Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
(فَصْلٌ فِي السُّكْرِ) (وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي) (السُّكْرُ) نَوْعَانِ سُكْرٌ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ وَسُكْرٌ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ أَمَّا السُّكْرُ بِالْمُبَاحِ مِثْلُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إذَا شَرِبَ مِنْهَا مَا يَرُدُّ بِهِ الْعَطَشَ فَسَكِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَرِبَ دَوَاءً فَسَكِرَ بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
جِهَتِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى الْعَقْدِ وَإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَا عَلَى الْفَسْخِ وَالْفَسْخُ ضِدُّ الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبُهُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ لَصَحَّ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِيهَا إذْ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهَا بِدُونِ عِلْمِ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ عَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَهُ رَفْعُ صِفَةِ اللُّزُومِ فَقَطْ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ إنَّ الْخِيَارَ كَانَ ثَابِتًا لِلْعَاقِدِ فِي أَصْلِ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ جَمِيعًا فَاسْتِثْنَاءُ أَحَدِ الْخِيَارَيْنِ لِيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ لَا يَكُونُ بِإِيجَابِ الْغَيْرِ لَهُ ذَلِكَ وَتَسْلِيطُهُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ إلَّا نِصْفَهُ بَقِيَ النِّصْفُ فِي مِلْكِهِ كَمَا كَانَ لَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْجَبَ لَهُ مِلْكَ النِّصْفِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مُسَاعِدَةَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِعَقْدٍ لَا حُكْمَ لَهُ وَالْعَقْدُ يَقُومُ بِهِمَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا رَضِيَ بِهِ فَامْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْمُثْبِتِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ وِلَايَةَ الْفَسْخِ لَهُ لِانْتِفَاءِ صِفَةِ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ لَا لِلتَّسْلِيطِ فَيَصِيرُ هَذَا أَيْ صَاحِبُ الْخِيَارِ بِالْفَسْخِ مُتَصَرِّفًا عَلَى الْآخَرِ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ أَيْ إلْزَامٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ أَوْ إلْزَامُ الضَّرَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مُعْتَمِدًا عَلَى صَيْرُورَةِ الْعَقْدِ لَازِمًا فَيَضْمَنُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِعِلْمِهِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ إنَّ الْخِيَارَ وَإِنْ شَابَهُ الِاسْتِثْنَاءَ لَكِنْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُسَاعَدَةِ صَاحِبِهِ فِي ثُبُوتِ الشَّرْطِ فَأَشْبَهَ التَّسْلِيطَ وَهُمَا نَظَرَا إلَى الْحَقِيقَةِ فَقَالَا لَمَّا كَانَ الْخِيَارُ اسْتِثْنَاءً وَهُوَ مَنْعُ الثُّبُوتِ وَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ يَعْنِي بِمَعْنًى مِنْ الْآخَرِ كَانَ حَقُّ الْفَسْخِ غَيْرَ مُسْنَدٍ إلَى تَسْلِيطِ الْآخَرِ فَشَابَهُ عَزْلَ الْوَكِيلِ فَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ.
فَإِنْ قِيلَ فَائِدَةُ الْخِيَارِ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْعَقْدِ إلَّا بِرِضَاهُ وَفِي التَّوْقِيفِ عَلَى عِلْمِ صَاحِبِهِ إضْرَارٌ بِهِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ مُقَدَّرَةٌ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَغِيبَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَتَفُوتَ فَائِدَةُ شَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُهُ بِدُونِ رِضَاهُ قُلْنَا إنَّ التَّصَرُّفَ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى شَرْطِهِ فَامْتِنَاعُ نَفَاذِهِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ لَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْإِضْرَارِ كَالْمُوَكِّلِ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ وَتَدَارُكَ حَقِّهِ فِيمَا بَدَا لَهُ مِنْ الْعَزْلِ لِعَدَمِ شَرْطِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِلَا شَرْطِ عَدَالَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَلِ وَبَعْدَ الثُّلُثِ لَا يَصِحُّ أَصْلًا كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِنَفْسِهِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ بَلَّغَهُ فُضُولِيٌّ شُرِطَ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِي هَذَا الْخَبَرِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي تَحَقُّقِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِيهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ عَدَدًا وَلَا عَدَالَةً وَنَفَذَ الْفَسْخُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ عِلْمُ صَاحِبِهِ بِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ التَّبْلِيغُ وَإِنْ وُجِدَ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ جَمِيعًا لِصَيْرُورَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَا يُمْضِي الْمُدَّةَ وَبَطَلَ الْفَسْخُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَيُعْتَبَرُ نَفْسُ الْمُدَّةِ ثُلُثًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1472
مِثْلُ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ أَوْ شَرِبَ لَبَنًا فَسَكِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا شَرِبَ شَرَابًا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ فَسَكِرَ مِنْهُ حَتَّى لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ فَإِنَّ السُّكْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ فَصَارَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَرَضِ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَذْكُورٌ فِي النَّوَادِرِ.
وَأَمَّا السُّكْرُ الْمَحْظُورُ فَهُوَ السُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ مُحَرَّمٍ، وَكَذَلِكَ السُّكْرُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ أَوْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ الْمَطْبُوخِ الْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّمَا يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْكَرَ مِنْهُ وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَلَهَّى بِهِ فَيَصِيرُ السُّكْرُ مِنْهُ مِثْلَ السُّكْرِ مِنْ الشَّرَابِ الْمُحَرَّمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ
ــ
[كشف الأسرار]
[فَصْلٌ السُّكْر قسمان] [ الْقَسْم الْأَوَّل السُّكْر بِطَرِيقِ مُبَاح]
فَصْلٌ السُّكْرُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي) يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ قِيلَ هُوَ سُرُورٌ يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ فَيَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِيلَهُ وَلِهَذَا بَقِيَ السَّكْرَانُ أَهْلًا لِلْخِطَابِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَكُونُ مَا حَصَلَ مِنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ مِثْلُ الْأَفْيُونِ مِنْ أَقْسَامِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُرُورٍ وَقِيلَ هُوَ غَفْلَةٌ تَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مَعَ فُتُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهَا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ وَقِيلَ هُوَ مَعْنًى يَزُولُ بِهِ الْعَقْلُ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُزِيلَةِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَقَاؤُهُ مُخَاطَبًا بَعْدَ زَوَالِ الْعَقْلِ يَكُونُ أَمْرًا حُكْمِيًّا ثَابِتًا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ عَلَيْهِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْمُحَرَّمَ لَا أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ بَاقِيًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ وَلَمْ يَبْقَ لِلسَّكْرَانِ مِنْ آثَارِ الْعَقْلِ شَيْءٌ فَلَا يُحْكَمُ بِبَقَائِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْحَكِيمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي نَوَادِرِهِ الْعَقْلُ فِي الرَّأْسِ وَشُعَاعُهُ فِي الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ فَالْقَلْبُ يَهْتَدِي بِنُورِهِ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ وَتَمْيِيزِ الْحَسَنِ مِنْ الْقَبِيحِ فَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ خَلَصَ أَثَرُهَا إلَى الصَّدْرِ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَبَقِيَ الصَّدْرُ مُظْلِمًا فَلَمْ يَنْتَفِعْ الْقَلْبُ بِنُورِ الْعَقْلِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ سُكْرًا؛ لِأَنَّهُ سُكْرٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَمَنْ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ فَيَقُولُ إنَّ السُّكْرَ سَدٌّ وَالْعَقْلُ وَرَاءَ السَّدِّ قَائِمٌ وَالصَّبِيُّ لَمْ يُعْطَ عَقْلَ الْحُجَّةِ وَهُوَ تَمَامُ الْعَقْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ.
قَوْلُهُ (مِثْلُ الْبَنْجِ) ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ بِخَانِ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ وَشَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاقِلًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِفِعْلِ الْبَنْجِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْعَقْلِ ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى أَكْلِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَدَاوَى الْإِنْسَانُ بِالْبَنْجِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ عَقْلُهُ مِنْهُ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ (حَتَّى لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ) ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ حَلَالٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى إنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ وَإِنْ سَكِرَ فِي قَوْلِهِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ يَجِبُ الْحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ مِنْهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ مِنْ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَقَعُ بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَانِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْصِيلًا بَيْنَ الْمَطْبُوخِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْعَسَلِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ إنْ كَانَ مَطْبُوخًا أَدْنَى طَبْخَةٍ يَحِلُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ بَعْضُهُمْ يَحِلُّ شُرْبُهُ إلَّا الْقَدَحَ الْمُسْكِرَ.
وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى غَلَى وَاشْتَدَّ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَطْبُوخًا وَفِي رِوَايَةٍ يَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَمْ تُتَّخَذْ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّبْخُ بِخِلَافِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَهَذَا
стр. 1473
وَهَذَا السُّكْرُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وَإِنْ كَانَ هَذَا خِطَابًا فِي حَالِ السُّكْرِ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْعَاقِلِ إذَا جُنِنْتَ فَلَا تَفْعَلْ كَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا لَمْ يَسْتَكْثِرْ فَإِنْ اسْتَكْثَرَ حَتَّى سَكِرَ فَالسُّكْرُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَفِي نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ أَلْحَقَهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ قَالَ هُوَ مُتَّخَذٌ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ لَبَنِ الرِّمَاكِ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ مِنْ الْعَسَلِ وَالذُّرَةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مُعْتَقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَقٍ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ فِي النَّوَادِرِ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ شَرِبَ النِّيءَ مِنْهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ لَا يَحِلُّ.
وَذَكَرَ الدَّلَائِلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْفَانِيذِ وَالْكُمَّثْرَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَوْ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْحَدَّ كَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَلَهَّى بِهِ أَوْ السُّكْرُ الْحَاصِلُ بِهَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهُوَ الْبَنْجُ وَلَبَنُ الرِّمَاكِ وَالْأَفْيُونُ مَذْكُورٌ فِي النَّوَادِرِ فَأَمَّا الْمُتَّخَذُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ فَمَذْكُورٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمَبْسُوطِ.
[الْقَسْم الثَّانِي السُّكْر بِطَرِيقِ غَيْر مُبَاح]
قَوْلُهُ (وَكَذَا السُّكْرُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ) عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالنَّارِ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ ثُمَّ رُقِّقَ بِالْمَاءِ وَتُرِكَ حَتَّى اشْتَدَّ يُسَمَّى مُثَلَّثًا وَيَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِاسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ وَالتَّدَاوِي وَالتَّقَوِّي دُونَ التَّلَهِّي وَاللَّعِبِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ مِنْهُ يَجِبُ الْحَدُّ وَإِنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ مِنْهُ وَبَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ وَنَقِيعُهُ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ الزَّبِيبُ لِيُخْرِجَ حَلَاوَتَهُ إلَيْهِ ثُمَّ هُوَ إنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى اشْتَدَّ وَغَلَى وَقُذِفَ بِالزُّبْدِ فَهُوَ حَرَامٌ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَإِنْ اشْتَدَّ بَعْدَ مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةً يَحِلُّ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى هِشَامٌ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ لَا يَحِلُّ كَالْعَصِيرِ فَقَوْلُهُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُثَلَّثَ الَّذِي بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّبِيذِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخْلَطُ بِالْمَاءِ لِلتَّرْقِيقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ نَبِيذُ الزَّبِيبِ الْمُثَلَّثِ عَلَى رِوَايَةِ هِشَامٍ وَمِنْ الثَّانِي الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَالشُّرْبُ إلَى السُّكْرِ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِقَوْلِهِ ﵇ «حَرُمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَالْمُعَتَّقُ الْمُشْتَدُّ وَتَعْتِيقُ الْخَمْرِ تَرْكُهَا لِتَصِيرَ عَتِيقَةً أَيْ قَدِيمَةً شَدِيدَةً لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْمُثَلَّثَ أَوْ نَبِيذَ الزَّبِيبِ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَلَهَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّخَذٌ مِنْ الْعِنَبِ كَالْخَمْرِ وَالْفُسَّاقُ يَسْتَعْمِلُونَهُ اسْتِعْمَالَ الْخَمْرِ لِلتَّلَهِّي وَالْفِسْقِ فَيَكُونُ السُّكْرُ مِنْهُ مَحْظُورًا، أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ سَبَبِهِ وَدَعَا الطَّبْعُ إلَى الشَّرَابِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبُ حَاصِلٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الزَّاجِرِ بِخِلَافِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ قَوْلُهُ (وَهَذَا السُّكْرُ) أَيْ السُّكْرُ الْمَحْظُورُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَإِنْ كَانَ هَذَا خِطَابًا فِي حَالِ سُكْرِهِ بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ أَيْضًا إذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لَهُ لَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ إذَا سَكِرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ
стр. 1474
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا وَيَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشَّرْيِ وَالْأَقَارِيرِ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ دُونَ الْعِبَارَةِ حَتَّى إنَّ السَّكْرَانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا تُصَلُّوا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ كَقَوْلِك لِلْعَاقِلِ إذَا جُنِنْت فَلَا تَفْعَلْ كَذَا وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إضَافَةُ الْخِطَابِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ وَلَمَّا صَحَّ هَاهُنَا عَرَفْنَا أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخِطَابِ فِي حَالَةِ السُّكْرِ فَإِنْ قِيلَ السُّكْرُ يُعْجِزُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْخِطَابُ عَنْهُ أَوْ يَتَأَخَّرَ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ مَا تُبْتَنَى عَلَى صِحَّةِ الْعِبَارَةِ.
قُلْنَا الْخِطَابُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَبْدِ بِاعْتِدَالِ الْحَالِ وَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْبُلُوغُ عَنْ عَقْلٍ مُقَامَهُ تَيْسِيرًا لِعُذْرِ لِلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَبِالسُّكْرِ لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قُدْرَتُهُ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ إنْ فَاتَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يَصْلُحُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ أَوْ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَإِلَى الْحَرَجِ فَأَمَّا إذَا فَاتَتْ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ عُدَّتْ قَائِمَةً زَجْرًا عَلَيْهِ فَبَقِيَ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي وُسْعِهِ دَفْعُ السُّكْرِ عَنْ نَفْسِهِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الشُّرْبِ كَانَ هُوَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الشُّرْبِ مُضَيِّعًا لِلْقُدْرَةِ فَيَبْقَى التَّكْلِيفُ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ بَقِيَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّكْرَانَ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، وَالسُّكْرُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ بِالْإِعْدَامِ فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَوْ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَيْضًا؛ لِأَنَّ غَفْلَتَهُ فَوْقَ غَفْلَةِ النَّائِمِ فَإِنَّ النَّائِمَ يَنْتَبِهُ إذَا نُبِّهَ وَالسَّكْرَانُ لَا يَنْتَبِهُ ثُمَّ طَلَاقُ النَّائِمِ وَعَتَاقِهِ لَا يَقَعُ فَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَعَتَاقُهُ أَوْلَى وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ.
وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ وَتَزْوِيجُهُ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ وَتَزَوُّجُهُ وَإِقْرَاضُهُ وَاسْتِقْرَاضُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي وَبِالسُّكْرِ لَا يَنْعَدِمُ عَقْلُهُ إنَّمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ السُّرُورُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ سَوَاءٌ شَرِبَ مُكْرَهًا أَوْ طَائِعًا كَذَا فِي أَشْرِبَةِ الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ ﵀ وَإِنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ مُكْرَهًا ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ اخْتَلَفُوا بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ أَيْ الْقَصْدُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ نُورِ الْعَقْلِ وَقَدْ احْتَجِبْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالسُّكْرِ دُونَ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ حِسًّا وَصِحَّتُهَا تُبْتَنَى عَلَى أَهْلِ الْعَقْلِ حَتَّى إنَّ السَّكْرَانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي فِي اعْتِبَارِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْتَنَى عَلَى الْقَصْدِ وَالِاعْتِقَادِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُولُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ الصَّحْوِ وَمَا كَانَ عَنْ عَقْدِ الْقَلْبِ لَا يُنْسَى خُصُوصًا الْمَذَاهِبُ فَإِنَّهَا تُخْتَارُ عَنْ فِكْرٍ وَرُؤْيَةٍ وَعَمَّا هُوَ الْأَحَقُّ مِنْ الْأُمُورِ عِنْدَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ هَذَا عَمَلَ اللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ فَلَا يَكُونُ اللِّسَانُ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي الضَّمِيرِ
стр. 1475
وَإِذَا أَسْلَمَ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ كَإِسْلَامِ الْمُكْرَهِ وَإِذَا أَقَرَّهُ بِالْقِصَاصِ أَوْ بَاشَرَ سَبَبَ الْقِصَاصِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ وَإِذَا قَذَفَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِهِ فَبِدَلِيلِهِ أَوْلَى وَإِنْ زَنَى فِي سُكْرِهِ حُدَّ إذَا صَحَا وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْخَمْرِ طَائِعًا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُقِرَّ أَوْ يَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ إلَّا بِحَدِّ الْقَذْفِ وَإِنَّمَا لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ الْخِطَابُ وَلَزِمَهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ لَكِنَّهُ سُرُورٌ غَلَبَهُ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً لَمْ يُعَدَّ عُذْرًا، وَكَذَلِكَ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ حُكْمًا كَمَا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِ الصَّاحِي كَلِمَةُ الْكُفْرِ خَطَأً كَيْف وَلَا يَنْجُو سَكْرَانُ مِنْ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَادَةً وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ هَازِلًا؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ وَهُوَ كُفْرٌ وَقَدْ صَدَرَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ فَيُعْتَبَرُ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ وَاحِدًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ سَكِرَ حِينَ كَانَ الشَّرَابُ حَلَالًا فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدِي وَعَبِيدَ آبَائِي وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُ كُفْرًا وَقَرَأَ سَكْرَانٌ سُورَةَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَتَرَكَ اللَّاءَاتِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] وَلَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِكُفْرِهِ وَلَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا بِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ» فَدَلَّ أَنَّ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَالِ السُّكْرِ لَا يُحْكَمُ بِالرِّدَّةِ كَمَا لَا يُحْكَمُ بِهَا فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَالْجُنُونِ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّمَسُّكُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هَاهُنَا أَنَّ كَلَامَنَا فِي السُّكْرِ الْمَحْظُورِ وَكَانَ ذَلِكَ السُّكْرُ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ كَانَ حَلَالًا فَصَيْرُورَتُهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الرِّدَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى صَيْرُورَتِهِ الْمَحْظُورَ عُذْرًا فِيهِ.
وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي حَالِ السُّكْرِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ بِوُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْمُكْرَهِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إيمَانُهُ أَنَّ دَلِيلَ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ يُقَارِنُهُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ رِدَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَلَوْ أَثْبَتْنَا الرِّدَّةَ فَالسُّكْرُ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهَا فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِمَا يَمْنَعُ عَنْ ثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ إذْ السَّكْرَانُ لَا يَكَادُ يَسْتَقِرُّ عَلَى أَمْرٍ وَيَثْبُتُ عَلَى كَلَامٍ وَذَلِكَ أَيْ الْإِقْرَارُ بِالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ وَمُبَاشَرَةُ سَبَبِهِمَا لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ أَمْرٌ مُعَايَنٌ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَبِدَلِيلِ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَإِذَا قَذَفَ السَّكْرَانُ رَجُلًا حُبِسَ حَتَّى يَصْحُوَ ثُمَّ يُحَدُّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُحْبَسُ حَتَّى يَجِفَّ عَلَيْهِ الضَّرْبُ ثُمَّ يُحَدُّ لِلسُّكْرِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ فِيهِ مَعْنَى حَقِّ الْعِبَادِ فَيُقَدَّمُ عَلَى حَدِّ السُّكْرِ وَلَا يُوَالِي بَيْنَهُمَا فِي الْإِقَامَةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّلَفِ وَسُكْرُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سُكْرِهِ مُخَاطَبٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَخَذُوا حَدَّ الشُّرْبِ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا شَرِبَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَإِذَا زَنَى فِي سُكْرِهِ حُدَّ إذَا صَحَا يَعْنِي إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ لِأَمْرٍ دَلَّهُ وَالسُّكْرُ لَا يَصْلُحُ شُبْهَةً دَارِئَةً؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ لَكِنَّ الْحَدَّ يُؤَخَّرُ إلَى الصَّحْوِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الِانْزِجَارُ لَا يَحْصُلُ بِالْإِقَامَةِ فِي حَالَةِ السُّكْرِ.
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْخَمْرِ طَائِعًا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُقِرَّ ثَانِيًا أَوْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ سَكِرَ طَائِعًا لِمَا قُلْنَا إنَّ السُّكْرَ أَنْ لَا يَثْبُتَ عَلَى كَلَامٍ وَلَكِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالسَّبَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِيجَابِ حَدِّ الْخَمْرِ وَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ إلَّا بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ يَصِحُّ فِيمَا سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ وَقَدْ قَارَنَهُ هَاهُنَا دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ فَمَنَعَهُ عَنْ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ
стр. 1476
إذَا كَانَ مُبَاحًا مُقَيَّدًا وَهُوَ مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا كَانَ مُبَاحًا جُعِلَ عُذْرًا. وَأَمَّا مَا تَعْتَمِدُ الِاعْتِقَادَ مِثْلُ الرِّدَّةِ فَإِنْ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ اسْتِحْسَانًا لِعَدَمِ رُكْنِهِ لَا أَنَّ السُّكْرَ جُعِلَ عُذْرًا وَمَا يُبْتَنَى عَلَى صِحَّةِ الْعِبَارَةِ فَقَدْ وُجِدَ رُكْنُهُ وَالسُّكْرُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا.
وَأَمَّا الْحُدُودُ فَإِنَّهَا تُقَامُ عَلَيْهِ إذَا صَحَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ السُّكْرَ بِعَيْنِهِ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَلَا شُبْهَةٍ إلَّا أَنَّ مِنْ عَادَةِ السُّكْرِ أَنَّ اخْتِلَاطَ الْكَلَامِ هُوَ أَصْلُهُ وَلَا ثَبَاتَ لَهُ عَلَى الْكَلَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ السُّكْرَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا الْحَدِّ وَقَدْ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حَقِّ الْحُدُودِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ هُوَ أَنْ يَخْتَلِطَ كَلَامُهُ وَيَهْذِيَ غَالِبًا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أُقِيمَ السُّكْرُ مَقَامَ الرُّجُوعِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيمَا يُعَايَنُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَدِّ وَعُمِلَ فِي الْإِقْرَارِ الَّذِي يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ
ــ
[كشف الأسرار]
﵀ إلَى دَلَائِلِ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا لَمْ يُوضَعْ عَنْ السَّكْرَانِ إلَى آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ أَيْ سَبَبُ السُّكْرِ مَعْصِيَةً بِأَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ الْبَاذَقَ أَوْ نَحْوَهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يُعَدَّ السُّكْرَ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ كَانَ سَبَبُهُ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ الِاحْتِرَازِ عَنْ السُّكْرِ وَذَلِكَ السَّبَبُ مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ كَالْمُثَلَّثِ وَنَبِيذِ الزَّبِيبِ الْمَطْبُوخِ الْمُعَتَّقِ وَنَحْوِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ بَيَانُ التَّقْيِيدِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ السُّكْرِ فِيمَا يُتَلَهَّى بِهِ لَا فِي غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ سَبَبُهُ مُبَاحًا يَعْنِي عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ السُّكْرِ كَالْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا جُعِلَ عُذْرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ لِلتَّلَهِّي فِي الْأَصْلِ بَلْ هِيَ لِلتَّغَذِّي وَلَا أَثَرَ لِتَغَيُّرِهَا فِي الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الطَّعَامِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُرْمَةِ وَكَذَا نَفْسُ الشِّدَّةِ لَا تُوجِبُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ كَالْبَنْجِ وَفِي بَعْضِ الْأَشْرِبَةِ كَاللَّبَنِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ السُّكْرَ جُعِلَ عُذْرًا) إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ قَدْ جُعِلَ السُّكْرُ الْمَحْظُورُ عُذْرًا فِي الرِّدَّةِ حَتَّى مَنَعَ صِحَّتَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا فِي غَيْرِهَا أَيْضًا فَقَالَ عَدَمُ صِحَّةِ الرِّدَّةِ لِفَوَاتِ رُكْنِهَا وَهُوَ تَبَدُّلُ الِاعْتِقَادِ، لَا لِأَنَّ السُّكْرَ جُعِلَ عُذْرًا فِيهَا بِخِلَافِ مَا يُبْتَنَى عَلَى الْعِبَارَةِ مِنْ الْأَحْكَامِ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْعُقُودِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ تَحَقَّقَ فِيهَا مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا إلَّا أَنَّ أَيْ لَكِنْ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ أَمَّا الْحُدُودُ فَإِنَّهَا تُقَامُ عَلَيْهِ يَعْنِي السُّكْرُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ السَّكْرَانِ اخْتِلَاطَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ الثَّبَاتِ عَلَى كَلَامٍ هُوَ أَصْلُهُ أَيْ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ أَصْلٌ فِي السُّكْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا اتَّفَقُوا أَنَّ السُّكْرَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا الْحَدِّ أَيْ بِدُونِ اخْتِلَاطِ الْكَلَامِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ وَزَادَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى اشْتِرَاطِ اخْتِلَاطِ الْكَلَامِ لِثُبُوتِ السُّكْرِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ شَرْطًا آخَرَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَقَالَ السُّكْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَا الْأُنْثَى مِنْ الذَّكَرِ اعْتِبَارًا لِلنِّهَايَةِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ كَمَا فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِعَقْلِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نِهَايَةَ السُّكْرِ وَفِي الْيَقْظَانِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ أَيْ حَدُّ السُّكْرِ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَقِّ غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ هُوَ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ وَغَلَبَةُ الْهَذَيَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَلَا ارْتِدَادُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَنْ اخْتَلَطَ كَلَامُهُ بِالشُّرْبِ يُعَدُّ سَكْرَانَ فِي النَّاسِ عُرْفًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَقَدْ وَافَقَهُمَا يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي السُّكْرِ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ الشُّرْبُ هُوَ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّهَايَةِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ فَأَمَّا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فَيُؤْخَذُ فِيهِمَا بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى قَوْلِهِمَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ السَّكْرَانُ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ أَوْ كَانَ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ أَصْلًا فِي السُّكْرِ أُقِيمَ السُّكْرُ مُقَامَ الرُّجُوعِ إلَى آخِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1477
(فَصْلُ الْهَزْلِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ. وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتَفْسِيرُهُ اللَّعِبَ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَهُوَ ضِدُّ الْجَدِّ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا وُضِعَ لَهُ فَصَارَ الْهَزْلُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ وَلَا يُنَافِي الرِّضَاءَ بِالْمُبَاشَرَةِ وَاخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ فَصَارَ بِمَعْنَى خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَلَا يُعْدَمُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ هَذَا تَفْسِيرُ الْهَزْلِ وَأَثَرُهُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مَشْرُوطًا بِاللِّسَانِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالتَّلْجِئَةُ هِيَ الْهَزْلُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْأَهْلِيَّةِ وَلَا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا عُذْرًا فِي وَضْعِ الْخِطَابِ بِحَالٍ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَثَرُهُ مَا.
قُلْنَا وَجَبَ النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ كَيْفَ يَنْقَسِمُ فِي حَقِّ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ
ــ
[كشف الأسرار]
[فَصْلُ الْهَزْلِ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]
فَصْلُ الْهَزْلِ)
وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتَفْسِيرُهُ اللَّعِبُ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ هَاهُنَا وَضْعَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا غَيْرُ كَالْأَسَدِ لِلْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ وَالْإِنْسَانِ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ بَلْ الْمُرَادُ وَضْعُ الْعَقْلِ أَوْ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ عَقْلًا لِإِفَادَةِ مَعْنَاهُ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا وَالتَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ حُكْمِهِ فَإِذَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ غَيْرَ مَوْضُوعِهِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ عَدَمُ إفَادَةِ مَعْنَاهُ أَصْلًا أُرِيدَ بِالتَّصَرُّفِ غَيْرَ مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ عَدَمُ إفَادَتِهِ الْحُكْمَ أَصْلًا فَهُوَ الْهَزْلُ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْهَزْلِ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ الْعَقْلِيَّ الْكَلَامُ وَهُوَ إفَادَةُ الْمَعْنَى فِي الْمَجَازِ مُرَادًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْضُوعُ لَهُ اللُّغَوِيُّ مُرَادًا وَفِي الْهَزْلِ كِلَاهُمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ بِاللَّعِبِ إذْ اللَّعِبُ مَا لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا وَهُوَ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ ﵀ أَنَّ الْهَزْلَ مَا لَا يُرَادُ بِهِ مَعْنًى وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْهَزْلَ كَلَامٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ مَا صَلُحَ لَهُ الْكَلَامُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا مَا صَلُحَ لَهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَقَوْلُهُ وَهُوَ ضِدُّ الْجَدِّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَجَازِ كَمَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابِلَ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةُ وَمُقَابِلَ الْهَزْلِ الْجَدُّ وَالْمَجَازُ دَاخِلٌ فِي الْجَدِّ كَالْحَقِيقَةِ فَكَانَ الْهَزْلُ مُخَالِفًا لَهُمَا وَلِهَذَا جَازَ الْمَجَازُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا يَجُوزُ الْهَزْلُ فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِ خُلُوَّهُ عَنْ الْإِفَادَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَصَارَ الْهَزْلُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءَ بِهِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ تَفْسِيرُ الْهَزْلِ مَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَرِدُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ كَانَ الْهَزْلُ مُنَافِيًا لِاخْتِيَارِ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءِ بِهِ ضَرُورَةً وَلَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الرِّضَاءَ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَاخْتِيَارِ الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ يَتَكَلَّمُ بِمَا هَزِلَ بِهِ عَنْ اخْتِيَارٍ وَرِضَاءٍ فَصَارَ الْهَزْلُ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّ الْخِيَارَ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْحُكْمِ لَا غَيْرُ وَلَا يُعْدَمُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْت وَاشْتَرَيْت يُوجَدُ بِرِضَاءِ الْعَاقِدِ وَاخْتِيَارِهِ فَكَذَا فِي الْهَزْلِ يُوجَدُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ السَّبَبِ وَلَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّ الْهَزْلَ فِي الْبَيْعِ يُفْسِدُهُ وَخِيَارُ الشَّرْطِ لَا يُفْسِدُهُ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ الرِّضَاءِ كَمَا فِي مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ وَشَرْطُهُ أَيْ شَرْطُ ثُبُوتِ الْهَزْلِ وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مَشْرُوطًا بِاللِّسَانِ بِأَنْ تَقُولَ إنِّي أَبِيعُ هَذَا الشَّيْءَ هَازِلًا أَوْ أَتَصَرَّفُ التَّصَرُّفَ الْفُلَانِيَّ هَازِلًا وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْهَازِلِ فِي الْعَقْدِ إذْ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ التَّصَرُّفَ الَّذِي هَزَلَ بِهِ جِدًّا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يُكْتَفَى بِاشْتِرَاطِهِ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ الْغَبْنِ وَمَنْعِ الْحُكْمِ عَنْ الثُّبُوتِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْعَقْدِ وَالتَّلْجِئَةُ هِيَ الْهَزْلُ ذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ التَّلْجِئَةَ أَنْ تُلْجِئَك إلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمْرًا بَاطِنُهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ فَتَكُونَ التَّلْجِئَةُ نَوْعًا مِنْ الْهَزْلِ وَالْهَزْلُ أَعَمُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ وَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا لَهُ بِأَنْ نَقُولَ بِعْتُك هَازِلًا وَاشْتِرَاطُ التَّلْجِئَةُ لَا يَكُونُ إلَّا سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ
стр. 1478
فَيَجِبُ تَخْرِيجُهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ وَذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ إمَّا إنْ يُدْخِلْ التَّلْجِئَةَ وَالْهَزْلَ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ أَوْ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ فَهَذَا وَجْهٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يَنْفَسِخُ أَوْ لَا وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُدْخِلَ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَى الِاعْتِقَادِ وَذَلِكَ وَجْهَانِ الْإِيمَانُ وَالرِّدَّةُ، فَأَمَّا إذَا دَخَلَ فِيمَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِثْلَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَهْزِلَا بِأَصْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ الْعِوَضِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا إنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ ثُمَّ يَتَّفِقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ أَوْ يَخْتَلِفَا فَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ بِأَصْلِهِ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَإِنَّ الْبَيْعَ مُنْعَقِدٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْهَازِلَ مُخْتَارٌ وَرَاضٍ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ وَلَا رَاضٍ بِحُكْمِهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ مُؤَبَّدًا فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ فَاسِدًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ كَخِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَعًا عَلَى احْتِمَالِ الْجَوَازِ كَرَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أَبَدًا أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ أَبَدًا فَإِنْ نَقَضَهُ أَحَدُهُمَا يُنْقَضُ وَإِنْ أَجَازَاهُ جَازَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ وَهَذَا لَمْ يَقَعْ الْمِلْكُ بِهَذَا الْبَيْعِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالسُّنَّةِ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِيجَابَ وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ.
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَفِي الْمَبْسُوطِ مَعْنَى قَوْلِهِ أُلْجِئُ إلَيْك دَارِي أَجْعَلُك ظَهْرًا لَا تُمَكَّنُ بِجَاهِك مِنْ صِيَانَةِ مِلْكِي يُقَالُ الْتَجَأَ فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ وَأَلْجَأَ ظَهْرَهُ إلَى كَذَا وَالْمُرَادُ هَذَا الْمَعْنَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَا مُلْجَأٌ مُضْطَرٌّ إلَى مَا أُبَاشِرُهُ مِنْ الْبَيْعِ مَعَك وَلَسْت بِقَاصِدٍ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ لَمَّا كَانَ أَثَرُ الْهَزْلِ مَا قُلْنَا إنَّهُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءَ بِهِ فَيَجِبُ تَخْرِيجُهَا أَيْ تَخْرِيجُ الْأَحْكَامِ مَعَ الْهَزْلِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ أَيْ عَلَى انْقِسَامِهَا فِي حُكْمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ فَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ وَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ كَمَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ.
وَذَلِكَ أَيْ تَخْرِيجُ الْأَحْكَامِ مَعَ الْهَزْلِ بِحَسَبِ انْقِسَامِهَا فِي الرِّضَاءِ عَلَى وُجُوهٍ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَوْ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ، مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَهَذَا وَجْهٌ إنَّمَا جَعَلَهُمَا وَجْهًا لِيَصِيرَ الْجَمِيعُ أَرْبَعَةً إذْ أَكْثَرُ تَقَاسِيمِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا.
الْمُوَاضَعَةُ الْمُوَافَقَةُ يُقَالُ وَاضَعْته فِي الْأَمْرِ إذَا وَافَقْته عَلَيْهِ وَالتَّوَاضُعُ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّوَافُقِ عَلَى الشَّيْءِ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ فَاسِدًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ وَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْبَيْعِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ يُوجِبُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ أُلْحِقَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَفِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ كَخِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَعًا يَعْنِي إذَا شُرِطَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ خِيَارَ كُلِّ وَاحِدٍ يَمْنَعُ زَوَالَ مِلْكِهِ عَمَّا فِي يَدِهِ فَكَذَا الْهَزْلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَازِلًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُمَا عَلَى احْتِمَالِ الْجَوَازِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ انْعَقَدَ فَاسِدًا فَإِنْ نَقَضَ الْعَقْدَ أَحَدُهُمَا يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْهَزْلِ انْتَقَضَتْ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةَ النَّقْضِ فَيَنْفَرِدُ بِهِ وَإِنْ أَجَازَاهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا حُكْمَهُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِمَا لِلْحُكْمِ وَقَدْ اخْتَارَ ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُمَا كَانَ الْمُخَيَّرُ مُسْقِطًا خِيَارَهُ وَلَكِنَّ خِيَارَ الْآخَرِ يَكْفِي فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الْعَقْدِ فَإِنْ أَجَازَ صَاحِبُهُ بَعْدُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَسْقَطَا خِيَارَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْإِجَازَةِ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ حَتَّى لَوْ أَجَازَاهُ فِي الثَّلَاثِ صَحَّ الْعَقْدُ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ لَوْ أَسْقَطَاهُ فِي الثُّلُثِ يَصِحُّ لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَذَا هَاهُنَا وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَمْ يَقَعْ الْمِلْكُ بِهَذَا الْبَيْعِ هَزْلًا وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَأَعْتَقَهُ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِمَا لِلْحُكْمِ بِالْقَصْدِ إلَى الْهَزْلِ فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا لَهُ فَقَبْلَ الِاخْتِيَارِ لَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ مُخْتَارًا لِلْحُكْمِ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْجَدِّ مِنْ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا أُكْرِهَ عَلَى الْجَدِّ وَأَجَابَ إلَى ذَلِكَ فَلِهَذَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى لَوْ كَانَ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ تَلْجِئَةٍ فَبَاعَهُ لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَيْضًا وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَلَا الِاخْتِيَارَ وَالرِّضَاءَ
стр. 1479
وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَقَدْ بَطَلَ الْهَزْلُ بِإِعْرَاضِهِمَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْحَالَيْنِ فَجَعَلَ صِحَّةَ الْإِيجَابِ أَوْلَى إذَا سَكَتَا، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا سَكَتَا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْبِنَاءَ فَاعْتَبَرَ الْمُوَاضَعَةَ وَأَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهَا إلَّا أَنْ يُوجَدَ النَّصُّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا كَذَلِكَ حَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ لَكِنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَا أَعْلَمُ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا أَعْلَمُ لَيْسَ بِشَكٍّ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَازِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ هَذَا بِقَوْلِ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْقَاضِي أَشْهَد أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ.
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ لَا بِفَتْوَى أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْعَقْدُ الْمَشْرُوعُ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ نَصًّا
ــ
[كشف الأسرار]
بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» فَعُلِمَ بِهِ أَيْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِيجَابَ أَيْ السَّبَبَ إذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لِنَفْسِ الْكَلَامِ وَانْعِقَادِهِ سَبَبًا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ الْفَاسِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ الْمَجْنُونِ لِفَسَادِهَا فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الْهَازِلِ صَحِيحٌ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبًا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ) عَنْ الْمُوَاضَعَةِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً فَتَرْتَفِعُ بِمَا قَصَدَا مِنْ الْجِدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَقْدَ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَالْعَقْدُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهَا وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَنَيْنَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْرَضْنَا عَنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَفِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ أَيْ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ النَّصُّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا وَهُوَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْإِعْرَاضِ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ لَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا أَعْلَمُ يَعْنِي ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ لَفْظَةَ فِيمَا أَعْلَمُ حِينَ رَوَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ شَكًّا فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ وَالْإِنْسَانُ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِيمَا عَلَيْهِ فَكَانَ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِيمَا أَتَيَقَّنُ بِهِ وَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعِلْمِ مُؤَكِّدًا لِإِقْرَارِهِ لَا مُبْطِلًا لَهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ تَأْكِيدًا لِلرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحَقُّقٍ لَا تَشْكِيكًا فَيَكُونُ الْخِلَافُ ثَابِتًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمِنْهُمْ أَيْ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اعْتَبَرَ هَذَا أَيْ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ هَاهُنَا بِقَوْلِ الشَّاهِدِ أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَيْ قَوْلُ الشَّاهِدِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ اسْتِثْنَاءٌ لِيَقِينِهِ وَبَيَانٌ لَشَكَّهُ بِمَنْزِلَةِ فِيمَا أَحْسَبُ أَوْ أَظُنُّ فَكَذَا هَاهُنَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ تَشْكِيكًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْغَيْرِ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ ﵏؛ لِأَنَّ مَا رُوِيَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ لِلشَّكِّ وَالْأَصْلُ هُوَ الْمُوَافَقَةُ لَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ فَيَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ هَاهُنَا لِلتَّحْقِيقِ لَا لِلتَّشْكِيكِ فَكَانَ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّى رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ مُطْلَقًا أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قَوْلِهِ هَاهُنَا فِيمَا أَعْلَمُ بِمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِمَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ مَحْضٌ عَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِهِ زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ وَالرِّوَايَةُ مِثْلُهُ فَتَلْحَقُ بِهِ فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَفِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ حَتَّى اخْتَصَّتْ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَحُضُورِ الْحَادِثَةِ وَلَا تَتَأَدَّى بِلَفْظَةِ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ فَكَانَ قَوْلُ الشَّاهِدِ فِيمَا أَعْلَمُ مُوهِمًا لِلشَّكِّ فِي الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ لَا بِفَتْوَى أَبِي حَنِيفَةَ رَدٌّ لِمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَوَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بِكَلَامِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ -
стр. 1480
فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّحْقِيقِ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ وَهُمَا اُعْتُبِرَا لِعَادَةٍ وَهُوَ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ مَا أَمْكَنَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا أَسْبَقُ الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْآخَرُ نَاسِخٌ وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَقْدِ لَكِنَّهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا هَزْلٌ وَتَلْجِئَةٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ كَانَ الثَّمَنُ بِالْيَقِينِ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَالْهَزْلُ بَاطِلٌ وَالتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ وَاجِبٌ وَالْأَلْفُ الَّذِي هَزَلَا بِهِ بَاطِلٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَصْلِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَعْلَمُهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ فَأُلْحِقَ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ.
كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا أَشُكُّ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ وَغَرَضُ الشَّيْخِ ﵀ إثْبَاتُ الِاخْتِلَافِ فَقَالَ هُوَ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ عِنْدَهُ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُوجِبُ شَكًّا فِي الرِّوَايَةِ فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا فَصَارَ كَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ إنْ فِيمَا أَتَيَقَّنُ وَأَعْلَمُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ لِعَارِضٍ فَمَنْ ادَّعَى عَدَمَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَكَانَ دَعْوَى الْآخَرِ الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ كَدَعْوَاهُ خِيَارَ الشَّرْطِ فَلَا يُقْبَلُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً بَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِإِبْطَالِهَا فَإِعْرَاضُ أَحَدِهِمَا عَنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ كَإِعْرَاضِهِمَا وَإِذَا بَطَلَتْ الْمُوَاضَعَةُ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا ثُمَّ اخْتِلَافُهُمَا فِي بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي أَصْلِ الْمُوَاضَعَةِ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ وَجَحَدَهُ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ وَكَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمَا فَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا.
وَفِيمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ إنَّمَا صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً فِيهِ.
كَمَا لَوْ تَوَاضَعَا عَلَى شَرْطِ خِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ وَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْعَقْدُ الْمَشْرُوعُ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ أَيْ الْعَقْدُ شُرِعَ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ هَاهُنَا لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْهَزْلِ بِهِ نَصًّا فَهُوَ أَيْ الْجِدُّ أَوْلَى بِالتَّحْقِيقِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي هِيَ عَارِضَةٌ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِمَنْ يَدَّعِي الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَا تَوَاضَعَا إلَّا لِيَبْنِيَا عَلَيْهِ صَوْنًا لِلْمَالِ عَنْ يَدِ الْمُتَغَلِّبِ فَيَكُونُ فِعْلُهُمَا بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْعَلْ بِنَاءً عَلَيْهَا كَانَ اشْتِغَالُهُمَا بِهَا اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الصِّحَّةُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ هَذَا الظَّاهِرُ مُعَارِضًا لَهُ فَتَرَجَّحَ السَّابِقُ مِنْهُمَا إذْ السَّبَقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَةَ الْهَزْلِ لَمْ يُعَارِضْهَا شَيْءٌ فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِلَا مُعَارِضٍ وَالسُّكُوتُ فِي حَالَةِ الْعَقْدِ أَوْ الِاخْتِلَافِ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْجِدِّ وَلَا لِلْهَزْلِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالسَّابِقِ.
وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْآخَرَ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْجِدَّ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ شَرْعًا وَعَقْلًا وَكَمَا يَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَسْبِقْهُ مُوَاضَعَةٌ عَلَى الْهَزْلِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إذَا سَبَقَهُ مُوَاضَعَةٌ إنْ أَمْكَنَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْهَزْلِ نَصًّا وَعَدَمِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ فَيُحْمَلُ
стр. 1481
وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُمَا جَدَّا فِي الْعَقْدِ، وَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ يَجْعَلُهُ شَرْطًا فَاسِدًا فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْوَصْفِ أَعْنِي تَعَارُضَ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْبَدَلِ وَالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَا أَعْلَمُ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَنَّ ذَلِكَ تَلْجِئَةٌ وَإِنَّمَا الثَّمَنُ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ هَا هُنَا فَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْهَزْلِ فِي الْقَدْرِ قَالَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَتَيْنِ مُمْكِنٌ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ، وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى شَرْطٌ لَا طَالِبَ لَهُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ نَاسِخًا لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ.
بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ لِوُجُودِ التَّصْرِيحِ بِالْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ فَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِأَلْفَيْنِ عِنْدَهُ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِأَلْفٍ وَالْأَلْفُ الَّذِي هَزَلَا بِهِ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ يَعْنِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْأَصْلَ هُوَ الْجِدُّ وَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مَا أَمْكَنَ وَعِنْدَهُمَا الْأَصْلُ هُوَ الْمُوَاضَعَةُ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهَا أَحَقَّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) أَيْضًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَهِيَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَهُمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا السُّمْعَةَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَلَا حَاجَةَ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ إلَى اعْتِبَارِ تَسْمِيَتِهِمَا الْأَلْفَ الَّذِي هَزَلَا بِهِ فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءٌ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا جَدَّا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَقَصَدَا بَيْعًا جَائِزًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاضَعَةُ فِي الْبَدَلِ لَصَارَ الْعَقْدُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ فَيَصِيرُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِيهِ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْهَزْلِ فِي مَنْعِ الْوُجُوبِ لَا فِي الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لَهُمَا فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ وَفَصَّلَ الثَّمَنَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِمَا قَصَدَا مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ مَعَ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْبَدَلِ لِانْدِفَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَاضَعَتَيْنِ بِالْأُخْرَى فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ صَحِيحًا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمُوَاضَعَتَيْنِ أَوَّلًا مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْوَصْفِ وَهِيَ أَنْ لَا يَجِبَ الْأَلْفُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ تَابِعٌ وَالْأَصْلُ مَتْبُوعٌ فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْوَصْفِ وَدَلِيلُ كَوْنِ الثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّهْيِ وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى وَجَبَ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ فَكَانَ الثَّمَنُ أَلْفَيْنِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ يَعْنِي الْمُوَاضَعَةَ عَلَى الْهَزْلِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ حَيْثُ الْعَمَلُ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مُعَارِضٌ يَمْنَعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا، وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَارِضُ هَاهُنَا وَهُوَ قَصْدُهُمَا إلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهَا وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْ فِي الْهَزْلِ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِي رِوَايَتِهِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَا أَعْلَمُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْهَزْلُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَلَكِنَّ الْمُعَلَّى رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ قَوْلَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فَيَحْتَمِلُ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا عَلَى التَّشْكِيكِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ) عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ بِالْمُسَمَّى بِالِاتِّفَاقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِمَا سَمَّيَا
стр. 1482
فَأَمَّا هَا هُنَا فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِالْهَزْلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ لِغَيْرِ ثَمَنٍ فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ أَوْلَى.
وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مَا لَا مَالَ فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَالُ فِيهِ تَبَعًا وَمَا كَانَ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا أَمَّا الَّذِي لَا مَالَ فِيهِ هُوَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ وَالْهَزْلُ بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» وَلِأَنَّ الْهَازِلَ مُخْتَارٌ لِلسَّبَبِ رَاضٍ بِهِ دُونَ حُكْمِهِ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِي، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ خِيَارَ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ تَبَعًا مِثْلَ النِّكَاحِ فَعَلَى أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَهْزِلَا بِأَصْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ أَوْ بِجِنْسِهِ أَمَّا الْهَزْلُ بِأَصْلِهِ فَبَاطِلٌ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْعَقْدِ مَا قَصَدَا أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَلَا يُكْتَفَى بِالذِّكْرِ قَبْلَ الْعَقْدِ بَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْبَدَلِ فِيهِ فَبَقِيَ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ وَهُمَا قَصَدَا الْجِدَّ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ هَاهُنَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِمَا سَمَّيَا مِنْ الْبَدَلِ يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعَاقَدَةَ بَعْدَ الْمُعَاقَدَةِ فِي الْبَيْعِ إبْطَالٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ تَبَايَعَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي مُبْطِلًا لِلْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ بِخِلَافِ جِنْسِ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ مُبْطِلًا لِلْمُوَاضَعَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ هَذَا أَيْ بَيْنَ الْهَزْلِ فِي جِنْسِ الْبَدَلِ وَبَيْنَ الْهَزْلِ فِي قَدْرِهِ وَقَالَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ هُنَاكَ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَتَيْنِ وَهُمَا الْمُوَاضَعَةُ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ الْعَقْدِ وَالْمُوَاضَعَةُ عَلَى الْهَزْلِ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُجْعَلَ الْعَقْدُ مُنْعَقِدًا بِأَلْفٍ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ فِي الْأَلْفَيْنِ مَوْجُودٌ وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْآخَرِ شَرْطٌ لَا طَالِبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ ذَكَرَاهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَطْلُبُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ هَزْلٌ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمَا وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ وَكُلُّ شَرْطٍ لَا طَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا إذَا اشْتَرَى فَرَسًا عَلَى أَنْ يَعْلِفَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا مَنًا مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ اشْتَرَى حِمَارًا عَلَى أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَذَا مَنًا مِنْ الْحِنْطَةِ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَذَا هُنَا.
وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ وَيَبْطُلُ الْآخَرُ فَأَمَّا هَاهُنَا أَيْ فِي الْهَزْلِ بِجِنْسِ الْبَدَلِ فَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِالْهَزْلِ أَيْ مَعَ الْعَمَلِ بِهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِمَا ذُكِرَ فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَنْعَقِدَ صَحِيحًا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ أَصْلٌ وَالثَّمَنَ تَبَعٌ وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الدَّنَانِيرِ الْمُسَمَّاةِ لَا عَلَى الدَّرَاهِمِ.
قَوْلُهُ (أَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ لَا يَجْرِي فِيهِ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَكَذَا لَا مَالَ فِيهِ أَصْلًا أَيْ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ فِيهِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَالذِّكْرِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَيْضًا قَوْلُهُ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ» الْحَدِيثُ فَفِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَفِي الْبَاقِي ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ كَذَا قِيلَ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَيْ الْعِلَلِ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ بِالْإِقَالَةِ وَالْفَسْخِ وَلَا التَّرَاخِي بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَبِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَلْ يَبْطُلُ وَالتَّعْلِيقُ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ يُؤَخِّرُ السَّبَبَ بِحُكْمِهِ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الْمُضَافُ فَإِنَّهُ سَبَبٌ فِي الْحَالِ وَقَدْ تَرَاخَى حُكْمُهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْعِلَلُ، وَالطَّلَاقُ الْمُضَافُ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوُقُوعِ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَنِدُ حُكْمُهُ إلَى وَقْتِ الْإِيجَابِ وَلَوْ كَانَ عِلَّةً لَاسْتَنَدَ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَا تَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ أَحْكَامِهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْهَزْلُ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَإِذَا انْعَقَدَ وُجِدَ حُكْمُهُ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ، وَحُكْمُهُ يَقْبَلُ التَّرَاخِيَ عَنْهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَلَا جَرَمَ أَثَّرَ فِيهِ الْهَزْلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَيْ هَذَا النَّوْعَ.
قَوْلُهُ (أَمَّا الْهَزْلُ بِأَصْلِهِ فَبَاطِلٌ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِأَلْفٍ تَزَوُّجًا
стр. 1483
وَأَمَّا الْهَزْلُ بِالْقَدْرِ فِيهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَالْمَهْرُ أَلْفٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ يَفْسُدُ وَالنِّكَاحُ بِمِثْلِهِ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِأَلْفٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِي هَذَا فَلَا يُجْعَلُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِصِحَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَذَا أَصَحُّ.
وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الدَّنَانِيرِ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ دَرَاهِمُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمَهْرُ مَا سَمَّيَا وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى شَيْءٍ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَيَطْلُبُ الْمُوَاضَعَةَ
ــ
[كشف الأسرار]
بَاطِلًا وَهَزْلًا وَوَافَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا كَانَ النِّكَاحُ لَازِمًا فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَمَّيَا مِنْ الْمَهْرِ لِلْحَدِيثِ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَزْلَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ.
وَأَمَّا الْهَزْلُ بِالْقَدْرِ فِيهِ أَيْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِي النِّكَاحِ بِأَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ وَوَلِيِّهَا أَوْ قَالَ لِوَلِيِّهَا دُونَهَا إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك أَوْ أَتَزَوَّجَ فُلَانَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَظْهَرَ فِي الْعَلَانِيَةِ أَلْفَيْنِ وَأَجَابَهُ الْوَلِيُّ أَوْ الْمَرْأَةُ إلَى ذَلِكَ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ عَلَانِيَةً كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِكُلِّ حَالٍ وَالْمَهْرُ أَلْفَانِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ وَأَلْفٌ بِالِاتِّفَاقِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَالْمَالُ مَعَ الْهَزْلِ لَا يَجِبُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ يَجِبُ تَمَامُ الْأَلْفَيْنِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ فَاسِدٍ وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَا فِي الصَّدَاقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِأَلْفٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَيْثُ يَنْعَقِدُ بِأَلْفَيْنِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِيهِ ثُبُوتُ الْحِلِّ فِي الْجَانِبَيْنِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ التَّنَاسُلُ وَإِنَّمَا شُرِعَ الْمَالُ فِيهِ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْمَحَلِّ لَا مَقْصُودًا وَلِهَذَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَيَتَحَمَّلُ فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ مَا لَا يَتَحَمَّلُ فِي غَيْرِهِ.
فَلَا يُجْعَلُ أَيْ الْمَهْرُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ أَيْ بِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِأَنْ يُرَجِّحَ جَانِبَ الْجِدِّ عَلَى الْهَزْلِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَتْ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَجُعِلَ الْمَهْرُ أَلْفَيْنِ لَصَارَ الْمَهْرُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ إذْ أَصْلُ النِّكَاحِ صَحِيحٌ بِلَا شُبْهَةٍ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ فِيهِ وَلِعَدَمِ افْتِقَارِهِ فِي الصِّحَّةِ إلَى ذِكْرِ الْمَهْرِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَقْصُودًا فِيهِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ فِيهِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُكْنَيْ الْبَيْعِ وَلِهَذَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِفَسَادِهِ وَجَهَالَتِهِ كَمَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمَبِيعِ وَجَهَالَتِهِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِدُونِ ذِكْرِهِ وَإِذَا كَانَ مَقْصُودًا وَجَبَ تَصْحِيحُهُ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْجِدِّ عَلَى الْهَزْلِ إذَا أَمْكَنَ وَلَا يُقَالُ الثَّمَنُ تَابِعٌ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ عَلَى مَا مَرَّ لِأَنَّا نَقُولُ وَهُوَ تَابِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَبِيعِ فِي مَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ وَلَكِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْبَيْعِ سِوَى حُصُولِ الثَّمَنِ وَلِهَذَا كَانَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُبَادَلَةُ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ رُكْنٌ زَائِدٌ كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَالْإِقْرَارِ مَعَ التَّصْدِيقِ فِي الْأَيْمَان فَأَمَّا الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ ثُبُوتُ الْحِلِّ فِي الْجَانِبَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ أَيْ التَّسْمِيَةُ بِالْمَهْرِ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ وَافْتِقَارُهُ إلَيْهَا مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّسْمِيَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا كَابْتِدَاءِ الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا وَكَذَا الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ تَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَمَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَكَذَا الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهَا بِالْإِفْسَادِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ وَفِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ أَيْ فِيمَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْبَيْعِ وَاتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ فِي الصُّورَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ تَرْجِيحًا لِلصِّحَّةِ عَلَى الْفَسَادِ
стр. 1484
وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا، مِثْلُ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَيْضًا فَإِنْ هَزَلَا بِأَصْلِهِ وَاتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي الْخُلْعِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ وَالْمَالَ لَازِمٌ وَهَذَا عِنْدَنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَقَدْ نَصَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْخُلْعِ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ فَيَقَعَ الطَّلَاقُ وَيَجِبَ الْمَالُ لِمَا عُرِفَ ثَمَّةَ وَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ وَاجِبٌ وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ هَذَا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ فِي هَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَإِنْ هَزَلَا بِالْكُلِّ لَكِنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَكَالْبَيْعِ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ مُؤَثِّرٌ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالْإِفْسَادِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهْدَارَ جَانِبِ الْهَزْلِ وَاعْتِبَارَ الْجِدِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِمَا سَمَّيَاهُ فِي الْعَقْدِ وَمَعَ الْهَزْلِ لَا يَجِبُ الْمَالُ وَمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا بَيْنَهُمَا لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ وَالْمُسَمَّى لَا يَثْبُتُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ فَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بِخِلَافِ فَصْلِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ سَمَّيَا مَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَزِيَادَةً؛ لِأَنَّ فِي تَسْمِيَةِ الْأَلْفَيْنِ تَسْمِيَةَ الْأَلْفِ وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ فَيَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ ضَرُورَةً وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِلَا تَسْمِيَةٍ فَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ وَتُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ التَّسْمِيَةِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ إذْ لَا حَاجَةَ لِانْعِقَادِ النِّكَاحِ إلَى صِحَّتِهِ كَمَا فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ فَيَبْقَى النِّكَاحُ بِلَا تَسْمِيَةٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَبَطَلَتْ الْمُوَاضَعَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا) إنَّمَا كَانَ الْمَالُ فِي هَذَا الْقَسَمِ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ فِيهِ بِدُونِ الذِّكْرِ فَلَمَّا شَرْطَا الْمَالَ فِيهِ عُلِمَ أَنَّهُ فِيهِ مَقْصُودٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَيْضًا يَعْنِي الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْمُنْقَسِمَةَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا فَإِنَّهُمَا إمَّا إنْ هَزَلَا بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِيهِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَإِنْ هَزَلَا بِأَصْلِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي بَانَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ خَالَعَهَا بِطَرِيقِ الْهَزْلِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ أَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ هَازِلًا وَقَدْ تَوَاضَعَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هَزْلٌ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي الْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵏ وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدَنَا أَرَادَ بِهِ نَفْسِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ لِمَا مَرَّ.
وَقَدْ نَصَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَعْنِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَبِلْت إنْ رَدَّتْ الطَّلَاقَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَطَلَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْأَلْفُ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا شَرْطٌ لِلْيَمِينِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخِيَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّ جَانِبَهَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِعِوَضٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِدَايَةَ لَوْ كَانَتْ مِنْ جَانِبِهَا فَرَجَعَتْ قَبْلَ قَبُولِ الزَّوْجِ صَحَّ رُجُوعُهَا وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ قَبُولِ الزَّوْجِ بَطَلَ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ تَمْلِيكُ مَالٍ جُعِلَ شَرْطًا بِهَذَا الْوَصْفِ كَرَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا
стр. 1485
وَعِنْدَهُمَا هُوَ جَائِزٌ وَلَا يُفِيدُ الِاخْتِلَافُ وَإِنْ سَكَتَا وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَهُوَ جَائِزٌ لَازِمٌ بِإِجْمَاعٍ. وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ فِي بَعْضِ الْبَدَلِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ كُلُّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا الْمَالَ لَازِمًا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَعَبْدِي هَذَا الْآخَرُ حُرٌّ إنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمُعَارَضَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ فَإِذَا بَطَلَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ بَطَلَ كَوْنُهُ شَرْطًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا عُرِفَ ثَمَّةَ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ مِثْلُ الْخِيَارِ الْهَزْلُ يَكُونُ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ فِي الْخُلْعِ وَأَمْثَالِهِ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ جَازَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي بَابِ الْخُلْعِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشُّرُوطِ جَائِزٌ مُطْلَقًا فَلَا يَجِبُ التَّقْدِيرُ بِمُدَّةٍ.
أَمَّا الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ فَعَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشُّرُوطِ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ بِالنَّصِّ مُقَدَّرًا بِالثُّلُثِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَيَبْطُلُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيمَا وَرَاءَ الثَّلَاثِ عَمَلًا بِالْقِيَاسِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْمَرْأَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِمُضِيِّ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مُؤَبَّدًا فَيَكُونُ لَهَا خِيَارٌ ثَابِتٌ فِيمَا فَوْقَ الثَّلَاثِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لَهَا فِي الثَّلَاثِ فَكَانَ لَهَا وِلَايَةُ النَّقْضِ وَالْإِثْبَاتِ مَتَى شَاءَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ الْهَزْلُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ فِي الْخُلْعِ وَأَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِي جَانِبِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَالُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الطَّلَاقِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِالثَّلَاثِ كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ لَكِنَّهُ تَابِعٌ فِي الثُّبُوتِ لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ كَمَالِ الثَّمَنِ تَابِعٌ فِي الْبَيْعِ وَبِالنَّظَرِ الْمَقْصُودِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ بِالثَّلَاثِ كَمَا بَيَّنَّا وَإِنْ هَزَلَا بِالْكُلِّ أَيْ بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ وَالْبَدَلِ جَمِيعًا لَكِنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ إذْ الْهَزْلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَوُجُوبِ الْمَالِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ لِبُطْلَانِ الْهَزْلِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى لَزِمَ التَّصَرُّفُ وَوَجَبَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْهَزْلَ مُؤَثِّرًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْوُقُوعِ كَمَا جَعَلَهُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَيْعِ ثُمَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبَيْعِ يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ تَرْجِيحًا لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ عِنْدَهُ عَلَى الْهَزْلِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَعِنْدَهُمَا هُوَ أَيْ التَّصَرُّفُ جَائِزٌ أَيْ لَازِمٌ وَالْمَالُ وَاجِبٌ.
وَلَا يُفِيدُ الِاخْتِلَافُ أَيْ اخْتِلَافُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ عِنْدَهُمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَلَا فِي الْمَالِ فِي حَالِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ فَفِي حَالِ الِاخْتِلَافِ أَوْلَى وَإِنْ سَكَتَا وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَالتَّصَرُّفُ جَائِزٌ لَازِمٌ حَتَّى وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَزِمَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ لِبُطْلَانِ الْهَزْلِ عِنْدَهُمَا وَلِرُجْحَانِ الْجِدِّ عِنْدَهُ فَصَارَ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدًا وَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَوَابِ فِيهِمَا مَعَ اخْتِلَافِ التَّجَرُّعِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ) ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِالْمَنْعِ عِنْدَهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا جَادَّانِ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَالْمَالُ كُلُّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْمَالِ لَكِنَّ الْمَالَ ثَابِتٌ فِي ضِمْنِ الْخُلْعِ تَبَعًا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ إذْ
стр. 1486
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْبَدَلِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِالشَّرْطِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ لَزِمَ الطَّلَاقُ وَالْمَالُ كُلُّهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ يَحْضُرُهُمَا شَيْءٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجِدِّ وَجَعَلَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْمُوَاضَعَةِ وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا. وَأَمَّا إذَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْمَالِ فَذَكَرَا الدَّنَانِيرَ تَلْجِئَةً وَغَرَضُهُمَا الدَّرَاهِمُ فَإِنَّ الْمُسَمَّى هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمَا فِي هَذَا بِكُلِّ حَالٍ وَصَارَ كَاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ تَبَعًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِبْرَةُ لِلْمُتَضَمِّنِ لَا لِلْمُتَضَمَّنِ كَالْوَكَالَةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ تَلْزَمُ بِلُزُومِهِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ تَمَامُ الْمُسَمَّى فَإِنْ قِيلَ لَا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الْمَالِ فِي هَذَا النَّوْعِ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ فِيهِ مَقْصُودًا بِقَوْلِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ فِيهِ تَبَعٌ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ وَقَدْ أَثَّرَ الْهَزْلُ فِيهِ حَتَّى كَانَ الْمَهْرُ أَلْفًا فِيمَا إذَا هَزَلَا فِيهِ بِقَدْرِ الْبَدَلِ دُونَ الْأَلْفَيْنِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قُلْنَا الْمَالُ هَاهُنَا مَقْصُودٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ.
فَأَمَّا فِي حَقِّ الثُّبُوتِ فَهُوَ تَابِعٌ لِلطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِيهِ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ فَأَمَّا الْمَالُ فِي النِّكَاحِ فَتَابِعٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْأَصْلِ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْآخَرِ وَحُصُولُ الِازْدِوَاجِ دُونَ الْمَالِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الثُّبُوتِ فَلَهُ نَوْعُ أَصَالَةٍ حَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَاقِدَيْنِ بَلْ يَثْبُتُ بِلَا ذِكْرٍ وَيَثْبُتُ مَعَ النَّفْيِ صَرِيحًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي حُكْمِ الْهَزْلِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي بَابِ التَّلْجِئَةِ أَنَّهُمَا لَوْ تَوَاضَعَا فِي النِّكَاحِ عَلَى أَلْفٍ فِي السِّرِّ ثُمَّ عَقَدَا فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ مِثْلُ النِّكَاحِ إذَا كَانَ الْهَزْلُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ فِي أَنَّ الْبَدَلَ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ دُونَ الْمُسَمَّى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى فَرْقٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجِبُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا أَيْ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ لَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلِّ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَلَّقَهُ الزَّوْجُ بِهِ إذْ هُوَ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ وَهُوَ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ حَيْثُ ذَكَرَ الْأَلْفَيْنِ فِي الْعَقْدِ دُونَ الْأَلْفِ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْهَزْلَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي جَانِبِهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ الْبَدَلَ وَالْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْيَمِينِ فَكَانَ الْهَزْلُ وَالْجِدُّ فِيهِ سَوَاءً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الطَّلَاقُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ.
وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ أَيْ بَعْضُ الْبَدَلِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ يَعْنِي لَمَّا تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ كَانَ شَرْطُ وُقُوعِهِ قَبُولَ الْجَمِيعِ، وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَقْبَلْ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّهَا هَازِلَةٌ فِي قَبُولِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَالْهَزْلُ مُؤَثِّرٌ فِي جَانِبِهَا كَخِيَارِ الشَّرْطِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَبِلَتْ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ فِي الْحَالِ وَتَعَلَّقَ قَبُولُهَا الْأَلْفَ الْآخَرَ بِإِعْرَاضِهَا عَنْ الْهَزْلِ وَقَبُولُهَا إيَّاهُ بِطَرِيقِ الْجِدِّ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِالشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفَيْنِ فَقَبِلَتْ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ وَلَمْ تَقْبَلْ الْآخَرَ وَعَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْزَمُ الْأَلْفُ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا أُلْحِقَ جَانِبُ الْمَرْأَةِ بِالْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى قُلْنَا إنَّمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِتَمَامِ الْمُسَمَّى لِعَدَمِ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَأَمَّا الْخُلْعُ فَلَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَأَمْكَنَ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهَا يُوجِبُ هَاهُنَا أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا قَوْلُهُ
стр. 1487
وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالسُّكُوتِ مُخْتَارٌ فَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ وَبَعْدَ الطَّلَبِ وَالْإِشْهَادِ السَّلَمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ إبْرَاءُ الْغَرِيمِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَأَمَّا إذَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْمَالِ أَيْ بِجِنْسِهِ فَذَكَرَا الدَّنَانِيرَ تَلْجِئَةً وَغَرَضُهُمَا الدَّرَاهِمُ فَإِنَّ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ عِنْدَهُمَا وَلَا فِي الْمَالِ تَبَعًا لَهُ فَصَارَ الْمُسَمَّى بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ أَيْضًا تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ عَلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ وَاخْتِيَارُهَا الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مَنَعَ صِحَّةَ قَبُولِ الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِقَبُولِ الدَّنَانِيرِ وَهِيَ لَمْ تَقْبَلْ فَيَتَوَقَّفُ إلَى الْقَبُولِ كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَفِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ اعْتِبَارًا لِلْجِدِّ وَأُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِكُلِّ حَالٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ أَيْ مِثْلُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فِي الْخُلْعِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ يَعْنِي الْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ. قَوْلُهُ وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ أَيْ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ طَلَبُ الشُّفْعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عُلِمَ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَطْلُبْ عَلَى الْفَوْرِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.
وَالثَّانِي طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ وَهُوَ أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَيَشْهَدَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ عَلَى طَلَبِ الشُّفْعَةِ فَيَقُولُ إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ طَلَبْت الشُّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَبِهَذَا الطَّلَبِ تَسْتَقِرُّ شُفْعَتُهُ حَتَّى لَا تَبْطُلَ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَالثَّالِثُ طَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ فَإِذَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ هَازِلًا قَبْلَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ كَالسُّكُوتِ مُخْتَارًا إذْ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلًا سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ضَرُورَةً وَأَنَّهَا تَبْطُلُ بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ فَكَذَا بِالسُّكُوتِ حُكْمًا وَبَعْدَ الطَّلَبِ وَالْإِشْهَادِ أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبِ الْإِشْهَادِ التَّسْلِيمُ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ بَاطِلٌ وَالشُّفْعَةُ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَالتَّقْرِيرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَطَلَ التَّسْلِيمُ وَبَقِيَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْقَاءُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَاءِ بِالْحُكْمِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُ الرِّضَاءَ بِهِ فَيَبْطُلُ التَّسْلِيمُ فَكَذَا الْهَزْلُ يَمْنَعُ الرِّضَاءَ بِالْحُكْمِ فَيَبْطُلُ بِهِ التَّسْلِيمُ كَمَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ إبْرَاءُ الْغَرِيمِ فِي أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأهُ هَازِلًا لَا يَصِحُّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ أُشِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَيُؤَثِّرُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فَكَذَا الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيلُ هَازِلًا لَا يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْكَفِيلُ
стр. 1488
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْإِقْرَارُ فَإِنْ الْهَزْلَ يُبْطِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْفَسْخُ أَوْ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَالْهَزْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ.
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى عَيْنٍ وَهَلَكَتْ الْعَيْنُ أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ يَنْفَسِخُ الصُّلْحُ وَتَعُودُ الْكَفَالَةُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ الْهَزْلُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ كَالْخِيَارِ كَذَا رَأَيْت مَكْتُوبًا بِخَطِّ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) أَيْ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُخْبِرَا أَنَّهُمَا تَبَايَعَا هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي قَدْ كُنْت بِعْتُك عَبْدِي هَذَا يَوْمَ كَذَا بِكَذَا وَقَالَ الْآخَرُ صَدَقْت فَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ بَاطِلًا فَبِالْإِخْبَارِ بِهِ لَا يَصِيرُ حَقًّا.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِرْيَةَ الْمُفْتَرِينَ وَكُفْرَ الْكَافِرِينَ لَا يَصِيرُ حَقًّا بِإِخْبَارِهِمْ بِهِ وَهَاهُنَا ثَبَتَ كَوْنُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَذِبًا بِالْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ فَلَا يَصِيرُ حَقًّا بِالْإِقْرَارِ وَلَوْ أَجْمَعَا عَلَى إجَازَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْعَقْدَ الْمُنْعَقِدَ وَبِالْإِقْرَارِ كَاذِبًا لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ فَلَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ صَنَعَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَا طَلَاقًا وَلَا عَتَاقًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْمُوَاضَعَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَا طَلَاقًا وَلَا عَتَاقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يُصَدِّقُهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ إذَا أَقَرَّ بِهِ طَائِعًا فَثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَعَ التَّلْجِئَةِ كَمَا ثَبَتَ مَعَ الْإِكْرَاهِ.
لِأَنَّهُ أَيْ الْإِقْرَارَ يَعْنِي صِحَّتَهُ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ أَيْ وُجُودَهُ وَتَحَقُّقَهُ فِي الْمَاضِي. وَالْهَزْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي الْمَاضِي فَيَمْنَعُ انْعِقَادَهُ أَصْلًا فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْ الْإِقْرَارُ بِمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَبِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجَمِيعَ يَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمُخْبَرِ بِهِ فَيُؤَثِّرُ الْهَزْلُ فِي الْكُلِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ أَصْلًا حَتَّى كَانَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَتَهُ وَالْعَبْدُ عَبْدَهُ كَمَا كَانَا لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ قَاصِدٌ إلَى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَمَا يَبْطُلُ بِالْإِكْرَاهِ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا لَمَا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْهُ هَزْلًا بُطْلَانًا لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَلْحَقُ بِشَيْءٍ يَنْعَقِدُ وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ وَهَذَا الْإِقْرَارُ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِشَيْءٍ أَصْلًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا وَبِالْإِجَازَةِ لَا يَصِيرُ الْكَذِبُ صِدْقًا بِوَجْهٍ فَكَانَ كَبَيْعِ الْحُرِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ هَزْلًا؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ يَعْتَمِدُ انْعِقَادُهُ أَهْلِيَّةَ الْمُتَكَلِّمِ وَصِحَّةَ الْعِبَارَةِ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ.
قَوْلُهُ (لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ مَبْنَى الرِّدَّةِ عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا لِوُجُودِ الْهَزْلِ فَإِنَّهُ يُنَافِي الرِّضَاءَ بِالْحُكْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرًا كَمَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالسُّكْرِ فَقَالَ الْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرٌ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ لَكِنْ بِعَيْنِ الْهَزْلِ يَعْنِي أَنَّا لَا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ مَا هَزَلَ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ بَلْ نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ نَفْسَ الْهَزْلِ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِحُكْمٍ مَا هَزَلَ بِهِ لِكَوْنِهِ هَازِلًا فِيهِ فَهُوَ جَادٌّ فِي نَفْسِ التَّكَلُّمِ بِهِ مُخْتَارٌ لِلسَّبَبِ رَاضٍ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﵇ هَازِلًا مَثَلًا أَوْ دَعَا لِلَّهِ تَعَالَى شَرِيكًا هَازِلًا فَهُوَ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ مُخْتَارٌ لِذَلِكَ
стр. 1489
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَإِنَّ الْهَزْلَ بِالرِّدَّةِ كُفْرٌ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ لَكِنْ بِعَيْنِ الْهَزْلِ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ جَادٌّ فِي نَفْسِ الْهَزْلِ مُخْتَارٌ رَاضٍ وَالْهَزْلُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ الْحَقِّ فَصَارَ مُرْتَدًّا بِعَيْنِهِ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ إلَّا أَنَّ أَثَرَهُمَا سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْمُكْرَه؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لَعَيْنِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا هَزَلَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَتَبَرَّأَ عَنْ دِينِهِ هَازِلًا يَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِيمَانِهِ كَالْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءٍ لَا يَحْتَمِلُ حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ السَّفَهُ السَّفَهُ هُوَ الْعَمَلُ بِخِلَافِ مُوجِبِ الشَّرْعِ مِنْ وَجْهٍ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَخِلَافُ دَلَالَةِ الْعَقْلِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَشْرُوعًا وَهُوَ السَّرَفُ وَالتَّبْذِيرُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَشْرُوعٌ إلَّا أَنَّ الْإِسْرَافَ حَرَامٌ كَالْإِسْرَافِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْأَهْلِيَّةِ وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَلَا يُوجِبُ وَضْعَ الْخِطَابِ بِحَالٍ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ مَالَهُ فِي أَوَّلِ مَا بَلَغَ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] ثُمَّ عَلَّقَ الْإِيتَاءَ بِإِينَاسٍ مِنْ الرُّشْدِ فَقَالَ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]
ــ
[كشف الأسرار]
لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَالتَّكَلُّمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ هَازِلًا اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ الْحَقِّ وَهُوَ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] فَصَارَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ مُرْتَدًّا بِعَيْنِ الْهَزْلِ لِاسْتِخْفَافِهِ بِالدَّيْنِ الْحَقِّ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ أَيْ لَا بِاعْتِقَادِ مَا هَزَلَ بِهِ إلَّا أَنَّ أَثَرَهُمَا أَيْ أَثَرَ الْهَزْلِ بِالْكُفْرِ وَأَثَرَ مَا هَزَلَ بِهِ سَوَاءٌ فِي إزَالَةِ الْإِيمَانِ وَإِثْبَاتِ الْكُفْرِ بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالسَّبَبِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا بَلْ يُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِهِ اضْطِرَارًا وَدَفْعًا لِلشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهُ أَصْلًا.
وَلَا يُقَالُ إنَّ الْهَازِلَ لَا يَعْتَقِدُ الْكُفْرَ أَيْضًا لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مُعْتَقِدٌ لِلْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ حُرْمَةُ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ وَعَدَمُ الرِّضَاءِ بِهِ وَلَمَّا رَضِيَ بِالْهَزْلِ مُعْتَقِدًا لَهُ كَانَ كَافِرًا كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا هَزَلَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَتَبَرَّأَ عَنْ دِينِهِ هَازِلًا فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِيمَانِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَقَدْ بَاشَرَ أَحَدَ الرُّكْنَيْنِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيلِ الرِّضَاءِ، وَالْإِقْرَارُ هُوَ الْأَصْلُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالْإِيمَانِ بِنَاءً عَلَيْهِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا أَسْلَمَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءٍ لَا يَقْبَلُ حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ إسْلَامُهُ بِسَبَبٍ كَمَا يُرَدُّ الْبَيْعُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ.
[السَّفَه مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ فَهُوَ السَّفَهُ السَّفَهُ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْخِفَّةُ وَالتَّحَرُّكُ يُقَالُ تَسَفَّهَتْ الرِّيَاحُ الثَّوْبَ إذَا اسْتَخَفَّتْهُ وَحَرَّكَتْهُ وَمِنْهُ زِمَامٌ سَفِيهٌ أَيْ خَفِيفٌ وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ خِفَّةٍ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ فَتَحْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْلِ حَقِيقَةً كَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَتَنَاوَلُ ارْتِكَابَ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّ ارْتِكَابَهَا مِنْ السَّفَهِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ غَلَبَ هَذَا الِاسْمُ عَلَى تَبْذِيرِ الْمَالِ وَإِتْلَافِهِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَلَمْ يُفْهَمْ عِنْدَ إطْلَاقِهِ ارْتِكَابُ مَعْصِيَةٍ أُخْرَى مِثْلُ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَفَهًا حَقِيقَةً فَكَأَنَّهُ بِذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ غَرَضَهُ تَعْرِيفُ السَّفَهِ الْمُصْطَلَحِ الَّذِي تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِ مِنْ مَنْعِ الْمَالِ وَوُجُوبِ الْحَجْرِ لَا جَمِيعِ أَنْوَاعِ السَّفَهِ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ السَّرَفُ وَالتَّبْذِيرُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْعَمَلِ أَيْ نَعْنِي بِالْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الشَّرْعِ مِنْ وَجْهٍ إلَى آخِرِهِ السَّرَفُ وَالتَّبْذِيرُ لِأَنَّ أَصْلَ الْبِرِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ أَيْ أَصْلُ ذَلِكَ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا وَالسَّرَفُ وَالْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالتَّبْذِيرُ تَفْرِيقُ الْمَالِ إسْرَافًا وَذَلِكَ أَيْ السَّفَهُ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْقُدْرَةِ ظَاهِرًا لِسَلَامَةِ التَّرْكِيبِ وَبَقَاءِ الْقُوَى الْغَرِيزِيَّةِ عَلَى حَالِهَا وَلَا بَاطِنًا لِبَقَاءِ نُورِ الْعَقْلِ بِكَمَالِهِ إلَّا أَنَّهُ يُكَابِرُ عَقْلَهُ فِي عَمَلِهِ فَلَا جَرَمَ يَبْقَى مُخَاطَبًا بِتَحَمُّلِ أَمَانَةِ اللَّهِ فَيُخَاطَبُ بِالْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا ابْتِلَاءً وَيُجَازَى عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَإِذَا بَقِيَ أَهْلًا لِتَحَمُّلِ أَمَانَةِ اللَّهِ وَوُجُوبِ حُقُوقِهِ بَقِيَ أَهْلًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهِيَ التَّصَرُّفَاتُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ فَإِنَّهَا لَا تُحْمَلُ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ كَامِلُ الْحَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفَاتِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِإِيجَابِ حُقُوقِ اللَّهِ وَتَحَمُّلِ أَمَانَتِهِ فَمَنْ
стр. 1490
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَوَّلُ أَحْوَالِ الْبُلُوغِ قَدْ لَا يُفَارِقُهُ السَّفَهُ فَإِذَا امْتَدَّ الزَّمَانُ وَظَهَرَتْ الْخِبْرَةُ وَالتَّجْرِبَةُ حَدَثَ ضَرْبٌ مِنْ الرُّشْدِ لَا مَحَالَةَ وَالشَّرْطُ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَسَقَطَ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا عُقُوبَةٌ وَإِمَّا حُكْمٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَيَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ النَّصِّ فَإِذَا دَخَلَهُ شُبْهَةٌ أَوْ صَارَ الشَّرْطُ فِي حُكْمِ الْوُجُودِ بِوَجْهٍ وَجَبَ جَرَّاؤُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
هُوَ أَهْلٌ لِتَحَمُّلِ أَمَانَتِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفَاتِ فَثَبَتَ أَنَّ السَّفَهَ لَا يَمْنَعُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَلَا يَجِبُ سُقُوطُ الْخِطَابِ عَنْ السَّفِيهِ بِحَالٍ سَوَاءٌ مُنِعَ مِنْهُ الْمَالُ أَوْ لَمْ يُمْنَعْ حُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُحْجَرْ وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّفِيهَ يُمْنَعُ مَالُهُ فِي أَوَّلِ مَا يَبْلُغُ بِالنَّصِّ يَعْنِي إذَا بَلَغَ سَفِيهًا يُمْنَعُ عَنْهُ مَالُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أَيْ لَا تُؤْتُوا الْمُبَذِّرِينَ أَمْوَالَكُمْ الَّذِينَ يُنْفِقُونَهَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي أَمْوَالُهُمْ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ أَضَافَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْوَالُ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُقِيمُ النَّاسُ بِهِ مَعَايِشَهُمْ كَمَا قَالَ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَكَمَا تَقُولُ لِمَنْ قَدَّمَ طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْك هَذَا طَعَامِي فِي مَنْزِلِي كُلَّ يَوْمٍ أَيْ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ لِأَنَّهُمْ الْقَوَّامُونَ عَلَيْهَا وَالْمُتَصَرِّفُونَ فِيهَا ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أَيْ تَقُومُونَ بِهَا وَلَوْ ضَيَّعْتُمُوهَا لَضِعْتُمْ فَكَأَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا قِيَامُكُمْ وَانْتِعَاشُكُمْ ثُمَّ عَلَّقَ الْإِيتَاءَ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ أَيْ بِإِبْصَارِهِ فَقَالَ ﷻ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أَيْ عَرَفْتُمْ وَرَأَيْتُمْ فِيهِمْ صَلَاحًا فِي الْعَقْلِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا بَلَغَ السَّفِيهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ دُفِعَ الْمَالُ إلَيْهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَى السَّفِيهِ مَا لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الْإِيتَاءَ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَ الْبُلُوغِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَكَذَا إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّ السَّفَهَ يَسْتَحْكِمُ بِطُولِ الْمُدَّةِ.
وَلِأَنَّ السَّفَهَ فِي حُكْمِ مَنْعِ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ وَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ بَعْدَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً كَمَا قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ السَّفَهُ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] مَعْنَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكْبَرُوا فَيَلْزَمَكُمْ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِمْ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وَالْمُرَادُ الْبَالِغُونَ وَسُمُّوا يَتَامَى لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِهِ فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ مَالِ الْيَتِيمِ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ الْمَال مِنْهُ عِنْدَ الْبُلُوغِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] وَحَرْفُ الْفَاءِ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ فَيَكُونُ بَيَانًا إنْ دَفْعَ الْمَالَ إلَيْهِ عَقِيبَ الْبُلُوغِ بِشَرْطِ إينَاسِ الرُّشْدِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْ الْبُلُوغِ فِي مَعْنَى حَالَةِ الْبُلُوغِ فَأَمَّا إذَا بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ فَوُجُوبُ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ مُطْلَقٌ لِمَا تَلَوْنَا غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِبَقَاءِ أَثَرِ الصَّبِيِّ وَبَقَاءِ أَثَرِهِ كَبَقَاءِ عَيْنِهِ فِي مَنْعِ الْمَالِ وَأَثَرِهِ قَدْ يَبْقَى إلَى أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَيَنْقَطِعُ بَعْدَمَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَيَجِبُ دَفْعُ الْمَالِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا فَلَا يُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ الْمَالِ أَوْ مَنْعِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْدِيبِ لَهُ، وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّأْدِيبِ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ رَجَاءَ التَّأْدِيبِ فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ فَقَدْ انْقَطَعَ رَجَاءُ التَّأْدِيبِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ جِدًّا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَلَا مَعْنَى بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْعِ الْمَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ.
ثُمَّ نَقُولُ إنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْبُلُوغِ قَدْ لَا يُفَارِقُهُ السَّفَهُ لِقُرْبِهِ بِزَمَانِ الصِّبَا وَبَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ بِهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَفِيدَ رُشْدًا مَا بِطَرِيقِ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ إذْ التَّجَارِبُ تُفَّاحُ الْعُقُولِ وَالشَّرْطُ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَيَتَحَقَّقُ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَا فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُنْكَرَةِ فَسَقَطَ الْمَنْعُ أَيْ مَنْعُ الْمَالِ بِوُجُودِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الرُّشْدِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ مَنْعُ الْمَالِ إمَّا عُقُوبَةً ثَبَتَتْ زَجْرًا لَهُ عَنْ الْفِعْلِ الْحَرَامِ وَهُوَ التَّبْذِيرُ أَوْ حُكْمٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْمَالِ عَنْ مَالِكِهِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَتَمَيُّزِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ إذْ الْمِلْكُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْحَاجِزُ فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِعَيْنِ النَّصِّ أَيْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رُشْدٌ تَحْقِيقًا وَلَا تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ عُقُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ فَإِذَا دَخَلَهُ أَيْ مَنْعَ الْمَالِ
стр. 1491
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّظَرِ لِلسَّفِيهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَمَّا كَانَ السَّفَهُ مُكَابَرَةً وَتَرْكًا لِمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلنَّظَرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ قَصَّرَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ مَجَانَةً وَسَفَهًا لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ الْخِطَابُ نَظَرًا بَلْ كَانَ مُؤَكَّدًا لَازِمًا وَقَدْ يُحْبَسُ عُقُوبَةً وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ الْخِطَابُ وَلَا يُبْطِلُ فِي ذَلِكَ عِبَارَاتِهِ وَلَا يُعَطِّلُ عَلَيْهِ أَسْبَابَ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ شُبْهَةٌ بِحُصُولِ الشَّرْطِ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ إصَابَةُ نَوْعٍ مِنْ الرُّشْدِ بِالتَّجْرِبَةِ سَقَطَ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ صَارَ الشَّرْطُ أَيْ شَرْطُ الدَّفْعِ فِي حُكْمِ الْوُجُودِ مِنْ وَجْهٍ بِوُجُودِ دَلِيلِهِ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ مُدَّةِ التَّجْرِبَةِ يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا ثَابِتًا بِالنَّصِّ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى يَسْقُطُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَإِذَا وُجِدَ رُشْدٌ مَا فَقَدْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ فَوَجَبَ جَزَاؤُهُ وَهُوَ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّظَرِ لِلسَّفِيهِ) بِجَعْلِهِ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفَاتِ وَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ لِلْغَيْرِ عَلَى مَالِهِ صَوْنًا لِمَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ كَمَا وَجَبَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُخَاطَبٌ فَيَكُونُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ كَالرَّشِيدِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُخَاطَبًا يُثْبِتُ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ إذْ التَّصَرُّفُ كَلَامٌ مُلْزِمٌ وَأَهْلِيَّةُ الْكَلَامِ بِكَوْنِهِ مُمَيِّزًا وَالْكَلَامُ الْمُلْزِمُ بِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَبِالْحُرِّيَّةِ تَثْبُتُ الْمِلْكِيَّةُ وَبِكَوْنِ الْمَالِ خَالِصُ مِلْكِهِ تَثْبُتُ الْمَحَلِّيَّةُ وَبَعْدَمَا صَدَرَ التَّصَرُّفُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا يَمْتَنِعُ نُفُوذُهُ إلَّا لِمَانِعٍ وَالسَّفَهُ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا مِنْ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ بِالسَّفَهِ لَا يُنْتَقَصُ الْعَقْلُ وَلَكِنَّ السَّفِيهَ يُكَابِرُ عَقْلَهُ فِي التَّبْذِيرِ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ وَفَسَادِ عَاقِبَتِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ السَّفَهُ سَبَبًا لِلنَّظَرِ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً وَالدَّلِيلُ أَنَّ السَّفِيهَ يُحْبَسُ فِي دُيُونِ الْعِبَادِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْخِطَابُ بِحُقُوقِ الشَّرْعِ حَتَّى يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَا يَبْطُلُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ عِبَارَاتُهُ حَتَّى صَحَّ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَنِكَاحُهُ وَنَذْرِهِ وَيَمِينُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ.
١ -
وَلَا يُعَطَّلُ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ حَتَّى لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَهَذِهِ الْعُقُوبَاتُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَوْ بَقِيَ السَّفَهُ مُعْتَبَرًا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ فِي إيجَابِ النَّظَرِ لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَوْ جَازَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَلْحَقُ بِنَفْسِهِ وَالْمَالُ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ فَإِذَا لَمْ يُنْظَرْ لَهُ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَعَنْ مَالِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِهَذَا السَّبَبِ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْفَسْخِ وَهِيَ مَا يُبْطِلُهُ الْهَزْلُ دُونَ مَا لَا يُبْطِلُهُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِمَا إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا إنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ وَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ مُصْلِحًا فِي مَالِهِ كَالْفَاسِقِ فَعِنْدَهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفَسَادِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ الْفَاسِقُ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ.
احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] نَصَّ عَلَى إثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَى السَّفِيهِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ﵄ كَانَ يُفْنِي مَالَهُ فِي اتِّخَاذِ الضِّيَافَاتِ حَتَّى اشْتَرَى لِلضِّيَافَةِ دَارًا بِمِائَةِ أَلْفٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَطَلَبَ عَلِيٌّ مِنْ عُثْمَانَ ﵄ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِعَبْدِ اللَّهِ أَشْرِكْنِي فِيهَا فَأَشْرَكَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ﵁ فَقَالَ كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ وَهُوَ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكِيَاسَةِ فِي التِّجَارَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْحَجْرَ بِسَبَبِ التَّبْذِيرِ وَبِأَنَّ السَّفِيهَ مُبَذِّرٌ فِي مَالِهِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ كَالصَّبِيِّ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِتَوَهُّمِ التَّبْذِيرِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا فَلَأَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى وَكَانَ هَذَا الْحَجَرُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَاجِبًا حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الْجَصَّاصَ ﵀ كَانَ يَقُولُ ضَرَرُ السَّفَهِ يَعُودُ إلَى الْكَافَّةِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَفْنَى مَالَهُ بِالسَّفَهِ
стр. 1492
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ النَّظَرُ وَاجِبٌ حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَحَقًّا لَهُ لِدِينِهِ لَا لِسَفَهِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ حَسَنٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَيْهَا وَقَاسَاهُ بِمَنْعِ الْمَالِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ النَّظَرُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ كَمَا فِي صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا فَوْقَهُ وَهَا هُنَا يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا فَوْقَهُ وَهُوَ وَقْفُ أَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقِهِ بِالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ بِخِلَافِ مَنْعِ الْمَالِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَنَّهُ عُقُوبَةً لَا يَحْتَمِلُ الْمُقَايَسَةَ وَلِأَنَّ الْيَدَ لِلْآدَمِيِّ نِعْمَةٌ زَائِدَةٌ، وَاللِّسَانُ وَالْأَهْلِيَّةُ نِعْمَةٌ أَصْلِيَّةٌ فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ لِإِبْطَالِ أَعْلَى النِّعْمَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَدْنَاهُمَا وَقَالَا هَذِهِ الْأُمُورُ صَارَتْ حَقًّا لِلْعَبْدِ رِفْقًا بِهِ فَإِذَا أَدَّى إلَى الضَّرَرِ وَجَبَ الرَّدُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ حَقٌّ فِي عَيْنِ الْمَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالتَّبْذِيرِ صَارَ وَبَالًا عَلَى النَّاسِ وَعِيَالًا عَلَيْهِمْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْحَجْرُ عَلَى الْحُرِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْعَامَّةِ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْمُفْتِي لَمَّا جُنَّ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ وَحَقًّا لِدِينِهِ لَا لِسَفَهٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا لِسَفَهٍ فَهُوَ مُسْتَحَقُّ النَّظَرِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ دِينِهِ فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ دِينِهِ حَبِيبُ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا كُلُّ فَاسِقٍ حَقًّا لِإِسْلَامِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِنَّهُمَا شُرِعَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ لِلْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ حَقًّا لِدِينِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ (لَا لِسَفَهٍ) إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ السَّفَهُ جِنَايَةٌ مِنْهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّظَرَ وَعَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ السَّفِيهُ جَانٍ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ لَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ فَقَالَ النَّظَرُ لَهُ وَاجِبٌ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجِنَايَةَ مُسْتَدْعِيَةٌ لِلنَّظَرِ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِ وَعِنْدَ السَّفَهِ يَفُوتُ لَهُ النَّظَرُ وَتَظْهَرُ الْحَالَةُ الَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى وُجُوبِ النَّظَرِ لَهُ فَنَظَرُ الشَّرْعِ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَى النَّظَرِ.
أَلَا يُرَى أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ حَسَنٌ حَتَّى كَانَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَعَنْ كُلِّ جِنَايَةٍ مَنْدُوبًا إلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَكَذَا الْعَفْوُ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ حَسَنٌ وَإِنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى جَازَ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ عُقُوبَةٍ رَغْمًا لِأُنُوفِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَاسَاهُ بِمَنْعِ الْمَالِ فَإِنَّ مَنْعَ الْمَالَ عَنْهُ كَانَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ لِيَبْقَى مَصُونًا عَنْ التَّلَفِ وَلَا يَضِيعُ بِالتَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ فَكَذَلِكَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْمَالِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِبْقَاءِ مِلْكِهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ مَا لَمْ يَقْطَعْ لِسَانَهُ عَنْ مَالِهِ تَصَرُّفًا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ لَا يُفِيدُ مَنْعَ الْمَالِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهِ زِيَادَةُ مُؤْنَةٍ وَكُلْفَةٍ عَلَى الْوَلِيِّ فِي حِفْظِ مَالِهِ إلَى أَنْ يُتْلِفَهُ بِتَصَرُّفِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَجْرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِسَبَبِ السَّفَهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ كَالْهَازِلِ فَإِنَّ الْهَازِلَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِ نَهْجِ كَلَامِ الْعُقَلَاءِ لِقَصْدِ اللَّعِبِ بِهِ دُونَ مَا وُضِعَ الْكَلَامُ لَهُ لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ يَخْرُجُ كَلَامُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ عَلَى غَيْرِ نَهْجِ كَلَامِ الْعُقَلَاءِ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَمُكَابَرَةِ الْعَقْلِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ فَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّفَهُ أَيْضًا وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ وَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّفَهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀) يَعْنِي فِي الْجَوَابِ عَنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ النَّظَرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ كَمَا فِي صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ يَجُوزُ الْعَفْوُ وَلَا يَجِبُ وَمِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْحَجْرَ وَاجِبٌ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال ثُمَّ النَّظَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا يَحْسُنُ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا فَوْقَ هَذَا النَّظَرِ هَاهُنَا قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِخِلَافِ مَنْعِ الْمَالِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِمَا بَيَّنَّا فَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّ سَبَبَهُ جِنَايَةٌ وَهُوَ مُكَابَرَةُ الْعَقْلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ وَهُوَ مَنْعُ الْمَالِ يَصْلُحُ جَزَاءً كَإِيجَابِ الْمَالِ فَيُجْعَلُ جَزَاءً فَإِنَّا عَرَفْنَا سَائِرَ الْأَجْزِيَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ إنَّا نَظَرْنَا إلَى سَبَبٍ فَوَجَدْنَاهُ جِنَايَةً وَنَظَرْنَا إلَى الْحُكْمِ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا لِلْعُقُوبَةِ فَسَمَّيْنَاهُ عُقُوبَةً كَالْجَلْدِ فِي الزِّنَا وَقَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عُقُوبَةٌ لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ إلَى مَنْعِ اللِّسَانِ وَقَصْرِ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي الْعُقُوبَاتِ.
وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَنْعَ لَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَفَوَّضَ أَيْ الْإِمَامُ وَالْأَوْلِيَاءُ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِهِ دُونَ الْأَئِمَّةِ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ عُقُوبَةُ تَعْزِيرٍ وَتَأْدِيبٍ لَا حَدٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يُفَوَّضَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ كَمَا فِي تَعْزِيرِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّصَّ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَأَنَّهُ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ النَّظَرِ لَا بِالْعُقُوبَةِ لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ قِيَاسِ الْحَجْرِ
стр. 1493
وَهَذَا قِيَاسُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِيمَنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ جِيرَانَهُ أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْهُ فَصَارَ الْحَجْرُ عِنْدَهُمَا مَشْرُوعًا بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا فِيهِ نَظَرٌ لَهُ أَبَدًا فَلَا يُلْحَقُ بِالصَّبَى خَاصَّةً وَلَا بِالْمَرِيضِ وَلَا بِالْمُكْرَهِ لَكِنْ يَجِبُ إثْبَاتُ النَّظَرِ بِأَيِّ أَصْلٍ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَبْسُوطِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْمَالِ إبْطَالُ نِعْمَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ وَهِيَ الْيَدُ وَإِلْحَاقُهُ بِالْفُقَرَاءِ وَإِثْبَاتُ الْحَجْرِ إبْطَالُ وِلَايَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقِهِ بِالْبَهَائِمِ وَهِيَ نِعْمَةٌ أَصْلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْتَازُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ بِالْبَيَانِ فَبَانَ جَوَازُ إلْحَاقِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ بِهِ فِي مَنْعِ نِعْمَةٍ زَائِدَةٍ وَإِلْحَاقِهِ بِالْفُقَرَاءِ لِتَوْفِيرِ النَّظَرِ عَلَيْهِ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَى جَوَازِ إلْحَاقِ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ بِهِ بِتَفْوِيتِ النِّعْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِلْحَاقِهِ بِالْبَهَائِمِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّفِيهِ عَلَى مَا قِيلَ هُوَ الصَّبِيُّ الَّذِي عَقَلَ فَإِنَّ بَعْضَ تَصَرُّفَاتِهِ يَخْرُجُ عَنْ نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ وَمِنْ الضَّعِيفِ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ وَمِنْ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ الْمَجْنُونُ وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ السَّفِيهِ هُوَ الْمُبَذِّرُ الَّذِي اخْتَلَفْنَا فِيهِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوَلِيِّ هُوَ وَلِيُّ الْحَقِّ لَا وَلِيُّ السَّفِيهِ وَفِي الْآيَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ وَعَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَطْلُبْ الْحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِدَلِيلِ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الْحَجْرَ بِسَبَبِ إشْرَاكِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ يَرَى الْحُجَّةَ لَا يُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ فَإِنَّ الْغَبْنَ الْوَاقِعَ فِي الْعَقْدِ لَا يَرْتَفِعُ بِإِشْرَاكِ الْغَيْرِ وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَآهُ إسْرَافًا حِينَ أَنْفَقَ مَالًا عَظِيمًا فِي شِرَاءِ دَارٍ وَهِيَ حَظُّ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَنْفَقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي كُلِّ حُظُوظِ الدُّنْيَا رُبَّمَا يُقَصِّرُ فِي حُظُوظِ الْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ وَعَنْ قَوْلِهِمْ لَا فَائِدَةَ فِي مَنْعِ الْمَالِ مَعَ إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ أَنَّ السَّفِيهَ إنَّمَا يُتْلِفُ مَالَهُ عَادَةً فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ مِنْ اتِّخَاذِ الضِّيَافَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِذَا كَانَتْ يَدُهُ مَقْصُورَةً عَنْ الْمَالِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِمَنْعِ الْمَالِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ لَهُمَا عَمَّا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَيْلًا مِنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِقَوْلِهِ وَقَالَا هَذِهِ الْأُمُورُ يَعْنِي الْيَدَ وَاللِّسَانَ وَالْأَهْلِيَّةَ صَارَتْ حَقًّا لِلْعَبْدِ رِفْقًا بِهِ يَعْنِي ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ لِلْعَبْدِ لِأَجْلِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِهَا الْعَبْدُ فَإِذَا أَدَّى ثُبُوتُ هَذِهِ الْأُمُورِ إلَى الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ الرَّدُّ أَيْ رَدُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ ثُبُوتُهَا عَائِدًا عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ الْوَاوِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ حَقٌّ فِي عَيْنِ الْمَالِ أَيْ مَالِ السَّفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا أُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمَا فَإِنَّهُمَا لَمَّا قَالَا النَّظَرُ وَاجِبٌ بِالْحَجْرِ حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَلَا يَجِبُ الْحَجْرُ فَرَدَّا ذَلِكَ الْجَوَابَ وَقَالَا إنَّهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَا حَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ يُؤَدِّي تَصَرُّفُهُ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْمَالِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ عَنْهُمْ بِالْحَجْرِ فِي الْحَالِ وَهَذَا أَيْ وُجُوبُ الرَّدِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ قِيَاسُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِيمَنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ جِيرَانَهُ يُمْنَعُ حَتَّى لَوْ اتَّخَذَ طَاحُونَةً لِلْأُجْرَةِ يُمْنَعُ وَلَوْ نَصَبَ مِنْوَالًا لِاسْتِخْرَاجِ الْإِبْرَيْسَمِ مِنْ الْفَيْلَقِ فَلِلْجِيرَانِ الْمَنْعُ إذَا تَضَرَّرُوا بِالدُّخَانِ وَرَائِحَةِ الدِّيدَانِ وَلِلْجِيرَانِ مَنْعُ دَقَّاقِ الذَّهَبِ لِتَضَرُّرِهِمْ بِدَقِّهِ وَكَذَا النَّدَّافُ إذَا كَانَ ضَرَرُهُ بَيِّنًا يُمْنَعُ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْيَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَثَبَتَ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ عَنْهُ هُمَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ.
١ -
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا فِيهِ نَظَرٌ لَهُ أَبَدًا) يَعْنِي لَا يُجْعَلُ السَّفِيهُ عِنْدَهُمَا كَالْهَازِلِ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَا كَالصَّبِيِّ وَلَا كَالْمَرِيضِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ تَوْفِيرُ النَّظَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ فَبِحَسْبِهِ يَلْحَقُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأُصُولِ.
فَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا نَفَذَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَهَ كَالْهَزْلِ وَلَكِنَّهُ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ لِغُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ وَهُنَاكَ وَجَبَتْ السِّعَايَةُ لِلْغُرَمَاءِ فِي كُلِّ الْقِيمَةِ وَلِلْوَرَثَةِ فِي ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ رَدَّا لِلْعِتْقِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ
стр. 1494
وَهُوَ أَنْوَاعٌ عِنْدَهُمَا حَجْرٌ بِسَبَبِ السَّفَهِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ يَثْبُتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ بِنَفْسِ السَّفَهِ إذَا حَدَثَ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ بَلَغَ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ بَابَ النَّظَرِ إلَى الْقَاضِي. وَالنَّوْعُ الثَّانِي إذَا امْتَنَعَ الْمَدْيُونُ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بَاعَ الْقَاضِي عَلَيْهِ أَمْوَالَهُ وَالْعُرُوضُ وَالْعَقَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَذَلِكَ ضَرْبُ حَجْرٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَكَذَا هَاهُنَا وَإِنْ جَاءَتْ جَارِيَةٌ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْوَلَدُ حُرًّا لَا سَبِيلٍ عَلَيْهِ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ تَوْفِيرَ النَّظَرِ فِي إلْحَاقِهِ بِالْمُصْلِحِ فِي حُكْمِ الِاسْتِيلَاءِ لِحَاجَتِهِ إلَى إبْقَاءِ نَسْلِهِ وَصِيَانَةِ مَائِهِ فَيَلْحَقُ فِي هَذَا بِالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ إذَا ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ جَارِيَتِهِ كَانَ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالصَّحِيحِ حَتَّى إنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِمَوْتِهِ وَلَا تَسْعَى هِيَ وَلَا وَلَدُهَا فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ غُرَمَائِهِ وَلَوْ اشْتَرَى هَذَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ابْنَهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَقَبَضَهُ كَانَ شِرَاؤُهُ فَاسِدًا وَيَعْتِقُ الْغُلَامُ حِين قَبَضَهُ وَيُجْعَلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْمُكْرَهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ ابْنِهِ ثُمَّ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِلْبَائِعِ وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ فِي مَالِ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ مَلَكَهُ لِلْقَبْضِ فَالْتِزَامُ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ مِنْهُ بِالْعَقْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ مُلْحَقٌ بِالصَّبِيِّ.
وَلَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ نَذَرَ نُذُورًا مِنْ هَدْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ لَمْ يُنْفِذْ لَهُ الْقَاضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَدَعْهُ يُكَفِّرُ أَيْمَانَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالصَّبِيِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ يَصُومُ لِكُلِّ يَمِينٍ حَنِثَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ مَالِكًا؛ لِأَنَّ يَدَهُ مَقْصُورَةٌ عَنْ مَالِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ الْمُنْقَطِعِ عَنْ مَالِهِ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْحَجْرُ بِسَبَبِ النَّظَرِ عِنْدَهُمَا أَنْوَاعٌ حَجَرٌ بِسَبَبِ السَّفَهِ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا بِأَنْ بَلَغَ سَفِيهًا أَوْ عَارِضًا بِأَنْ حَدَثَ بَعْدَ الْبُلُوغِ رَشِيدًا وَذَلِكَ أَيْ هَذَا الْحَجْرُ يَثْبُتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِنَفْسِ السَّفَهِ بِدُونِ حَجْرِ الْقَاضِي أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ عَارِضًا؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ لَنَا عَلَى أَنَّ السَّفَهَ فِي ثُبُوتِ الْحَجْرِ بِهِ نَظِيرُ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ وَالصِّغَرِ وَالرِّقِّ، وَالْحَجْرُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ بِالسَّفَهِ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّظَرِ وَالضَّرَرِ فَفِي إبْقَاءِ الْمِلْكِ لَهُ نَظَرٌ وَفِي إهْدَارِ قَوْلِهِ ضَرَرٌ وَبِمِثْلِ هَذَا لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ مِنْهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي يُوَضِّحُهُ أَنَّ السَّفَهَ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِأَنْ يُغْبَنَ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّفَهِ وَقَدْ يَكُونُ حِيلَةً لِاسْتِجْلَابِ قُلُوبِ الْمُجَاهِرِينَ فَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا مُتَرَدِّدًا لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِ الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ بِهَذَا السَّبَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَالْحَجْرِ بِسَبَبِ الدِّينِ.
فَلَوْ أَدْرَكَ سَفِيهًا فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى بَاعَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ وَأَقَرَّ بِدُيُونٍ وَوَهَبَ هِبَاتٍ وَتَصَدَّقَ بِصَدَقَاتٍ صَحَّ جَمِيعُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. رَحِمَهُمَا اللَّهُ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْحَجْرِ أَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ لِقَضَاءِ الدِّينِ بَاعَ الْقَاضِي عَلَيْهِ أَمْوَالَهُ عُرُوضًا كَانَ أَوْ عَقَارًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ إلَّا أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِالْآخِرِ اسْتِحْسَانًا لِقَضَاءِ دَيْنِهِ احْتَجَّا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ «مُعَاذٍ ﵁ فَإِنَّهُ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ فَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَهُ وَقَسَّمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ» وَقَالَ عُمَرُ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ إيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حُزْنٌ وَإِنَّ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ قَدْ رَضِيَ مِنْ دِينه وَأَمَانَته أَنْ يُقَال قَدْ سَبَقَ الْحَاجّ فادان مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ عَلَيْهِ أَلَا إنِّي بَائِعٌ عَلَيْهِ مَالَهُ وَقَاسِمٌ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَغْدُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ هَذَا اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَى الْمَدْيُونِ مَالُهُ وَبِأَنَّ بَيْعَ الْمَالِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُحْبَسُ إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ وَهُوَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ كَالذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ بَاعَهُ الْقَاضِي، وَالْعِنِّينُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ
стр. 1495
وَالثَّالِثُ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمَدْيُونِ أَنْ يُلْجِئَ أَمْوَالَهُ بِبَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ فَيَحْجُرَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ إلَّا مَعَ هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ وَالرَّجُلُ غَيْرُ سَفِيهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ لِيُعْلَمَ أَنَّ طَرِيقَ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ السَّفَهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ فَلَا لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَضْلِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا أَبَى أَنْ يُفَارِقَهَا نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَبَيْعُ الْمَالِ عَلَى الْمَدْيُونِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ وَبِأَنَّ بَيْعَ الْمَالِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَبَيْعُ الْمَالِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَضَائِهِ بِالِاسْتِيهَابِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَسُؤَالِ الصَّدَقَةِ مِنْ النَّاسِ فَلَا يَكُونُ لِلْقَاضِي تَعْيِينُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَيْهِ بِمُبَاشَرَةِ بَيْعِ مَالِهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ.
الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ جَازَ لَهُ بَيْعُ مَالِهِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِحَبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ وَبِالْغُرَمَاءِ فِي تَأْخِيرِ وُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ فَلَا مَعْنَى لِلْمَصِيرِ إلَيْهِ بِدُونِ الْحَاجَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ عَبْدِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ إصْرَارِ الْمَوْلَى عَلَى الشِّرْكِ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ. وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعِنِّينِ لَمَّا تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِعَيْنِهِ فَأَمَّا مُبَادَلَةُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ وَمَالُهُ دَنَانِيرَ فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ هَذِهِ الْمُصَارَفَةَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُفْعَلُ ذَلِكَ. الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ جِنْسَانِ صُورَةً، وَجِنْسٌ وَاحِدٌ مَعْنًى وَلِهَذَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ صُورَةً كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ مَعْنًى وَلَكِنْ لَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وِلَايَةُ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ كَمَا لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ صُورَةً وَإِنْ كَانَا جِنْسًا وَاحِدًا حُكْمًا فَلِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ صُورَةً لَا يَنْفَرِدُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِأَخْذِهِ وَلِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ مَعْنًى كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا بَاعَ مَالَهُ بِسُؤَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَ مَالِهِ لِيَنَالَ مَالُهُ بَرَكَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَصِيرَ وَفَاءً بِدَيْنِهِ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمَدْيُونَ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوَّلًا فَإِذَا امْتَنَعَ فَحِينَئِذٍ يَبِيعُ مَالَهُ وَلَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْبَى أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُ بِبَيْعِ مَالِهِ حَقٌّ يَحْتَاجُ بِبَيْعِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَإِنَّهُ كَانَ سَمْحًا جَوَادًا لَا يَمْنَعُ أَحَدًا شَيْئًا وَلِأَجْلِهِ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ بِمَالِهِ بَعْدَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ أُسَيْفِعَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ إنِّي قَاسِمٌ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مَالَهُ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ وَإِنْ ثَبَتَ الْبَيْعُ فَإِنَّمَا كَانَ بِرِضَاهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَهُمَا الْقَاضِيَ لَا يَبِيعُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْغُرَمَاءَ طَالَبُوهُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَغْدُوَا إلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَالثَّالِثُ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمَدْيُونِ) إلَى آخِرِهِ إذَا خِيفَ عَلَى مَنْ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ أَنْ يُلْجِئَ مَالَهُ بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيْعِ فَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ لَا يَحْجُرُ الْقَاضِي عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَبَعْدَ الْحَجْرِ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ عِنْدَ الْحَجْرِ وَيُنْفِذُ تَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا يَكْتَسِبُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَهُ وَفِي هَذَا الْحَجْرِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا جَازَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ لَهُ فَلِذَلِكَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا لَا يَحْجُرُ عَلَى الْمَدْيُونِ نَظَرًا لَهُ لَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْغُرَمَاءِ لِمَا فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفَاتِ فِي مَالِهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِغُرَمَائِهِ بِطَرِيقٍ لَا يَكُونُ فِيهِ أَلْحَقَ الضَّرَرَ بِهِ إلَّا بِقَدْرِ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَهُوَ الْحَبْسُ فِي الدَّيْنِ لِأَجْلِ ظُلْمِهِ الَّذِي تَحَقَّقَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَخَوْفِ التَّلْجِئَةِ ظُلْمٌ مَوْهُومٌ مِنْهُ فَلَا يُجْعَلُ كَالْمُتَحَقِّقِ ثُمَّ الضَّرَرُ فِي إهْدَارِ قَوْلِهِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي حَبْسِهِ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِ الْأَدْنَى عَلَى ثُبُوتِ الْأَعْلَى كَمَا فِي مَنْعِ الْمَالِ مِنْ
стр. 1496
الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَهُوَ السَّفَرُ السَّفَرُ هُوَ الْخُرُوجُ الْمَدِيدُ وَأَدْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَوِّعٌ عَلَى مَا قُلْنَا وَاخْتَلَفُوا فِي أَثَرِهِ فِي الصَّلَوَاتِ فَهُوَ عِنْدَنَا سَبَبٌ لِلْوَضْعِ أَصْلًا حَتَّى إنَّ ظُهْرَ الْمُسَافِرِ وَفَجْرَهُ سَوَاءٌ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
السَّفِيهِ مَعَ الْحَجْرِ ثُمَّ هَذَا الْحَجْرُ عِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَمُحَمَّدٍ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ هَذَا الْحَجْرُ لِأَجْلِ النَّظَرِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِمْ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَالْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى طَلَبِ أَحَدٍ فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِدُونِ الْقَضَاءِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيجَابِ الْحَجْرِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ طَرِيقَ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا هُوَ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا أَنْ تَكُونَ نَفْسُ السَّفَهِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ فَإِنَّ السَّفَهَ لَمْ يُوجَدْ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَقَدْ وَجَبَ الْحَجْرُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالرَّجُلُ غَيْرُ سَفِيهٍ إلَى آخِرِهِ.
لَكِنَّهُ أَيْ السَّفَهَ بِمَنْزِلَةِ الْعَضْلِ أَيْ الْمَنْعِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَجْرَ نَظَرًا فَإِنَّ الْوَلِيَّ إذَا امْتَنَعَ عَنْ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ خِطْبَةِ الْكُفْءِ وَخِيفَ فَوْتُهُ يُزَوِّجُهَا الْقَاضِي مِنْهُ وَيَصِيرُ الْوَلِيُّ مَحْجُورًا سَاقِطَ الْوِلَايَةِ فِي هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهِ نَظَرًا لِلْمَرْأَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْعَضْلُ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ لَهُ فَكَذَا السَّفِيهُ إذَا أَتْلَفَ مَالِهِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا أَنْ يَكُونَ السَّفَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّظَرِ لَهُ.
[السَّفَر مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]
قَوْلُهُ (الْقِسْمُ الْخَامِسُ) أَيْ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ وَهُوَ السَّفَرُ السَّفَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ لُغَةً وَفِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْخُرُوجُ عَلَى قَصْدِ الْمَسِيرِ إلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَوْقَهَا سَيْرُ الْإِبِلِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ عَلَى مَا عُرِفَ يَعْنِي فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ أَيْ لَا يَحِلُّ بِهَا بِوَجْهٍ لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِكَمَالِهَا.
وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا أَيْ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ نَحْوَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا لَكِنَّهُ جَعَلَ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهَا لِأَنَّهُ أَيْ السَّفَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ لَا مَحَالَةَ يَعْنِي فِي الْغَالِبِ حَتَّى لَوْ تَنَزَّهَ سُلْطَانٌ مِنْ بُسْتَانٍ إلَى بُسْتَانٍ فِي خَدَمِهِ وَأَعْوَانِهِ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ إقَامَتِهِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ نَفْسُ السَّفَرِ سَبَبًا لِلرُّخْصِ وَأُقِيمَ مُقَامَ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ حَيْثُ لَمْ تَتَعَلَّقْ الرُّخْصَةُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَوِّعٌ إلَى مَا يَضُرُّ بِهِ الصَّوْمُ وَإِلَى مَا لَا يَضُرُّ بِهِ بَلْ يَنْفَعُهُ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ الرُّخَصُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ بِازْدِيَادِ الْمَرَضِ لَا بِمَا لَا يُوجِبُهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ بِهِ بَرَصٌ فِي حَالِ الصَّوْمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ بِالْإِفْطَارِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ الصَّعْبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَفْسِ الْمَرَضِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَاخْتُلِفَ فِي أَثَرِ السَّفَرِ فِي الصَّلَوَاتِ فَأَثَرُهُ فِي حَقِّ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا إسْقَاطُ الشَّطْرِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا كَمَالٌ مَشْرُوعٌ أَصْلًا فَكَانَ ظُهْرُ الْمُسَافِرِ وَفَجْرُهُ سَوَاءً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ حُكْمُ السَّفَرِ ثُبُوتُ حَقِّ التَّرَخُّصِ لَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إنْ شَاءَ كَمَا فِي الْإِفْطَارِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْأَرْبَعُ وَإِذَا فَاتَتْ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَهُ وَقَدْ أَوْضَحَ الشَّيْخُ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هَاهُنَا غَايَةَ الْإِيضَاحِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهَا فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ شَرْحٍ دَلِيلَانِ ظَاهِرَانِ مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَدَلِيلَانِ خَفِيَّانِ مِنْهُمَا أَيْضًا الْقَصْرُ أَصْلٌ قَالَ مُقَاتِلٌ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ فَلَمَّا عُرِجَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ أُمِرَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَصَارَتْ الرَّكْعَتَانِ لِلْمُسَافِرِ وَلِلْمُقِيمِ أَرْبَعًا» كَذَا فِي التَّيْسِيرِ إلَّا بِنَصٍّ وَالنَّصُّ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ دُونَ السَّفَرِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» يَعْنِي الْقَصْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالسَّفَرِ صَدَقَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ فَاعْمَلُوا بِهَا وَاعْتَقِدُوهَا وَالْقَصْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْمُعَلَّقِ بِالْخَوْفِ غَيْرُ هَذَا الْقَصْرِ وَهُوَ قَصْرُ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ حَقٍّ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ
стр. 1497
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هُوَ سَبَبُ رُخْصَةٍ فَلَا يُبْطِلُ الْعَزِيمَةَ كَمَا قِيلَ فِي حَقِّ الصَّائِمِ وَلَنَا عَلَى مَا قُلْنَا دَلِيلَانِ ظَاهِرَانِ وَدَلِيلَانِ خَفِيَّانِ أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَأَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَصْرَ أَصْلٌ وَالْإِكْمَالَ زِيَادَةٌ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ وَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَالْأَصْلُ لَا يَحْتَمِلُ الْمَزِيدَ إلَّا بِالنَّصِّ.
وَالثَّانِي أَنَّا وَجَدْنَا الْفَضْلَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إنْ أَدَّاهُ أُثِيبَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَهُ لَا يُعَاتَبُ عَلَيْهِ وَهَذَا حَدُّ النَّوَافِلِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْخَفِيَّانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وُضِعَ عَنَّا مِثْلُ وَضْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ، «قَالَ عُمَرُ ﵁ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وَحَقُّ الصَّلَاةِ عَلَيْنَا حَقٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ إسْقَاطًا مَحْضًا لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ أَرَأَيْت عَفْوَ اللَّهِ عَنَّا إلَّا تَامًّا وَهِبَتَهُ الْعِتْقَ مِنْ النَّارِ أَيَحْتَمِلُ الرَّدَّ هَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِبُدَاءَةِ الْعُقُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
كَالْإِرْثِ فَإِسْقَاطُ حَقٍّ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحْتَمِلَ الرَّدَّ وَهَذَا بِخِلَافِ إبْرَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْعِبَادِ حَيْثُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ إسْقَاطًا مَحْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ عَمَلًا بِجِهَةِ التَّمْلِيكِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ صِحَّتُهُ عَلَى الْقَبُولِ عَمَلًا بِجِهَةِ الْإِسْقَاطِ فَأَمَّا هَذَا فَإِسْقَاطٌ مَحْضٌ فَلَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَتِمُّ بِالْمُسْقِطِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِ الْخَصْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ سَمَّاهُ صَدَقَةً وَأَمَرَ بِالْقَبُولِ فَيَتَوَقَّفُ التَّرَخُّصُ عَلَى الْقَبُولِ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ لَكَانَ اخْتِيَارًا فِي وَضْعِ الشَّرْعِ يَعْنِي لَوْ عَلَّقَ التَّرَخُّصَ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى مَعْنَى إنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ لَكَانَ ذَلِكَ نَصْبَ شَرِيعَةٍ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْعِبَادِ وَصَارَ كَأَنَّ الشَّارِعَ قَالَ اُقْصُرُوا إنْ شِئْتُمْ وَهَذَا أَمْرٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ أَوْ وُجُوبٍ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِرَأْيِ الْعَبْدِ بَلْ حُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الْحَالِ وَلَوْ عَلَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا فِي الْحَالِ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ وَإِذَا شَاءَ الْعَبْدُ كَانَ الثُّبُوتُ مُضَافًا إلَى الْمَشِيئَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ تَمْلِيكٌ وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ نَصْبِ الشَّرِيعَةِ إلَّا إلَى اللَّهِ أَوْ رُسُلِهِ ﵈ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتِيَارِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُتَصَدِّقِ غَيْرُ نَافِذَةٍ فَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ أَمَّا صَيْرُورَةُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا فَلَيْسَ إلَيْنَا بَلْ الْأَدَاءُ إلَيْنَا وَمُبَاشَرَةُ الْعِلَلِ مِنْ سَفَرٍ وَإِقَامَةٍ دُونَ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بَيْنَ الْمَشْرُوعَيْنِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الظُّهْرِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَكَمَا فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ هُنَاكَ فِي تَعْيِينِ الْمَشْرُوعِ لَا فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِ أَمَّا هَاهُنَا فَلَيْسَ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً مَقْصُورَةً أَوْ كَامِلَةً فَمَتَى تَعَيَّنَ الْقَصْرُ مَشْرُوعًا لَمْ يَبْقَ إلَّا كَمَالٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَتَى أَوْجَبَ الْقَصْرَ طَارِئًا لَمْ يَبْقَ الْأَرْبَعُ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ إذَا وَجَبَ السُّقُوطُ لَمْ يَبْقَ الْكَمَالُ إلَّا بِالرَّدِّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا تَكْمُلُ الصَّلَاةُ إلَّا بِرَدِّ هَذَا الشَّرْعِ وَمَا لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ وَهَذَا أَيْ إثْبَاتُ الْخِيَارِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الشَّرِكَةِ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ غَلَطٌ ظَاهِرٌ أَلَا تَرَى تَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ إنَّمَا لِلْعَبْدِ اخْتِيَارُ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ فِي جِنَايَاتِهِ يَعْنِي يَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَقَلُّ مُتَعَيِّنًا فِي هَذَا الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ احْتِرَازٌ عَنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي الْجُمُعَةِ الثَّوَابُ فِي حُسْنِ الطَّاعَةِ لَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ قَالَ ﵇ «رَكْعَتَانِ مِنْ تَقِيٍّ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ مِنْ مُخَلِّطٍ» فَكَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ ظُهْرِ الْعَبْدِ وَجُمُعَةِ الْحُرِّ ظُهْرُ الْمُقِيمِ وَظُهْرُ الْمُسَافِرِ لَا يَصِحُّ بِنَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْآخِرَةِ بَلْ يَجِبُ بِنَاؤُهُ عَلَى مَا نَعْقِلُهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ لُزُومٍ وَبَرَاءَةٍ بِلَا أَدَاءً كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فِي أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْيُسْرِ الْحَالِيِّ فِي الدُّنْيَا لَا عَلَى الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا الْحُكْمُ) وَهُوَ قَصْرُ الصَّلَاةِ بِالسَّفَرِ إذَا اتَّصَلَ السَّفَرُ بِسَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ ثَبَتَ هَذَا إذْ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ الْوَقْتِ حَتَّى ظَهَرَ أَثَرُهُ أَيْ أَثَرُ السَّفَرِ فِي أَصْلِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْأَدَاءُ بِالْقَصْرِ فَظَهَرَ فِي قَضَائِهِ الَّذِي هُوَ خَلْفُهُ فَلِهَذَا لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ السَّفَرُ بِالسَّبَبِ فَلَا أَيْ لَا يَثْبُتُ الْقَصْرُ حَتَّى لَوْ فَاتَتْهُ رُبَاعِيَةٌ فِي الْحَضَرِ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقَارِنَ الْمَانِعَ الْمُثْبِتَ لِيَمْنَعَهُ عَنْ الْعَمَلِ فَإِذَا تَأَخَّرَ ثَبَتَ الْحُكْمُ وَتَقَرَّرَ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الرَّافِعِ وَالسَّفَرُ مَانِعٌ لَا رَافِعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى فِيهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ثُمَّ خَرَجَ مُسَافِرًا صَلَّى أَرْبَعًا وَعِنْدَنَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ وَعِنْدَنَا الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي
стр. 1498
بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ بِالسَّفَرِ لَا سُقُوطَهُ فَبَقِيَ فَرْضًا فَصَحَّ أَدَاؤُهُ وَثَبَتَ أَنَّهُ رُخْصَةُ تَأْخِيرٍ وَفِي الصَّلَاةِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَفَسْخٍ فَانْعَدَمَ أَدَاؤُهُ الثَّانِي أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ تُنَافِي الْمَشِيئَةَ الْمُطْلَقَةَ وَالِاخْتِيَارَ الْكَامِلَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِّ ﷻ وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ اخْتِيَارُ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الِاخْتِيَارُ الْمُطْلَقُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِلَا رِفْقٍ يَعُودُ إلَيْهِ وَلَا حَقَّ يَلْزَمُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَالِفَ إذَا حَنِثَ فِي الْيَمِينِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ لِرِفْقٍ يَخْتَارُهُ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارُ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِكْمَالِ لَكَانَ اخْتِيَارًا فِي وَضْعِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِفْقَ لَهُ بَلْ الرِّفْقُ وَالْيُسْرُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْقَصْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ الِاخْتِيَارَ رِفْقًا كَانَ رُبُوبِيَّةً لَا عُبُودِيَّةً وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ بَيِّنٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا جَنَى جِنَايَةً لَمْ يُخَيَّرْ مَوْلَاهُ بَيْنَ قِيمَتِهِ وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَبَيْنَ الدِّيَةِ وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ إذَا جَنَى عَبْدٌ ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِجِنَايَتِهِ غَرِمَ قِيمَتَهُ إذَا كَانَتْ دُونَ الْأَرْشِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ.
وَكَذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
أَوَّلِ الْوَقْتِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْوُجُوبُ يَنْفِي التَّخْيِيرَ فَإِذَا كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِهِ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةُ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ (وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخْتَارَةِ) أَيْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ وُجُودُهَا بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا ضَرُورَةً لَازِمَهُ يَعْنِي بَعْدَمَا تَحَقَّقَ لَا يُوجِبُ ضَرُورَةً تَدْعُو إلَى الْإِفْطَارِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَادِرٌ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَلْحَقَهُ آفَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الضَّرُورَةَ الدَّاعِيَةَ إلَى الْفِطْرِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِإِمْكَانِ دَفْعِهَا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخْتَارَةِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ قِيلَ لَهُ أَيْ لِلْمُسَافِرِ إنَّ الْمُسَافِرَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ الْمُظْهَرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ وَلَوْ لَمْ تُذْكَرْ كَلِمَةُ لَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ أَيْ أُجِيبَ وَأُفْتِيَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إذَا نَوَى الصِّيَامَ فِي رَمَضَانَ وَشَرَعَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ وَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ بِالشُّرُوعِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَشَرَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ فَسَخَهُ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ يُبَاحُ لَهُ الْإِفْطَارُ كَمَنْ عَزَمَ عَلَى صَوْمِ النَّفْلِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الصُّبْحِ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّوْمِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا تَكَلَّفَ لِلصَّوْمِ بِتَحَمُّلِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ أَيْ الْمَرَضُ سَبَبٌ ضَرُورِيٌّ لِلْمَشَقَّةِ أَيْ هُوَ يُوجِبُ مَشَقَّةً لَازِمَةً عَلَى تَقْدِيرِ الصَّوْمِ إذْ لَوْ لَمْ يُوجِبْ مَشَقَّةً لَمَا صَلُحَ سَبَبًا لِلتَّرَخُّصِ بِالْإِفْطَارِ وَكَذَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ وَهَذَا أَيْ السَّفَرُ مَوْضُوعٌ لِلْمَشَقَّةِ أَيْ أُقِيمَ مُقَامَ الْمَشَقَّةِ فِي إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ لَا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْمَشَقَّةِ حَقِيقَةً لَا مَحَالَةَ فَكَانَتْ الْمَشَقَّةُ فِيهِ مَوْجُودَةً تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا فَلَا تُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ نَقْضِ الصَّوْمِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ مَعَ أَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ الصَّوْمِ.
وَلَكِنَّهُ أَيْ الْمُسَافِرَ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ وَإِذَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مُقِيمًا وَعَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّوْمِ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا إنْشَاءُ السَّفَرِ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا تَقَرَّرَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَرِضَ الْمُقِيمُ حَيْثُ حَلَّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ مُوجِبٌ لِلْمَشَقَّةِ حَقِيقَةً فَيُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ وَإِذَا أَفْطَرَ أَيْ فِي حَالِ السَّفَرِ مَعَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِاقْتِرَانِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ بِالْفِطْرِ فَإِنَّ السَّفَرَ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ فِي الْجُمْلَةِ فَصُورَتُهُ تَمَكُّنُ شُبْهَةٍ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ إبَاحَةً وَذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اعْتِبَارًا لِآخِرِ النَّهَارِ بِأَوَّلِهِ وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّ فِي أَوَّلِهِ يُعَرِّي فِطْرَهُ عَنْ شُبْهَةٍ وَبَعْدَ السَّفَرِ يَقْتَرِنُ السَّبَبُ الْمُبِيحُ بِالْفِطْرِ وَلَوْ وُجِدَ هَذَا السَّبَبُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِذَا وُجِدَ فِي آخِرِهِ يَصِيرُ شُبْهَةً كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا نَظَرَ أَيْ الْمُقِيمُ الْعَازِمُ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَرِضَ بَعْدَ الْفِطْرِ مَرَضًا يُبِيحُ الْإِفْطَارَ حَيْثُ تَسْقُطُ بِهِ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ لِمَا قُلْنَا إنَّ السَّفَرَ مُكْتَسَبٌ وَلَا يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ حَقٌّ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا يَصِيرُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ حُكْمٍ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ شَرَعَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ أَسْقَطَهُ بِاخْتِيَارِهِ هَذَا أَيْ الْمَرَضُ سَمَاوِيٌّ وَإِذَا وُجِدَ فِي آخِرِ النَّهَارِ يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ لَوْ كَانَ صَائِمًا وَزَوَالُ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَصِيرُ زَائِلًا مِنْ أَوَّلِهِ كَالْحَيْضِ يُعْدِمُ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِهِ فَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ حَتَّى لَوْ صَارَ السَّفَرُ خَارِجًا عَنْ اخْتِيَارِهِ أَيْضًا بِأَنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى السَّفَرِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا سَقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ﵀ فَإِنْ قِيلَ السَّبَبُ الْمُبِيحُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي الْقَائِمِ وَلَمْ يَبْقَ الصَّوْمُ فَكَيْفَ يَعْمَلُ فِي الْمَعْدُومِ قُلْنَا وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ قَائِمًا لَمَا أَوْجَبَ الْإِبَاحَةَ حَقِيقَةً مِنْ أَوَّلِ
стр. 1499
الْمُكَاتَبِ فِي جِنَايَاتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلرِّفْقِ وَلَا رِفْقَ فِي اخْتِيَارِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ وَيُخَيَّرُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدَيْنِ إمْسَاكُ رَقَبَتِهِ، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَبَيْنَ الْفِدَاءِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفِيدُ رِفْقًا وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا رِفْقَ فِي اخْتِيَارِ الْكَثِيرِ فَبَقِيَ اخْتِيَارُهُ مُطْلَقًا وَمَشِيئَةً وَهِيَ رُبُوبِيَّةٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِنْ قِيلَ فِيهِ فَضْلُ ثَوَابٍ قُلْنَا عَنْهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَمَا الثَّوَابُ إلَّا فِي حُسْنِ الطَّاعَةِ لَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ ظُهْرَ الْمُقِيمِ لَا يَزِيدُ عَلَى فَجْرِهِ ثَوَابًا وَأَنَّ ظُهْرَ الْعَبْدِ لَا يَزِيدُ عَلَى جُمُعَةِ الْحُرِّ ثَوَابًا فَكَذَلِكَ هَذَا عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ حُكْمُ الدُّنْيَا لَا يَصْلُحُ بِنَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْآخِرَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ وَجْهَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ يُسْرًا مِنْ وَجْهٍ وَعُسْرًا مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ يَتَضَمَّنُ يُسْرًا مُوَافَقَةَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ يُسْرٌ بِلَا شُبْهَةٍ وَيَتَضَمَّنُ عُسْرًا بِحُكْمِ السَّفَرِ وَالتَّأْخِيرِ إلَى حَالَةِ الْإِقَامَةِ يَتَضَمَّنُ عُسْرًا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ عُسْرُ الِانْفِرَادِ وَيُسْرًا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بِحَالِ الْإِقَامَةِ فَصَحَّ
ــ
[كشف الأسرار]
النَّهَارِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْدُومًا صَارَ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ إنَّمَا يَكُونُ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ مُسْتَحَقٌّ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَحَقًّا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُبِيحِ إلَى آخِرِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتُهُ فَإِذَا زَالَ فِي الْبَعْضِ زَالَ فِي الْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَأَحْكَامُ السَّفَرِ) أَيْ الرُّخْصُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهِ ثَبَتَ بِنَفْسِ الْخُرُوجِ مِنْ عُمَرَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ يَتَرَخَّصُ تَرَخُّصَ الْمُسَافِرِينَ حِينَ يَخْرُجُ إلَى السَّفَرِ» وَعَلِيٌّ ﵁ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ نَظَرَ إلَى خُصٍّ أَمَامَهُ وَقَالَ لَوْ جَاوَزْنَا ذَلِكَ الْخُصَّ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ.
وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُثْبِتَ الْأَحْكَامَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ السَّفَرِ بِالْمَسِيرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتِمُّ بِهِ وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ تَمَامِ الْعِلَّةِ لَكِنْ تَرَكَ الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ تَحْقِيقًا لِلرُّخْصَةِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ فَإِنَّ شَرْعِيَّةَ رُخَصِ السَّفَرِ لِلتَّرْفِيهِ فَلَوْ تَوَقَّفَ التَّرَخُّصُ بِهَا عَلَى تَمَامِ الْعِلَّةِ بِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَتَعَطَّلَتْ الرُّخَصُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصِدُهُ سِوَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ تُفِدْ فَائِدَتَهَا فِي حَقِّهِ فَتَعَلَّقَتْ بِنَفْسِ الْخُرُوجِ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَإِثْبَاتًا لِلتَّرْفِيهِ فِي جَمِيعِ مُدَّةِ السَّفَرِ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ عَدَمَ تَمَامِ السَّفَرِ عِلَّةً بِقَوْلِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى رَفْضَ السَّفَرِ بِأَنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِصْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَارَ مُقِيمًا حَتَّى صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ فِي انْصِرَافِهِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصَيْرُورَتِهِ مُقِيمًا مَحَلُّ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَمَّا لَمْ يَتِمَّ عِلَّةً بِالْمَسِيرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْهُ نَقْضًا لِلْعَارِضِ وَهُوَ السَّفَرُ لَا ابْتِدَاءُ عِلَّةٍ وَصَارَ كَأَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا كَمَا كَانَ فَلَمْ يُشْتَرَطْ مَحَلُّ الْإِقَامَةِ. وَإِذَا سَارَ ثَلَاثًا ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَةٍ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا أَيْ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَصْدِ إيجَابٌ أَيْ إثْبَاتُ إقَامَةٍ ابْتِدَاءً لَا نَقْضَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ فَلَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَيْ لَمْ يَصِحَّ الْإِيجَابُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَهُوَ الْمَفَازَةُ.
قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَجْهُ تَمَسُّكِهِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ التَّرَخُّصَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ الْمَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ بَاغٍ أَيْ خَارِجٍ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَادٍ أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ فَبَقِيَتْ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ الْبَاغِي وَالْعَادِي بِأَوَّلِ الْآيَةِ كَمَا بَقِيَتْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الشَّرْطُ فِي التَّرَخُّصِ بِقِصَرِ الصَّلَاةِ وَالْإِخْطَارِ وَسَائِرِ رُخَصِ السَّفَرِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ بِالْقِيَاسِ أَوْ بِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ.
وَلِأَنَّهُ أَيْ الْبَاغِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ عَاصٍ فِي مُبَاشَرَةِ هَذَا السَّبَبِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَعْصِيَةٌ فَلَمْ يَصْلُحْ سَبَبُ رُخْصَةٍ؛ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ وَهِيَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْمَعْصِيَةِ وَجُعِلَ مَعْدُومًا زَجْرًا وَعُقُوبَةً كَمَا جُعِلَ السُّكْرُ الْمَحْظُورُ مَعْدُومًا فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ التَّرَخُّصِ وَهُوَ السَّفَرُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْخُرُوجِ وَالْقَصْدِ إلَى مَكَانِ بَعِيدٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ قَصْدِ الْإِغَارَةِ وَالتَّمَرُّدِ فَيُنْظَرُ أَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا بِقَصْدِ الْإِغَارَةِ وَالتَّمَرُّدِ أَوْ بِقَصْدِهِ مَكَانًا بَعِيدًا عَيَّنَهُ لِلْإِغَارَةِ فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ مُسَافِرًا بِقَصْدِهِ الْمَكَانَ الْبَعِيدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِدُونِ قَصْدِ الْإِغَارَةِ يَصِيرُ مُسَافِرًا وَلَوْ قَصَدَ الْإِغَارَةَ بِدُونِ الْقَصْدِ إلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ لَمْ يَصِرْ مُسَافِرًا وَإِنْ طَافَ الدُّنْيَا بِهَذَا الْقَصْدِ فَإِذَا وُجِدَ الْأَمْرَانِ هَاهُنَا جَعَلْنَاهُ مُسَافِرًا بِقَصْدِهِ ذَلِكَ الْمَكَانَ وَأَلْغَيْنَا قَصْدَ الْإِغَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْكِتَابِ بِخِلَافِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ مِنْ شُرْبِهِ وَشُرْبِ مَا يُسْكِرُهُ حَرَامٌ فَصَارَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ عَنْ سَفَرِ الْبَغْيِ وَسَفَرِ الْإِبَاقِ وَسَفَرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ احْتِرَازٌ عَنْ النَّهْيِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَّصِلٌ بِهِ وَصْفًا كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ.
وَبِذَلِكَ أَيْ بِالنَّهْيِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الْفِعْلِ مَشْرُوعًا بِالِاتِّفَاقِ كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَلَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الْفِعْلِ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ بِهَذَا النَّهْيِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ صِفَةَ الْحِلِّ فِي السَّبَبِ
стр. 1500
التَّأْخِيرُ لِطَلَبِ الرِّفْقِ بَيْنَ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ عُبُودِيَّةً لَا رُبُوبِيَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ بِالسَّفَرِ إذَا اتَّصَلَ بِسَبَبِ الْوُجُوبِ حَتَّى ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي أَصْلِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فَظَهَرَ فِي قَضَائِهِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ فَلَا وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخْتَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا ضَرُورَةً لَازِمَةً قِيلَ لَهُ إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الصِّيَامَ فِي رَمَضَانَ وَشَرَعَ فِيهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا تَكَلَّفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ حَلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ضَرُورِيٌّ لِلْمَشَقَّةِ وَهَذَا مَوْضُوعٌ لَهَا وَلَكِنَّهُ إذَا أَفْطَرَ كَانَ قِيَامُ السَّفَرِ الْمُبِيحِ عُذْرًا وَشُبْهَةً فِي الْكَفَّارَةِ وَإِذَا أَصْبَحَ مُقِيمًا وَعَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَرِضَ وَإِذَا أَفْطَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا وَإِذَا أَفْطَرَ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ الْمَرَضِ لِمَا قُلْنَا إنَّ السَّفَرَ مُكْتَسَبٌ وَهَذَا سَمَاوِيٌّ وَأَحْكَامُ السَّفَرِ تَثْبُتُ بِنَفْسِ الْخُرُوجِ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ السَّفَرُ عِلَّةً بَعْدُ تَحْقِيقًا لِلرُّخْصَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
دُونَ صِفَةِ الْقُرْبَةِ فِي الْمَشْرُوعِ مَقْصُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّقَرُّبِ، وَصِفَةُ الْحِلِّ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى صِفَةِ الْحِلِّ لِيَصْلُحَ سَبَبًا لِلْمَشْرُوعِ، وَمُنَافَاةُ النَّهْيِ الْقُرْبَةُ أَقْوَى مِنْ مُنَافَاتِهِ الْحِلَّ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الطَّلَبِ وَالنَّدْبِ وَالْحِلُّ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِبَاحَةِ فَكَانَ النَّهْيُ الَّذِي هُوَ لِلْمَنْعِ أَقْوَى مُنَافَاةً لِلطَّلَبِ مِنْ مُنَافَاتِهِ لِلْحِلِّ ثُمَّ النَّهْيُ الَّذِي وَرَدَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُوجِبَ زَوَالَ صِفَةِ الْقُرْبَةِ عَنْ الْمَشْرُوعِ وَلَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَهُ كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَلَأَنْ لَا يُوجِبَ زَوَالَ صِفَةِ الْحِلِّ عَنْ السَّبَبِ وَلَا يَمْنَعَ تَحَقُّقَهُ كَانَ أَوْلَى أَوْ يُقَالُ زَوَالُ صِفَةِ الْقُرْبَةِ عَنْ الْمَشْرُوعِ بِمِثْلِ هَذَا النَّهْيِ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْمَشْرُوعِ كَالطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ زَوَالَ صِفَةِ الْحِلِّ عَنْ السَّبَبِ بِهَذَا النَّهْيِ عَنْ تَحَقُّقِ السَّبَبِ كَانَ أَوْلَى كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فِي نَفْسِ الْفِعْلِ يَعْنِي تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] الْبَغْيُ وَالْعَدَاءُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ وَكَذَلِكَ أَيْ الْبَغْيُ وَالْعَدَاءُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ أَنْ يَتَعَدَّى الْمُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ فِي الْأَكْلِ عَمَّا يُمْسِكُ بِهِ مُهْجَتَهُ فَعَلَى هَذَا كَانَ الْبَغْيُ وَالْعَدَاءُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ ﵀ فِي التَّيْسِيرِ قِيلَ هُمَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُمَا مُجَاوَزَةُ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَقِيلَ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَيْ طَالِبٍ لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ وَلَا عَادٍ أَيْ مُجَاوِزٍ قَدْرَ مَا يَقَعُ بِهِ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ هُمَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَيْ الْمُضْطَرُّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فِي الْأَكْلِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُحْصَنَاتِ وَقِيلَ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَيْ مُتَلَذِّذٍ وَلَا عَادٍ أَيْ مُتَزَوِّدٍ وَفِي الْكَشَّافِ غَيْرَ بَاغٍ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِالِاسْتِيثَارِ عَلَيْهِ وَلَا عَادٍ سَدًّا لِجَوْعَةٍ فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْبَغْيِ وَالْعَدْوِ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمُحَرَّمِ فَأَكَلَهُ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فِي أَكْلِهِ وَصِيغَةُ الْكَلَامِ أَدَلُّ عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى رُجُوعِ الْبَغْيِ وَالْعَدْوِ إلَى الْأَكْلِ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ رُجُوعِهِمَا إلَى الِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ حُرْمَةِ الْأَكْلِ وَحِلِّهِ فَكَانَ صَرْفُ الْبَغْيِ وَالْعَدْوِ إلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ لَا فَتْوَى أَضْيَعُ مِنْ فَتْوَاهُ هَذِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يَأْخُذُ بِفُتْيَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ الْبَغْيِ أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ كَثِيرُ ضَرَرٍ فِي الِامْتِنَاعِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَفِي ذَلِكَ هَلَاكُهُ ثُمَّ هَذَا مُنَاقَضَةٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَاغِي الْمُقِيمِ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِذَا سَافَرَ هَذَا الْبَاغِي لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ الْمَسْحُ وَالْمَسْحُ كَمَا هُوَ رُخْصَةٌ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ فِي الْحَضَرِ فَمَا بَالُهُ حَرَّمَ إحْدَى الرُّخْصَتَيْنِ وَأَبَاحَ الْأُخْرَى مَعَ وُجُودِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعْنَى.
[الْخَطَأُ مِنْ الْعَوَارِض الْمُكْتَسِبَة]
(الْفَصْلُ السَّادِسُ وَهُوَ الْخَطَأُ)
قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ الصَّوَابُ مَا أُصِيبَ بِهِ الْمَقْصُودُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالْخَطَأُ ضِدُّ الصَّوَابِ وَالْعُدُولِ عَنْهُ وَقِيلَ الْخَطَأُ فِعْلٌ أَوْ قَوْلٌ يَصْدُرُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّثَبُّتِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ ﵀ الْخَطَأُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ ضِدُّ الصَّوَابِ وَمِنْهُ يُسَمَّى الذَّنْبُ خَطِيئَةً وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] هُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ لَا ضِدُّ الْعَمْدِ وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ ضِدُّ الْعَمْدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] .
وَقَوْلُهُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ثُمَّ قَالَ وَالْخَطَأُ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا إلَى الْفِعْلِ لَا إلَى الْمَفْعُولِ كَمَنْ رَمَى إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَهُوَ قَاصِدٌ إلَى الرَّمْيِ لَا إلَى
стр. 1501
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نَوَى رَفْضَهُ صَارَ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَمَّا لَمْ يُتِمَّ عِلَّةً كَانَتْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ نَقْضًا لِلْعَارِضِ لِإِقَامَةِ ابْتِدَاءِ عِلَّةٍ وَإِذَا سَارَ ثُلُثًا ثُمَّ نَوَى الْمُقَامَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا ابْتِدَاءُ إيجَابٍ فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِهَذَا السَّفَرِ عِصْيَانٌ مِثْلُ سَفَرِ الْآبِقِ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرَخُّصِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرَخُّصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلِأَنَّهُ عَاصٍ فِي هَذَا السَّبَبِ فَلَمْ يَصْلُحْ سَبَبَ رُخْصَةٍ وَجُعِلَ مَعْدُومًا زَجْرًا وَتَنْكِيلًا كَمَا سَبَقَ فِي السُّكْرِ وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ سَبَبَ وُجُوبِ التَّرَخُّصِ مَوْجُودٌ وَهُوَ السَّفَرُ.
وَأَمَّا الْعِصْيَانُ فَلَيْسَ فِيهِ بَلْ فِي أَمْرٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَهُوَ التَّمَرُّدُ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ وَالْبَغْيُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهُ فَإِنَّ التَّمَرُّدَ عَلَى الْمَوْلَى فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ سَفَرٍ مَعْصِيَةٌ، وَكَذَلِكَ الْبَغْيُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ صَارَ جِنَايَةً لِوُقُوعِهِ عَلَى مَحَلِّ الْعِصْمَةِ مِنْ النَّفْسِ وَالْمَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ وَهُوَ الْإِنْسَانُ هَذَا النَّوْعُ جُعِلَ عُذْرًا. اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْخَطَأِ فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ فِي الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ غَيْرُ قَاصِدٍ الْخَطَأَ، وَالْجِنَايَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْقَصْدِ وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ عَقْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِأَنْ نَسْأَلَهُ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ إخْبَارًا عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ أَوْ تَعْلِيمًا لِلْعِبَادِ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ غَيْرَ جَائِزِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فِي الْحِكْمَةِ لَكَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ جَوْرًا وَصَارَ الدُّعَاءُ فِي التَّقْدِيرِ رَبَّنَا لَا تَجُرْ عَلَيْنَا بِالْمُؤَاخَذَةِ لَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ مَعَ جَوَازِهَا فِي الْحِكْمَةِ سَقَطَتْ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا اُسْتُجِيبَ لَهُ فِي دُعَائِهِ فَالشَّيْخُ ﵀ بِقَوْلِهِ جُعِلَ عُذْرًا أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَا يَعْنِي أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ جُعِلَ عُذْرًا صَالِحًا لِسُقُوطِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَصَلَ عَنْ اجْتِهَادٍ حَتَّى لَوْ أَخْطَأَ فِي الْقِبْلَةِ بَعْدَمَا اجْتَهَدَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَا إثْمَ وَلَوْ أَخْطَأَ فِي الْفَتْوَى بَعْدَمَا اجْتَهَدَ لَا يَأْثَمُ وَيَسْتَحِقُّ أَجْرًا وَاحِدًا وَكَذَا لَوْ رَمَى إلَى إنْسَانٍ عَلَى اجْتِهَادٍ أَنَّهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ لَا يَأْثَمُ الْقَتْلَ الْعَمْدَ وَإِنْ كَانَ يَأْثَمُ إثْمَ تَرْكِ التَّثَبُّتِ وَلَا يُؤَاخَذُ حَتَّى لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ.
وَلَمْ يُجْعَلْ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ خَطَأً بِأَنْ رَمَى إلَى شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا صَيْدٌ وَأَكَلَ مَالَ إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكُهُ يَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ جَزَاءَ فِعْلٍ فَيَعْتَمِدُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ، وَكَوْنُهُ خَاطِئًا مَعْذُورٌ لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ الْمَحَلِّ لَا جَزَاءُ الْفِعْلِ أَنَّ جَمَاعَةً لَوْ أَتْلَفُوا مَالَ إنْسَانٍ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ ضَمَانُ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ وَاحِدًا وَلَوْ كَانَ جَزَاءُ الْفِعْلِ لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ضَمَانٌ كَامِلٌ كَمَا فِي الْقِصَاصِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَوَجَبَتْ بِهِ أَيْ بِسَبَبِ الْخَطَأِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَجَبَتْ ضَمَانٌ لِلْمَحَلِّ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُهَا بِعُذْرِ الْخَطَإِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فِي الْحَالِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ كَضَمَانِ الْأَمْوَالِ لَكِنَّهَا وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالْخَطَأُ فِي نَفْسِهِ عُذْرٌ صَالِحٌ فِي سُقُوطِ بَعْضِ الْحُقُوقِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ أَيْ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِيمَا هُوَ صِلَةٌ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصِّلَاتِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّخْفِيفِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ فِي أَصْلِ الْبَدَلِ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَوَجَبَتْ عَلَى الْخَاطِئِ الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يُجْعَلْ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ضَرْبِ تَقْصِيرٍ وَهُوَ تَرْكُ التَّثَبُّتِ وَالِاحْتِيَاطِ فَصَلَحَ الْخَطَأُ سَبَبًا بِالْوُجُوبِ مَا يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ وَالْعُقُوبَةَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ قَاصِرٌ فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْخَطَأِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ وَهُوَ الرَّمْيُ إلَى الصَّيْدِ مُبَاحٌ وَتَرْكُ التَّثَبُّتِ فِيهِ مَحْظُورٌ فَكَانَ قَاصِرًا فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَصَلَحَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ الْقَاصِرِ.
قَوْلُهُ (وَصَحَّ طَلَاقُ الْخَاطِئِ) بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا اسْقِنِي فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا صَدَرَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَبَّغَاءَ إذَا لُقِّنَ فَهُوَ وَالْآدَمِيُّ سَوَاءٌ فِي صُورَةِ الْكَلَامِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالْعَاقِلُ سَوَاءٌ فِي أَصْلِ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهُ فَسَدَ لِعَدَمِ قَصْدِ الصَّحِيحِ وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ قَاصِدٍ فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ كَطَلَاقِ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَصْحَابُنَا قَالُوا الْقَصْدُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ حَقِيقَةً بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ قَامَ الْبُلُوغُ أَيْ الْبُلُوغُ عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ أَيْ مَقَامَ الْعَمَلِ بِاعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ عَنْ قَصْدٍ يَعْنِي لَوْ كَانَ الْبُلُوغُ عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ الْقَصْدِ فِي حَقِّ طَلَاقِ الْخَاطِئِ يَصِحُّ طَلَاقُ النَّائِمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَقَامَ الْبُلُوغُ يَعْنِي عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ الرِّضَا فِيمَا يُعْتَمَدُ الرِّضَا مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا قَامَ مَقَامَ الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ
стр. 1502
وَالسَّفَرُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَى مَحَلٍّ آخَرَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَخْرُجُ غَازِيًا ثُمَّ قَدْ يَسْتَقْبِلُهُ عِيرٌ فَيَبْدُو لَهُ فَيَقْطَعُ عَلَيْهِمْ فَصَارَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نَهْيًا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبِذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الْفِعْلِ مَشْرُوعًا فَلَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الْفِعْلِ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْحِلِّ فِي السَّفَرِ دُونَ صِفَةِ الْقُرْبَةِ فِي الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ عِصْيَانٌ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَتَعَلَّقَ الرُّخْصَةُ بِأَثَرِهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فِي نَفْسِ الْفِعْلِ أَنْ يَتَعَدَّى الْمُضْطَرُّ عَنْ الَّذِي بِهِ يُمْسِكُ مُهْجَتَهُ، وَصِيغَةُ الْكَلَامِ أَدَلُّ عَلَى هَذَا مِمَّا قَالَ وَأَحْكَامُ السَّفَرِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.
(الْفَصْلُ السَّادِسُ) وَهُوَ الْخَطَأُ هَذَا النَّوْعُ نَوْعٌ جُعِلَ عُذْرًا صَالِحًا لِسُقُوطِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَصَلَ عَنْ اجْتِهَادٍ وَشُبْهَةٍ فِي الْعُقُوبَةِ حَتَّى قِيلَ إنَّ الْخَاطِئَ لَا يَأْثَمُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ مِنْ أَجْزِئَةِ الْأَفْعَالِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى وَجَبَ ضَمَانُ الْعُدْوَانِ عَلَى الْخَاطِئِ؛
لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ لَا جَزَاءُ فِعْلٍ
ــ
[كشف الأسرار]
الرِّضَا أَمْرٌ بَاطِنٌ كَالْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَحَيْثُ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَقِيقَةُ الْقَصْدِ كَحَقِيقَةِ الرِّضَا وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَيْ عَنْ جَوَابِ الشَّافِعِيِّ لِكَلَامِنَا أَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْأَصْلِ حَرَجٌ لِخَفَائِهِ فَيُنْقَلُ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ إلَى دَلِيلٍ وَيُقَامُ مَقَامَ الْمَدْلُولِ تَيْسِيرًا وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأَحَدُ الشَّرْطَيْنِ فِي حَقِّ النَّائِمِ مَفْقُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْعَمَلِ بِأَصْلِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ النَّوْمَ يُنَافِي أَصْلَ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَانِعٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ نُورِ الْعَقْلِ فَكَانَتْ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ مَعْدُومَةً بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فِي دَرْكِهِ فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِ إقَامَةُ الْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ الْقَصْدِ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
وَالرِّضَا عِبَارَةٌ عَنْ امْتِلَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ أَيْ بُلُوغِهِ نِهَايَتَهُ بِحَيْثُ يُفْضِي أَثَرُهُ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ ظُهُورِ الْبَشَاشَةِ فِي الْوَجْهِ وَنَحْوِهَا كَمَا يُفْضِي أَثَرُ الْغَضَبِ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَمَالِيقِ الْعَيْنِ وَالْوَجْهِ بِسَبَبِ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ مَعْنَى الرِّضَا مَا ذَكَرْنَا كَانَ الرِّضَا وَالْغَضَبُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِمَا فِي حَقِّهِ ﷻ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ امْتِلَاءِ الِاخْتِيَارِ وَعَنْ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ وَالْعُضْوِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعُهُمَا فَلَمْ يَجُزْ إقَامَةُ غَيْرِ الرِّضَا وَهُوَ الْبُلُوغُ عَنْ عَقْلٍ مُقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ بَاطِنٍ بَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَهُوَ ظُهُورُ أَثَرِهِ لَا بِأَهْلِيَّةِ الرِّضَا. وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الْخَطَأَ لَمْ يَصْلُحْ سَبَبًا لِلْكَرَامَةِ قُلْنَا إنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ اسْتَوْجَبَ بَقَاءَ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَهَذَا كَرَامَةٌ ثَبَتَتْ لَهُ شَرْعًا فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْخَاطِئُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُمَضْمِضَ فَسَبَقَ الْمَاءُ حَلْقَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى النَّاسِي لِتَمَكُّنِ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ النَّاسِي.
وَإِذَا جَرَى الْبَيْعُ عَلَى لِسَانِ الْمَرْءِ خَطَأً بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِعْت هَذَا الْعَيْنَ بِكَذَا وَقَالَ الْآخَرُ قَبِلْت وَصَدَّقَهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْخَطَإِ خَصْمُهُ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ يَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ يَعْنِي لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَلَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ انْعِقَادَ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَاسِدًا لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ وَضْعًا يَعْنِي جَرَيَانَ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى لِسَانِهِ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ اخْتِيَارِيٌّ وَلَيْسَ بِطَبْعِيٍّ كَجَرَيَانِ الْمَاءِ وَطُولِ الْقَامَةِ فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِوُجُودِ أَصْلِ الِاخْتِيَارِ وَيَفْسُدُ لِفَوَاتِ الرِّضَا أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مَوْجُودٌ تَقْدِيرًا بِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ مُقَامَ الْقَصْدِ وَلَكِنَّ الرِّضَا فَاتَتْ لِعَدَمِ الْقَصْدِ حَقِيقَةً فَيَنْعَقِدُ وَلَا يَنْفُذُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْفَصْلُ الْآخَرُ) مِنْ أَقْسَامِ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ فَهُوَ فَصْلُ الْإِكْرَاهِ قِيلَ الْإِكْرَاهُ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ وَلَا يُرِيدُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْلَا الْمَحَلُّ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاؤُهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَقْسَامِ الْإِكْرَاهِ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ فِي الْإِكْرَاهِ يُعْتَبَرُ مَعْنًى فِي الْمُكْرِهِ وَمَعْنًى فِي الْمُكْرَهِ وَمَعْنًى فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَمَعْنًى فِيمَا أُكْرِهَ بِهِ.
فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُكْرِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ إيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ فَإِكْرَاهُهُ هَذَيَانٌ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُكْرَهِ أَنْ يَصِيرَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُكْرِهِ فِي إيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ عَاجِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَلْجَأً مَحْمُولًا عَلَيْهِ طَبْعًا إلَّا بِذَلِكَ وَفِيمَا أُكْرِهَ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُتْلِفًا أَوْ مُزْمِنًا أَوْ مُتْلِفًا عُضْوًا أَوْ مُوجِبًا عَمَّا يَنْعَدِمُ الرِّضَا بِاعْتِبَارِهِ وَفِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ مُمْتَنِعًا مِنْهُ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ إمَّا لِحَقِّهِ أَوْ لِحَقِّ إنْسَانٍ آخَرَ أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ
стр. 1503
وَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ لَكِنَّ الْخَطَأَ لَمَّا كَانَ عُذْرًا صَلَحَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِالْفِعْلِ فِيمَا هُوَ صِلَةٌ لَا يُقَابِلُ مَالًا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ضَرْبِ تَقْصِيرٍ يَصْلُحُ سَبَبًا لِمَا يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ وَالْعُقُوبَةَ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ قَاصِرٌ.
وَصَحَّ طَلَاقُهُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُ وَصَارَ كَالنَّائِمِ وَلَوْ قَامَ الْبُلُوغُ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ لَصَحَّ طَلَاقُ النَّائِمِ وَلَقَامَ الْبُلُوغُ مَقَامَ الرِّضَا أَيْضًا فِيمَا يَعْتَمِدُ الرِّضَا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ إذَا صَلَحَ دَلِيلًا وَكَانَ فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْأَصْلِ حَرَجٌ فَيَقِلُّ تَيْسِيرًا وَلَيْسَ فِي أَصْلِ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ حَرَجٌ فِي دَرْكِهِ وَلِنَوْمٍ يُنَافِي أَصْلَ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا حَرَجَ فِي مَعْرِفَتِهِ فَلَمْ يَقُمْ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ وَالرِّضَا عِبَارَةٌ عَنْ امْتِلَاءِ الِاخْتِيَارِ حَتَّى يُفْضِيَ إلَى الظَّاهِرِ وَلِهَذَا كَانَ الرِّضَا وَالْغَضَبُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ فَلَمْ يَجُزْ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فَأَمَّا دَوَامُ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ بِلَا سَهْوٍ وَلَا غَفْلَةٍ فَأَمْرٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِحَرَجٍ فَأُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ عِنْدَ قِيَامِ كَمَالِ الْعَقْلِ وَلَمَّا كَانَ الْخَطَأُ لَا يَخْلُو عَنْ ضَرْبِ
ــ
[كشف الأسرار]
هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فَعَلَى هَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْإِكْرَاهُ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ بِقَدْرِ الْحَامِلِ عَلَى إيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ فَأَتَتْ الرِّضَاءُ بِالْمُبَاشَرَةِ فَيَتِمُّ التَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَوَاتُ الرِّضَا دَاخِلًا فِي الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا عَنْهُ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ فَيَكْفِي بِذِكْرِ أَحَدِ الْقَيْدَيْنِ نَوْعٌ بِعَدَمِ الرِّضَا وَيَفْسُدُ الِاخْتِيَارُ، نَحْوُ التَّهْدِيدِ بِمَا يَخَافُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ تَبَعًا لَهَا وَالِاخْتِيَارُ هُوَ الْقَصْدُ إلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَذَا قِيلَ.
وَالصَّحِيحُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ فِي قَصْدِهِ مُسْتَبِدًّا وَالْفَاسِدُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُهُ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِيَارِ الْآخَرِ فَإِذَا اُضْطُرَّ إلَى مُبَاشَرَةِ أَمْرِ الْإِكْرَاهِ كَانَ قَصْدُهُ فِي الْمُبَاشَرَةِ دَفْعَ الْإِكْرَاهِ حَقِيقَةً فَيَصِيرُ الِاخْتِيَارُ فَاسِدًا لِابْتِنَائِهِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرَهِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَدِمْ أَصْلًا وَنَوْعٌ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ، نَحْوُ الْإِكْرَاهِ بِالْقَيْدِ أَوْ الْحَبْسِ مُدَّةً مَدِيدَةً أَوْ بِالضَّرْبِ الَّذِي لَا يَخَافُ بِهِ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَفْسُدُ بِهِ الِاخْتِيَارُ لِعَدَمِ الِاضْطِرَارِ إلَى مُبَاشَرَةِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ. وَنَوْعٌ آخَرُ لَا يَعْدَمُ الرِّضَا فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاخْتِيَارُ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ الرِّضَا مُسْتَلْزِمٌ لِصِحَّةِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ أَنْ يَهْتَمَّ أَيْ يَقْصِدَ الْمُكْرِهُ بِحَبْسِ أَبِي الْمُكْرَهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ يَغْتَمَّ الْمُكْرَهُ بِسَبَبِ حَبْسِ أَبِيهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ حَبْسِ زَوْجَتِهِ وَأُخْتِهِ وَأُمِّهِ وَأَخِيهِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُتَأَبِّدَةَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوِلَادِ.
وَكَانَ مَا ذَكَرَ جَوَابَ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ قِيلَ لَهُ لَنَحْبِس أَبَاك وَابْنَك فِي السِّجْنِ أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَك هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ فَفِي الْقِيَاسِ الْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُهَدِّدْهُ بِشَيْءٍ فِي نَفْسِهِ وَحَبْسُ أَبِيهِ فِي السِّجْنِ لَا يُلْحِقُ ضَرَرًا بِهِ فَالتَّهْدِيدُ بِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهِ وَإِقْرَارِهِ وَهِبَتِهِ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ ذَلِكَ إكْرَاهٌ وَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ حَبْسَ أَبِيهِ يُلْحِقُ بِهِ مِنْ الْحُزْنِ وَالْهَمِّ مَا يُلْحِقُ بِهِ حَبْسُ نَفْسِهِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ بَارًّا يَسْعَى فِي تَخْلِيصِ أَبِيهِ مِنْ السِّجْنِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حُبِسَ وَرُبَّمَا يَدْخُلُ السِّجْنَ مُخْتَارًا وَيَجْلِسُ مَكَانَ أَبِيهِ لِيَخْرُجَ أَبُوهُ فَكَمَا أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالْحَبْسِ فِي حَقِّهِ بِعَدَمِ تَمَامِ الرِّضَا فَكَذَلِكَ التَّهْدِيدُ بِحَبْسِ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ (وَالْإِكْرَاهُ بِجُمْلَتِهِ) أَيْ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ أَيْ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ وَلَا أَهْلِيَّةَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالذِّمَّةِ، وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِكْرَاهُ لَا يَحِلُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْخِطَابِ عَنْ الْمُكْرَهِ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مَلْجَأً أَوْ لَمْ يَكُنْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَيْ الْمُكْرَهَ فِي الْإِتْيَانِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرْضٍ أَيْ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبَاشِرَ فَرْضٍ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ بِمَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ صَبَرَ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى قُتِلَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَمِنْ أُكْرِهَ عَلَى مُبَاحٍ يُفْرَضُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَكَذَا هَاهُنَا وَحَظْرٍ أَيْ مَحْظُورٍ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ وَإِبَاحَةٍ كَمَا فِي إكْرَاهِ الصَّائِمِ عَلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ وَرُخِّصَتْ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ تُرَخَّصَ لَهُ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْإِبَاحَةِ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي الرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهَا أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ يُبَاحُ لَهُ بِالْإِكْرَاهِ وَلَوْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ لَا يَأْثَمُ فَهُوَ مَعْنَى الرُّخْصَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهَا أَنَّهُ يُبَاحُ وَلَوْ تَرَكَهُ يَأْثَمُ فَهُوَ مَعْنَى الْفَرْضِ فَإِكْرَاهُ الصَّائِمُ عَلَى الْفِطْرِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا مِنْ قَبِيلِ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِكْرَاهِ
стр. 1504
تَقْصِيرٍ لَمْ يَصْلُحْ سَبَبًا لِلْكَرَامَةِ، أَلَا تَرَاهُ صَالِحًا لِلْجَزَاءِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ النَّاسِيَ اسْتَوْجَبَ بَقَاءَ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ وَجُعِلَ الْمُنَاقِضُ عَدَمًا فِي حَقِّهِ فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْخَاطِئُ.
وَإِذَا جَرَى الْبَيْعُ عَلَى لِسَانِ الْمَرْءِ خَطَأً بِلَا قَصْدٍ وَصَدَّقَهُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ يَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ وَيَكُونَ كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ وَضْعًا وَلِعَدَمِ الرِّضَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الْآخَرُ فَهُوَ فَصْلُ الْإِكْرَاهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ بِعَدَمِ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الْمُلْجِئُ وَنَوْعٌ بِعَدَمِ الرِّضَا وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الَّذِي لَا يُلْجِئُ وَنَوْعٌ آخَرُ لَا يَعْدَمُ الرِّضَا وَهُوَ أَنْ يَهْتَمَّ بِحَبْسِ أَبِيهِ أَوْ وَلَدِهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.
وَالْإِكْرَاهُ بِجُمْلَتِهِ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةً وَلَا يُوجِبُ وَضْعَ الْخِطَابِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُبْتَلًى وَالِابْتِلَاءُ يُحَقِّقُ الْخِطَابَ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ وَذَلِكَ آيَةُ الْخِطَابِ فَيَأْثَمُ مَرَّةً وَيُؤْجَرُ أُخْرَى وَلَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَبَطَلَ الْإِكْرَاهُ.
أَلَا يُرَى أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَقَدْ وَافَقَ الْحَامِلُ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا وَلِذَلِكَ كَانَ مُخَاطَبًا فِي عَيْنِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَصْلُحُ لِإِبْطَالِ حُكْمِ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ جُمْلَةً إلَّا بِدَلِيلِ غَيْرِهِ عَلَى مِثَالِ فِعْلِ الطَّائِعِ وَإِنَّمَا أَثَّرَ الْإِكْرَاهُ إذَا تَكَامَلَ فِي تَبْدِيلِ النِّسْبَةِ وَأَثَرُهُ إذَا قَصَّرَ فِي تَفْوِيتِ الرِّضَا وَأَمَّا فِي الْإِهْدَارِ فَلَا فَهَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْصِيلِ وَتَرْتِيبِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَالْجُمْلَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِكْرَاهَ الْبَاطِلَ مَتَى جُعِلَ عُذْرًا فِي الشَّرِيعَةِ كَانَ مُبْطِلًا لِلْحُكْمِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكُفْرِ حَتَّى لَوْ صَبَرَ عَلَيْهِ وَقُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا وَلَا يُؤَجَّلُ هُنَا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَا بِتَرْكِهِ عِقَابٌ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ مُسْتَدِلًّا عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكْرَهِ مُنْقَسِمَةٌ مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَمِنْهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ مِنْهَا مَا هُوَ مُرَخَّصٌ لَهُ فِيهِ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْإِفْطَارِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَهَذَا عَلَامَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُخَاطَبًا فَذَكَرَ الْفَرْضَ وَالْحَظْرَ وَالرُّخْصَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِبَاحَةَ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِسْمٍ آخَرَ إلَّا أَنَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْإِفْطَارِ وَبَيْنَ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ فَرْقًا فِي غَيْرِ حَالِ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْإِفْطَارِ قَدْ تَسْقُطُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ فَلَعَلَّ الشَّيْخَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ أَيْ تَرَدُّدُ الْمُكْرَهِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَامَةٌ لِثُبُوتِ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الْخِطَابِ وَيَأْثَمُ الْمُكْرَهُ مَرَّةً بِالْإِقْدَامِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ وَيُؤْجَرُ أُخْرَى كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّ الْإِقْدَامَ لَمَّا صَارَ فَرْضًا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْإِجْرَاءَ كَمَا فِي سَائِرِ الْفُرُوضِ أَوْ يَأْثَمُ بِالِامْتِنَاعِ مَرَّةً كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَنْهُمَا إلَى أَنْ قُتِلَ حَرَامٌ وَيُؤْجَرُ أُخْرَى كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَنْهُ عَزِيمَةٌ وَالْإِثْمُ وَالْأَجْرُ مُتَعَلِّقَانِ بِالْخِطَابِ.
وَلَا يُنَافِي أَيْ الْإِكْرَاهُ الِاخْتِيَارَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَوْ سَقَطَ لَتَعَطَّلَ الْإِكْرَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَإِنَّ الطَّوِيلَ لَا يُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَصِيرًا وَلَا لِقَصِيرٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ طَوِيلًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرِهَ حَمَلَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْفِعْلِ وَقَدْ وَافَقَ الْمُكْرَهُ الْحَامِلُ فَيَكُونُ مُخْتَارًا فِي الْفِعْلِ ضَرُورَةً إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا بَالُهُ فَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهِ مُخْتَارًا كَانَ مُخَاطَبًا فِي عَيْنِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ كَمَا يَعْتَمِدُ الْأَهْلِيَّةَ يَعْتَمِدُ الِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ وَهِيَ بِدُونِ الِاخْتِيَارِ لَا يَتَحَقَّقُ فَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّتَهُ وَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْخِطَابِ وَلَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ لِإِبْطَالِ حُكْمِ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ مِثْلِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهَا وَالْأَفْعَالِ مِثْلِ الْقَتْلِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ وَإِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَيَثْبُتُ مُوجِبُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِكَوْنِهَا صَادِرَةً عَنْ أَهْلِيَّةٍ وَاخْتِيَارٍ إلَّا بِدَلِيلِ غَيْرِهِ عَلَى مِثَالِ فِعْلِ الطَّابَعِ الضَّمِيرِ لِلْحُكْمِ أَيْ لَكِنْ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِدَلِيلِ غَيْرِهِ بَعْدَمَا صَحَّ الْفِعْلُ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَتَغَيَّرُ فِعْلُ الطَّابَعِ بِدَلِيلٍ يَلْحَقُ بِهِ يُوجِبُ تَغْيِيرَ مُوجِبِهِ فَإِنَّ مُوجِبَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ يَثْبُتُ عَقِيبَ التَّكَلُّمِ بِهِ إلَّا إذَا لَحِقَ بِهِ مُغَيِّرٌ مِنْ تَعْلِيقٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ وَكَذَا مُوجِبُ فِعْلِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ مَانِعٌ بِأَنْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ تَحَقَّقَتْ فِيهَا شُبْهَةٌ فَكَذَا يَثْبُتُ مُوجِبُ أَقْوَالِ الْمُكْرَهِ وَأَفْعَالِهِ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُغَيِّرِ لِمَا قُلْنَا إنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ عَقْلٍ، وَالْأَهْلِيَّةُ خِطَابٌ وَاخْتِيَارٌ كَأَفْعَالِ الطَّابَعِ وَأَقْوَالِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا أَثَّرَ الْإِكْرَاهُ) أَيْ الْإِكْرَاهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ الْإِكْرَاهُ فِي إبْطَالِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فَأَيْنَ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فَقَالَ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا فِي أَمْرَيْنِ فَأَثَرُهُ إذَا تَكَامَلَ بِأَنْ كَانَ مُلْجِئًا فِي تَبْدِيلِ النِّسْبَةِ إذَا احْتَمَلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ حَتَّى يَصِيرَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إلَى الْمُكْرَهِ وَأَثَرُهُ إذَا قَصَّرَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا كَالْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ أَوْ الْقَيْدِ فِي تَفْوِيتِ الرِّضَا لَا فِي تَبْدِيلِ النِّسْبَةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ مُؤَثِّرًا فِي إهْدَارِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ لَا يُجْعَلُ فِعْلُهُ لَغْوًا بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الْبَهِيمَةِ
стр. 1505
عَنْ الْمُكْرَهِ أَصْلًا فِعْلًا كَانَ أَوْ قَوْلًا لِمَا قُلْنَا إنَّ الْإِكْرَاهَ يُبْطِلُ الِاخْتِيَارَ وَصِحَّةُ الْقَوْلِ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ لِيَكُونَ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الضَّمِيرِ فَتَبْطُلُ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ مِثْلُ الْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ عِنْدَهُ.
أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَتَحْقِيقَ الْعِصْمَةِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْأَقَارِيرُ كُلُّهَا وَإِذَا وَقَعَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْفِعْلِ فَإِذَا تَمَّ الْإِكْرَاهُ بَطَلَ حُكْمُ الْفِعْلِ عَنْ الْفَاعِلِ وَتَمَامِهِ بِأَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا يُبِيحُ الْفِعْلَ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْمُكْرَهِ نُسِبَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَيَبْطُلُ حُكْمُهُ أَصْلًا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَقَالَ فِي الْأَقْوَالِ أَجْمَعَ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَقَالَ فِي إتْلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ وَلَكِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَقَالَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ بِهِ الْفِعْلَ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الْمُكْرِهُ فَإِنَّمَا يَقْتُلُ بِالتَّسْبِيبِ وَقَالَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُكْرَهَ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ إكْرَاهِ الذِّمِّيِّ بَاطِلٌ وَإِكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ جَائِزٌ فَعُدَّ الِاخْتِيَارُ قَائِمًا وَكَذَلِكَ الْقَاضِي إذَا أَكْرَهَ الْمَدْيُونَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ فَبَاعَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا إكْرَاهُ حَقٍّ وَكَذَلِكَ الْمَوْلَى إذَا أُكْرِهَ فَطَلَّقَ صَحَّ لِمَا قُلْنَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَكِنْ يُجْعَلُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الْمُكْرَهِ فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْإِكْرَاهُ لِإِعْدَامِ الْفِعْلِ فِي جَانِبِ الْمُكْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مَنْسُوبًا إلَى الْمُكْرَهِ لَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي الْإِلْغَاءِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ هَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَثَرَ الْإِكْرَاهِ تَبْدِيلُ النِّسْبَةِ أَوْ تَفْوِيتُ الرِّضَا أَصْلُ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَنَا لَا إبْطَالَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَثَرِ الْإِكْرَاهِ هُوَ الْأَصْلُ فِي جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِكْرَاهِ وَالْجُمْلَةُ أَيْ الْأَصْلُ الْجَامِعُ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ الْإِكْرَاهَ الْبَاطِلَ وَهُوَ الَّذِي يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ حَتَّى جُعِلَ عُذْرًا فِي الشَّرْعِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَبِالْإِجْمَاعِ حَتَّى سَقَطَ الْإِثْمُ عَنْ الْمُكْرَهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِلَا خِلَافٍ كَانَ مُبْطِلًا لِلْحُكْمِ عَنْ الْمُكْرَهِ أَصْلًا فِعْلًا كَانَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ قَوْلًا لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُبْطِلُ الِاخْتِيَارَ.
أَوْ لِمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُبْطِلُ الِاخْتِيَارَ أَيْ يُفْسِدُهُ وَصِحَّةُ الْقَوْلِ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ لِيَكُونَ الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الضَّمِيرِ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ فَيَبْطُلُ أَيْ الْقَوْلُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَصْدِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ مِنْ النَّائِمِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ وَلَا مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ لِعَدَمِ الْقَصْدِ الصَّحِيحِ فَعَرَفْنَا أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الْقَلْبِ وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ مُتَكَلِّمٌ لِدَفْعِ الشَّرِّ لَا لِبَيَانِ مَا هُوَ مُرَادُ قَلْبِهِ فَصَارَ فِي الْإِفْسَادِ فَوْقَ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا آخَرَ وَكَانَ كُلُّ كَلَامِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ لَمْ يُرِدْ إظْهَارَ أَمْرٍ قَدْ سَبَقَ بَلْ قَصَدَ دَفْعَ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ إقْرَارُهُ كَإِقْرَارِ الْمَجْنُونِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْقَلْبِ الَّذِي صِحَّةُ الْكَلَامِ تُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَالْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ الدَّائِمِ مِثْلُ الْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ عِنْدَهُ فِي إبْطَالِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَنْ الْمُكْرَهِ أَصْلًا، أَلَا يُرَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِالْحَبْسِ بِعَدَمِ الرِّضَا بِالِاتِّفَاقِ وَبُطْلَانِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَنْ الْمُكْرَهِ فِي الْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ لِتَحْقِيقِ عِصْمَةِ حُقُوقِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَفُوتَ حُقُوقُهُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ، وَتَحْقِيقُ الْعِصْمَةِ هَاهُنَا فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُكْرَهِ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا بِزَوَالِ حَقِّهِ فَيَجِبُ إلْحَاقُ الْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْإِكْرَاهُ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يُزِيلُ حُقُوقَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ بِهِ أَدَّى إلَى أَنْ لَا تَظْهَرَ فَائِدَةُ حُرْمَةِ الْحُقُوقِ، وَالرِّضَا شَرْطٌ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُ الْكُلَّ وَهُوَ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ فَوَجَبَ إلْحَاقُ الْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ لِفَوَاتِ الرِّضَا فِيهِ بِالْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀ وَحَدُّ الْإِكْرَاهِ أَنْ يُخَوِّفَهُ بِعُقُوبَةٍ تَنَالُ مِنْ بَدَنِهِ عَاجِلًا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا وَإِلَّا لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَأَقْطَعَنَّ عُضْوًا مِنْك وَلَأَضْرِبَنَّكَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا أَوْ لَأُخَلِّدَنَّكَ فِي السِّجْنِ وَكَانَ الْقَائِلُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ تَحْقِيقَ مَا يُخَوِّفُهُ بِهِ فَإِنْ خَوَّفَهُ بِعُقُوبَةٍ آجِلَةٍ بِأَنْ قَالَ لَأَضْرِبَنَّكَ غَدًا أَوْ بِضَرْبٍ غَيْرِ مُبَرِّحٍ بِأَنْ قَالَ لَأَضْرِبَنَّكَ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ أَوْ بِمَا لَا يَنَالُ مِنْ بَدَنِهِ بِأَنْ قَالَ لَأَقْتُلَنَّ وَلَدَك أَوْ زَوْجَتَك فَلَا يَكُونُ إكْرَاهًا. وَالنَّفْيُ عَنْ الْبُلْدَانِ كَانَ فِيهِ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ فَهُوَ إكْرَاهٌ كَالتَّخْلِيدِ فِي السِّجْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا مَا يَئُولُ إلَى إذْهَابِ الْجَاهِ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ لِلْمُحْتَشِمِ لَأُسَوِّدَنَّ وَجْهَك أَوْ لَأَطُوفَنَّ بِك فِي الْبَلَدِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ لَأُتْلِفَنَّ مَالَك فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا إذَا كَانَ يُكْرِهُهُ عَلَى قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَإِنْ كَانَ يُكْرِهُهُ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ أَوْ عَلَى طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَهُوَ إكْرَاهٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصِيبُ بَدَنَهُ بِهِ مَا لَا يُطِيقُهُ هَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّهْذِيبِ.
قَوْلُهُ (وَتَمَامُهُ) بِأَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا يُبِيحُ الْفِعْلُ شَرْعًا كَالْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ أَوْ الْحَبْسِ الدَّائِمِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الْإِفْطَارِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يُبِيحُ الْفِعْلَ عِنْدَهُ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ كَلِمَةُ
стр. 1506
وَذَلِكَ بَعْدَ الْمُدَّةِ عِنْدَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْنُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَعْدَمُ الِاخْتِيَارَ لَكِنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا فَكَانَ دُونَ الْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ وَدُونَ الْخَطَإِ لَكِنَّهُ يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ فَإِذَا عَارَضَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ وَجَبَ تَرْجِيحُ الصَّحِيحِ عَلَى الْفَاسِدِ إنْ أَمْكَنَ فَيُجْعَلُ الِاخْتِيَارُ الْفَاسِدُ مَعْدُومًا فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِذَا جُعِلَ مَعْدُومًا صَارَ بِمَنْزِلَةِ عَدِيمِ الِاخْتِيَارِ فَيَصِيرُ آلَةً لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَا يَسْتَقِيمُ نِسْبَتُهُ إلَى الْمُكْرَهِ فَلَا يَقَعُ الْمُعَارَضَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُكْمِ فَبَقِيَ مَنْسُوبًا إلَى الِاخْتِيَارِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْقُطُ بِالتَّرْجِيحِ.
أَلَا يُرَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الِاخْتِيَارِ صَالِحٌ لِلْخِطَابِ وَصَارَتْ التَّصَرُّفَاتُ كُلُّهَا مُنْقَسِمَةً إلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْأَقْوَالُ قِسْمٌ وَاحِدٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِيهَا لَا يَصْلُحُ آلَةً لِغَيْرِهِ فَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ وَالْأَفْعَالُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مِثْلُ الْأَقْوَالِ.
وَالثَّانِي مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ فِيهِ آلَةً لِغَيْرِهِ وَالْأَقْوَالُ قِسْمَانِ أَيْضًا مَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا وَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ دُونَ الرِّضَا وَالْإِكْرَاهُ
نَوْعَانِ كَامِلٌ يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَيُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَقَاصِرٌ يَعْدَمُ الرِّضَا وَلَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَالْحُرُمَاتُ أَنْوَاعٌ حُرْمَةٌ لَا تَنْكَشِفُ وَلَا يَدْخُلُهَا رُخْصَةٌ بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَحُرْمَةٌ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَصْلًا وَحُرْمَةٌ لَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ لَكِنْ تَحْتَمِلُ الرُّخْصَةَ وَحُرْمَةٌ تَحْتَمِلُ
ــ
[كشف الأسرار]
الرِّدَّةِ بِالْإِكْرَاهِ وَيَجِبُ غَيْرُهَا وَلَا يُبَاحُ الْقَتْلُ وَالزِّنَا بِالْإِكْرَاهِ كَذَا فِي مُلَخَّصِهِمْ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْإِبَاحَةَ دَلِيلًا عَلَى تَمَامِ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الْعُذْرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ فَإِذَا ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ عُرِفَ أَنَّ الِاضْطِرَارَ قَدْ تَحَقَّقَ وَأَنَّ الْإِكْرَاهَ صَارَ مُلْجِئًا فَكَانَ تَامًّا وَلِهَذَا أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ لَهُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ يَصْلُحُ آلَةً لَهُ فِي الْإِتْلَافِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُنْسَبَ الْفِعْلُ إلَيْهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي إتْلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْإِفْطَارِ بِأَنَّ إكْرَاهَ الْحَلَالِ عَلَى قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ إكْرَاهَ الْمُحْرِمِ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ أَوْ إكْرَاهَ الصَّائِمِ عَلَى الْإِفْطَارِ فَفَعَلُوا لَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَلَكِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ بَهِيمَةٍ مَضْمُونَةٍ بِالْإِتْلَافِ فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الشَّاةِ وَيُتَصَوَّرُ قَتْلُ الصَّيْدِ مِنْ الَّذِي أَكْرَهَ بِيَدِ الَّذِي بَاشَرَ فَيُنْسَبُ الْقَتْلُ إلَى الْمُكْرِهِ إذَا تَمَّ الْإِكْرَاهُ وَقَدْ تَمَّ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَاشَرَ أُبِيحَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ فِي صُورَةِ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ يَزُولُ بِالْإِكْرَاهِ فَالْتُحِقَ الْإِفْطَارُ بِابْتِلَاعِ الْبُزَاقِ وَالْأَكْلِ نَاسِيًا بِخِلَافِ بِالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ وَإِنْ زَالَ فَصَوْمُ الْعِدَّةِ لَزِمَهُ بِالنَّصِّ فَالشَّرْعُ أَقَامَ الْعِدَّةَ فِي حَقِّهِ مَقَامَ الشَّهْرِ لَا أَنَّ صَوْمَ الْعِدَّةِ يَلْزَمُهُ قَضَاءً بِحُكْمِ الْإِفْطَارِ مَعَ زَوَالِ الْحَظْرِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَدَاءِ حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي بَعْضِ الْعِدَّةِ لَمْ يَلْزَمُهُ قَضَاءً مَا بَقِيَ وَمَا يَجِبُ بِحُكْمِ الْإِفْطَارِ لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا قَالَ فِي الزِّنَا قَالَ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ إنَّ الْمُكْرَهَ يُقْتَلُ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَحِلَّ بِهِ الْفِعْلُ فَلَمْ يَتِمَّ الْإِكْرَاهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُبَاشِرُ آلَةً وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ صَارَ آلَةً لَمَا أَثِمَ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُكْرَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَمَا اقْتَصَرَ الْفِعْلُ عَلَى الْمُكْرَهِ حَتَّى وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشِرٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِاقْتِصَارِ الْفِعْلِ عَلَى الْمُكْرَهِ فَقَالَ إنَّمَا يُقْتَلُ الْمُكْرَهُ بِالتَّسْبِيبِ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ حَقِيقَةً فَإِنَّ التَّسْبِيبَ إذَا تَعَيَّنَ لِلْقَتْلِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ لِلْإِحْيَاءِ بِسَدِّ بَابِ الْقَتْلِ عُدْوَانًا ابْتِدَاءً خَوْفًا مِنْ الْقِصَاصِ، وَالْقَتْلُ بِالْإِكْرَاهِ بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي النَّاسِ لِلْأَكَابِرِ وَالْمُتَغَلِّبَةِ فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِصَاصُ لَمَا انْسَدَّ الْبَابُ بِقَتْلِ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ وَالِاضْطِرَارُ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَغَلِّبِ وَهَذَا كَمَا يُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْآدَمِيِّ فِي الْعَادَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّغَالُبِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَدْفَعُ الْوَاحِدَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ قِصَاصًا لَمَا انْسَدَّ بَابُ الْقَتْلِ عُدْوَانًا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ أَنَّهُ سَبَبٌ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إلَّا بِقَتْلِ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ فَصَارَ كَالسَّيْفِ لَهُ بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَ الذِّمِّيِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَإِكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ جَبْرًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَعُدَّ الِاخْتِيَارُ قَائِمًا فِي حَقِّهِ إعْلَاءً لِلْإِسْلَامِ كَمَا عُدَّ قَائِمًا فِي حَقِّ السَّكْرَانِ زَجْرًا لَهُ حَتَّى صَحَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إذَا كَانَ بِحَقٍّ فَقَدْ أَمَرَنَا الشَّرْعُ بِإِكْرَاهِهِ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ طَلَبًا لِلتَّصَرُّفِ وَمَا كَانَ مَطْلُوبًا شَرْعًا يَكُونُ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَأْمُرُ بِشَيْءٍ غَيْرِ صَحِيحٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بَاطِلًا فَهُوَ مَحْظُورٌ وَذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا فَلَا يَثْبُتُ وَلَا يَصِحُّ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالْمَدْيُونِ الْمَوْلَى إذَا أُكْرِهَ عَلَى التَّطْلِيقِ فَطَلَّقَ صَحَّ طَلَاقُهُ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْإِكْرَاهَ حَقٌّ وَذَلِكَ أَيْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِالْإِكْرَاهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ عِنْدَهُ أَيْ يُتَصَوَّرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهَا تَسْتَحِقُّ التَّفْرِيقَ عَلَيْهِ كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ كَانَ الْإِكْرَاهُ حَقًّا لَا بَاطِلًا فَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَأَمَّا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَالْإِكْرَاهُ بَاطِلٌ فَيَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْنُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَعْدَمُ الِاخْتِيَارَ) فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ
стр. 1507
السُّقُوطَ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِعُذْرِ الْمُكْرَهِ وَاحْتَمَلَتْ الرُّخْصَةَ أَيْضًا وَجُمْلَةُ الْفِقْهِ فِيهِ مَا قُلْنَا إنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُوجِبُ تَبْدِيلَ الْحُكْمِ بِحَالٍ وَلَا تَبْدِيلَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَلَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ إلَّا بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْمُكْرَهَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ لَا وَجْهَ لِنَقْلِ الْحُكْمِ بِدُونِ نَقْلِ الْفِعْلِ وَلَا وَجْهَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ ذَاتِهِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا وَجَبَ الْقَصْرُ عَلَى الْمُكْرَهِ فَفِي الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْمَرْءُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَنْفَسِخُ
ــ
[كشف الأسرار]
فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا أَوْ لَكِنَّهُ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ فَكَانَ الْإِكْرَاهُ دُونَ الْهَزْلِ وَشَرْطُ الْخِيَارِ دُونَ الْخَطَإِ فِي الْمَانِعِيَّةِ وَقَدْ شَبَّهَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِالْهَزْلِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِ السَّبَبِ مَعَ وُجُودِ الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ فِي نَفْسِ السَّبَبِ وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ بِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِ السَّبَبِ دُونَ نَفْسِ السَّبَبِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ الشَّيْخُ هُوَ دُونَهُمَا دُونَ الْخَطَإِ؛ لِأَنَّ فِي الْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ عَمَّ اخْتِيَارُ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ أَصْلًا وَإِنْ وُجِدَ الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَفِي الْخَطَإِ الِاخْتِيَارُ مَوْجُودٌ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا فَأَمَّا فِي الْإِكْرَاهِ فَالِاخْتِيَارُ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَكَانَ دُونَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَنْعِ وَأَقْرَبَ إلَى فِعْلِ الطَّابَعِ مِنْهَا فَكَانَ تَصَرُّفُ الْمُكْرَهِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ تَصَرُّفِ الْهَازِلِ وَالْخَاطِئِ وَلَا يُقَالُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ مَوْجُودٌ فِي الْهَزْلِ وَشَرْطُ الْخِيَارِ دُونَ الْإِكْرَاهِ وَاخْتِيَارُ الْحُكْمِ مَوْجُودٌ فِي الْإِكْرَاهِ دُونَ الْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ فَيَسْتَوِي الْكُلُّ فَلَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ دُونَهُمَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ السَّبَبِ فَلَا يُعَادَلُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ فِي الْهَزْلِ وَشَرْطِ خِيَارِ اخْتِيَارِ الْحُكْمِ فِي الْإِكْرَاهِ فَلَا تَثْبُتُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ بَلْ كَانَ الْإِكْرَاهُ دُونَهُمَا كَمَا بَيَّنَّا وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ أَيْ الْإِكْرَاهَ يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْإِكْرَاهُ دُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَنْعِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ فِيهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُكْرَهِ كَمَا فِي الْهَزْلِ وَالْخَطَأِ.
فَقَالَ الْإِكْرَاهُ لَا يَعْدَمُ الِاخْتِيَارَ وَلَكِنَّهُ يُفْسِدُهُ لِمَا بَيَّنَّا فَإِذَا عَارَضَ الِاخْتِيَارَ الْفَاسِدَ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُكْرَهِ وَجَبَ تَرْجِيحُ الصَّحِيحِ عَلَى الْفَاسِدِ إنْ أَمْكَنَ وَذَلِكَ بِاحْتِمَالِ الْفِعْلِ النِّسْبَةَ إلَى الْمُكْرَهِ بِجَعْلِ الْمُكْرَهِ آلَةً لَهُ نِسْبَتُهُ أَيْ نِسْبَةُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الِاخْتِيَارَ الْفَاسِدَ صَالِحٌ لِذَلِكَ أَيْ لِاسْتِحْقَاقِ الْحُكْمِ صَالِحٌ لِلْخِطَابِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُكْرَهَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَحَظْرٍ وَرُخْصَةٍ
وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ تَمْهِيدِ أَصْلِهِ وَتَأْسِيسِ قَاعِدَتِهِ شَرَعَ فِي تَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَتَفْصِيلِ الْجُمْلَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْصِيلِ وَتَرْتِيبِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَقَالَ وَصَارَتْ التَّصَرُّفَاتُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْمُكْرَهِ كُلُّهَا مُنْقَسِمَةً إلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَى الْمُكْرِهِ بِجَعْلِ الْمُكْرَهِ آلَةً لَهُ وَمَا لَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْإِكْرَاهُ نَوْعَانِ أَيْ الْإِكْرَاهُ الَّذِي لَهُ أَثَرٌ فِي الْأَحْكَامِ نَوْعَانِ حُرْمَةٌ لَا تَنْكَشِفُ أَيْ لَا تَزُولُ وَلَا تَسْقُطُ نَحْوَ حُرْمَةِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَحِلُّ لِضَرُورَةٍ مَا فَلَا يَحِلُّ بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِ غَيْرِهِ مِثْلُ حُرْمَةِ نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ إهْلَاكَ نَفْسِ غَيْرِهِ طَرِيقًا لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَالزِّنَا فِي حُكْمِ الْقَتْلِ أَيْضًا وَحُرْمَةٌ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَصْلًا مِثْلُ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِمَا مَرَّ.
وَحُرْمَةٌ لَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ لَكِنَّهَا تَحْتَمِلُ الرُّخْصَةَ نَحْوُ حُرْمَةِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَبَدًا لَكِنْ تَدْخُلُهَا الرُّخْصَةُ أَيْ تَسْقُطُ الْمُؤَاخَذَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَحُرْمَةٌ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَاحْتَمَلَتْ الرُّخْصَةَ كَحُرْمَةِ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِإِبَاحَةِ صَاحِبِهِ وَلَمْ تَسْقُطْ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ كَمَا لَمْ تَسْقُطْ بِعُذْرِ الْمَخْمَصَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَحَقُّهُ بَاقٍ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ وَالِاضْطِرَارِ لَكِنَّهَا تَحْتَمِلُ الرُّخْصَةَ حَتَّى رُخِّصَ لَهُ الْإِتْلَافُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْأَكْلُ بِالْمَخْمَصَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ (وَجُمْلَةُ الْفِقْهِ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَنَا لَا يُوجِبُ تَبْدِيلَ الْحُكْمِ بِحَالٍ أَيْ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ حُكْمِ السَّبَبِ وَإِبْطَالِهِ عَنْهُ مُلْجِئًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُلْجِئٍ بَلْ يَبْقَى حُكْمُهُ كَمَا لَوْ كَانَ طَائِعًا لِصُدُورِهِ عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ وَأَهْلِيَّةِ خِطَابٍ مِثْلُ صُدُورِهِ عَنْ الطَّائِعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ قَدْ أَوْجَبَ تَبْدِيلَ الْحُكْمِ حَتَّى لَا يُحْكَمَ بِكُفْرِ الْمُكْرَهِ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَلَوْ صَدَرَ عَنْ الطَّائِعِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَبِالْبَيْنُونَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ
стр. 1508
وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارُ لَمْ يَبْطُلْ بِالْإِكْرَاهِ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ وَهُوَ يُنَافِي الِاخْتِيَارَ وَالرِّضَا بِالْحُكْمِ وَلَا يَبْطُلُ شَرْطُ الْخِيَارِ وَهُوَ يُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَصْلًا فَلَأَنْ لَا يَبْطُلُ بِمَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ أَوْلَى.
ــ
[كشف الأسرار]
الرِّدَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ تَثْبُتُ بِتَبْدِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَالتَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَقِيَامُ الْإِكْرَاهِ هَاهُنَا مَنَعَ كَوْنَ التَّكَلُّمِ دَلِيلًا عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ الِارْتِدَادُ فَلَا تَقَعُ الْبَيْنُونَةُ وَلَا يُوجِبُ تَبْدِيلَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ فِي تَبْدِيلِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ تَبْدِيلَ مَحَلِّ الْحُكْمِ أَيْضًا عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَسْأَلَةِ إكْرَاهِ الْمُحْرِمِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ وَلَا يُوجِبُ تَبْدِيلَ النِّسْبَةِ إلَّا بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ أَثَرَ الْإِكْرَاهِ التَّامِّ فِي نَقْلِ الْفِعْلِ عَنْ الْمُكْرَهِ إلَى الْمُكْرِهِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً مِنْ شَخْصٍ إلَى غَيْرِهِ وَالْمَسَائِلُ تَشْهَدُ بِخِلَافِ هَذَا أَيْضًا فَإِنَّ الْبَالِغَ إذَا أَكْرَهَ صَبِيًّا عَلَى قَتْلِ الْغَيْرِ يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَهَذَا الْفِعْلُ فِي مَحَلِّهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَوَدِ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا بِانْتِقَالِهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ.
بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ تَأْثِيرَ الْإِكْرَاهِ فِي جَعْلِ الْمُكْرَهِ آلَةً لِلْمُكْرِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَيَصِيرُ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إلَى الْمُكْرِهِ ابْتِدَاءً بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا بِطَرِيقِ النَّقْلِ وَجَعْلُ الْمُكْرَهِ آلَةً لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ بِالْإِكْرَاهِ يَفُوتُ اخْتِيَارُهُ أَصْلًا وَلَكِنْ؛ لِأَنَّهُ يَفْسُدُ اخْتِيَارُهُ بِهِ لِتَحَقُّقِ الْإِلْجَاءِ إذْ الْإِنْسَانُ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ حَيَاتِهِ وَذَلِكَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَيَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَالْفَاسِدُ فِي مُعَارَضَةِ الصَّحِيحِ كَالْمَعْدُومِ فَيَصِيرُ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إلَى الْمُكْرَهِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ وَالْمُكْرَهُ يَصِيرُ آلَةً لَهُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ حُكْمًا فِي مُعَارَضَةِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ وَإِلَى مَا ذَكَرَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَا وَجْهَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ ذَاتِهِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالنَّقْلِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ قَصْرُ الْفِعْلِ بِحُكْمِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ ﵀ فِي الْإِيضَاحِ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا يَصْلُحُ آلَةً أَنَّ الْمُكْرِهَ يُمْكِنُهُ إيجَادُ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا حَمَلَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ بِوَعِيدِ التَّلَفِ صَارَ كَأَنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ وَمِنْ قَوْلِنَا لَا يَصْلُحُ آلَةً أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ يَبْقَى مَقْصُورًا عَلَيْهِ فَفِي الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْمَرْءُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ حِسًّا عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لِلِسَانِ الْمُتَكَلِّمِ اخْتِيَارٌ فَاقْتَصَرَ الْأَقْوَالُ بِأَحْكَامِهَا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّ الْمُكْرِهَ طَلَّقَ امْرَأَةَ الْمُكْرَهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَصْلُحُ آلَةً لِلْمُكْرَهِ فَإِنَّ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ يَصِحُّ وَمَتَى طَلَّقَ الْوَكِيلُ كَانَ عَامِلًا لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يُطَلِّقُ وَلَا يَعْتِقُ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ حَنِثَ فَعُلِمَ أَنَّ الْوَكِيلَ صَارَ آلَةً لِلْمُوَكِّلِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُكْرِهَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُكْرَهِ وَفِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَرْجِعُ بِضَمَانِ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَوْ لَمْ يَصِرْ آلَةً لَهُ لِمَا رَجَعَ وَإِذَا صَارَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ صَارَ كَأَنَّ الْمُكْرِهَ طَلَّقَ امْرَأَةَ الْمُكْرَهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ.
قُلْنَا الْمُكْرَهُ إنَّمَا يَصْلُحُ آلَةَ الْمُكْرِهِ فِيمَا لَوْ أَرَادَ الْمُكْرَهُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ فَيَنْزِلُ فَاعِلًا بِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ تَقْدِيرًا وَاعْتِبَارًا، فَأَمَّا فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَاعِلًا حُكْمًا فَفِي تَطْلِيقِ امْرَأَةِ نَفْسِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ مُتَصَرِّفًا بِنَفْسِهِ فَإِذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ وَاسْتَعْمَلَهُ جُعِلَ عَامِلًا تَقْدِيرًا وَاعْتِبَارًا فَأَمَّا فِي تَطْلِيقِ امْرَأَةِ الْمُكْرَهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُبَاشِرًا بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْمُكْرَهُ آلَةً لَهُ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُكْرَهِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا فَنَحْنُ لَا نَنْظُرُ إلَى التَّكَلُّمِ بِلِسَانِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِمَّا نَنْظُرُ إلَى الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ وَإِلَى الْحُكْمِ فَمَتَى كَانَ فِي وُسْعِهِ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ يُجْعَلُ غَيْرُهُ آلَةً لَهُ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ لَمْ يُجْعَلْ غَيْرُهُ آلَةً لَهُ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْمُرْسِلِ عَلَى مَا قِيلَ لِسَانُ الرَّسُولِ لِسَانُ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الْمَجَازِ فَلَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّبْلِيغِ لَا مِنْ بَابِ التَّكَلُّمِ بِلِسَانِ الْغَيْرِ إذْ التَّبْلِيغُ قَدْ يَكُونُ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالْمُشَافَهَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةٍ كَالْكِتَابِ وَالْإِرْسَالِ عَلَى وُجُودِ
стр. 1509
وَإِذَا اتَّصَلَ الْإِكْرَاهُ بِقَبُولِ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ وَالْمَالُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَعْدَمُ الِاخْتِيَارَ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَيَعْدَمُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا أَوْ الْتِزَامُ الْمَالِ يَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِ الرِّضَا فَكَأَنَّ الْمَالَ لَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ بَلْ وَقَعَ كَطَلَاقِ الصَّغِيرَةِ عَلَى مَالٍ بِخِلَافِ الْبَدَلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁؛ لِأَنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ جَمِيعًا بِالْحُكْمِ وَلَا يُمْنَعُ الرِّضَا وَلَا الِاخْتِيَارُ فِي السَّبَبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ إيجَابُ الْمَالِ فَيَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ كَشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ أَوْجَبَ تَوَقُّفَ الطَّلَاقِ عَلَى الْمَالِ كَذَلِكَ هَهُنَا وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَإِنَّ الْإِكْرَاهَ يَعْدَمُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحُكْمِ وَلَا يَمْنَعُ الِاخْتِيَارَ فِيهِمَا أَيْضًا فَلَمْ يَصِحَّ إيجَابُ الْمَالِ لِعَدَمِ الرِّضَا بِلُزُومِ الْمَالِ فَكَأَنْ لَمْ يُوجَدْ فَوَقَعَ بِغَيْرِ مَالٍ بِخِلَافِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارَ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ وَعِنْدَهُمَا مَا يَدْخُلُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَلِ الْخُلْعِ أَصْلًا كَشَرْطِ الْخِيَارِ وَمَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَالِ دُونَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالشَّرْطِ فَكَانَ فِي الْإِيجَابِ مِثْلَ الثَّمَنِ وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ
ــ
[كشف الأسرار]
الرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ أَيْ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ وَلَا يَبْطُلُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَهُوَ يُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَيْ اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ أَيْضًا فَلَأَنْ لَا يَبْطُلُ بِمَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَلَا يُعْدِمُهُ أَوْلَى.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الْهَزْلُ ضِدُّ الْجِدِّ كَالْكَذِبِ ضِدُّ الصِّدْقِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِدِّ فَلَمَّا صَحَّتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَعَ الْهَزْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْجِدِّ فَلَأَنْ تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ جَادٌّ فِي تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّهُ دُعِيَ إلَى التَّصَرُّفِ بِطَرِيقِ الْجِدِّ فَإِنْ أَجَابَ إلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ فَهُوَ جَادٌّ وَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ طَابِعٌ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا اتَّصَلَ الْإِكْرَاهُ بِقَبُولِ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ) إلَى آخِرِهِ إنَّمَا تَعَرَّضَ بِجَانِبِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُخَالِعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ مُكْرَهَةٍ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ الْمَالَ طَائِعَةً بِإِزَاءِ مَا سَلَّمَ لَهَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ فَأَمَّا إذَا أُكْرِهَتْ امْرَأَةٌ بِوَعِيدِ تَلَفٍ أَوْ حَبْسٍ عَلَى أَنْ تَقْبَلَ مِنْ زَوْجِهَا الْخُلْعَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَبِلَتْ لَك مِنْهُ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَالطَّلَاقُ يَقَعُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْمَالِ يَعْتَمِدُ تَمَامَ الرِّضَا وَبِالْإِكْرَاهِ يَفُوتُ الرِّضَا سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَبْسٍ أَوْ بِقَتْلٍ وَلَكِنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ يَعْتَمِدُ وُجُودَ الْقَبُولِ لَا وُجُودَ الْمَقْبُولِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَالٍ يَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَى قَبُولِهَا فَإِذَا قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ وَبِالْإِكْرَاهِ لَا يَنْعَدِمُ الْقَبُولُ فَلِهَذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا جَمِيعًا احْتَاجُوا إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ فِي الْخُلْعِ فَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْهَزْلِ فِي أَصْلِ الْخُلْعِ وَبَدَلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَيْثُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِالْتِزَامِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ يُعْدِمُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارَ بِالْحُكْمِ وَلَا يَمْنَعُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارَ فِي السَّبَبِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْهَزْلُ غَيْرَ مَانِعٍ لِلرِّضَى وَالِاخْتِيَارِ فِي السَّبَبِ صَحَّ إيجَابُ الْمَالِ أَيْ الْتِزَامُهُ بِالْهَزْلِ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَلْزَمَ عِنْدَ تَمَامِ الرِّضَا بِهِ فَيَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ وُجِدَ الِاخْتِيَارُ وَالرِّضَا بِالسَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْمَالِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى وُجُودِ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَا بِهِ فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ فَلَا يُعْدِمُ الِاخْتِيَارَ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ وَإِنَّمَا يُعْدِمُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ فَلِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ تَمَّ الْقَبُولُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَلِعَدَمِ الرِّضَا لَا يَجِبُ الْمَالُ فَكَأَنَّ الْمَالَ لَمْ يُذْكَرْ أَصْلًا.
هَذَا هُوَ الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ فِي الْخُلْعِ أَمَّا بَيَانُ الْفَرْقِ لَهُمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِعَدَمِ الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحُكْمِ وَلَا يُعْدِمُ الِاخْتِيَارَ فِيهِمَا أَيْضًا يَعْنِي جَوَابُهُمَا فِي الْإِكْرَاهِ كَجَوَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلَمْ يَصِحَّ إيجَابُ الْمَالِ لِعَدَمِ الرِّضَا فَصَارَ كَأَنَّ الْمَالَ لَمْ يُذْكَرْ أَصْلًا فَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ مَالٍ ثُمَّ إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَبُولِ الطَّلَاقِ بِمَالٍ بِأَنْ أُكْرِهَتْ عَلَى أَنْ تَقْبَلَ مِنْ زَوْجِهَا تَطْلِيقَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ الْوَاقِعُ رَجْعِيًّا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ رَجْعِيٌّ إذَا لَمْ يَجِبْ عِوَضٌ بِمُقَابِلَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَبُولِ الْخُلْعِ بِمَالٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ بِخِلَافِ الْهَزْلِ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَجِبُ الْمَالُ عِنْدَهُمَا عَلَى مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ يُعْدِمُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارَ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَصَحَّ إيجَابُ الْمَالِ لِوُجُودِ الرِّضَا فِي السَّبَبِ.
وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ مَا يَدْخُلُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَلِ الْخُلْعِ بِالْمَنْعِ أَصْلًا كَشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ فِي الْمَنْعِ وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ الطَّلَاقُ بِالْمَنْعِ حَتَّى لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى الِاخْتِيَارِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ وَهُوَ لُزُومُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِيهِ تَابِعٌ فَيَتْبَعُ الطَّلَاقَ وَيَلْزَمُ حَسَبَ لُزُومِهِ فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ الْهَزْلُ وَشَرْطُ الْخِيَارِ وَمَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ مِثْلُ الْإِكْرَاهِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَالِ دُونَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ فِي الْخُلْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ بِالذِّكْرِ فِيهِ كَمَا أَنَّ الثَّمَنَ لَا يَجِبُ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالذِّكْرِ.
فَكَانَ الْمَالُ فِي الْإِيجَابِ أَيْ فِي الْإِثْبَاتِ فِي
стр. 1510
وَأَمَّا الَّذِي يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُبَاشِرِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَفْسُدُ لِعَدَمِ الرِّضَا وَلَا يَصِحُّ الْأَقَارِيرُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا تَعْتَمِدُ قِيَامَ الْمُخْبَرِ بِهِ وَقَدْ قَامَتْ دَلَالَةُ عَدَمِهِ وَلَا نُسَلِّمُ قَوْلَ الْخَصْمِ أَنَّ الضَّرَرَ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّضَا بَلْ عَلَى الِاخْتِيَارِ.
أَلَا يُرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْتَارُ الضَّرَرَ كَارِهًا غَيْرَ رَاضٍ كَالْفَصْدِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ وَإِنَّمَا الرِّضَا لِلُّزُومِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا غَيْرُ وَهَذَا بِخِلَافِ أَقَارِيرِ السَّكْرَانِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ عُذْرًا لَمْ يَصْلُحْ دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ بَلْ جُعِلَ دَلَالَةً عَلَى الرُّجُوعِ بِخِلَافِ السَّكْرَانِ إذَا ارْتَدَّ فَإِنَّ امْرَأَتَهُ لَا تَبِينُ وَجُعِلَ السُّكْرُ دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَعْتَمِدُ مَحْضَ الِاعْتِقَادِ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ وَالشُّبْهَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ وَمَا يَعْتَمِدُ الْعِبَارَةَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّبْهَةِ أَيْضًا وَالْكَامِلُ مِنْ الْإِكْرَاهِ وَالْقَاصِرِ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْخُلْعِ مِثْلَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِثْلَ الْيَمِينِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ صِحَّةِ الْإِيجَابِ لِثُبُوتِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ لَا بُدَّ مِنْ صِحَّتِهِ أَيْضًا لِثُبُوتِ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ وَمَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ بِمَنْعِ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ فِي الْخُلْعِ وَمَا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَمْنَعُ فِي الْخَلْعِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِي الْبَيْعِ مَا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ يَمْنَعُ اللُّزُومَ وَفِي الْخُلْعِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الطَّلَاقُ هَاهُنَا وَالْمَالُ تَابِعٌ وَهَذَا الْمَانِعُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ لُزُومِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ لُزُومِ التَّابِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّابِعِ يُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْبُوعِ أَبَدًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ يَتْبَعُ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا الَّذِي) أَيْ التَّصَرُّفُ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُبَاشِرِ أَيْضًا كَاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا يَفْسُدُ أَيْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ إلَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ نَفَاذَهُ لِفَوَاتِ الرِّضَا الَّذِي هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ بِالْإِكْرَاهِ فَيَنْعَقِدُ بِصِفَةِ الْفَسَادِ فَلَوْ أَجَازَ التَّصَرُّفَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً صَحَّ؛ لِأَنَّ رِضَاءَهُ قَدْ تَمَّ وَلِلْفَسَادِ كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَيَزُولُ الْمَعْنَى الْمُفْسِدُ بِالْإِجَازَةِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ أَجَلٍ فَاسِدٍ أَوْ خِيَارٍ فَاسِدٍ إذَا أَسْقَطَ مَنْ لَهُ الْأَجَلُ أَوْ الْخِيَارُ مَا شُرِطَ لَهُ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا فَكَذَا هَذَا وَلَا يَصِحُّ الْأَقَارِيرُ كُلُّهَا حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ بِقَتْلٍ أَوْ إتْلَافِ عُضْوٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِعِتْقٍ مَاضٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ رَجْعَةٍ أَوْ فَيْءٍ فِي إيلَاءٍ أَوْ عَفْوٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِإِنْسَانٍ أَوْ إبْرَاءٍ عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِإِسْلَامٍ مَاضٍ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا هُدِّدَ بِمَا يَخَافُ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مُلْجِئٌ إلَى الْإِقْرَارِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْحَقَّ بِاعْتِبَارِ رُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَذَلِكَ يَفُوتُ بِالْإِلْجَاءِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إقْرَارَهُ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُخْبَرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ دَفْعًا لِلسَّيْفِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَقَدْ قَامَتْ دَلَالَةُ عَدَمِهِ أَيْ عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ.
وَكَذَا إنْ هُدِّدَ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ؛ لِأَنَّ الرِّضَا يَنْعَدِمُ بِالْحَبْسِ وَالْقَيْدِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْهَمِّ، وَعَدَمُ الرِّضَا يَمْنَعُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي إقْرَارِهِ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ مِثْلُ الْهَزْلِ فِي تَفْوِيتِ الرِّضَا وَمَنْ هَزَلَ بِإِقْرَارٍ لِغَيْرِهِ وَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ هَزْلٌ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا قَالَ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذَا ابْنِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَهُنَاكَ يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِ فِيمَا قَالَ فَوْقَ مَا يَتَيَقَّنُ بِالْكَذِبِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ مُكْرَهًا فَإِذَا نَفَذَ الْعِتْقُ ثَمَّةَ يَنْفُذُ هَاهُنَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى قُلْنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ جَعَلَ ذَلِكَ الْكَلَامَ مَجَازًا فِي الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانُ جَانِبِ الْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إقْرَارُهُ مَجَازًا فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ وَقَدْ يُرَجِّحُ جِهَةَ الْكَذِبِ فِيهِ بِالْإِكْرَاهِ فَبَطَلَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ السَّكْرَانِ إذَا ارْتَدَّ) جَوَابٌ عَنْ نَقْضٍ يَرُدُّ عَلَى إقْرَارِ السَّكْرَانِ فَإِنَّ السُّكْرَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي الْإِقْرَارِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصْلُحَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ فِي الرِّدَّةِ أَيْضًا فَقَالَ الرِّدَّةُ تَعْتَمِدُ مَحْضَ الِاعْتِقَادِ أَيْ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالتَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ دَلِيلٌ مَحْضٌ عَلَيْهِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الِاعْتِقَادِ الشَّكُّ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ عَقْلِهِ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الِاعْتِقَادِ مِثْلَ كَلَامِ الصَّاحِي وَبِالنَّظَرِ إلَى انْطِمَاسِ نُورِ الْعَقْلِ بِالسُّكْرِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ اعْتِقَادُ الْكُفْرِ بِالشَّكِّ فَلَا تَثْبُتُ الرِّدَّةُ وَلَا الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِالشَّكِّ وَمَا يَعْتَمِدُ الْعِبَارَةَ نَحْوُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَبْطُلُ بِالشُّبْهَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صُدُورَ كَلَامِهِ
следующие страницы →