← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهَا وَأَمَّا، وَضْعُ الْحَجَرِ، وَإِشْرَاعُ الْجَنَاحِ، وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَمِنْ قِسْمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جُعِلَتْ عِلَلًا فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا مَرَّ لَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ. وَعَلَى هَذَا ــ [كشف الأسرار] إنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْحَافِرِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ مُتَعَدِّيًا بِالدُّخُولِ وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنْ أَعْلَمَهُ الْمَالِكُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ عِنْدَ إبَاحَةِ الْمَشْيِ مُتَقَرِّرٌ عَلَى الْحَافِرِ بِالِاتِّفَاقِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْحَفْرَ شَرْطٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ لِلْإِتْلَافِ لَا يَجِبُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يُحْرَمْ مِنْ الْمِيرَاثِ بِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَجِبُ وَيُحْرَمُ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ لَمَّا جُعِلَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ يُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَنَحْنُ نَقُولُ هُمَا جَزَاءُ مُبَاشَرَةِ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِاتِّصَالِ الْفِعْلِ بِالْمَقْتُولِ وَقَدْ عَدِمَ ذَلِكَ فِي الْحَفْرِ بَلْ الْمُتَّصِلُ بِهِ أَثَرُ مَا حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بِهِ مُبَاشِرًا أَوْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَاتِلًا بِالْحَفْرِ وَقَدْ يَكُونُ الْحَافِرُ مَيِّتًا عِنْدَ وُقُوعِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةً لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ. وَأَمَّا وَضْعُ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ وَإِشْرَاعُ الْجَنَاحِ أَيْ إخْرَاجُهُ إلَى الشَّارِعِ وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ أَيْ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَى صَاحِبِهِ فِي الْهَدْمِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فَمِنْ قِسْمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جُعِلَتْ عِلَلًا فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْحَفْرِ فِي الْحُكْمِ حَتَّى وَجَبَ بِهَا ضَمَانُ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَلَا يَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَلَا يُحْرَمُ بِهَا مِنْ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْعُقُوبَاتِ الْقَاصِرَةِ لَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إزَالَةً لِلْمَانِعِ بَلْ هِيَ طُرُقٌ مُفْضِيَةٌ إلَى التَّلَفِ فَكَانَتْ أَسْبَابًا أَخَذَتْ حُكْمَ الْعِلَلِ بِخِلَافِ الْحَفْرِ فَإِنَّهُ إزَالَةٌ لِلْمَانِعِ فَكَانَ شَرْطًا لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ وَالْإِشْهَادُ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِصَيْرُورَتِهِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ بَلْ الشَّرْطُ هُوَ التَّقَدُّمُ إلَى صَاحِبِهِ فِي الْهَدْمِ وَالْإِشْهَادُ لِلِاحْتِيَاطِ حَتَّى إذَا جَحَدَ صَاحِبُ الْحَائِطِ التَّقَدُّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّهِ طَلَبُ الشُّفْعَةِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ احْتِيَاطًا. قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ يُقَامُ مَقَامَ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْغَيْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي أَرْضِ غَيْرِ صَاحِبِ الْحِنْطَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْغَاصِبِ كَالضَّمِيرِ الْأَوَّلِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ عِنْدَنَا وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْحِنْطَةِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمَالِكِ عَلَى الزَّرْعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ بِأَنْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِالْحِنْطَةِ وَأَلْقَتْهَا فِي أَرْضٍ فَنَبَتَتْ؛ كَانَ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلِهِ كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ وَثَمَرِ الشَّجَرَةِ فَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ بِصُنْعِ صَانِعٍ؛ لِأَنَّ التَّوَلُّدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ لَا مِنْ الصُّنْعِ فَإِنَّ الصُّنْعَ حَرَكَاتٌ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَجْسَامٌ وَصَارَ كَمَا لَوْ أَصْلَحَ أَشْجَارَ رَجُلٍ وَسَقَاهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ وَنَحْنُ نَقُولُ الزَّرْعُ غَيْرُ الْحِنْطَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَنَّهُ أَمْرٌ حَادِثٌ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بِأَصْلِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ أَوْ بِعَمَلِ الزَّارِعِ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِبَقَائِهَا كَذَلِكَ حِنْطَةً فَكَيْفَ تَكُونُ عِلَّةً لِلْهَلَاكِ وَصَيْرُورَتُهَا شَيْئًا آخَرَ وَقُوَّةُ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَإِنْ صَلَحَتْ عِلَّةً لِحُدُوثِ الزَّرْعِ لِكَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً

стр. 1332

قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ بِطَبْعِ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَأَمَّا الْإِلْقَاءُ فَشَرْطٌ لَكِنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَ مَعْنًى مُسَخَّرًا لَا اخْتِيَارَ لَهُ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً مَعَ وُجُودِ فِعْلٍ عَنْ اخْتِيَارٍ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فَجُعِلَ لِلشَّرْطِ حُكْمُ الْعِلَلِ. . وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ فَإِنْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُخْتَارٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ حَتَّى أَبَقَ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِبَاقِ هُوَ الْقَيْدُ فَكَانَ حَلُّهُ إزَالَةً لِلْمَانِعِ فَكَانَ شَرْطًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا سَبَقَ الْإِبَاقُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّلَفِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَسْبَابِ فَالسَّبَبُ مِمَّا يَتَقَدَّمُ ــ [كشف الأسرار] فِيهِ لَكِنَّهَا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِتَقْدِيرِهِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ لَهَا فِي ذَلِكَ فَلَا يُضَافُ الْإِتْلَافُ وَالْحُدُوثُ إلَيْهَا فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا لَا يُضَافُ التَّلَفُ إلَى الثِّقَلِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَفْرِ يَبْقَى عَمَلُ الزَّارِعِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْبَذْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَذْرِ وَالزَّارِعُ بِعَمَلِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ فَيُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ صَالِحٌ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهِ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا دَاخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَيُمْكِنُ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَى عَمَلِ الزَّارِعِ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا الزَّرْعَ وَالْكَسْبُ مِلْكٌ لِلْمُكْتَسِبِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَهُ بِعَمَلِهِ وَقَوْلُهُ إذَا بَذَرَ حِنْطَةَ غَيْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يُوهِمُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ زَرَعَهَا فِي أَرْضِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَكُونُ الزَّرْعُ لَهُ لَكِنْ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا وَإِنْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ وَكَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا لَا يَفْصِلُ بَيْنَ أَرْضٍ وَأَرْضٍ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْحِنْطَةَ الْمَغْصُوبَةَ وَإِنْ زَرَعَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا لَهَا بِالزِّرَاعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَمَلَّكُهَا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَصَارَ كَأَنَّهُ زَرَعَ حِنْطَةَ نَفْسِهِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ وَقَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ فِعْلٍ عَنْ اخْتِيَارٍ احْتِرَازًا عَنْ سُقُوطِ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ بِأَنْ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ حَيْثُ يَكُونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ دُونَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ عَنْ الْعِلَّةِ فَلَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ وَلَكِنْ يُجْعَلُ مَحَلَّ حُصُولِ الزَّرْعِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْحِنْطَةُ إذْ الْمُحَالُ شُرُوطٌ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ لِكَوْنِهَا مَحَلًّا لِلْخَارِجِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِفِعْلِهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَالْمِلْكِ وَهَاهُنَا لَمْ يُوجَدْ لَكِنْ وُجِدَ شَرْطُ التَّغَيُّرِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ فِي الْأَرْضِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْأَسْبَابِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ يَعْتَرِضْ أَيْ فَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ كَسَيَلَانِ الْمَائِعِ وَسُقُوطِ الْقِنْدِيلِ فِي مَسْأَلَتَيْ شَقِّ الزِّقِّ وَقَطْعِ الْحَبْلِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ أَيْ إلَى الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْسُوبًا إلَى الشَّرْطِ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ فِي حُكْمِ الْعِلَلِ كَمَا فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّ فِعْلَ الطَّيَرَانِ وَإِنْ حَصَلَ عَنْ اخْتِيَارٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْفَتْحِ عِنْدَهُ كَسَيْرِ الدَّابَّةِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْقِ مَنْسُوبٌ إلَى السَّائِقِ وَإِنْ حَصَلَ عَنْ اخْتِيَارٍ. وَأَنْ يَكُونَ أَيْ الشَّرْطُ سَابِقًا أَيْ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعْتَرِضِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ بِدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا فَإِنَّهُ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى الشَّرْطِ وَلَكِنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ كَانَ شَرْطًا مَحْضًا خَالِيًا عَنْ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَالْعِلِّيَّةِ وَذَلِكَ أَيْ الشَّرْطُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ أَيْ مِثْلُ حَلِّ قَيْدِ الْعَبْدِ فِي رَجُلٍ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ حَتَّى أَبَقَ فَإِنَّ الْحَالَّ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِمَالِكِهِ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْأَسْرَارِ إلَّا أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ؛ لِأَنَّهَا نَظِيرَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلًا فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا فَالْحَالُّ ضَامِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ فَالسَّبَبُ أَيْ فَالسَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ مِمَّا يَتَقَدَّمُ

стр. 1333

وَالشَّرْطُ مِمَّا يَتَأَخَّرُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا هُوَ عِلَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ حَادِثَةٍ بِالشَّرْطِ وَكَانَ هَذَا كَمَنْ أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ ثُمَّ أَتْلَفَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْسِلُ إلَّا أَنَّ الْمُرْسِلَ صَاحِبَ سَبَبٍ فِي الْأَصْلِ وَهَذَا صَاحِبُ شَرْطٍ جُعِلَ مُسَبِّبًا ــ [كشف الأسرار] عَلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مُفْضٍ إلَى الشَّيْءِ وَوَسِيلَةٌ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ وَالشَّرْطُ مِمَّا يَتَأَخَّرُ أَيْ الشَّرْطُ الْحَقِيقِيُّ الْمَحْضُ يَتَأَخَّرُ وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ يَتَقَدَّمُ عَلَى انْعِقَادِهَا عِلَّةً كَمَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ هُوَ الَّذِي يَنْعَقِدُ عِلَّةً عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَوُجُودُهَا تَكَلُّمًا سَابِقٌ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ. وَلَا يُقَالُ: الشَّرْطُ كَمَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ كَالْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ تَقَدُّمَ الشَّرْطِ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ إذَا تَقَدَّمَ لَمْ يَتَمَحَّضْ شَرْطًا بَلْ كَانَ شَرْطًا مُشَابَهًا بِالسَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ تَقَدُّمَ وُجُودِهِ لَا يَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ إلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَالسَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ وُجِدَتْ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَتَوَقَّفُ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ فَكَانَ وُجُودُهُ سَابِقًا وَسِيلَةً إلَى حُصُولِ الْحُكْمِ بِوَاسِطَةِ الْعِلَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى السَّبَبِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَخَّرَ وُجُودُهُ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ بَعْدَ وُجُودِ صُورَتِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ تَمَحَّضَ شَرْطًا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّرْطَ إذَا عَارَضَهُ عِلَّةٌ لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ ثُمَّ إنْ كَانَ سَابِقًا كَانَ فِي مَعْنَى السَّبَبِ وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا أَوْ مُتَرَاخِيًا كَانَ شَرْطًا مَحْضًا ثُمَّ هُوَ أَيْ حَلُّ الْقَيْدِ وَإِنْ شَابَهَ السَّبَبَ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّهُ شَابَهَ السَّبَبَ الْخَالِصَ لَا السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مُضَافَةً إلَى السَّبَبِ وَحَادِثَةً بِهِ كَقَوْدِ الدَّابَّةِ وَسَوْقِهَا وَهَاهُنَا مَا هُوَ الْعِلَّةُ وَهُوَ الْإِبَاقُ غَيْرُ حَادِثَةٍ بِالشَّرْطِ وَهُوَ حَلُّ الْقَيْدِ بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ بِاخْتِيَارٍ صَحِيحٍ فَانْقَطَعَ بِهِ نِسْبَتُهُ عَنْ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ الْمَحْضِ فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْعِلَّةِ دُونَ مَا سَبَقَ مِنْ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا أَمَرَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ حَيْثُ يَضْمَنُ الْآمِرُ وَإِنْ اعْتَرَضَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ عَلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبَاقِ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَبْدِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِبَاقُ يَصِيرُ غَاصِبًا لَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا إذَا اسْتَخْدَمَهُ فَخَدَمَ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ إذَا عَمِلَ وَفْقَ اسْتِعْمَالِهِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ الَّتِي لَا اخْتِيَارَ لَهَا فَيُضَافُ التَّلَفُ إلَى الْمُسْتَعْمِلِ فَأَمَّا حَلُّ الْقَيْدِ فَإِزَالَةٌ لِلْمَانِعِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ عِنْدَ اعْتِرَاضِ فِعْلٍ مُخْتَارٍ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ حَلُّ الْقَيْدِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ كَإِرْسَالِ الدَّابَّةِ مِمَّنْ أَرْسَلَهَا فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ سَارَتْ أَوْ وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْسِلُ؛ لِأَنَّ بِالْجَوَلَانِ وَالْوُقُوفِ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ إرْسَالِهِ ثُمَّ إنَّهَا أَنْشَأَتْ سَيْرًا بِاخْتِيَارِهَا فَكَانَتْ كَالْمُنْفَلِتَةِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا طَرِيقٌ غَيْرُ الَّذِي أَخَذَتْ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَيَّرَهَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يُمْكِنُهَا أَنْ تَسِيرَ فِيهِ وَقَدْ سَارَتْ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَكَانَ هُوَ سَائِقًا لَهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَجَالَتْ عَمَّا إذَا أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ فِي وَجْهِهَا شَيْئًا ضَمِنَ الْمُرْسِلُ كَمَا إذَا أَشَارَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ سَائِقٌ لَهَا مَا دَامَتْ تَسِيرُ عَلَى سُنَنِ إرْسَالِهِ إلَّا أَنَّ أَيْ: لَكِنْ الْمُرْسِلُ، وَكَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ حَلُّ الْقَيْدِ وَهُوَ شَرْطٌ كَإِرْسَالِ الدَّابَّةِ وَهُوَ سَبَبٌ فَقَالَ الْمُرْسِلُ صَاحِبُ سَبَبٍ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَيْسَ بِإِزَالَةِ الْمَانِعِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلٌ مِنْ مُخْتَارٍ وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى السَّبَبِ حَيْثُ لَمْ يَذْهَبْ عَلَى سُنَنِ إرْسَالِهِ

стр. 1334

وَإِذَا انْتَقَلَتْ الدَّابَّةُ فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا بِالنَّهَارِ كَانَ هَدَرًا وَكَذَلِكَ بِاللَّيْلِ عِنْدَنَا لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ لَيْسَ بِصَاحِبِ شَرْطٍ وَلَا سَبَبٍ وَلَا عِلَّةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فَطَارَ الطَّيْرُ أَوْ بَابَ إصْطَبْلٍ فَخَرَجَتْ الدَّابَّةُ فَضَلَّتْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ جَرَى مَجْرَى السَّبَبِ لِمَا قُلْنَا وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ سَبَبًا خَالِصًا فَلَمْ يُجْعَلْ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِ بِخِلَافِ السُّقُوطِ فِي الْبِئْرِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي السُّقُوطِ حَتَّى إذَا أَسْقَطَ نَفْسَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ كَمَنْ مَشَى عَلَى قَنْطَرَةٍ وَاهِيَةٍ وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَخُسِفَ بِهِ أَوْ عَلَى مَوْضِعٍ رُشَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ فَزَلَقَ فَعَطِبَ هُدِرَ دَمُهُ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ الْعِلَّةُ وَقَدْ صَلَحَ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ ــ [كشف الأسرار] وَهَذَا الَّذِي حَلَّ الْقَيْدَ صَاحِبُ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ إزَالَةُ الْمَانِعِ عَنْ الْإِبَاقِ جُعِلَ مُسَبَّبًا بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْعِلَّةِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ فَكَانَا فِي انْقِطَاعِ الْحُكْمِ عَنْهُمَا وَإِضَافَتِهِ إلَى مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْفِعْلِ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (وَإِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فَأَتْلَفَتْ زَرْعَهَا بِالنَّهَارِ كَانَ هَدَرًا) بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَكَذَلِكَ بِاللَّيْلِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ لَيْسَ بِصَاحِبِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ وَلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْتَحْ بَابَ الْإِصْطَبْلِ وَلَا عِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَضْمَنُ فِي الْإِتْلَافِ بِاللَّيْلِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ «أَنَّ نَاقَةً لَهُ دَخَلَتْ زَرْعَ إنْسَانٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَمَانِهِ وَقَالَ حِفْظُ الزُّرُوعِ عَلَى أَرْبَابِهَا نَهَارًا وَحِفْظُ الدَّوَابِّ عَلَى أَرْبَابِهَا لَيْلًا» وَقُلْنَا هُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ صَاحِبَهَا كَانَ يُرِيدُ أَخْذَهَا فَانْفَلَتَتْ بِقَصْدِهِ أَبَاهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاقَةَ أَفْسَدَتْ الزَّرْعَ لَيْلًا وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْحِفْظَ عَلَى أَصْحَابِ الدَّوَابِّ لَيْلًا حَتَّى لَوْ تَرَكُوا أَتَمُّوا وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الزَّرْعِ لَمْ يَكُنْ بِتَرْكِ الْحِفْظِ بَلْ بِذَهَابِ الدَّابَّةِ وَهِيَ مُخْتَارَةٌ فِيهِ وَلَمْ يَتَوَلَّدْ ذَلِكَ مِنْ الْإِرْسَالِ فَكَانَ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي الْأَسْرَارِ. قَوْلُهُ (فِيمَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فَطَارَ الطَّيْرُ) يَعْنِي فِي فَوْرِ الْفَتْحِ إذَا الْخِلَافُ فِيهِ فَإِنَّهُ إذَا طَارَ بَعْدَ سَاعَةٍ لَا يَضْمَنُ الْفَاتِحُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَفِي ذِكْرِ الْفَاءِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْ فَتْحَ بَابِ الْقَفَصِ وَالْإِصْطَبْلِ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ الْخُرُوجِ وَالطَّيَرَانِ جَرَى مَجْرَى السَّبَبِ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ كَانَ لَهُ حُكْمُ السَّبَبِ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ الَّذِي بِهِ تَلَفُ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ لَمْ يَحْصُلْ بِالْفَتْحِ بَلْ بِاخْتِيَارِهِمَا الطَّيَرَانَ وَالْخُرُوجَ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ وَهُوَ فَتْحُ الْبَابِ سَبَبًا خَالِصًا أَيْ شَرْطًا فِي مَعْنَى السَّبَبِ الْخَالِصِ فَلَمْ يُجْعَلْ التَّلَفُ مُضَافًا إلَى الْفَتْحِ بَلْ قُصِرَ عَلَى الْخُرُوجِ كَمَا قُصِرَ عَلَى الْإِبَاقِ فِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الْقَيْدِ بِخِلَافِ السُّقُوطِ فِي الْبِئْرِ حَيْثُ يُضَافُ التَّلَفُ فِيهِ إلَى الشَّرْطِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ عَلَى الشَّرْطِ مِنْ السُّقُوطِ هُنَاكَ حَصَلَ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعُمْقِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَطْعِ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ حَتَّى إذَا أَسْقَطَ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ هَدَرَ دَمُهُ وَلَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ؛ لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ عَلَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ فِي الْبِئْرِ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ لِصُدُورِهِ مِنْ مُخْتَارٍ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ إلَيْهِ فَانْقَطَعَ بِهِ نِسْبَةُ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْعِلَّةِ وَبِخِلَافِ سَوْقِ الدَّابَّةِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ مَعْنًى حَامِلٌ عَلَى الذَّهَابِ كَرْهًا فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُكْرَهِ وَالْفَتْحُ رَفْعٌ لِلْمَانِعِ وَلَيْسَ بِحَمْلٍ عَلَى الْخُرُوجِ وَكَذَا إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ سَبَبٌ حَامِلٌ عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَ التَّعْلِيمِ كَالسَّوْقِ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَمَّا فَتْحُ الْبَابِ فَلَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ بَابَ الْكَلْبِ حَتَّى خَرَجَ فَصَادَ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَمْلِكْ بِخِلَافِ الْإِرْسَالِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ كَمَنْ مَشَى عَلَى قَنْطَرَةٍ وَهِيَ مَا يُبْنَى عَلَى الْمَاءِ لِلْعُبُورِ وَالْجِسْرُ عَامٌّ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَبْنِيٍّ وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ بِأَنْ وُضِعَتْ فِي

стр. 1335

وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ طَيَرَانُ الطَّيْرِ هَدَرٌ شَرْعًا وَكَذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ بَهِيمَةٍ فَيُجْعَلُ كَالْخَارِجِ بِلَا اخْتِيَارٍ وَصَارَ كَسَيَلَانِ مَا فِي الزِّقِّ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى فَوْرِ الْفَتْحِ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْطِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ لَا تُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ حُكْمٍ مَا فَأَمَّا لِقَطْعِهِ فَنَعَمْ كَالْكَلْبِ تَمِيلُ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ وَكَالدَّابَّةِ تَجُولُ بَعْدَ الْإِرْسَالِ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالْحَافِرُ فَقَالَ الْوَلِيُّ سَقَطَ وَقَالَ الْآخَرُ أَسْقَطَ نَفْسَهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْحَافِرِ اسْتِحْسَانًا لِمَا قُلْنَا إنَّ الْحَفْرَ شَرْطٌ جُعِلَ خَلَفًا عَنْ الْعِلَّةِ لِتَعَذُّرِ نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ فَإِذَا ادَّعَى صَاحِبُ الشَّرْطِ أَنَّ الْعِلَّةَ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَجَحَدَ حُكْمًا ضَرُورِيًّا فَجَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْجَارِحِ إذَا ادَّعَى الْمَوْتَ بِسَبَبٍ آخَرَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ عِلَّةٍ ــ [كشف الأسرار] غَيْرِ مِلْكٍ وَفِيمَا لَا تَصَرُّفَ لِوَاضِعِهَا فِيهِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمِلْكِ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ وَاضِعَهَا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيمَا أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ وَالْمُسَبِّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَكُونُ ضَامِنًا. وَقَوْلُهُ عَالِمًا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ عَالِمًا بِوَهَاءِ الْقَنْطَرَةِ وَوَضَعَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَعَالِمًا بِالرَّشِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ مَشَى عَلَى جِسْرِهِ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ فَانْخَسَفَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَ تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ وُقُوعُهُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ لَا إلَى تَسَبُّبِ مَنْ اتَّخَذَ الْجِسْرَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا يَضْمَنُ وَاضِعُ الْجِسْرِ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسْبِيبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ وَاضِعَ الْجِسْرِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا عَطِبَ بِهِ وَإِنْ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَسِبٌ فِيمَا صَنَعَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِمَا أَحْدَثَهُ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا. وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا كَانَ مُحْتَسِبًا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ مُحْتَسِبٌ أَيْضًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا يَعْطَبُ بِهَا وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ هَدَرَ دَمُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا كَانَ الطَّيَرَانُ وَالْخُرُوجُ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ يَضْمَنُ الْفَاتِحُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ وَالطَّيْرِ هَدَرٌ شَرْعًا فَلَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَكَانَ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ أَوْ الطَّيْرَ لَا يَصْبِرُ عَنْ الْخُرُوجِ وَالطَّيَرَانِ عَادَةً وَالْعَادَةُ إذَا تَأَكَّدَتْ صَارَتْ طَبِيعَةً لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فَإِذَا خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ وَاسْتَعْمَلَ عَادَتَهُ كَانَ الْخُرُوجُ عَلَى الْعَادَةِ بِمَنْزِلَةِ سَيَلَانِ الدُّهْنِ عِنْدَ شَقِّ الزِّقِّ فَيَكُونُ الْفَتْحُ سَبَبَ ضَمَانٍ كَالشَّقِّ وَلَمْ يُبْطِلْ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ فِي الطَّيَرَانِ وَالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ كَمَا إذَا صَاحَ بِالدَّابَّةِ فَذَهَبَتْ صَارَ ضَامِنًا وَإِنْ ذَهَبَتْ مُخْتَارَةً؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ وَالصِّيَاحُ وَالصَّوْتُ سَائِقٌ فَأَشْبَهَ الْقَوْدَ جَبْرًا وَكَمَا لَوْ أَلْقَى حَيَّةً عَلَى إنْسَانٍ فَلَسَعَتْهُ يَجِبُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَتْ الْحَيَّةُ فِي اللَّسْعِ مُخْتَارَةً؛ لِأَنَّ اللَّسْعَ لَهَا عَادَةٌ مُتَأَكِّدَةٌ فَالْتَحَقَتْ بِالطَّبِيعَةِ وَسَقَطَ اخْتِيَارُهَا وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ لَا يَضْمَنُ الْفَاتِحُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تَخْرُجْ فِي فَوْرِ الْفَتْحِ عُلِمَ أَنَّهَا تَرَكَتْ عَادَتَهَا وَكَانَ الْخُرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاخْتِيَارِ فَأَشْبَهَ حَلَّ قَيْدِ الْعَبْدِ وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِمَّا يَذْكُرُ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ لَا إلَى الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالسَّوْقِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ حَمْلٌ عَلَى الذَّهَابِ كَرْهًا كَمَا بَيَّنَّا فَيَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرِهِ وَلَا كَإِلْقَاءِ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةُ الْإِتْلَافِ إذْ الْإِلْقَاءُ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا فَتْحُ جُحْرِ الْحَيَّةِ حَتَّى لَوْ فَتَحَ جُحْرَ الْحَيَّةِ فَخَرَجَتْ وَلَسَعَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْكَلْبِ يَمِيلُ عَنْ سَنَنِ الْإِرْسَالِ يَعْنِي إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَمَالَ عَنْ سُنَنِهِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ مَنْعِ الْإِضَافَةِ عَنْ الْمُرْسِلِ وَنَظِيرُهُ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ وَأَلْقَى فِيهِ غَيْرَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْحَرْبِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الْحَافِرِ بِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَكَمَيْلِ الْكَلْبِ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ وَجَوَلَانِ الدَّابَّةِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ طَيَرَانُ الطَّيْرِ وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ بَعْدَ الْفَتْحِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ قِيَاسٌ

стр. 1336

وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِيمَنْ أَشْلَى كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ مَمْلُوكٍ فَقَتَلَهُ أَوْ عَلَى نَفْسٍ فَقَتَلَهَا أَوْ مَزَّقَ ثِيَابَ رَجُلٍ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سَبَبٍ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ مُخْتَارٍ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَعْمَلُ بِطَبْعِهِ وَلَيْسَ الَّذِي أَشْلَاهُ بِسَائِقٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَشْلَى عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ أَنَّ صَاحِبَهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ مِنْ الْمَكَاسِبِ فِي الْجُمْلَةِ فَبُنِيَ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ إلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ ــ [كشف الأسرار] وَمَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فَقَدْ أَلْحَقَ الْعَادَةَ وَإِنْ كَانَ عَنْ اخْتِيَارٍ بِالطَّبْعِيَّةِ الَّتِي لَا اخْتِيَارَ فِيهَا صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ وَإِهْدَارًا لِاخْتِيَارِ مَا لَا عَقْلَ لَهُ حُكْمًا فَإِنَّهُ جُبَارٌ لَا حُكْمَ لَهُ وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الدَّابَّةِ أَنَّهَا لَا تَصْبِرُ عَنْ أَكْلِ الزَّرْعِ إلَّا بِحِفْظٍ فَلَمَّا كَانَ الْحِفْظُ عَلَيْهِ لَيْلًا جُعِلَ تَرْكُ الْحِفْظِ بِمَنْزِلَةِ التَّسْلِيطِ وَالْإِرْسَالِ قُلْت فَعَلَى هَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَرَجَّحُ الْقِيَاسُ فِيهَا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ. قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ قُلْنَا) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَمَتَى عَارَضَهُ عِلَّةٌ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً أَيْ وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ عِنْدَ مُعَارَضَتِهِ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً قُلْنَا كَذَا. أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ هُوَ الْعِلَّةُ وَقَدْ صَلَحَ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ أَيْ وَلِكَوْنِ الْإِلْقَاءِ صَالِحًا لِلْعِلِّيَّةِ قُلْنَا كَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ اسْتِحْسَانًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ فَهُوَ بِدَعْوَى إلْقَاءِ النَّفْسِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ الضَّمَانِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلْوَلِيِّ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ عَمْدًا فِي الْعَادَةِ فَعِنْدَ الْمُنَازَعَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي قَبُولِ قَوْلِ الْحَافِرِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ وَالْوَلِيُّ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ فَلَا يَكْفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالظَّاهِرِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ يُعَارِضُهُ ظَاهِرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْبَصِيرَ يَرَى الْبِئْرَ أَمَامَهُ فِي مَمْشَاهُ فَلَا يَقَعُ فِيهَا إلَّا بِالْإِلْقَاءِ قَصْدًا فَتَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ وَبَقِيَ الِاحْتِمَالُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ وَجَحَدَ حُكْمًا ضَرُورِيًّا وَهُوَ خَلِيفَتُهُ الشَّرْطُ عَنْ الْعِلَّةِ وَفِيهِ إنْكَارُ سَبَبِ الضَّمَانِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْجَارِحَ صَاحِبُ عِلَّةٍ فَإِنَّ الْجَرْحَ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ فَعِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ الْعَارِضُ الْمُسْقِطُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَلِيِّ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ. وَلَمَّا قُلْنَا إنَّ اعْتِرَاضَ عِلَّةٍ صَالِحَةٍ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا يُوجِبُ قَطْعَ نِسْبَةِ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ قُلْنَا فِيمَنْ أَشْلَى كَلْبًا أَيْ أَغْرَاهُ وَأَرْسَلَهُ فَقَدْ وُضِعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الْإِرْسَالِ فَقِيلَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ إرْسَالًا وَلَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ يَعْنِي صَيْدًا مَمْلُوكًا لَمْ يَضْمَنْ يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا حَلَّ أَكْلُهُ وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ رَجُلٌ أَشْلَى كَلْبَهُ عَلَى رَجُلٍ حَتَّى عَقَرَهُ أَوْ مَزَّقَ ثِيَابَهُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا أَنْ يَسُوقَهُ وَلَيْسَ الَّذِي أَشْلَاهُ بِسَائِقٍ يَعْنِي أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشْلَاءِ وَالْإِرْسَالِ لَا يَصِيرُ سَائِقًا لِيُنْسَبَ الْفِعْلُ إلَيْهِ بِحُكْمِ السَّوْقِ فَبَقِيَ الْكَلْبُ عَامِلًا بِطَبْعِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَعَمَلُ الْبَهِيمَةِ هَدَرٌ حَتَّى لَوْ كَانَ سَائِقًا لَهُ بِأَنْ كَانَ يَعْدُو خَلْفَهُ وَيُشْلِيهِ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ مِنْ النَّفْسِ وَالثِّيَابِ وَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَ بَازِيًا عَلَى صَيْدٍ مَمْلُوكٍ وَسَاقَهُ فَأَتْلَفَهُ الْبَازِي حَيْثُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْبَازِيَ لَا يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَهَدَرَ سَوْقُهُ وَبَقِيَ الْفِعْلُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْمُرْسِلِ فَأَمَّا الْكَلْبُ فَيَحْتَمِلُهُ كَسَائِرِ الدَّوَابِّ فَيُعْتَبَرُ سَوْقُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْكَلْبِ سَائِقًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَجَعَلَ الْإِرْسَالَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْقِ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ ﵀ أَنَّ الْكَلْبَ إنْ

стр. 1337

وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ أَلْقَى نَارًا فِي الطَّرِيقِ فَهَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ ثُمَّ أَحْرَقَتْ لَمْ يَضْمَنْ وَإِذَا أَلْقَى شَيْئًا مِنْ الْهَوَامِّ فِي الطَّرِيقِ فَتَحَرَّكَتْ وَانْتَقَلَتْ ثُمَّ لَدَغَتْ لَمْ يَضْمَنْ وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تُخَرَّجُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ تَقْسِيمِ الْأَسْبَابِ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِذَلِكَ الْبَابِ. ــ [كشف الأسرار] أَصَابَ فِي فَوْرِهِ شَيْئًا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْكَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْقِ فِي الدَّابَّةِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ كَانَ سَائِقًا لَهَا فَكَذَلِكَ فِي الْكَلْبِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْكَلْبَ فِي أَخْذِ الصَّيْدِ وَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عَامِلٌ بِطَبْعِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَا بِالْإِرْسَالِ فَكَانَ الْإِرْسَالُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ حَلِّ الْقَيْدِ فِي الْعَبْدِ فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حَقِيقَةُ السَّوْقِ فَأَمَّا الدَّابَّةُ فَلَيْسَ مِنْ طَبْعِهَا الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ بَلْ مِنْ طَبْعِهَا الْجَوَلَانُ وَتَرْكُ سُنَنِ الطَّرِيقِ لِلرَّعْيِ فَكَانَ مُحَافَظَتُهَا سُنَنَ الطَّرِيقِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ عَلَى خِلَافِ طَبْعِهَا بِنَاءً عَلَى الْإِرْسَالِ كَمَا فِي السَّوْقِ فَكَانَ إرْسَالُهَا بِمَنْزِلَةِ السَّوْقِ إذَا ذَهَبَتْ عَلَى سُنَنِ الْإِرْسَالِ وَإِلَى هَذَا الْفَرْقِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَعْمَلُ بِطَبْعِهِ وَوُقُولُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَشْلَى أَيْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْكَلْبِ مُضَافًا إلَى الْمُرْسِلِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَلِّ أَيْضًا حَتَّى لَوْ أَقْبَلَ بِصَيْدٍ بَعْدَ الْإِرْسَالِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمُرْسِلُ كَانَ مَيْتَةً كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا فَقَالَ الِاصْطِيَادُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَكَاسِبِ وَبَابُهُ مَفْتُوحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] الْآيَةَ وَلَا يُمْكِنُهُمْ الِاصْطِيَادُ خُصُوصًا بِالْكَلْبِ عَلَى وَجْهٍ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَبْحِهِ بِالْوَجْهِ الْمَسْنُونِ غَالِبًا فَأُضِيفَ فِعْلُهُ إلَى الْمُرْسِلِ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَبُنِيَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ فَتْحًا لَبَابِ الْكَسْبِ فَأَمَّا فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ فَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ جَبْرًا فَيَعْتَمِدُ الْفَوْتُ مِنْ جِهَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ لِتَخَلُّلِ فِعْلِ الْمُخْتَارِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ فِيهِ إلَى مَحْضِ الْقِيَاسِ أَيْ الدَّلِيلُ الظَّاهِرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشِرٍ وَلَا مُسَبِّبٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ الضَّمَانُ بِحَالٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ فِي الِاصْطِيَادِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَحِلَّ أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ اعْتِرَاضَ الْعِلَّةِ يُوجِبُ قَطْعَ نِسْبَةِ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهَا قُلْنَا كَذَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا وَضَعَ جَمْرًا فِي الطَّرِيقِ فَأَحْرَقَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي إحْدَاثِ النَّارِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ فَذَهَبَتْ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ أَحْرَقَ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ فِعْلِهِ قَدْ انْتَسَخَ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْيَوْمُ رِيحًا فَإِنْ كَانَ رِيحًا فَهُوَ ضَامِنٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا حِينَ أَلْقَاهُ أَنَّ الرِّيحَ تَذْهَبُ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَلَا يَنْتَسِخُ حُكْمُ فِعْلِهِ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي جَالَتْ فِي رِبَاطِهَا وَإِذَا أَلْقَى شَيْئًا مِنْ الْهَوَامِّ فِي الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا تَلِفَ بِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ وَاخْتِيَارُهُ فِي اللَّسْعِ لَا يَقْطَعُ النِّسْبَةَ؛ لِأَنَّهُ طَبْعٌ لَهُ وَلَوْ تَحَرَّكَتْ أَيْ الْهَامَّةُ الْمُلْقَاةُ وَانْتَقَلَتْ مِنْ مَكَانِهَا إلَى مَكَان آخَرَ ثُمَّ لَدَغَتْهُ أَيْ لَدَغَتْ إنْسَانًا فَهَلَكَ لَمْ يَضْمَنْ الْمُلْقِي شَيْئًا لِانْقِطَاعِ نِسْبَتِهِ عَنْهُ بِتَخَلُّلِ فِعْلِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَيْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ إشْلَاءِ الْكَلْبِ وَإِلْقَاءِ النَّارِ وَالْهَامَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَإِرْسَالِ الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا يَخْرُجُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ تَقْسِيمِ الْأَسْبَابِ وَهُوَ السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي اعْتَرَضَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ وَنَحْوِهَا فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِذَلِكَ الْبَابِ وَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَلَتْ عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ الْإِشْلَاءُ وَالْإِلْقَاءُ فِي الطَّرِيقِ وَالْإِرْسَالُ لَيْسَتْ

стр. 1338

وَأَمَّا الَّذِي هُوَ شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِشَرْطَيْنِ فَإِنَّ أَوَّلَهُمَا شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْطِ أَنْ يُضَافَ الْوُجُودُ إلَيْهِ وَذَلِكَ مُضَافٌ إلَى آخِرِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ شَرْطًا لَا اسْمًا وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَهَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ أَحَدَيْهِمَا ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ الثَّانِيَةَ أَنَّهَا تَطْلُقُ خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ لِأَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ وُجُودِ الْجَزَاءِ لَا لِصِحَّةِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَمْ يُوجَدْ هَا هُنَا جَزَاءٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ الْمِلْكُ شَرْطًا لِغَيْرِ الشَّرْطِ لِأَنَّ عَيْنَهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ وَلَمْ يَجُزْ شَرْطُهُ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ كَمَا قَبْلَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ. ــ [كشف الأسرار] لِلْمَانِعِ بِوَجْهٍ وَلَكِنَّهَا أُورِدَتْ هَاهُنَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ لِلْمُنَاسَبَةِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي) أَيْ الْقِسْمُ الَّذِي أَوْ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا فَكَذَا وَهَذَا يُسَمَّى شَرْطًا مَجَازًا لِتَخَلُّفِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ عَنْهُ إلَّا أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ لَمَّا كَانَ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ شَرْطًا صُورَةً لَا مَعْنًى وَفِي أَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ مَوْجُودٌ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعْنًى وَحَقِيقَةً قُلْنَا كَذَا وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَوْجُهٍ إنْ دَخَلَتْهُمَا فِي الْمِلْكِ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِلَا شُبْهَةٍ وَإِنْ دَخَلَتْهُمَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ لَا إلَى أَجْزَاءٍ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُولَى فِي الْمِلْكِ ثُمَّ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ثُمَّ دَخَلَتْ الْأُخْرَى فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَمْ يُطَلِّقْ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُولَى فِي غَيْرِ الْمِلْكِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ الْأُخْرَى طَلُقَتْ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ حَظَّ الشَّرْطَيْنِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا شَيْئًا وَاحِدًا فِي وُجُودِ الْجَزَاءِ وَفِي أَحَدِهِمَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ فَكَذَلِكَ فِي الْآخَرِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ يُجْرِي الشُّرُوطَ مَجْرَى الْعِلَلِ كَمَا قَالَ فِي الْإِحْصَانِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَأَنَّ السَّارِقَ لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمُودَعِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطُ ظُهُورِ السَّرِقَةِ فَلَا يَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ عِنْدَهُ كَمَا لَا تَجْرِي فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ مُثَبِّتَةٌ لِلسَّرِقَةِ فَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِنَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ وُجُودِ الْجَزَاءِ لَا لِصِحَّةِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلِهَذَا لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَيْنِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ. وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا أَيْ لَيْسَ فِيمَا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ جَزَاءٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ لِيُشْتَرَطَ الْمِلْكُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ الثَّانِي وَلَمْ يَجُزْ شَرْطُهُ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الذِّمَّةُ فَتَبْقَى بِبَقَائِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَمِينَ يَبْقَى قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ بِدُونِ الْمِلْكِ بِأَنْ أَبَانَهَا قَبْلَ دُخُولِ الدَّارَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَبْقَى بِدُونِهِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ الثَّانِي أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِلْكَ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِيجَابِ أَوْ صِحَّةِ الْإِيقَاعِ وَحَالُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ خَالِيَةٌ عَنْهُمَا فَلَوْ شَرَطَ الْمِلْكَ لِبَقَاءِ الْيَمِينِ أَوْ لِصِحَّةِ عَيْنِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ) وَهُوَ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ بِالْإِحْصَانِ قِيلَ إحْصَانُ الزِّنَا عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ. وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مِثْلَ الْآخَرِ فِي صِفَةِ الْإِحْصَانِ وَالْإِسْلَامُ قَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ شَيْئَانِ الْإِسْلَامُ وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِثْلُهُ فَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَهُمَا شَرْطَا الْأَهْلِيَّةِ لِلْعُقُوبَةِ لَا شَرْطَا الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطُ تَكْمِيلِ الْعُقُوبَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْإِحْصَانَ عَلَامَةٌ أَيْ مُعَرَّفٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا إذَا تَحَقَّقَ عِلَّةٌ لِلرَّجْمِ عَلَى إحْصَانٍ يَحْدُثُ بَعْدَهُ فَإِنَّ الْإِحْصَانَ لَوْ وُجِدَ بَعْدَ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِوُجُودِهِ الرَّجْمُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لَهُ وَلَا سَبَبٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ مُفْضٍ إلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الرَّجْمَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ وُجُوبًا بِهِ وَلَا وُجُودًا عِنْدَ وُجُودِهِ وَلَكِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حَالٍ فِي الزَّانِي يَصِيرُ الزِّنَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُوجِبًا لِلرَّجْمِ فَكَانَ مُعَرَّفًا أَنَّ الزِّنَا حِينَ وُجِدَ كَانَ مُوجِبًا لِلرَّجْمِ فَكَانَ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فَلَمْ يَصِحَّ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ وَلَا لِلْوُجُودِ أَيْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ فَلَا يَكُونُ عِلَّةً وَلَا الْوُجُودُ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا وَذَلِكَ أَيْ وَلِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ وَالْوُجُودِ بِهِ لَمْ يُجْعَلْ لِهَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ حُكْمَ الْعِلَّةِ

стр. 1339

فَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَلَامَةٌ فَالْإِحْصَانُ فِي بَابِ الزِّنَا وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَامَةٌ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْطِ أَنْ يَمْنَعَ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ إلَى أَنْ يُوجَدَ الشَّرْطُ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الزِّنَا بِحَالٍ لِأَنَّ الزِّنَا إذَا وُجِدَ لَمْ يَتَوَقَّفْ حُكْمُهُ عَلَى إحْصَانٍ يَحْدُثُ بَعْدَهُ لَكِنَّ الْإِحْصَانَ إذَا ثَبَتَ كَانَ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الزِّنَا فَأَمَّا أَنْ يُوجَدَ الزِّنَا بِصُورَتِهِ فَيَتَوَقَّفَ انْعِقَادُهُ عِلَّةً عَلَى وُجُودِ الْإِحْصَانِ فَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فَلَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً لِلْوُجُودِ وَلَا لِلْوُجُوبِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حُكْمُ الْعِلَلِ بِحَالٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ شُهُودُ الْإِحْصَانِ إذَا رَجَعُوا عَلَى حَالٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّرْطِ الْخَالِصِ ــ [كشف الأسرار] بِحَالٍ يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ صَالِحَةً لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ هَذَا هُوَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ وَاخْتَارَهَا الشَّيْخَانِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ سَمَّوْا الْإِحْصَانَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الرَّجْمِ لَا عَلَامَةً مُسْتَرْوِحِينَ بِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ وَالْإِحْصَانُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الرَّجْمِ بِالزِّنَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الْإِحْصَانِ وَكَوْنُهُ سَابِقًا عَلَى الزِّنَا غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ لَا يُخِلُّ بِشَرْطِيَّتِهِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالنِّيَّةُ سَابِقَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ تَأَخُّرُهَا عَنْ صُورَةِ الصَّلَاةِ وَتَوَقَّفَ انْعِقَادُهَا صَلَاةً عَلَيْهَا وَكَذَا الْإِشْهَادُ فِي النِّكَاحِ سَابِقٌ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ وَتَوَقَّفَ انْعِقَادُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِ صُورَتِهِ ثُمَّ إنَّهَا شُرُوطٌ حَقِيقِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِعَلَامَاتٍ فَكَذَا الْإِحْصَانُ لِلرَّجْمِ. وَقَوْلُهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُودٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَهُمْ بَلْ ثُبُوتُ وُجُوبِ الرَّجْمِ بِالزِّنَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ إذْ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الرَّجْمَ بِدُونِ الْإِحْصَانِ بِحَالٍ كَالسَّرِقَةِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ بِدُونِ النِّصَابِ وَهُوَ شَرْطٌ بِلَا شُبْهَةٍ فَكَذَا الْإِحْصَانُ وَقَوْلُهُمْ لَا بُدَّ لِلشَّرْطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ لِيَتَوَقَّفَ انْعِقَادُهَا عِلَّةً عَلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا بَلْ الشَّرْطُ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَقَدْ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا كَمَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ انْعِقَادَ بَعْضِ الْعِلَلِ لَا يَقْبَلُ الِانْفِصَالَ عَنْ وُجُودِ صُورَتِهَا كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَبَعْضُهَا يَقْبَلُ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِ وَسَائِرِ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَالشَّرْطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ يَتَأَخَّرُ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ. وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ لَا يَتَأَخَّرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَالْمَشْرُوطُ وَهُوَ الِانْعِقَادُ لَمَّا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الصُّورَةِ لَا يُتَصَوَّرُ تَأَخُّرُ الشَّرْطِ عَنْهَا ضَرُورَةً. قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْإِحْصَانَ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لَا يَضْمَنُ شُهُودُ الْإِحْصَانِ إذَا رَجَعُوا عَلَى حَالٍ يَعْنِي سَوَاءٌ رَجَعُوا مَعَ شُهُودِ الزِّنَا أَوْ رَجَعُوا وَحْدَهُمْ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّرْطِ الْخَالِصِ وَهِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَالْيَمِينِ ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ صَالِحٌ لِخِلَافَةِ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الْوُجُودِ بِهِ فَأَمَّا الْعَلَامَةُ فَلَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ لِخِلَافَتِهَا عَنْ الْعِلَّةِ أَصْلًا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبٌ وَلَا وُجُودٌ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهَا بِوَجْهٍ. وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ إنْ رَجَعَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ وَحْدَهُمْ ضَمِنُوا دِيَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا وَالْإِحْصَانِ جَمِيعًا يَشْتَرِكُونَ فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ شَرْطُ الرَّجْمِ وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ السَّبَبَ أَيْ الْعِلَّةَ وَالشَّرْطَ سَوَاءٌ فِي إضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى الشَّرْطِ كَمَا يَقِفُ عَلَى السَّبَبِ لَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْإِحْصَانُ مُلْحَقٌ بِالزِّنَا فِي إضَافَةِ الْحَدِّ إلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِحْصَانِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَالشَّهَادَةَ عَلَى النِّكَاحِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا تُقْبَلُ بِدُونِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ مُضَافًا إلَيْهِمَا لَمَا قُبِلَتْ كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْإِحْصَانِ ثُمَّ رَجَعَ يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ يَصِحُّ وَأَنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ شُهُودَ الْإِحْصَانِ عَنْ الْإِحْصَانِ مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ كَمَا يَسْأَلُ عَنْ الزِّنَا

стр. 1340

وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْإِحْصَانَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الذُّكُورُ الْخَالِصَةُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ وُجُوبُ عُقُوبَةٍ وَلَا وُجُودُهَا ــ [كشف الأسرار] وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُزَكِّي إذَا رَجَعَ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ عِلَّةَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُ أَثْبَتَ شَرْطَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْعَدَالَةُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُزَكِّينَ وَشُهُودِ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا خِصَالًا حَمِيدَةً فِي الْجَانِي وَالْمُزَكُّونَ أَثْبَتُوا خِصَالًا حَمِيدَةً فِي الشَّاهِدِ ثُمَّ شَهَادَةُ شُهُودِ الْإِحْصَانِ أَقْرَبُ إلَى مَحَلِّ الْحَدِّ مِنْ التَّزْكِيَةِ فَكَانُوا أَوْلَى بِالضَّمَانِ مِنْ الْمُزَكِّينَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ بِالرُّجُوعِ عِنْدَ صَلَاحِ الْعِلَّةِ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَهَاهُنَا شُهُودُ الزِّنَا شُهُودُ الْعِلَّةِ وَهِيَ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَيُضَافُ التَّلَفُ إلَيْهِمْ فَإِنْ رَجَعُوا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ ثَبَتُوا انْقَطَعَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ عَنْ الشَّرْطِ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَسْتَحِيلُ إضَافَةُ الْحَدِّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ وَالْإِحْصَانَ خِصَالٌ حَمِيدَةٌ وَيَسْتَحِيلُ إضَافَةُ الْعُقُوبَةِ إلَى الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فَصَارَ مُضَافًا إلَى الزِّنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنَّمَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ شَرْطًا لِلْحَدِّ صَارَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحَقِّ وَسَبَبَهُ مِنْ حُقُوقِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ رَجَعَ صَحَّ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَذِّبْهُ فِي الْإِنْكَارِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فِي الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ وَكَذَّبَهُ فِي الْإِنْكَارِ فَبَطَلَ الرُّجُوعُ بِمُعَارَضَةِ التَّكْذِيبِ وَلِهَذَا قَبِلْنَا الشَّهَادَةَ فِيهِ بِدُونِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تُقْبَلُ بِدُونِ الدَّعْوَى وَأَمَّا سُؤَالُ الْقَاضِي عَنْ الْإِحْصَانِ فَلِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ تُطْلَقُ عَلَى النِّكَاحِ وَعَلَى الْحُرِّيَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَسْتَفْسِرُهُ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْمَشْهُودُ بِهِ إذْ الشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ وَلَيْسَ هَذَا كَالتَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي رُجُوعِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالُوا أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالثَّانِي أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ قَالُوا تَعَمَّدْنَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَوَدُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمْ إنْ شَهِدُوا بِالْإِحْصَانِ قَبْلَ ثُبُوتِ الزِّنَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّنَا فَعَلَيْهِمْ الضَّمَانُ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلرَّجْمِ وَلَا بِشَرْطٍ لَهُ قُلْنَا إنَّ الْإِحْصَانَ يَثْبُتُ يَعْنِي قَبْلَ ثُبُوتِ الزِّنَا وَبَعْدَهُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَا يَثْبُتُ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّنَا وَبَعْدَهُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْصَانَ عَلَى أَصْلِهِ مُلْحَقٌ بِالزِّنَا فِي إضَافَةِ الْحَدِّ إلَيْهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِحْصَانِ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّنَا تَكْمِيلُ الْعُقُوبَةِ وَبِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ فِيهِ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَمِّلَ لِلْعُقُوبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوجِبِ لِأَصْلِ الْعُقُوبَةِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ بِالنِّكَاحِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْثُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْحَدِّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بَعْدَ مَوْتِ رَجُلٍ لِآخَرَ أَنَّهُ ابْنُهُ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ وَأَحْرَزَ مِيرَاثَهُ ثُمَّ رَجَعَا يَضْمَنَانِ وَلَوْ شَهِدَا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَمَّا مَاتَ وَأَحْرَزَ الْمَشْهُودُ لَهُ الْمِيرَاثَ ثُمَّ رَجَعَا لَا يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى شَهِدَا بِحَضْرَةِ الْمِيرَاثِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِالْمِيرَاثِ وَفِي الثَّانِيَةِ يَشْهَدَانِ بِحَضْرَةِ الْمِيرَاثِ فَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْمِيرَاثِ وَحُجَّتُنَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِحْصَانَ

стр. 1341

فَإِنْ قِيلَ إذَا شَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَقَدْ زَنَى الْعَبْدُ أَوْ قَذَفَ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ وَالْمَوْلَى ذَلِكَ وَالْمَوْلَى كَافِرٌ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ وَقَدْ شَهِدُوا عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ كَافِرٌ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ عَلَى مَا قُلْتُمْ إنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وُجُودٌ وَلَا وُجُوبٌ فَهَلَّا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ خُصُوصًا الْمَشْهُودَ بِهِ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَخُصُوصًا أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِإِيجَابِ عُقُوبَةٍ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا وُجُوبٌ وَلَا وُجُودٌ وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ تَكْثِيرُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ــ [كشف الأسرار] لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ خِصَالٍ بَعْضُهَا مَأْمُورٌ بِهِ وَبَعْضُهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَلَا بِشَرْطٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالٍ يَصِيرُ الزِّنَا فِي تِلْكَ الْحَالِ مُوجِبًا لِلرَّجْمِ كَمَا بَيَّنَّا وَلَئِنْ كَانَ شَرْطًا فَالْحَدُّ لَا يُضَافُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَحْوَالِ فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا فَأَيُّهُمَا كَانَ آخِرًا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَإِذَا شَهِدُوا بِالنَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى النَّسَبِ فَضَمِنُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ وَإِذَا شَهِدُوا بِالنَّسَبِ قَبْلَ الْمَوْتِ كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْمَوْتِ لَا إلَى النَّسَبِ فَلَمْ يَضْمَنُوا فَأَمَّا الْحَدُّ فَمُضَافٌ إلَى الزِّنَا بِكُلِّ حَالٍ لَا إلَى الْإِحْصَانِ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ بِكُلِّ حَالٍ ثُمَّ اعْتَبَرَ زُفَرُ ﵀ رَدَّ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْإِحْصَانِ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ فِيهِ فَأَدْرَجَ الشَّيْخُ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ السُّؤَالِ لِيُشِيرَ إلَى الْفَرْقِ فِي الْجَوَابِ فَقَالَ فَإِنْ قِيلَ إذَا شَهِدَ كَافِرَانِ يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِذِمِّيٍّ وَقَدْ زَنَى الْعَبْدُ أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ يَعْنِي قَبْلَ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَقَدْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ وَالْمَوْلَى الْإِعْتَاقَ لِتَضَرُّرِ الْمَوْلَى بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَتَضَرُّرِ الْعَبْدِ بِتَكْمِيلِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ مَعَ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى الْمَوْلَى بِالْعِتْقِ إلَى آخِرِهِ إطْلَاقُ هَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا لَا يُقْبَلُ فِي الْعِتْقِ وَتَكْمِيلِ الْحَدِّ جَمِيعًا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ فِي حُدُودٍ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّ الزَّانِيَ لَوْ كَانَ عَبْدًا مُسْلِمًا لِكَافِرٍ لَمْ يَثْبُتْ عِتْقُهُ بِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ حُجَّةً عَلَى هَذَا الْعِتْقِ لَوْلَا الزِّنَا. وَلَكِنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ الْعِتْقَ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ سَبْقُ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَارِيخٌ يُنْكِرُهُ الْمُسْلِمُ وَمَا يُنْكِرُهُ الْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا فَقَالَ يُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَلَا يُثْبِتُ تَمَكُّنَ الْإِمَامِ مِنْ إقَامَةِ الرَّجْمِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَدْخُلُ لِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ فِي إيجَابِ الرَّجْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا مَدْخَلَ بِشَهَادَتِهِمْ فِي إثْبَاتِ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَةِ الرَّجْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي شَهَادَاتِ الْأَسْرَارِ وَالتَّقْوِيمِ أَيْضًا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالسَّرِقَةِ فِي حَقِّ الْقَطْعِ وَتَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمَالِ ثُمَّ تَوْجِيهُ هَذَا السُّؤَالِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا حَيْثُ قَبِلَا الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ بِدُونِ دَعْوَاهُ فَكَانَ عَدَمُ الْقَبُولِ هَاهُنَا لِتَضَمُّنِهِ تَكْمِيلَ الْعُقُوبَةِ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَعَدَمُ الْقَبُولِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الدَّعْوَى فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ إلَّا إذَا وُضِعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْأَمَةِ فَحِينَئِذٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ (قَوْلُهُ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا) أَيْ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ خُصُوصًا فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ سَبَبَ عُقُوبَةٍ أَوْ شَرْطًا لَهُ أَثَرٌ فِي إيجَادِ الْعُقُوبَةِ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ» وَلَكِنَّهَا حُجَّةٌ تَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا وَالْمَشْهُودُ بِهِ هَاهُنَا هُوَ الْإِحْصَانُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ

стр. 1342

وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ زَائِدٌ وَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ حُجَّةٌ لِإِيجَابِ الضَّرَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا وَعُقُوبَةً وَلِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ اخْتِصَاصٌ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَشْهُودِ بِهِ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُمْ تَكْثِيرَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ إيجَابُ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ أَبَدًا. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ فِرَاشٍ قَائِمٍ وَلَا حَبَلٍ ظَاهِرٍ وَلَا إقْرَارٍ بِالْحَبَلِ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ فِي تَعْيِينِ الْوَلَدِ بِلَا خِلَافٍ وَلَمْ يُوجِبْ هَا هُنَا إلَّا التَّعْيِينَ فَأَمَّا النَّسَبُ فَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالْفِرَاشِ فَيَكُونُ انْفِصَالُهُ مُعَرَّفًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ السَّبَبِ وَلَا وُجُودُهُ كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ الْفِرَاشِ أَوْ ظُهُورِ الْحَبَلِ وَالْإِقْرَارُ بِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْفِرَاشَ إذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا ــ [كشف الأسرار] وَلَا وُجُودُهُ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحَدِّ وَلَا شَرْطًا لَهُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ الْقَبُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ تَكْثِيرُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَهُوَ النِّعْمَةُ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ تَقَعُ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَقَبْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ كَانَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ نِعْمَةَ الْعَقْلِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَبَعْدَمَا شَهِدُوا صَارَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ النِّعَمَ الْمَذْكُورَةَ وَنِعْمَةُ الْإِصَابَةِ مِنْ الْحَلَالِ بِطَرِيقِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ. وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي تَكْثِيرِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ضَرَرٌ زَائِدٌ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ يَتَغَيَّرُ بِهَذَا التَّكْثِيرِ مِنْ الْجَلْدِ إلَى الرَّجْمِ وَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ أَيْ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ حُجَّةٌ فِي إيجَابِ الضَّرَرِ حَدًّا أَوْ عُقُوبَةً كَمَا فِي إيجَابِ الْمَالِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ ثُبُوتُ الْإِحْصَانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ إيجَابَ زِيَادَةِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الضَّرَرِ ثَبَتَتْ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَلِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ اخْتِصَاصٌ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَشْهُودِ بِهِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَلَكِنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ حَتَّى ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمْ الْحُدُودُ وَغَيْرُهَا وَقَدْ تَضَمَّنَتْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ تَكْثِيرَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ كَانَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى الْعَقْلِ وَالدِّينِ أَوْ عَلَيْهِمَا وَعَلَى إصَابَةِ الْحَلَالِ وَمُوجِبُهَا جَلْدُ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا وَجَلْدُ أَرْبَعِينَ فِي الْقَذْفِ وَبِهَذِهِ الشَّهَادَةِ صَارَتْ جِنَايَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَعَلَى الْحُرِّيَّةِ أَيْضًا وَصَارَ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ الرَّجْمَ أَوْ جَلْدَ مِائَةٍ فِي الزِّنَا وَجَلْدَ ثَمَانِينَ فِي الْقَذْفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ ضَرَرٍ تَثْبُتُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ وَشَهَادَتُهُمْ فِيمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلًا. قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ الْمَحْضَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا وُجُودٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمُعْتَدَّةِ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ الْوِلَادَةَ فَشَهِدَتْ الْقَابِلَةُ بِالْوِلَادَةِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ فِرَاشٍ قَائِمٍ أَيْ نِكَاحٍ ثَابِتٍ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ وَلَا كَذَا وَكَذَا وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِشَهَادَتِهَا كَمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ فِي تَعْيِينِ الْوَلَدِ بِلَا خِلَافٍ يَعْنِي إذَا كَانَ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ مَوْجُودًا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ لَا بِشَهَادَتِهَا وَلَكِنْ بِذَلِكَ السَّبَبِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا تَعْيِينُ الْوَلَدِ لَا غَيْرُ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهَا إلَّا تَعْيِينُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ عِنْدَ الْعُلُوقِ فَيَكُونُ انْفِصَالُ الْوَلَدِ مُعَرِّفًا لِلْوَلَدِ الثَّابِتِ نِسْبَةً بِأَحَدِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ كَالْإِحْصَانِ مُعَرِّفًا لِلزِّنَاءِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِالِانْفِصَالِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ وُجُوبُ النَّسَبِ أَيْ ثُبُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْعُلُوقِ مِنْ مَائِهِ لَا وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَمَا صَحَّ سَبَبُهُ عَلَى الْوِلَادَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْوِلَادَةَ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ عِلْمٌ مَحْضٌ مُظْهِرٌ لِنَسَبٍ ثَابِتٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ النَّسَبُ مُضَافًا إلَى الْوِلَادَةِ وُجُوبًا بِهَا وَلَا وُجُودًا عِنْدَهَا كَانَ ثُبُوتُهَا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِثْلَ ثُبُوتِهَا فِي حَالِ قِيَامِ أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ كَالْإِحْصَانِ لَمَّا كَانَ مُعَرَّفًا كَانَ

стр. 1343

وَلَا حَبَلٌ ظَاهِرٌ وَلَا إقْرَارٌ بِهِ كَانَ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وَهُوَ بَاطِنٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ حُكْمًا ثَانِيًا فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَأَمَّا فِي حَقِّنَا فَلَا فَبَقِيَ مُضَافًا إلَى الْوِلَادَةِ فَشُرِطَ لِإِثْبَاتِهَا كَمَالُ الْحُجَّةِ فَأَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الْفِرَاشِ وَالْحَبَلُ فَقَدْ وُجِدَ دَلِيلُ قِيَامِ السَّبَبِ ظَاهِرًا فَصَلَحَ أَنْ يَكُونَ الْوِلَادَةُ مُعَرَّفَةً وَإِذَا عُلِّقَ بِالْوِلَادَةِ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ وَقَدْ شَهِدَتْ امْرَأَتُهَا حَالَ قِيَامِ الْفِرَاشِ وَقَعَ مَا عُلِّقَ بِهِ عِنْدَهُمَا ــ [كشف الأسرار] ثُبُوتُهُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّنَا مِثْلَ ثُبُوتِهِ بِهَا قَبْلَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَذَا وَلَا حَبَلٌ ظَاهِرٌ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي لَمْ يَكُنْ وَجَازَ الْعَطْفُ بِدُونِ الْمُؤَكِّدِ لِلْفَصْلِ وَحَذْفِ خَبَرِ كَانَ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْفِرَاشُ قَائِمًا وَلَا حَبَلٌ ظَاهِرٌ ثَابِتًا وَلَا إقْرَارٌ بِالْحَبَلِ مَوْجُودًا كَانَ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ حُكْمًا ثَابِتًا فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِحَقَائِق الْأُمُورِ فَيَعْلَمُ بِعُلُوقِ الْوَلَدِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَكَانَتْ الْوِلَادَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرِّفِ لِلْوَلَدِ الثَّابِتِ النَّسَبِ بِالنَّظَرِ إلَى عِلْمِهِ ﷻ فَأَمَّا فِي حَقِّنَا فَلَا أَيْ لَا يَكُونُ ثَابِتًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّا نَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا نَعْرِفُ الْبَاطِنَ فَمَا كَانَ بَاطِنًا يُجْعَلُ فِي حَقِّنَا كَالْمَعْدُومِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ النَّازِلِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَالنَّسَبُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ لِعَدَمِ الْفِرَاشِ وَالْحَبَلِ الظَّاهِرِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ فِي حَقِّنَا فَكَانَ ثُبُوتُهُ مُضَافًا إلَى الْوِلَادَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَكَانَتْ الْوِلَادَةُ فِي حَقِّ عِلْمِنَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّسَبِ لَا بِمَنْزِلَةِ الْعَلَامَةِ وَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ بِالْوِلَادَةِ يُشْتَرَطُ لَهَا كَمَالُ الْحُجَّةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ نَسَبًا عَلَى آخَرَ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ الْبَاطِنَ قَدْ اسْتَنَدَ ثُبُوتُهُ إلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ مُثْبِتٌ لِلنَّسَبِ وَكَذَا الْحَبَلُ الظَّاهِرُ حَالَ قِيَامِ الْعِدَّةِ دَلِيلٌ عَلَى الْعُلُوقِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْحَبَلِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ فَصَلَحَ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ عَلَامَةً مُعَرِّفَةً لِلنَّسَبِ الثَّابِتِ حَالَ الِاجْتِنَانِ فَلَمْ يَصِرْ وُجُودُ النَّسَبِ مُضَافًا إلَى الْوِلَادَةِ فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا عَلِقَ بِالْوِلَادَةِ) إلَى آخِرِهِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ وَقَدْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِأَنَّهَا حُبْلَى أَوْ بِهَا حَبَلٌ ظَاهِرٌ فَقَالَتْ قَدْ وَلَدْت يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ الْعَتَاقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْقَابِلَةُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِ الْجَزَاءِ وِلَادَتُهَا وَهِيَ مِمَّا تَقِفُ عَلَيْهَا الْقَابِلَةُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مُجَرَّدُ قَوْلِهَا كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي ثُبُوتِ نَسَبِ الْمَوْلُودِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِبُرُوزٍ مَوْجُودٍ فِي بَاطِنِهَا فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُهَا كَمَا لَوْ قَالَ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَبَلِ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْعِيَانِ فَإِذَا جَاءَتْ فَارِغَةً وَتَقُولُ قَدْ وَلَدْت فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهَا أَوْ يَتَيَقَّنُ بِوِلَادَتِهَا بِخِلَافِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْوِلَادَةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَيُّنُ هَذَا الْوَلَدِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْ غَيْرَ هَذَا مِنْ وَلَدٍ مَيِّتٍ ثُمَّ يَزِيدُ حَمْلُ نَسَبِ هَذَا الْوَلَدِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي تَعْيِينِ الْوَلَدِ إلَّا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فَأَمَّا وُقُوعُ الْجَزَاءِ فَيَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْوِلَادَةِ أَيِّ وَلَدٍ كَانَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِالْوِلَادَةِ إذَا جَاءَتْ فَارِغَةً فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَكَذَا وَلَمْ يَكُنْ بِهَا حَبَلٌ ظَاهِرٌ وَلَمْ يُقِرَّ الزَّوْجُ بِأَنَّهَا حُبْلَى فَقَالَتْ وَلَدْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ لَا يَقَعُ الْجَزَاءُ بِقَوْلِهَا فَإِنْ شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ بِالْوِلَادَةِ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ بِشَهَادَتِهَا وَلَا يَقَعُ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا لَمْ يَشْهَدْ بِالْوِلَادَةِ

стр. 1344

لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِشَهَادَتِهَا وَقَدْ يَثْبُتُ الْوِلَادَةُ بِشَهَادَتِهَا فَيَثْبُتُ مَا كَانَ تَبَعًا لَهُ وَكَذَلِكَ قَالَا فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ إنَّهُ تَبَعٌ لِلْوِلَادَةِ فَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ بِحَقِيقَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوُجُودَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْطِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِكَمَالِ الْحُجَّةِ، وَالْوِلَادَةُ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ مُطْلَقًا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى التَّوَابِعِ كَشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمَةَ ثَيِّبٌ وَقَدْ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ عَلَى الْبَائِعِ بَلْ يُسْتَحْلَفُ الْبَائِعُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ــ [كشف الأسرار] رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَيَقَعُ مَا عَلَّقَ بِهِ أَيْ بِفِعْلِ الْوِلَادَةِ مِنْ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ مُعَلَّقٌ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الْجَزَاءِ غَيْرُ مَقْصُودٍ إثْبَاتُهُ بِشَهَادَتِهَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهَا ظُهُورُ الْوِلَادَةِ وَهُوَ مُعَرَّفٌ لَا يُضَافُ إلَيْهِ الْجَزَاءُ وُجُوبًا بِهِ وَلَا وُجُودًا عِنْدَهُ وَقَدْ تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ بِشَهَادَتِهَا يَعْنِي فِي حَقِّ النَّسَبِ حَتَّى ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْ الزَّوْجِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَثْبُتُ مَا كَانَ تَبَعًا لَهُ أَيْ لِفِعْلِ الْوِلَادَةِ وَهُوَ الْجَزَاءُ الْمُعَلَّقُ بِهِ الْمُفْتَقِرُ ثُبُوتُهُ إلَيْهِ كَالْإِحْصَانِ لَمَّا ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ يَثْبُتُ مَا كَانَ تَبَعًا لَهُ وَهُوَ وُجُوبُ الرَّجْمِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الرَّجْمُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ قَصْدًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِجَارِيَتِهِ إنْ كَانَ بِهَا حَبَلٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتْ الْقَابِلَةُ عَلَى وِلَادَتِهَا صَارَتْ هِيَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا ثُمَّ قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ هُوَ مِنِّي وَلَا أَدْرِي وَلَدَتْهُ أَمْ لَا فَشَهِدَتْ الْقَابِلَةُ بِالْوِلَادَةِ حُكِمَ بِاللِّعَانِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ حُرًّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِذَا جُعِلَتْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ حُجَّةً فِي حُكْمِ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ثُبُوتَهَا بِشَهَادَتِهَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ بَلْ يَثْبُتَانِ تَبَعًا فَلَأَنْ يُجْعَلَ حُجَّةً فِي حَقِّ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَانَ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَالَا أَيْ وَكَمَا قَالَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِشَهَادَتِهَا تَبَعًا لِلْوِلَادَةِ قَالَا يَثْبُتُ اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ أَيْ حَيَاتُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِشَهَادَتِهَا تَبَعًا لِلْوِلَادَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ مُعَرِّفٌ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْوَلَدِ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ لَا تَكُونُ مُضَافَةً إلَيْهِ وُجُوبًا بِهِ وَلَا وُجُودًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ سَابِقَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَإِذَا كَانَ مُعَرَّفًا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ كَمَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى الْمَوْلُودِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ. قَوْلُهُ (وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحَقِيقَةِ الْقِيَاسِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا قَالَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ فَإِنَّ الْقَابِلَةَ شَهِدَتْ بِالْوِلَادَةِ دُونَ الطَّلَاقِ فَإِثْبَاتُ الطَّلَاقِ بِشَهَادَتِهَا عَلَى الْوِلَادَةِ لَا يَخْلُو عَنْ عُدُولٍ عَنْ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَبَيَانُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوِلَادَةَ شَرْطٌ مَحْضٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ عِلَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ حَقِيقَةً إلَى وُجُودِهِ كَدُخُولِ الدَّارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّرَائِطِ، وَالْوُجُودُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْطِ أَيْ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ كَمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِالْعِلَّةِ فَكَانَ وُجُودُهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَكَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعِلَّةِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ نَفْسُ الْمَشْرُوطِ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَلَا عِلَّتُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ لَا يَثْبُتُ الشَّرْطُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ لِتَعَلُّقِ وُجُودِهِ بِهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ كَلَامِهِمَا فَقَالَ وَالْوِلَادَةُ لَمْ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلِيَّةٍ بَلْ هِيَ حُجَّةٌ يُكْتَفَى بِهَا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ. وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ هَاهُنَا فِي ثُبُوتِ نَفْسِ الْوِلَادَةِ وَمَا هُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ الْوِلَادَةُ عَنْهَا كَالنَّسَبِ وَأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَاللِّعَانِ عِنْدِ النَّفْيِ لِلْوَلَدِ فَتَثْبُتُ الْوِلَادَةُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالِاسْتِهْلَالُ

стр. 1345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فَلَيْسَتْ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْوِلَادَةِ وَلَا أَثَرَ لِلْوِلَادَةِ فِي إثْبَاتِهَا فَلَا تَثْبُتُ الْوِلَادَةُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى التَّوَابِعِ أَيْ إلَى التَّوَابِعِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَتُقْبَلُ فِي أَصْلِ الْوِلَادَةِ لَا فِي وَصْفِهَا فَلَمْ يَثْبُتْ وَصْفُ كَوْنِهَا شَرْطًا فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَعَلَّقُ ثُبُوتُهُ بِالْوِلَادَةِ بَلْ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ وَقْتَ الْعُلُوقِ فَإِذَا شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ بِشَهَادَتِهَا وَظَهَرَ أَنَّ النَّسَبَ كَانَ ثَابِتًا بِالْفِرَاشِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْوِلَادَةِ اتِّصَالٌ بِالنَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَكُنْ نَظِيرَ الطَّلَاقِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ اسْتِهْلَالُ الْمَوْلُودِ فِي حُكْمِ الْإِرْثِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْوَلَدِ كَانَتْ غَيْبًا عَنَّا وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اسْتِهْلَالِهِ فَتَصِيرُ مُضَافَةً لَهُ إلَيْهِ فِي حَقِّنَا وَالْإِرْثُ يَبْتَنِي عَلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ كَشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى كَذَا إذَا اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا ثَيِّبٌ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ فَالْقَاضِي يُرِيهَا النِّسَاءَ فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ ثَبَتَ الْعَيْبُ فِي حَقِّ تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ دُونَ الرَّدِّ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثُّيُوبَةَ لَمْ تَثْبُتَ مُطَلَّقَةً؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِسَبَبِ الْعَيْبِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَكُنْ شَهَادَتُهُنَّ حُجَّةً فِيهِ وَلَكِنَّ إثْبَاتَهُ فِي نَفْسِهَا مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالِ فَتَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ كَتَعَيُّنِ الْوَلَدِ فَيَثْبُتُ عَيْبُ إثْبَاتِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَصْلُحُ لِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا لِلرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ وَلَمَّا تَوَجَّهَتْ الْخُصُومَةُ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهَا إلَّا الِاسْتِحْلَافَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْقَبْضِ بِاَللَّهِ لَقَدْ سَلَّمْتهَا بِحُكْمِ الْبَيْعِ وَمَا بِهَا هَذَا الْعَيْبُ وَقَبْلَ الْقَبْضِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِهَا هَذَا الْعَيْبُ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي فِي الْحَالِ فَإِنْ حَلَفَ فَلَا خُصُومَةَ وَإِنْ نَكَلَ فَحِينَئِذٍ يُرَدُّ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْوِلَادَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَتُجْعَلُ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا وَمِثْلُهُ الْبَيْعُ الثَّابِتُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ دُونَ خِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الْخُصُومَةَ إنْ كَانَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ الْقَبْضِ ضَعِيفٌ حَتَّى يَنْفَرِدَ الْمُشْتَرِي بِالرَّدِّ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ وَلِلْقَبْضِ شَبَهٌ بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْيَدِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التِّجَارَاتِ بِهِ فَالرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ يُشْبِهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْقَبُولِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِيهِ إلَى نَقْلِ الضَّمَانِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَتُجْعَلُ حُجَّةً فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَلَا يُفْصَلُ الْحُكْمُ بِهَا مَا لَمْ يَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ وَهُوَ نُكُولُ الْبَائِعِ وَأَمَّا قَبُولُ عَلِيٍّ ﵁ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ فِي الِاسْتِهْلَالِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْقَبُولِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا قُبِلَتْ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَخَبَرُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ فِيهَا كَشَهَادَتِهَا عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَلَا يَثْبُتُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ الْمَشْهُودُ بِهِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 1346

بَابُ تَقْسِيمِ الْعَلَامَةِ) : أَمَّا الْعَلَامَةُ فَمَا يَكُونُ عَلَمًا عَلَى الْوُجُودِ عَلَى مَا قُلْنَا وَقَدْ تُسَمَّى الْعَلَامَةُ شَرْطًا وَذَلِكَ مِثْلُ الْإِحْصَانِ فِي الزِّنَا عَلَى مَا قُلْنَا فَصَارَتْ الْعَلَامَةُ نَوْعًا وَاحِدًا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَذْفِ إنَّ الْعَجْزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ عَلَامَةٌ لِجِنَايَتِهِ لَا شَرْطٌ بَلْ هُوَ مُعَرِّفٌ فَيَكُونُ سُقُوطُ الشَّهَادَةِ سَابِقًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ بِخِلَافِ الْجَلْدِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ تَقْسِيمِ الْعَلَامَةِ] قَوْلُهُ (فَمَا يَكُونُ عَلَمًا عَلَى الْوُجُودِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا وُجُودٌ عَلَى مَا قُلْنَا قُبَيْلَ بَابِ تَقْسِيمِ السَّبَبِ وَقَدْ تُسَمَّى الْعَلَامَةُ شَرْطًا يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْحُكْمِ نَوْعٌ تَعَلُّقٍ بِهِ مِثْلُ الْإِحْصَانِ فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَلَامَةً كَمَا بَيَّنَّا لَكِنْ الْحُكْمُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ عَدَمِهِ كَانَ فِيهِ جِهَةُ الشَّرْطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى شَرْطًا فَصَارَتْ الْعَلَامَةُ أَيْ الْعَلَامَةُ الْمَحْضَةُ نَوْعًا وَاحِدًا وَهِيَ مِثْلُ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَلَامَاتُ الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ بِوَجْهٍ وَمِثْلُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ مُعَرِّفٌ مَحْضٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ فِي عَقْدِ الْبَابِ تَقْسِيمَ الْعَلَامَةِ ثُمَّ قَالَ هِيَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَمَا وَجْهُهُ قُلْنَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَلَامَةَ الْمَحْضَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ نَوْعٌ وَاحِدٌ لَكِنْ الْعَلَامَةُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ كَالْإِحْصَانِ وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ كَعِلَلِ الشَّرْعِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَلَامَاتِ لِلْأَحْكَامِ غَيْرِ مُوجِبَةٍ بِذَوَاتِهَا شَيْئًا فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تُوجِبُ بِذَوَاتِهَا شَيْئًا كَانَتْ إعْلَامًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَنْقَسِمَ الْعَلَامَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا انْقَسَمَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ وَالشَّرْطُ وَإِلَى التَّقْسِيمِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ تُسَمَّى الْعَلَامَةُ شَرْطًا. قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) إلَى آخِرِهِ وَالْقَذْفُ بِنَفْسِهِ لَا يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا كَمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الشُّهُودِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ نَفْسُهُ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْعَجْزِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ الْقَاذِفُ فِي حَادِثَةٍ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تُقْبَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] . وَأَشَارَ إلَى الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] أَيْ لِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ وَالْفِسْقُ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَيُوجِبُ بِنَفْسِهِ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذِكْرَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِبَيَانِ أَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ جِنَايَةٌ لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ قَذْفًا وَكَذِبًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَجْزِ بَلْ هُوَ كَذِبٌ مِنْ الْأَصْلِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَعْرِفُ كَوْنَهُ كَذِبًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صِدْقًا فَبِالْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَظْهَرُ كَوْنُهُ كَذِبًا مِنْ الْأَصْلِ عِنْدَهُ وَأَنَّ الشَّهَادَةَ كَانَتْ مَرْدُودَةً لَا أَنَّهَا صَارَتْ مَرْدُودَةً بِالْعَجْزِ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَانَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَ زَيْدٌ فِي آخِرِ الْيَوْمِ مِنْ الدَّارِ كَانَ خُرُوجُهُ مُبَيِّنًا أَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ حِينَ أَوْجَبَ لَا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْخُرُوجِ فَكَانَ الْخُرُوجُ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فَكَذَا الْعَجْزُ هَا هُنَا وَقَوْلُهُ فَيَكُونُ سُقُوطُ الشَّهَادَةِ إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَا جَعَلْت الْعَجْزَ مُعَرِّفًا فِي حَقِّ سُقُوطِ الشَّهَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَلْدِ حَتَّى يَثْبُتَ الْجَلْدُ قَبْلَ الْعَجْزِ كَالسُّقُوطِ لِأَنَّ الْعَجْزَ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْحُكْمَيْنِ بِنَظْمٍ وَاحِدٍ فَقَالَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ عَلَامَةً فِي حَقِّ سُقُوطِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ أَيْ سُقُوطُ الشَّهَادَةِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ أَيْ شَرْعِيٌّ فَيُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقَذْفِ سَابِقًا عَلَى الْعَجْزِ وَجُعِلَ الْعَجْزُ فِي حَقِّهِ مُعَرِّفًا بِخِلَافِ الْجَلْدِ لِأَنَّهُ

стр. 1347

وَذَلِكَ أَنَّ الْقَذْفَ كَبِيرَةٌ وَهَتْكٌ لِعِرْضِ الْمُسْلِمِ وَالْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ الْعِفَّةُ فَصَارَ كَبِيرَةً بِنَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَالْعَجْزُ مُعَرِّفٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْكِتَابِ فِي جَزَاءِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِعْلٌ كُلُّهُ وَهُوَ الْجَلْدُ وَإِبْطَالُ الشَّهَادَةِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ وَلَا تَقْبَلُوا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ مُعَرِّفًا كَمَا لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَلْدِ. ــ [كشف الأسرار] فِعْلٌ يُقَامُ عَلَى الْقَاذِفِ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقَذْفِ سَابِقًا عَلَى الْعَجْزِ فَكَانَ الْعَجْزُ فِيهِ شَرْطًا لِأَنَّ إقَامَةَ الْجَلْدِ يَصِيرُ مُضَافَةً إلَيْهِ وُجُودًا عِنْدَهُ. وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُ الْعَجْزِ مُعَرِّفًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَذْفَ كَبِيرَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ وَهَتْكِ سَتْرِ الْعِفَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا لِأَنَّ الْعَقْلَ وَالدِّينَ يَمْنَعَانِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَصَارَ الْقَذْفُ بِنَفْسِهِ كَبِيرَةً وَكَذِبًا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْكَبَائِرِ فِي ثُبُوتِ سِمَةِ الْفِسْقِ وَسُقُوطِ الشَّهَادَةِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا وَبِالْعَجْزِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَيَتَبَيَّنُ كَذِبُهُ مِنْ الْأَصْلِ كَانَ الْعَجْزُ مُعَرِّفًا فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ ثُمَّ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ فَيَنْقُضُ قَضَاؤُهُ. كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ رَجُلٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْحِسْبَةِ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ التَّرَدُّدَ فِي نَفْسِ الْجِنَايَةِ بَلْ التَّرَدُّدُ فِي عِلْمِ الْقَاضِي وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِالْجِنَايَةِ مِنْ الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمِثْلِ هَذَا التَّرَدُّدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ قَائِمٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَهَا تُقْبَلُ مَعَ ذَلِكَ يَصِيرُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْكِتَابِ فِي جَزَاءِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] فِعْلٌ كُلُّهُ أَيْ لَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَمْرٌ حُكْمِيٌّ وَالْآخَرُ فِعْلٌ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلٌ خُوطِبَ الْإِمَامُ بِإِقَامَتِهِ عَلَى الْقَاذِفِ وَهُوَ أَيْ الْفِعْلُ الثَّابِتُ بِالْكِتَابِ الْجَلْدُ وَإِبْطَالُ الشَّهَادَةِ لَا سُقُوطُ الشَّهَادَةِ بَلْ السُّقُوطُ حُكْمُ الْإِبْطَالِ لَا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِلْقَذْفِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا عَطْفًا أَيْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ الْأَئِمَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَلَا تَقْبَلُوا مُخَاطِبًا لَهُمْ أَيْضًا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلًا خُوطِبَ الْأَئِمَّةُ بِإِقَامَتِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ فِعْلًا وَيَكُونُ أَمْرًا حُكْمِيًّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلًا لَمْ يَصْلُحْ الْعَجْزُ أَنْ يُجْعَلَ مُعَرِّفًا لِلْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ كَمَا لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ أَيْ لَمْ يُجْعَلْ مُعَرِّفًا فِي حَقِّ الْجَلْدِ بَلْ يُجْعَلُ شَرْطًا لِإِبْطَالِ الشَّهَادَةِ كَمَا جُعِلَ شَرْطًا لِلْجَلْدِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرَغْرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] شَرْطٌ. وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ شَرْطًا لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الشَّرْطِ شَرْطٌ كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِنِسَائِهِ: الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ ثُمَّ تُكَلِّمُ زَيْدًا فَهِيَ طَالِقٌ كَانَ كَلَامُ زَيْدٍ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِثْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ الْجَلْدُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقًا بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ رَدُّ الشَّهَادَةِ مُتَعَلِّقًا بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ لِتَأَدِّيهِ إلَى إلْغَاءِ الشَّرْطِ الثَّانِي فِي حَقِّهِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَجْزَ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِعَلَامَةٍ مَحْضَةٍ أَنَّا نَحْتَاجُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّعْرِيفِ أَيْ جَعْلِهِ مُعَرِّفًا إلَى أَنْ نُثْبِتَ أَنَّ الْقَذْفَ بِنَفْسِهِ كَبِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْفِسْقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀. وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ لَيْسَ الْقَذْفُ بِنَفْسِهِ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ حِسْبَةً فَإِنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ يُقْبَلُ وَيُتَيَقَّنُ أَنَّهُ مُحْتَسِبٌ بِذَلِكَ الْقَذْفِ فِي إقَامَةِ حَدِّ الشَّرْعِ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَعْوَى الزِّنَا بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ إذَا عَلِمَ إصْرَارَهُ عَلَيْهِ وَوَجَدَ

стр. 1348

وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّا نَحْتَاجُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّعْرِيفِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْقَذْفَ بِنَفْسِهِ كَبِيرَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ حِسْبَةً فِي إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا فَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرَةً مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْعِفَّةَ أَصْلٌ فَنَعَمْ لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ صَلُحَ لِذَلِكَ لَمَا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ أَبَدًا لَكِنْ الْإِطْلَاقُ لَمَّا كَانَ بِشَرْطِ الْحِسْبَةِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِشُهُودِ حُضُورٍ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ إلَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ وَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ أَوْ إلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ ثُمَّ لَمْ يُؤَخَّرُ حُكْمٌ قَدْ ظَهَرَ لِمَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ ــ [كشف الأسرار] أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ كَبِيرَةً بِنَفْسِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا أَصْلًا لِأَنَّهُ إشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِخْفَاءُ فَإِذَا احْتَمَلَ الْقَذْفُ أَنْ يَكُونَ حِسْبَةً قَبْلَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَبَعْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ يَصِيرُ الْقَذْفُ جِنَايَةً مُقْتَصِرَةً عَلَى الْحَالِ لَا أَنَّهُ ظَهَرَ كَوْنُهُ جِنَايَةً مِنْ الْأَصْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قُذِفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهِمَا لِمَوْتِهِمْ أَوْ لِغَيْبَتِهِمْ أَوْ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْأَدَاءِ فَيَصِيرُ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ لَكِنْ بِسَبَبِ الْفِسْقِ لَا بِطَرِيقِ الْحَدِّ حَتَّى إذَا تَابَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُسْقِطُ شَهَادَتُهُ حَدًّا قَبْلَ الْجَلْدِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِإِبْطَالِ شَهَادَتِهِ تَتْمِيمًا لِلْحَدِّ وَالْبُطْلَانُ حُكْمُ الْإِبْطَالِ فَلَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الْعِفَّةُ أَصْلٌ فَنَعَمْ أَيْ نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِفَّةَ أَصْلٌ وَلَكِنَّهُ أَيْ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَاذِفِ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَصْلُحُ دَافِعًا لَا مُثْبِتًا فَيَصْلُحُ هَذَا الْأَصْلُ لِدَفْعِ الزِّنَا عَنْ الْمَقْذُوفِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ زِنَاهُ بِقَذْفِهِ وَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَاذِفِ وَلَوْ صَلَحَ هَذَا الْأَصْلُ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَاذِفِ لَمَا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْقَاذِفِ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ لِأَنَّهُ كَمَا اسْتَحَقَّ عَلَى الْقَاذِفِ بِهَذَا الْأَصْلِ رَدَّ شَهَادَتِهِ اسْتَحَقَّ بِهِ عَلَى الشُّهُودِ رَدَّ شَهَادَتِهِمْ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَذَفَهُ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِذًا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ زِنًا بِالْبَيِّنَةِ أَصْلًا وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ الشَّرْعِ قَوْلُهُ (لَكِنْ الْإِطْلَاقُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرَةً بَلْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالُ الْحِسْبَةِ قَائِمًا حَتَّى قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ حِسْبَةً كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ أَصْلًا فَقَالَ نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْإِطْلَاقَ أَيْ تَجْوِيزَ الْقَذْفِ وَالْإِقْدَامَ عَلَى دَعْوَى الزِّنَا لَمَّا كَانَ بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَنْ ضَغِينَةٍ لَا تَحِلُّ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَذَلِكَ أَيْ الْقَذْفُ حِسْبَةٌ لَا تَحِلُّ إلَّا بِشُهُودٍ حُضُورٍ أَيْ فِي الْبَلَدِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ شُهُودٌ غُيَّبٌ لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْهِلُهُ الْقَاضِي إلَى إحْضَارِهِمْ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ أَيْ تَأْخِيرُ الْقَذْفِ يَعْنِي تَأْخِيرُ حُكْمِهِ وَهُوَ الْحَدُّ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ إلَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ أَيْ إلَى زَمَانٍ يَتَمَكَّنُ الْقَاذِفُ بِهِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ عَمَلًا بِاحْتِمَالِ الْحِسْبَةِ وَذَلِكَ أَيْ التَّأْخِيرُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَةِ الشُّهُودِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. أَوْ إلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَهُوَ الْمَجْلِسُ الثَّانِي فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقَاذِفَ إذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً أُجِّلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيَامِ الْقَاضِي مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِقَ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ يُمْهَلُ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي لِيُحْضِرَ شُهُودَهُ لِأَنَّ الْقَذْفَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ بِشَرْطِ الْعَجْزِ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِمْهَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا ادَّعَى دَفْعًا أَوْ طَعْنًا فِي الشُّهُودِ يُمْهَلُ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي لِيَأْتِيَ بِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سَبَبَ وُجُودِ الْحَدِّ ظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِقَامَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمَقْذُوفِ بِتَأْخِيرِ دَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ وَلَكِنْ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ لَا يَكُونُ تَأْخِيرًا فَلَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْجَلَّادُ فَلِهَذَا جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يُمْهِلَهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِقَ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يُؤَخَّرْ حُكْمٌ قَدْ ظَهَرَ أَيْ لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْإِمْهَالِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ أَوْ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي تَأْخِيرُ حُكْمٍ قَدْ ظَهَرَ وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْعَجْزُ لَا يَتَحَقَّقُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدُ كَمَا فِي

стр. 1349

فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الزِّنَا قَبِلْنَاهَا وَأَقَمْنَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا وَأَبْطَلْنَا عَلَى الْقَاذِفِ رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ لَمْ نُقِمْ الْحَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَأَبْطَلْنَا رَدَّ الشَّهَادَةِ عَنْ الْقَاذِفِ كَذَلِكَ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى غَيْرَ فَصْلِ التَّقَادُمِ وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ. (بَابُ بَيَانِ الْعَقْلِ) : وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْبَشَرِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَقْلِ أَهُوَ مِنْ الْعِلَلِ الْمُوجِبَةِ أَمْ لَا فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ الْعَقْلَ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِمَا اسْتَحْسَنَهُ مُحَرِّمَةٌ ــ [كشف الأسرار] قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ النُّصْرَةَ فَكَذَا لَا يَتَحَقَّقُ الْعَدَمُ إلَّا فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْإِتْيَانِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حُكْمٍ قَدْ ظَهَرَ وَهُوَ الْحَدُّ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى إقَامَةِ الشُّهُودِ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْعَجْزُ الْخَالِي كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ لَا الْعَجْزُ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ إذْ لَوْ شُرِطَ الْعَجْزُ فِي الْعُمُرِ لَمْ يَبْقَ لِإِيجَابِ الْحَدِّ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ فَائِدَةٌ إذْ لَا يُمْكِنُ إقَامَتُهُمَا عَلَى الْقَاذِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَوْلُهُ (فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاذِفِ الْحَدُّ يَعْنِي لَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَقْذُوفِ لَمْ يَبْطُلْ احْتِمَالُ الْحِسْبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْقَاذِفِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ يَشْهَدُونَ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ يُقْبَلُ وَيُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ إنْ لَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ وَيَصِيرُ الْقَاذِفُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ كَانَ بِحَسْبِ ظُهُورِ عَجْزِهِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ لَمْ نُقِمْ الْحَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّقَادُمَ مَانِعٌ مِنْ الْقَبُولِ فِي حَقِّ الْحَدِّ وَأَبْطَلْنَا رَدَّ الشَّهَادَةِ عَنْ الْقَاذِفِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ التَّقَادُمِ فِيهِ بِالْمَنْعِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِسَرِقَةٍ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمَالِ وَلَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْحَدِّ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى أَيْ مِثْلُ مَا أَجَبْنَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ أَبُو الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيِّ الْجَوَابَ فِي الْمُنْتَقَى غَيْرَ فَصْلِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَيْ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مَذْكُورٌ فِيهِ دُونَ الثَّانِي هَذَا هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ التَّقَادُمَ مَذْكُورٌ فِي الْمُنْتَقَى أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ يَصِيرُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ هَذَا قَوْلُ أَحَدِهِمَا وَقَوْلُ الْآخَرِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ حُكْمٌ بِكَذِبِ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا وَكُلُّ شَهَادَةٍ جَرَى الْحُكْمُ بِتَعَيُّنِ جِهَةِ الْكَذِبِ فِيهَا لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً أَصْلًا كَالْفَاسِقِ إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ قَوْلُهُ (وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمَشْرُوعَةُ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَالْعَلَامَةِ. [بَابُ بَيَانِ الْعَقْلِ] لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ عَدِيمِ الْعَقْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَوْ يَتَّصِلُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى هَاهُنَا بَابُ بَيَانِ الْعَقْلِ لِأَنَّهَا بَيَانُ خِطَابَاتِ الشَّارِعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَالْخِطَابُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَكَانَ بَيَانُ الْعَقْلِ وَأَحْكَامُهُ مِنْ اللَّوَازِمِ (قَوْلُهُ اخْتَلَفَ النَّاسُ) أَيْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ فِي كَذَا فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِمَا اسْتَحْسَنَهُ مِثْلَ مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَإِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى مُحَرِّمَةٌ لِمَا اسْتَقْبَحَهُ مِثْلَ الْجَهْلِ بِالصَّانِعِ ﷻ وَالْكُفْرَانِ بِنَعْمَائِهِ وَالْعَبَثِ وَالسَّفَهِ وَالظُّلْمِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ

стр. 1350

لِمَا اسْتَقْبَحَهُ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ فَوْقَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَمْ يُجَوِّزُوا أَنْ يَثْبُتَ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الْعُقُولُ أَوْ تُقَبِّحُهُ وَجَعَلُوا الْخِطَابَ مُتَوَجِّهًا بِنَفْسِ الْعَقْلِ وَقَالُوا لَا عُذْرَ لِمَنْ عَقَلَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فِي الْوَقْفِ عَنْ الطَّلَبِ وَتَرْكِ الْإِيمَانِ وَقَالُوا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ مُكَلَّفٌ عَلَى الْإِيمَانِ وَقَالُوا فِيمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَمْ يَعْتَقِدْ إيمَانًا وَلَا كُفْرًا وَغَفَلَ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ أَنْ لَا عِبْرَةَ بِالْعَقْلِ أَصْلًا دُونَ السَّمْعِ وَإِذَا جَاءَ السَّمْعُ فَلَهُ الْعِبْرَةُ لَا لِلْعَقْلِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵀ ــ [كشف الأسرار] فَوْقَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِذَوَاتِهَا بَلْ هِيَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَيَجْرِي فِيهَا النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ وَالْعَقْلُ بِذَاتِهِ مُوجِبٌ وَمُحَرِّمٌ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا التَّبْدِيلُ فَكَانَ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ فَوْقَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ فِيهِ أَنَّ الشَّرْعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَارِدًا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ لَحَكَمَ الْعَقْلُ بِوُجُوبِهَا وَحُرْمَتِهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ ثُبُوتُهُمَا عَلَى السَّمْعِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ الصَّابُونِيُّ ﵀ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ بِالْعَقْلِ لَيْسَ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ بِفِعْلِهِ أَوْ الْعِقَابِ بِتَرْكِهِ إذْ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بِوُرُودِ السَّمْعِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ إمْكَانُ الْوُقُوفِ عَلَيْهِمَا فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِاللُّزُومِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوُجُوبِ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْعَقْلِ نَوْعُ تَرْجِيحٍ لِلْإِيمَانِ بِرَبِّهِ وَالِاعْتِرَافِ بِخَالِقِهِ وَإِضَافَةِ وُجُودِهِ وَبَقَائِهِ إلَى إيجَادِهِ وَإِبْقَائِهِ وَمِنْ الْحُرْمَةِ أَنْ يَثْبُتَ نَوْعُ تَرْجِيحٍ لِلْمَنْعِ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَالِكِهِ وَاعْتِرَافٌ بِالْأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ خَالِقِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ أَنَّ التَّرْكَ وَالْإِتْيَانَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ نَعْقِلُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ يُوجِبُ نَوْعَ مِدْحَةٍ وَالِامْتِنَاعَ عَنْهُ يُوجِبُ نَوْعَ لَائِمَةٍ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ذَلِكَ يَعْنِي يَعْرِفُ بِالْعَقْلِ تَرْجِيحَ جَانِبِ الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ الْجَزَاءَ هُوَ الْجَنَّةُ أَوْ النَّارُ أَوْ غَيْرُهُمَا وَكَذَا الشُّكْرُ إظْهَارُ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ وَمَتَى عَرَفَ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكُفْرَانُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ عَقْلَهُ يَمْنَعُهُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُجَوِّزُوا أَنْ يَثْبُتَ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ مَا لَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ أَوْ تُقَبِّحُهُ فَأَنْكَرُوا ثُبُوتَ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا قَائِلِينَ بِأَنَّ رُؤْيَةَ مَوْجُودٍ بِلَا جِهَةٍ وَكَيْفَ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرُّؤْيَةِ مِنْ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَسَافَةٍ مُقَدَّرَةٍ لَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَلَا فِي غَايَةِ الْقُرْبِ مِمَّا لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ الْعَقْلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ بِثُبُوتِهَا النَّصُّ. وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمُتَشَابِهَ مِمَّا لَا حَظَّ لِلرَّاسِخِينَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إنْزَالُ الْمُتَشَابِهِ أَمْرًا بِاعْتِقَادِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ الْقَبَائِحُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي دَاخِلَةً تَحْتَ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ وَلِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى إرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مِمَّا يُقَبِّحُهُ الْعُقُولُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ وَجَعَلُوا الْخِطَابَ أَيْ التَّكْلِيفَ بِالْإِيمَانِ مُتَوَجِّهًا بِنَفْسِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ أَصْلٌ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ عِنْدَهُمْ فَوْقَ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَإِذَا صَارَ الْإِنْسَانُ بِحَالٍ يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حَقِّهِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَقَالُوا لَا عُذْرَ لِمَنْ عَقَلَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فِي الْوَقْفِ أَيْ الْوُقُوفِ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ وَتَرْكِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ فَكَانَ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ مُكَلَّفًا بِالْإِيمَانِ وَكَانَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ أَصْلًا وَنَشَأَ عَلَى شَاهِقِ جَبَلٍ فَلَمْ يَعْتَقِدْ إيمَانًا وَلَا كُفْرًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِوُجُودِ مَا يُوجِبُ الْإِيمَانَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْعَقْلُ وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَقْلِ أَصْلًا يَعْنِي لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحِهَا بِدُونِ السَّمْعِ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَابِ الْأَشْيَاءِ وَتَحْرِيمِهَا بِحَالٍ بَلْ الْمُوجِبُ هُوَ السَّمْعُ حَتَّى أَبْطَلُوا إيمَانَ الصَّبِيِّ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي حَقِّهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ عَقْلِهِ فَكَانَ إيمَانُهُ مِثْلَ إيمَانِ

стр. 1351

حَتَّى أَبْطَلُوا إيمَانَ الصَّبِيِّ وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَغَفَلَ عَنْ الِاعْتِقَادِ حَتَّى هَلَكَ إنَّهُ مَعْذُورٌ قَالُوا وَلَوْ اعْتَقَدَ الشِّرْكَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ أَنَّهُ مَعْذُورٌ أَيْضًا وَهَذَا الْفَصْلُ أَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ شِرْكَهُ مَعْذُورًا تَجَاوَزَ عَنْ الْحَدِّ كَمَا تَجَاوَزَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَنْ الْحَدِّ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ هُوَ قَوْلُنَا إنَّ الْعَقْلَ مُعْتَبَرٌ لِإِثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ ــ [كشف الأسرار] صَبِيٍّ غَيْرِ عَاقِلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا تَجَاوَزَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَنْ الْحَدِّ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِمْ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَغَفَلَ عَنْ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ تَمَسَّكَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] نَفَى الْعَذَابَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَمَّا انْتَفَى الْعَذَابُ عَنْهُمْ انْتَفَى عَنْهُمْ حُكْمُ الْكُفْرِ وَبَقُوا عَلَى الْفِطْرَةِ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] أَخْبَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ كَانَتْ قَائِمَةً لَهُمْ قَبْلَ الرُّسُلِ عَلَى تَرْكِهِمْ لِلْإِيمَانِ فَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ قَبْلَ السَّمْعِ مُوجِبًا لَكَانَتْ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ تَامَّةً فِي حَقِّهِمْ وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ يَقُولُونَ لِلْكَافِرِينَ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَيَقُولُونَ بَلَى فَتَلْزَمُهُمْ الْحُجَّةُ فَأَلْزَمَهُمْ اسْتِيجَابَهُمْ النَّارَ بِالرُّسُلِ لَا بِالْعُقُولِ وَحْدَهَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١] أَخْبَرَ أَنَّ الْإِهْلَاكَ بِالْعَذَابِ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ كَانَ ظُلْمًا وَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ بِنَفْسِهِ حُجَّةً لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْهَوَى غَالِبًا فِي النُّفُوسِ شَاغِلًا لِلْعُقُولِ بِعَاجِلِ الْمَنَافِعِ وَالْحُظُوظِ فَيَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ الْبِنْيَةِ فِي فَكِّ عَقْلِهِ عَنْ أَسْرِ الْهَوَى وَتَنْبِيهِ قَلْبِهِ عَنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ بِلَا شَرْعٍ حَرَجًا أَكْثَرَ مِنْ حَرَجِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ بِسَبَبِ نُقْصَانِ عَقْلِهِ لِإِدْرَاكِ مَا يُدْرِكُهُ الْبَالِغُ ثُمَّ ذَلِكَ الْعُذْرُ أَسْقَطَ عَنْ الصَّبِيِّ وُجُوبَ الِاسْتِدْلَالِ بِعَقْلِهِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ الْخِطَابَ فَلَأَنْ يَسْقُطَ الِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ قَبْلَ إعَانَةِ الْوَحْيِ كَانَ أَوْلَى وَتَمَسَّكَ مَنْ جَعَلَ الْعَقْلَ حُجَّةً مُوجِبَةً بِدُونِ السَّمْعِ بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ قَبْلَ الْوَحْيِ فَإِنَّهُ قَالَ أَرَاك وَلَمْ يَقُلْ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَقْلُ بِنَفْسِهِ حُجَّةً وَكَانُوا مَعْذُورِينَ لَمَا كَانُوا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِالنُّجُومِ فَعَرَفَ رَبَّهُ مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهُ حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ الْكُفَّارَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنْ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ عُمْيٌ بِتَرْكِ التَّأَمُّلِ وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ لَمَّا عُوتِبُوا بِمُطْلَقِ التَّرْكِ وَبِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وَلَمْ يَقُلْ نُسْمِعُهُمْ وَنُوحِي إلَيْهِمْ. وَقَالَ ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ الِاسْتِدْلَالِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَحْيِ وَأَنَّ الْعُذْرَ يَنْقَطِعُ بِالْعَقْلِ وَحْدَهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ كِفَايَةُ الْمَعْرِفَةِ لَمَا انْقَطَعَ بِهِ الْعُذْرُ، وَبِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَآيَاتُ الْحَدَثِ فِي الْعَالَمِ أَدَلُّ عَلَى الْمُحْدِثِ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ بِالْعَقْلِ كِفَايَةُ مَعْرِفَةِ الْمُعْجِزَةِ وَالرِّسَالَةِ كَانَ بِهِ كِفَايَةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَلَمَّا كَانَ بِالْعَقْلِ كِفَايَةٌ كَانَ بِنَفْسِهِ حُجَّةٌ بِدُونِ الشَّرْعِ وَلَزِمَ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا يَجِبُ وَبِالشَّرْعِ وَبِسَائِرِ الْحُجَجِ إذَا قَامَتْ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَالْأَسْرَارِ قَوْلُهُ (وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ هُوَ قَوْلُنَا أَنَّ الْعَقْلَ) غَيْرُ مُوجِبٍ بِنَفْسِهِ لَا كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ وَغَيْرُ مُهْدَرٍ أَيْضًا لَا كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الثَّانِي فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلَالَاتِ الْعُقُولِ وَحْدَهَا فَقَدْ قَصَّرَ. وَمَنْ

стр. 1352

وَهُوَ مِنْ أَعَزِّ النِّعَمِ خُلِقَ مُتَفَاوِتًا فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ نُورٌ فِي بَدَنِ الْآدَمِيِّ مِثْلُ الشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ الْأَرْضِ تُضِيءُ بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي مَبْدَؤُهُ مِنْ حَيْثُ يَنْقَطِعُ إلَيْهِ أَثَرُ الْحَوَاسِّ ثُمَّ هُوَ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ وَإِذَا وَضَحَ لَنَا الطَّرِيقُ كَانَ الدَّرْكُ لِلْقَلْبِ بِفَهْمِهِ كَشَمْسِ الْمَلَكُوتِ الظَّاهِرِ إذَا بَزَغَتْ وَبَدَا شُعَاعُهَا وَوَضَحَ الطَّرِيقُ كَانَ الْعَيْنُ مُدْرِكَةً بِشِهَابِهَا وَمَا بِالْعَقْلِ كِفَايَةٌ بِحَالٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِالْإِيمَانِ حَتَّى إذَا عَقَلَتْ الْمُرَاهِقَةُ وَلَمْ تَصِفْ وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ مُسْلِمٍ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَمْ تُجْعَلْ مُرْتَدَّةً وَلَمْ تَبِنْ مِنْ زَوْجِهَا ــ [كشف الأسرار] أَلْزَمَ الِاسْتِدْلَالَ بِلَا وَحْيٍ وَلَمْ يَعْذُرْهُ بِغَلَبَةِ الْهَوَى مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَقَدْ غَلَا بَلْ الْعَقْلُ مُعْتَبَرٌ لِإِثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ أَيْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ إذْ الْخِطَابُ لَا يُفْهَمُ بِدُونِ الْعَقْلِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ قَبِيحٌ فَكَانَ الْعَقْلُ مُعْتَبَرًا لِإِثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ. ١ - وَهُوَ مِنْ أَعَزِّ النِّعَمِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْتَازُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا وَلِمَعْرِفَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا خُلِقَ مُتَفَاوِتًا فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ هَذَا نَفْيٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّ الْعَقْلَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَيْسَ بِمُتَفَاوِتٍ فِي الْبَشَرِ كَالْحَيَوَانِيَّةِ وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ وَذَلِكَ مِنْهُمْ إنْكَارُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ فَإِنَّا نَرَى تَفَاوُتَ حِدَّةَ الْأَذْهَانِ وَجَوْدَةَ الْقَرَائِحِ فِي الصِّبْيَانِ فِي أَوَّلِ نُشُوئِهِمْ، وَكَذَا فِي الْبَالِغِينَ مِنْ غَيْرِ جُهْدٍ سَبَقَ مِنْهُمْ وَلَا تَجْرِبَةٍ وَلَا تَعَلُّمٍ فَإِنْكَارُ ذَلِكَ كَانَ كَإِنْكَارِ تَفَاوُتِ الْخَلْقِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ قَبْلَ هَذَا يَعْنِي فِي بَابِ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي أَنَّهُ أَيْ الْعَقْلَ نُورٌ فِي بَدَنِ الْآدَمِيِّ. وَقِيلَ مَحَلُّهُ مِنْهُ الرَّأْسُ وَقِيلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ يُضِيءُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ النُّورِ الطَّرِيقَ الَّذِي مَبْدَؤُهُ مِنْ حَيْثُ يَنْقَطِعُ إلَيْهِ أَثَرُ الْحَوَاسِّ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى حَيْثُ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَأَمَّا فِيمَا لَا يُحَسُّ أَصْلًا فَإِنَّمَا نَبْتَدِئُ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ حَيْثُ يُوجَدُ كَالْعِلْمِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ وَلَمَّا اُحْتِيجَ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى ذَاتِ الْعَالِمِ أَمْ رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ ذَاتِهِ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِ أَثَرِ الْحَوَاسِّ وَفِي اللَّامِسِيِّ هُوَ جَوْهَرٌ يُدْرَكُ بِهِ الْغَائِبَاتُ بِالْوَسَائِطِ وَالْمَحْسُوسَاتُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَقِيلَ هُوَ جَوْهَرٌ طُهِّرَ بِمَاءِ الْقُدُّوسِ وَرُوِّحَ بِرَوَائِحِ الْأُنْسِ وَأُودِعَ فِي قَوَالِبَ بَشَرِيَّةٍ وَأَصْدَافٍ إنْسَانِيَّةٍ كُلَّمَا أَضَاءَ اسْتَنَارَ مَنَاهِجُ الْيَقِينِ وَإِذَا أَظْلَمَ خَفِيَ مَدَارِجُ الدِّينِ وَقِيلَ هُوَ قُوَّةٌ فِي الطَّبِيعَةِ تَنْزِلُ فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَةَ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنِ ثُمَّ هُوَ أَيْ الْعَقْلُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ آلَةٌ وَالْآلَةُ لَا تَعْمَلُ بِدُونِ الْفَاعِلِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا مُدْرِكًا بِنَفْسِهِ حُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا وَلَكِنْ إذَا وَضَحَ بِهِ الطَّرِيقُ أَيْ طَرِيقُ الْإِدْرَاكِ لِلْعَاقِلِ كَانَ الدَّرَكُ أَيْ إدْرَاكُ الْمَطْلُوبِ لِلْقَلْبِ بِفَهْمِهِ وَهُوَ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي الْمُضْغَةِ الَّتِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَالدَّرَكُ بِفَتْحِ الرَّاءِ اسْمٌ مِنْ الْإِدْرَاكِ قَالَ تَعَالَى ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] . وَقَالَ ﵇ «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى دَرْكِ الْحَاجَةِ» أَيْ إدْرَاكِهَا كَشَمْسِ الْمَلَكُوتِ الظَّاهِرَةِ إذَا بَزَغَتْ أَيْ طَلَعَتْ كَانَتْ الْعَيْنُ مُدْرِكَةً لِلْأَشْيَاءِ بِشِهَابِهَا أَيْ بِنُورِهَا وَالضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُوجِبَ الشَّمْسُ رُؤْيَةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَوْ تَكُونَ هِيَ مُدْرِكَةً إيَّاهَا أَوْ تَكُونَ الْعَيْنُ مُسْتَغْنِيَةً فِي الْإِدْرَاكِ عَنْهَا فَكَذَا الْقَلْبُ يُدْرِكُ مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْ الْحَوَاسِّ بِنُورِ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ مُوجِبًا لِذَلِكَ أَوْ لَا يَكُونَ مُدْرِكًا بِنَفْسِهِ بَلْ الْقَلْبُ يُدْرِكُ بَعْدَ إشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَالْمَلَكُوتُ الْمُلْكُ وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ كَالرَّغَبُوتِ وَالرَّهَبُوتِ وَالْجَبَرُوتِ. وَشُعَاعُ الشَّمْسِ مَا يُرَى مِنْ ضَوْئِهَا عِنْدَ طُلُوعِهَا كَالْقُضْبَانِ وَالشِّهَابُ بِكَسْرِ الشِّينِ شُعْلَةُ نَارٍ سَاطِعَةٌ وَذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا الْعَقْلُ آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولَاتِ كَالسَّمْعِ

стр. 1353

وَلَوْ بَلَغَتْ كَذَلِكَ لَبَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَلَوْ عَقَلَتْ وَهِيَ مُرَاهِقَةٌ فَوَصَفَتْ الْكُفْرَ كَانَتْ مُرْتَدَّةً وَبَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَعُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِفْ إيمَانًا وَكُفْرًا وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ مَعْذُورًا وَإِذَا وَصَفَ الْكُفْرَ وَعَقَدَهُ أَوْ عَقَدَ وَلَمْ يَصِفْهُ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مُخَلَّدًا عَلَى نَحْوِ مَا وَصَفْنَا فِي الصَّبِيِّ ــ [كشف الأسرار] آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْمَسْمُوعَاتِ وَبِهِ يُعْرَفُ حُسْنُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحُ بَعْضِهَا وَوُجُوبُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَحُرْمَةُ بَعْضِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا وَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ كَمَا يَقُولُونَ إنَّ الْعَبْدَ مُوجِدٌ لِأَفْعَالِهِ وَعِنْدَنَا الْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لِلْوُجُوبِ وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ مُعَرِّفٌ لِلْوُجُوبِ وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ فَكَذَا الْهَادِي وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ وَمَا بِالْعَقْلِ كِفَايَةٌ بِحَالٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَعْنِي أَنَّ الْعَقْلَ وَإِنْ كَانَ آلَةً لِمَعْرِفَةٍ لَا يَقَعُ الْكِفَايَةُ بِهِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ وَحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِ دَلِيلُ السَّمْعِ أَمْ لَا أَمَّا إذَا لَمْ يَنْضَمَّ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ آلَةٌ فَلَا يَصْلُحُ لِإِيجَابِ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ دَلِيلُ السَّمْعِ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ حِينَئِذٍ يُضَافُ إلَى دَلِيلِ السَّمْعِ لَا إلَى الْعَقْلِ وَإِذَا وُجِدَ الْعَقْلُ لَا يَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ قَبْلَ انْضِمَامِ دَلِيلِ السَّمْعِ إلَيْهِ وَبَعْدَهُ إلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷻ فَكَمْ مِنْ عَاقِلٍ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ مُتَغَلْغِلٌ بِعَقْلِهِ فِي مَضَايِقِ الْحَقَائِقِ مُسْتَخْرِجٌ بِفِكْرِهِ وَقَرِيحَتِهِ لِخَفِيَّاتِ الدَّقَائِقِ لَمَّا حُرِمَ الْعِنَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ لَمْ يَهْتَدِ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَعْرِفْ سَبِيلَ الرُّشْدِ بِعَقْلِهِ فَهَلَكَ فِي غَبَاوَتِهِ وَجَهْلِهِ وَبَعْدَمَا حَصَلَتْ الْمَعْرِفَةُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ وَلَا تَبْقَى إلَّا بِفَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ وَتَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ وَتَثْبِيتِهِ إيَّاهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. فَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ عَرَفَ سَبِيلَ الرَّشَادِ وَسَلَكَ طَرِيقَ السَّدَادِ ثُمَّ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْخِذْلَانُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ بِالِارْتِدَادِ وَرَدِّ أَمْرِهِ مِنْ الصَّلَاحِ إلَى الْفَسَادِ وَقَابَلَ الْحَقَّ بِالْعِنَادِ بَعْدَ الِانْقِيَادِ فَصَارَ مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ بَعْدَمَا كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الدِّينِ وَأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْيَقِينِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الزَّيْغِ وَالطُّغْيَانِ وَدَرْكِ الشَّقَاءِ وَالْخِذْلَانِ بَعْدَ نَيْلِ سَعَادَةِ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ إنَّهُ الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا كِفَايَةَ بِالْعَقْلِ بِحَالٍ وَلَا مَعُونَةَ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْكَرِيمِ الْمُتَعَالِ. قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّهُ لَا كِفَايَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ لِوُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْإِيمَانَ وَإِنْ صَحَّ مِنْهُ الْأَدَاءُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْخِطَابِ وَالْخِطَابُ سَاقِطٌ عَنْ الصَّبِيِّ بِالنَّصِّ حَتَّى إذَا عَقَلَتْ الْمُرَاهِقَةُ وَهِيَ الَّتِي قَرُبَتْ إلَى الْبُلُوغِ وَلَمْ تَصِفْ أَيْ لَمْ تَصِفْ الْإِيمَانَ بَعْدَ مَا اُسْتُوْصِفَتْ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْوَصْفِ وَلَوْ بَلَغَتْ كَذَلِكَ أَيْ غَيْرَ وَاصِفَةٍ وَلَا قَادِرَةٍ عَلَيْهِ وَلَوْ عَقَلَتْ وَهِيَ مُرَاهِقَةٌ أَيْ صَبِيَّةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ فَوَصَفَتْ الْكُفْرَ كَانَتْ مُرْتَدَّةً وَبَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِأَنَّ رِدَّةَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اسْتِحْسَانًا فَتَبِينُ وَيَبْطُلُ مَهْرُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ تَصِحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَلَا تَبِينُ فَعُلِمَ بِهِ أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ أَيْ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْإِيمَانِ إذْ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِهِ لَبَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِعَدَمِ الْوَصْفِ كَمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ قُلْنَا فِي الْبَالِغِ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ بِنَفْسِهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَصِفْ إيمَانًا وَلَا كُفْرًا وَلَمْ يَعْتَقِدْ عَلَى شَيْءٍ كَانَ مَعْذُورًا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ وَلَوْ وَصَفَ الْكُفْرَ وَاعْتَقَدَهُ أَوْ اعْتَقَدَهُ وَلَمْ يَصِفْهُ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي فَكَانَ هَذَا قَوْلًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي

стр. 1354

وَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ نُرِيدُ أَنَّهُ إذَا أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّجْرِبَةِ وَأَلْهَمَهُ وَأَمْهَلَهُ لِدَرْكِ الْعَوَاقِبِ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ــ [كشف الأسرار] الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَصِفْ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ لَا يَكُونُ كَافِرًا وَلَوْ وَصَفَ الْكُفْرَ يَكُونُ مُرْتَدًّا فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِالْعَقْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ أَنَّهُ قَالَ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِخَالِقِهِ لِمَا يَرَى مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقِ نَفْسِهِ وَسَائِرِ خَلْقِ رَبِّهِ أَمَّا فِي الشَّرَائِعِ فَمَعْذُورٌ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ بِعُقُولِهِمْ قَالَ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ قَالُوا إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَقْلَهُ كَامِلٌ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ الِاسْتِدْلَالَ فَإِذَا بَلَغَ عَقْلُ الصَّبِيِّ هَذَا الْمَبْلَغَ كَانَ هُوَ وَالْبَالِغُ سَوَاءً فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي ضَعْفِ الْبِنْيَةِ وَقُوَّتِهَا فَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ فِي عَمَلِ الْأَرْكَانِ لَا فِي عَمَلِ الْقَلْبِ وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ قَوْلَهُ ﵇ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» الْحَدِيثَ عَلَى الشَّرَائِعِ. قُلْت وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ سِوَى أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ نَفْسَ الْعَقْلِ مُوجِبًا وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لِإِيجَابِهِ كَالْخِطَابِ وَالصَّحِيحُ مَا اخْتَارَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ عَلَى الصَّبِيِّ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَلِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا ثُمَّ لَمَّا سَقَطَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَنْ الصَّبِيِّ جَازَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ الْبَالِغِ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْخِطَابَ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِيجَابِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لِجَهْلِهِ بِاَللَّهِ وَغَفْلَتِهِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَهْلَ قَدْ أُلْحِقَ بِالصَّبِيِّ فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ حَتَّى سَقَطَتْ الْعِبَادَاتُ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا كَمَا سَقَطَتْ عَنْ الصَّبِيِّ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ الْجَهْلُ بِالصَّبِيِّ فِي سُقُوطِ وُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَقَدَ الْكُفْرَ حَيْثُ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا لِأَنَّا إنَّمَا عَذَرْنَاهُ فِي جَهْلِهِ لِسُقُوطِ الِاسْتِدْلَالِ عَنْهُ وَلَا مَعْرِفَةَ بِدُونِهِ كَمَا عَذَرْنَا النَّائِمَ وَالصَّبِيَّ فَأَمَّا اعْتِقَادُ أَمْرٍ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِضَرْبِ اسْتِدْلَالٍ وَحُجَّةٍ فَلَمْ يُعْذَرُ فِيمَا أَحْدَثَ مِنْ اعْتِقَادِهِ إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ. قَوْلُهُ (وَمَعْنَى قَوْلِنَا) كَذَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إنَّمَا لَمْ يُكَلَّفْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَصَارَ مَعْذُورًا إذَا لَمْ يُصَادِفْ مُدَّةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ التَّأَمُّلِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَاتِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ بِأَنْ بَلَغَ عَلَى شَاهِقِ جَبَلٍ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَمَّا إذَا أَعَانَهُ اللَّهُ بِالتَّجْرِبَةِ وَأَمْهَلَهُ لِدَرْكِ الْعَوَاقِبِ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا لِأَنَّ الْإِمْهَالَ وَإِدْرَاكَ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ فِي حَقِّ تَنْبِيهِ الْقَلْبِ عَنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ فَلَا يُعْذَرُ بَعْدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَى بِنَاءً إلَّا وَقَدْ عَرَفَ لَهُ بَانِيًا وَلَا صُورَةً إلَّا وَقَدْ عَرَفَ لَهُ مُصَوِّرًا فَكَيْفَ يُعْذَرُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ صُوَرًا حَسَنَةً وَبَعْدَ إدْرَاكِ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فِي جَهْلِهِ بِخَالِقِهَا وَمُصَوِّرِهَا بَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ مَا يُتِمُّ بِهِ الْمَعْرِفَةُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة ﵀ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْخَالِقِ لِمَا يَرَى فِي الْعَالَمِ مِنْ آثَارِ

стр. 1355

عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي السَّفِيهِ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ مَالُهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مُدَّةَ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَزْدَادَ بِهِ رُشْدًا وَلَيْسَ عَلَى الْحَدِّ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَمَنْ جَعَلَ الْعَقْلَ حُجَّةً مُوجِبَةً يَمْتَنِعُ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ سِوَى أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ فَسَلَّمَهَا لَهُ ــ [كشف الأسرار] الْخَلْقِ أَيْ لَا عُذْرَ لَهُ بَعْدَ الْإِمْهَالِ لَا لِابْتِدَاءِ الْعَقْلِ. وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ وَمَعْنَى قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ قَبْلَ إدْرَاكِ زَمَانِ التَّأَمُّلِ وَالتَّجْرِبَةِ فَإِذَا أَعَانَهُ اللَّهُ بِكَذَا إلَى آخِرِهِ إلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْبَعْضَ اخْتِصَارًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَعْنِي إقَامَةَ الْإِمْهَالِ وَإِدْرَاكَ زَمَانِ التَّأَمُّلِ مَقَامَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ هَا هُنَا عَلَى مِثْلِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي السَّفِيهِ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُدْفَعُ مَالُهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ مَعَ أَنَّ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ مُعَلَّقٌ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ بِالنَّصِّ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْفَى هَذِهِ الْمُدَّةَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَفِيدَ رُشْدًا بِالتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يُتَوَهَّمُ صَيْرُورَتُهُ جَدًّا فِيهَا إذْ الْبُلُوغُ يَتَحَقَّقُ فِي الْغُلَامِ بَعْدَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَيُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ لَهُ ابْنٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ إنَّ وَلَدَهُ يَبْلُغُ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَيُولَدُ لَهُ ابْنٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَصِيرُ الْأَوَّلُ جَدًّا بَعْدَ تَمَامِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَمَنْ صَارَ فَرْعُهُ أَصْلًا فَقَدْ تَنَاهَى هُوَ فِي الْأَصَالَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَفِيدَ رُشْدًا بِنِسْبَةٍ حَالَةِ فَيُقَامُ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَقَامَ الرُّشْدِ وَالشَّرْطُ رُشْدٌ نَكِرَةٌ وَقَدْ وُجِدَ إمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا بِاسْتِيفَاءِ مُدَّةِ التَّجْرِبَةِ فَيَجِبُ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَفِيدَ الْعَاقِلُ بَصِيرَةً وَمَعْرِفَةً بِصَانِعِهِ بِالنَّظَرِ فِي الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ ذَلِكَ لِاسْتِخْفَافِ الْحُجَّةِ كَمَا يَكُونُ بَعْدَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ فَلَا يَكُونُ مَعْذُورًا. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ عَلَى الْحَدِّ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ) أَيْ لَيْسَ عَلَى حَدِّ الْإِمْهَالِ وَتَقْدِيرِ زَمَانِ الِامْتِحَانِ وَالتَّجْرِبَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ الْعَاقِلُ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ أَنَّهُ كَذَا وَكَأَنَّهُ رَدٌّ لِمَا قِيلَ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِالْمُرْتَدِّ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَمْهَلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الْعَقْلَ مُتَفَاوِتٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَرُبَّ عَاقِلٍ يَهْتَدِي فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ إلَى مَا لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ غَيْرُهُ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فَيُفَوَّضُ تَقْدِيرُهُ إلَى اللَّهِ ﷻ إذْ هُوَ الْعَالِمُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي حَقِّ كُلِّ شَخْصٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَعْفُو عَنْهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ وَيُعَاتِبُهُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثُمَّ قَدْرُ مُدَّةِ الْعُذْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَا مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا وَيَكُونُ قَوْلُهُ فَمَنْ جَعَلَ الْعَقْلَ كَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يُوقَفُ بِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ كَوْنِ الْعَقْلِ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ أَصْلًا أَوْ كَوْنِهِ حُجَّةً عِنْدَ اسْتِيفَاءِ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ مِنْ نَصٍّ مُحْكَمٍ أَوْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ضَرُورِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ. وَقَوْلُهُ: فَمَنْ جَعَلَ الْعَقْلَ مِنْ تَتِمَّتِهِ فَمَنْ جَعَلَ الْعَقْلَ حُجَّةً مُوجِبَةً بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ الشَّرْعُ أَيْ وُرُودُ الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ شَرْعُ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَيْ لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مِنْ شَرْعِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُوجَدْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ سِوَى أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ نُسَلِّمُهَا لَهُ وَلَا يَلْزَمُ

стр. 1356

وَمَنْ أَلْغَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا دَلِيلَ لَهُ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْمٍ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ إذَا قُتِلُوا ضُمِنُوا فَجَعَلَ كُفْرَهُمْ عَفْوًا وَمَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَعَذَّرَ عَلَى مَا فَسَّرْنَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ عِصْمَةً بِدُونِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْعَقْلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَهْلِيَّتِهِ فَإِنَّمَا يُلْغِيهِ بِطَرِيقِ دَلَالَةُ الِاجْتِهَادِ وَالْمَعْقُولِ فَيُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْهَوَى فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ بِحَالٍ ــ [كشف الأسرار] مِنْ تَسْلِيمِهَا كَوْنُ الْعَقْلِ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ عُرِفَ حُسْنُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ كَالْإِيمَانِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ بِالْعَقْلِ وَقُبْحُ بَعْضِهَا مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْعَبَثِ بِهِ وَعُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِتَحْسِينِ مَا قَبَّحَهُ الْعَقْلُ وَلَا بِتَقْبِيحِ مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ حَتَّى لَمْ يَجُزْ وُرُودُ نَسْخِ الْإِيمَانِ وَلَا وُرُودُ شَرْعِيَّةِ الْكُفْرِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ بِدُونِ الشَّرْعِ وَأَنَّ الشَّرْعَ تَابِعٌ لَهُ فِيمَا عُرِفَ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ بِهِ. وَنَحْنُ نُسَلِّمُ لَهُمْ مَعْرِفَةَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِالْعَقْلِ وَامْتِنَاعَ نَسْخِ مَا حَسَّنَهُ وَشَرْعَ مَا قَبَّحَهُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَجَزَ بِنَفْسِهِ بَلْ الْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ بِالْعَقْلِ يُعْرَفُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ دَلِيلًا وَطَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ، وَالدَّلِيلُ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الْعُقُولُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الْعُقُولُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ (وَمَنْ أَلْغَاهُ) أَيْ الْعَقْلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ فَلَا دَلِيلَ لَهُ أَيْضًا أَيْ لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ كَمَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ مَا قَالَ فِي قَوْمٍ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ إذَا قَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ ضَمِنُوا دِمَاءَهُمْ فَجَعَلَ كُفْرَهُمْ عَفْوًا حَيْثُ جَعَلَهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ فِي الضَّمَانِ وَأَصْحَابُنَا قَالُوا لَا يَضْمَنُونَ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا قَبْلَ الدَّعْوَةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلضَّمَانِ لِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ كُفْرَهُمْ عَفْوًا بِحَالٍ وَلَمْ نَجْعَلْ غَفْلَتَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ عُذْرًا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فَكَانَ قَتْلُهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِثْلَ قَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا. وَلَمَّا كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ جَعَلْت دِمَاءَهُمْ هَدَرًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُفْرَهُمْ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا يَنْبَغِي أَنْ يُوجَبَ الضَّمَانُ بِقَتْلِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَعْذُورًا مِثْلَ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَسْتَوْفُوا مُدَّةَ التَّأَمُّلِ وَقَتْلُهُمْ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا عِنْدَكُمْ أَيْضًا أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُعْذَرُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ التَّأَمُّلِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عِصْمَةً بِدُونِ دَارِ الْإِسْلَامِ لِمَا عَرَفَهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُقَوَّمَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَنَا فَلِذَلِكَ كَانَ دِمَاؤُهُمْ هَدَرًا أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا لَا يُوجِبُ ضَمَانًا لِمَا قُلْنَا فَهَذَا أَوْلَى قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَلَا دَلِيلَ لَهُ أَيْضًا وَلِقَوْلِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ يَعْنِي إنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِكَوْنِهِ يُلْغَى لَا يَجِدُ فِي نُصُوصِ الشَّرْعِ أَنَّ الْعَقْلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِلْأَهْلِيَّةِ فَلَوْ أَلْغَاهُ إنَّمَا يُلْغِيهِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمَعْقُولِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ نَصًّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْمَعْقُولِ بِأَنْ يَقُولَ قَدْ وَجَدْنَا مِنْ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَلْحَقَ بَعْدُ، ثُمَّ الْعَقْلُ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ سُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهُ شَرْعًا كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَقْلَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْعِ وَحِينَئِذٍ كَانَ مُتَنَاقِضًا فِي مَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِالْعَقْلِ أَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ الْعَقْلُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ ثُمَّ رَدَّ قَوْلَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَقَالَ وَإِنَّ الْعَقْلَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَيَجُوزُ بِفَتْحِهَا أَيْضًا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا جَعْلُهُ حُجَّةً مُوجِبَةً بِنَفْسِهِ لِأَنَّ

стр. 1357

وَإِنَّمَا وَجَبَ نِسْبَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْعِلَلِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِلَلًا بِذَوَاتِهَا وَأَنْ يَجْعَلَ الْعَقْلَ عِلَّةً بِنَفْسِهِ وَهُوَ بَاطِنٌ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَقْلَ مِنْ صِفَاتِ الْأَهْلِيَّةِ قُلْنَا إنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ. (بَابُ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ) : وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَيَنْقَسِمُ فُرُوعُهَا وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الصَّلَاحُ لِلْحُكْمِ فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ بِوَجْهٍ كَانَ هُوَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ وَمَنْ لَا فَلَا وَأَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ نَوْعَانِ كَامِلٌ يَصْلُحُ لِلُزُومِ الْعُهْدَةِ وَقَاصِرٌ لِلُزُومِ الْعُهْدَةِ وَقَاصِرٌ لَا يَصْلُحُ لِلُّزُومِ الْعُهْدَةِ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَبِنَاءً عَلَى قِيَامِ الذِّمَّةِ وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ ﵏ ــ [كشف الأسرار] الْعَقْلَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْهَوَى لِأَنَّهُ لَا عَقْلَ فِي أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَالنَّفْسُ غَالِبَةٌ بِهَوَاهَا وَإِذَا حَدَثَ الْعَقْلُ حَدَثَ مَغْلُوبًا بِهِ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْخَوَاصِّ وَإِذَا كَانَ مَغْلُوبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِبْرَةٌ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ إلْزَامُ الْعَمَلِ حِسًّا وَالْعَامِلُ مَغْلُوبٌ بِالْمَانِعِ فَكَذَا لَا يَحْسُنُ إلْزَامُ الْعَمَلِ بِالْحُجَّةِ وَالْحُجَّةُ مَدْفُوعَةٌ مَغْلُوبَةٌ بِغَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ تَأَيُّدِهِ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ إدْرَاكِ زَمَانِ التَّأَمُّلِ وَالتَّجْرِبَةِ لِتَتِمَّ الْحُجَّةُ. (فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِنُصُوصٍ كَمَا تَلَوْنَا فَكَيْفَ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَهُمْ) قُلْنَا تِلْكَ نُصُوصٌ مُؤَوَّلَةٌ بَعْضُهَا مُعَارَضٌ بِبَعْضٍ فَلَمْ يَتِمَّ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِهَا لِتَأْوِيلِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ إيَّاهَا بِمَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُمْ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا سَاقِطَةٌ فِي حَقِّ التَّمَسُّكِ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِتَعَارُضِهَا عَلَى أَنَّك إذَا تَأَمَّلْت فِيهَا عَرَفْت أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ الشَّارِعِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ وَلَا عَلَى أَنَّهُ يُلْغَى أَيْضًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الثَّانِي فَكَانَتْ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِمَعْزِلٍ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ لَا دَلِيلَ لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ نِسْبَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْعِلَلِ إشَارَةٌ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى فَسَادِ جَعْلِ الْعَقْلِ بِنَفْسِهِ حُجَّةً وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا شَرَعَ الْعِلَلَ لِنِسْبَةِ الْأَحْكَامِ إلَيْهَا تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ إيجَابَهُ كَانَ غَيْبًا عَنْهُمْ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ عِلَلٍ ظَاهِرَةٍ تُضَافُ الْأَحْكَامُ إلَيْهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمْ أَوْ الْوُقُوفُ عَلَى الْإِيجَابِ مُتَعَذِّرٌ فَكَانَتْ عِلَلُ الشَّرْعِ فِي الظَّاهِرَةِ أَمَارَاتٍ عَلَى الْإِيجَابِ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَرَعَ سَمْعَك غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَوْ جَعَلْنَا الْعَقْلَ عِلَّةً مُوجِبَةً لِلْأَحْكَامِ نَفْسَهُ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ الْعَظِيمِ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ الْعِلَلِ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِلتَّيْسِيرِ فَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي هَذَا أَيْ فِي الْأَهْلِيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. [بَابُ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ] [أضرب الْأَهْلِيَّة] (بَابُ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ) أَهْلِيَّةُ الْإِنْسَانِ لِلشَّيْءِ صَلَاحِيَّتُهُ لِصُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَطَلَبِهِ مِنْهُ وَهِيَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَهِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِحَمْلِ الْإِنْسَانِ إيَّاهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَيَنْقَسِمُ فُرُوعُهَا بِحَسَبِ انْقِسَامِ الْأَحْكَامِ فَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِبَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِبَعْضِهَا أَصْلًا وَهُوَ أَهْلٌ لِبَعْضِهَا بِوَاسِطَةِ رَأْيِ الْوَلِيِّ فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَهْلِيَّةُ مُنْقَسِمَةً نَظَرًا إلَى أَفْرَادِ الْأَحْكَامِ وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الصَّلَاحُ لِلْحُكْمِ أَيْ لِحُكْمِ الْوُجُوبِ بِوَجْهٍ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْوَاجِبِ أَدَاءً وَقَضَاءً وَالْعُهْدَةُ اسْتِحْقَاقُ حُقُوقٍ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَقِيلَ هِيَ نَفْسُ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالْعَهْدَ سَوَاءٌ وَالْعُهْدَةُ التَّبَعَةُ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَالُ وَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَقْصُودُ اسْتِحْقَاقُ الْأَدَاءِ ابْتِلَاءً لِيَظْهَرَ الْمُطِيعُ مِنْ الْعَاصِي كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي ﵀ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَبِنَاءً عَلَى قِيَامِ الذِّمَّةِ أَيْ لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَهْلِيَّةُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ ذِمَّةٍ صَالِحَةٍ لِأَنَّ الذِّمَّةَ هِيَ مَحَلُّ الْوُجُوبِ وَلِهَذَا يُضَافُ إلَيْهَا وَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهَا بِحَالٍ. وَلِهَذَا اخْتَصَّ الْإِنْسَانُ بِالْوُجُوبِ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا ذِمَّةٌ قَوْلُهُ (وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يُولَدُ) دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِ الذِّمَّةِ لِلْإِنْسَانِ

стр. 1358

بِنَاءً عَلَى الْعَهْدِ الْمَاضِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ ــ [كشف الأسرار] لِلْوُجُوبِ أَيْ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ بِشِرَاءِ الْوَلِيِّ وَبِتَزْوِيجِهِ إيَّاهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَالْمَهْرُ بِعَقْدِ الْوَلِيِّ وَهَذَا رَدٌّ لِمَا ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْفِقْهِ فِي مُصَنَّفِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ لَا مَعْنَى لَهُ وَأَنَّ تَقْدِيرَ الذِّمَّةِ مِنْ التُّرَّهَاتِ الَّتِي لَا حَاجَةَ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ إلَيْهَا بَلْ الشَّرْعُ مَكَّنَهُ بِأَنْ يُطَالِبَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ عُرْفًا وَشَرْعًا فَقَالَ هِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَمَنْ أَنْكَرَهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ الذِّمَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَهْدِ فِي اللُّغَةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْإِنْسَانَ مَحَلَّ أَمَانَتِهِ أَكْرَمَهُ بِالْعَقْلِ وَالذِّمَّةِ حَتَّى صَارَ بِهِمَا أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ فَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْعِصْمَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ حَمَلَ حُقُوقَهُ وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي سَمَّاهَا أَمَانَةً مَا شَاءَ كَمَا إذَا عَاهَدْنَا الْكُفَّارَ وَأَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ ثَبَتَتْ لَهُمْ حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآدَمِيُّ لَا يُخْلَقُ إلَّا وَلَهُ هَذَا الْعَهْدُ وَالذِّمَّةُ فَلَا يُخْلَقُ إلَّا وَهُوَ أَهْلٌ لِوُجُوبِ حُقُوقِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُخْلَقُ إلَّا وَهُوَ حُرٌّ مَالِكٌ لِحُقُوقِهِ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الْكَرَامَاتُ بِنَاءً عَلَى الذِّمَّةِ وَحَمْلِهِ حُقُوقَ اللَّهِ قَوْلُهُ (بِنَاءً عَلَى الْعَهْدِ الْمَاضِي) يَعْنِي إنَّمَا ثَبَتَتْ لَهُ الذِّمَّةُ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ فِي الشَّرْعِ عَنْ وَصْفٍ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ بِنَاءً عَلَى الْعَهْدِ الْمَاضِي الَّذِي جَرَى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ يَوْمَ الْمِيثَاقِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ. رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا أَيْ عِيَانًا بِحَيْثُ يُعَايِنُهُمْ آدَم. وَقَالَ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا تَلَاهَا إلَى قَوْلِهِ الْمُبْطِلُونَ» وَرَوَى حَدِيثَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ بِنَذْرِ. وَمَعْمَرٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَغَيْرُهُمْ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ جَمَعَهُمْ جَمِيعًا فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمْ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إلَهَ غَيْرِي فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكُمْ رُسُلًا يَذْكُرُ بِكُمْ عَهْدِي وَأُنْزِلَ عَلَيْكُمْ كُتُبِي قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ إلَهُنَا لَا إلَهَ غَيْرُك فَأَقَرُّوا يَوْمَئِذٍ بِالطَّاعَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُقَاتِلٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ الْيُمْنَى أَيْ أَمَرَ مَلَكًا بِذَلِكَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ يَتَحَرَّكُونَ ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقَالَ يَا آدَم هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُك آخُذُ مِيثَاقَهُمْ عَلَى أَنْ يَعْبُدُونِي وَلَا يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا وَعَلَيَّ رِزْقُهُمْ فَقَالَ نَعَمْ يَا رَبِّ فَقَالَ لَهُمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى ثُمَّ أَفَاضَهُمْ إفَاضَةَ الْقِدَاحِ ثُمَّ أَعَادَهُمْ جَمِيعًا فِي صُلْبِ آدَمَ فَأَهْلُ الْقُبُورِ مَحْبُوسُونَ حَتَّى يَخْرُجَ أَهْلُ الْمِيثَاقِ كُلُّهُمْ مِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] . وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَتْ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى الْعَهْدِ الْمَاضِي يَعْنِي الْعَهْدَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ

стр. 1359

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نَفْسٌ وَرَقَبَةٌ لَهَا ذِمَّةٌ وَعَهْدٌ حَتَّى إنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ إذَا اشْتَرَى لِلصَّبِيِّ كَمَا وُلِدَ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَقَبْلَ الِانْفِصَالِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ مُطْلَقَةً حَتَّى صَلَحَ لِيَجِبَ لَهُ الْحَقُّ ــ [كشف الأسرار] يَوْمَ الْمِيثَاقِ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يُوَافِقُ هَذَا التَّفْسِيرَ فَإِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى مِنْ ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ بَدَلُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ بِتَكْرِيرِ الْجَارِّ وَالْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ قُلْنَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ مَا قَالَ الْكَتَّانِيُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بَعْضَهُمْ مِنْ ظُهُورِ بَعْضٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَوَالَدُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكَانَ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ ظَهْرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَدْنَى مُدَّةٍ كَمَا يَكُونُ فِي مَوْتِ الْكُلِّ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَحَيَاةِ الْكُلِّ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ إلْزَامِ الْحُجَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَنَحْنُ لَا نَذْكُرُ هَذَا الْمِيثَاقَ وَإِنْ تَفَكَّرْنَا جُهْدَنَا فِي ذَلِكَ قُلْنَا أَنْسَانَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِلَاءً لِأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ غَيْبٍ وَعَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ وَلَوْ تَذَكَّرْنَا ذَلِكَ زَالَ الِابْتِلَاءُ وَلَيْسَ مَا يُنْسَى يَزُولُ بِهِ الْحُجَّةُ وَيَثْبُتُ بِهِ الْعُذْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْمَالِنَا ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُنَبِّئُنَا بِهَا وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَدَّدَ هَذَا الْعَهْدَ وَذَكَّرَنَا هَذَا الْمَنْسِيَّ بِإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ فَلَمْ نُعْذَرْ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ وَالْمَطْلَعِ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ مَعْنَى أَخْذِ ذُرِّيَّتِهِمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ إخْرَاجُهُمْ نَسْلًا وَإِشْهَادُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَقَوْلُهُ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ نَصَبَ لَهُمْ الْأَدِلَّةَ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَشَهِدَتْ بِهَا عُقُولُهُمْ وَبَصَائِرُهُمْ الَّتِي رَكَّبَهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَجَعَلَهَا مُمَيِّزَةً بَيْنَ الضَّلَالَةِ وَالْهُدَى فَكَأَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَرَّرَهُمْ. وَقَالَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا بَلَى أَنْتَ رَبُّنَا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَقْرَرْنَا بِوَحْدَانِيِّتِك وَبَابُ التَّخْيِيلِ وَاسِعٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَخْذُ الْمِيثَاقِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ دُونَ الْآيَةِ قَوْلُهُ (وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أَيْ أَلْزَمْنَاهُ مَا طَارَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ طَارَ سَهْمُهُ بِكَذَا يَعْنِي عَمَلُهُ لَازِمٌ لَهُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوْ هُوَ رَدٌّ لِتَطَيُّرِهِمْ بِالسَّانِحِ وَالْبَارِحِ مِنْ الطَّيْرِ وَقَوْلُهُ فِي عُنُقِهِ عِبَارَةٌ عَنْ اللُّزُومِ يُقَالُ لِمَنْ الْتَزَمَ شَيْئًا يُقَلِّدُهُ طَوْقُ الْحَمَامَةِ وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِآخَرَ جَعَلْت هَذَا الْأَمْرَ فِي عُنُقِك إذَا أَلْزَمَهُ إيَّاهُ أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّخْصِ كَالرَّقَبَةِ. وَالذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ الْعَهْدُ لِأَنَّ نَقْضَهُ يُوجِبُ الذَّمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] أَيْ عَهْدًا وَقَالَ ﵇ «وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ» أَيْ عَهْدَهُ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ أَيْ بِالذِّمَّةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ الْعَهْدِ نَفْسٌ وَرَقَبَةٌ لَهَا ذِمَّةٌ وَعَهْدٌ أَيْ عَهْدٌ سَابِقٌ كَمَا بَيَّنَّا يَعْنِي الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ فِي قَوْلِهِمْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا الْوُجُوبُ فِي مَحَلٍّ ثَبَتَ فِيهِ الْعَهْدِ الْمَاضِي وَهُوَ النَّفْسُ أَوْ الرَّقَبَةُ إلَّا أَنَّهُ سَمَّى مَحَلَّ الْتِزَامِ السُّنَّةِ بِهَا. وَقَوْلُهُ: حَتَّى أَنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ وَأَهْلٌ لِحُكْمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مَالِيٌّ فَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ وَقَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْأُمِّ هُوَ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ يَعْنِي حِسًّا وَحُكْمًا أَمَّا حِسًّا فَلِأَنَّ قَرَارَهُ وَانْتِقَالَهُ بِقَرَارِ الْأُمِّ وَانْتِقَالِهَا كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَسَائِرِ أَعْضَائِهَا وَلِهَذَا يُقْرَضُ بِالْمِقْرَاضِ عَنْهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ بِعِتْقِهَا يُعْتَقُ وَيَرِقُّ بِاسْتِرْقَاقِهَا وَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِبَيْعِهَا وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُنْفَرِدًا

стр. 1360

وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَإِذَا انْفَصَلَ فَظَهَرَتْ ذِمَّتُهُ مُطْلَقَةً كَانَ أَهْلًا بِذِمَّتِهِ لِلْوُجُوبِ غَيْرَ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ أَنْ تَبْطُلَ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَغَرَضِهِ فَكَمَا يَنْعَدِمُ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَنْعَدِمَ لِعَدَمِ حُكْمِهِ أَيْضًا فَيَصِيرُ هَذَا الْقِسْمُ مُنْقَسِمًا بِانْقِسَامِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ مَرَّ التَّقْسِيمُ قَبْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ. فَأَمَّا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَمَا كَانَ مِنْهَا غُرْمًا وَعِوَضًا فَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهِ لِأَنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ أَدَاءُ الْعَيْنِ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ لِأَنَّ الْمَالَ مَقْصُودٌ لَا الْأَدَاءَ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِ مَتَى صَحَّ سَبَبُهُ وَمَا كَانَ صِلَةً لَهَا شَبَهٌ بِالْمُؤَنِ وَهِيَ نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ وَالْقَرَابَاتِ لَزِمَهُ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] بِالْحَيَاةِ مُعَدًّا لِلِانْفِصَالِ وَصَيْرُورَتِهِ نَفْسًا بِرَأْسِهِ لَمْ يَكُنْ جُزْءَ الْأُمِّ مُطْلَقًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ مُطْلَقَةٌ أَيْ كَامِلَةٌ حَتَّى صَلَحَ لَأَنْ يَجِبَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَيْ لَا يَصْلُحُ لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْوَلِيُّ لَهُ شَيْئًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَنَحْوِهِمَا وَإِذَا انْفَصَلَ عَنْ الْأُمِّ بِالْوِلَادَةِ فَظَهَرَتْ ذِمَّتُهُ مُطْلَقَةً لِصَيْرُورَتِهِ نَفْسًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ وَالْجَوَابُ كَانَ أَيْ صَارَ أَهْلًا بِسَبَبِ ذِمَّتِهِ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ بِجُمْلَتِهَا كَمَا تَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَكَمَالِ الذِّمَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْوُجُوبَ أَيْ لَكِنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارٍ لِيَتَحَقَّقَ الِابْتِلَاءُ وَلَمْ يُتَصَوَّرْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِعَجْزِهِ. فَيَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ الْوُجُوبُ أَيْ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَصْلًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَدَاءِ وَغَرَضُهُ وَهُوَ الِابْتِلَاءُ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ وَإِعْتَاقِ الْبَهِيمَةِ فَيَصِيرُ هَذَا الْقِسْمُ يَعْنِي لَمَّا جَازَ أَنْ يَبْطُلَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ الْحُكْمِ صَارَ هَذَا الْقِسْمُ وَهُوَ الْوُجُوبُ أَوْ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ مُنْقَسِمًا بِانْقِسَامِ الْأَحْكَامِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ فَكُلُّ قِسْمٍ يُتَصَوَّرُ شَرْعِيَّتُهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّهِ وَمَا لَا فَلَا. ثُمَّ الْأَحْكَامُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعَبْدِ وَاَلَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ إلَى آخِرِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ مَعْرِفَةِ الْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَبَعْضُهَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَحَقِّ الْعَبْدِ مِنْ الْأَمْوَالِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِوُجُوبِهِ وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ أَصْلًا فِي حَقِّهِ كَالْعُقُوبَاتِ فَلَا يَكُونُ أَهْلًا لِوُجُوبِهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ فِي حَقِّهِ وَتَرْتِيبِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا وَتَقْسِيمِ الْوُجُوبِ بِحَسَبِ انْقِسَامِهَا فَشَرَعَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَأَمَّا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَمَا كَانَ مِنْهَا غُرْمًا كَضَمَانِ الْإِتْلَافَاتِ وَعِوَضًا كَثَمَنٍ لِلْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ أَوْ اشْتَرَى لَهُ الْوَلِيُّ شَيْئًا أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ لِأَنَّ حُكْمَهُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا أَوْ لِلْوُجُوبِ أَيْ حُكْمَ الْوُجُوبِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ دُونَ الْفِعْلِ إذْ الْمَقْصُودُ دَفْعُ الْخُسْرَانِ بِمَا يَكُونُ خَيْرًا لَهُ أَوْ حُصُولُ الرِّبْحِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْمَالِ وَأَدَاءُ وَلِيِّهِ كَأَدَائِهِ فِي حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ بِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِ مَتَى صَحَّ سَبَبُهُ بِأَنْ تَحَقَّقَ الْإِتْلَافُ أَوْ وُجِدَ الْبَيْعُ بِشَرَائِطِهِ الْمَالُ الْوَاجِبُ صِلَةً هُوَ الَّذِي لَا يُسْتَفَادُ بِهِ عِوَضٌ. أَمَّا نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ فَلَهَا شَبَهٌ بِالْأَعْوَاضِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ لَا تَجِبُ عِوَضًا حَقِيقَةً لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِيمَا دَخَلَ تَحْتَ الْعَقْدِ بِالتَّسْمِيَةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ بِالْبَيْعِ إنَّمَا تَثْبُتُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَلَا تَثْبُتُ بَيْنَ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَثَمَرَاتِهِ وَلَا بَيْنَ أَوْصَافِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ تَبَعًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى حَبَسَتْ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ وَلَوْ كَانَتْ عِوَضًا عَنْ الِاحْتِبَاسِ لِلرَّجُلِ لَسَقَطَتْ بِفَوْتِهِ كَيْفَ مَا فَاتَ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ مَتَى لَمْ تُسَلِّمْ الْمُؤَاجَرَ مَا آجَرَ بِأَيِّ وَجْهِ مَنْعٍ سَقَطَ الْأَجْرُ وَلَكِنَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ صِلَةً مُسْتَحَقَّةً بِالْعَقْدِ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِهِ ثُمَّ لَزِمَهَا الِاحْتِبَاسُ

стр. 1361

الزَّوْجَاتُ فَلَهَا شَبَهٌ بِالْأَعْوَاضِ وَأَمَّا الْأُخْرَى فَمُؤْنَةُ الْيَسَارِ، وَكُلُّ صِلَةٍ لَهَا شَبَهٌ بِالْأَجْزِيَةِ لَمْ يَكُنْ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِهِ مِثْلَ تَحَمُّلِ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ صِفَةِ الْجَزَاءِ مُقَابَلًا بِالْكَفِّ عَنْ الْأَخْذِ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّ بِهِ رِجَالُ الْعَشَائِرِ وَمَا كَانَ عُقُوبَةً أَوْ جَزَاءً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحْ لِحُكْمِهِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِلُزُومِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِجْمَالِ أَنَّ الْوُجُوبَ لَازِمٌ مَتَى صَحَّ بِحُكْمِهِ وَمَتَى بَطَلَ الْقَوْلُ بِحُكْمِهِ بَطَلَ بِوُجُوبِهِ وَإِنْ صَحَّ سَبَبُهُ الْقَوْلُ وَمَحَلُّهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ كَمَا يَنْعَدِمُ مَرَّةً لِعَدَمِ سَبَبِهِ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ فَيَنْعَدِمُ أَيْضًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَقَدْ مَرَّ تَقْسِيمُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْضًا. فَأَمَّا الْإِيمَانُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ لِمَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْخَالِصَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهَا وَمَحَلُّهَا لِعَدَمِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ــ [كشف الأسرار] جَزَاءً عَلَى النَّفَقَةِ وَعِنْدَنَا تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ جَزَاءً لَهَا عَلَى الِاحْتِبَاسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا عِنْدَ الرَّجُلِ كَنَفَقَةِ الْقَاضِي فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ كَانَتْ صِلَةً كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا وَجَبَتْ جَزَاءً أَشْبَهَ الْأَعْوَاضَ فَبِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ دَيْنًا بِحَالٍ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي يَجِبُ أَنْ لَا تَسْقُطَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَعَلَ لَهَا مَنْزِلَةً بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَقِيلَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْتِزَامٌ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَتَصِيرُ دَيْنًا بِالِالْتِزَامِ كَالْأَعْوَاضِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَهَا شَبَهٌ بِالْأَعْوَاضِ وَأَمَّا الْأُخْرَى وَهِيَ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ فَمُؤْنَةُ الْيَسَارِ أَيْ هِيَ مُؤْنَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْيَسَارِ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْغَنِيِّ وَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْمُؤَنِ عَلَيْهِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمُؤْنَةُ عِنْدَ حُصُولِ الْغِنَاءِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ نَفْسِهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَالْمَقْصُودُ إزَالَةُ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ بِوُصُولِ كِفَايَتِهِ إلَيْهِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْمَالِ وَأَدَاءُ الْوَلِيِّ فِيهِ كَأَدَائِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ خَالٍ عَنْ حِكْمَةٍ مِثْلُ تَحَمُّلِ الْعَقْلِ أَيْ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ أَيْ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ أَوْ وُجُوبَهُ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ مُقَابَلًا بِالْكَفِّ اخْتَصَّ بِهِ أَيْ بِتَحَمُّلِ الْعَقْلِ وَوُجُوبِهِ رِجَالُ الْعَشَائِرِ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحِفْظِ دُونَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ لَا يَقْدِرْنَ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِنَّ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ بِوَجْهٍ وَمَا كَانَ عُقُوبَةً أَيْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ أَوْ جَزَاءً كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ عَلَى مَا مَرَّ أَيْ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ الْعِلَلِ لِأَنَّهُ أَيْ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْعُقُوبَةِ أَوْ جَزَاءُ الْفِعْلِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ الْقَوْلِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ أَهْلًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ فِي شَيْءٍ كَانَ أَهْلًا لِوُجُوبِهِ الْقَوْلُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِجْمَالِ أَيْ عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنْ صَحَّ سَبَبُهُ بِأَنْ تَحَقَّقَ دُلُوكُ الشَّمْسِ وَشُهُودُ الشَّهْرِ وَمَحَلُّهُ وَهُوَ الذِّمَّةُ وَقَدْ مَرَّ تَقْسِيمُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَيْضًا. ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَ فَقَالَ فَأَمَّا الْإِيمَانُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ وُجُوبًا أَوْ وُجُودًا فِي حَقِّهِ فَمَا كَانَ الْقَوْلُ بِالْوُجُودِ فِي حَقِّهِ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ إلَّا نَظِيرَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ بِدُونِ الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ كَمَا فِي حَقِّ الْبَهَائِمِ فَلَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ الْإِيمَانِ الْعِبَادَاتُ الْخَالِصَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ بِالْمَالِ كَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ أَيْ الْفِعْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ يَعْنِي فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتَمِرُ أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْتَمِرُ فَالْمَقْصُودُ الِابْتِلَاءُ وَإِلْزَامُ الْحُجَّةِ وَالصِّغَرُ يُنَافِيهِ أَيْ الِابْتِلَاءَ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالْفِعْلِ إنَّمَا ثَبَتَ لِيَظْهَرَ الْمُطِيعُ مِنْ الْعَاصِي وَمَعَ الصِّبَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وَلَا يَظْهَرُ أَيْضًا مَعَ الْجَبْرِ لِأَنَّهُ مُجَازَى عَلَى فِعْلِهِ وَلَا جَزَاءَ مَعَ الْجَبْرِ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْمُجْبَرِ حَقِيقَةً فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَزَاءَ. وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ يَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ وَهُوَ الْوَكِيلُ كَمَا يَتَأَدَّى حُقُوقُ الْعِبَادِ بِهِ فَيَتَأَدَّى بِالْوَلِيِّ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْعُشْرُ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا الزَّكَاةُ فَقَالَ وَمَا يَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ أَيْ بِمِثْلِ هَذَا النَّائِبِ وَهُوَ الْوَلِيُّ لَا يَصْلُحُ طَاعَةً لِأَنَّ هَذِهِ النِّيَابَةَ نِيَابَةُ جَبْرٍ لَا اخْتِيَارٍ لِثُبُوتِهَا عَلَى الصَّبِيِّ شَرْعًا شَاءَ أَوْ أَبَى وَالزَّكَاةُ طَاعَةٌ مَحْضَةٌ فَلَا يَتَأَدَّى بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَابَةِ

стр. 1362

وَذَلِكَ فِعْلٌ يَحْصُلُ عَنْ اخْتِيَارٍ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ وَالصِّغَرُ يُنَافِيهِ وَمَا يَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ لَا يَصْلُحُ طَاعَةً لِأَنَّهَا نِيَابَةُ جَبْرٍ لَا اخْتِيَارٍ فَلَوْ وَجَبَ مَعَ ذَلِكَ لَصَارَ الْمَالُ مَقْصُودًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ فِي جِنْسِ الْقُرْبِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَمَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ مِثْلُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِمَا قُلْنَا وَلَزِمَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اجْتِزَاءً بِالْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَاصِرِ ــ [كشف الأسرار] لِأَنَّهُ يَصِيرُ إعْطَاءً بِطَرِيقِ الْكُرْهِ. بِخِلَافِ نِيَابَةِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهَا نِيَابَةُ اخْتِيَارٍ حَيْثُ ثَبَتَتْ بِإِنَابَتِهِ فَيَنْتَقِلُ فِعْلُ النَّائِبِ إلَى الْمُوَكِّلِ بِالْأَمْرِ فَتَصْلُحُ لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ فَلَوْ وَجَبَ يَعْنِي مَا يَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ عَلَى الصَّبِيِّ بِاعْتِبَارِ أَدَاءِ النَّائِبِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ نِيَابَةُ جَبْرٍ لَصَارَ الْمَالُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ دُونَ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الِابْتِلَاءُ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُ الْمَالِ مَقْصُودًا بَاطِلٌ فِي جِنْسِ الْقُرَبِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَاجَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَمَنْ يَقَعُ لَهُ الْقُرْبَةُ أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ وَمَالِكُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُنَزَّهٌ عَنْ نَقِيصَةِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْمَالُ فِي الْقُرْبَةِ مَقْصُودًا فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ وَلِيَ مَالَ الْيَتِيمِ فَلْيُؤَدِّ زَكَاتَهُ» قُلْنَا هَذَا خَبَرٌ مُزَيَّفٌ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَعُدُّ الْوَصْفَ عَلَيْهِ السِّنِينَ لَمْ يُجْبِرْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنْ شَاءَ أَدَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّ وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا وَلَمْ تَجْرِ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَمَا وَسِعَهُمْ تَرْكُ الْمُحَاجَّةِ بِهِ وَلَوْ احْتَجُّوا بِهِ لَاشْتُهِرَ أَكْثَرَ مِنْ شُهْرَةِ الْفَتْوَى، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِمِثْلِهِ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى الصَّبِيِّ قَوْلُهُ (وَمَا يَشُوبُهُ) أَيْ يَخْلِطُهُ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ مِثْلَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَمْ يَلْزَمْ الصَّبِيَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا قُلْنَا آنِفًا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ بِوَاسِطَةِ أَدَاءِ الْوَلِيِّ وَقَدْ تَرَجَّحَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا فَصَارَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ اجْتِزَاءً أَيْ اكْتِفَاءً. وَذَلِكَ أَيْ الِاخْتِيَارُ الْقَاصِرُ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَزِمَهُ مَا كَانَ مُؤْنَةً فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ خَالَطَ الْعُشْرَ حَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْكَافِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ خَالَطَ الْخَرَاجَ حَتَّى لَا يَبْتَدِئَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَكِنَّهُمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ مُؤَنِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فِيهِمَا لَيْسَا بِمَقْصُودَيْنِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الْمَالُ وَأَدَاءُ الْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ كَأَدَائِهِ فَيَكُونُ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهِمَا وَلِمَا ذَكَرْنَا أَيْ فِي نَفَقَةِ الْأَزْوَاجِ أَنَّ الصَّبِيَّ أَهْلٌ لِوُجُوبِ الْمُؤَنِ وَمَا كَانَ عُقُوبَةً مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ كَالْحُدُودِ كَمَا لَا يَجِبُ مَا هُوَ عُقُوبَةٌ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهُوَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْمُؤَاخِذُ بِالْعُقُوبَةِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَدَاءِ كَانَ أَهْلًا لِنَفْسِ الْوُجُوبِ كَانَ الْكَافِرُ أَهْلًا لِأَحْكَامٍ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَائِهَا إذْ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَهُمْ أَلْيَقُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ آثَرُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَكَذَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدُّنْيَا الِانْزِجَارُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَطْلُوبٌ مِنْ الْكَافِرِ كَمَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ بَلْ الْكَافِرُ أَلْيَقُ بِمَا هُوَ عُقُوبَةٌ وَجَزَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ فَكَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ لَهُ الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَالْمَهْرُ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ وَالْقِصَاصُ إذَا قَتَلَ وَلِيَّهُ

стр. 1363

وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْوَلِيِّ وَلَزِمَهُ مَا كَانَ مُؤْنَةً فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَا كَانَ عُقُوبَةً لَمْ يَجِبْ أَصْلًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَلِهَذَا كَانَ الْكَافِرُ أَهْلًا لِأَحْكَامٍ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَائِهَا فَكَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ طَاعَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ــ [كشف الأسرار] كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ. ١ - لَا خِلَافَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ لِلطَّاعَاتِ يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ فِي حُكْمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ اعْتِقَادُ اللُّزُومِ وَالْأَدَاءِ وَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ اللُّزُومَ اعْتِقَادًا وَذَلِكَ كُفْرٌ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ إنْكَارِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ بِالتَّوْحِيدِ لَا يَكُونُ مَعَ إنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ فَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يُعَاقَبُ عَلَى أَصْلِ الْكُفْرِ فَأَمَّا فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَمَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُ وَأَنَّ الْأَدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِ دِيَارِنَا أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَاءِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ لَوْ أَدَّوْهَا فِي حَالِ الْكُفْرِ لَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةً بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ أَسْلَمُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ الْفَائِتَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَإِنَّ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يُعَاقَبُ الْكُفَّارُ بِتَرْكِ الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عُقُوبَةِ الْكُفْرِ كَمَا يُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي لَا يُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الْعِبَادَاتِ. كَذَا فِي الْمِيزَانِ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَسْأَلَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إيَّاهُمْ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الْآيَاتِ فَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَدَلَّ أَنَّ الْأَدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فِيهَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] أَخْبَرَ بِالْوَيْلِ لَهُمْ بِعَدَمِ إيتَاءِ الزَّكَاةِ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَبِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُتَقَرِّرٌ وَصَلَاحِيَّةُ الذِّمَّةِ لِلْوُجُوبِ مَوْجُودَةٌ وَشَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْهُ غَيْرُ مَعْدُومٍ فِي حَقِّهِمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْأَدَاءِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ يُخَاطَبَانِ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ لِتَمَكُّنِهِمَا مِنْ أَدَائِهَا بِتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهِ فَلَوْ سَقَطَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ بَعْدُ كَانَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّ زَوَالَ التَّمَكُّنِ بِسَبَبِ السُّكْرِ وَبِسَبَبِ الْجَهْلِ إذَا كَانَ عَنْ تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَا يُسْقِطُ الْخِطَابَ بِالْأَدَاءِ فَبِسَبَبِ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْجِنَايَاتِ أَوْلَى وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ سَقَطَتْ الْوَاجِبَاتُ عَنْهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِعَفْوِ صَاحِبِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وَقَوْلِهِ ﵇ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» لَا أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ فَإِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَمْ يُوجَدْ الْمُسْقِطُ فَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ وَلَيْسَ حُكْمُ الْوُجُوبِ وَفَائِدَتُهُ الْأَدَاءَ لَا غَيْرُ فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ عَلَى كَافِرٍ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مُسْلِمٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا الْأَدَاءُ لِأَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَلَكِنَّهُمَا وَجَبَا لِفَائِدَةِ تَوَجُّهِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ فَكَذَا هَاهُنَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» الْحَدِيثَ فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ

стр. 1364

وَكَانَ الْخِطَابُ بِهَا مَوْضُوعًا عَنْهُ عِنْدَنَا وَلَزِمَهُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ أَهْلًا لِأَدَائِهِ وَوُجُوبُ حُكْمِهِ وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ رَأْسُ أَسْبَابِ أَهْلِيَّةِ أَحْكَامِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا مُقْتَضِيًا ــ [كشف الأسرار] أَدَاءِ الشَّرْعِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِجَابَةِ إلَى مَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ وَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْوُجُوبِ الْأَدَاءُ وَفَائِدَةُ الْأَدَاءِ نَيْلُ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ مَعَ صِفَةِ الْكُفْرِ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلثَّوَابِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعَبْدِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمَالِ وَالْمَرْأَةِ لَا تَكُونُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ لَهَا عَلَى الرَّجُلِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَلَا بِسَبَبِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ وَإِذَا انْتَفَتْ أَهْلِيَّةُ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالْأَدَاءِ انْتَفَتْ أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ بِدُونِ أَهْلِيَّتِهِ لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَهَذَا بِخِلَافِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَائِهِ حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ أَهْلًا لِوُجُوبِهِ. وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ إيجَابَ الشَّرَائِعِ عَلَى الْكَافِرِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ يَجِبَ لِتُؤَدَّى فِي حَالَةِ الْكُفْرِ أَوْ لِتُؤَدَّى بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَلَا إلَى الثَّانِي لِأَنَّ قَضَاءَهَا لَا يَجِبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَتَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ غَيْرُ جَائِزٍ سَمْعًا وَعَقْلًا. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا إنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْخِطَابِ بِالشَّرَائِعِ مَعَ صِفَةِ الْكُفْرِ وَلَكِنَّهُ أَهْلٌ لَهُ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ فَجَعَلَ الْإِيمَانَ ثَابِتًا اقْتِضَاءً تَصْحِيحًا لِتَكْلِيفِهِ بِالشَّرَائِعِ كَمَا قُلْنَا فِي الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أُمِرَ بِالْإِيمَانِ أَوَّلًا ثُمَّ بِأَدَاءِ الشَّرَائِعِ ثَانِيًا فَقَالَ إنَّمَا يَثْبُتُ الشَّيْءُ اقْتِضَاءً إذَا كَانَ صَالِحًا لِلتَّبَعِيَّةِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالِاقْتِضَاءِ تَابِعٌ لِلْمُقْتَضِي لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِتَصْحِيحِهِ وَلَيْسَ الْإِيمَانُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأْسُ أَهْلِيَّةِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الشَّرَائِعِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ عَنْ نَفْسِك عَبْدًا أَوْ قَالَ لَهُ تَزَوَّجْ أَرْبَعًا مِنْ النِّسَاءِ لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالْإِعْتَاقِ وَبِتَزَوُّجِ الْأَرْبَعَ وَلَا تَثْبُتُ حُرِّيَّتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِلْأَمْرِ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ أَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ الْإِعْتَاقُ وَتَزَوَّجُ الْأَرْبَعِ وَهُمَا تَبَعٌ لَهَا فَلَا يَثْبُتُ مُقْتَضًى لِمَا هُوَ تَبَعٌ لَهَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَلِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَثْبُتُ مُقْتَضًى لِشَيْءٍ إذَا تَقَرَّرَ الْمُقْتَضِي كَالْبَيْعِ يَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ لِتَقَرُّرِ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْبَيْعِ، وَبَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِيمَانِ هَاهُنَا لَا يَبْقَى وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ مُقْتَضًى بِهِ. وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ سُقُوطَ الْخِطَابِ بِالْأَدَاءِ عَنْ الْكُفَّارِ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَيْهِمْ كَمَا ظَنُّوا بَلْ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالنِّعْمَةِ فِي حَقِّهِمْ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ ثَوَابِ الْعِبَادِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ لِلْمُؤَدِّي الْمَأْمُورِ لَا لِلْآمِرِ فَالْكَافِرُ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا النَّظَرَ وَالْمَنْفَعَةَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّخْفِيفِ وَكَذَا الْإِيجَابُ بِالْأَمْرِ نَظَرٌ مِنْ الشَّرْعِ لِلْمَأْمُورِ فَعَسَى أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَا تَقْصِيرَ فِي أَدَاءِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُسْتَحِقٌّ لِهَذَا النَّظَرِ فَكَانَ عَدَمُ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ إيَّاهُمْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَإِلْحَاقًا لَهُمْ بِالْبَهَائِمِ لَا تَخْفِيفًا وَلِأَنَّ الْخِطَابَ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ لِيَسْعَى الْمَرْءُ بِأَدَائِهَا فِي فِكَاكِ نَفْسِهِ قَالَ ﵇ «النَّاسُ غَادِيَانِ بَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا» يَعْنِي بِالِائْتِمَارِ بِالْأَوَامِرِ وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلسَّعْيِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ لَا يَكُونُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وَهُوَ نَظِيرُ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِتَوَصُّلِ الْمُكَاتَبِ إلَى فِكَاكِ رَقَبَتِهِ لَا يَكُونُ إسْقَاطُ الْمَوْلَى هَذِهِ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ عِنْدَ عَجْزِهِ بِالرَّدِّ فِي الرِّقِّ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَإِنَّ مَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ فَوْقَ ضَرَرِ

стр. 1365

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ بِوُجُوبِ كُلِّ الْأَحْكَامِ وَالْعِبَادَاتِ عَلَى الصَّبِيِّ لِقِيَامِ الذِّمَّةِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ ثُمَّ السُّقُوطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ وَقَدْ كُنَّا عَلَيْهِ مُدَّةً لَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ وَهَذَا أَسْلَمُ الطَّرِيقَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى وَتَقْلِيدًا وَحُجَّةً ــ [كشف الأسرار] الْمُطَالَبَةِ بِالْأَدَاءِ وَمِثَالُهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ مُطَالَبَةُ الطَّبِيبِ الْمَرِيضَ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ إذَا كَانَ يَرْجُو لَهُ الشِّفَاءَ يَكُونُ نَظَرًا مِنْ الطَّبِيبِ لَهُ وَإِذَا أَيِسَ مِنْ شِفَائِهِ فَتَرْكُ مُطَالَبَتِهِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ لَا يَكُونُ تَخْفِيفًا مِنْهُ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ إخْبَارًا بِمَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ شُرْبِ الدَّوَاءِ وَهُوَ مَا يَذُوقُ مِنْ كَأْسِ الْحِمَامِ فَكَذَلِكَ قَوْلُنَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَاءِ الشَّرَائِعِ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّخْفِيفِ بَلْ يَكُونُ فِيهِ بَيَانُ عِظَمِ الْوِزْرِ وَالْعُقُوبَةِ فِيمَا أَصَرُّوا عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ. وَهُوَ كَسُقُوطِ خِطَابِ الْإِيمَانِ عَنْ الْكُفَّارِ بَعْدَ الْبَعْثِ إذْ لَوْ بَقِيَ لَقُبِلَ مِنْهُمْ إذَا أَجَابُوا فَإِنَّ ذَلِكَ السُّقُوطَ لَا يَكُونُ تَخْفِيفًا بَلْ بِكَوْنِ تَنْكِيلًا وَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِالنُّصُوصِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَقِدُونَ لَهَا أَيْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ وَحَقِّيَّتَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٥] أَيْ قَبِلُوهَا وَاعْتَقَدُوا حَقِّيَّتَهَا بِدَلِيلِ أَنَّ تَخْلِيَةَ السَّبِيلِ كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَ الْأَدَاءِ أَوْ الْمُرَادُ لَمْ نَكُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ لِلْإِيمَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» أَيْ الْمُؤْمِنِينَ وَكَذَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] لَا يُقِرُّونَ بِفَرْضِيَّتِهَا كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ أَوْ لَا يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْإِيمَانِ كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فَائِدَةُ الْوُجُوبِ الْإِثْمُ وَالْعُقُوبَةُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَدَاءِ لَا لِلْإِثْمِ فَلَمْ يَجُزْ التَّصْحِيحُ لِمَكَانِ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمِيزَانِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا) أَرَادَ بِهِ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى جَمِيعًا عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ حِينِ يُولَدُ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْبَالِغِ ثُمَّ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ بَعْدَ وُجُوبٍ بِعُذْرِ الصِّبَا لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْأَسْبَابِ وَقِيَامِ الذِّمَّةِ لَا عَلَى الْقُدْرَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَحَقُّقِهَا فِي حَقِّ الْبَالِغِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْبَالِغَ فِي حَقِّ الذِّمَّةِ وَالسَّبَبِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَيَثْبُتُ الْوُجُودُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَالْمَحَلِّ وَهَذَا لِأَنَّ الْحُقُوقَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَلْزَمُ الْآدَمِيَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَجِبُ جَبْرًا بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ شَاءَ أَوْ أَبَى وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارٍ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قُدْرَةِ الْفِعْلِ وَلَا قُدْرَةِ التَّمْيِيزِ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ وَالتَّمْيِيزُ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ حُكْمٌ وَرَاءَ أَصْلِ الْوُجُوبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ الْمَجْنُونَ تَلْزَمُهُمْ الصَّلَاةُ عَلَى أَصْلِنَا بِوُجُودِ السَّبَبِ وَالذِّمَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّمَيُّزِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ فَكَذَا الصَّبِيُّ إلَّا أَنَّهَا تَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا بَعْدَ الْوُجُوبِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَلَا يُقَالُ الْوُجُوبُ يُثْبِتُ الْأَدَاءَ لَا لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِيجَابُ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ لِأَنَّا نَقُولُ الْوُجُوبُ الْأَدَاءُ لَا حَالَ الْوُجُوبَ بَلْ يَجُوزُ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ إمَّا أَدَاءً أَوْ قَضَاءً فَصَحَّ الْإِيجَابُ عَلَى مَنْ يُرْجَى لَهُ قُدْرَةُ الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ فِي الْجُمْلَةِ وَالصَّبِيُّ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْأَدَاءَ ثَمَرَةُ الْوُجُوبِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ بِعَدَمِ ثَمَرَتِهِ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ مُفْلِسٍ يَجِبُ الثَّمَنُ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَقَدْ كُنَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ زَمَانًا وَلَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ نَظَرًا إلَى السَّبَبِ وَالذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَا هُوَ

стр. 1366

وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا مَضَى. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْحَائِضِ إنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُهَا لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ ثُمَّ النَّقْلُ إلَى الْبَدَلِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْحَرَجَ لَمَّا عُدِمَ فِي ذَلِكَ بَقِيَ الْحُكْمُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ بَطَلَ الْأَدَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ فَبَطَلَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ حُكْمِهِ مَعَ قِيَامِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ وَقِيَامِ سَبَبِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْجُنُونِ إذَا امْتَدَّ فَصَارَ لُزُومُ الْأَدَاءِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِالْأَدَاءِ وَبَطَلَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ أَيْضًا، هَذَا فِي الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ مَعًا ــ [كشف الأسرار] حُكْمُ الْوُجُوبِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْغُلُوِّ وَإِخْلَاءٌ لِإِيجَابِ الشَّرْعِ عَنْ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحُكْمِ فِي الدُّنْيَا تَحْقِيقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَفِي الْآخِرَةِ الْجَزَاءُ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِيهِ يَظْهَرُ الْمُطِيعُ مِنْ الْعَاصِي فَيَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] وَكَذَا الْمُجَازَاةُ فِي الْآخِرَةِ تُبْتَنَى عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فَثَبَتَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِدُونِ حِكْمَةٍ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِ شَرْعًا وَهَذَا أَيْ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ أَسْلَمُ الطَّرِيقَيْنِ عَنْ الْفَسَادِ صُورَةً لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ثُمَّ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ صُورَةٍ فَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ أَصْلًا أَسْلَمَ عَنْ الْفَسَادِ وَمَعْنًى لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَقَضَاءٍ خَالٍ عَنْ الْفَائِدَةِ فَكَانَ فَاسِدًا مَعْنًى وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ سَالِمٌ عَنْ هَذَا الْفَسَادِ الْمَعْنَوِيِّ وَتَقْلِيدًا أَيْ لِلسَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ أَصْلًا وَحُجَّةً أَيْ اسْتِدْلَالًا فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَدَّى كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْمُؤَدَّى عَنْ الْوَاجِبِ بِالِاتِّفَاقِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ لَازِمٌ مَتَى صَحَّ الْقَوْلُ بِحُكْمِهِ وَمَتَى بَطَلَ الْقَوْلُ بِحُكْمِهِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ. قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا مَضَى لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الثَّانِي لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْحَرَجِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ أَدَّى فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ مُنْتَقِلًا ابْتِدَاءً لَا مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ وَبِقَوْلِهِ فِيمَا مَضَى أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُؤَدِّي مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ بِالْبُلُوغِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ حَيْثُ يَقْضِي مَا مَضَى لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّهِ لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ بِانْقِطَاعِ الْجُنُونِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَعَدَمِ الْحَرَجِ فِي النَّقْلِ إلَى الْخَلَفِ وَهُوَ الْقَضَاءُ فَأَمَّا الصِّغَرُ فَعُذْرٌ دَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَكَانَ احْتِمَالُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ مُنْقَطِعًا فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا بَنَيْنَا حُكْمَ الصَّبِيِّ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ بَنَيْنَا حُكْمَ الْحَائِضِ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقُلْنَا إنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُهَا لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ إذَا النَّجَاسَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِأَنَّ قَهْرَ النَّفْسِ يَحْصُلُ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَيَصِحُّ الْأَدَاءُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَلَكِنْ الشَّرْعُ لَمَّا مَنَعَهَا مِنْ الْأَدَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ انْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْقَضَاءِ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ كَمَا فِي الْحَلِفِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ انْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالتُّرَابِ لِلْعَجْزِ الْحَالِي عَلَى مَا مَرَّ وَكَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الصَّبِيِّ وَالْحَائِضِ قَوْلُنَا فِي الْمَجْنُونِ يَعْنِي كَمَا بَنَيْنَا حُكْمَهَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ بَنَيْنَا حُكْمَ الْمَجْنُونِ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقُلْنَا إذَا امْتَدَّ الْجُنُونُ حَتَّى صَارَ لُزُومُ الْأَدَاءِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ بِأَنْ اسْتَغْرَقَ الشَّهْرَ فِي الصَّوْمِ أَوْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ مِنْ الْأَصْلِ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ وَالْقَضَاءُ فِي ثَانِي الْحَالِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى

стр. 1367

وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ أَصْلُهُ لِاحْتِمَالِ حُكْمِهِ وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ وَاحْتَمَلَ الْأَدَاءَ قُلْنَا بِوُجُوبِ أَصْلِ الْإِيمَانِ دُونَ أَدَائِهِ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ وَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْبَابٍ وُضِعَتْ لِلْأَحْكَامِ إذَا لَمْ يَخْلُ الْوُجُوبُ عَنْ حُكْمِهِ وَلَيْسَ فِي الْوُجُوبِ تَكْلِيفٌ وَخِطَابٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَدَاءِ وَلَا خِطَابَ وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حَتَّى يَبْلُغَ فَثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْإِيمَانِ لَكِنْ صِحَّةُ الْأَدَاءِ يَبْتَنِي عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ مَشْرُوعًا وَعَلَى قُدْرَةِ الْأَدَاءِ لَا عَلَى الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ كَالْمُسَافِرِ يُؤَدِّي الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ خِطَابٍ وَلَا تَكْلِيفٍ. ــ [كشف الأسرار] قَوْلِهِ هَذَا أَيْ سُقُوطُ الْوُجُوبِ عِنْدَ الِامْتِدَادِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعًا وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ بِأَنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الشَّهْرَ فِي الصَّوْمِ لَزِمَهُ أَصْلُهُ أَيْ أَصْلُ الصَّوْمِ يَعْنِي ثَبَتَ فِي حَقِّهِ نَفْسُ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ الْجُنُونُ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي إيجَابِ قَضَائِهَا وَلَكِنَّهُ خَصَّ الصَّوْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ وَضَعَ مَسْأَلَةَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ فِي الصَّوْمِ فَذَكَرَ فِي مُقَابَلَتِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ وَاحْتَمَلَ الْأَدَاءَ) أَيْ أَدَاءَ الْإِيمَانِ قُلْنَا بِوُجُوبِ أَصْلِ الْإِيمَانِ أَيْ بِثُبُوتِ نَفْسِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ دُونَ وُجُوبِ أَدَائِهِ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ يَعْنِي عَنْ الْفَرْضِ لِمَا نُبَيِّنُ. وَذَلِكَ أَيْ ثُبُوتُ نَفْسِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَا عَقَلَ لِمَا عُرِفَ فِي بَابِ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ بِأَسْبَابٍ وُضِعَتْ لِلْأَحْكَامِ إذَا لَمْ يَخْلُ الْوُجُوبُ عَنْ حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ أَوْ عَنْ حِكْمَةٍ أَيْ فَائِدَةٍ يَعْنِي أَصْلَ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ لَا يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ لِيَتَعَلَّقَ صِحَّتُهُ بِكَوْنِ الْمَأْمُورِ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ بَلْ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْبَابِ وَالْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِلْزَامِ أَدَاءِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِهِ وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ مُتَعَلِّقٌ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَذِمَّتُهُ قَابِلَةٌ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ الصِّبَا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ بِنَفْسِهِ فَثَبَتَ الْوُجُوبُ إذَا تَضَمَّنَ فَائِدَةً لَكِنَّ الْأَدَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَقَلَ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ، وَكَذَا إذَا وَصَفَ مَرَّةً لَا يَلْزَمُهُ ثَانِيًا فَيَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا أَيْضًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا تَكْلِيفَ وَلَا خِطَابَ عَلَى الصَّبِيِّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ حَاصِلًا وَأَدَّاهُ بِشَرْطٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَنْ مَعْرِفَةٍ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ بَعْدُ كَمَا صَحَّ مِنْهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَإِذَا صَحَّ كَانَ فَرْضًا لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ بَيْنَ نَفْلٍ وَفَرْضٍ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ فَيَقَعُ نَفْلًا وَلِأَنَّ نَفْسَ وُجُوبِ الْإِيمَانِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ لِمَا قُلْنَا أَلَا يَرَى أَنَّ امْرَأَتَهُ لَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَبَى هُوَ الْإِسْلَامَ بَعْدَمَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا إذَا امْتَنَعَ عَنْهُ فَثَبَتَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ بَعْدَمَا ثَبَتَ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِعُذْرٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالصِّبَا أَيْضًا فَيَقَعُ أَدَاؤُهُ فَرْضًا لَا مَحَالَةَ وَالصَّلَاةُ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ فَتَسْقُطُ بِالصِّبَا أَيْضًا وَلَمَّا سَقَطَ أَصْلُ الْوُجُوبِ اسْتَقَامَ إثْبَاتُهَا نَفْلًا وَخَرَجَ السَّبَبُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ. وَهَذَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ وَأُسْتَاذِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ ﵀ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ وَقَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَإِنْ عَقَلَ مَا لَمْ يَعْتَدِلْ حَالُهُ بِالْبُلُوغِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ مِنْهُ يُصَحَّحُ بِاعْتِبَارِ عَقْلِهِ وَصِحَّةُ الْأَدَاءِ تَسْتَدْعِي كَوْنَ الْحُكْمِ مَشْرُوعًا وَلَا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ وَاجِبَ الْأَدَاءِ فَعَرَفْنَا أَنَّ حُكْمَ الْوُجُوبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَالْمَحَلِّ بِدُونِ حُكْمِ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدَّى يَكُونُ الْمُؤَدَّى فَرْضًا لِأَنَّ بِوُجُوبِ الْأَدَاءِ صَارَ مَا هُوَ حُكْمُ الْوُجُوبِ مَوْجُودًا مُقْتَضَى الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لِانْعِدَامِ الْحُكْمِ فَإِذَا صَارَ مَوْجُودًا بِمُقْتَضَى الْأَدَاءِ كَانَ الْمُؤَدَّى فَرْضًا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ غَيْرُ ثَابِتٍ حَتَّى

стр. 1368

وَالْإِغْمَاء لَمَّا لَمْ يُنَافِ حُكْمَ وُجُوبِ الصَّوْمِ لَمْ يُنَافِ وُجُوبَهُ وَكَانَ مُنَافِيًا لِحُكْمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا امْتَدَّ فَكَانَ مُنَافِيًا لِوُجُوبِهِ وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا حُكْمَ وُجُوبٍ إذَا انْتَبَهَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ أَيْضًا. (بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ) وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ فَنَوْعَانِ قَاصِرٌ وَكَامِلٌ أَمَّا الْقَاصِرُ فَيَثْبُتُ بِقُدْرَةِ الْبَدَنِ إذَا كَانَتْ قَاصِرَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِيمَنْ كَانَ مَعْتُوهًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ لَمْ يَعْتَدِلْ عَقْلُهُ وَأَصْلُ الْعَقْلِ يُعْرَفُ بِدَلَالَةِ الْعِيَانِ، وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ الْمَرْءُ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِدَرْكِ الْعَوَاقِبِ الْمَشْهُورَةِ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ، وَكَذَلِكَ الْقُصُورُ يُعْرَفُ بِالِامْتِحَانِ فَأَمَّا الِاعْتِدَالُ قَاصِرٌ يَتَفَاوَتُ فِيهِ الْبَشَرُ فَإِذَا تَرَقَّى عَنْ رُتْبَةِ الْقُصُورِ أُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَ الِاعْتِدَالِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. ــ [كشف الأسرار] لَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَوْ حَضَرَ الْجَامِعَ مَعَ الْمَوْلَى كَانَ لَهُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ وَلَكِنْ إذَا أَدَّى فَرْضًا مَا هُوَ حُكْمُ الْوُجُوبِ صَارَ مَوْجُودًا بِمُقْتَضَى الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَكَذَا الْمُسَافِرُ إذَا أَدَّى الْجُمُعَةَ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ مَعَ أَنَّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ (وَالْإِغْمَاءُ) لَمَّا لَمْ يُنَافِ حُكْمَ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ أَوْ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ حَرَجٍ فِي الثَّانِي وَلَا اعْتِبَارَ لِامْتِدَادِهِ فِي الصَّوْمِ لِنُدْرَتِهِ لَمْ يُنَافِ نَفْسَ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْأَدَاءِ لَا أَنَّهُ إذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا نَوَى الصَّوْمَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُنَافِي الْإِمْسَاكَ صَحَّ صَوْمُهُ وَكَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ فَعُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِأَدَائِهِ وَكَانَ مُنَافِيًا لِحُكْمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا امْتَدَّ بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَعَذَّرَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ وَتَغَيَّرَ الْقَضَاءُ فِي الثَّانِي لِاسْتِلْزَامِهِ الْحَرَجَ فَكَانَ مُنَافِيًا لِوُجُوبِهِ أَيْ وُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الصَّلَاةُ أَوْ وُجُوبِ هَذَا الْوَاجِبِ وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْقَضَاءُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ بِلَا حَرَجٍ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِنُدْرَةِ امْتِدَادِهِ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّ الْحُقُوقَ كُلَّهَا تَخْرُجُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الطَّرِيقِ الْمُخْتَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ] قَوْلُهُ وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ قَسَمَ الْأَهْلِيَّةَ هُنَاكَ إلَى نَوْعَيْنِ ثُمَّ فَصَّلَ كُلَّ نَوْعٍ فَقَالَ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَكَذَا وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ فَكَذَا، فَكَلِمَةُ أَمَّا هَذِهِ لِلتَّفْصِيلِ قَاصِرٌ كَامِلٌ أَيْ نَوْعٌ قَاصِرٌ وَنَوْعٌ كَامِلٌ أَمَّا الْقَاصِرُ أَيْ النَّوْعُ الْقَاصِرُ فَيَثْبُتُ بِكَذَا لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتَيْنِ قُدْرَةِ فَهْمِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَقُدْرَةِ الْعَمَلِ بِهِ وَهِيَ بِالْبَدَنِ، وَالْإِنْسَانُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ عَدِيمُ الْقُدْرَتَيْنِ لَكِنْ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ وَصَلَاحِيَّةٌ لَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقُدْرَتَيْنِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَنْ يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَرَجَاتِ الْكَمَالِ فَقَبْلَ بُلُوغِ دَرَجَةِ الْكَمَالِ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَاصِرَةً كَمَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَقَدْ تَكُونُ إحْدَاهُمَا قَاصِرَةً كَمَا فِي الْمَعْتُوهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ قَاصِرُ الْعَقْلِ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ وَلِهَذَا أُلْحِقَ بِالصَّبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ فَالْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْقُدْرَتَيْنِ أُولَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَالْقَاصِرَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَتَيْنِ قَبْلَ بُلُوغِهِمَا أَوْ بُلُوغِ أَحَدَيْهِمَا دَرَجَةَ الْكَمَالِ ثُمَّ الشَّرْعُ بَنَى عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ صِحَّةَ الْأَدَاءِ وَعَلَى الْكَامِلَةِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ وَتَوَجُّهَ الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْأَدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا وَإِلْزَامُ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مُنْتَفٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَبَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ، وَأَصْلُ قُدْرَةِ الْبَدَنِ قَبْلَ الْكَمَالِ فِي إلْزَامِ الْأَدَاءِ حَرَجٌ لِأَنَّهُ يُحْرِجُ لِلْفَهْمِ بِأَدْنَى عَقْلِهِ وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِأَدْنَى قُدْرَةِ الْبَدَنِ وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . فَلَمْ يُخَاطَبْ شَرْعًا لِأَوَّلِ أَمْرِهِ حِكْمَةً وَلِأَوَّلِ مَا يَعْقِلُ وَيَقْدِرُ رَحْمَةً إلَى أَنْ يَعْتَدِلَ عَقْلُهُ وَقُدْرَةُ بَدَنِهِ فَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ، ثُمَّ وَقْتُ الِاعْتِدَالِ يَتَفَاوَتُ فِي جِنْسِ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا بَعْدَ تَجْرِبَةٍ وَتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْبُلُوغَ الَّذِي يَعْتَدِلُ لَدَيْهِ الْعُقُولُ فِي الْأَغْلَبِ مَقَامَ

стр. 1369

وَالْأَحْكَامُ فِي هَذَا الْبَابِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَمِنْهُ مَا هُوَ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ لَمَّا ثَبَتَ أَهْلِيَّةُ أَدَائِهِ وَوُجِدَ مِنْهُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا وُجِدَ بِحَقِيقَتِهِ لَمْ يَنْعَدِمْ إلَّا بِحَجْرٍ مِنْ الشَّرْعِ وَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ إلَّا فِي لُزُومِ أَدَائِهِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْوَضْعَ فَوُضِعَ عَنْهُ فَأَمَّا الْأَدَاءُ فَخَالٍ عَنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ يُضَافُ إلَى الْكُفْرِ الْبَاقِي ــ [كشف الأسرار] اعْتِدَالِ الْعَقْلِ حَقِيقَةً تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ وَصَارَ تَوَهُّمُ وَصْفِ الْكَمَالِ قَبْلَ هَذَا الْحَدِّ وَتَوَهُّمُ بَقَاءِ النُّقْصَانِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِّ سَاقِطَيْ الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَتَى أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا وَأَيَّدَ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» وَالْمُرَادُ بِالْقَلَمِ الْحِسَابُ وَالْحِسَابُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الْأَدَاءِ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ اعْتِدَالُ الْحَالِ بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ. قَوْلُهُ (وَالْأَحْكَامُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ بَابِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ وَيَعْنِي بِهِ الْأَهْلِيَّةَ الْقَاصِرَةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ أَيْ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ فَكَذَا فِي أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَمِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِ مَا هُوَ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَجْهٍ وَلَا عُهْدَةَ أَيْ لَا تَبِعَةَ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا قَالَهُ رَدًّا لِمَذْهَبِ الْخَصْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَهُوَ الْإِيمَانُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَصِحُّ إيمَانُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى يَرِثَ أَبَاهُ الْكَافِرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُشْرِكَةُ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَلَا يَصْلُحُ وَلِيًّا فِيهِ بِنَفْسِهِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ إنَّمَا يَصِيرُ مُولَيًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ حَالَ عَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَمَتَى كَانَ قَادِرًا لَا يُجْعَلُ مُولَيًا عَلَيْهِ فَدَلَّ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ عَاجِزٌ. وَكَذَا الشَّيْءُ إنَّمَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَوْ صَحَّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ تَبَعًا وَمَتْبُوعًا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْإِسْلَامَ مَنْفَعَةٌ مَحْضَةٌ فَيَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَقْدُ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ حَيْثُ يُحْرَمُ بِهِ الْإِرْثَ مِنْ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ وَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُشْرِكَةُ وَإِنْ كَانَ يَرِثُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَحِلُّ لَهُ الْمُسْلِمَةُ فَكَانَ نَظِيرَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لِتَحَقُّقِ الِاعْتِقَادِ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ثُبُوتُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّ مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَسْلَمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قَبْلَ أَنْ يُعَايِنَ الْأَهْوَالَ صَحَّ إسْلَامُهُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَا يَصِحُّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ فَهُوَ كَافِرٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُؤْمِنٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَلِهَذَا كَانَ يُجْرَى أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَنَا أَنَّ الْإِيمَانَ بِحَقِيقَتِهِ قَدْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ مِنْ الْبَالِغِ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَالْإِيمَانُ إقْرَارٌ وَتَصْدِيقٌ وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ وَعُرِفَ مِنْهُ التَّصْدِيقُ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْإِقْرَارِ مِمَّنْ هُوَ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ وَكَلَامُنَا فِي صَبِيٍّ عَاقِلٍ يُنَاظِرُ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِحَّةِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَيُلْزِمُ الْخَصْمَ بِالْحُجَجِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِي مَعْرِفَتِهِ شُبْهَةٌ فَكَانَ هُوَ وَالْبَالِغُ سَوَاءً وَأَهْلِيَّةُ الْإِيمَانِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّبِيِّ

стр. 1370

وَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ وَلِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَمِنْ ثَمَرَاتِهِ وَإِنَّمَا يُتَعَرَّفُ صِحَّةُ الشَّيْءِ مِنْ حُكْمِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَهُوَ سَعَادَةُ الْآخِرَةِ لَا مِنْ ثَمَرَاتِهِ إلَّا أَنَّهَا تَلْزَمُهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعَدَّ عُهْدَةً. ــ [كشف الأسرار] الْعَاقِلِ كَمَا بَيَّنَّا. وَكَذَا حُكْمًا لِأَنَّهُ اهْتِدَاءٌ بِالْهُدَى وَإِجَابَةٌ لِلدَّاعِي وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا دَاعِيًا لِغَيْرِهِ إلَى الْهُدَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وَالْمُرَادُ النُّبُوَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا مُجِيبًا لِلدَّاعِي بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَبَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَوُجُودِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ لَوْ امْتَنَعَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحَجْرَ عَنْ الْإِيمَانِ كُفْرٌ إذْ الْإِيمَانُ حَسَنٌ لَعَيْنِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا فِي حَالٍ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَمِلْ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ وَلَمْ يَخْلُ عَنْ وُجُوبِهِ وَشَرْعِيَّتِهِ زَمَانٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْجَرَ الصَّبِيُّ عَنْهُ وَيُجْعَلَ الْإِسْلَامُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا عُهْدَةَ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَ الْخَصْمُ الْإِسْلَامُ عَقْدٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَكَانَ كَالْبَيْعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعُهْدَةَ فَقَالَ لَا عُهْدَةَ أَيْ لَا ضَرَرَ وَلَا تَبِعَةَ فِي الْإِيمَانِ إلَّا فِي لُزُومِ أَدَائِهِ وَذَلِكَ أَيْ لُزُومُ الْأَدَاءِ يَحْتَمِلُ الْوَضْعَ أَيْ الْإِسْقَاطَ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَوَضَعَ عَنْهُ أَيْ أَسْقَطَ لُزُومَ الْأَدَاءِ عَنْ الصَّبِيِّ بِعُذْرِ الصِّبَا أَيْضًا فَأَمَّا الْأَدَاءُ أَيْ نَفْسُ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ فَخَالٍ عَنْ الْعُهْدَةِ أَيْ الضَّرَرِ بَلْ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ كَمَا بَيَّنَّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ. وَلَمَّا كَانَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنِّي لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِتَضَمُّنِهِ فَسَادَ النِّكَاحِ وَحِرْمَانَ الْإِرْثِ أَشَارَ فِي الْجَوَابِ إلَى رَدِّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ حِرْمَانِ الْإِرْثِ عَنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ مُضَافٌ إلَى كُفْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي الَّذِي مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا إلَى إسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَهُمَا وَالسَّبَبُ الْقَاطِعُ كُفْرُ الْكَافِرِ مِنْهُمَا لَا إسْلَامُ الْمُسْلِمِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالْحِرْمَانِ الْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمَا فِي إضَافَتِهَا إلَى كُفْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكُفْرِ لَا إلَى إسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ لِمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِسْلَامُ نَفْعًا مَحْضًا فَيَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ مُضَافٌ إلَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَرِيبٍ يَرِثُهُ وَلَا امْرَأَةٍ يَفْسُدُ نِكَاحُهَا بَلْ هُوَ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَحَقُّقِهِ لَا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ تَعَرُّفَ صِحَّةِ الشَّيْءِ يُسْتَفَادُ مِنْ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ سَعَادَةُ الْآخِرَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا مِمَّا هُوَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ قَرِيبُهُ فَقَبِلَهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَلَا يَمْتَنِعُ شَرْعِيَّةُ الْإِرْثِ وَالْهِبَةِ فِي حَقِّهِ بِهَذَا السَّبَبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْإِرْثِ وَالْهِبَةِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ وَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَا مَقْصُودًا بِالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ وَلِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْإِرْثُ وَالْهِبَةُ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ فَلَا يَمْتَنِعُ الْإِرْثُ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ وَكَذَا الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ مُطْلَقٍ يَمْلِكُ شِرَاءِ أَبِ الْآمِرِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ الشِّرَاءِ مُؤْتَمِرٌ بِأَمْرِهِ وَالْعِتْقُ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي هِيَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِسْلَامِ تَلْزَمُ الصَّبِيَّ إذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ لَهُ مُوَرِّثٌ كَافِرٌ أَوْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ الْمُسْلِمُ وَوَرِثَ قَرِيبَهُ الَّذِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ
следующие страницы →