَنْ التَّصَرُّفِ يَثْبُتُ بِالْمَرَضِ بِوَصْفِ اتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهَ الْأَسْبَابَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ
стр. 1315
وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْعِلَلِ مِنْ النِّصَابِ.
وَكَذَلِكَ الْجُرْحُ عِلَّةٌ اسْمًا وَمَعْنًى لَكِنْ تَرَاخَى حُكْمُهُ إلَى وَصْفِ السِّرَايَةِ وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالْجُرْحِ فَكَانَ عِلَّةً يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ.
وَكَذَلِكَ مَا هُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ وَذَلِكَ مِثْلُ شِرَاءِ الْقَرِيبِ لَمَّا كَانَ عِلَّةً لِلْمِلْكِ كَانَ عِلَّةً لِلْعِتْقِ أَيْضًا.
ــ
[كشف الأسرار]
آخَرَ كَتَوَقُّفِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى النَّمَاءِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مَعْدُومًا فِي الْحَالِ لَمْ يَثْبُتْ الْحَجْرُ بَاتًّا حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْمَرِيضُ جَمِيعَ مَالِهِ سَلَّمَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَتِمَّ بِوَصْفِهَا فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ تَمَّتْ الْعِلَّةُ وَاتَّصَفَ الْمَرَضُ بِكَوْنِهِ مَرَضًا مُمِيتًا مِنْ أَوَّلِ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَحْدُثُ بِآلَامٍ تَجْتَمِعُ وَعَوَارِضَ مُزِيلَةٍ لِقُوَى الْحَيَاةِ وَهَذِهِ الْعَوَارِضُ ثَابِتَةٌ مِنْ ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ فَيُضَافُ إلَيْهَا كُلِّهَا بِمَنْزِلَةِ جِرَاحٍ مُتَفَرِّقَةٍ سَرَتْ إلَى الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْكُلِّ دُونَ الْأَخِيرِ.
وَإِذَا اسْتَنَدَ الْوَصْفُ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ اسْتَنَدَ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْحَجْرُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بَعْدَ الْحَجْرِ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِجَازَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَإِذَا بَرَأَ مِنْ الْمَرَضِ كَانَ تَبَرُّعُهُ نَافِذًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَتِمَّ بِصِفَتِهَا
وَهَذَا أَيْ الْمَرَضُ أَشْبَهُ بِالْعِلَلِ مِنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي تَرَاخَى الْحُكْمُ إلَيْهِ وَهُوَ الْمَوْتُ حَادِثٌ بِهِ فَإِنَّ تَرَادُفَ الْآلَامِ الَّتِي تَحْدُثُ بِالْمَرَضِ مُفْضٍ إلَى الْمَوْتِ بِخِلَافِ النِّصَابِ فَإِنَّ الْوَصْفَ فِيهِ لَيْسَ بِحَادِثٍ بِهِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ الْمَرَضِ أَوْ النِّصَابِ الْجُرْحُ عِلَّةٌ لِلْهَلَاكِ اسْمًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَيُضَافُ الْهَلَاكُ إلَيْهِ يُقَالُ مَاتَ فُلَانٌ بِجَرْحِ فُلَانٍ وَمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَلَكِنْ تَرَاخَى حُكْمُهُ عَنْهُ وَهُوَ الْهَلَاكُ إلَى وَصْفِ السِّرَايَةِ
وَذَلِكَ الْوَصْفُ قَائِمٌ بِالْجَرْحِ أَيْ ثَابِتٌ بِهِ كَثُبُوتِ الْمَوْتِ بِالْمَرَضِ لَا كَوَصْفِ النَّمَاءِ فِي النِّصَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ بِهِ فَكَانَ الْجَرْحُ قَبْلَ السِّرَايَةِ عِلَّةً تُشْبِهُ الْأَسْبَابَ لِتَوَقُّفِ حُكْمِهِ عَلَى الْوَصْفِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَكَذَلِكَ الْجَرْحُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الصَّيْدِ وَالْآدَمِيِّ بِصِفَةِ السِّرَايَةِ وَهِيَ صِفَةٌ مُنْتَظَرَةٌ فَكَانَ الْمَوْجُودُ قَبْلَ السِّرَايَةِ عِلَّةً تُشْبِهُ السَّبَبَ حَتَّى يَجُوزَ أَدَاءُ الْكَفَّارَةِ بِالْمَالِ وَالصَّوْمِ جَمِيعًا وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ كَانَ الْمُؤَدَّى جَائِزًا عَنْ الْوَاجِبِ
قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَوْصُوفِ أَحَدَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ لِيَكُونَ سَبَبًا لَا عِلَّةً وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْوَصْفِ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا بِمَنْزِلَةِ آخِرِ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا مِنْ عِلَّةٍ هِيَ ذَاتُ وَصْفَيْنِ فَلِذَا جَعَلْنَاهَا أَيْ النِّصَابَ وَالْمَرَضَ وَالْجَرْحَ عِلَّةً تُشْبِهُ السَّبَبَ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ النِّصَابِ وَغَيْرِهِ مَا هُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا عِلَّةٌ تُشْبِهُ الْأَسْبَابَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ لَمَّا كَانَتْ مُضَافَةً إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْأُولَى بِوَاسِطَةِ الثَّانِيَةِ كَحُكْمِ الْمُقْتَضِي مُضَافٌ إلَى الْمُقْتَضَى بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضِي وَكَانَتْ الْعِلَّةُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ هُوَ قَائِمٌ بِالْعِلَّةِ فَكَمَا أَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ دُونَ الصِّفَةِ فَهَا هُنَا أَيْضًا يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ دُونَ الْوَاسِطَةِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِلَّةَ الْأَخِيرَةَ بِحُكْمِهَا تُضَافُ إلَى الْأُولَى كَانَتْ الْأُولَى عِلَّةً وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ إلَّا بِوَاسِطَةٍ أَخَذَتْ شَبَهًا بِالسَّبَبِ
وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّيْخُ سَبَبًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ فِي بَابِ تَقْسِيمِ السَّبَبِ أَوْرَدَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الشَّبَهَيْنِ وَذَلِكَ أَيْ مَا هُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ مِثْلُ شِرَاءِ الْقَرِيبِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ إذْ الشِّرَاءُ يُوجِبُ الْمِلْكَ وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ يُوجِبُ الْعِتْقَ بِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ»
فَيَصِيرُ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ لِكَوْنِ الْوَاسِطَةِ وَهِيَ الْمِلْكُ مِنْ مُوجِبَاتِهِ فَكَانَ شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقًا حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ نَاوِيًا عَنْ الْكَفَّارَةِ تَتَأَدَّى بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الْمَحْلُوفَ بِعِتْقِهِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ حَيْثُ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ
стр. 1316
وَكَذَلِكَ الرَّمْيُ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا تَرَاخَى عَنْهُ أَشْبَهَ الْأَسْبَابَ.
وَكَذَلِكَ التَّزْكِيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ حَتَّى إذَا رَجَعَ الْمُزَكِّي ضَمِنَ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ فَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ مُؤَثِّرَيْنِ لَا يَتِمُّ نِصَابُ الْعِلَّةِ إلَّا بِهِمَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةُ الْعِلَلِ حَتَّى إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ مَوْضُوعٍ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ لَكِنْ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسِيئَةَ وَكَذَلِكَ الْقَدْرُ لِأَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ شُبْهَةُ الْفَضْلِ فَيَثْبُتُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَاسِطَةَ وَهِيَ الشَّرْطُ يُضَافُ إلَيْهِ الْعِتْقُ وُجُودًا عِنْدَهُ لَا وُجُوبًا بِهِ وَالْعِتْقُ عِنْدَ وُجُودِهِ مُضَافٌ إلَى مَا هُوَ بَاقٍ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ حَتَّى لَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ بِأَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ الْحُرِّيَّةَ عَنْ الْكَفَّارَةِ أَجْزَى عَنْهُ لِاقْتِرَانِ نِيَّةِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْتَاقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَكَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ شِرَاءِ الْقَرِيبِ الرَّمْيُ عِلَّةٌ لِلْقَتْلِ شَبِيهَةٌ بِالْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَحَرُّكَ السَّهْمِ وَمُضِيَّهُ فِي الْهَوَاءِ وَنُفُوذَهُ فِي الْمَقْصُودِ بِالرَّمْيِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِ الرَّمْيِ كَانَ الرَّمْيُ عِلَّةً لِلْقَتْلِ كَالشِّرَاءِ لِلْعِتْقِ حَتَّى وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الرَّامِي وَلَمْ تَصِرْ هَذِهِ الْوَسَائِطُ شُبْهَةً فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَلَمَّا تَرَاخَى الْحُكْمُ عَنْ الرَّامِي إلَى وُجُودِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِمُجَرَّدِ الرَّمْيِ أَشْبَهَ الْأَسْبَابَ.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالرَّمْيِ التَّزْكِيَةُ أَيْ تَعْدِيلُ الشُّهُودِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ بِالرَّجْمِ فِيمَا إذَا شَهِدُوا بِالزِّنَا عَلَى مُحْصَنٍ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ بِالرَّجْمِ شَهَادَةُ الشُّهُودِ وَهِيَ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً بِدُونِ التَّزْكِيَةِ فَكَانَتْ التَّزْكِيَةُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ حَتَّى إذَا رَجَعَ الْمُزَكُّونَ بِأَنْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ ضَمِنُوا الدِّيَةَ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْقَرِيبِ أَنَّ عِلَّةَ الْعِلَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى التَّزْكِيَةِ
وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّزْكِيَةَ صِفَةٌ لِلشَّهَادَةِ بَقِيَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الشَّهَادَةِ فَضَمِنَ الشُّهُودُ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَيْضًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِحَالٍ أَنَّهُمْ أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَثْنَوْا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ قَالُوا هُوَ مُحْصَنٌ وَالضَّمَانُ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ هُوَ تَعَدٍّ لَا إلَى مَا هُوَ حَسَنٌ وَخَيْرٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ رَجَعُوا مَعَ الْمُزَكِّينَ لَمْ يَضْمَنْ الْمُزَكُّونَ شَيْئًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُزَكِّينَ لَيْسُوا كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا مَا لَيْسَ بِمُوجِبٍ مُوجِبًا إذْ الشُّهُودُ بِالزِّنَا بِدُونِ الْإِحْصَانِ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ وَلَكِنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ التَّزْكِيَةِ فَالْمُزَكُّونَ بِإِثْنَاءِ الْخَيْرِ كَذِبًا أَعْمَلُوا سَبَبَ التَّلَفِ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي فَضَمِنُوا وَأَمَّا إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ مَعَهُمْ فَقَدْ انْقَلَبَتْ الشَّهَادَةُ تَعَدِّيًا وَأَمْكَنَ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا عَلَى الْقُصُورِ؛ لِأَنَّهَا تَعَدٍّ لَمْ يَحْدُثْ بِالتَّزْكِيَةِ لِاخْتِيَارِهِمْ فِي الْأَدَاءِ فَلَمْ يُضَفْ إلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ فَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِكَذَا) أَيْ الْوَصْفُ الَّذِي كَذَا فَأَحَدُ الْوَصْفَيْنِ الْمُؤَثِّرَيْنِ مِنْ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ ذَاتُ وَصْفَيْنِ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةَ الْعِلَّةِ لِتَأْثِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحُكْمِ حَتَّى إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا
وَهَذَا رَدٌّ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ وُجُودَ بَعْضِ مَا يَتِمُّ عِلَّةً بِانْضِمَامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ كَأَحَدِ شَطْرَيْ الْبَيْعِ وَأَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَحْضَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ تَتِمَّ الْعِلَّةُ فَكَانَ الْمَبْدَأُ مُعْتَبَرًا لِتَمَامِهِ وَكَانَ كَالطَّرِيقِ إلَى الْمَقْصُودِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَيْهِ فَيَكُونُ سَبَبًا مَحْضًا فَقَالَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ إذَا تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ مَوْضُوعٍ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِعِلَّتِهِ بَلْ مُؤَثِّرٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَمِنْ أَرْكَانِ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ بِنَفْسِهِ أَيْضًا لِفَوَاتِ الشَّطْرِ الثَّانِي مِنْ الْعِلَّةِ لَكِنْ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَلِ لِكَوْنِهِ أَحَدَ رُكْنَيْ الْعِلَّةِ أَوْ أَرْكَانِهَا
وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ عِلَّةً مَعْنًى لَا اسْمًا وَلَا حُكْمًا وَكَانَ هَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا تَرَكَّبَتْ مِنْ وَصْفَيْنِ أَوْ أَوْصَافٍ كَانَ الْمَجْمُوعُ هُوَ الْعِلَّةُ عِنْدَ
стр. 1317
وَأَمَّا الْعِلَّةُ مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا فَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ مُؤَثِّرَيْنِ فَإِنَّ آخِرَهُمَا وُجُودًا عِلَّةٌ حُكْمًا لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْوُجُودِ وَشَارَكَهُ فِي الْوُجُوبِ وَمَعْنًى لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ لَا اسْمًا لِأَنَّ الرُّكْنَ يَتِمُّ بِهِمَا فَلَا يُسَمَّى بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْضٍ وَصِفَةُ الِاجْتِمَاعِ هِيَ الْعِلَّةُ عِنْدَ قَوْمٍ.
وَالْوَصْفُ الزَّائِدُ عَلَى الْمَجْهُولِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْعِلَّةِ بِدُونِهِ عِنْدَ آخَرِينَ حَتَّى قَالُوا فِي سَفِينَةٍ لَا تَغْرَقُ بِوَضْعِ كُرٍّ وَتَغْرَقُ إذَا زِيدَ عَلَى الْكُرِّ قَفِيزٌ إذَا وُضِعَ فِيهَا كُرٌّ وَقَفِيزٌ حَتَّى غَرِقَتْ كَانَ الْكُرُّ وَالْقَفِيزُ جَمِيعًا عِلَّةً لِلتَّلَفِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَصِفَةُ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي وَقَفِيزٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَيْنٍ مِنْ الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْمِيزَانِ فَكَانَ الشَّيْخَيْنِ اخْتَارَا الْقَوْلَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثَ فَكَانَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ قَبْلَ وُجُودِ الْوَصْفِ الثَّانِي خَالِيًا عَنْ صِفَةِ الِاجْتِمَاعِ وَعَنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرَ عَيْنٍ لِكَوْنِهِ عَيْنًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ فَكَانَ سَبَبًا مَحْضًا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ فَكَانَ لِلْوَصْفِ الْأَوَّلِ نَوْعُ تَأْثِيرٍ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ فَلَمْ نُجْعَلْ عَنْ مَعْنَى الْعِلَّةِ
وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ لِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ شُبْهَةَ الْعِلَّةِ قُلْنَا إنَّ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ وَصْفَيْنِ لَهُ عِلَّةُ الرِّبَا يَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ قُوهِيًّا فِي قُوهِيٍّ لَا يَجُوزُ وَكَذَا الْقَدْرُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ شَعِيرًا فِي حِنْطَةٍ أَوْ حَدِيدًا فِي رَصَاصٍ لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ شُبْهَةُ الْفَضْلِ فَإِنَّ لِلنَّقْدِ مَزِيَّةً عَلَى النَّسِيئَةِ عُرْفًا وَعَادَةً حَتَّى كَانَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ فَيَثْبُتُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّسِيئَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَهِيَ أَسْرَعُ ثُبُوتًا مِنْ حُرْمَةِ الْفَضْلِ لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى الْحُرْمَتَيْنِ وَلَهَا عِلَّةٌ مَعْلُومَةٌ فِي الشَّرْعِ فَلَا يَثْبُتُ بِمَا هُوَ دُونَهَا فِي الدَّرَجَةِ.
وَلَا يُقَالُ لَوْ ثَبَتَ حُرْمَةُ شُبْهَةِ الْفَضْلِ لِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ لَزِمَ تَوْزِيعُ الْحُكْمِ عَلَى أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ النَّسِيئَةِ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِثُبُوتِهَا إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ إذْ التَّوْزِيعُ أَنْ يَثْبُتَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ بَعْضُ حُرْمَةِ الْفَضْلِ وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْعِلَّةُ مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا) فَهِيَ الْوَصْفُ الْآخِرُ وُجُودًا مِنْ عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ مُؤَثِّرَيْنِ وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَمَّا إذَا تَوَقَّفَ الْحُكْمُ عَلَى وَصْفَيْنِ أَحَدُهُمَا مُؤَثِّرٌ فِيهِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الْعِلَّةُ وَالْوَصْفَ الْآخَرَ شَرْطٌ أَمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً حُكْمًا فَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ عِنْدَهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْوَصْفَ الْمَوْجُودَ آخِرًا شَارَكَ الْأَوَّلَ فِي الْوُجُوبِ أَيْ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ وَلَكِنَّهُ تَرَجَّحَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْوُجُودِ أَيْ بِوُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا شَارَكَ الْأَوَّلَ فِي الْوُجُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِمَا جَمِيعًا قُلْنَا لَمَّا تَرَجَّحَ الْوَصْفُ الْأَخِيرُ بِوُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ عَدِمَ حُكْمُ الْأَوَّلِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَارَةً تَنْعَدِمُ بِمُعَارَضَةِ الرَّاجِحِ وَتَارَةً تَنْعَدِمُ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ فَانْعَدَمَ الْأَوَّلُ بِالرَّاجِحِ وَصَارَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْوَصْفِ الْأَخِيرِ كَمَا فِي الْمَنِّ الْأَخِيرِ فِي السَّفِينَةِ وَالْقَدَحِ الْأَخِيرِ فِي السُّكْرِ وَرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُضَافٌ إلَى الْوَصْفِ الْأَخِيرِ وَفِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّا مَا أَضَفْنَا الْفُرْقَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَاصِمٌ عَلَى مَا عُرِفَ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يُضَافُ إلَى آخِرِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى إنَّمَا يَصِيرُ مُوجِبًا بِالْأَخِيرِ ثُمَّ الْحُكْمُ يَجِبُ بِالْكُلِّ فَيَصِيرُ الْوَصْفُ الْأَخِيرُ كَعِلَّةِ الْعِلَّةِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ.
وَذَلِكَ أَيْ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِوَصْفَيْنِ مُؤَثِّرَيْنِ ثُمَّ إضَافَتُهُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا مِثْلُ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ لِلْعِتْقِ فِي الْقَرِيبِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ
стр. 1318
وَذَلِكَ مِثْلُ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ لِلْعِتْقِ فَإِنَّ الْمِلْكَ الَّذِي تَأَخَّرَ أُضِيفَ إلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا وَمَتَى تَأَخَّرَتْ الْقَرَابَةُ أُضِيفَ إلَيْهَا حَتَّى لَوْ وَرِثَ اثْنَانِ عَبْدًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ وَأُضِيفَ الْعِتْقُ إلَى الْقَرَابَةِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّ آخِرَهُمَا شَهَادَةً لَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ يَقَعُ بِالْجُمْلَةِ فَلَا يَتَرَجَّحُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْحُكْمِ.
فَأَمَّا الْعِلَّةُ اسْمًا وَحُكْمًا لَا مَعْنًى فَمِثْلُ السَّفَرِ لِلرُّخْصَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْوَصْفَيْنِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ أَمَّا الْقَرَابَةُ فَلِأَنَّ الْعِتْقَ صِلَةٌ وَالْقَرَابَةُ تُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ الصِّلَةِ وَالرِّقُّ مُوجِبٌ لِلْقَطْعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الِاسْتِدْلَالَ فَوَجَبَ صِيَانَةُ الْقَرَابَةِ عَمَّا يُوجِبُ الْقَطْعَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا صِينَتْ عَنْ أَدْنَى الرِّقَّيْنِ وَهُوَ النِّكَاحُ احْتِرَازًا عَنْ الْقَطْعِ فَلَأَنْ تُصَانَ عَنْ أَعْلَاهُمَا كَانَ أَوْلَى وَكَذَا الْمِلْكُ مُؤَثِّرٌ فِي إيجَابِ الصِّلَاتِ حَتَّى اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ النَّفَقَةَ عَلَى مَوْلَاهُ بِالْمِلْكِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَبْدَانِ اثْنَيْنِ يَلْزَمُهُمَا النَّفَقَةُ بِعَدَدِ الْمِلْكِ وَالنَّفَقَةُ صِلَةٌ وَالزَّكَاةُ تَجِبُ صِلَةً لِلْفُقَرَاءِ بِالْمِلْكِ وَكَذَا الْعُشْرُ تُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْكَ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الْإِعْتَاقِ كَالنِّكَاحِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الطَّلَاقِ فَكَانَ فِي الْمِلْكِ مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْمَلٌ لِلْعِلَّةِ وَإِذَا أَظْهَرَ التَّأْثِيرَ لِلْوَصْفَيْنِ وَعَدَمَ الْحُكْمِ بِفَوَاتِ أَحَدِهِمَا كَانَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً وَاحِدَةً لَا أَنْ تَكُونُ الْقَرَابَةُ عِلَّةً وَالْمِلْكُ شَرْطًا كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ ﵀ ثُمَّ الْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْوَصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُمَا وُجُودًا لِمَا بَيَّنَّا فَإِذَا كَانَتْ الْقَرَابَةُ سَابِقَةً ثُمَّ وُجِدَ الْمِلْكُ كَانَ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَيْهِ حَتَّى صَارَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُوجِبُ الْمِلْكَ وَالْمِلْكَ يُوجِبُ الْعِتْقَ فَكَانَ الْعِتْقُ الثَّابِتُ بِهِ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا كِنَايَةً عَنْ الْإِعْتَاقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَغَيَّرُ بِالْوَاسِطَةِ مَتَى كَانَتْ الْوَاسِطَةُ ثَابِتَةً بِالْأَوْلَى كَالرَّمْيِ يَكُونُ قَتْلًا بِوَاسِطَةِ النُّفُوذِ وَالْوُصُولِ إلَى الْمَرْمَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الشِّرَاءَ إعْتَاقٌ تَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ النِّيَّةِ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ عَلَى قَدْرِ مَا لَزِمَهُ بِالنَّصِّ.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْحُكْمَ مُضَافٌ إلَى الْوَصْفِ الْأَخِيرِ إذْ لَوْ كَانَ مُضَافًا إلَيْهِمَا بَعْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ الثَّانِي لَمَا كَانَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا تَامًّا وَلَمَا وَقَعَ عَنْ الْكَفَّارَةِ كَإِعْتَاقِ أُمِّ الْوَلَدِ وَمَتَى تَأَخَّرَتْ الْقَرَابَةُ أُضِيفَ الْعِتْقُ إلَيْهَا حَتَّى لَوْ وَرِثَ اثْنَانِ عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ اشْتَرَيَاهُ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي هِيَ آخِرُ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا حَصَلَتْ بِصُنْعِهِ فَيُضَافُ الْعِتْقُ إلَيْهِ وَيُجْعَلُ الْمُدَّعِي مُعْتِقًا بِوَاسِطَةِ الْقَرَابَةِ كَمَا جُعِلَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَهَذَا كَمَا لَوْ شَهِدَ الرَّجُلَانِ بِنَسَبِ رَجُلٍ فَوَرِثَ بِهِ وَحُجِبَ الْأَبْعَدَ ثُمَّ رَجَعَا فَإِنْ كَانَا شَهِدَا بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ ضَمِنَا بِالْأَبْعَدِ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِرْثِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَضْمَنَا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ بِالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ سَابِقًا أُضِيفَ إلَى النَّسَبِ فَصَارَا مُتْلِفَيْنِ عَلَى الْأَبْعَدِ نَصِيبَهُ بِإِثْبَاتِ نَسَبِ الْأَقْرَبِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا كَانَ الْإِرْثُ مُضَافًا إلَى الْمَوْتِ الثَّابِتِ بَعْدَ النَّسَبِ فَلَمْ يَصِرْ الشَّاهِدَانِ مُتْلِفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِمَا فَكَذَا هَاهُنَا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ نَاوِيًا عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يَجْزِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُضَافُ إلَى الْقَرَابَةِ وَهِيَ أَمْرٌ جَبْرِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ فَيَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْعِتْقُ فِي الشِّرَاءِ أَمْرٌ جَبْرِيٌّ أَيْضًا كَالْقَرَابَةِ هَاهُنَا وَالدَّعْوَى الَّتِي تُوجِبُ الْقَرَابَةَ هَاهُنَا أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ كَالشِّرَاءِ هُنَاكَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بِالدَّعْوَةِ مُعْتِقًا كَمَا جُعِلَ بِالشِّرَاءِ وَلِهَذَا جُعِلَ مُعْتِقًا بِهَا فِي ضَمَانِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ لَكِنْ أَنْ تَثْبُتَ الرِّوَايَةُ فَالْفَرْقُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَرَابَةَ وَإِنْ ثَبَتَتْ بِالدَّعْوَةِ لَمْ تَثْبُتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى حَالِ الدَّعْوَةِ بَلْ تَثْبُتُ مِنْ حَالِ الْعُلُوقِ فَيَسْتَنِدُ الْعِتْقُ إلَى زَمَانِ الْمِلْكِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ خَلَا عَنْ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْكَفَّارَةِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ
стр. 1319
وَالْمَرَضِ وَمِثْلُ النَّوْمِ لِلْحَدَثِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ تَعَلَّقَ بِهِ فِي الشَّرْعِ الرُّخْصُ فَكَانَ عِلَّةً حُكْمًا وَنُسِبَتْ الرُّخْصُ إلَيْهِ فَصَارَ عِلَّةً اسْمًا أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَفْطَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ حُكْمًا وَلَا مَعْنًى فَلَمَّا صَارَ شُبْهَةً عَلِمْنَا أَنَّهُ عِلَّةٌ اسْمًا وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْمَشَقَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُ أُضِيفَ إلَى السَّفَرِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ فَأُقِيمَ مَقَامَهَا وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ إلَّا أَنَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
إعْتَاقًا فِي الْحَالِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا بَيَّنَّا فَيَصْلُحُ لِلْكَفَّارَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا وَرِثَ أَبَاهُ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ لَا يُجْزِيهِ أَوْ وَرِثَ رَجُلَانِ عَبْدًا هُوَ قَرِيبُ أَحَدِهِمَا حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَثْبُتُ لِلْمَرْءِ بِدُونِ صُنْعِ الْعَبْدِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَالتَّكْفِيرُ يَتَأَدَّى بِالْإِعْتَاقِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّ آخِرَهُمَا شَهَادَةً لَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ وَلَا يُجْعَلُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ مَعْنًى وَحُكْمًا وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْحُكْمِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهُوَ الشَّهَادَةُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَنْ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ وِلَايَةُ إلْزَامٍ وَالْقَضَاءُ يَقَعُ بِشَهَادَتِهِمَا جُمْلَةً وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ كَوْنُ أَحَدِهِمَا سَابِقًا وَالْآخَرُ مُتَمِّمًا لِعِلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ نَقَلَ عِلْمَهُ إلَى الْقَاضِي وَعِلْمُهُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الرُّجْحَانُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ وَلِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ وَصْفَ الْكَرَامَةِ لِلشَّاهِدِ فَإِنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ كَرَامَةٌ لَهُ وَوَصْفُ الْحُجَّةِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَالثَّانِي تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا.
وَبِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ رَجُلَانِ رَجُلًا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ كَانَ الْمَوْتُ مُضَافًا إلَى الْجُرْحَيْنِ لَا إلَى الْجُرْحِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ عِلَّةٌ تَامَّةٌ بِنَفْسِهَا وَالْحُكْمُ فِي الْعِلَلِ إذَا اجْتَمَعَتْ تُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهَا غَيْرُهَا وَكَلَامُنَا فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا وَصْفَانِ وَكَذَا لَا يُتَيَقَّنُ بِأَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الزُّهُوقُ بِأَيِّهِمَا حَصَلَ فَلَا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ حَتَّى لَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا وَجَزَّ الْآخَرُ رَقَبَتَهُ كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْجُزْءِ لِاتِّصَالِ الْحُكْمِ بِهِ يَقِينًا
وَبِخِلَافِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ حَيْثُ لَمْ يُضَفْ الْحُكْمُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا بَلْ يُضَافُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ فَالْإِيجَابُ عِلَّةُ مِلْكِ الْمَبِيعِ وَالْقَبُولُ شَرْطٌ فِي حَقِّهِ وَالْقَبُولُ عِلَّةُ مِلْكِ الثَّمَنِ وَالْإِيجَابُ شَرْطٌ فِي حَقِّهِ فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ إلَى عِلَّتِهِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ عِلَّةُ الْمِلْكِ هِيَ الْعَقْدُ الَّذِي حَكَمَ الشَّرْعُ بِوُجُودِهِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالْبَيْعِ وَيُوصَفُ بِالْبَقَاءِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ فَكَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ دُونَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
قَوْلُهُ (وَالْمَرَضِ) عَطْفٌ عَلَى السَّفَرِ أَيْ السَّفَرُ وَالْمَرَضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلرُّخْصَةِ الثَّابِتَةِ بِهِ اسْمًا وَحُكْمًا لَا مَعْنًى وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُ السَّفَرِ عِلَّةً اسْمًا وَحُكْمًا أَنَّ السَّفَرَ تُعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ الرُّخْصُ أَيْ ثَبَتَ مُتَّصِلَةً بِهِ حَتَّى إذَا جَاوَزَ ثُبُوتَ الْمِصْرِ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَكَانَ عِلَّةً حُكْمًا
وَنُسِبَتْ الرُّخْصُ إلَى السَّفَرِ شَرْعًا يُقَالُ رُخْصَةُ السَّفَرِ الْقَصْرُ وَالْإِفْطَارُ فَكَانَ عِلَّةً اسْمًا أَيْضًا أَلَا تَرَى إيضَاحًا لِكَوْنِهِ عِلَّةً اسْمًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ يَعْنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَصْبَحَ مُقِيمًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّوْمِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أَنْشَأَ السَّفَرَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا تَقَرَّرَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ إذْ السَّفَرُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا أَيْ هَذَا السَّفَرُ فِي حَقِّ هَذَا الْيَوْمِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ حُكْمًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الرُّخْصَةِ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الْمَشَقَّةُ لَا نَفْسُ السَّفَرِ فَلَمَّا صَارَ هَذَا السَّفَرُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ حُكْمًا وَلَا مَعْنًى عَلِمْنَا أَنَّهُ عِلَّةٌ اسْمًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً اسْمًا أَيْضًا لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ لِوُجُودِ الْإِفْطَارِ بِلَا تَرَخُّصٍ صُورَةً
стр. 1320
مُتَنَوِّعٌ فَمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمَشَقَّةِ أُقِيمَ مَقَامَهَا وَمَا لَا فَلَا وَكَذَلِكَ النَّوْمُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ سَبَبًا لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ مَقَامَهُ فَصَارَ حَدَثًا وَإِنَّمَا نُقِلَ إلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ لِلتَّيْسِيرِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّغْلِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى اسْتِحْدَاثِ سَبَبِ الشَّغْلِ تَيْسِيرًا وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْأَصْلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ يَكُونُ إقَامَةُ السَّبَبِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوِّ مِثْلُ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالنَّوْمِ وَالْمَسِّ وَالنِّكَاحِ مَقَامَ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ مَقَامَ الْمَدْلُولِ مِثْلُ الْخَبَرِ عَنْ الْمَحَبَّةِ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ وَمِثْل الطُّهْرِ مَقَامَ الْحَاجَةِ فِي إبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِثْلُ مَسَائِلِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ وَفِقْهُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ إنْ أَحْبَبْتِينِي أَوْ أَبْغَضْتِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفِي الِاسْتِبْرَاءِ وَفِي قِيَامِ النِّكَاحِ مَقَامَ الْمَاءِ وَلِلِاحْتِيَاطِ كَمَا قِيلَ فِي تَحْرِيمِ الدَّوَاعِي فِي الْحُرُمَاتِ وَالْعِبَادَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَمَعْنًى.
وَأَمَّا الْمَعْنَى أَيْ فَوَاتُ مَعْنَى الْعِلَّةِ عَنْ السَّفَرِ فَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْمَشَقَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ دُونَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي إيجَابِ الرُّخْصَةِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ كَمَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ أُضِيفَ إلَى السَّفَرِ دُونَ حَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ يَتَفَاوَتُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَأَقَامَ الشَّرْعُ السَّفَرَ الْمَخْصُوصَ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ فِي الْغَالِبِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ السَّفَرُ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْمَشَقَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ وَإِنْ كَانَ فِي رَفَاهِيَةٍ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ مَشَقَّةٍ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّفَرِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ وَأَبَدًا يُضَافُ لِلْحُكْمِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ دَارَ الْحُكْمُ مَعَ السَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ السَّفَرِ الْمَرَضُ عِلَّةٌ لِلرُّخْصَةِ اسْمًا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ تُنْسَبُ إلَيْهِ كَمَا تُنْسَبُ إلَى السَّفَرِ رُخْصَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ مُقْتَرِنًا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْنَوِيَّةَ مَالَهَا أَثَرٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ وَلَا أَثَرَ لِنَفْسِ الْمَرَضِ فِي إيجَابِ الرُّخْصَةِ بَلْ الْمُوجِبُ الْحَقِيقِيُّ مَعْنًى تَحْتَهُ وَهُوَ خَوْفُ التَّلَفِ وَزِيَادَةُ الْمَرَضِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى أَمْرًا بَاطِنًا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي إضَافَةِ الْحُكْمَ إلَيْهِ وَصَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَرَضِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخَوْفِ وَالْمَشَقَّةِ وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ بِكُلِّ حَالٍ فَأَمَّا الْمَرَضُ فَقَدْ يُوجِبُ خَوْفَ التَّلَفِ وَالْمَشَقَّةِ وَقَدْ لَا يُوجِبُ كَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْمَرَضَ مَتْبُوعٌ إلَى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ الْمَذْكُورِ سَابِقًا الِاسْتِبْرَاءُ وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ فِي الْأَمَةِ عِنْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى انْقِضَاءِ حَيْضَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالشُّغْلِ أَيْ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالشُّغْلِ هُوَ مَصْدَرُ شُغِلَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لَا شَغَلَ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ يَعْنِي هُوَ مُتَعَلِّقٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِوَهْمِ اشْتِغَالِ الرَّحِمِ بِمَاءِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إيجَابِهِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْ الْخَلْطِ بِمَاءٍ آخَرَ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ سَقْيِ زَرْعِ الْغَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» وَذَلِكَ يَجِبُ عِنْدَ تَوَهُّمِ الشُّغْلِ لَكِنَّ الشُّغْلَ لَمَّا كَانَ بَاطِنًا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِاسْتِحْدَاثِ مِلْكِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الشُّغْلَ يَكُونُ بِالْوَطْءِ وَبِالْمِلْكِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْوَطْءِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْوَطْءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمِلْكِ كَانَ لِلْمِلْكِ اتِّصَالٌ بِهِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَأُشِيرَ فِي التَّقْوِيمِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ صِيَانَةُ الْمَاءِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَاءٍ قَدْ وُجِدَ إلَّا أَنَّهُ لَوْ عَلِقَ بِالْمَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا مُرَاعَاتُهُ فَعَلِقَ بِالسَّبَبِ الْمُؤَدَّى إلَى خَلْطِ الْمِيَاهِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ مِلْكِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْدَاثَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لَزِمَ الْبَائِعَ وَمِنْ غَيْرِ ظُهُورِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا عَنْ مَائِهِ فَلَوْ أَبَحْنَا الْوَطْءَ لِلثَّانِي بِنَفْسِ الْمِلْكِ لَأَدَّى إلَى الْخَلْطِ فَكَانَ الْإِطْلَاقُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلَيْهِ فَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِبْرَاءُ بِاسْتِحْدَاثِ مِلْكِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ احْتَمَلَ رَحِمُهَا
стр. 1321
وَلِدَفْعِ الْحَرَجِ كَمَا قِيلَ فِي السَّفَرِ وَالطُّهْرِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْحَاجَةِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَالْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ لِإِيجَابِ الْحَدَثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الشُّغْلَ بِمَاءِ الْمَوْلَى لِعَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْمَوْلَى قَبْلَ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ إلَّا عَلَى رَحِمٍ فَارِغَةٍ أَوْ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاحْتِيَاطِ لِمَعْرِفَةِ الْفَرَاغِ بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ الزَّائِدَةِ عَلَى مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْفَرَاغُ أَمْرًا بَاطِنًا دَارَ الْحُكْمُ عَلَى النِّكَاحِ فَقِيلَ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي النِّكَاحِ بِحَالٍ اعْتِبَارًا لِأَصْلِهِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ فِي حُدُوثِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ بِكْرًا أَوْ مُشْتَرَاةً مِنْ امْرَأَةٍ اعْتِبَارًا لِأَصْلِهِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَظِيفَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا أَنَّ الْعِدَّةَ وَظِيفَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَمَا لَا يُنْقَلُ وَظِيفَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ إلَى مِلْكِ الْيَمِينِ لَا يُنْقَلُ وَظِيفَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ إلَى مِلْكِ النِّكَاحِ وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ إقَامَةُ الشَّيْءِ مَقَامَ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى كَإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَالنِّكَاحِ مَقَامَ الْعُلُوقِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ وَالْخَلْوَةِ مَقَامَ الدُّخُولِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَيْ وَضْعُ الشَّيْءِ مَقَامَ غَيْرِهِ بِطَرِيقَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسَبَ لَا يَخْلُو عَنْ تَأْثِيرٍ لَهُ فِي الْمُسَبَّبِ أَوْ إفْضَاءٍ إلَيْهِ وَالدَّلِيلُ يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ كَذَا قِيلَ وَالْمَسُّ وَالنِّكَاحُ يُقَامُ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْوَطْءِ فِي ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ دَاعٍ إلَيْهِ مِثْلُ الْخَبَرِ أَيْ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَحَبَّةِ قَامَ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ أُحِبُّك؛ لِأَنَّ إخْبَارَهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ مَا جَعَلَهُ شَرْطًا فَأُقِيمَ مَقَامَ الْمَدْلُولِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَتْ عَنْ الْمَحَبَّةِ خَارِجَ الْمَجْلِسِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّخْيِيرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ إلَى إخْبَارِهَا وَمَحَبَّتِهَا وَالتَّخْيِيرُ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ.
وَلَوْ كَانَتْ كَاذِبَةً فِي الْإِخْبَارِ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهَا وَلَا مِنْ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مُتَقَلِّبٌ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ فَمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِدَلِيلِهِ كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ وَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ فَصَارَ الشَّرْطُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمَحَبَّةِ وَقَدْ وُجِدَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ وَمِثْلُ الطُّهْرِ أَيْ الطُّهْرِ الْخَالِي عَنْ الْجِمَاعِ قَامَ مَقَامَ الْحَاجَةِ إلَى الطَّلَاقِ فِي إبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الْمَسْنُونِ وَلَكِنَّ الْمَحْظُورَ قَدْ يَحِلُّ مُبَاشَرَتُهُ لِلضَّرُورَةِ كَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَقَدْ يَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الطَّلَاقِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُضِيِّ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَإِقَامَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الطَّلَاقِ لَانْقَلَبَ النِّكَاحُ الْمَشْرُوعُ لِلْمَصَالِحِ مَفْسَدَةً فَشُرِعَ الطَّلَاقُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ثُمَّ هِيَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَأُقِيمَ دَلِيلُ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي زَمَانِ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ إلَيْهَا وَهُوَ الطُّهْرُ الْخَالِي عَنْ الْجِمَاعِ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ تَيْسِيرًا وَمِثْلُ مَسَائِلِ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّ دَلِيلَ الشُّغْلِ فِيهَا وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَدْلُولِ وَهُوَ الشُّغْلُ حَتَّى دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَمِنْ الصَّغِيرِ بِأَنْ بَاعَهَا لَهُ أَبُوهُ وَالْجَارِيَةِ الْبِكْرِ لِوُجُودِ الِاسْتِحْدَاثِ وَإِنْ تَيَقَّنَّا بِعَدَمِ الشُّغْلِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ لِفَرَاغِ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّ
стр. 1322
وَهَذِهِ وُجُوهٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي ضَبْطِهَا مَعْرِفَةُ حُدُودِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ تَقْسِيمِ الشَّرْطِ)
وَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ شَرْطٌ مَحْضٌ وَشَرْطٌ لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ وَشَرْطٌ لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ وَشَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا فَكَانَ مَجَازًا فِي الْبَابِ وَشَرْطٌ هُوَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ الْخَالِصَةِ أَمَّا الشَّرْطُ الْمَحْضُ فَمَا يَمْتَنِعُ بِهِ وُجُودُ الْعِلَّةِ فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فَيَصِيرُ الْوُجُودُ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ دُونَ الْوُجُوبِ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِبْرَاءَ كَاسْمِهِ لِتَبَيُّنِ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَقَاسَ بِالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ فِي حَالِ الدُّخُولِ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ.
وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذِهِ حِكْمَةُ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ لَا بِالْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةُ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ كَمَا بَيَّنَّا ثُمَّ الشَّيْخُ ﵀ سَمَّى الِاسْتِحْدَاثَ سَبَبًا لِلشُّغْلِ قُبَيْلَ هَذَا بِخُطُوطٍ وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّا ثُمَّ جَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى الشُّغْلِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِحْدَاثَ يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ مَنْ يُسْتَحْدَثُ مِنْهُ وَيُتَلَقَّى مِنْ جِهَتِهِ وَمِلْكُهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ الْوَطْءِ وَالْوَطْءُ سَبَبٌ لِلشُّغْلِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ فَكَانَ الِاسْتِحْدَاثُ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ دَلِيلًا عَلَى عِلَّةِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ فَأُقِيمَ مَقَامَ الْمَدْلُولِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ سَبَبًا بِالنَّظَرِ إلَى مُطْلَقِ الشُّغْلِ وَكَوْنَهُ دَلِيلًا بِالنَّظَرِ إلَى الشُّغْلِ بِمَاءِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا جَمَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَقَالَ فَقَامَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَقَامَ كَذَا وَلَكِنْ جَعْلُهُ دَلِيلًا أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ سَبَبًا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ الشُّغْلُ بِمَاءِ الْغَيْرِ لَا مُطْلَقُ الشُّغْلِ وَالِاسْتِحْدَاثُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلشُّغْلِ بِمَاءِ الْغَيْرِ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فَكَانَ جَعْلُهُ دَلِيلًا أَوْلَى وَطَرِيقُ ذَلِكَ أَيْ طَرِيقُ وَضْعِ الشَّيْءِ مَقَامَ غَيْرِهِ وَفِقْهُهُ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي جَوَّزَ ذَلِكَ شَرْعًا كَذَا أَحَدُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ أَيْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ.
وَلِلِاحْتِيَاطِ كَمَا قِيلَ فِي تَحْرِيمِ الدَّوَاعِي فِي الْحُرُمَاتِ فَإِنَّ الزِّنَا حُرِّمَ صَوْنًا لِلْفُرُشِ عَنْ الْفَسَادِ وَحِفْظًا لِلنَّسْلِ عَنْ الضَّيَاعِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الدَّوَاعِي مِنْ الْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ مَقَامَهُ فِي الْحُرْمَةِ وَكَذَلِكَ فِي الظِّهَارِ وَالْعِبَادَاتِ أَيْ أُقِيمَتْ الدَّوَاعِي مَقَامَ الْوَطْءِ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْجِمَاعَ فِي حَالَتَيْ الِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ حَرَامٌ ثُمَّ أَحْدَثُ الدَّوَاعِي حِكْمَةً لِلِاحْتِيَاطِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي الْعِبَادَاتِ قَدْ يُقَامُ الشَّيْءُ مَقَامَ غَيْرِهِ لِلِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْإِسْلَامِ حَتَّى وَجَبَ لِلْحُكْمِ بِالْإِسْلَامِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ تَصْدِيقٌ وَلَا إقْرَارٌ وَكَذَا الْإِقْرَارُ الْمُجَرَّدُ أُقِيمَ مَقَامَ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى وَجَبَ الْعِبَادَاتُ بِهِ احْتِيَاطًا وَإِعْلَاءً لِلدِّينِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَلِدَفْعِ الْحَرَجِ أَيْ الضِّيقِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الْقَسَمِ الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْلًا وَفِي هَذَا الْقِسْمِ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَعَ نَوْعِ مَشَقَّةٍ وَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ فِي الشَّرْعِ كَالضَّرُورَةِ وَهَذِهِ أَيْ الْأَقْسَامُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي تَقْسِيمِ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وُجُوهٌ مُتَقَارِبَةٌ.
[بَابُ تَقْسِيمِ الشَّرْطِ]
قَوْلُهُ (فَمَا يَمْتَنِعُ بِهِ وُجُودُ الْعِلَّةِ) أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِالتَّعْلِيقِ بِهِ وُجُودُ الْعِلَّةِ لَا أَنْ يَمْتَنِعَ بِوُجُودِهِ وُجُودُهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فَإِنَّهَا لَا يَمْتَنِعُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ بَلْ تُوجَدُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ
وَذَلِكَ أَيْ وُجُودُ الشَّرْطِ بِالصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا يُوجَدُ فِي كُلِّ تَعْلِيقٍ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَمَتَى دَخَلْت أَوْ إذَا دَخَلْت فَالدُّخُولُ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الشَّرْطِ شَرْطٌ وَامْتَنَعَتْ الْعِلَّةُ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الِانْعِقَادِ بَعْدَ وُجُودِ صُورَتِهَا مِنْ حَيْثُ التَّكَلُّمُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ فِي الْحَالِ فَإِذَا وُجِدَ الدُّخُولُ يَنْعَقِدُ
стр. 1323
وَذَلِكَ فِي كُلِّ تَعْلِيقٍ بِحَرْفِ مِنْ حُرُوفِ الشُّرُوطِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَكُلَّمَا دَخَلْت وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ أَلَا يُرَى أَنَّ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهَا ثُمَّ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ الْعِلْمِ حَتَّى إنَّ النَّصَّ النَّازِلَ لَا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ مِنْ الْمُخَاطَبِ فَإِنْ أَسْلَمَ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرَائِعِ قَبْلَ الْعِلْمِ فَصَارَتْ الْأَسْبَابُ وَالْعِلَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَكَذَلِكَ رُكْنُ الْعِبَادَاتِ يَنْعَدِمُ لِعَدَمِ شُرُوطِهَا وَهِيَ النِّيَّةُ وَالطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ رُكْنُ النِّكَاحِ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ يَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَثَرَ الشَّرْطِ عِنْدَنَا انْعِدَامُ الْعِلَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَرَاخِي الْحُكْمِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الشَّرْطُ بِصِيغَتِهِ أَوْ دَلَالَتِهِ وَقَطُّ لَا تَنْفَكُّ صِيغَتُهُ عَنْ مَعْنَاهُ فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ شَرْطٌ عَادَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا قَوْلٌ بِأَنَّهُ لَغْوٌ وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
عِلَّةً وَيَصِيرُ تَحْرِيرًا فَيَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ وَذَلِكَ أَيْ الشَّرْطُ الْمَحْضُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ وُجُودُ الْعِلَّةِ عَلَى وُجُودِهِ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ جَمِيعًا
أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهَا عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ ثُمَّ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ أَيْ صَيْرُورَةُ السَّبَبِ سَبَبًا عَلَى شَرْطِ عِلْمِ الْعَبْدِ بِالْخِطَابِ الَّذِي بِهِ صَارَ السَّبَبُ سَبَبًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] أَوْ عَلَى مَا يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ مِنْ شُيُوعِ الْخِطَابِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا شَرَطَ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقُدْرَةِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ الْعِلْمِ فَشَرَطَ الْعِلْمَ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.
وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْعِلْمِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّابِتُ بِالْخِطَابِ لَا كَوْنُهُ سَبَبًا وَلَا نَفْسُ الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَوُجُوبُ الصَّوْمِ عَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يَسْتَغْرِقْ جُنُونُهُ الشَّهْرَ مَعَ عَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ لِهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْعِلْمُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ شُيُوعَ الْخِطَابِ وَبُلُوغَهُ إلَى الدَّهْمَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْبُلُوغِ إلَى كُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ يَعْنِي مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرَائِعِ قَبْلَ الْعِلْمِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا فَاتَ فِي حَقِّهِ مَنَعَ السَّبَبَ مِنْ الِانْعِقَادِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ وَلَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالشَّرَائِعِ حَتَّى مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ ثُمَّ عَلِمَ بِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى لَا لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنْ؛ لِأَنَّ شُيُوعَ الْخِطَابِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَيَسُّرَ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِأَدْنَى طَلَبٍ يَقُومُ مَقَامَ وُجُودِهِ فَتَصِيرُ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً حَقِيقَةً بِوُجُودِ الشَّرْطِ حُكْمًا فَصَارَتْ الْأَسْبَابُ مِثْلَ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ وَشُهُودِ الشَّهْرِ لِلصَّوْمِ وَالْبَيْتِ لِلْحَجِّ وَالْعِلَلُ وَمِثْلُ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لِلرِّبَا بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ أَيْ الشَّيْءِ الْمَعْدُومِ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْعِلْمُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا يَنْعَدِمُ الْأَسْبَابُ وَالْعِلَلُ فِي حَقِّ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ يَنْعَدِمُ رُكْنُ الْعِبَادَاتِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ انْعِدَامِ رُكْنِ الْعِبَادَاتِ انْعِدَامُ رُكْنِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا يَعْنِي فِي بَيَانِ التَّمَسُّكَاتِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ أَثَرَ الشَّرْطِ أَيْ أَثَرَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ كَذَا وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ أَيْ وَمِثْلُ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ الِاخْتِلَافُ فِي كُلِّ الشُّرُوطِ أَوْ وَمِثْلُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الشَّرْطُ بِصِيغَتِهِ بِأَنْ دَخَلَ فِي الْكَلَامِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ فَكَانَ الْفِعْلُ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ شَرْطًا أَوْ دَلَالَتَهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ.
قَوْلُهُ (وَقَطُّ لَا تَنْفَكُّ صِيغَةُ الشَّرْطِ عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ) ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ أَنَّ صِيغَةَ الشَّرْطِ قَدْ تَخْلُو عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الشَّرْطَ شَرْطَ تَغْلِيبٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ لَا يَخْلُو فِي الْغَالِبِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ وَالْعَادَةِ إذْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُكَاتِبُ الْعَبْدَ إذَا رَأَى فِيهِ خَيْرًا إلَّا أَنَّهُ شَرْطٌ حَقِيقِيٌّ بِدَلِيلِ جَوَازِ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ فِيهِ خَيْرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا حَقِيقَةً لَمْ يَجُزْ وَكَمَا فِي
стр. 1324
وَلَكِنْ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْحُكْمِ اسْتِحْبَابُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاسْتِحْبَابُ الْكِتَابِ مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الشَّرْطِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِهِ وَيَنْعَدِمُ قَبْلَهُ فَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَتَسْتَغْنِي عَنْهُ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] سُنَّةٌ وَاسْتِحْبَابٌ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ [النساء: ١٠١] أَيْ يَقْتُلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّهُ شَرْطُ تَغْلِيبٍ وَمَذْكُورٌ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ فَإِنَّ عَامَّةَ أَسْفَارِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ حَقِيقِيٌّ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْقَصْرِ حَالَةَ الْأَمْنِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ الْخَوْفَ لِجَوَازِ الْقَصْرِ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] .
فَإِنَّ ذِكْرَ الْحَجْرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ إذْ الْقَيْدُ شَرْطٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ إذْ الرَّبِيبَةُ تُرَبَّى فِي حِجْرِ الرَّبِّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الشَّرْطَ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الرَّبِيبَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ دَخَلَ بِأُمِّهَا قَالُوا وَالْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ الِابْتِلَاءِ بِتِلْكَ الْحَادِثَةِ فِي الْعَادَاتِ بِالذِّكْرِ كَوْنُهَا أَوْلَى بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا أَمَسُّ فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ وَقَالَ صِيغَةُ الشَّرْطِ لَا تَخْلُو عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ قَطُّ خُصُوصًا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ يُؤَدِّي إلَى الْغَايَةِ وَإِدْخَالِهِ فِي جِنْسِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ.
وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ لَغْوٌ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ مُتَمَسَّكِهِمْ فَقَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ أَيْ أَدْنَى دَرَجَاتِهِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الطَّلَبُ كَذَا وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ تَارَةً وَلِلنَّدَبِ أُخْرَى أَبْعَدُ عَنْ الِاشْتِبَاهِ لَا يُوجَدُ الِاسْتِحْبَابُ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الْخَيْرِيَّةِ وَيُعْدَمُ الِاسْتِحْبَابُ قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ فَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَأَمَّا الْإِبَاحَةُ أَيْ إبَاحَةُ الْكِتَابَةِ فَتَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا الشَّرْطِ أَيْ هِيَ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالشَّرْطِ فَيَجُوزُ الْكِتَابَةُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ إعْتَاقُهُ فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَالُ عِنْدَ الْبَعْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَسُوبًا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْبَدَلِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ الدِّيَانَةُ وَحُسْنُ خِدْمَةِ الْمَوْلَى فَإِذَا رَأَى الْمَوْلَى ذَلِكَ مِنْهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الِاسْتِصْحَابُ إلَّا عِنْدَ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ وَابْنُ سِيرِينَ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا عَلِمَ الْمَوْلَى فِيهِ خَيْرًا وَطَلَبَ الْعَبْدُ الْكِتَابَةَ وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ أَيْ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] أَيْ حُطُّوا عَنْهُمْ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ شَيْئًا مَا أَحَبَبْتُمْ رُبْعًا فَمَا دُونَهُ سُنَّةً وَاسْتِحْبَابًا فَكَذَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الِانْتِظَامُ وَالِاتِّسَاقُ وَإِنْ كَانَ الْقِرَانُ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَهَذَا التَّوْضِيحُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا حُمِلَ الْإِيتَاءُ عَلَى الْحَطِّ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ كَمَا قُلْنَا وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْإِعَانَةِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَإِعْطَائِهِمْ سَهْمَهُمْ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ فِي الرِّقَابِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْخِطَابُ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِحُّ التَّوْضِيحُ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ عِنْدَنَا بَلْ لِبَيَانِ النَّدْبِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ إنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ بِشَرْطِ عَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَيُقَالُ اسْتِحْبَابُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ مُتَعَلِّقٌ
стр. 1325
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] لَيْسَ بِشَرْطٍ عَادَةً بَلْ هُوَ شَرْطٌ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ مَا وُضِعَ لَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصِّ قَصْرُ الْأَحْوَالِ وَهُوَ أَنْ يُومِئَ عَلَى الدَّابَّةِ وَيُخَفِّفَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَصْرُ الْأَحْوَالِ يَتَعَلَّقُ بِقِيَامِ الْخَوْفِ عِيَانًا لَا بِنَفْسِ السَّفَرِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَمْ يَذْكُرْ الْحُجُورَ شَرْطًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَهُوَ شَرْطٌ اسْمًا وَحُكْمًا
ــ
[كشف الأسرار]
بِعَدَمِ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] الْآيَةَ قَوْلُهُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ مَا وُضِعَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ قَصْرُ الْأَحْوَالِ لَا قَصْرُ الذَّاتِ كَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَصْرُ الْأَحْوَالِ أَنْ يَقْصُرَ عَنْ بَعْضِ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ كَالْأَدَاءِ رَاكِبًا بِإِيمَاءٍ وَالْإِيجَازِ فِي الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَرْكِ الِاعْتِدَالِ فِي الْأَرْكَانِ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] أَيْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَرِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ أَيْ عَلَى أَقْدَامِكُمْ أَوْ رُكْبَانًا بِإِيمَاءٍ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِذَا زَالَ خَوْفُكُمْ فَاذْكُرُوا أَيْ صَلُّوا كَمَا عَلَّمَكُمْ مِنْ صَلَاةِ الْأَمْنِ فَعَلَّقَ بِالْخَوْفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَصْرَ الْأَحْوَالِ لَا قَصْرَ الذَّاتِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ أَمِنْتُمْ مِنْ الْعَدُوِّ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ أَطِيلُوا قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِحَالِ الْحَضَرِ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السُّدِّيَّ وَغَيْرِهِ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِبَيَانِ مَا يُبَاحُ بِالْخَوْفِ مِنْ قَصْرِ الْأَحْوَالِ وَقَصْرُ الْأَحْوَالِ أَيْ جَوَازُهُ وَسُقُوطُ كَرَاهَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِقِيَامِ الْخَوْفِ عِيَانًا فَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ شَرْطَانِ الْخَوْفُ وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ وَالْقَصْرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِالضَّرْبِ قَصْرُ الذَّاتِ لَا قَصْرُ الْأَحْوَالِ إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي حَالَةِ الْإِقَامَةِ أَيْضًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْخَوْفِ قَصْرُ الذَّاتِ أَيْضًا قُلْنَا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لَيْسَ لِتَعْلِيقِ الْقَصْرِ بِهِ بَلْ الشَّرْطُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ الْقَصْرُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ إذَا دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا كَانَ الطَّلَاقُ مُتَعَلِّقًا بِالْكَلَامِ لَا بِالدُّخُولِ وَكَانَ الدُّخُولُ شَرْطَ الِانْعِقَادِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ الْقَصْرُ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ بَلْ بِالْخَوْفِ هَذَا مُوجِبُ اللُّغَةِ وَالْقَصْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْخَوْفِ قَصْرُ الْأَحْوَالِ لَا قَصْرُ الذَّاتِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ بَعْدَ وُجُودِ الضَّرْبِ لَكِنْ تُرِكَ هَذَا بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْقَصْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْخَوْفِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَدُّمُ السَّفَرِ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي قَصْرِ الذَّاتِ يُشْتَرَطُ السَّفَرُ دُونَ الْخَوْفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ النَّصِّ.
وَلَا يُقَالُ نَحْنُ نُعَلِّقُ قَصْرَ الذَّاتِ بِالضَّرْبِ وَنَتْرُكُ مُقْتَضَى قَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لَا يَصْلُحُ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالشَّرْطِ الثَّانِي فَكَانَ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَوْلَى وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ يَلْزَمُ مِمَّا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ خُلُوُّ صِيغَةِ الشَّرْطِ عَنْ مَعْنَاهُ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِمَّا ذَهَبْنَا إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣] فَلَا يُجْدِيكُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ نَفْعًا؛ لِأَنَّ خُلُوَّ الصِّيغَةِ عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ لَازِمٌ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ وَلَا يَنْفَعُكُمْ التَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَاقِعٌ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ خُلُوِّهِ عَنْ مَعْنَاهُ بِلَا دَلِيلٍ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَمْ يَذْكُرْ الْحُجُورَ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ أَيْ لَيْسَ بِشَرْطِ صِيغَةٍ إذْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ وَلَا دَلَالَةَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] مُعَرَّفٌ وَالْوَصْفُ فِي الْمُعَرَّفِ لَا يُفِيدُ مَعْنَى الشَّرْطِ كَمَا فِي قَوْلِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى
стр. 1326
وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الشَّرْطِ لَا تَنْفَكُّ عَنْ مَدْلُولِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ ثَلَاثًا هَذَا الْكَلَامُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ دَلَالَةً لِوُقُوعِ الْوَصْفِ فِي النَّكِرَةِ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْعَيْنِ لَمَا صَلَحَ دَلَالَةً وَنَصُّ الشَّرْطِ بِجَمِيعِ الْوَجْهَيْنِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ فَإِنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَمْ يُعَارِضْهُ عِلَّةٌ صَلَحَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَمَتَى عَارَضَهُ عِلَّةٌ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً وَذَلِكَ لِمَا قُلْنَا إنَّ الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُودُ دُونَ الْوُجُوبِ فَصَارَ شَبِيهًا بِالْعِلَلِ وَالْعِلَلُ أُصُولٌ لَكِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ عِلَلًا بِذَوَاتِهَا اسْتَقَامَ أَنْ يُخْلِفَهَا الشُّرُوطَ وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ لِعُلَمَائِنَا ﵏
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْحَجْرَ فِي عَكْسِهِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا لِذِكْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ ذِكْرِ الْإِبَاحَةِ بِأَنْ قِيلَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أَوْ لَمْ تَكُنْ الرَّبَائِبُ فِي حُجُورِكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطَيْنِ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِصَاصِ الدُّخُولِ بِالنَّفْيِ دُونَ الْحُجُورِ فَائِدَةٌ لَوْ كَانَ الْحَجْرُ مَذْكُورًا عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَجْرَ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْإِنْسَانِ أَنْ يُضَيِّعَ الشَّيْءَ الَّذِي يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَشَارَ بِمُرَاعَاةِ مَنْ فِي حَجْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا عَلَيْهِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْغَضُ الرَّبِيبَ وَالرَّبِيبَةَ طَبْعًا وَيَتَنَفَّرُ عَنْهُمَا عَادَةً فَكَانَ ذِكْرُ الْحَجْرِ تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَتَرْغِيبًا إلَى مُخَالَفَةِ مَا يَدْعُو إلَيْهِ الطَّبْعُ إذْ فِي ذَلِكَ تَضْيِيعُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَهُوَ شَرْطٌ اسْمًا وَحُكْمًا أَيْ عَدَمُ الدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ شَرْطٌ حَقِيقِيٌّ مَحْضٌ لِإِبَاحَةِ الْبِنْتِ صِيغَةً لِوُجُودِ حَرْفِ الشَّرْطِ فِيهِ وَحُكْمًا لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عَلَى تَحَقُّقِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْحُكْمِ إذْ مَعْنَى الشَّرْطِ لَيْسَ إلَّا تَوَقُّفَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا التَّأْثِيرُ وَهُوَ غَيْرُ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الشَّرْطِ) أَيْ كَمَا لَا يَنْفَكُّ صِيغَةُ الشَّرْطِ عَنْ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَكُّ دَلَالَةُ الشَّرْطِ عَنْ مَدْلُولِهَا وَهُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ وَذَلِكَ أَيْ ثُبُوتُ الشَّرْطِ دَلَالَةً وَعَدَمُ انْفِكَاكِهِ عَنْ الْمَدْلُولِ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ أَوْ مِثْلُ قَوْلِهِ لِنِسَائِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ هَذَا الْكَلَامُ بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ دَلَالَةً وَالتَّزَوُّجُ وَدُخُولُ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ وُجُودُ الْعِلَّةِ عَلَى وُجُودِ التَّزَوُّجِ وَالدُّخُولِ أَوْ الدُّخُولُ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَكَانَتْ نَكِرَةً وَالْوَصْفُ فِي النَّكِرَةِ مُعْتَبَرٌ لِتَعَرُّفِهَا بِهِ فَصَلَحَ دَلَالَةً عَلَى الشَّرْطِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إنْ دَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ.
وَلَوْ وَقَعَ الْوَصْفُ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ أَشَارَ إلَى امْرَأَةٍ وَقَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا أَوْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ الدَّارَ فَكَذَا لَمْ يَصْلُحْ دَلَالَةً عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ فِي الْعَيْنِ لَغْوٌ فَيَبْقَى قَوْلُهُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ طَالِقٌ فَيَلْغُو فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَيَتَنَجَّزُ فِي الْمَنْكُوحَةِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ الشَّرْطِ وَصَرِيحِ الشَّرْطِ فَقَالَ وَنَصُّ الشَّرْطِ لِجَمْعِ الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي لَوْ أَتَى بِصَرِيحِ الشَّرْطِ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ كَذَا أَوْ يَقُولُ إنْ تَزَوَّجْت هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَهِيَ كَذَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّرْطِ فَإِنَّ كُلَّ شَرْطٍ لَمْ يُعَارِضْهُ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا صَلَحَ ذَلِكَ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ أَيْ صَلَحَ عِلَّةً فِي حَقِّ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَمَتَى عَارَضَ الشَّرْطَ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا لَمْ يَصْلُحْ الشَّرْطُ عِلَّةً لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِ الْخِلَافَةِ
وَذَلِكَ أَيْ عَدَمُ صَلَاحِيَةِ الشَّرْطِ لِلْخِلَافَةِ عِنْدَ صَلَاحِيَةِ الْعِلَّةِ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا لَمَّا قُلْنَا إنَّ الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِهِ دُونَ الْوُجُوبِ أَيْ الْإِثْبَاتِ إذْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ
стр. 1327
فَقَدْ قَالُوا فِي شُهُودِ الشَّرْطِ وَالْيَمِينِ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ إنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَى شُهُودِ الْيَمِينِ لِأَنَّهُمْ شُهُودُ الْعِلَّةِ وَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ إذَا اجْتَمَعَا سَقَطَ حُكْمُ السَّبَبِ كَشُهُودِ التَّخْيِيرِ وَالِاخْتِيَارِ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى شُهُودِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ هُوَ الْعِلَّةُ وَالتَّخْيِيرُ سَبَبٌ
ــ
[كشف الأسرار]
فِيهِ.
فَصَارَ الشَّرْطُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ شَبِيهًا بِالْعِلَلِ وَالْعِلَلُ أُصُولٌ يَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَإِضَافَتِهَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْإِيجَابِ فَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَصَلَاحِهَا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا أَنْ يُضَافَ إلَى مَالِهِ شَبَهُ الْعِلَّةِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْلُفَهَا الشَّرْطُ أَصْلًا إذْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إيجَادِ الْحُكْمِ بِوَجْهٍ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ لَكِنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَالًا بِذَوَاتِهَا بَلْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمَارَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ كَالشُّرُوطِ اسْتَقَامَ أَنْ يَخْلُفَهَا الشُّرُوطُ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا لِتَحَقُّقِ الشَّبَهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ
وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ أَيْ اعْتِبَارُ الْعِلَّةِ عِنْدَ صَلَاحِهَا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا وَتَرْجِيحُهَا عَلَى الشَّرْطِ أَصْلٌ كَبِيرٌ لِعُلَمَائِنَا فَقَدْ قَالُوا فِي شُهُودِ الشَّرْطِ وَالْيَمِينِ إذَا رَجَعُوا بِأَنْ شَهِدَ فَرِيقٌ لِامْرَأَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بِتَعْلِيقِ الزَّوْجِ طَلَاقَهَا بِدُخُولِ الدَّارِ أَوْ شَهِدُوا لِعَبْدٍ بِتَعْلِيقِ الْمَوْلَى عِتْقَهُ بِشَرْطٍ ثُمَّ شَهِدَ آخَرُونَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ نِصْفِ الْمَهْرِ أَوْ بِالْحُرِّيَّةِ أَنَّ الضَّمَانَ أَيْ ضَمَانَ الْعَبْدِ وَضَمَانَ مَا أَدَّاهُ الزَّوْجُ إلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى شُهُودِ الْيَمِينِ أَيْ التَّعْلِيقَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودُ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا قَوْلَ الزَّوْجِ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَوْلَ الْمَوْلَى أَنْتَ حُرٌّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ إلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ إضَافَتُهُ إلَى الشَّرْطِ فَلَمْ يَضْمَنْ شُهُودُ الشَّرْطِ شَيْئًا وَسُمِّيَ شُهُودُ التَّعْلِيقِ شُهُودَ الْعِلَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِلَّةً قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ إمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِعَرْضٍ أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً فَكَانَ هَذَا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ لَمَّا شَهِدُوا أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُعَلَّقِ اتِّصَالٌ بِالْمَحَلِّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي زَعْمِهِمْ وَصَارَ عِلَّةً حَقِيقَةً فَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهُمْ بِشُهُودِ الْعِلَّةِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ الضَّمَانُ فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ شَرْطٍ وَالْعِلَّةُ فِي إيجَابِ الْمَهْرِ هُوَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ أَبْرَآ شُهُودَ النِّكَاحِ عَنْ الضَّمَانِ حَيْثُ أَدْخَلَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ عِوَضَ مَا غَرِمَ مِنْ الْمَهْرِ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَهَاهُنَا شُهُودُ الشَّرْطِ لَمْ يُبَرِّئُوا شُهُودَ التَّعْلِيقِ عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْخِلُوا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ عِوَضَ مِلْكِ النِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فَيَبْقَى هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى شَرْطٍ مَحْضٍ فَلَمْ يُضَفْ الضَّمَانُ إلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ عِنْدَ صَلَاحِ الْعِلَّةِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا سَقَطَ حُكْمُ السَّبَبِ إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ الصَّالِحَةُ لِلْإِضَافَةِ أَيْضًا كَشُهُودِ التَّخْيِيرِ وَالِاخْتِيَارِ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الطَّلَاقِ بِأَنْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الزَّوْجَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فِي الْمَجْلِسِ الْفُلَانِيِّ اخْتَارِي نَفْسَك وَشَهِدَ آخَرُونَ بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَالْعَتَاقُ بِأَنْ شَهِدَ فَرِيقٌ بِأَنَّ الْمَوْلَى قَالَ لِعَبْدِهِ فِي الْمَجْلِسِ الْفُلَانِيِّ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت أَوْ قَالَ لَهُ اخْتَرْ عِتْقَك وَشَهِدَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ قَدْ شِئْت أَوْ قَالَ اخْتَرْت الْعِتْقَ ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فَإِنَّ الضَّمَانَ أَيْ ضَمَانَ نِصْفِ الْمَهْرِ فِي الطَّلَاقِ وَضَمَانَ الْعَبْدِ فِي الْعَتَاقِ عَلَى شُهُودِ الِاخْتِيَارِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُوَ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّ لُزُومَ الْمَهْرِ وَفَوَاتَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ يَحْصُلُ بِهِ لَا بِالتَّخْيِيرِ وَالتَّخْيِيرُ سَبَبٌ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مُفْضٍ إلَيْهِ فَكَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى
стр. 1328
فَأَمَّا إذَا سَلِمَ الشَّرْطُ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ صَلَحَ عِلَّةً لِمَا قُلْنَا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا فِي رَجُلٌ قَيَّدَ عَبْدَهُ ثُمَّ حَلَفَ فَقَالَ إنْ كَانَ قَيْدُهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ حَلَّهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ حُرٌّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْقَيْدَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ فَقَضَى الْقَاضِي ثُمَّ حَلَّهُ وَوَزَنَهُ فَإِذَا هُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِعْتَاقِ يَنْفُذُ عِنْدَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَقَدْ وَجَبَ الْعِتْقُ بِشَهَادَتِهِمَا وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنَانِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْبَاطِنِ فَوَقَعَ الْعِتْقُ بِحَلِّ الْقَيْدِ وَهَذَانِ الشَّاهِدَانِ أَثْبَتَا شَرْطَ الْعِتْقِ لَا عِلَّةَ الْعِتْقِ وَمَعَ ذَلِكَ ضَمِنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عِلَّةَ الْعِتْقِ لَا يَصْلُحُ لِضَمَانِ الْعِتْقِ وَهُوَ يَمِينُ الْمَوْلَى فَجُعِلَ الشَّرْطُ عِلَّةً
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةِ دُونَ السَّبَبِ فَلَا يَضْمَنُ شُهُودُ السَّبَبِ شَيْئًا كَمَا لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا إذَا سَلِمَ الشَّرْطُ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ) أَيْ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا صَلَحَ الشَّرْطُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ لِمَا قُلْنَا مِنْ شَبَهِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ بِالْآخَرِ فَكَانَ هَذَا الْقِسْمُ عِلَّةً حُكْمًا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ لَا اسْمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ شَرْعًا وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ لَكِنَّ الشَّيْخَ أَوْرَدَهُ فِي أَقْسَامِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ شَرْطًا اسْمًا وَمَعْنًى وَذَلِكَ أَيْ الشَّرْطُ الَّذِي سَلِمَ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ وَصَلَحَ عِلَّةً مِثْلُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا إلَى آخِرِهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ لِلْمَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَضْمَنَانِ لَهُ شَيْئًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَنْفُذُ بِالْحُجَّةِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَضَاءِ بِالْحُجَّةِ وَالْحُجَّةُ بَاطِلَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِكَوْنِهَا كَذِبًا وَلَكِنَّ الْعَدَالَةَ الظَّاهِرَةَ دَلِيلُ الصِّدْقِ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَتْ حُجَّةً فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ دُونَ تَنْفِيذِ الْقَضَاءِ حَقِيقَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ بَنَى الْقَضَاءَ عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ بِهِ فَيَجِبُ صَوْنُ قَضَائِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ وَتَصْحِيحُهُ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ التَّصَرُّفِ الْمَشْهُودِ سَابِقًا عَلَى الْقَضَاءِ فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ صَوْنًا لِلْقَضَاءِ عَنْ الْبُطْلَانِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْحُرِّيَّةِ عِنْدَهُمَا نَافِذًا فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَكَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا بِحَلِّ الْقَيْدِ لَا بِالشَّهَادَةِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَعِنْدَهُ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ نَافِذًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَالْقَضَاءُ كَانَ بِشَهَادَتِهِمَا وَقَدْ وَجَبَ الْعِتْقُ أَيْ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمَا قَبْلَ حَلِّ الْقَيْدِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْبَاطِنِ فَيَضْمَنَانِ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَإِنْ قِيلَ قَضَاءُ الْقَاضِي إنَّمَا يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِبُطْلَانِهِ وَبَعْدَ التَّيَقُّنِ لَا يَنْفُذُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ وَهَاهُنَا تَيَقَّنَّا بِبُطْلَانِ الْحُجَّةِ حِينَ كَانَ وَزْنُ الْقَيْدِ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ فَلَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ بَاطِنًا فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ بِالْحَلِّ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نُفُوذُ الْقَضَاءِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الْقَاضِي بِعُرْفِ مَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ صِدْقِ الشُّهُودِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُقُوفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَرِقِّهِمْ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ هَاهُنَا عَلَى حَقِيقَةِ وَزْنِ الْقَيْدِ إذْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْحَلِّ وَأَدْخَلَهُ عِتْقُ الْعَبْدِ فَسَقَطَ عَنْهُ حَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ وَزْنِ الْقَيْدِ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالْعِتْقِ بِشَهَادَتِهِمَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَهَذَانِ الشَّاهِدَانِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ بِشَهَادَتِهِمَا وَجَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إلَّا أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَثْبَتَا شَرْطَ الْعِتْقِ وَهُوَ كَوْنُ الْقَيْدِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ لَا عِلَّةَ الْعِتْقِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الشَّرْطِ فَقَالَ إنَّهُمَا ضَمِنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عِلَّةَ الْعِتْقِ لَا يَصْلُحُ لِضَمَانِ الْعِتْقِ لِزَوَالِ صِفَةِ التَّعَدِّي عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ أَوْ أَكَلَ طَعَامَ نَفْسِهِ فَجَعَلَ الشَّرْطَ عِلَّةً لِخُلُوِّهِ عَنْ مُعَارَضَةِ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ.
وَفِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْفَرِيقَيْنِ أَيْ رُجُوعِ شُهُودِ الشَّرْطِ وَشُهُودِ الْيَمِينِ إيجَابُ كَلِمَةِ الْعِتْقِ أَيْ إثْبَاتُهَا وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ يَصْلُحُ عِلَّةً لِضَمَانِ الْعُدْوَانِ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي لِظُهُورِ كَوْنِهَا كَذِبًا بِالرُّجُوعِ فَلَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ عِلَّةً أَيْ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ
стр. 1329
وَفِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْفَرِيقَيْنِ إيجَابُ كَلِمَةِ الْعِتْقِ يَصْلُحُ لِضَمَانِ الْعُدْوَانِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي فَلَمْ يُجْعَلْ الشَّرْطُ عِلَّةً وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنُوا لِمَا قُلْنَا فَأَمَّا شُهُودُ الْإِحْصَانِ إذَا رَجَعُوا فَلَا يَضْمَنُونَ بِحَالٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُونَ وَجُوِّدَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ حَفْرُ الْبِئْرِ هُوَ شَرْطٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الثِّقَلَ عِلَّةُ السُّقُوطِ وَالْمَشْيَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَكِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مُمْسِكَةً مَانِعَةً عَمَلَ الثِّقَلِ فَيَكُونُ حَفْرُ الْبِئْرِ إزَالَةً لِلْمَانِعِ وَكَذَلِكَ شَقُّ الزِّقِّ شَرْطٌ لِلسَّيَلَانِ لِأَنَّ الزِّقَّ كَانَ مَانِعًا وَكَذَلِكَ الْقِنْدِيلُ الثَّقِيلُ ثِقَلُهُ عِلَّةٌ لِلسُّقُوطِ وَإِنَّمَا الْحَبْلُ مَانِعٌ فَإِذَا قُطِعَ الْحَبْلُ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ فَعَمَلُ الثَّقِيلِ عَمَلُهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطٌ لَكِنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ لِلْحُكْمِ لِأَنَّ الثِّقَلَ
ــ
[كشف الأسرار]
لِمُعَارَضَتِهِ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِنَفْسِهِ وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ وَثَبَتَ شُهُودُ الْيَمِينِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنُوا لِمَا قُلْنَا إنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ يَمِينُ الزَّوْجِ أَوْ الْمَوْلَى لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلضَّمَانِ لِخُلُوِّهِمَا عَنْ وَصْفِ التَّعَدِّي إذْ شُهُودُ الْيَمِينِ ثَابِتُونَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ فَيَجِبُ إضَافَتُهُ إلَى الشَّرْطِ لِظُهُورِ صِفَةِ التَّعَدِّي فِيهِ بِرُجُوعِ شُهُودِهِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَلِذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا قَالَ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهِ رِوَايَةٌ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا سَوَاءٌ رَجَعَ الْفَرِيقَانِ أَوْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ خَاصَّةً وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا فَقَالَ وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ لَا يَضْمَنُونَ هَكَذَا نَصَّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبَرْغَرِيَّةِ وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ عِنْدَ زُفَرَ يَضْمَنُونَ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ لَا يَضْمَنُونَ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ قُلْت وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ وَإِنْ خَلَتْ عَنْ صِفَةِ التَّعَدِّي وَلَمْ تَصْلُحْ لِإِيجَابِ الضَّمَانِ فَهِيَ صَالِحَةٌ لَقَطَعَ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهَا فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ كَمَا فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ وَالْإِصْطَبْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَكَمَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى صَيْدٍ مَمْلُوكٍ حَتَّى قَتَلَهُ أَوْ عَلَى رَجُلٍ حَتَّى مَزَّقَ ثِيَابَهُ.
بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَأَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هُنَاكَ طَبْعٌ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ لِأَحَدٍ فَلَا يَصْلُحُ لِإِيجَابِ الضَّمَانِ وَلَا لِقَطْعِ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَنْ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا وَهِيَ يَمِينُ الْمَوْلَى اخْتِيَارِيَّةٌ ثُمَّ لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ إضَافَةُ الْحُكْمِ عَنْ شَاهِدَيْ الشَّرْطِ
؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ هُمَا فِي الصُّورَةِ شَاهِدُ الشَّرْطِ وَلَكِنَّهُمَا مُثْبِتَانِ عِلَّةَ الْعِتْقِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا أَنَّ الْمَوْلَى عَلَّقَ الْعِتْقَ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ يَكُونُ تَنْجِيزًا حَتَّى يَمْلِكَهُ الْوَكِيلُ بِالتَّنْجِيزِ فَكَأَنَّهُمَا شَهِدَا تَنْجِيزَ الْعِتْقِ فَضَمِنَا لِإِثْبَاتِهِمَا عِلَّةَ الْعِتْقِ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنْ شَهِدَا بِالشَّرْطِ صُورَةً قَالَ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ إنَّهُمَا أَثْبَتَا وَزْنَ الْقَيْدِ وَوَزْنُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ مَا لَا يُوجَدُ إلَّا بِوُجُودِهِ وَيَكُونُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَوَزْنُ الْقَيْدِ مَوْجُودٌ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا بَلْ هُوَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ كَمَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ صَلَحَ عِلَّةً وَأُضِيفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ حَفْرُ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ شَرْطُ التَّلَفِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الثِّقَلَ عِلَّةُ السُّقُوطِ فِي الْبِئْرِ وَالْمَشْيَ سَبَبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ فِي مَوْضِعٍ فَحُفِرَ تَحْتَهُ أَوْ نَامَ عَلَى سَقْفٍ فَقُطِعَ مَا حَوْلَهُ أَوْ كَانَ عَلَى غُصْنٍ فَقُطِعَ الْغُصْنُ يَحْصُلُ الْوُقُوعُ بِدُونِ الْمَشْيِ فَعُلِمَ أَنَّهُ سَبَبٌ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ
لَكِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مُمْسِكَةً مَانِعَةً عَمَلَ الثِّقَلِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَانَتْ مُسْكَةً وَهِيَ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فَيَكُونُ حَفْرُ الْبِئْرِ إزَالَةً لِلْمَانِعِ وَإِيجَادُ الشَّرْطِ السُّقُوطَ كَدُخُولِ الدَّارِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَحَفْرِ الْبِئْرِ شَقُّ الزِّقِّ الَّذِي فِيهِ مَائِعٌ شَرْطٌ لَلسَّيَلَانِ؛ لِأَنَّ الزِّقَّ كَانَ مَانِعًا لِمَا فِيهِ مِنْ السَّيَلَانِ فَكَانَ شَقُّهُ إزَالَةً لِلْمَانِعِ فَكَانَ شَرْطًا أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْقِنْدِيلُ الْمُعَلَّقُ ثِقَلُهُ عِلَّةٌ لِلسُّقُوطِ وَقَطْعُ الْحَبْلِ إزَالَةُ الْمَانِعِ أَيْضًا فَكَانَ شَرْطًا أَيْضًا
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ لَا إلَى الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَكِنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثِّقَلَ طَبْعٌ ثَابِتٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَعَدِّي فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ
стр. 1330
طَبْعٌ لَا تَعَدِّي فِيهِ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً بِوَاسِطَةِ الثِّقَلِ وَإِذَا لَمْ يُعَارِضْ الشَّرْطُ مَا هُوَ عِلَّةٌ وَالشَّرْطُ شُبِّهَ بِالْعِلَلِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْوُجُودِ أُقِيمَ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْأَمْوَالِ جَمِيعًا
ــ
[كشف الأسرار]
ضَمَانِ الْعُدْوَانِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ اخْتِيَارِيٍّ أَيْضًا كَطَيَرَانِ الطَّيْرِ فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ لِيَنْقَطِعَ بِهِ نِسْبَةُ الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ بِلَا شُبْهَةٍ.
يَعْنِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَى الْمَشْيِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ بَعْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْعِلَّةِ مِنْ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّ الْمَشْيَ مُبَاحٌ بِلَا شُبْهَةٍ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً بِوَاسِطَةِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ وَضَمَانُ الْجِنَايَةِ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ بِدُونِ الْجِنَايَةِ فَتَعَذَّرَ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ وُجِدَ صِفَةُ التَّعَدِّي فِيهِ بِأَنْ تَعَمَّدَ الْمُرُورَ عَلَى الْبِئْرِ فَوَقَعَ فِيهَا وَهَلَكَ يُنْسَبُ التَّلَفُ إلَيْهِ دُونَ الْحَافِرِ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ ثِقَلُ الْقِنْدِيلِ وَسَيَلَانُ الْمَائِعِ أَمْرَانِ طَبِيعِيَّانِ ثَابِتَانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصْلُحُ إضَافَةُ الضَّمَانِ إلَيْهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا فَيُقَامُ الشَّرْطُ الْمَوْصُوفُ بِالتَّعَدِّي وَهُوَ حَفْرُ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ وَشَقُّ الزِّقِّ وَقَطْعُ الْحَبْلِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهِ خَلْفًا عَنْ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْوُجُودِ بِهِ وَشَبَهُ الْعِلَّةِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ بِذَاتِهَا إلَى آخِرِ مَا قَرَّرَنَا.
وَقَوْلُهُ: أُقِيمَ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ يَعْنِي فِيمَا إذَا تَلِفَ فِي الْبِئْرِ إنْسَانٌ وَالْأَمْوَالُ يَعْنِي فِيمَا إذَا وَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ وَفِي شَقِّ الزِّقِّ وَقَطْعِ الْحَبْلِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَشْيِ الْمَوْصُوفِ بِالتَّعَدِّي كَمَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ نَفْسِهِ فَعَطِبَ فِيهَا إنْسَانٌ فَإِنَّ التَّلَفَ يُضَافُ إلَى الْمَشْيِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لَا إلَى الْحَفْرِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ حَتَّى لَا يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِالتَّعَدِّي فَيَصْلُحُ عِلَّةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوَاسِطَةِ الثِّقَلِ.
قُلْت وَهَذَا لَا يَصْلُحُ احْتِرَازًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الْمَشْيِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَتْ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ صِفَةِ التَّعَدِّي فِيهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ زَوَالِ صِفَةِ التَّعَدِّي عَنْ الْحَفْرِ وَعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ صِفَةَ التَّعَدِّي لَوْ لَمْ تَثْبُتْ فِي الْمَشْيِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنْ كَانَ مَأْذُونًا بِالْمُرُورِ وَالدُّخُولِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ أَيْضًا إلَى الْحَفْرِ حَتَّى كَانَ دَمُهُ هَدَرًا كَمَا إذَا كَانَ الْمَشْيُ مَوْصُوفًا بِالتَّعَدِّي وَإِنَّمَا يَصْلُحُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَشْيِ الْمَوْصُوفِ بِالتَّعَدِّي إذَا وُجِدَ صِفَةُ التَّعَدِّي فِي الْحَفْرِ أَيْضًا وَمَعَ ذَلِكَ يُضَافُ إلَى الْمَشْيِ كَمَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَشَى فِيهَا إنْسَانٌ لِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَهَلَكَ فَهَاهُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَفْرِ وَالْمَشْيِ مَوْصُوفٌ بِالتَّعَدِّي فَلَوْ كَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى الْمَشْيِ دُونَ الْحَفْرِ حَتَّى كَانَ دَمُهُ هَدَرًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَافِرِ ضَمَانٌ لَصَلَحَ قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ احْتِرَازًا عَنْهُ لَكِنْ لَوْ كَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى الْحَفْرِ وَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ احْتِرَازًا عَنْ الْمَشْيِ الْمَوْصُوفِ بِالتَّعَدِّي وَمَا ظَفِرْت بِرِوَايَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي دَارٍ لَا يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَا هُوَ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ فِي الطَّرِيقِ فَإِطْلَاقُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْحَافِرِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْيُ تَعَدِّيًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ احْتِرَازًا عَنْ شَيْءٍ بَلْ كَانَ زِيَادَةَ تَقْرِيرٍ وَبَيَانًا لِصَلَاحِيَةِ الشَّرْطِ لِلْعِلِّيَّةِ.
وَذُكِرَ فِي التَّهْذِيبِ وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَهَلَكَ بِهِ شَيْءٌ لِمَالِكِ الدَّارِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَلَوْ دَخَلَهُ رَجُلٌ فَهَلَكَ بِهِ نُظِرَ
стр. 1331
وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهَا وَأَمَّا، وَضْعُ الْحَجَرِ، وَإِشْرَاعُ الْجَنَاحِ، وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَمِنْ قِسْمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جُعِلَتْ عِلَلًا فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا مَرَّ لَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ.
وَعَلَى هَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
إنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْحَافِرِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ مُتَعَدِّيًا بِالدُّخُولِ وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنْ أَعْلَمَهُ الْمَالِكُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ عِنْدَ إبَاحَةِ الْمَشْيِ مُتَقَرِّرٌ عَلَى الْحَافِرِ بِالِاتِّفَاقِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْحَفْرَ شَرْطٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ لِلْإِتْلَافِ لَا يَجِبُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْ الْمِيرَاثِ بِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَجِبُ وَيُحْرَمُ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ لَمَّا جُعِلَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ يُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَنَحْنُ نَقُولُ هُمَا جَزَاءُ مُبَاشَرَةِ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِاتِّصَالِ الْفِعْلِ بِالْمَقْتُولِ وَقَدْ عَدِمَ ذَلِكَ فِي الْحَفْرِ بَلْ الْمُتَّصِلُ بِهِ أَثَرُ مَا حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بِهِ مُبَاشِرًا أَوْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَاتِلًا بِالْحَفْرِ وَقَدْ يَكُونُ الْحَافِرُ مَيِّتًا عِنْدَ وُقُوعِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةً لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ.
وَأَمَّا وَضْعُ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ وَإِشْرَاعُ الْجَنَاحِ أَيْ إخْرَاجُهُ إلَى الشَّارِعِ وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ أَيْ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَى صَاحِبِهِ فِي الْهَدْمِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فَمِنْ قِسْمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جُعِلَتْ عِلَلًا فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْحَفْرِ فِي الْحُكْمِ حَتَّى وَجَبَ بِهَا ضَمَانُ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَلَا يَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَلَا يُحْرَمُ بِهَا مِنْ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْعُقُوبَاتِ الْقَاصِرَةِ لَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إزَالَةً لِلْمَانِعِ بَلْ هِيَ طُرُقٌ مُفْضِيَةٌ إلَى التَّلَفِ فَكَانَتْ أَسْبَابًا أَخَذَتْ حُكْمَ الْعِلَلِ بِخِلَافِ الْحَفْرِ فَإِنَّهُ إزَالَةٌ لِلْمَانِعِ فَكَانَ شَرْطًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ
وَالْإِشْهَادُ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِصَيْرُورَتِهِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ بَلْ الشَّرْطُ هُوَ التَّقَدُّمُ إلَى صَاحِبِهِ فِي الْهَدْمِ وَالْإِشْهَادُ لِلِاحْتِيَاطِ حَتَّى إذَا جَحَدَ صَاحِبُ الْحَائِطِ التَّقَدُّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّهِ طَلَبُ الشُّفْعَةِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ يُقَامُ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْغَيْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي أَرْضِ غَيْرِ صَاحِبِ الْحِنْطَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْغَاصِبِ كَالضَّمِيرِ الْأَوَّلِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ عِنْدَنَا وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْحِنْطَةِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَالِكِ عَلَى الزَّرْعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ بِأَنْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِالْحِنْطَةِ وَأَلْقَتْهَا فِي أَرْضٍ فَنَبَتَتْ؛ كَانَ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلِهِ كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ وَثَمَرِ الشَّجَرَةِ فَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ بِصُنْعِ صَانِعٍ؛ لِأَنَّ التَّوَلُّدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ لَا مِنْ الصُّنْعِ فَإِنَّ الصُّنْعَ حَرَكَاتٌ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَجْسَامٌ وَصَارَ كَمَا لَوْ أَصْلَحَ أَشْجَارَ رَجُلٍ وَسَقَاهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ وَنَحْنُ نَقُولُ الزَّرْعُ غَيْرُ الْحِنْطَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَنَّهُ أَمْرٌ حَادِثٌ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بِأَصْلِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ أَوْ بِعَمَلِ الزَّارِعِ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِبَقَائِهَا كَذَلِكَ حِنْطَةً فَكَيْفَ تَكُونُ عِلَّةً لِلْهَلَاكِ وَصَيْرُورَتُهَا شَيْئًا آخَرَ وَقُوَّةُ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَإِنْ صَلَحَتْ عِلَّةً لِحُدُوثِ الزَّرْعِ لِكَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً
стр. 1332
قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ بِطَبْعِ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ
وَأَمَّا الْإِلْقَاءُ فَشَرْطٌ لَكِنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَ مَعْنًى مُسَخَّرًا لَا اخْتِيَارَ لَهُ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً مَعَ وُجُودِ فِعْلٍ عَنْ اخْتِيَارٍ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَجُعِلَ لِلشَّرْطِ حُكْمُ الْعِلَلِ. .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ فَإِنْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُخْتَارٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ حَتَّى أَبَقَ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِبَاقِ هُوَ الْقَيْدُ فَكَانَ حَلُّهُ إزَالَةً لِلْمَانِعِ فَكَانَ شَرْطًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا سَبَقَ الْإِبَاقُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّلَفِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَسْبَابِ فَالسَّبَبُ مِمَّا يَتَقَدَّمُ
ــ
[كشف الأسرار]
فِيهِ لَكِنَّهَا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِتَقْدِيرِهِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ لَهَا فِي ذَلِكَ فَلَا يُضَافُ الْإِتْلَافُ وَالْحُدُوثُ إلَيْهَا فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا لَا يُضَافُ التَّلَفُ إلَى الثِّقَلِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَفْرِ يَبْقَى عَمَلُ الزَّارِعِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْبَذْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَذْرِ وَالزَّارِعُ بِعَمَلِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ فَيُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ صَالِحٌ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهِ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا دَاخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَيُمْكِنُ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَى عَمَلِ الزَّارِعِ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا الزَّرْعَ وَالْكَسْبُ مِلْكٌ لِلْمُكْتَسِبِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَهُ بِعَمَلِهِ وَقَوْلُهُ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يُوهِمُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ زَرَعَهَا فِي أَرْضِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَكُونُ الزَّرْعُ لَهُ لَكِنْ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا وَإِنْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ وَكَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا لَا يَفْصِلُ بَيْنَ أَرْضٍ وَأَرْضٍ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْحِنْطَةَ الْمَغْصُوبَةَ وَإِنْ زَرَعَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا لَهَا بِالزِّرَاعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَمَلَّكُهَا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَصَارَ كَأَنَّهُ زَرَعَ حِنْطَةَ نَفْسِهِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ
وَقَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ فِعْلٍ عَنْ اخْتِيَارٍ احْتِرَازًا عَنْ سُقُوطِ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ بِأَنْ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ حَيْثُ يَكُونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ دُونَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ عَنْ الْعِلَّةِ فَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ وَلَكِنْ يُجْعَلُ مَحَلَّ حُصُولِ الزَّرْعِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْحِنْطَةُ إذْ الْمُحَالُ شُرُوطٌ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ لِكَوْنِهَا مَحَلًّا لِلْخَارِجِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِفِعْلِهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَالْمِلْكِ وَهَاهُنَا لَمْ يُوجَدْ لَكِنْ وُجِدَ شَرْطُ التَّغَيُّرِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ فِي الْأَرْضِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ يَعْتَرِضْ أَيْ فَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ كَسَيَلَانِ الْمَائِعِ وَسُقُوطِ الْقِنْدِيلِ فِي مَسْأَلَتَيْ شَقِّ الزِّقِّ وَقَطْعِ الْحَبْلِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ أَيْ إلَى الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْسُوبًا إلَى الشَّرْطِ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ كَمَا فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّ فِعْلَ الطَّيَرَانِ وَإِنْ حَصَلَ عَنْ اخْتِيَارٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْفَتْحِ عِنْدَهُ كَسَيْرِ الدَّابَّةِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْقِ مَنْسُوبٌ إلَى السَّائِقِ وَإِنْ حَصَلَ عَنْ اخْتِيَارٍ.
وَأَنْ يَكُونَ أَيْ الشَّرْطُ سَابِقًا أَيْ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعْتَرِضِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ بِدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا فَإِنَّهُ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى الشَّرْطِ وَلَكِنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ كَانَ شَرْطًا مَحْضًا خَالِيًا عَنْ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَالْعِلِّيَّةِ وَذَلِكَ أَيْ الشَّرْطُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ أَيْ مِثْلُ حَلِّ قَيْدِ الْعَبْدِ فِي رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ حَتَّى أَبَقَ فَإِنَّ الْحَالَّ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِمَالِكِهِ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْأَسْرَارِ إلَّا أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ؛ لِأَنَّهَا نَظِيرَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلًا فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا فَالْحَالُّ ضَامِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ فَالسَّبَبُ أَيْ فَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ مِمَّا يَتَقَدَّمُ
стр. 1333
وَالشَّرْطُ مِمَّا يَتَأَخَّرُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا هُوَ عِلَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ حَادِثَةٍ بِالشَّرْطِ وَكَانَ هَذَا كَمَنْ أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ ثُمَّ أَتْلَفَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْسِلُ إلَّا أَنَّ الْمُرْسِلَ صَاحِبَ سَبَبٍ فِي الْأَصْلِ وَهَذَا صَاحِبُ شَرْطٍ جُعِلَ مُسَبِّبًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مُفْضٍ إلَى الشَّيْءِ وَوَسِيلَةٌ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ وَالشَّرْطُ مِمَّا يَتَأَخَّرُ أَيْ الشَّرْطُ الْحَقِيقِيُّ الْمَحْضُ يَتَأَخَّرُ وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ يَتَقَدَّمُ عَلَى انْعِقَادِهَا عِلَّةً كَمَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ هُوَ الَّذِي يَنْعَقِدُ عِلَّةً عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَوُجُودُهَا تَكَلُّمًا سَابِقٌ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَلَا يُقَالُ: الشَّرْطُ كَمَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ كَالْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ تَقَدُّمَ الشَّرْطِ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ إذَا تَقَدَّمَ لَمْ يَتَمَحَّضْ شَرْطًا بَلْ كَانَ شَرْطًا مُشَابَهًا بِالسَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ تَقَدُّمَ وُجُودِهِ لَا يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ إلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَالسَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ وُجِدَتْ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَتَوَقَّفُ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ فَكَانَ وُجُودُهُ سَابِقًا وَسِيلَةً إلَى حُصُولِ الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ الْعِلَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى السَّبَبِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَخَّرَ وُجُودُهُ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ بَعْدَ وُجُودِ صُورَتِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ تَمَحَّضَ شَرْطًا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّرْطَ إذَا عَارَضَهُ عِلَّةٌ لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ ثُمَّ إنْ كَانَ سَابِقًا كَانَ فِي مَعْنَى السَّبَبِ وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا أَوْ مُتَرَاخِيًا كَانَ شَرْطًا مَحْضًا ثُمَّ هُوَ أَيْ حَلُّ الْقَيْدِ وَإِنْ شَابَهَ السَّبَبَ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّهُ شَابَهَ السَّبَبَ الْخَالِصَ لَا السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مُضَافَةً إلَى السَّبَبِ وَحَادِثَةً بِهِ كَقَوْدِ الدَّابَّةِ وَسَوْقِهَا وَهَاهُنَا مَا هُوَ الْعِلَّةُ وَهُوَ الْإِبَاقُ غَيْرُ حَادِثَةٍ بِالشَّرْطِ وَهُوَ حَلُّ الْقَيْدِ بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ بِاخْتِيَارٍ صَحِيحٍ فَانْقَطَعَ بِهِ نِسْبَتُهُ عَنْ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ الْمَحْضِ فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْعِلَّةِ دُونَ مَا سَبَقَ مِنْ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا أَمَرَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ حَيْثُ يَضْمَنُ الْآمِرُ وَإِنْ اعْتَرَضَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ عَلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبَاقِ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَبْدِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِبَاقُ يَصِيرُ غَاصِبًا لَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا إذَا اسْتَخْدَمَهُ فَخَدَمَ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ إذَا عَمِلَ وَفْقَ اسْتِعْمَالِهِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ الَّتِي لَا اخْتِيَارَ لَهَا فَيُضَافُ التَّلَفُ إلَى الْمُسْتَعْمِلِ فَأَمَّا حَلُّ الْقَيْدِ فَإِزَالَةٌ لِلْمَانِعِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ عِنْدَ اعْتِرَاضِ فِعْلٍ مُخْتَارٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ حَلُّ الْقَيْدِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ كَإِرْسَالِ الدَّابَّةِ مِمَّنْ أَرْسَلَهَا فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ سَارَتْ أَوْ وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْسِلُ؛ لِأَنَّ بِالْجَوَلَانِ وَالْوُقُوفِ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ إرْسَالِهِ ثُمَّ إنَّهَا أَنْشَأَتْ سَيْرًا بِاخْتِيَارِهَا فَكَانَتْ كَالْمُنْفَلِتَةِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا طَرِيقٌ غَيْرُ الَّذِي أَخَذَتْ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَيَّرَهَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يُمْكِنُهَا أَنْ تَسِيرَ فِيهِ وَقَدْ سَارَتْ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَكَانَ هُوَ سَائِقًا لَهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَجَالَتْ عَمَّا إذَا أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ فِي وَجْهِهَا شَيْئًا ضَمِنَ الْمُرْسِلُ كَمَا إذَا أَشَارَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ سَائِقٌ لَهَا مَا دَامَتْ تَسِيرُ عَلَى سُنَنِ إرْسَالِهِ إلَّا أَنَّ أَيْ: لَكِنْ الْمُرْسِلُ، وَكَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ حَلُّ الْقَيْدِ وَهُوَ شَرْطٌ كَإِرْسَالِ الدَّابَّةِ وَهُوَ سَبَبٌ فَقَالَ الْمُرْسِلُ صَاحِبُ سَبَبٍ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَيْسَ بِإِزَالَةِ الْمَانِعِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلٌ مِنْ مُخْتَارٍ وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى السَّبَبِ حَيْثُ لَمْ يَذْهَبْ عَلَى سُنَنِ إرْسَالِهِ
стр. 1334
وَإِذَا انْتَقَلَتْ الدَّابَّةُ فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا بِالنَّهَارِ كَانَ هَدَرًا وَكَذَلِكَ بِاللَّيْلِ عِنْدَنَا لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ لَيْسَ بِصَاحِبِ شَرْطٍ وَلَا سَبَبٍ وَلَا عِلَّةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فَطَارَ الطَّيْرُ أَوْ بَابَ إصْطَبْلٍ فَخَرَجَتْ الدَّابَّةُ فَضَلَّتْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ جَرَى مَجْرَى السَّبَبِ لِمَا قُلْنَا وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ سَبَبًا خَالِصًا فَلَمْ يُجْعَلْ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِ بِخِلَافِ السُّقُوطِ فِي الْبِئْرِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي السُّقُوطِ حَتَّى إذَا أَسْقَطَ نَفْسَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ
كَمَنْ مَشَى عَلَى قَنْطَرَةٍ وَاهِيَةٍ وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَخُسِفَ بِهِ أَوْ عَلَى مَوْضِعٍ رُشَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ فَزَلَقَ فَعَطِبَ هُدِرَ دَمُهُ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ الْعِلَّةُ وَقَدْ صَلَحَ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهَذَا الَّذِي حَلَّ الْقَيْدَ صَاحِبُ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ إزَالَةُ الْمَانِعِ عَنْ الْإِبَاقِ جُعِلَ مُسَبَّبًا بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْعِلَّةِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ فَكَانَا فِي انْقِطَاعِ الْحُكْمِ عَنْهُمَا وَإِضَافَتِهِ إلَى مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْفِعْلِ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فَأَتْلَفَتْ زَرْعَهَا بِالنَّهَارِ كَانَ هَدَرًا) بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَكَذَلِكَ بِاللَّيْلِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ لَيْسَ بِصَاحِبِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ وَلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْتَحْ بَابَ الْإِصْطَبْلِ وَلَا عِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَضْمَنُ فِي الْإِتْلَافِ بِاللَّيْلِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ «أَنَّ نَاقَةً لَهُ دَخَلَتْ زَرْعَ إنْسَانٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَمَانِهِ وَقَالَ حِفْظُ الزُّرُوعِ عَلَى أَرْبَابِهَا نَهَارًا وَحِفْظُ الدَّوَابِّ عَلَى أَرْبَابِهَا لَيْلًا»
وَقُلْنَا هُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ صَاحِبَهَا كَانَ يُرِيدُ أَخْذَهَا فَانْفَلَتَتْ بِقَصْدِهِ أَبَاهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاقَةَ أَفْسَدَتْ الزَّرْعَ لَيْلًا وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْحِفْظَ عَلَى أَصْحَابِ الدَّوَابِّ لَيْلًا حَتَّى لَوْ تَرَكُوا أَتَمُّوا وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الزَّرْعِ لَمْ يَكُنْ بِتَرْكِ الْحِفْظِ بَلْ بِذَهَابِ الدَّابَّةِ وَهِيَ مُخْتَارَةٌ فِيهِ وَلَمْ يَتَوَلَّدْ ذَلِكَ مِنْ الْإِرْسَالِ فَكَانَ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (فِيمَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فَطَارَ الطَّيْرُ) يَعْنِي فِي فَوْرِ الْفَتْحِ إذَا الْخِلَافُ فِيهِ فَإِنَّهُ إذَا طَارَ بَعْدَ سَاعَةٍ لَا يَضْمَنُ الْفَاتِحُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَفِي ذِكْرِ الْفَاءِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْ فَتْحَ بَابِ الْقَفَصِ وَالْإِصْطَبْلِ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ الْخُرُوجِ وَالطَّيَرَانِ جَرَى مَجْرَى السَّبَبِ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ كَانَ لَهُ حُكْمُ السَّبَبِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ الَّذِي بِهِ تَلَفُ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ لَمْ يَحْصُلْ بِالْفَتْحِ بَلْ بِاخْتِيَارِهِمَا الطَّيَرَانَ وَالْخُرُوجَ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ وَهُوَ فَتْحُ الْبَابِ سَبَبًا خَالِصًا أَيْ شَرْطًا فِي مَعْنَى السَّبَبِ الْخَالِصِ فَلَمْ يُجْعَلْ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى الْفَتْحِ بَلْ قُصِرَ عَلَى الْخُرُوجِ كَمَا قُصِرَ عَلَى الْإِبَاقِ فِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الْقَيْدِ بِخِلَافِ السُّقُوطِ فِي الْبِئْرِ حَيْثُ يُضَافُ التَّلَفُ فِيهِ إلَى الشَّرْطِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ عَلَى الشَّرْطِ مِنْ السُّقُوطِ هُنَاكَ حَصَلَ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعُمْقِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَطْعِ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ حَتَّى إذَا أَسْقَطَ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ هَدَرَ دَمُهُ وَلَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ؛ لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ عَلَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ فِي الْبِئْرِ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ لِصُدُورِهِ مِنْ مُخْتَارٍ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ إلَيْهِ فَانْقَطَعَ بِهِ نِسْبَةُ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْعِلَّةِ وَبِخِلَافِ سَوْقِ الدَّابَّةِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ مَعْنًى حَامِلٌ عَلَى الذَّهَابِ كَرْهًا فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُكْرَهِ وَالْفَتْحُ رَفْعٌ لِلْمَانِعِ وَلَيْسَ بِحَمْلٍ عَلَى الْخُرُوجِ وَكَذَا إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ سَبَبٌ حَامِلٌ عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَ التَّعْلِيمِ كَالسَّوْقِ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَمَّا فَتْحُ الْبَابِ فَلَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ بَابَ الْكَلْبِ حَتَّى خَرَجَ فَصَادَ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَمْلِكْ بِخِلَافِ الْإِرْسَالِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ كَمَنْ مَشَى عَلَى قَنْطَرَةٍ وَهِيَ مَا يُبْنَى عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ وَالْجِسْرُ عَامٌّ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَبْنِيٍّ وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ بِأَنْ وُضِعَتْ فِي
стр. 1335
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ طَيَرَانُ الطَّيْرِ هَدَرٌ شَرْعًا وَكَذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ بَهِيمَةٍ فَيُجْعَلُ كَالْخَارِجِ بِلَا اخْتِيَارٍ وَصَارَ كَسَيَلَانِ مَا فِي الزِّقِّ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى فَوْرِ الْفَتْحِ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْطِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ لَا تُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ حُكْمٍ مَا فَأَمَّا لِقَطْعِهِ فَنَعَمْ كَالْكَلْبِ تَمِيلُ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ وَكَالدَّابَّةِ تَجُولُ بَعْدَ الْإِرْسَالِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالْحَافِرُ فَقَالَ الْوَلِيُّ سَقَطَ وَقَالَ الْآخَرُ أَسْقَطَ نَفْسَهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْحَافِرِ اسْتِحْسَانًا لِمَا قُلْنَا إنَّ الْحَفْرَ شَرْطٌ جُعِلَ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ لِتَعَذُّرِ نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ فَإِذَا ادَّعَى صَاحِبُ الشَّرْطِ أَنَّ الْعِلَّةَ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَجَحَدَ حُكْمًا ضَرُورِيًّا فَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْجَارِحِ إذَا ادَّعَى الْمَوْتَ بِسَبَبٍ آخَرَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ عِلَّةٍ
ــ
[كشف الأسرار]
غَيْرِ مِلْكٍ وَفِيمَا لَا تَصَرُّفَ لِوَاضِعِهَا فِيهِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمِلْكِ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ وَاضِعَهَا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيمَا أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ وَالْمُسَبِّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَكُونُ ضَامِنًا.
وَقَوْلُهُ عَالِمًا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ عَالِمًا بِوَهَاءِ الْقَنْطَرَةِ وَوَضَعَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَعَالِمًا بِالرَّشِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ مَشَى عَلَى جِسْرِهِ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ فَانْخَسَفَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَ تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ وُقُوعُهُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ لَا إلَى تَسَبُّبِ مَنْ اتَّخَذَ الْجِسْرَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا يَضْمَنُ وَاضِعُ الْجِسْرِ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسْبِيبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ وَاضِعَ الْجِسْرِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا عَطِبَ بِهِ وَإِنْ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَسِبٌ فِيمَا صَنَعَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَحْدَثَهُ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا.
وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا كَانَ مُحْتَسِبًا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ مُحْتَسِبٌ أَيْضًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا يَعْطَبُ بِهَا وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ هَدَرَ دَمُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا كَانَ الطَّيَرَانُ وَالْخُرُوجُ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ يَضْمَنُ الْفَاتِحُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ وَالطَّيْرِ هَدَرٌ شَرْعًا فَلَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَكَانَ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ أَوْ الطَّيْرَ لَا يَصْبِرُ عَنْ الْخُرُوجِ وَالطَّيَرَانِ عَادَةً وَالْعَادَةُ إذَا تَأَكَّدَتْ صَارَتْ طَبِيعَةً لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فَإِذَا خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ وَاسْتَعْمَلَ عَادَتَهُ كَانَ الْخُرُوجُ عَلَى الْعَادَةِ بِمَنْزِلَةِ سَيَلَانِ الدُّهْنِ عِنْدَ شَقِّ الزِّقِّ فَيَكُونُ الْفَتْحُ سَبَبَ ضَمَانٍ كَالشَّقِّ وَلَمْ يُبْطِلْ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ فِي الطَّيَرَانِ وَالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ كَمَا إذَا صَاحَ بِالدَّابَّةِ فَذَهَبَتْ صَارَ ضَامِنًا وَإِنْ ذَهَبَتْ مُخْتَارَةً؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ وَالصِّيَاحُ وَالصَّوْتُ سَائِقٌ فَأَشْبَهَ الْقَوْدَ جَبْرًا وَكَمَا لَوْ أَلْقَى حَيَّةً عَلَى إنْسَانٍ فَلَسَعَتْهُ يَجِبُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَتْ الْحَيَّةُ فِي اللَّسْعِ مُخْتَارَةً؛ لِأَنَّ اللَّسْعَ لَهَا عَادَةٌ مُتَأَكِّدَةٌ فَالْتَحَقَتْ بِالطَّبِيعَةِ وَسَقَطَ اخْتِيَارُهَا وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ لَا يَضْمَنُ الْفَاتِحُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تَخْرُجْ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ عُلِمَ أَنَّهَا تَرَكَتْ عَادَتَهَا وَكَانَ الْخُرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاخْتِيَارِ فَأَشْبَهَ حَلَّ قَيْدِ الْعَبْدِ وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِمَّا يَذْكُرُ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ لَا إلَى الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالسَّوْقِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ حَمْلٌ عَلَى الذَّهَابِ كَرْهًا كَمَا بَيَّنَّا فَيَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرِهِ وَلَا كَإِلْقَاءِ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةُ الْإِتْلَافِ إذْ الْإِلْقَاءُ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا فَتْحُ جُحْرِ الْحَيَّةِ حَتَّى لَوْ فَتَحَ جُحْرَ الْحَيَّةِ فَخَرَجَتْ وَلَسَعَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْكَلْبِ يَمِيلُ عَنْ سَنَنِ الْإِرْسَالِ يَعْنِي إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَمَالَ عَنْ سُنَنِهِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ مَنْعِ الْإِضَافَةِ عَنْ الْمُرْسِلِ وَنَظِيرُهُ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ وَأَلْقَى فِيهِ غَيْرَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْحَرْبِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الْحَافِرِ بِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَكَمَيْلِ الْكَلْبِ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ وَجَوَلَانِ الدَّابَّةِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ طَيَرَانُ الطَّيْرِ وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ بَعْدَ الْفَتْحِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ قِيَاسٌ
следующие страницы →