Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
فَلِهَذَا لَزِمَتْهُ الدُّيُونُ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ صَحَّ فِي حَيَاتِهِ لِهَذَا صَحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ ضَعْفُ الذِّمَّةِ أَوْ خَرَابُهَا فَيَكُونُ الدَّيْنُ غَيْرَ مُطَالَبٍ بِنَفْسِهِ لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ سُقُوطُهُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ لَا لِعَجْزٍ بِالْمَعْنَى فِينَا كَاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ دَيْنٌ لَا يُمْكِنُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّيْنِ لِعَدَمِ الدَّيْنِ لَا لِعَجْزٍ فِيهِ عَنْ الْمُطَالَبَةِ كَذَا هُنَا بِخِلَافِ الدُّرَّةِ السَّاقِطَةِ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْأَخْذِ لِمَعْنًى فِينَا لَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنِ الْأَخْذِ فِي نَفْسِهَا وَبِخِلَافِ الْكَفَالَةِ عَنْ الْمُفْلِسِ الْحَيِّ فَإِنَّ الذِّمَّةَ كَامِلَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلدَّيْنِ بِنَفْسِهَا فَيَبْقَى الدَّيْنُ مُسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةِ كَمَا كَانَ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ مُطَالَبَةُ الْمُفْلِسِ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ الْإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَبِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهَا بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَالٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وَعَرَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ كَفَالَةٌ صَحِيحَةٌ مُبْتَدَأَةٌ عَلَى وَجْهٍ يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكَفَالَةِ مِنْ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُلَازَمَةِ وَالْحَبْسِ وَالْجَبْرِ عَلَى الْقَضَاءِ بَلْ احْتَمَلَ الْإِقْرَارَ وَاحْتَمَلَ الْعِدَّةَ وَهِيَ أَقْرَبُ الْوُجُوهِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَصِحُّ لِلْغَائِبِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَا يَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كَانَ يَتَبَيَّنُ بِالْمَالِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ إمْكَانُ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْهَلَاكِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ وَتَعَذُّرَ الْإِيجَابِ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ ضَعْفِ الذِّمَّةِ أَوْ خَرَابِهَا لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ الْمَدْيُونِ.
مُضَافًا صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ لُزُومًا مُضَافًا إلَى سَبَبٍ صَحَّ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَتَلَفَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ مَالٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لَزِمَ ضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَضَمَانُ الْمَالِ فِي مَالِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ لَمَّا وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ أَمْكَنَ إسْنَادُ الْوُجُوبِ إلَى أَوَّلِ السَّبَبِ وَقَدْ كَانَتْ الذِّمَّةُ صَالِحَةً لِلْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالضَّمَانِ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْإِيجَابِ بِإِمْكَانِ إسْنَادِهِ إلَى حَالِ كَمَالِ الذِّمَّةِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا وَلَكِنَّهَا إذًا تَفُوتُ بِالْمُؤَكَّدِ احْتَمَلَتْهُ صَحَّ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا لِأَنَّهُ تَرَكَ مَالًا فَقَدْ تَفُوتُ الذِّمَّةُ بِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُجُوبِ وَقَدْ صَارَ الْمَالُ عَوْنًا لِلذِّمَّةِ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ لِتَحَمُّلِ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَبْقَى الدَّيْنُ بِبَقَائِهِ فَتُصْبِحُ الْكَفَالَةُ وَكَذَا إذَا خَلَفَ كَفِيلًا لِأَنَّ ذِمَّةَ الْكَفِيلِ لَمَّا انْضَمَّتْ إلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي تَحَمُّلِ الْمُطَالَبَةِ تَفُوتُ ذِمَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَقَاءِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلِأَنَّ السُّقُوطَ لِضَرُورَةِ ضَعْفِ الذِّمَّةِ صَحَّ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَلَفَ مَالًا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِ وَمُطَالَبَةُ الْوَصِيِّ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَرِيمِ بِالْمَالِ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَلَمَّا تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالْمَالِ حَالَ قِيَامِ الذِّمَّةِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلِاسْتِيفَاءِ بَقِيَ الدَّيْنُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ بَرَاءَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَصْلًا بَلْ لِضَرُورَةٍ رَاجِعَةٍ إلَى الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَإِذَا وُجِدَ لَهُ مَحَلٌّ بِوَجْهٍ يَبْقَى وَالْمَالُ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَلَمَّا بَقِيَ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ.
وَإِذَا خَلَفَ كَفِيلًا تَحَوَّلَ الدَّيْنُ
стр. 1437
وَإِنْ كَانَ شَرَعَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ بَطَلَ إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَيَصِحَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَمَّا الَّذِي شُرِعَ لَهُ فَبِنَاءً عَلَى حَاجَتِهِ لِأَنَّ مَرَافِقَ الْبَشَرِ إنَّمَا شُرِعَتْ لَهُمْ لِحَاجَتِهِمْ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْبَشَرِ وَالْمَوْتُ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ فَبَقِيَ لَهُ مَا يَنْقَضِي بِهِ الْحَاجَةُ وَلِذَلِكَ بَقِيَتْ التَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ عِنْدَ قِيَامِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ جِهَازُهُ ثُمَّ دُيُونُهُ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا وَاقِعَةً وَمُفَوَّضَةً
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى ذِمَّتِهِ بِخَرَابِ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ ضَمَّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا فِي أَصْلِ الدَّيْنِ وَلَكِنَّهَا يَنْعَقِدُ مُجَوِّزَةً لِتَحَوُّلِ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا إذَا أَدَّى الْكَفِيلُ الدَّيْنَ أَوْ وُهِبَ لَهُ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ مِنْ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَالْهِبَةِ وَقَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ هَاهُنَا إلَى التَّحَوُّلِ لِيُمْكِنَ إيفَاءُ حُكْمِ الْكَفَالَةِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ فَلِذَلِكَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ فَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْأَصِيلِ وَعَنْ الْكَفِيلِ أَيْضًا وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُوجِبُ أَنْ يَصِحَّ عَنْ الْكَفِيلِ دُونَ الْأَصِيلِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ.
١ -
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا قَتَلَ الْمُفْلِسُ الْمَدْيُونَ عَمْدًا فَكَفَلَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ إنْسَانٌ صَحَّتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ مَالًا لِأَنَّهُ بِعَرَضٍ أَنْ يَصِيرَ مَالًا بِعَفْوِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَوْ بِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فَلِتَوَهُّمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا بِقَضَاءِ ذَلِكَ الدَّيْنِ يُجْعَلُ الدَّيْنُ بَاقِيًا حُكْمًا فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَأَمَّا الْمُتَبَرِّعُ إذَا أَدَّى فَإِنَّمَا صَحَّ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يُلَاقِي جَانِبَ صَاحِبِ الْحَقِّ دُونَ الْمَدْيُونِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَمْ يَصِرْ الْمَدْيُونُ مُؤَدِّيًا بَلْ يَبْرَأُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ عَنْهُ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا بِمَوْتِ الْآخَرِ وَحُكْمُ السُّقُوطِ عَنْ الْمَدْيُونِ لِضَرُورَةِ فَوْتِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَهُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ شُرِعَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ الْغَيْرِ مَشْرُوعًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ كَنَفَقَةِ الْمَحَارِمِ وَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَنَحْوِهَا بَطَلَ بِالْمَوْتِ أَيْ سَقَطَ بِهِ لِأَنَّ ضَعْفَ الذِّمَّةِ بِالْمَوْتِ فَوْقَ ضَعْفِهَا بِالرِّقِّ وَالرِّقُّ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَالْمَوْتُ بِهِ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَيَصِحَّ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ تَصَرُّفَهُ فِي الثُّلُثِ نَظَرًا لَهُ وَنَفْعُ الْوَصِيَّةِ رَاجِعٌ إلَيْهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهَا نَظَرًا لَهُ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي شُرِعَ لِلْعَبْدِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ.
فَبِنَاءً عَلَى حَاجَتِهِ لِأَنَّ مَرَافِقَ الْبَشَرِ أَيْ مَا يَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِحَاجَتِهِمْ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْبَشَرِ فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَثْبُتُ فِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ مُحْدَثِينَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَبِإِحْدَاثِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ زَوَالُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنْهُمْ وَالْعُبُودِيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ فَشُرِعَتْ لَهُمْ مِنْ الْمَرَافِقِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَوَائِجُهُمْ وَالْمَوْتُ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْ الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ النُّقْصَانِ وَلِهَذَا قِيلَ الْحَاجَةُ نَقْصٌ يَرْتَفِعُ بِالْمَطْلُوبِ وَيَنْجَبِرُ بِهِ وَلَا عَجْزَ فَوْقَ الْمَوْتِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَبْقَى لَهُ أَيْ لِلْمَيِّتِ مِمَّا كَانَ مَشْرُوعًا لَهُ لِحَاجَتِهِ مَا يُقْتَضَى بِهِ الْحَاجَةُ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ بَقَاءَ التَّرِكَةِ عَلَى مِلْكِهِ لِلْحَاجَةِ قُدِّمَ جِهَازُهُ ثُمَّ دُيُونُهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّجْهِيزِ أَقْوَى مِنْهَا إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ التَّجْهِيزِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِبَاسُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْزِعُوا ثِيَابَهُ لِمِسَاسِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ عَلَى الدَّيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْغَيْرِ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهَا كَمَا فِي الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَرْهُونِ وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي وَنَحْوِهَا فَصَاحِبُ الْحَقِّ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ وَأَوْلَى بِهَا مِنْ صَرْفِهَا إلَى التَّجْهِيزِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ
стр. 1438
وَلِذَلِكَ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِحَاجَةِ الْمُكَاتَبِ وَهِيَ أَقْوَى الْحَوَائِجِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ نُدِبَ فِيهِ حَطُّ بَعْضِ الْبَدَلِ فَإِذَا جَازَ بَقَاءُ مَالِكِيَّةِ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتِقًا فَلَأَنْ يَبْقَى هَذِهِ الْمَالِكِيَّةُ لِيَصِيرَ مُعْتِقًا أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
تَعَلُّقًا مُؤَكَّدًا.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِبَقَاءِ الْحَاجَةِ صَحَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا إذَا لَمْ تُجَاوِزْ الثُّلُثَ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا نَظَرَ لَهُ وَقَطَعَ حَقَّ الْوَارِثِ عَنْ الثُّلُثِ لِحَاجَتِهِ إلَى تَدَارُكِ مَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ صَحَّتْ وَصَايَاهُ وَاقِعَةً أَيْ مُنَفَّذَةً بِأَنْ أَوْصَى بِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ أَوْ تَبَرَّعَ فِي حَالِ مَرَضِهِ بِشَيْءٍ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمُفَوِّضُهُ أَيْ إلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَنَحْوِهَا وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِبَقَاءِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَتُهُ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ بِاعْتِبَارِ مَالِكِيَّتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتَقًا وَيَحْصُلُ لَهُ الْبَدَلُ مَعَ ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ فَوَاتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَحَاجَتُهُ إلَى الْأَمْرَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حُصُولِ الْإِعْتَاقِ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَحْصُلَ الْوَلَاءُ لَهُ وَلِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ عَلَى مَا قَالَ ﵇ «أَيُّمَا مُسْلِمٌ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» وَيَحْتَاجُ إلَى حُصُولِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى مِلْكِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ دُيُونُهُ فَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَيْضًا فَلِذَلِكَ تَبْقَى الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِلِاحْتِيَاجِ إلَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ عِنْدَنَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ عَنْ وَفَاءٍ فَتُؤَدِّي كِتَابَتُهُ وَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخَرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ حَتَّى يَكُونَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ يَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ وَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْمَوْلَى وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الرَّقَبَةُ إذْ الْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا وَعَنْ فَسَادِ الْعَقْدِ يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهَا كَمَا يَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ وَقَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ سَلَامَتِهِ لَهُ فَيُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ مَاتَ عَاجِزًا وَكَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ إنَّمَا يَبْقَى لِيُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ بِوُصُولِ الْبَدَلِ إلَى الْمَوْلَى إذَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَقْدِ فِي جَانِبِهِ تَحْصِيلُ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ ابْتِدَاءً لِمَا فِي الْعِتْقِ مِنْ إحْدَاثِ قُوَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ شَرْطِهِ وَالْمَيِّتُ لَا يُوصَفُ بِالرِّقِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ الْعِتْقُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ لَا يَسْبِقُ الشَّرْطَ وَفِي إسْنَادِهِ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْمَوْلَى لِأَنَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ قَائِمٌ قَابِلٌ لِلْعِتْقِ وَالْمَوْلَى إنَّمَا يَصِيرُ مُعْتَقًا عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ وَذَلِكَ قَدْ صَحَّ وَلَزِمَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَمَوْتُهُ لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَمَحَلُّ الْعِتْقِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى مَحَلِّيَّةِ التَّصَرُّفِ حَالَ نُفُوذِهِ وَثُبُوتِ حُكْمِهِ وَقَدْ بَطَلَتْ الْمَحَلِّيَّةُ فَيَبْطُلُ الْحُكْمُ.
يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِشَرْطٍ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَوَجَدَ الشَّرْطَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَجْنُونُ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَهْلًا لِلْإِيقَاعِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَوْ أَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ وَجَدَ الشَّرْطَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ صَحِيحًا وَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِكَ كَانَ لَغْوًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَبَيْنَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَنَحْنُ نَقُولُ الْمُكَاتَبَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَتَمْلِيكٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَاللُّزُومِ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ مَلَكَ بِهَا يَدَهُ وَتَصَرُّفَهُ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِسَابُ وَمَكَاسِبُهُ مِنْ حَيْثُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُكَاتَبُ مَالِكٌ بِحُكْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ
стр. 1439
وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَهِيَ تَابِعَةٌ فِي الْبَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمَوْلَى مَلَكَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُهُ بِذَلِكَ وَيَحْبِسُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ أَصْلَ الْمَالِ وَثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ بِمَا مَلَكَ حَقٌّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ مِنْ مِلْكِهِ فَيُحْرِزَ بِهِ نَفْسَهُ وَحُرِّيَّتَهُ كَمَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ حَقٌّ أَنْ يَقْبِضَ فَيُتَمِّمَ مِلْكَهُ فِي أَصْلِ الْمَالِ فَهَذَا يُتَمِّمُ مِلْكَهُ بِالْقَبْضِ فِي رَقَبَةِ الْمَالِ وَالْمُكَاتَبُ يُتِمُّ إحْرَازَ نَفْسِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْ مِلْكِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ حَقٌّ قَبْلَ صَاحِبِهِ بِالْعَقْدِ بِحَقِّ الْمَالِكِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِهَذَا الْعَقْدِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْمُكَاتَبِ تَثْبُتُ لِحَاجَتِهِ إلَى إحْرَازِ نَفْسِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْمَوْلَى الثَّابِتَةَ بِهَذَا الْعَقْدِ شُرِعَتْ لِحَاجَتِهِ إلَى مِلْكِ الْبَدَلِ وَصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا بِوَاسِطَتِهِ وَإِحْرَازِهِ الْوَلَاءَ الَّذِي صَارَ الْمُعْتَقُ بِهِ بِمَنْزِلِ الْوَلَدِ وَهِيَ أَيْ حَاجَةُ الْمُكَاتَبِ إلَى الْحُرِّيَّةِ أَقْوَى الْحَوَائِجِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ رَأْسُ مَالِ الْحَيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا إذْ الرَّقِيقُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَوْتٌ حُكْمًا وَيَدْخُلُ بِالْعِتْقِ فِي أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا أَقْوَى الْحَوَائِجِ أَنَّهُ نَدَبَ فِي هَذَا الْعَقْدِ إلَى حَطِّ بَعْضِ الْبَدَلِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْعِتْقُ ثُمَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمَوْلَى يَبْقَى بَعْدِ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى مِلْكِ الْبَدَلِ وَنِسْبَةِ الْوَلَاءِ إلَيْهِ بِصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا فَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى تَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ فَوْقَ حَاجَةِ مَوْلَاهُ إلَى الْوَلَاءِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَتَابِعَةٌ فِي الْبَابِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ قُلْتُمْ بِبَقَاءِ مِلْكِيَّةِ الْمُكَاتَبِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ مَمْلُوكِيَّتِهِ إذْ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ مَمْلُوكِيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ إبْقَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لِمَعْنَى الْكَرَامَةِ وَلَا كَرَامَةَ فِي إبْقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَإِذَا لَمْ تَبْقَ الْمَمْلُوكِيَّةُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ مُعَتَّقًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَنَفْسَخُ الْكِتَابَةَ فَقَالَ بَقَاءُ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَكُونُ تَبَعًا لِبَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّا قَدْ احْتَجْنَا إلَى بَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَمَحَلِّيَّةِ التَّصَرُّفِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَبْقَى الْمَمْلُوكِيَّةُ شَرْطًا لِتَحْقِيقِ الْمَالِكِيَّةِ وَلَيْسَتْ هِيَ بِمَقْصُودَةٍ بِالْبَقَاءِ إنَّمَا الْمَالِكِيَّةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ اسْتِدْلَالًا بِجَانِبِ الْمَوْلَى لَكِنَّ مِنْ شَرْطِ بَقَائِهَا بَقَاءَ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِيُمْكِنَ إبْدَالُ الْعِتْقِ فِيهَا فَتَحَقُّقُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشُّرُوطِ اتِّبَاعٌ فَبَقَّيْنَاهَا تَبَعًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مَالِكًا مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَذَلِكَ وَمِنْ ضَرُورَةِ بَقَائِهِ مَالِكًا مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ مَمْلُوكِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ إذْ لَوْ لَمْ يَبْقَ مَمْلُوكًا مِنْ وَجْهٍ لَصَارَ مَالِكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَذَلِكَ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ الْعِتْقِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَتَقَرَّرَتْ بِهِ مَالِكِيَّتُهُ الَّتِي اسْتَفَادَهَا بِالْعَقْدِ وَإِذَا ثَبَتَ اسْتَنَدَتْ إلَى آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ ثَبَتَ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ إسْنَادِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْعِتْقِ الْمُقَرَّرِ لَهَا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ كَمَا فِي جَانِبِ الْمَوْلَى ثَبَتَ مِلْكُ الْبَدَلِ عِنْدَ الْقَبْضِ وَاسْتَنَدَ مِلْكُهُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَكَمَ بَقَاءَ الْمَمْلُوكِيَّةِ قَصْدًا فَقَالَ لَمَّا جَازَ أَنْ تَبْقَى مَالِكِيَّةُ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتَقًا جَازَ أَنْ تَبْقَى مَمْلُوكِيَّةُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ حُرًّا لِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ الَّتِي هِيَ تُنْبِئُ عَنْ الضَّعْفِ أَلْيَقُ بِحَالِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي هِيَ ضَرْبُ قُوَّةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ بَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ
стр. 1440
وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ نَظَرٌ لَهُ مِنْ جِهَةٍ حَتَّى صُرِفَتْ إلَى مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أَوْ سَبَبًا أَوْ دَيْنًا أَوْ دِينًا بِلَا نَسَبٍ وَسَبَبٍ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ أَنْ كَفَنَ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَا سَبَبَ لِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ سِوَى الْمَمْلُوكِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا نَحْكُمُ بِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَلَا نَجْعَلُهُ حُرًّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَكِنَّا نُسْنِدُ حُرِّيَّتَهُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَالدَّيْنُ يَتَحَوَّلُ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى التَّرِكَةِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْقَى مَحَلًّا صَالِحًا لِلدَّيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِهَذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِالْمَوْتِ فَإِذَا تَحَوَّلَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ إلَى التَّرِكَةِ فَرَغَتْ الذِّمَّةُ مِنْهُ وَفَرَاغُ ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ يُوجِبُ حُرْمَتَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا نُجَوِّزُ الْحُكْمَ بِحُرِّيَّتِهِ مَا لَمْ يَصِلْ الْمَالُ إلَى الْمَوْلَى فَإِذَا وَصَلَ الْمَالُ إلَيْهِ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَإِنْ حَكَمْنَا بِحُرِّيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَسْنَدْنَاهَا إلَى حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إبْقَاءِ حُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ وَسَلَامَةِ أَكْسَابِهِ لَا حُرِّيَّتَهُ قَصْدًا وَالْوَلَدُ قَائِمٌ قَابِلٌ لِلْعِتْقِ وَالْكَسْبُ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ نُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْمُكَاتَبِ فَيَثْبُتُ عِتْقُهُ شَرْطًا لَا مَقْصُودًا فَلَا يُرَاعَى فِيهِ كَوْنُ الْمَحَلِّ قَابِلًا لِهَذَا الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَغْلُوبِ لَمَّا ثَبَتَ شَرْطًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ ثَبَتَ عَنْهُ إذْ الْبَدَلُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مَالِكًا وَآبِقًا وَقْتَ الْأَدَاءِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ خَطَأً وَقَدْ تَرَكَ وَفَاءً بِمُكَاتَبَتِهِ حَيْثُ يَضْمَنُ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ لَا دِيَتَهُ وَلَوْ حُكِمَ بِمَوْتِهِ حُرًّا لَكَانَ الْمَضْمُونُ دِيَتَهُ لِأَنَّا أَسْنَدْنَا حُرِّيَّتَهُ إلَى آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَالْجُرْحُ وُجِدَ قَبْلَهُ وَمَنْ جَرَحَ مُكَاتَبًا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ تَوَى يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لَا دِيَتَهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُضَافٌ إلَى الْجُرْحِ وَهُوَ عَبْدٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مَا إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَوْ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ لَا يَجُوزُ إيصَاؤُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَكَذَا لَوْ قَذَفَهُ إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْ وَفَاءٍ وَأَدَاءٍ بَدَلَ كِتَابَتِهِ لَا يُحَدُّ وَلَوْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَجَازَ إيصَاؤُهُ وَلَحُدَّ قَاذِفُهُ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إسْنَادَ حُرِّيَّتِهِ فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِسْنَادِ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْإِحْصَانُ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَيَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَكَذَا الْمِيرَاثُ فَلَا يَمْنَعُ لِلْإِسْنَادِ بِثُبُوتِهَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّهُ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَةُ الْمَيِّتِ وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ أَيْ ثَبَتَتْ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى مَنْ يَخْلُفُهُ فِي أَمْوَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بَاقِيَةٌ فَأَقَامَ الشَّرْعُ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَيْهِ مَقَامَهُ لِيَكُونَ انْتِفَاعُهُ بِمِلْكِ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ انْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ نَظَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ حَقِيقَةَ الِانْتِفَاعِ لَا يَحْصُلُ لَهُ وَفِي الِانْتِفَاعِ الْحُكْمِيِّ وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ سَوَاءٌ لَا يَكُونُ فِيهِ زِيَادَةُ نَظَرٍ فَكَانَ نَظَرًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ نَظَرًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ تَعَلُّقِ الْغَرِيمِ بِمَالِهِ وَأَيْضًا دَيْنِهِ فَإِنَّ نَفْعَهُ رَاجِعٌ إلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ فَكَانَ إيفَاؤُهُ سَبَبًا بِوُصُولِهِ إلَى الْجَنَّةِ وَخَلَاصِهِ مِنْ الْعَذَابِ فَكَانَ نَظَرًا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَوْلُهُ دَيْنًا مُتَعَلِّقٌ بِالنَّسَبِ وَالسَّبَبِ جَمِيعًا وَدَيْنًا كَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَوْ دَيْنًا بِلَا نَسَبٍ وَسَبَبٍ كَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي أُعِدَّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ.
١ -
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَوْتَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَوَارِيثَ تَجِبُ بِهَذَا الطَّرِيقِ صَارَ التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ أَيْ تَعْلِيقُ الْإِيجَابِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ إسْقَاطًا
стр. 1441
وَلِهَذَا صَارَ التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ سَائِرِ وُجُوهِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ الْمَوْتَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافَةِ فَيَصِيرُ التَّعْلِيقُ بِهِ وَهُوَ كَائِنٌ بِيَقِينِ إيجَابِ حَقٍّ لِلْحَالِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِأَنْ قَالَ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ تَمْلِيكًا بِأَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَالْمُرَادُ مِنْ التَّعْلِيقِ الْإِضَافَةُ يُخَالِفُ سَائِرَ وُجُوهِ التَّعْلِيقِ حَتَّى صَحَّ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِهِ إذْ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ هُوَ التَّعْلِيقُ وَلَمْ يَصِحَّ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ وَلَزِمَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ بِالْبَيْعِ عِنْدَنَا وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْلِيقُهُ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ حَتَّى جَازَ إبْطَالُهُ بِالْبَيْعِ وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ السَّبَبِ فِي الْحَالِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَحَاصِلُ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى بِأَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ دَبَّرْتُكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ بِأَنْ قَالَ الْمَوْلَى إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا وَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي يَجُوزُ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ لِأَنَّهُ إيجَابٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ كَانَ إيجَابًا لِلْحَالِ لَمَا اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَمْنَعُ التَّصَرُّفَ كَمَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِأَنَّهَا تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِشَرْطٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ اللُّزُومُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقٍ جَائِزٌ سَوَاءٌ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ كَائِنٍ كَمَجِيءِ غَدٍ أَوْ بِشَرْطٍ فِيهِ خَطَرٌ كَدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا شَخْصٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَتَحْقِيقُهُ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافَةِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمَوَارِيثِ فَيَصِيرُ التَّعْلِيقُ أَيْ تَعْلِيقُ الْإِيجَابِ إسْقَاطًا كَانَ أَوْ تَمْلِيكًا بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَمْرٌ كَائِنٌ بِيَقِينِ إيجَابِ حَقٍّ لِمَنْ وَقَعَ لَهُ الْإِيجَابُ فِي الْحَالِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ وَهُوَ كَائِنٌ بِيَقِينٍ لِبَيَانِ تَحْقِيقِ الْخِلَافَةِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ كَانَ التَّعْلِيقُ بِهِ إثْبَاتَ الْخِلَافَةِ بِلَا شَكٍّ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْبُرْغَرِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّ الْإِيصَاءَ إثْبَاتُ عَقْدِ الْخِلَافَةِ فِي مِلْكِهِ لِلْمُوصَى لَهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَارِثِ فَاعْتُبِرَ لِلْحَالِ سَبَبًا لِإِثْبَاتِ الْخِلَافَةِ كَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَ الْمَوْتِ حَالُ زَوَالِ الْمِلْكِ وَتَعْلِيقُ الْإِيجَابِ إسْقَاطًا كَانَ أَوْ تَمْلِيكًا بِحَالِ زَوَالِ الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ فَعُلِمَ أَنَّ السَّبَبَ يَكُونُ مُنْعَقِدًا حَالَ بَقَاءِ الْمِلْكِ وَالْحَقُّ ثَابِتٌ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخِلَافَةَ يَعْنِي الْخِلَافَةَ الثَّابِتَةَ بِالشَّرْعِ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهَا وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ ثَبَتَ بِذَلِكَ السَّبَبُ حَقٌّ لِلْخَلِيفَةِ وَهُوَ الْوَارِثُ يَصِيرُ الْمَرِيضُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَهُ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُبْطِلُ ذَلِكَ الْحَقَّ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ سَبَبُ الْخِلَافَةِ بِالنَّصِّ أَيْ بِتَنْصِيصِ الْأَصْلِ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ يَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُ وَلِلْعَبْدِ بِهَذَا السَّبَبِ حَقٌّ فِي الْمُوصَى بِهِ وَفِي الرَّقَبَةِ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ يَصِيرُ الْمُوصَى مَحْجُورًا عَنْ إبْطَالِهِ إذَا كَانَ لَازِمًا.
وَصَارَ الْمَالُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ أَيْ ثَمَرَاتِ ثُبُوتِ سَبَبِ الْخِلَافَةِ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْإِيصَاءَ إثْبَاتٌ لِلْخِلَافَةِ وَالْمِلْكِ يَثْبُتُ حُكْمًا لِثُبُوتِ سَبَبِ الْخِلَافَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْإِيصَاءُ تَصَرُّفًا فِي الْمَالِ قَصْدًا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي وَلَا مَالَ لَهُ يَصِحُّ حَتَّى لَوْ حَدَثَ لَهُ مَالٌ ثُمَّ مَاتَ كَانَ ثُلُثُهُ لِلْمُوصَى لَهُ وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِلْمَالِ قَصْدًا كَانَ قِيَامُ الْمَالِ شَرْطًا
стр. 1442
أَلَا يَرَى أَنَّ الْخِلَافَةَ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهَا وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ لِلْوَارِثِ ثَبَتَ بِهِ حَقٌّ يَصِيرُ بِهِ الْمَرِيضُ مَحْجُورًا فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَصَارَ الْمَالُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ فَيُنْظَرُ مَنْ بَعْدُ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا بِأَصْلِهِ مِثْلَ حَقِّ الْعِتْقِ بِالتَّدْبِيرِ مُنِعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْلَى لِلُزُومِهِ وَهُوَ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَصَارَ ذَلِكَ كَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ شَيْئَيْنِ حَقُّ الْعِتْقِ لِمَا بَيَّنَّا وَسُقُوطُ الْقَوْمِ لِمَا بَيَّنَّا وَسُقُوطُ الْقَوْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ يَكُونُ وَقَدْ ذَهَبَ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ كَمَا يَثْبُتُ فِي الْمَوَارِيثِ وَيَمْتَنِعُ بِالدَّيْنِ كَمَا يَمْتَنِعُ بِهِ مِلْكُ وَارِثٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيصَاءَ إيجَابُ سَبَبِ الْخِلَافَةِ لِلْحَالِ وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمَّا كَانَ سَبَبًا لِلْحَالِ يَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ فِي الْحَالِ يَصِيرُ حَقِيقَةً عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ فَيَنْظُرُ مِنْ بَعْدِ أَيْ مِنْ بَعْدِ ثُبُوتِ الْحَقِّ بِثُبُوتِ سَبَبِ الْخِلَافَةِ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِهِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ كَانَ لِلْمُوصِي وِلَايَةُ إبْطَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرُّجُوعِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ سَبَبَ الْخِلَافَةِ وَإِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا لَكِنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ بِهِ وَهُوَ حَقُّ الْمِلْكِ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَمْ يَلْزَمْ سَبَبُهُ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ الْخِلَافَةُ فِي الْمَالِ لَا تَلْزَمُ لِأَنَّهَا خِلَافَةُ تَبَرُّعٍ بِالْمَالِ وَلَوْ وَهَبَ وَنَجَّزَ الْإِيجَابَ لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يُسَلِّمْ وَيَقَعُ الْمِلْكُ فَهَذَا أَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا بِأَصْلِهِ مِثْلُ حَقِّ الْعِتْقِ بِالتَّدْبِيرِ مَنَعَ هَذَا الْحَقُّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْلَى بِمَا يُبْطِلُهُ لِلُزُومِ هَذَا الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَحَقُّ الْعِتْقِ الثَّابِتِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ السَّبَبِ لَا يَحْتَمِلُهُ أَيْضًا كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَلَلَزِمَ فِي سَبَبِهِ وَهُوَ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ سَائِرَ الشُّرُوطِ لَازِمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ لِكَوْنِهِ يَمِينًا فَتَعْلِيقُهُ بِالْمَوْتِ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَسَبَبٌ لِلْخِلَافَةِ أَوْلَى بِاللُّزُومِ.
وَإِنَّمَا قَالَ مَعْنَى التَّعْلِيقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي إضَافَةٌ وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ صُورَةً وَلَكِنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَنْ زَمَانِ الْإِيجَابِ فَلِذَالِك أَيْ لِلُزُومِ حَقِّ الْعِتْقِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ بَطَلَ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ هَذَا السَّبَبُ يَعْنِي التَّدْبِيرَ تَقْوَى مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ.
وَالثَّانِي أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْخِلَافَةِ فَلِهَذِهِ الْقُوَّةِ لَا يُحْتَمَلُ الْإِبْطَالُ وَالْفَسْخُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ وَيَجِبُ لِلْمُدَبَّرِ بِهِ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَيَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ لِلْمَوْلَى عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ فَإِنَّ دُخُولَ الدَّارِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ بِكَائِنٍ لَا مَحَالَةَ وَالتَّدْبِيرَ الْمُقَيَّدَ لَيْسَ بِكَائِنٍ لَا مَحَالَةَ وَالتَّعْلِيقَ بِمَجِيءِ رَأْسِ الشَّهْرِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْخِلَافَةِ وَالْوَصِيَّةُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ تَمْلِيكٌ يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ أَيْضًا فَقَالَ التَّدْبِيرُ عِتْقٌ مُضَافٌ إلَى وَقْتٍ فَيَلْزَمُ كَالْإِضَافَةِ إلَى غَدٍ وَإِنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخِلَافَةِ فَيُعْتَبَرُ سَبَبًا فِي الْحَالِ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالنَّسَبِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُ مَأْخُوذًا مِنْ أَصْلَيْنِ لَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ أَعْتِقْ عَبْدِي إنْ شِئْت فَإِنَّهُ يَلْزَمُ وَيَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ وَبِخِلَافِ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ الْمَشِيئَةِ يَمِينٌ بِالْعِتْقِ فَيَلْزَمُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى مَشِيئَتِهِ تَمْلِيكٌ إذْ الْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَتْرُكُ فَيَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا لَوْ قَالَ أَمْرُ عَبْدِي بِيَدِك فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ أَصْلَيْنِ لَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ لِلتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ مَا يَرِدُ سُؤَالًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَصَارَ ذَلِكَ أَيْ الْمُدَبَّرُ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ لِاسْتِحْقَاقِ حَقِّ الْعِتْقِ كَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ بِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ شَيْئَيْنِ حَقُّ الْعِتْقِ لِلْحَالِ لِمَا بَيَّنَّا مِمَّنْ تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ كَائِنٌ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَسُقُوطُ التَّقْوِيمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ -
стр. 1443
لِأَنَّ الْأَمَةَ فِي الْأَصْلِ يُحْرِزُ لِمَالِيَّتِهَا وَالْمُتْعَةُ تَابِعَةٌ فَإِذَا صَارَتْ فِرَاشًا صَارَتْ مُحْصَنَةً مُحْرِزَةً لِلْمُتْعَةِ وَالْمَالِيَّةُ تَابِعَةٌ فَصَارَ الْإِحْرَازُ عَدَمًا فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ فَلِذَلِكَ ذَهَبَ التَّقَوُّمُ وَهُوَ غُرَّةُ الْمَالِيَّةِ وَانْتَسَخَتْ بِغُرَّةِ الْمُتْعَةِ فَتَعَدَّى الْحُكْمُ الْأَوَّلُ إلَى الْمُدَبَّرِ لِوُجُودِ مَعْنَاهُ دُونَ الثَّانِي.
وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فِي عِدَّتِهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَالِكٌ فَبَقِيَ مِلْكُهُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَوَائِجِهِ خَاصَّةً بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَقَدْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الْمَمْلُوكِيَّةِ
ــ
[كشف الأسرار]
حَتَّى لَا تَضْمَنَ بِالْغَصْبِ وَلَا بِإِعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْهَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ لِأَنَّ الثَّابِتَ حَقُّ الْعِتْقِ وَذَلِكَ مُؤَثِّرٌ فِي امْتِنَاعِ الْبَيْعِ دُونَ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرَةِ إلَّا أَنَّ الْمُدَبَّرَةَ تَسْعَى لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ وَأُمَّ الْوَلَدِ لَا تَسْعَى لَهُمْ لِأَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَى حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَحَاجَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ كَحَاجَتِهِ إلَى الْجِهَازِ وَالْكَفَنِ أَمَّا التَّدْبِيرُ فَلَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ إنَّ التَّقَوُّمَ يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ فَإِنَّ الصَّيْدَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَكُونُ مُتَقَوِّمَا وَبَعْدَهُ يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا وَقَدْ ذَهَبَ الْإِحْرَازُ هَاهُنَا لِأَنَّ الْأَمَةَ فِي الْأَصْلِ أَيْ الْأَصْلُ فِي الْأَمَةِ أَنَّهَا تُحْرِزُ لِمَالِيَّتِهَا وَالْمُتْعَةُ مِنْهَا تَابِعَةٌ وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَشِرَاءُ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَشِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِنَّ الْمُتْعَةُ فَإِذَا صَارَتْ فِرَاشًا بِالِاسْتِيلَادِ صَارَتْ مُحْصَنَةً مُحْرِزَةً لِلْمُتْعَةِ كَالْمَنْكُوحَةِ وَصَارَتْ الْمَالِيَّةُ مِنْهَا تَابِعَةً وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرْعِ صُورَةً يَكُونُ الْإِحْرَازُ لِلْأَمْرَيْنِ مَقْصُودًا فَإِذَا ثَبَتَ الْإِحْرَازُ لِلْفِرَاشِ مَقْصُودًا لَمْ يَبْقَ الْإِحْرَازُ لِلْمَالِيَّةِ مَقْصُودًا فَصَارَ الْإِحْرَازُ عَدَمًا فِي حُكْمِ الْمَالِيَّةِ فَلِذَلِكَ أَيْ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ ذَهَبَ التَّقَوُّمُ وَقَدْ يَنْفَصِلُ مِلْكُ الْمُتْعَةِ عَنْ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي الْمَنْكُوحَةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَبْقَى الْمُتْعَةُ وَتَذْهَبُ الْمَالِيَّةُ فَتَعَدَّى الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ ثُبُوتُ حَقِّ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ إلَى الْمُدَبَّرِ لِوُجُودِ مَعْنَاهُ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ دُونَ الثَّانِي وَهُوَ سُقُوطُ التَّقَوُّمِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ وَهُوَ الْإِحْرَازُ لِلْمُتْعَةِ وَلِهَذَا فَارَقَتْ الْمُدَبَّرَةُ أُمَّ الْوَلَدِ فِي أَنَّهَا لَا تَسْعَى لِلْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ وَتَسْعَى الْمُدَبَّرَةُ لَهُمْ لِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ لَمَّا لَمْ تَبْقَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ فَلَا تَسْعَى لَهُمْ بَلْ تُعْتَقُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَالْمُدَبَّرَةُ لَمَّا أُحْرِزَتْ لِلْمَالِيَّةِ لَا لِلْمُتْعَةِ تَقَوَّمَتْ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهُمْ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ لَهُمْ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَدْرِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَةُ الْمَيِّتِ قُلْنَا إنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فِي عِدَّتِهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي حُكْمِ الْقَائِمِ لِلْحَاجَةِ مَا لَمْ يَنْقَضِ الْعِدَّةُ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ إلَى الْوَرَثَةِ فَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى الزَّوَالِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَوْ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بِالْمَوْتِ فَقَدْ ارْتَفَعَ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الْعِدَّةُ وَهِيَ حَقُّ النِّكَاحِ فَتَقُومُ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ فِي إبْقَاءِ حِلِّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ تَعْنِي لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ يُغَسَّلَ بَعْدَ الْوَفَاةِ لَمَا غَسَّلَهُ إلَّا نِسَاؤُهُ وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى امْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ أَنْ تُغَسِّلَهُ وَكَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا أَنْ يُغَسِّلَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ لَوْ مُتِّ غَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك وَصَلَّيْت عَلَيْك» وَقَدْ غَسَّلَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵂ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلِأَنَّ الْمِلْكَ جُعِلَ كَالْقَائِمِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْغُسْلِ فَجُعِلَ كَذَلِكَ فِي حَقِّهَا أَيْضًا لِأَنَّ مِلْكَ الْحِلِّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَلَنَا أَنَّ النِّكَاحَ بِمَوْتِهَا ارْتَفَعَ بِجَمِيعِ عَلَائِقِهِ فَلَا يَبْقَى حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 1444
فَلَا تُبْقِي حَقًّا لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا وَلَوْ بَقِيَ ضَرْبٌ مِنْ الْمِلْكِ لَوَجَبَتْ مُرَاعَاتُهُ بِالْعِدَّةِ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَمْ يُشْرَعْ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِالْحَجَّةِ وَالْمَالِ وَالْمَحْرَمِيَّةَ وَأَمَّا الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ فَالْقِصَاصُ لِأَنَّهُ شَرْعُ عُقُوبَةٍ لِدَرْكِ الثَّأْرِ وَقَدْ وَجَبَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيَاةِ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ لَهُ إلَّا مَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ حَاجَتُهُ وَقَدْ وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ أَوْلِيَائِهِ مِنْ وَجْهٍ لِانْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ فَأَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً وَالسَّبَبُ قَدْ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ وَلِهَذَا صَحَّ عَفْوُ الْوَارِثِ عَنْهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَصَحَّ عَفْوُ الْمَجْرُوحِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الْمَمْلُوكِيَّةِ بِالْمَوْتِ فَلَا تَبْقَى أَيْ الْمَمْلُوكِيَّةُ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْمَمْلُوكِيَّةَ حَقٌّ عَلَيْهَا فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهَا حُكْمًا بَعْدَ فَوَاتِ الْمَحَلِّ بِالْمَوْتِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إبْقَائِهَا نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ لِحَاجَةِ الْمَمْلُوكِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِلْحَاجَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِبَقَائِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَ بَقَاءِ مَحَلِّ الْمِلْكِ لِلْحَاجَةِ.
ثُمَّ اسْتَوْضَحَ انْقِطَاعَ النِّكَاحِ فِي جَانِبِهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ حَتَّى حَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمِلْكِ لَوَجَبَتْ مُرَاعَاتُهُ بِالْعِدَّةِ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ثُبُوتًا لَمْ يُشْرَعْ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ حَتَّى تَأَكَّدَ بِالْحُجَّةِ أَيْ الشَّاهِدِ وَالْمَالِ أَيْ الْمَهْرُ وَالْمَحْرَمِيَّةِ أَيْ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ فَكَذَا فِي حَالِ الزَّوَالِ بِالْمَوْتِ وَجَبَ مُرَاعَاةُ حَقِّهِ بِالْعِدَّةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا تَأَكَّدَ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِمَرَّةٍ بَلْ تَجِبُ الْعِدَّةُ لِيَسْتَحِقَّ الِانْقِطَاعَ بِمُضِيِّهَا فَيَصِيرُ حَقُّ الزَّوْجِ مُؤَدَّى بِالْبَقَاءِ عَلَى مِلْكِهِ مُدَّةً وَيَعُودُ حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهَا إلَيْهَا وَهَاهُنَا لَمْ يَجِبْ الْعِدَّةُ أَصْلًا فَعُلِمَ أَنَّ فِي جَانِبِهَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ الْمِلْكِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ غَسَّلْتُك قُمْت بِأَسْبَابِ غُسْلِك وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ غَسَّلَتْ فَاطِمَةَ ﵄ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَهَا فَذَلِكَ لِادِّعَائِهِ الْخُصُوصِيَّةَ بِهِ حَيْثُ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ «فَاطِمَةُ زَوْجَتُك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ وَهُوَ رَابِعُ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فَالْقِصَاصُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِدَرْكِ الثَّأْرِ وَلِتَشَفِّي الصُّدُورِ وَلِإِبْقَاءِ الْحَيَاةِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ وَالْمَيِّتُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهَا وَقَدْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيَاةِ الْمَقْتُولِ وَعِنْدَ انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ لَا يَجِبُ لَهُ أَيْ لَا يَثْبُتُ لَهُ إلَّا مَا يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ مِنْ تَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ وَالْقِصَاصُ لَا يَصْلُحُ لِهَذِهِ الْحَوَائِجِ أَصْلًا.
وَقَدْ وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ لِانْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِهِ وَيَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَنْتَفِعُونَ بِمَالِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَأَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً يَعْنِي لَا يَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَجْرِي فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ كَمَا يَنْتَقِلُ سَائِرُ الْحُقُوقِ بَلْ يَثْبُتُ لَهُمْ ابْتِدَاءً لِحُصُولِ مَنْفَعَةِ التَّشَفِّي لَهُمْ دُونَ الْمَيِّتِ وَلِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّهِمْ مِنْ وَجْهٍ وَالسَّبَبُ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ نَفْسَهُ وَحَيَاتَهُ وَقَدْ كَانَ مُنْتَفِعًا بِحَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِفَاعِ أَوْلِيَائِهِ بِهَا فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى حَقِّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ لَهُ وَجَبَ ابْتِدَاءُ الْوَلِيِّ لِقَائِمٍ مَقَامَهُ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ كَمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى فِي كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْعَبْدِ وَكَمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً عِنْدَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] بَيَّنَ أَنَّ ابْتِدَاءَ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ لِلْوَلِيِّ الْقَائِمِ مَقَامَ الْمَقْتُولِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ صَحَّ عَفْوُ الْوَارِثِ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْقِصَاصِ أَوْ عَنْ الْقَاتِلِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّ حَقَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ فَعَفْوُهُ قَبْلَ
стр. 1445
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْغَرَضَ بِهِ دَرْكُ الثَّأْرِ وَإِنْ تَسَلَّمَ حَيَاةَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعَشَائِرِ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ لَكِنَّ الْقِصَاصَ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ قُتِلَ وَاحِدٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَحْدَهُ فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ أَوْ اسْتَوْفَاهُ بَطَلَ أَصْلًا
ــ
[كشف الأسرار]
مَوْتِ الْمَجْرُوحِ يَكُونُ إسْقَاطًا لِلْحَقِّ قَبْلَ ثُبُوتِهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا كَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْوَارِثُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُوَرِّثِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَصَحَّ عَفْوُ الْمَجْرُوحِ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْوَارِثِ لَا لِلْمُوَرِّثِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَارِثَ هُوَ الْمُنْتَفَعُ بِهِ دُونَ الْمُوَرِّثِ فَيَكُونُ الْمُوَرِّثُ بِعَفْوِهِ مُسْقِطًا حَقَّ الْغَيْرِ وَمُسْقِطًا لِلْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ السَّبَبَ يُجْعَلُ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَةِ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ الْعَفْوِ ثُمَّ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْوَاجِبِ الْحَقِّ لِلْوَارِثِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُوَرِّثُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِأَهْلِ أَنْ يَجِبَ هَذَا الْحَقُّ لَهُ فَيَجِبُ لِلْوَارِثِ وَبِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ الْحَقِّ لِلْمُورِثِ لِأَنَّ السَّبَبَ جِنَايَةٌ عَلَى حَقِّهِ وَبَعْدَ وُجُودِ هَذَا السَّبَبِ هُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْحَقُّ فَصَحَّحْنَا عَفْوَ الْوَارِثِ اسْتِحْسَانًا مُرَاعَاةً لِلْوَاجِبِ وَصَحَّحْنَا عَفْوَ الْمُوَرِّثِ أَيْضًا اسْتِحْسَانًا مُرَاعَاةً لِلسَّبَبِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَيَاةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مُوَرَّثٍ يَعْنِي لَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَجْرِي فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ بَلْ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ لِمَا قُلْنَا الْغَرَضُ مِنْ دَرْكِ الثَّأْرِ أَيْ الْحِقْدُ يُقَالُ أَدْرَكَ ثَأْرَهُ إذَا قَتَلَ قَاتِلَ حَمِيمِهِ وَإِنْ تَسْلَمُ أَيْ وَسَلَامَةُ حَيَاةِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَعَشَائِرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَذَلِكَ أَيْ الْغَرَضُ الْمَذْكُورُ يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ لَا إلَى الْمَيِّتِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْثِ بَلْ يَثْبُتُ لَهُمْ ابْتِدَاءً.
وَقَوْلُهُ لَكِنَّ الْقِصَاصَ وَاحِدٌ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِدَرْكِ خَمَّرَ وَسَلَامَةِ الْحَيَاةِ لِلْأَوْلِيَاءِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْبَعْضُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ بِدُونِ حُضُورِ الْبَاقِينَ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ الْقِصَاصَ إلَى آخِرِهِ كَذَا قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِمَا بَيَّنَ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ لَا أَنَّهُ يَثْبُتُ قِصَاصٌ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ كَمَا قَالَ الْخُصُومُ فَقَالَ لَكِنَّ الْقِصَاصَ وَاحِدٌ يَعْنِي فِي جَانِبِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْقَاتِلُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ إلَّا قَتْلًا وَاحِدًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجْزَاءُ وَاحِدًا وَلَا حَاجَةَ لِصِحَّةِ الْوُجُوبِ إلَى إثْبَاتِ التَّعَدُّدِ حُكْمًا وَكُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ يَمْلِكُ وَحْدَهُ يَعْنِي فِي جَانِبِ الْمُسْتَحَقِّينَ هُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَعَدِّدِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَهُمْ لَمْ يَسْتَقِمْ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِيءَ إذْ لَا يُمْكِنُ إزَالَةُ الْحَيَاةِ عَنْ بَعْضِ الْمَحَلِّ دُونَ الْبَعْضِ وَقَدْ ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِيءَ وَهُوَ الْقَتْلُ وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُ الْبَعْضِ ابْتِدَاءً بِالْإِجْمَاعِ فَأَمَّا إنْ تَكَامَلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ يَبْطُلُ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ مُتَجَزِّئًا وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهُ تَكَامَلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
بِمَنْزِلَةِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا لَيْسَ بِإِيجَابِ زِيَادَةٍ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ لِأَنَّ هَذَا التَّعَدُّدَ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّهِ بِوَجْهٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الِاسْتِيفَاءَ بِانْفِرَادِهِ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ أَوْ اسْتَوْفَاهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ أَصْلًا لِأَنَّ فِي صُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ قَدْ فَاتَ الْمَحَلُّ فَيَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَفِي صُورَةِ الْعَفْوِ لَوْ بَقَّيْنَا الْقِصَاصَ
стр. 1446
وَمَلَكَ الْكَبِيرُ اسْتِيفَاءَهُ إذَا كَانَ سَائِرُهُمْ صِغَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
ــ
[كشف الأسرار]
لِلْبَاقِينَ بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمْ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَدُّدُ الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ فِي الْمَحَلِّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَبْلَ الْعَفْوِ لَوْ قُلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَكُونُ مِمَّنْ ضَرُورَتُهُ تَعَدُّدُ الْقِصَاصِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ثُمَّ الْقِصَاصُ وَإِنْ بَطَلَ فِي الصُّورَتَيْنِ لَكِنَّ الْمَالَ يَجِبُ فِي صُورَةِ الْعَفْوِ لِلْبَاقِينَ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي صُورَةِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْبَاقِينَ وَلَا لِلْقَاتِلِ الَّذِي وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَعَذُّرَ الْقِصَاصِ إنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّ الْقَتْلَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَيُوجِبُ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ جِهَتِهِ فَالتَّعَذُّرُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذْ الِامْتِنَاعُ لِمُرْعَاةِ الْحُرْمَةِ لِبَعْضِ نَفْسِهِ فَإِنَّ بَعْضَ نَفْسِهِ قَدْ حُبِيَ بِالْعَفْوِ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَيَجِبُ الْمَالُ لِغَيْرِ الْعَافِي وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الِاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّهِ كَانَ بِإِسْقَاطِهِ.
وَالتَّعَذُّرُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ جَانِبِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَحَلِّ بِالْقَتْلِ كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَوَاتِهِ بِالْمَوْتِ فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ قَوْلُهُ (وَمَلَكَ الْكَبِيرُ اسْتِيفَاءَهُ إذَا كَانَ سَائِرُهُمْ صِغَارًا) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵏ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَكْبَرُوا لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمْ بِاسْتِيفَائِهِ كَالدِّيَةِ وَكَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا قُتِلَ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالِاسْتِيفَاءِ وَكَالْوَرَثَةِ إذَا كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ قِصَاصٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا لِلْمَقْتُولِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ إرْثًا عَنْهُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ وَلِهَذَا تَثْبُتُ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِلَابِ الْقِصَاصِ مَالًا يَعْفُو أَحَدُهُمْ فَإِنَّ نَصِيبَ الْبَاقِينَ يَنْقَلِبُ مَالًا عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ فَكَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْهُ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِسِهَامٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهَا وَبِمِلْكِ بَعْضِ الْقِصَاصِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْكُلِّ.
وَلَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ لِاسْتِحَالَةِ قَتْلِ بَعْضِ الشَّخْصِ دُونَ بَعْضِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْوَرَثَةِ مُتَبَعِّضًا لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وُقُوعًا فِي الْمَحَلِّ فَأَمَّا فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَجَزَّأَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْحَقُّ فِي الْبَعْضِ شَرْعًا وَلِهَذَا لَوْ عَفَا وَاحِدٌ لَمْ يَسْقُطْ كُلُّ الْحَقِّ حَتَّى انْقَلَبَ مَالًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَجَزَّأْ وُقُوعًا فِي الْمَحَلِّ كَانَ طَرِيقُ اسْتِيفَائِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيَسْتَوْفُوا وَيَتَنَزَّلُوا بِإِجْمَاعِهِمْ مَنْزِلَةَ الْمَيِّتِ كَمَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ مَوْرُوثًا بِأَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ عَنْ ابْنَيْنِ وَجَبَ الْقِصَاصُ لَهُمَا وَاسْتَوْفَيَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا إطْلَاقُ الِاسْتِيفَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَيُسْتَدْعَى إثْبَاتُ الْحَقِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ وَأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ تَعْدِيدُ الْمُتَّحِدِ وَفِيهِ إثْبَاتٌ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيه السَّبَبِ وَهُوَ الْإِرْثُ فَإِنَّ الْمُزَاحَمَةَ مَتَى ثَبَتَتْ مَنَعَ الْإِثْبَاتُ لَهُ كُلًّا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ لِلِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ وَالْوُجُوبُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِيفَاءِ لَا يَتَجَزَّأُ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَتَجَزَّأُ وَمَا لَا يَتَجَزَّأُ إذَا أُضِيفَ إلَى جَمَاعَةٍ وَسَبَبُ ثُبُوتِ الْكُلِّ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلًّا كَمَا بَيَّنَّا
١ -
стр. 1447
وَلَا يُمْكِنُهُ إنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ وَرُجْحَانِ جِهَةِ وُجُودِهِ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا شَرْعًا وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْوَارِثِ الْحَاضِرِ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْقِصَاصِ ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ كُلِّفَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِذْ وَجَبَ كُلًّا أَطْلَقْنَا الِاسْتِيفَاءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَلَا نَحْتَاجُ إلَى إنْزَالِهِمْ مَنْزِلَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَانْدَفَعَ قَوْلُهُمْ بِأَنَّهُ إثْبَاتُ التَّعَدُّدِ لِأَنَّا لَا نُثْبِتُ التَّعَدُّدَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ بَلْ نُضِيفُ هَذَا الْمُتَّحِدَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدَ بِهِ كَمَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا يُقْتَصُّ الْكُلُّ بِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّ الْقَتْلَ الْحَاصِلَ فِي الْمَحَلِّ يُضَافُ إلَى فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا صَلُحَ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَأَمَّا أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ فَإِنَّمَا لَا يَنْفَرِدُ بِالِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَكْمُلْ فِي حَقِّهِ لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ يَثْبُتُ لَهُ بِالْمِلْكِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِكَامِلٍ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ الْمَوْلَيَيْنِ فِي الْأَمَةِ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا بِانْفِرَادِهِ أَمَّا الْقَرَابَةُ فَسَبَبٌ كَامِلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ لِلتَّضَايُقِ لَا لِخَلَلٍ فِي السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْتَمَعَةِ فِي التَّرِكَةِ وَلَا تَجْرِي هَاهُنَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُهُ فَأَثْبَتنَا كُلًّا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْقِصَاصِ الْمَوْرُوثِ لِأَنَّ كُلَّ وَارِثٍ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بِالنَّصِّ وَثُبُوتُ الْجُزْءِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ كَثُبُوتِ الْكُلِّ وَذِكْرُ الْجُزْءِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزُّؤِ كَذِكْرِ الْكُلِّ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْكُلُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّبَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَهُوَ الْقَرَابَةُ كَامِلٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَلَا يَمْلِكُهُ إذَا كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ) أَيْ لَا يَمْلِكُ الْكَبِيرُ الْحَاضِرُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كَبِيرٌ غَائِبٌ وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ لِلْحَاضِرِ جَمِيعُ الْقِصَاصِ لِأَنَّ فِي اسْتِيفَائِهِ شُبْهَةَ الْعَفْوِ مَوْجُودَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ قَدْ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ وَالْحَاضِرُ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَعَفْوُ الْغَائِبِ صَحِيحٌ سَوَاءٌ عَلِمَ بِوُجُودِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ يَمْتَنِعُ الِاسْتِيفَاءُ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ عِنْدَ صِغَرِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ عَفْوُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَشُبْهَةُ عَفْوٍ يُتَوَهَّمُ اعْتِرَاضُهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ السَّارِقَ يَقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْمُودِعِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ إنْ احْتَمَلَ أَنَّ الْمَالِكَ قَدْ وَهَبَهُ مِنْ السَّارِقِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ وَكَذَا يَقْطَعُ بِغَيْبَةِ الشُّهُودِ مَعَ تَوَهُّمِ الرُّجُوعِ.
فَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ وَرُجْحَانِ جِهَةِ وُجُودِهِ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا إلَيْهِ شَرْعًا يَعْنِي إنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذَا الْمَوْهُومَ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَنْدُوبٌ إلَى الْعَفْوِ وَالْإِنْسَانُ يَرْغَبُ فِيمَا يَنْدُبُهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ فَاعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ لِرُجْحَانِ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ فَأَمَّا الشَّاهِدُ فَغَيْرُ مَنْدُوبٍ إلَى الرُّجُوعِ وَالْمَالِكُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِقْرَارِ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَوْهُومِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوجِبُ تَأْخِيرَ الِاسْتِيفَاءِ إلَى حُضُورِ الْغَائِبِ لَا إسْقَاطِ الْقَوَدِ أَصْلًا وَهُنَاكَ اعْتِبَارٌ يُوجِبُ إسْقَاطَ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ فَلَا يَدُلُّ اعْتِبَارُ الْمُوهِمِ هَاهُنَا عَلَى اعْتِبَارِهِ هُنَاكَ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَمَ أَبِيهِ عَلَى رَجُلٍ وَأَخُوهُ غَائِبٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِالدَّمِ فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ كُلِّفَ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ وَلَا يُقْضَى لَهُمَا بِالْقِصَاصِ قَبْلَ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ يُنْتَصَبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا يَثْبُتُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةُ مَتَى أَقَامَهَا خَصْمٌ لَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ لَوْ كَانَ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَائِبِ إذَا حَضَرَ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ
стр. 1448
وَإِذَا انْقَلَبَ الْقِصَاصُ مَالًا صَارَ مَوْرُوثًا لِأَنَّ مُوجَبَ الْقَتْلِ فِي الْأَصْلِ الْقِصَاصُ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجِبُ الدِّيَةُ خَلَفًا عَنْ الْقِصَاصِ فَإِذَا جَاءَ الْخَلَفُ جُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْأَصْلِ وَذَلِكَ يَصْلُحُ لِحَوَائِجِ الْمَيِّتِ فَجُعِلَ مَوْرُوثًا أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَدِ وَيَتَعَلَّقُ بِالدِّيَةِ فَاعْتُبِرَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ فِي الْخَلَفِ دُونَ الْأَصْلِ وَفَارَقَ الْخَلَفُ الْأَصْلَ لِاخْتِلَافِ حَالِهِمَا وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلزَّوْجِ وَلِلزَّوْجَةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْخِلَافَةِ وَدَرْكِ الثَّأْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِيَسْتَوْفِيَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ الْقِصَاصُ وَاجِبًا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً لَا إرْثًا عَلَى الْمَقْتُولِ لَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ نَائِبًا عَنْ الْبَعْضِ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَوْا عَبْدًا وَجَحَدَ الْبَائِعُ فَأَقَامَ أَحَدُهُمْ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ الَّتِي أَقَامَهَا الْحَاضِرُ لَا تُثْبِتُ الْقِصَاصَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ وَارِثٍ فِي حَقِّ الْقِصَاصِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّ الْمَالَ وَهُوَ مَوْرُوثٌ لِلْوَرَثَةِ عَنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَيَنْتَصِبُ كُلُّ وَارِثٍ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ وَعَنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فِي إثْبَاتِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَإِذَا انْقَلَبَ الْقِصَاصُ مَالًا) إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالُوا إنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بِدَلِيلِ أَنَّ خَلَفَهُ وَهُوَ الْمَالُ مَوْرُوثٌ بِالْإِجْمَاعِ فَقَالَ وَإِذَا انْقَلَبَ الْقِصَاصُ مَالًا بِالصُّلْحِ أَوْ بِعَفْوِ الْبَعْضِ أَوْ بِشُبْهَةٍ صَارَ مَوْرُوثًا حَتَّى يَقْتَضِيَ مِنْهُ دُيُونَ الْمَيِّتِ وَيَنْفُذَ وَصَايَاهُ وَيَجْرِيَ فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَتْلِ فِي الْأَصْلِ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ تَعَذُّرُ الِاسْتِيفَاءِ تَجِبُ الدِّيَةُ خَلَفًا عَنْ الْقِصَاصِ كَمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ فَوْتِ الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى وَكَمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الصَّوْمِ.
فَإِذَا جَاءَ الْخَلَفُ جُعِلَ كَأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْخَلَفَ يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ وَالسَّبَبُ وَهُوَ الْقَتْلُ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ فَيَسْتَنِدُ وُجُوبُ الْحَلِفِ إلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ بِهَذَا الْقَتْلِ كَالدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ خَطَأً وَذَلِكَ أَيْ الْخَلَفُ يَصْلُحُ لِحَوَائِج الْمَيِّتِ مِنْ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا فَيُجْعَلُ مَوْرُوثًا كَسَائِرِ التَّرِكَةِ حَتَّى يُقَدِّمَ حُقُوقَ الْمَيِّتِ فِيهِ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ وَكَانَ لَهُ الْأَصْلُ فِي الْقِصَاصِ أَنْ يَجِبَ لِلْمَيِّتِ أَيْضًا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِمُقَابَلَةِ تَفْوِيتِ دَمِهِ وَحَيَاتِهِ لَكِنَّا أَثْبَتَنَا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً لِمَانِعٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ وَإِنَّ دَرْكَ الثَّأْرِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ حَاصِلٌ لِلْوَرَثَةِ لَا لِلْمَقْتُولِ وَفِي الْخَلَفِ عُدِمَ هَذَا الْمَانِعُ فَجُعِلَ مَوْرُوثَا أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْأَصْلِ أَوْ تَوْضِيحٌ لِمُفَارَقَةِ الْخَلَفِ الْأَصْلِ فِي الْمَيِّتِ لِاخْتِلَافِ حَالِهِمَا أَيْ حَالَيْهِمَا وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ لَا يَصْلُحُ لِدَفْعِ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ وَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَالْخَلَفُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَيَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَالْخَلَفُ قَدْ يُفَارِقُ الْأَصْلَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَالِ كَالتَّيَمُّمِ يُفَارِقُ الْوُضُوءَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِاخْتِلَافِ حَالَيْهِمَا وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنُقُسِهِ وَالتُّرَابُ مُلَوِّثٌ كَذَلِكَ هَاهُنَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ دَرْكَ الثَّأْرِ حَاصِلٌ لَهُمْ وَيَجِبُ لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عِنْدَهُمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَيْسَ لَهُمَا حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِمَا الْعَقْدَ وَالْقِصَاصَ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْقِصَاصِ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامُ وَيَخْتَصُّ بِهِ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ
стр. 1449
وَلِهَذَا وَجَبَ بِالزَّوْجِيَّةِ نَصِيبٌ فِي الدِّيَةِ أَلَا يُرَى أَنَّ لِلزَّوْجِيَّةِ مِزْيَةَ تَصَرُّفٍ فِي الْمِلْكِ فَصَارَ كَالنَّسَبِ وَأَمَّا أَحْكَامُ الْآخِرَةِ فَأَرْبَعَةٌ مَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ ثَوَابٍ وَكَرَامَةٍ أَوْ عِقَابٍ وَمَلَامَةٍ لِأَنَّ الْقَبْرَ لِلْمَيِّتِ كَالرَّحِمِ لِلْمَاءِ وَالْمِهَادِ لِلطِّفْلِ وُضِعَ فِيهِ لِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ رَوْضَةُ دَارٍ أَوْ حُفْرَةُ نَارٍ فَكَانَ لَهُ حُكَّامُ الْأَحْيَاءِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَا يَمْضِي عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ الِابْتِلَاءُ فِي الِابْتِدَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْقِصَاصِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ النِّكَاحُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْخِلَافَةِ أَيْ لِاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ كَالْقَرَابَةِ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبُولِ وَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَيَصْلُحُ سَبَبًا لِدَرْكِ الثَّأْرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَحَبَّةُ الثَّابِتَةُ بِالزَّوْجِيَّةِ مِثْلُ الْمَحَبَّةِ الثَّابِتَةِ بِالْقَرَابَةِ بَلْ فَوْقَهَا فَثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَصْلُحُ لِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ إلَى الْأَصْلَيْنِ وَإِلَى الْأَصْلَيْنِ أَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ بِقَوْلِهِ سَبَبًا لِلْخِلَافَةِ وَدَرْكِ الثَّأْرِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصْلُحُ سَبَبًا وَجَبَ بِالزَّوْجِيَّةِ نَصِيبٌ فِي الدِّيَةِ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يَرِثُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا لِأَنَّ وُجُوبَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجِيَّةُ تَنْقَطِعُ بِالْمَوَاتِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهَا مَالُ الْمَيِّتِ حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ فَيَرِثُ مِنْهَا جَمِيعُ وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَقَوْلُهُ الزَّوْجِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ سَبَبَ الْخِلَافَةِ زَوْجِيَّةٌ قَائِمَةٌ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ مُنْتَهِيَةٌ بِهِ لَا زَوْجِيَّةٌ قَائِمَةٌ فِي الْحَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَمْوَالِ يُسْتَحَقُّ بِهَذِهِ الزَّوْجِيَّةِ فَكَذَا الدِّيَةُ وَقَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِضَحَاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ» وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلزَّوْجِيَّةِ مَزِيَّةَ تَصَرُّفٍ فِي الْمِلْكِ أَيْ فِي الْمَالِ فَإِنَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْبُسُوطَةِ فِي الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْمَحَبَّةِ وَالِاتِّحَادِ.
فَصَارَ أَيْ النِّكَاحُ كَالنَّسَبِ فِي صَلَاحِيَّتِهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَحْكَامُ الْآخِرَةِ فَأَرْبَعَةٌ) أَيْضًا كَأَحْكَامِ الدُّنْيَا أَحَدُهَا مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى النَّفْسِ وَالْعِرْضِ وَالثَّانِي مَا يَجِبُ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْمَظَالِمِ وَالثَّالِثُ مَا يَلْقَاهُ مِنْ ثَوَابٍ وَكَرَامَةٍ بِوَاسِطَةِ الْإِيمَانِ وَاكْتِسَابِ الطَّاعَاتِ وَالْخَيْرَاتِ.
وَالرَّابِعُ مَا يَلْقَاهُ مِنْ عِقَابٍ وَمَلَامَةٍ بِوَاسِطَةِ الْمَعَاصِي وَالتَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ الْقَبْرَ أَيْ ثُبُوتُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَبْرَ لِلْمَيِّتِ كَالرَّحِمِ لِلْمَاءِ وَالْمِهَادِ لِلطِّفْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَيِّتَ وُضِعَ فِيهِ لِلْخُرُوجِ وَلِلْحَيَاةِ بَعْدَ الْفِنَاءِ وَلِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ رَوْضَةُ دَارٍ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ وَالثَّوَابِ أَوْ حُفْرَةُ نَارٍ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَالْعِقَابِ فَكَانَ لِلْمَيِّتِ فِيهِ حُكْمُ الْأَحْيَاءِ فَمَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَمَا أَنَّ لِلْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ حُكْمَ الْأَحْيَاءِ فَمَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ بَعْدَمَا يَمْضِي أَيْ يُجْزِئُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ وَهُوَ الْقَبْرُ لِلِابْتِلَاءِ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ سُؤَالُ الْمُنْكَرِ وَالنَّكِيرِ فَإِنَّ سُؤَالَهُمَا مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالْفِتْنَةِ وَلِهَذَا سُمِّيَا فَتَّانِي الْقَبْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ إذَا سُئِلَ الْمَيِّتُ مَنْ رَبُّك تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةٍ فَيُشِيرُ إلَى نَفْسِهِ أَيْ أَنَا رَبُّك فَهَذِهِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَكْرُمَةً لِلْمُؤْمِنِ إذَا ثَبَّتَهُ وَلَقَّنَّهُ الْجَوَابَ فَلِذَلِكَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ يَدْعُو لَهُ بِالثَّبَاتِ وَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ سَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» تَنْوِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ أَيْ جَرَيَانِ الِابْتِلَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ لِأَجْلِ إعْلَاءِ أَمْرِهِ وَمُبَاهَاتِهِ عَلَى أَقْرَانِهِ فَإِنَّهُ لِمَا سُئِلَ وَأَجَابَ عَلَى مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَأَمَّنَ فِيهِ مِنْ فِتْنَةِ الشَّيْطَانِ بِعَوْنِ اللَّهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ بَشَّرَ بِالرَّاحَةِ وَالرِّضْوَانِ وَجَعَلَ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجِنَانِ وَلَا
стр. 1450
بَابُ الْعَوَارِضِ) (الْمُكْتَسَبَةِ) :
وَهِيَ نَوْعَانِ مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَمَّا الَّتِي مِنْ جِهَتِهِ فَالْجَهْلُ وَالسُّكْرُ وَالْهَزْلُ وَالسَّفَهُ وَالْخَطَأُ وَالسَّفَرُ وَاَلَّذِي مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ أَمَّا الْجَهْلُ فَأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ جَهْلٌ بَاطِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا أَصْلًا فِي الْآخِرَةِ وَجَهْلٌ هُوَ دُونَهُ لَكِنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ وَجَهْلٌ يَصْلُحُ شُبْهَةً وَجَهْلٌ يَصْلُحُ عُذْرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْكُفْرُ مِنْ الْكَافِرِ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ مُكَابَرَةٌ وَجُحُودٌ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ
ــ
[كشف الأسرار]
شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ إعْلَاءُ الشَّأْنِ وَسَبَبُ الْمُبَاهَاةِ عَلَى الْأَقْرَانِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَالسُّؤَالُ لِلْإِلْزَامِ وَالتَّخْجِيلِ لَا لِلْإِكْرَامِ وَالتَّبْجِيلِ نَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصَيِّرَهُ لَنَا رَوْضَةً بِكَرْمِهِ وَفَضْلِهِ وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ بِمَنِّهِ وَطَوْلِهِ إنَّهُ الْكَرِيمُ الْمُنْعِمُ الدَّيَّانُ ذُو الطَّوْلِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ.
[بَاب الْعَوَارِض الْمُكْتَسَبَة وَهِيَ نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ]
(بَابُ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ) :
إنَّمَا جُعِلَ الْجَهْلُ مِنْ الْعَوَارِضِ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا أَصْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَثَابِتٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ كَالصِّغَرِ وَمِنْ الْمُكْتَسَبَةِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ بِاكْتِسَابِ الْعِلْمِ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَكَانَ تَرْكُ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْهُ اخْتِيَارًا بِمَنْزِلَةِ اكْتِسَابِ الْجَهْلِ بِاخْتِيَارِ بَقَائِهِ فَكَانَ مُكْتَسَبًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَجَعَلَ السُّكْرَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُصُولُهُ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ شُرْبُ الْمُسْكِرِ بِاخْتِيَارِهِ وَغَرَضُهُ مِنْ الشُّرْبِ حُصُولُ السُّكْرِ كَمَا أَنَّ غَرَضَ شَارِبِ الْمَاءِ حُصُولُ الرِّيِّ فَكَانَ السُّكْرُ مُضَافًا إلَى كَسْبِهِ نَظَرًا إلَى السَّبَبِ وَالْغَرَضِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الرِّقُّ فَإِنَّهُ جُعِلَ مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ وَهُوَ الْكُفْرُ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الْكُفْرِ لَيْسَ حُصُولُ الرِّقِّ وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْكَافِرِ لَا الْكُفْرِ الْمُجَرَّدِ وَالِاسْتِيلَاءُ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَكَانَ الرِّقُّ سَمَاوِيًّا.
قَوْلُهُ (أَمَّا الْجَهْلُ فَكَذَا) قِيلَ الْجَهْلُ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمَعْدُومِ شَيْئًا إذْ الْجَهْلُ يَتَحَقَّقُ بِالْمَعْدُومِ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْجُودِ أَوْ كَوْنُ الْمَعْدُومِ الْمَجْهُولِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْحَدِّ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ تُضَادُّ الْعِلْمَ عِنْدَ احْتِمَالِهِ وَتَصَوُّرِهِ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا عِلْمَ لَهَا فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْجَهْلِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْعِلْمِ فِيهَا قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِم ﵀ فِي كِتَابِ رِيَاضَةِ الْأَخْلَاقِ الْجَهْلُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ عَدَمُ الشُّعُورِ وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الشُّعُورُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ السَّفَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلَيْنَا
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِطْرِيَّةٌ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ لِشُمُولِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] وَإِنَّمَا الْعَيْبُ التَّقْصِيرُ فِي إزَالَةِ الْجَهْلِ وَدَوَاؤُهُ التَّعَلُّمُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ الْغَلَطُ وَدَوَاؤُهُ التَّوَقُّفُ وَالتَّثَبُّتُ وَسَبَبُهُ الْجَهْلُ الْخُلُقِيُّ مَعَ الْعَجَلَةِ وَالْعُجْبِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ سَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْمُكَابَرَةُ وَالْجُحُودُ الْإِنْكَارُ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَوُضُوحِ الدَّلِيلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وَعَنْ هَذَا قِيلَ لَوْ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَتَجْحَدُ أَمْ تُقِرُّ فَبِأَيِّهِمَا أَجَابَ يَكُونُ إقْرَارًا فَالْكُفْرُ جُحُودٌ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ الصَّانِعِ ﷻ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَةِ أُلُوهِيَّتِهِ لَا تُعَدُّ كَثْرَةً وَلَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى لُبٍّ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدٌ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
وَكَذَا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ رِسَالَةِ الرُّسُلِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ ظَاهِرَةٌ مَحْسُوسَةٌ فِي زَمَانِهِمْ لَا وَجْهَ إلَى رَدِّهَا وَإِنْكَارِهَا وَقَدْ نُقِلَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتُ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَانِهِمْ بِالتَّوَاتُرِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَكَانَ إنْكَارُهَا بِمَنْزِلَةِ إنْكَارِ الْمَحْسُوسِ
стр. 1451
وَاخْتُلِفَ فِي دِيَانَةِ الْكَافِرِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَدْ قَالَ إنَّهَا تَصْلُحُ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ وَدَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ لِيَصِيرَ الْخِطَابُ قَاصِرًا عَنْهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا بِهِمْ وَمَكْرًا عَلَيْهِمْ وَتَرْكًا لَهُمْ عَلَى الْجَهْلِ وَتَمْهِيدًا لِعِقَابِ الْآخِرَةِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ وَتَحْقِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» فَأَمَّا فِي حُكْمٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ فَلَا حَتَّى إنَّهُ لَا يُعْطِي لِلْكُفْرِ حُكْمَ الصِّحَّةِ بِحَالٍ وَلَا يُبْتَنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ حُكْمَ الصِّحَّةِ بِحَالٍ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ الْخِطَابَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَأَنَّهُ غَيْرُ نَازِلٍ فِي حَقِّهِمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ التَّقَوُّمِ وَإِيجَابِ الضَّمَانِ وَجَوَازِ الْبَيْعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا بِوَجْهِ قَوْلِهِ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي دِيَانَةِ الْكَافِرِ عَلَى خِلَافِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فِي اعْتِقَادِهِ حُكْمًا مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى خِلَافِ مَا ثَبَتَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّهَا تَصْلُحُ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ حَتَّى لَوْ بَاشَرَ مَا دَانَ بِهِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِوَجْهٍ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَدَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ يَعْنِي دِيَانَتُهُ تَمْنَعُ بُلُوغَ دَلِيلِ الشَّرْعِ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ مِثْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَثْبُتُ الْخِطَابُ فِي حَقِّهِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ عَلَى الصِّحَّةِ كَمَا كَانَ لِقُصُورِ الْخِطَابِ عَنْهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى قُصُورِ الْخِطَابِ عَنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَتَبَدَّلُ مِنْ الْأَحْكَامِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّنَا بِنُزُولِ الْخِطَابِ حَتَّى يَبْلُغَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَّا أَنَّ الْخِطَابَ بَعْدَمَا شَاعَ يَلْزَمُ لِكُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَا يُمْكِنُهُ التَّبْلِيغُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ وَإِنَّمَا فِي وُسْعِهِ الْإِشَاعَةُ فِي النَّاسِ لَا غَيْرُ فَصَارَتْ الْإِشَاعَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّبْلِيغِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَا يُعْذَرُ الْجَاهِلُ بِالْخِطَابِ بَعْدَ الْإِشَاعَةِ لِبُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِ حُكْمًا يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَلَغَهُ الْخِطَابُ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ثُمَّ بُلُوغُ الْخِطَابِ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ صِدْقَ الْمُبَلِّغِ وَلَا يَرَى كَلَامَهُ حُجَّةً وَالشَّرْعُ أَمَرَنَا أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لَهُ إذَا قَبِلَ الذِّمَّةَ فَبَقِيَ عَلَى الْجَهْلِ كَمَا فِي الْخِطَابِ الَّذِي لَمْ يَشِعْ وَخِطَابِ نَبِيٍّ لَمْ يُثْبِتْ مُعْجِزَتَهُ بَعْدُ وَخَرَجَ الْخِطَابُ بِإِنْكَارِهِ الرَّسُولَ وَيَأْمُرُ الشَّرْعَ إيَّانَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ عَلَيْهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً فِي حَقِّهِ فَصَارَ الْبُلُوغُ وَعَدَمُهُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ (اسْتِدْرَاجًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَاصِرٍ أَيْ قُصُورِ الْخِطَابِ عَنْ الْكَافِرِ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاجِ وَهُوَ التَّقْرِيبُ إلَى الْعَذَابِ بِوَجْهٍ لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ يُقَالُ اسْتَدْرَجَهُ إلَى كَذَا أَيْ أَدْنَاهُ مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيجِ وَمَكْرًا وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى غِرَّةٍ وَتَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ ﵇ «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» فَإِنَّهُ لَا خِطَابَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا تَكْلِيفَ بَلْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَالدُّنْيَا لِلْكَافِرِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ.
وَهَذَا فِي كُلِّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّنَا إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْخِطَابِ وَقَبْلَهُ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ ثَابِتًا فَأَمَّا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ فَلَا أَيْ لَا يَكُونُ دِيَانَتُهُ دَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ حَتَّى إنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّانِّ لَا يُعْطِي لِلْكُفْرِ حُكْمَ الصِّحَّةِ بِحَالٍ يَعْنِي لَا يَعْتَبِرُ دِيَانَةَ الْكَافِرِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالنَّارِ وَبِمَا يُبَاشِرُهُ مِنْ الْكُفْرِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ بِحَالٍ وَالْمُغَيِّرُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا يَحْتَمِلُ وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنَّ دِيَانَتَهُمْ دَافِعَةٌ عِنْدَهُ لِلتَّعَرُّضِ وَالْخِطَابِ جَمِيعًا أَنَّهُ أَيْ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ جَعَلَ الْخِطَابَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَأَنَّهُ غَيْرُ نَازِلٍ فِي حَقِّهِمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نَحْوُ هِبَةِ الْخَمْرِ وَالْوَصِيَّةِ وَالتَّصَدُّقِ بِهَا وَأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهَا وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ تَحْرِيمُ الْخَنَازِيرِ فِي أَنَّ الْخِطَابَ بِالتَّحْرِيمِ غَيْرُ نَازِلٍ فِي حَقِّهِمْ حَتَّى كَانَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فِي حَقِّهِمْ كَالشَّاةِ وَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَيْضًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَجَعَلَ أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِنِكَاحِ الْمَحَارِمِ بَيْنَ الْكُفَّارِ حُكْمَ الصِّحَّةِ إذَا دَانُوا بِصِحَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمْ لِقُصُورِ الْخِطَابِ عَنْهُمْ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ بِمَحْرَمٍ
стр. 1452
وَكَذَلِكَ الْخَنَازِيرُ وَجَعَلَ لِنِكَاحِ الْمَحَارِمِ بَيْنَهُمْ حُكْمَ الصِّحَّةِ حَتَّى قَالَ إذَا وَطِئَهَا بِذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَا كَانَا مُحْصَنَيْنِ لَوْ قُذِفَا حُدَّ قَاذِفُهُمَا وَإِذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ النَّفَقَةَ بِذَلِكَ النِّكَاحِ قُضِيَ بِهَا عِنْدَهُ وَلَا يَفْسَخ حَتَّى يَتَرَافَعَا فَإِنْ قِيلَ لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَانَةَ لَا تَصْلُحُ حُجَّةً مُتَعَدِّيًا، أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَجُوسِيَّ إذَا تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا وَعَنْ ابْنَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمَا تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ وَلَا تَرِثُ الْمَنْكُوحَةُ مِنْهُمَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ دِيَانَتَهَا لَا تَصِحُّ حُجَّةً عَلَى الْأُخْرَى فَكَذَلِكَ فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ وَاسْتِحْقَاقِ الْقَضَاءِ بِالنَّفَقَةِ وَإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى مُتْلِفِ الْخَمْرِ وَجَبَ أَنْ لَا تُجْعَلَ حُجَّةً مُتَعَدِّيَةً قُلْنَا عَنْهُ هَذَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ الدِّيَانَةَ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّا نَأْخُذُ نِصْفَ الْعُشْرِ مِنْ خُمُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعُشْرَ مِنْ خُمُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَهَذِهِ غَيْرُ مُتَعَدِّيَةٍ بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ الْخِنْزِيرِ نَفْسِهِ فَلَا يَتَعَدَّى وَلَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ الْخَمْرِ لِنَفْسِهِ لِلتَّخْلِيلِ فَيَتَعَدَّى وَحَقِيقَةُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نَجْعَلُ الدِّيَانَةَ مُتَعَدِّيَةً؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ إذَا بَقِيَتْ مُتَقَوِّمَةً لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّيَّانَةِ إلَّا دَفْعُ الْإِلْزَامِ بِدَلِيلٍ، فَأَمَّا التَّقَوُّمُ فَبَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ sss
ــ
[كشف الأسرار]
وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَسْقُطْ إحْصَانُهَا حَتَّى وَجَبَ الْحَدُّ لَهُمَا عَلَى قَاذِفِهِمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجِبُ وَإِذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ النَّفَقَةَ بِذَلِكَ النِّكَاحِ قَضَى بِهَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمْ وَلَوْ رَفَعَ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَطَلَبَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يُحْتَمَلَ عَلَى التَّرَافُعِ وَيُفَرَّقُ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَيْ دِيَانَةَ الْبِنْتِ الْمَنْكُوحَةِ لَا تَصْلُحُ حُجَّةً مُتَعَدِّيَةً عَلَى الْبِنْتِ الْأُخْرَى وَضَمَّنَ التَّعَدِّي مَعْنَى الْإِجْمَاعِ فَوَصَلَ بِكَلِمَةٍ عَلَى.
فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَمَا لَمْ تُجْعَلْ الدِّيَةُ مُتَعَدِّيَةً فِي الْإِرْثِ وَجَبَ أَنْ لَا تُجْعَلَ مُتَعَدِّيَةً فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ دِيَانَتُهُمْ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهَا إثْبَاتَ التَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ كَمَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ (هَذَا يَتَنَاقَضُ) أَيْ مَا ذَكَرْت مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّا قَدْ اعْتَبَرْنَا دِيَانَتَهُمْ فِي أَخْذِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّا نَأْخُذُ نِصْفَ الْعُشْرِ مِنْ خُمُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيْ مِنْ قِيمَتِهَا إذَا مَرُّوا بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ وَالْعُشْرُ مِنْ خُمُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْ مِنْ قِيمَتِهَا بِاعْتِبَارِ دِيَانَتِهِمْ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ تَوَلَّى ذَلِكَ الْأَمْرَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْخُذَا ثُمَّ وَلَمْ تُعْتَبَرْ دِيَانَتُهُمْ فِي حَقِّنَا لِمَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ شَيْئًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَكَذَا الْأَنْكِحَةُ الَّتِي هِيَ فَاسِدَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَقَعُ صَحِيحَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا دَانُوا بِصِحَّتِهَا فَإِنَّ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا فِي ذِمِّيٍّ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ أَوْ عَشْرَ نِسْوَةٍ ثُمَّ فَارَقَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ أَيَّتَهُمَا كَانَتْ أَوْ فَارَقَ السِّتَّ مِنْ الْعَشْرِ فِي حَالِ الْكُفْرِ بَقِيَ نِكَاحُ مَنْ بَقِيَ إذَا أَسْلَمُوا عَلَى الصِّحَّةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْحَرْبِيِّ تَزَوَّجَ خَمْسُ نِسْوَةٍ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْأَرْبَعَ مِنْهُنَّ وَلَوْ وَقَعَ فَاسِدًا لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ تَبَايَعُوا الْخُمُورَ وَتَقَابَضُوا إنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ أَثْمَانِ الْخُمُورِ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ الْعَاشِرُ وَإِنْ أَسْلَمُوا بَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْفَسَادِ لَمْ يُطْلَبْ الْمِلْكُ الْفَاسِدُ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ عَلَى أَصْلِهِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ تَقَعُ عَلَى الصِّحَّةِ بِلَا خِلَافٍ بِاعْتِبَارِ دِيَانَتِهِمْ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَلَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ دِيَانَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَنَا لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ مُعْتَبَرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا وَهَذِهِ غَيْرُ مُتَعَدِّيَةٍ أَيْ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْنَا أَخْذَ الْعُشْرِ وَإِثْبَاتَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا تُسَمَّى مُتَعَدِّيَةً بِالِاتِّفَاقِ مَعَ وُجُودِ إلْزَامٍ فِيهَا بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخِنْزِيرِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ أَخْذُ الْعُشْرِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَدْ دَانُوا بِتَقَوُّمِ الْخِنْزِيرِ كَمَا دَانُوا بِتَقَوُّمِ الْخَمْرِ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَةِ الْخِنْزِيرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قِيمَةِ الْخَمْرِ فَأَجَابَ بِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ بِالْحِمَايَةِ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ الْخِنْزِيرِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ حِمَايَتَهُ لِغَيْرِهِ وَلَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ الْخَمْرِ لِنَفْسِهِ لِلتَّخْلِيلِ فَيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَحَقِيقَةُ الْجَوَابِ) كَذَا يَعْنِي مَا قُلْنَا إنَّهُ تَنَاقُضٌ لِمَنْعِ وُرُودِ السُّؤَالِ وَصِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ السُّؤَالِ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَجْعَلُ الدِّيَانَةَ مُتَعَدِّيَةً فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ.
أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْخَمْرِ فَلِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً فِي الْأَصْلِ لَكِنْ سَقَطَ تَقَوُّمُهَا بِالنَّصِّ وَدِيَانَتُهُمْ لَمَّا مَنَعْت الْإِلْزَامَ بِالدَّلِيلِ
стр. 1453
وَذَلِكَ شَرْطُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَجِبُ بِتَقَوُّمِ الْمُتْلَفِ لَكِنْ بِإِتْلَافِ الْمُتْلِفِ وَإِذَا لَمْ تُضَفْ إلَى تَقَوُّمِ الْمَحِلِّ لَمْ تَصِرْ مُتَعَدِّيَةً وَكَذَلِكَ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ شَرْطٌ لَا عِلَّةٌ وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ هِيَ الْمَقْذُوفُ.
وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّمَا شُرِعَتْ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ فِي الْأَصْلِ.
أَلَا يُرَى أَنَّ الْأَبَ يَجْلِسُ بِنَفَقَةِ الِابْنِ الصَّغِيرِ كَمَا يَحِلُّ دَفْعُهُ إذَا قَصَدَ قَتْلَهُ وَلَا يُحْبَسُ بِدَيْنِهِ جَزَاءً كَمَا لَا يُقْتَلُ قِصَاصًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَتْ الدِّيَانَةُ دَافِعَةً لَا مُوجِبَةً بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَوْ وَجَبَ بِدِيَانَتِهَا كَانَتْ الدِّيَانَةُ بِذَلِكَ مُوجِبَةً لَا دَافِعَةً
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ أَلِزَامَنَا إيَّاهُمْ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ بِالدَّلِيلِ بَقِيَ تَقَوُّمُهَا عَلَى مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ فَكَانَتْ دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةً لِلْإِلْزَامِ لَا مُثْبِتَةً لِلتَّقَوُّمِ وَذَلِكَ أَيْ لِتَقَوُّمِ شَرْطِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمَحَلَّ وَالْمَحَالُّ بِأَوْصَافِهَا شُرُوطٌ وَالضَّمَانُ وَجَبَ جَزَاءً عَلَى الْجِنَايَةِ فَلَا يَجِبُ بِتَقَوُّمِ الْمُتْلَفِ لَكِنْ يَجِبُ بِإِتْلَافِ الْمُتْلَفِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ وَلِهَذَا سُمِّيَ ضَمَانُ التَّعَدِّي وَالْكَافِرُ بِدِيَانَتِهِ دَفَعَ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ فَبَقِيَ التَّقَوُّمُ عَلَى مَا كَانَ فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مُضَافًا إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ إتْلَافُ مَالِ الذِّمِّيِّ الَّذِي فِي زَعْمِ الْمُتْلَفِ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ وَإِذَا لَمْ يُضِفْ الضَّمَانَ إلَى تَقَوُّمِ الْمَحَلِّ لَمْ تَصِرْ الدِّيَانَةُ مُتَعَدِّيَةً إذْ لَوْ كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ لَكَانَتْ الدَّيَّانَةُ مُتَعَدِّيَةً حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ سَاقِطٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَوْجُودًا فِي حَقِّهِ فَلَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ لَوَجَبَ بِإِثْبَاتِ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ بِدِيَانَةِ الْكَافِرِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا أَنَّ التَّقَوُّمَ شَرْطُ الضَّمَانِ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ شَرْطُ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ لَا عِلَّتِهِ إنَّمَا الْعِلَّةُ هِيَ الْقَذْفُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ وَلِهَذَا يُضَافُ إلَيْهِ وَالْكَافِرُ بِدِيَانَتِهِ مَنَعَ سُقُوطَ إحْصَانِهِ الثَّابِتِ قَبْلَ الْوَطْءِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ مُضَافًا إلَى قَذْفِهِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ بِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْإِحْصَانُ فَكَانَتْ الدِّيَانَةُ دَافِعَةً لَا مُوجِبَةً؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ لَمْ يُضِفْ إلَى الْإِحْصَانِ.
١ -
فَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ أَيْ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ فِي الْأَصْلِ أَيْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النَّفَقَةِ عَجْزُ الْمُنْفِقِ عَلَيْهِ وَمِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ الِاحْتِبَاسُ الدَّائِمُ فَإِنَّ دَوَامَهُ مِنْ غَيْرِ إنْفَاقٍ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ إذْ لَا بَقَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَادَةً بِدُونِ النَّفَقَةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ الْمَرْأَةِ لِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً عَلَى الدَّوَامِ لِحَقِّهِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي طَلَبِ النَّفَقَةِ دَافِعَةً لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهَا بِدِيَانَتِهَا لِبَقَائِهَا مَحْبُوسَةً لِحَقِّهِ فَلَا يَكُونُ دِيَانَتُهَا مُوجِبَةً عَلَيْهِ شَيْئًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ أَنَّ الْأَبَ يُحْبَسُ بِنَفَقَةِ الِابْنِ الصَّغِيرِ أَيْ بِسَبَبِ مَنْعِهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاصِدِ لِهَلَاكِهِ إذْ لَا بَقَاءَ لَهُ عَادَةً بِدُونِ النَّفَقَةِ فَيَحِلُّ لِلِابْنِ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَبْسِ أَبِيهِ أَوْ يَحِلُّ لِلْقَاضِي دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ الصَّغِيرِ الْعَاجِزِ بِحَبْسِ أَبِيهِ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ كَمَا يَحِلُّ دَفْعُهُ أَيْ دَفْعُ الْأَبِ بِالْقَتْلِ أَوْ دَفْعُ الِابْنِ أَبَاهُ بِالْقَتْلِ إذَا قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَ الِابْنِ. وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ الْأَبِ بِدَيْنِ الِابْنِ جَزَاءً إذْ الْحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَالْمُمَاطَلَةِ كَمَا لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَبِ بِسَبَبِ قَتْلِ الِابْنِ قِصَاصًا فَثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ أَوْ كَانَ الشَّأْنُ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ وَالْحَدِّ وَالنَّفَقَةِ لَمْ يَثْبُت وَالدِّيَانَةُ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ كَانَتْ الدِّيَانَةُ دَافِعَةً لَا مُوجِبَةً بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الدَّفْعِ.
فَلَوْ وَجَبَ أَيْ ثَبَتَ الْمِيرَاثُ لِلْبِنْتِ الْمَنْكُوحَةِ بِدِيَانَتِهَا كَانَتْ دِيَانَتُهَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ مُوجِبَةً عَلَى الْبِنْتِ الْأُخْرَى اسْتِحْقَاقَهَا زِيَادَةَ الْمِيرَاثِ لَا دَافِعَةً. وَلَا يُقَالُ الْبِنْتُ الْأُخْرَى قَدْ تَدَيَّنَتْ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ أَيْضًا حَيْثُ اعْتَقَدَتْ الْمَجُوسِيَّةَ فَيَكُونُ اسْتِحْقَاقُ زِيَادَةِ الْمِيرَاثِ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى الْتِزَامِهَا بِدِيَانَتِهَا لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا خَاصَمَتْ إلَى الْقَاضِي فِي الْمِيرَاثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْتَقِدْ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ وَلَا تَرِثُ الْمَنْكُوحَةُ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1454
وَإِذَا لَمْ يُفْسَخْ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا فَقَدْ جَعَلْنَا الدِّيَانَةَ دَافِعَةً أَيْضًا هَذَا جَوَابٌ قَدْ قِيلَ وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عِنْدِي عَنْ فَصْلِ النَّفَقَةِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَنَاكَحَا فَقَدْ دَانَا بِصِحَّتِهِ فَقَدْ أَخَذَ الزَّوْجُ بِدِيَانَتِهِ وَلَمْ يَصِحَّ مُنَازَعَتُهُ مِنْ بَعْدُ بِخِلَافِ مُنَازَعَةِ مَنْ لَيْسَ فِي نِكَاحِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ هَذِهِ الدِّيَانَةَ وَأَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّقْلِيدِ دُونَ الْخُصُومَةِ.
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَكَذَلِكَ قَالَا أَيْضًا إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إنَّ تَقَوُّمَ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةَ شُرْبِهَا وَتَقَوُّمَ الْخِنْزِيرِ وَإِبَاحَتَهُ كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا أَصْلِيًّا فَإِذَا قَصُرَ الدَّلِيلُ بِالدِّيَانَةِ بَقِيَ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَأَمَّا نِكَاحُ الْمَحَارِمِ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا أَصْلِيًّا يُرَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أُخْتُهُ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي زَمَنِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه
ــ
[كشف الأسرار]
فَاسِدٌ فِي حَقِّ الَّتِي نَازَعَتْ فِي الْإِرْثِ وَدَانَتْ بِالْفَسَادِ.
وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُمَا فَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحِقَّ الْمِيرَاثَ بِالزَّوْجِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ هَذَا النِّكَاحَ مَحْكُومٌ بِالصِّحَّةِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ أَنَّ النِّكَاحَ وَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِالصِّحَّةِ لَا يَثْبُتُ الْإِرْثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَنَا بِالدَّلِيلِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلْمِيرَاثِ فِي دِينِهِ فَلَا يَثْبُتُ سَبَبًا لِلْمِيرَاثِ بِاعْتِقَادِهِمْ وَدِيَانَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِدِيَانَةِ الذِّمِّيِّ فِي حُكْمٍ إذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَرْعٍ وَلَمْ يَثْبُتْ بِدِيَانَتِنَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ فِي دِيَانَتِنَا فَاسِدٌ. بِخِلَافِ نِكَاحِ الْأَجَانِبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ فِي دِينِنَا فَيَكُونُ سَبَبًا فِي حَقِّهِمْ إذَا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ يُفْسَخْ أَيْ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَلَمْ يُجْعَلُ دِيَانَةُ الَّذِي لَمْ يَرْفَعْ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي مُلْزَمَةً عَلَى الَّذِي رَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَكِنْ جَعَلْنَا دِيَانَتَهُ دَافِعَةً لِمَا أَلْزَمَهُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا قَدْ دَانَا جَمِيعًا بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ حِينَ أَقْدَمَا عَلَى مُبَاشَرَتِهِ فَإِذَا جَاءَ أَحَدُهُمَا طَالِبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ الْمُلْزِمُ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَالْآخَرُ مُصِرٌّ عَلَى اعْتِقَادِهِ كَمَا كَانَ فَيَكُونُ دَافِعًا بِدِيَانَتِهِ إلْزَامَ الْغَيْرِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَافَعَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ الْتَزَمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَيَجْرِي عَلَيْهِمَا. هَذَا أَيْ مَا أَجَبْنَا عَنْ فَصْلِ النَّفَقَةِ جَوَابٌ قَدْ قِيلَ. فَكَأَنَّهُ ﵀ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَمْ يُسَلِّمَا أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ وَجَعَلَاهَا صِلَةً مُبْتَدَأَةً كَالنِّكَاحِ وَسَبَبُهَا النِّكَاحُ أَيْضًا كَمَا أَنَّ سَبَبَ الْمِيرَاثِ وَهُوَ النِّكَاحُ فَلِذَلِكَ اخْتَارَ جَوَابًا آخَرَ وَأَشَارَ إلَى فَسَادِ هَذَا الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عِنْدِي عَنْ فَصْلِ النَّفَقَةِ إنَّهُمَا لَمَّا تَنَاكَحَا فَقَدْ دَانَا بِصِحَّتِهِ فَأَخَذَ الزَّوْجُ بِدِيَانَتِهِ؛ لِأَنَّ دِيَانَتَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ. وَلَمْ تَصِحَّ مُنَازَعَةَ الزَّوْجِ فِي مَنْعِ النَّفَقَةِ بِدَعْوَى فَسَادِ النِّكَاحِ مِنْ بَعْدِ أَيْ مِنْ بَعْدَ مَا أَقْدَمَ عَلَى التَّزَوُّجِ وَدَانَ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُوجِبَ النِّكَاحِ حِينَ أَقْدَمَ عَلَيْهِ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِدُونِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ. بِخِلَافِ مُنَازَعَةِ مَنْ لَيْسَ فِي نِكَاحِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِرْثِ وَهِيَ الْبِنْتُ الْأُخْرَى. لِأَنَّهَا لَمْ تَلْزَمْ هَذِهِ الدِّيَانَةُ أَيْ الدِّيَانَةُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ حَيْثُ نَازَعَتْ فِي الْإِرْثِ وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِزَامِ.
وَقَوْله وَأَمَّا الْقَاضِي جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ دِيَانَتَهُ لَوْ صَلُحَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي الْإِيجَابِ لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً عَلَى الْقَاضِي فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْخُصُومَةِ فَكَانَتْ دِيَانَتُهُ مُتَعَدِّيَةً إلَيْهِ فَقَالَ إنَّمَا لَزِمَ الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِالتَّقَلُّدِ دُونَ الْخُصُومَةِ فَلَا يَكُونُ الْخُصُومَةُ مُلْزِمَةً عَلَيْهِ بَلْ تَكُونُ شَرْطًا قَوْله (وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَكَذَلِكَ قَالَا أَيْضًا) أَيْ قَالَا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّ دِيَانَتَهُمْ دَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ وَدَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ لِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ فَيَبْقَى الْحُكْمُ الثَّابِتُ قَبْلَ الْخِطَابِ عَلَى مَا كَانَ فِي حَقِّهِمْ لَكِنَّ هَذَا فِي كُلِّ حُكْمٍ كَانَ أَصْلِيًّا قَبْلَ الْخِطَابِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يَرِدْ الْخِطَابُ لَبَقِيَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا فِي حُكْمٍ ضَرُورِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ الْخِطَابُ فِي شَرِيعَتِنَا لَمْ يُمْكِنْ إبْقَاؤُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا. فَتَقَوُّمُ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةُ شُرْبِهَا وَتَقُومُ الْخِنْزِيرِ وَإِبَاحَتُهُ كَانَتْ أَحْكَامًا أَصْلِيَّةً قَبْلَ شَرِيعَتِنَا فَبِقُصُورِ الدَّلِيلِ بِسَبَبِ دِيَانَتِهِمْ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَيْ عَلَى التَّقَوُّمِ وَالْإِبَاحَةِ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِتَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّهِمْ وَبِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى مُتْلِفِهِمَا وَبِصِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِيهِمَا كَمَا قَالَ
стр. 1455
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاؤُهُ بِقَصْرِ الدَّلِيلِ وَلِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ جِنْسِ مَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ قِيَامُ دَلِيلِ التَّحْرِيمِ شُبْهَةً وَبِالْقَضَاءِ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا. وَأَمَّا عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ فَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصِّلَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا حَاجَةُ الْمُسْتَحِقِّ.
وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْحَاجَةَ الدَّائِمَةَ بِدَوَامِ الْجِنْسِ لَا يَرُدُّهَا الْمَالُ الْمُقَدَّرُ فَتَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّهُ جَعَلَ الدِّيَانَةَ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَأَمَّا سَائِرُ الْأَحْكَامِ فَلَا يَثْبُتُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تَقْوِيمَ الْأَمْوَالِ وَإِحْصَانَ النُّفُوسِ مِنْ بَابِ الْعِصْمَةِ وَتَفْسِيرُ الْعِصْمَةِ الْحِفْظُ فَيَكُونُ فِي تَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ بِدِيَانَتِهِمْ حِفْظٌ عَنْ التَّعَرُّضِ أَيْضًا وَقَدْ بَيَّنَّا مَا يَبْطُلُ بِهِ مَذْهَبُهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا قُلْنَا مِنْ بَابِ الدَّفْعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِحْلَالُهُمْ الرِّبَا
ــ
[كشف الأسرار]
أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. فَأَمَّا نِكَاحُ الْمَحَارِمِ فَلَمْ يَكُنْ أَصْلِيًّا فِي شَرِيعَةٍ وَإِنَّمَا شُرِعَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أُخْتُهُ مِنْ بَطْنِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ مِنْ بَطْنٍ آخَرَ وَلَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا بَعْدَهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ ضَرُورِيًّا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ غَيْرَ أَصْلِيٍّ لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاءُ جَوَازِهِ أَوْ حِلِّهِ لِقِصَرِ الدَّلِيلِ أَيْ بِسَبَبِ قُصُورِهِ عَنْهُمْ. فَهَذَا الطَّرِيقُ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ فِي حَقِّهِمْ إلَّا أَنَّا لَمَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ لَمْ نَمْنَعْهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَمَا لَمْ نَمْنَعْهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فَإِذَا رَفَعَ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْفَسْخِ لِفَسَادِ النِّكَاحِ. وَإِذَا وَطِئَهَا بِهَذَا النِّكَاحِ سَقَطَ إحْصَانُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ. وَلِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ أَيْضًا. لِأَنَّ قِيَامَ دَلِيلِ التَّحْرِيمِ أَيْ تَحْرِيمَ الشَّرْعِ الْمَحَارِمَ عَامًّا يَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ الْقَاذِفِ فَإِنَّ فِي زَعْمِ الْقَاذِفِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ يَا زَانٍ لِقِيَامِ دَلِيلِ الْحُرْمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي زَعْمِ الْمَقْذُوفِ أَنَّهُ كَاذِبٌ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ. وَالْقَضَاءُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ لَيْسَ بِأَمْرٍ أَصْلِيٍّ بَاطِلٍ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَصْلِيًّا لَمْ يَجُزْ اسْتِبْقَاؤُهُ لِقُصُورِ الدَّلِيلِ فَلَا يُوجِبُ النَّفَقَةَ لِفَسَادِهِ كَالْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الثَّانِي فَكَذَا يَعْنِي أَنَّ الطَّرِيقَ الثَّانِي هُوَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَالْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ الْقَضَاءُ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ جِنْسِ الصِّلَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالنِّكَاحِ ابْتِدَاءً كَالْمِيرَاثِ لَا أَنَّهَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ حَاجَةَ الْمَرْأَةِ إلَيْهَا فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً فَائِقَةً فِي الْيَسَارِ تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَ وُجُوبُهَا بِطَرِيقِ الدَّفْعِ لَمَا وَجَبَتْ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ بِوُجُودِ الْيَسَارِ كَمَا لَا يَجِبُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلَى الْأَبِ وَنَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِإِيجَابِهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ دِيَانَتَهَا تَصِيرُ حِينَئِذٍ مُوجِبَةً كَمَا قُلْنَا جَمِيعًا فِي مَسْأَلَةِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحَاجَةَ الدَّائِمَةَ بِدَوَامِ الْحِسِّ لَا يَرُدُّهَا الْمَالُ الْمُقَدَّرُ يَعْنِي أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً تَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ احْتِبَاسَهَا لَحِقَهُ عَلَى الدَّوَامِ وَمَالُهَا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مُقَدَّرٌ فَلَا يَفِي بِالْحَاجَةِ الدَّائِمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ دَوَامِ الْحَبْسِ فَثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ كَمَا قُلْنَا.
وَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ هَذَا لِجَوَابٍ عَنْ تَكَلُّفٍ اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي فَصْلِ النَّفَقَةِ جَوَابًا آخَرَ كَمَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّهُ جَعَلَ الدِّيَانَةَ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ لَا غَيْرُ) يَعْنِي لَمْ يَجْعَلْهَا دَافِعَةً لِلْخِطَابِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ تَنَاوَلَ الْكَافِرَ كَمَا تَنَاوَلَ الْمُسْلِمَ وَقَدْ بَلَغَهُ الْخِطَابُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا بِالْإِشَاعَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ وَإِنْكَارُهُ تَعَنُّتٌ وَجَهْلٌ وَالْجَهْلُ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ لَيْسَ بِعُذْرٍ رَفْعُ التَّعَنُّتِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِسَبَبِ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا دَانُوا بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا دَانُوا مِنْ الْكُفْرِ فَمَا يَرْجِعُ إلَى التَّعَرُّضِ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ وَمَا لَا يَرْجِعُ
стр. 1456
وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدِيَانَةٍ بَلْ هُوَ فِسْقٌ فِي دِيَانَتِهِمْ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ دِيَانَتِهِمْ تَحْرِيمَ الرِّبَا وَذَلِكَ مِثْلُ خِيَانَتِهِمْ فِيمَا اُؤْتُمِنُوا فِي كُتُبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنْهُ فَكَذَلِكَ الرِّبَا كَاسْتِحْلَالِهِمْ الزِّنَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَ جَهْلُ صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَجَهْلُ الْبَاغِي؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَيْهِ يَثْبُتَ. فَلَا يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ حَدُّ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ زَاجِرًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ تَعَرُّضٌ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَأَمَّا سَائِرُ الْأَحْكَامِ مِثْلُ إثْبَاتِ التَّقَوُّمِ وَإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ وَصِحَّةِ الْبَيْعِ وَإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ فَلَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ دِيَانَةَ الْكَافِرِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ أَثَرُهَا فِي دَفْعِ التَّعَرُّضِ عَنْهُ لَا غَيْرُ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَيْ عَنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ تَقْوِيمَ الْأَمْوَالِ وَإِحْصَانَ النُّفُوسِ مِنْ بَابِ الْعِصْمَةِ وَتَفْسِيرَهَا الْحِفْظَ عَنْ التَّعَرُّضِ فَيَكُونُ فِي تَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ لِنُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ تَحْقِيقُ الْحِفْظِ لَهَا عَنْ التَّعَرُّضِ أَيْضًا يَعْنِي كَمَا أَنَّ إسْقَاطَ حَدِّ الشُّرْبِ عَنْ الْكَافِرِ بِدِيَانَتِهِ لَهُ مِنْ بَابِ تَرْكِ التَّعَرُّضِ، وَحِفْظُهُ عَنْهُ إثْبَاتُ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَإِبْقَاءُ الْإِحْصَانِ بِدِيَانَتِهِ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ عَنْ التَّعَرُّضِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ وَالنُّفُوسَ لَا تَصِيرُ مَعْصُومَةً عَنْ تَعَرُّضِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحِفْظِ عَنْ التَّعَرُّضِ كَسُقُوطِ حَدِّ الشُّرْبِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ دِيَانَتَهُمْ مُعْتَبَرَةٌ فِي دَفْعِ التَّعَرُّضِ، وَدَفْعُ الْخِطَابِ عَنْهُمْ عَدَمُ اعْتِبَارِ دِيَانَتِهِمْ فِي اسْتِحْلَالِ الرِّبَا حَتَّى إنَّ الذِّمِّيَّ إذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ مِنْ ذِمِّيٍّ آخَرَ ثُمَّ تَرَافَعَا إلَى الْقَاضِي أَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا يَجِبُ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي ذَلِكَ دِيَانَتُهُ لِحِلِّ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَجَوَازِهِ. لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ اسْتِحْلَالُ الرِّبَا مِنْهُمْ لَيْسَ بِدِيَانَةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ دِيَانَتِهِمْ تَحْرِيمُ الرِّبَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] . وَذَلِكَ أَيْ اسْتِحْلَالُ الرِّبَا مِنْهُمْ فِي كَوْنِهِ فِسْقًا مِثْلُ خِيَانَتِهِمْ فِيمَا اُؤْتُمِنُوا مِنْ كُتُبِهِمْ بِتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ وَتَبْدِيلِ صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ . لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ أَيْ عَنْ الْخِيَانَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فَكَانَتْ الْخِيَانَةُ مِنْهُمْ فِسْقًا لَا دِيَانَةً.
وَلِهَذَا ذَمَّهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] . فَكَذَلِكَ الرِّبَا وَذَلِكَ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَحَلُّوا الزِّنَا أَوْ السَّرِقَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ حَتَّى يَجِبَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِسْقٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ بِدِيَانَةٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةَ حِرْمَانٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا فَكَذَلِكَ اسْتِحْلَالُ الرِّبَا وَلِهَذَا يُسْتَثْنَى عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوا وَأَنْ لَا يَسْرِقُوا وَأَنْ لَا يَزْنُوا وَأَنْ لَا يَسْتَرْبُوا. وَإِلَّا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْتِحْلَالُ الرِّبَا فِسْقًا مِنْ الْيَهُودِ فَإِنَّ النَّهْيَ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكِتَابٍ وَلَا نَبِيٍّ. لِأَنَّا نَقُولُ كَانَ شَرْعُ تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامًّا وَلَمْ يَكُنْ الرِّبَا مَشْرُوعًا قَطُّ فِي دَيْنٍ مِنْ الْأَدْيَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ وَهُوَ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا وَلَمْ يَكُنْ عَقْدُ الذِّمَّةِ مَشْرُوعًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِيُعْتَبَرَ مَانِعًا مِنْ بُلُوغِ الْخِطَابِ فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِمْ أَنْوَاعَ تَصَرُّفٍ يَقَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الشَّرِكَةِ كَالرِّبَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُمْ مُبَاشَرَتُهَا وَاعْتَادُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي عُقُودِهِمْ مَعَنَا فَتَعَذَّرَ عَلَى التَّاجِرِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَأَمَّا عُقُودُ مُعَامَلَاتٍ تَجْرِي بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لَا يَتَعَدَّى شَرُّهَا إلَيْنَا فَتُرِكُوا وَدِيَانَتُهُمْ كَالْأَنْكِحَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ.
[جَهْل صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْجَهْلُ الَّذِي دُونَ جَهْلِ الْكَافِرِ وَلَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا أَيْضًا فَجَهْلُ صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ مِثْلُ جَهْلِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالصِّفَاتِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوهَا حَقِيقَةً بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ تَعَالَى عَالَمٌ بِلَا عِلْمٍ قَادِرٌ بِلَا قُدْرَةٍ سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ وَكَذَا
стр. 1457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَمِثْلُ جَهْلِ الْمُشَبِّهَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ حُدُوثِ صِفَاتِ اللَّهِ وَزَوَالِهَا عَنْهُ مُشَبِّهِينَ اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي صِفَاتِهِ. وَهَذَا الْجَهْلُ بَاطِلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ سَمْعًا وَعَقْلًا. أَمَّا السَّمْعُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ هِيَ مَعَانٍ وَرَاءَ الذَّاتِ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ الْمُحْدَثَاتِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ ﷻ دَلَّتْ عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَأَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَعَانِيَ وَرَاءَ الذَّاتِ إذْ يُحِيلُ الْعَقْلُ أَنْ يُحْكَمَ بِعَالِمٍ لَا عِلْمَ لَهُ وَحَيٍّ لَا حَيَاةَ لَهُ وَقَادِرٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَبَيْن قَوْلِهِ لَا عِلْمَ لَهُ وَكَذَا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ.
وَقَدْ عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا أَنَّ مَا هُوَ مَحَلُّ الْحَوَادِثِ حَادِثٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ تَعَالَى حَادِثَةً لِاسْتِلْزَامِهِ حُدُوثَ الذَّاتِ الَّذِي هُوَ مُحَالٌ فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقِيصَةِ وَالزَّوَالِ وَأَنَّ صِفَاتِهِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَلَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ تَحْدُثُ وَتَزُولُ بَلْ هِيَ أَزَلِيَّةٌ لَا أَوَّلَ لَهَا أَبَدِيَّةٌ لَا آخِرَ لَهَا فَكَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ بَاطِلًا وَجَهْلًا بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ فَلَا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي الْآخِرَةِ. وَكَذَا جَهْلُهُمْ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِثْلُ جَهْلِ الْمُعْتَزِلَةِ بِسُؤَالِ الْمُنْكَرِ وَالنَّكِيرِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ وَالْمِيزَانِ وَالشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَجَوَازُ الْعَفْوِ عَمَّا دُونَ الشِّرْكِ وَجَوَازُ إخْرَاجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ وَإِنْكَارِهِمْ إيَّاهَا. وَمِثْلُ إنْكَارِ الْجَهْمِيَّةِ خُلُودَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهَالِيَهُمَا جَهْلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ النَّاطِقَةَ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ وَاضِحَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ فِيهَا عَنْ إنْصَافٍ فَالْجَهْلُ بِهَا لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي الْآخِرَةِ كَجَهْلِ الْكَافِرِ. وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْبَاغِي وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْحَقِّ ظَانًّا أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَالْإِمَامَ عَلَى الْبَاطِلِ مُتَمَسِّكًا فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّصُوصِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَإِنَّ الدَّلَائِلَ عَلَى كَوْنِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ عَلَى الْحَقِّ مَثَلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُمْ لَائِحَةٌ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ جَاحِدُهَا مُكَابِرًا مُعَانِدًا.
وَتَوْضِيحُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ قِصَّةِ الْبُغَاةِ وَهِيَ مَا رُوِيَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَمَّا اسْتَحْكَمَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ وَكَثُرَ الْقِتَالُ وَالْقَتْلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَعَلَ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ الْمَصَاحِفَ عَلَى رُءُوسِ الرِّمَاحِ وَقَالُوا لِأَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى نَدْعُوكُمْ إلَى الْعَمَلِ بِهِ فَأَجَابَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ ﵁ إلَى ذَلِكَ وَامْتَنَعُوا عَنْ الْقِتَالِ ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا حَكَمًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَمَنْ اتَّفَقَ الْحَكَمَانِ عَلَى إمَامَتِهِ فَهُوَ الْإِمَامُ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ فَاخْتِيرَ مِنْ جَانِبِ مُعَاوِيَةَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَكَانَ دَاهِيًا وَمِنْ جَانِبِ عَلِيٍّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ عَمْرٌو لِأَبِي مُوسَى نَعْزِلُهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ نَتَّفِقُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَجَابَهُ أَبُو مُوسَى إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي مُوسَى أَنْتَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنِّي فَاعْزِلْ
стр. 1458
فَكَانَ بَاطِلًا كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ بِالْقِرَانِ فَكَانَ دُونَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِمَّنْ يَنْحَلُ الْإِسْلَامَ لَزِمَنَا مُنَاظَرَتُهُ وَإِلْزَامُهُ فَلَمْ نَعْمَلْ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ وَقُلْنَا فِي الْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ أَوْ نَفْسَهُ وَلَا مَنَعَةَ لَهُ يَضْمَنُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ تَلْزَمُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلِيًّا أَوَّلًا عَنْ الْإِمَامَةِ فَصَعِدَ أَبُو مُوسَى الْمِنْبَرَ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَذَكَرَ الْفِتْنَةَ ثُمَّ أَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ أُصْبُعِهِ.
وَقَالَ أَخْرَجْت عَلِيًّا عَنْ الْخِلَافَةِ كَمَا أَخْرَجْت خَاتَمِي مِنْ أُصْبُعِي وَنَزَلَ ثُمَّ صَعِدَ عَمْرٌو الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَذَكَرَ الْفِتْنَةَ ثُمَّ أَخَذَ خَاتَمَهُ وَأَدْخُلَهُ فِي أُصْبُعِهِ وَقَالَ أَدْخَلْت مُعَاوِيَةَ فِي الْخِلَافَةِ كَمَا أَدْخَلْت خَاتَمِي هَذَا فِي أُصْبُعِي فَعَرَفَ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّهُمْ أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الْأَمْرَ فَخَرَجَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ قَرِيبٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ عَسْكَرِهِ زَاعِمِينَ أَنَّ عَلِيًّا كَفَرَ حِينَ تَرَكَ حُكْمَ اللَّهِ وَأَخَذَ بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ فَقَدْ كَفَرَ.
وَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ جَهْلًا بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَإِنَّ إمَامَةَ عَلِيٍّ ﵁ ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَمَا ثَبَتَتْ إمَامَةُ مَنْ قَبْلَهُ بِهِ وَالرِّضَاءُ بِحُكْمِ الْحَكَمِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ أَمْرٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْصِيَةً. وَكَذَا الْمُسْلِمُ لَا يُكَفَّرُ بِالْمَعْصِيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ اسْمَ الْإِيمَانِ عَلَى مُرْتَكِبِ الذَّنْبِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] . ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] وَنَحْوِهَا فَجَهْلُهُمْ بَعْدَ وُضُوحِ الْأَدِلَّةِ لَا يَكُونُ عُذْرًا كَجَهْلِ الْكَافِرِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّ صَاحِبَ الْهَوَى أَوْ الْبَاغِيَ. مُتَأَوِّلٌ بِالْقُرْآنِ أَيْ مُتَمَسِّكٌ بِهِ مُؤَوِّلٌ لَهُ عَلَى وَفْقِ رَأْيِهِ فَإِنَّ نَافِيَ الصِّفَاتِ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ ذَاتَه بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ الشَّرِيكِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ فَلَوْ أَثْبَتْنَا الصِّفَاتِ لَهُ لَكَانَتْ قَدِيمَةً وَلَكَانَتْ أَغْيَارًا لِلذَّاتِ.
، وَإِثْبَاتُ الْأَغْيَارِ فِي الْأَزَلِ مُنَافٍ لِلتَّوْحِيدِ. وَمُجَوِّزُ الْحُدُوثِ فِي الصِّفَاتِ تَعَلَّقَ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] . ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . وَالْبَاغِي احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] . ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] . ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فَكَانَ هَذَا الْجَهْلُ دُونَ الْجَهْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي الْآخِرَةِ. وَلَكِنَّهُ أَيْ هَذَا الْجَاهِلُ وَهُوَ الْبَاغِي وَصَاحِبُ الْهَوَى لَمَّا كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَغْيِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ بِالْهَوَى إذَا لَمْ يَغْلُ فِيهِ. أَوْ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ يَعْنِي إذَا غَلَا فِي هَوَاهُ حَتَّى كَفَرَ وَلَكِنَّهُ يَنْتَسِبُ إلَى الْإِسْلَامِ مَعَ ذَلِكَ كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ وَالْمُجَسِّمَةِ. لَزِمَنَا مُنَاظَرَتُهُ وَإِلْزَامُهُ قَبُولَ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ فَلَمْ نَعْمَلْ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ. فَإِذَا اسْتَحَلَّ الْبَاغِي الْأَمْوَالَ أَوْ الدِّمَاءَ بِتَأْوِيلِ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الذَّنْبِ كُفْرٌ لَا يُحْكَمُ بِإِبَاحَتِهَا فِي حَقِّهِ بِتَأْوِيلِهِ كَمَا حَكَمْنَا بِإِبَاحَةِ الْخَمْرِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ بِدِيَانَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ حَقًّا فَأَمْكَنَ مُنَاظَرَتُهُ وَإِلْزَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُنَاظَرَةِ وَالْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِدِيَانَتِهِ فِي حَقِّهِ.
فَلِذَلِكَ قُلْنَا إذَا أَتْلَفَ الْبَاغِي مَالَ الْعَادِلِ أَيْ نَفْسَهُ وَلَا مَنَعَةَ لَهُ يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ لِبَقَاءِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَوُجُوبِ الضَّمَانِ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ
стр. 1459
فَإِذَا صَارَ لِلْبَاغِي مَنَعَةٌ سَقَطَ عَنْهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِضَمَانٍ
ــ
[كشف الأسرار]
بَاقِيَةٌ. فَإِذَا صَارَ لِلْبَاغِي مَنَعَةٌ سَقَطَ عَنْهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ بِالدَّلِيلِ حِسًّا وَحَقِيقَةً فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِضَمَانٍ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَمَا لَمْ يُؤْخَذْ أَهْلُ الْحَرْبِ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَتْلَفَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَلَا عِبْرَةَ لِتَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ يُعْتَبَرُ اعْتِقَادُهُ بَعْدَمَا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ عَلَى خِلَافِهِ. بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَ الْإِسْلَامِ أَصْلًا.
وَلَنَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا مُتَوَافِرِينَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ دَمٍ أُرِيقَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَكُلَّ مَالٍ أُتْلِفَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَكُلَّ فَرْجٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ. وَأَنَّ تَبْلِيغَ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ انْقَطَعَتْ بِمَنْعِهِ قَائِمَةٌ حِسًّا فَلَمْ تَثْبُتْ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ كَمَا لَوْ انْقَطَعَتْ بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ بِأَنْ قَبِلَ الْكَافِرُ الذِّمَّةَ؛ لِأَنَّ حُجَجَ الشَّرْعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ وَالسُّقُوطَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِذَا انْقَطَعَ الْبُلُوغُ عُدِمَتْ الْحُجَّةُ فَكَانَ تَدَيُّنُ كُلِّ قَوْمٍ عَنْ تَأْوِيلٍ بِمَنْزِلَةِ تَدَيُّنِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالِاسْتِحْلَالُ بِحُكْمِ مُخَالَفَةِ الدِّينِ حُكْمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَمَا جَازَ لَنَا فِي الْبُغَاةِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَسَاوَى تَدَيُّنُهُمْ تَدَيُّنَنَا حَالَ قِيَامِ الْحَرْبِ وَانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ بِالْمَنَعَةِ الْقَائِمَةِ كَمَا جَعَلَ كَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ وَحَقِّ الْأَنْكِحَةِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِثْمِ فَإِنَّ الْبَاغِيَ يَأْثَمُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنَعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ وَالْخُرُوجُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَرَامٌ أَبَدًا وَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَبَدًا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ فَأَمَّا ضَمَانُ الْعِبَادِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَإِنَّمَا وَجَبَ شَرْعًا فَلَا يَجِبُ إلَّا بِعِلْمِ الْخِطَابِ وَالتَّأَمُّلِ فِيهِ. وَبِخِلَافِ الْبَاغِي الَّذِي لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّبْلِيغِ وَهُوَ الْمَنَعَةُ لَمْ يَتَحَقَّقُ فَكَانَ جَهْلُهُ بِالْحُجَّةِ بِسَبَبِ تَعَنُّتِهِ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَالتَّأَمُّلِ فِيهِ وَلَا عِبْرَةَ لِلتَّعَنُّتِ فَصَارَ الْعَدَمُ بِهِ كَأَنْ لَا عَدَمَ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
وَهَذَا إذَا هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ بِالْأَخْذِ كَمَا لَا نَمْلِكُ مَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ الْمُقَاتِلَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ أَصْلٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ أُفْتِي فِي أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا تَابُوا بِأَنْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوا مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَلَا أُلْزِمُهُمْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ الْإِسْلَامَ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ فِي التَّأْوِيلِ إلَّا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْمَنَعَةِ فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى أَدَاءِ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ وَلَكِنْ نُفْتِي بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ وَلَا نُفْتِي أَهْلَ الْعَدْلِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي قِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ مُمْتَثِلُونَ لِلْأَمْرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَحَاصِلُ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُغَيِّرَ لِلْحُكْمِ اجْتِمَاعُ التَّأْوِيلِ وَالْمَنَعَةِ فَإِذَا تَجَرَّدَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ ضَمَانِ الْمُصَابِ حَتَّى لَوْ أَنَّ قَوْمًا غَيْرَ مُتَأَوِّلِينَ غَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ فَقَتَلُوا الْأَنْفُسَ وَاسْتَهْلَكُوا الْأَمْوَالَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ أَخَذُوا بِجَمِيعِ ذَلِكَ لِتَجَرُّدِ الْمَنَعَةِ عَنْ التَّأْوِيلِ.
قَوْلُهُ (وَوَجَبَتْ الْمُجَاهَدَةُ لِمُحَارَبَتِهِمْ) أَيْ لِأَجْلِ مُحَارَبَتِهِمْ يَعْنِي إنَّمَا وَجَبَتْ مُقَاتَلَتُهُمْ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ لَا أَنْ تَجِبَ ابْتِدَاءً كَمَا تَجِبُ مُقَاتَلَةُ الْكُفَّارِ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِلْخَوَارِجِ فِي خُطْبَتِهِ وَلَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا يَعْنِي
стр. 1460
وَوَجَبَتْ الْمُجَاهَدَةُ لِمُحَارَبَتِهِمْ وَوَجَبَ قَتْلُ أَسْرَاهُمْ وَالتَّذْفِيفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ نَضْمَنْ نَحْنُ أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ وَلَمْ نُحْرَمْ عَنْ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ جَامِعٌ وَالْقَتْلُ حَقٌّ وَهُمْ لَمْ يُحْرَمُوا أَيْضًا إنْ قُتِلُوا أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا بِشَرْطِ الْمَنَعَةِ فِي حُكْمِ الْجِهَادِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فِي حَقِيقَةٍ
ــ
[كشف الأسرار]
حَتَّى تَعْزِمُوا عَلَى الْقِتَالِ بِالتَّجَمُّعِ وَالتَّحَيُّزِ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ مَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْحَبْسِ فَإِذَا تَجَمَّعُوا وَعَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلِأَنَّهُمْ قَصَدُوا أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَتَهْيِيجَ الْفِتْنَةِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى وَتَسْكِينُ الْفِتْنَةِ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ.
وَخُرُوجُهُمْ مَعْصِيَةٌ فَفِي الْقِيَامِ بِقِتَالِهِمْ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ فَرْضٌ. وَالْإِمَامُ فِيهِ عَلِيٌّ ﵁ فَإِنَّهُ قَامَ بِالْقِتَالِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ أُمِرْت بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ. وَوَجَبَ قَتْلُ أُسَرَائِهِمْ وَالتَّذْفِيفِ عَلَى جَرِيحِهِمْ ذَكَرَ هَاهُنَا لَفْظَ الْوُجُوبِ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ بِلَفْظِهِ لَا بَأْسَ فَقِيلَ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ أَسِيرِهِمْ إذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ؛ لِأَنَّ شَرَّهُ لَمْ يَنْدَفِعْ وَلَكِنَّهُ مَقْهُورٌ لَوْ تَخَلَّصَ لَتَحَيَّزَ إلَى فِئَتِهِ فَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي قَتْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ. وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِئَةٌ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ لِدَفْعِ الْبَغْيِ وَقَدْ انْدَفَعَ وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يُحَلِّفُ مَنْ بَاشَرَهُ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ إذَا كَانَتْ فِئَتُهُمْ بَاقِيَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا بَرِئَ عَادَ إلَى الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ بِقُوَّةِ تِلْكَ الْفِئَةِ. وَلِأَنَّ فِي قَتْلِ الْأَسِيرِ وَالْإِجْهَازِ كَسْرَ شَوْكَةِ أَصْحَابِهِ فَإِذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَبْقَ لَهُمْ فِئَةٌ وَالتَّذْفِيفُ الْإِسْرَاعُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُرَادُ مِنْ التَّذْفِيفِ هَاهُنَا إتْمَامُ الْقَتْلِ وَلَمْ نَضْمَنْ نَحْنُ أَمْوَالَهُمْ بِالْإِتْلَافِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَدِمَاءَهُمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا. وَلَمْ نُحَرِّمْ عَنْ الْمِيرَاثِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْعَادِلُ فِي الْحَرْبِ مُوَرِّثَهُ الْبَاغِيَ وَرِثَهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ جَامِعٌ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْمُوَرِّثِ فِي الدِّينِ فَلَمْ يَثْبُتْ اخْتِلَافُ الدِّينُ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ بِاخْتِلَافِ دِيَانَتِهِمَا وَالْقَتْلُ بِحَقٍّ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْحِرْمَانِ كَالْقَتْلِ رَجْمًا أَوْ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ عُقُوبَةٌ شُرِعَتْ جَزَاءً عَلَى قَتْلٍ مَحْظُورٍ فَالْقَتْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ.
وَهُمْ أَيْ أَهْلُ الْبَغْيِ لَمْ يُحْرَمُوا عَنْ الْمِيرَاثِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي أَخَاهُ الْعَادِلَ وَقَالَ كُنْت عَلَى الْحَقِّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْحَقِّ وَرِثَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ قَالَ كُنْت عَلَى بَاطِلٍ لَمْ يَرِثْهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا يَرِثُهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيُحْرَمُ بِهِ عَنْ الْمِيرَاثِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ وَتَأْوِيلَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مُوَرِّثِهِ الْعَادِلِ وَلَا عَلَى سَائِرِ وَرَثَتِهِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً. يُوَضِّحُهُ أَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ الْبَغْيِ عِنْدَ انْضِمَامِ الْمَنَعَةِ إلَيْهِ يُعْتَبَرُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ فِي إسْقَاطِ ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَا فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ فَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ أَهْلِ الْبَغْيِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ الدِّينِ فَتَسْتَوِيَانِ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِمَامِ كَمَا فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ لَمَّا انْقَطَعَتْ بِالْمَنَعَةِ كَانَ الْقَتْلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا فِي حُكْمِ الْجِهَادِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَخُصُومَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَكَانَتْ مُقَاتَلَتُهُمْ الْخُصُومَ جِهَادًا فِي زَعْمِهِمْ وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فِي الْحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ اعْتِقَادُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى
стр. 1461
وَوَجَبَ حَبْسُ أَمْوَالِهِمْ زَجْرًا لَهُمْ وَلَمْ نَمْلِكْ أَمْوَالَهُمْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّارِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ بِحُكْمِ الدِّيَانَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَثَبَتَتْ الْعِصْمَةُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْإِسْلَامُ دُونَ وَجْهٍ فَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ وَلَمْ يَجِبْ الْمِلْكُ بِالشُّبْهَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مُخْتَلِفَةٌ وَالْمَنَعَةُ مُتَبَايِنَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَبَطَلَتْ الْعِصْمَةُ لَنَا فِي حَقِّهِمْ وَلَهُمْ فِي حَقِّنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ جَهِلَ مِنْ خَالَفَ فِي اجْتِهَادِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّةِ الْفِقْهِ أَوَعَمِلَ بِالْغَرِيبِ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ فَمَرْدُودٌ بَاطِلٌ لَيْسَ بِعُذْرٍ أَصْلًا مِثْلُ الْفَتْوَى بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَمِثْلُ الْقَوْلِ بِالْقِصَاصِ فِي الْقَسَامَةِ وَمِثْلُ اسْتِبَاحَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَعَلَى هَذَا يُبْتَنَى مَا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يَنْفُذُ
ــ
[كشف الأسرار]
مُوَرِّثِهِ الْعَادِلِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ كَمَا لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْعَادِلِ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حُكْمِ سُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ الضَّمَانِ وَلَكِنْ لَمَّا انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ بِانْضِمَامِ الْمَنَعَةِ إلَى التَّأْوِيلِ جُعِلَ الْفَاسِدُ مِنْ التَّأْوِيلِ كَالصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَكَذَا فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَوَجَبَ حَبْسُ الْأَمْوَالِ) أَيْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ الْبَغْيِ وَعُقُوبَةً كَمَا وَجَبَ قَتْلُ نُفُوسِهِمْ. فَإِذَا تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُتَمَلَّكْ لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَالْإِحْرَازِ فِيهَا. وَلِأَنَّ الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ يَتِمَّ بِالْإِحْرَازِ بِدَارٍ تُخَالِفُ دَارَ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ دَارَ الْفِئَتَيْنِ وَاحِدَةٌ. وَقِيلَ لِعَلِيٍّ ﵁ يَوْمَ الْجَمَلِ أَلَا تَقْسِمُ بَيْنَنَا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَالَ فَمَنْ يَأْخُذُ مِنْكُمْ عَائِشَةُ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اسْتِبْعَادًا لِكَلَامِهِمْ وَإِظْهَارًا لِخَطَئِهِمْ فِيمَا طَلَبُوا وَقَدْ جَمَعَ مَا أَصَابَ مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فِي رَحْبَةِ الْكُوفَةِ فَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا أَخَذَهُ. وَهِيَ بِحُكْمِ الدِّيَانَةِ مُخْتَلِفَةٌ حَيْثُ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْآخَرَ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنَّ دِمَاءَهُمْ مُبَاحَةٌ وَقَدْ غَلَبُوا عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَعَلُوهَا دَارَ الْحَرْبِ حَيْثُ لَزِمَنَا مُحَارَبَتُهُمْ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ جَهْلِ الْبَاغِي وَصَاحِبِ الْهَوَى جَهْلُ مَنْ خَالَفَ فِي اجْتِهَادِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ مِثْلُ الْفَتْوَى بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. كَانَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ يَقُولُونَ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
وَبِأَنَّ الْمَالِيَّةَ وَالْمَحَلِّيَّةَ لِلْبَيْعِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ مَعْلُومَةٌ فِيهَا بِيَقِينٍ فَلَا تَرْتَفِعُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِالشَّكِّ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِدَلَالَةِ الْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ عَلَيْهِ مِثْلُ «قَوْلِهِ ﵇ لِمَارِيَةَ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» .
وَقَوْلُهُ ﵇ «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. وَمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵀ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ وَأَنْ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ» . وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُنَادِي عَلَى الْمِنْبَرِ إلَّا أَنَّ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَرَامٌ وَلَا رِقَّ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا وَقَدْ تَلَقَّاهَا الْقَرْنُ الثَّانِي بِالْقَبُولِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهَا فَكَانَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ فَكَانَ مَرْدُودًا. وَمِثْلُ الْقَوْلِ بِالْقِصَاصِ فِي الْقَسَامَةِ. إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ وَلَا يُدْرَى قَاتِلُهُ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عِنْدَنَا وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِحَالٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إنْ كَانَ بَيْنَ الْقَتِيلِ وَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ لَوَثٌ وَهُوَ مَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي وَالسَّامِعِ صِدْقُ الْمُدَّعِي يُؤْمَرُ الْوَلِيُّ بِأَنْ يُعَيِّنَ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا فَإِذَا حَلَفَ يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ الْقَاتِلِ.
مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ «قَوْلِهِ ﵇ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الَّذِي وُجِدَ فِي خَيْبَرَ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» الْحَدِيثُ أَيْ دَمَ قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ. وَحُجَّةُ مَنْ أَبَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَسَامَةِ الْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ
стр. 1462
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَهُوَ الْجَهْلُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ لَكِنْ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ بِوُضُوءٍ وَعِنْدَهُ أَنَّ الظُّهْرَ قَدْ أَجْزَأَهُ فَالْعَصْرُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَضَى الظُّهْرَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْعَصْرَ أَجْزَأَ عَنْهُ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فِي تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى الْيَهُودِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» . وَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي وَجَدْت أَخِي قَتِيلًا فِي بَنِي فُلَانٍ فَقَالَ اخْتَرْ مِنْ شُيُوخِهِمْ خَمْسِينَ رَجُلًا فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا فَقَالَ وَلَيْسَ لِي مِنْ أَخِي إلَّا هَذَا قَالَ نَعَمْ وَلَك مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَفِي الْحَدِيثِ. أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ وِدَاعَةَ وَأَرْحَبَ وَكَانَ إلَى وِدَاعَةَ أَقْرَبُ فَقَضَى عُمَرُ ﵁ عَلَيْهِمْ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ فَقَالُوا لَا أَيْمَانُنَا تَدْفَعُ عَنْ أَمْوَالِنَا وَلَا أَمْوَالُنَا تَدْفَعُ عَنْ أَيْمَانِنَا فَقَالَ حَقَنْتُمْ دِمَاءَكُمْ بِأَيْمَانِكُمْ وَأُغَرِّمُكُمْ الدِّيَةَ بِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهَا مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَكَانَ مَرْدُودًا وَمِثْلُ اسْتِبَاحَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ «تَسْمِيَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ بِالنِّسْيَانِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
وَمِثْلُ إيجَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي عَمَلًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَضَى بِذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِانْقِطَاعِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا. فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَظَائِرِهَا إنْ اعْتَمَدَ الْخَصْمُ عَلَى الْقِيَاسِ فَهُوَ مِنْهُ عَمَلٌ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، وَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ عَمَلٌ مِنْهُ بِالْغَرِيبِ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِمَا أَوْ خِلَافِ أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ فَاسِدًا. لِأَنَّا أُمِرْنَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِعُذْرٍ أَصْلًا أَيْ أُمِرْنَا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْعَمَلُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَمِنْ الْمُنْكَرِ مُخَالَفَتُهُمَا أَوْ مُخَالَفَةُ أَحَدِهِمَا وَمِنْ النَّصِيحَةِ الْإِرْشَادُ إلَى الصَّوَابِ وَإِظْهَارُ الْحَقِّ بِالْمُنَاظَرَةِ وَإِقَامَةُ الدَّلِيلِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى الْخَصْمِ الطَّلَبُ وَالْقَبُولُ فَلَا يَكُونُ جَهْلُهُ عُذْرًا بِوَجْهٍ. وَعَلَى هَذَا وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ بَاطِلٌ يُبْتَنَى مَا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يَنْفُذُ فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ الْعَمَلُ بِخِلَافِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ عُدِمَ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُجْتَهَدَاتِ يَنْفُذُ
[الْجَهْلُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الْجَهْلُ الَّذِي يَصْلُحُ شُبْهَةً فَهُوَ الْجَهْلُ فِي مَوْضِعٍ تَحَقَّقَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالصَّحِيحِ. أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ أَيْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَلَكِنَّهُ مَوْضِعُ الِاشْتِبَاهِ. صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَعْنِي غَيْرَ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْوُضُوءِ. ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَى وُضُوءٍ ذَاكِرًا لِذَلِكَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الظُّهْرَ أَجْزَأَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْوُضُوءِ فِيهِ فَالْعَصْرُ فَاسِدَةٌ كَالظُّهْرِ عِنْدَنَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ بِجَوَازِ الظُّهْرِ جَهْلٌ وَاقِعٌ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ ظُهْرَهُ فَاسِدٌ بِلَا خِلَافٍ فَكَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي لَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ.
وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ﵀ يَقُولُ إنَّمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1463
وَقَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ فِيمَنْ قُتِلَ وَلَهُ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ قَتَلَهُ الثَّانِي وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْقِصَاصَ بَاقٍ لَهُ عَلَى الْكَمَالِ وَأَنَّهُ وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِصَاصٌ كَامِلٌ فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ وَفِي حُكْمٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ. وَكَانَ زُفَرُ ﵀ يَقُولُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّاسِي لِلْفَائِتَةِ فَيُجْزِيه فَرْضُ الْوَقْتِ. وَلِأَنَّ الْعَصْرَ لَوْ لَمْ يَجُزْ إنَّمَا لَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَكَانَ ظَنُّهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَيُعْتَبَرُ.
لَكِنَّا نَقُولُ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا قَدْ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ نَاسِيًا فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِأَدَاءِ الْفَائِتَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا وَهُوَ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ فَمُجَرَّدُ ظَنِّهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ. فَإِنْ قَضَى الظُّهْرَ وَحْدَهَا وَهَذَا الْفَرْعُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ إيرَادِ هَذَا الْمِثَالِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْعَصْرَ أَجْزَأَتْهُ جَازَ الْمَغْرِبُ وَيُعِيدُ الْعَصْرَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ بِجَوَازِ الْعَصْرِ جَهْلٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فِي تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فَإِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ خِلَافٌ مُعْتَبَرٌ فَكَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ فَسَادَ الظُّهْرِ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ فَسَادٌ قَوِيٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَكَانَتْ مَتْرُوكَةً بِيَقِينٍ فَيَظْهَرُ أَثَرُ الْفَسَادِ فِيمَا يُؤَدِّي بَعْدَهَا وَلَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهْلِ فَأَمَّا فَسَادُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فَضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا تَكُونُ مَتْرُوكَةً بِيَقِينٍ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فِي مَتْرُوكَةٍ بِيَقِينٍ عِلْمًا وَعَمَلًا وَهُوَ كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا) إلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ الدَّمُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ عَمْدًا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعَفْوِ الشَّرِيكِ أَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فِي مَالِهِ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا عَلِمَ الْآخَرُ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ أَوْ لَمْ يَشْتَبِهْ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ الظَّنِّ فِي حَقِّ الْآخَرِ وَالظَّنُّ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ سَبَبٌ كَمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ ثُمَّ جَاءَ وَلِيُّهُ حَيًّا كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وَمَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ ظَاهِرًا وَالظَّاهِرُ يَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِالْعَفْوِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ غَيْرُ نَافِذٍ وَسُقُوطُ الْقَوَدِ عِنْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى خَفِيٍّ وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ فَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُكْمٌ قَدْ يَشْتَبِهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الظَّاهِرِ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ ظَهَرَ الْمُسْقِطُ عِنْدَهُ وَأَقْدَمَ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ الْقَوَدُ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ كَمَا لَوْ رَمَى إلَى شَخْصٍ ظَنَّهُ كَافِرًا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَإِذَا سَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ ثُمَّ يُحْسَبُ لَهُ مِنْهَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ لَأَنْ يَعْفُوَ الشَّرِيكُ وَجَبَ لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْمَقْتُولِ فَيَصِيرُ نِصْفُ الدِّيَةِ قِصَاصًا بِالنِّصْفِ وَيُؤَدِّي مَا بَقِيَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
فَعَلَى هَذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ مَا لَا يَتَجَزَّأُ لِاثْنَيْنِ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ لَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ بَقَاءَ وِلَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ أَمْرٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ كَمَا أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَمْرٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ.
وَذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا ثَبَتَ
стр. 1464
وَكَذَلِكَ صَائِمٌ احْتَجَمَ ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْحِجَامَةَ فَطَّرَتْهُ وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا قُلْنَا وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
لِاثْنَيْنِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِقَتْلِهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى لَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْآخَرِ قَتْلُهُ. فَعَلَى هَذَا كَانَ سُقُوطُ الْقِصَاصِ بِعَفْوِ الْبَعْضِ أَمْرًا مُجْتَهَدًا فِيهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ صَحِيحًا فَلَا يَحْتَاجُ كَلَامُ الشَّيْخِ إلَى تَأْوِيلٍ. وَفِي حُكْمٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ يَعْنِي بَعْدَمَا حَصَلَ جَهْلُهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ حَصَلَ فِي حُكْمٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فَكَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْجَهْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالْوَلِيِّ الْقَاتِلُ فِي أَنَّ الْجَهْلَ يَصْلُحُ شُبْهَةً. صَائِمٌ احْتَجَمَ ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْحِجَامَةَ فِطْرَتُهُ. وَظَنَّ أَنَّ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أَيْ تَقْدِيرِ أَنَّ الْحِجَامَةَ فِطْرَتُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِفْطَارِ بَعْدَهَا.
أَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَكْلِ بَعْدَ حُصُولِ الْإِفْطَارِ بِالْحِجَامَةِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ. وَقَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا مُتَعَلِّقٌ بِكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ جَوَابَهَا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ صَرِيحًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا يَعْنِي وَكَمَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِجَهْلِ الْوَلِيِّ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِجَهْلِ صَائِمٍ إلَى آخِرِهِ لِمَا قُلْنَا إنَّ حُصُولَ الْجَهْلِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ وَفِي حُكْمٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ مُعْتَبَرٌ، وَظَنُّ هَذَا الصَّائِمِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، إذْ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ بِفَسَادِ الصَّوْمِ بِالْحِجَامَةِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِهِ ﵇ حِين «رَأَى رَجُلَيْنِ حَجَمَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» . وَفِي مَوْضِعٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْعُقُوبَةِ فِيهَا عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَظَنِّي أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ زِيَادَةٌ وَقَعَتْ مِنْ الْكَاتِبِ وَأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ وَلِمَا قُلْنَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مُسْتَقِيمٌ مُتَّضِحٌ بِدُونِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ. ثُمَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالظَّنِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِمُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ احْتَجَمَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ ثُمَّ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ عَالِمًا وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ نَسَخَهُ أَوْ بَلَغَهُ وَعَرَفَ تَأْوِيلَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ ظَنَّهُ حَصَلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَإِنَّ انْعِدَامَ رُكْنِ الصَّوْمِ بِوُصُولِ الشَّيْءِ إلَى بَاطِنِهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَفَسَادُهُ بِالِاسْتِقَاءِ وَالْحَيْضِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ ظَنُّهُ مُجَرَّدَ جَهْلٍ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
فَإِنْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفِقْهُ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ فَأَفْتَاهُ بِالْفَسَادِ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى الْمُفْتِي إذَا كَانَ الْمُفْتِي مِمَّنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفِقْهُ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتَوَاهُ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا فِيمَا يُفْتِي؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلْعَامِّيِّ سِوَى هَذَا فَكَانَ مَعْذُورًا فِيمَا صَنَعَ وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمَعْذُورِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَفْتِ وَلَكِنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ وَلَمْ يَعْرِفْ نَسْخَهُ وَلَا تَأْوِيلَهُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا لَا يَكُونُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ الْفَتْوَى إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ فَيَصِيرُ شُبْهَةً. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵁ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَخْبَارِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا وَنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا مُفَوَّضٌ إلَى الْفُقَهَاءِ فَلَيْسَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَأْخُذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ مَنْسُوخًا إنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْفُقَهَاءِ وَالسُّؤَالُ عَنْهُمْ فَإِذَا لَمْ يَسْأَلْ فَقَدْ قَصَّرَ فَلَا يُعْذَرُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَيْضًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الظَّنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِدُونِ اعْتِمَادِهِ عَلَى فَتْوَى أَوْ حَدِيثٍ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَأَنَّ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ
стр. 1465
وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةِ وَالِدِهِ وَظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ فَيَصِيرُ الْجَهْلُ وَالتَّأْوِيلُ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ شُبْهَةً فِي الْحُدُودِ دُونَ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ وَكَذَلِكَ حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ وَدَخَلَ دَارَنَا فَشَرِبَ الْخَمْرَ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ لَمْ يُحَدَّ بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِحُرْمَتِهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ هَذَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَصِيرُ شُبْهَةً؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ) بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْجَهْلُ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ أَيْ الِاشْتِبَاهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّبْهَةَ الدَّارِئَةَ لِلْحَدِّ نَوْعَانِ شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ مِنْ الِاشْتِبَاهِ.
وَشُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ الدَّلِيلِ وَالشُّبْهَةَ الْحُكْمِيَّةَ فَالْأَوْلَى هِيَ أَنْ يَظُنَّ الْإِنْسَانُ مَا لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحِلِّ دَلِيلًا فِيهِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الظَّنِّ لِيَتَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُوجَدَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهِ عَنْهُ لِمَانِعٍ اتَّصَلَ بِهِ وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى ظَنِّ الْجَانِي وَاعْتِقَادِهِ فَمِنْ هَذَا الْقَسَمِ مَا لَوْ وَطِئَ الْأَبُ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَهُوَ قَائِمٌ فَلَا يَفْتَرِقُ فِي الْحَالِ بَيْنَ الظَّنِّ وَعَدَمِهِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَا إذَا وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ وَجَارِيَةَ أُمِّهِ أَوْ وَطِئَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ فَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الزِّنَا قَدْ تَقَرَّرَ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ قَالَا عَلِمْنَا بِالْحُرْمَةِ يَلْزَمُهُمَا الْحَدُّ فَلَوْ سَقَطَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِالظَّنِّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا كَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ تَمَكَّنَتْ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ مِنْ وَجْهٍ مَالٌ لِزَوْجٍ.
وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ وَلِأَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ فَرُبَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ أَنَّ حَالَ جَارِيَتِهَا كَحَالِهَا وَكَذَا فِي جَارِيَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ قَدْ يَشْتَبِهُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْلَاكَ مُتَّصِلَةٌ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْمَنَافِي دَائِرَةٌ وَالْوَلَدُ جُزْءُ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَرُبَّمَا يَشْتَبِهُ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ حَلَالًا لِلْأَصْلِ تَكُونُ حَلَالًا لِلْجُزْءِ أَيْضًا فَيَصِيرُ الْجَهْلُ أَيْ الْجَهْلُ بِالْحُرْمَةِ وَالتَّأْوِيلُ أَيْ تَأْوِيلُ أَنَّ الْجَارِيَةَ تَحِلُّ لِي كَمَا تَحِلُّ نَفْسُ الْمَرْأَةِ وَكَمَا تَحِلُّ جَارِيَتِي لِأَبِي بِالتَّمَلُّكِ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الِاشْتِبَاهِ مُؤَثِّرَةٌ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَقَوْمٍ سُقُوا عَلَى مَائِدَةٍ خَمْرًا فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَمْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا يُحَدُّ دُونَ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ يَعْنِي يَثْبُتُ النَّسَبُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ وَإِنْ ادَّعَاهُ وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ زِنًا فِي نَفْسِهِ فَيَمْنَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ وَوُجُوبَ الْعِدَّةِ وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ لِلِاشْتِبَاهِ بِخِلَافِ الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَيَجِبُ بِهَا الْعِدَّةُ كَمَا يَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَمَحَّضَ زِنًا نَظَرًا إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ لِهَذَا لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ الْجَهْلُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَمْلَاكِ بَيْنَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ عَادَةً فَلَا يَكُونُ هَذَا مَحَلَّ الِاشْتِبَاهِ فَلَا يَصِيرُ الْجَهْلُ شُبْهَةً.
وَكَذَلِكَ أَيْ كَمَا لَا يُحَدُّ الْوَلَدُ بِوَطْءِ جَارِيَةِ أَبِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ وَيَصِيرُ جَهْلُهُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ لَا يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ وَدَخَلَ دَارَنَا فَشَرِبَ الْخَمْرَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ يَصِيرُ جَهْلُهُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى ظَانًّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ ظَانًّا أَنَّهَا حَلَالٌ حَيْثُ يُحَدَّانِ جَمِيعًا وَهَذَا أَيْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْنَ الزِّنَا فِي الْحَرْبِيِّ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ الْجَهْلَ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ
стр. 1466
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَهُوَ الْجَهْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ أَنَّهُ يَكُونُ عُذْرًا فِي الشَّرَائِعِ حَتَّى إنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ النَّازِلَ خَفِيَ فَيَصِيرُ الْجَهْلُ بِهِ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ وَإِنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْخِطَابُ فِي أَوَّلِ مَا يَنْزِلُ فَإِنْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ كَانَ مَعْذُورًا مِثْلَ مَا رَوَيْنَا فِي قِصَّةِ أَهْلِ قُبَا وَقِصَّةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةُ فَأَمَّا إذَا انْتَشَرَ الْخِطَابُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ تَمَّ التَّبْلِيغُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَمَنْ جَهِلَ مِنْ بَعْدُ فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِهِ لَا مِنْ قِبَلِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ فَلَا يُعْذَرُ كَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَاءَ فِي الْعُمْرَانِ وَلَكِنَّهُ تَيَمَّمَ وَالْمَاءُ مَوْجُودٌ فَصَلَّى لَمْ يُجْزِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
يَصْلُحُ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَجَهْلُ الْحَرْبِيِّ بِحُرْمَةِ الْخَمْرِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالْخِطَابِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَدَارُهُمْ دَارُ الْجَهْلِ وَضَيَاعِ الْأَحْكَامِ فَيَصْلُحُ جَهْلُهُ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ.
فَأَمَّا جَهْلُهُ بِحُرْمَةِ الزِّنَا فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْعِلْمُ بِحُرْمَتِهِ عَلَى بُلُوغِ خِطَابِ الشَّرْعِ لِتَحَقُّقِ حُرْمَتِهِ قَبْلَهُ فَلَا يَصْلُحُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَكَذَا جَهْلُ الذِّمِّيِّ بِحُرْمَةِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ شَائِعٌ فِيهَا فَلَمْ يَصِرْ جَهْلُهُ شُبْهَةً لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهِ مَحَلَّهُ بَلْ الِاشْتِبَاهُ وَقَعَ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ فَلَا يُعْذَرُ
[الْجَهْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ) وَهُوَ الَّذِي يَصْلُحُ عُذْرًا فَهُوَ كَذَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ بِنَاءٌ عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ وَالْقِسْمَ الثَّالِثَ بِنَاءٌ عَلَى اشْتِبَاهِ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ بِالدَّلِيلِ كَذَا قِيلَ فَالْجَهْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ يَكُونُ عُذْرًا فِي الشَّرَائِعِ حَتَّى لَوْ مَكَثَ مُدَّةً وَلَمْ يُصَلِّ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ بِقَبُولِ الْإِسْلَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِهِ وَلَكِنْ قَصُرَ عَنْهُ خِطَابُ الْأَدَاءِ لِجَهْلِهِ بِهِ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ كَالنَّائِمِ إذَا انْتَبَهَ بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْخِطَابَ النَّازِلَ خَفِيَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إلَيْهِ حَقِيقَةً بِالسَّمَاعِ وَلَا تَقْدِيرًا بِاسْتِفَاضَتِهِ وَشُهْرَتِهِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ اسْتِفَاضَةِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ.
فَيَصِيرُ الْجَهْلُ بِالْخِطَابِ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا جَاءَ الْجَهْلُ مِنْ قِبَلِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالْخِطَابِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي الْخَفَاءِ الْخِطَابُ فِي أَوَّلِ مَا يَنْزِلُ فَإِنَّهُ خَفِيٌّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ اسْتِفَاضَتِهِ بَيْنَهُمْ فَيَصِيرُ الْجَهْلُ بِهِ عُذْرًا مِثْلُ مَا رُوِّينَا بِضَمِّ الرَّاءِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ فَإِنَّهُمْ صَلُّوا صَلَاةَ الظُّهْرِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ نُزُولِ فَرْضِ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَافْتَتَحُوا الْعَصْرَ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ أَيْضًا فَأُخْبِرُوا بِتَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَتَوَجَّهُوا إلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ وَجَوَّزَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الشَّيْخُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا تَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا كَيْفَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ مِنْ إخْوَانِنَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقِصَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَإِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَشَرِبُوا بَعْدَ التَّحْرِيمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحُرْمَتِهَا فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةُ وَعَنْ ابْنِ كَيْسَانَ «لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَقَدْ شَرِبُوا الْخَمْرَ وَأَكَلُوا الْمَيْسِرَ وَكَيْفَ بِالْغَاصِبِينَ عَنَّا فِي الْبُلْدَانِ لَا يَشْعُرُونَ بِتَحْرِيمِهَا وَهُمْ يَطْعَمُونَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] » أَيْ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ فِي الْبُلْدَانِ إثْمٌ فِيمَا طَعِمُوا مِنْ الْخَمْرِ وَالْقِمَارِ إذَا مَا اتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سِوَاهُمَا.
وَقِيلَ اتَّقَوْا الشِّرْكَ وَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي إيمَانِهِمْ ثُمَّ اتَّقَوْا يَعْنِي الْأَحْيَاءُ فِي الْبُلْدَانِ الْخَمْرَ وَالْقِمَارَ
стр. 1467
وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ وَجَهْلُ الْمَأْذُونِ بِالْإِذْنِ يَكُونُ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ ضَرْبُ إيجَابٍ وَإِلْزَامٍ فَلَا بُدَّ مِنْ عَمَلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُبَلِّغُهُ الْعَدَالَةُ وَإِنْ كَانَ فُضُولِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ مَحْضٍ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ وَجَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ وَجَهْلُ الْمَأْذُونِ بِالْحَجْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا جَاءَهُمْ تَحْرِيمُهَا وَآمَنُوا صَدَّقُوا بِتَحْرِيمِهَا ثُمَّ اتَّقَوْا مَا تَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هَذَا بِنَصٍّ يَرِدُ فِي التَّحْرِيمِ لِبَعْضِ مَا أُحِلَّ لَهُمْ وَأَحْسَنُوا فِيمَا تَعَبَّدَهُمْ اللَّهُ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فَهَذَا مَعْنَى ذِكْرِ التَّقْوَى ثَلَاثًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الِائْتِمَارُ قَبْلَ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ يُعْذَرُ، فَأَمَّا إذَا انْتَشَرَ الْخِطَابُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ تَمَّ التَّبْلِيغُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّبْلِيغُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ إنَّمَا الَّذِي فِي وُسْعِهِ الْإِشَاعَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ نَفْسَهُ مُبَلِّغًا إلَى الْكَافَّةِ يَبْعَثُ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ إلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ حَتَّى كَانَ يَقُولُ أَلَا هَلْ بَلَغْت اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ فَعُلِمَ أَنَّ التَّبْلِيغَ يَتِمُّ بِاشْتِهَارِ الْخِطَابِ وَاسْتِفَاضَتِهِ فَمَنْ جَهِلَ مِنْ بَعْدِ شُهْرَتِهِ فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِهِ أَيْ اُبْتُلِيَ بِالْجَهْلِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُقَالُ مِنْ هَاهُنَا أُتِيت أَيْ مِنْ هَاهُنَا دَخَلَ عَلَيْك الْبَلَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ وَهَلْ أُتِيت إلَّا مِنْ الصَّوْمِ أَيْ وَهَلْ أَتَانِي الْمَحْذُورُ إلَّا مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ صَارَ مُتَيَسِّرَ الْإِصَابَةِ بِالِاشْتِهَارِ لَا مِنْ قِبَلِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ.
فَلِذَلِكَ قُلْنَا إذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَكَثَ مُدَّةً وَلَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِهَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ شُيُوعِ الْأَحْكَامِ وَيَرَى شُهُودَ النَّاسِ الْجَمَاعَاتِ وَيُمْكِنُهُ السُّؤَالُ عَنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَتَرْكُ السُّؤَالِ وَالطَّلَبِ تَقْصِيرٌ مِنْهُ فَلَا يُعْذَرُ كَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَاءَ فِي الْعُمُرِ ظَانًّا أَنَّ الْمَاءَ مَعْدُومٌ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى وَالْمَاءُ مَوْجُودٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي تَرْكِ الطَّلَبِ فِي مَوْضِعِ الْمَاءِ غَالِبًا بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ الطَّلَبَ فِي الْمَفَازَةِ عَلَى ظَنِّ عَدَمِ الْمَاءِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى حَيْثُ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَصِّرٍ بِتَرْكِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَبُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَالْمَاءُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْوَاقِعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَجَهْلِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ وَجَهْلُ الْمَأْذُونِ بِالْإِذْنِ يَكُونُ عُذْرًا حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَا قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِمَا لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْمَوْلَى.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ شَيْءٍ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ حَتَّى فَسَدَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ يَصِحُّ وَبَعْدَ الْعِلْمِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ بَاعَ مَتَاعًا لِلْمُوَكِّلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ لِأَنَّ فِيهِ أَيْ فِي التَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ ضَرْبَ إيجَابٍ وَإِلْزَامٍ حَيْثُ يَلْزَمُهُمَا حُقُوقُ الْعَقْدِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَنَحْوِهِمَا وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ شِرَاءُ شَيْءٍ وُكِّلَ بِشِرَائِهِ بِعَيْنِهِ وَبَيْعُ شَيْءٍ وُكِّلَ بَيْعُهُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيُطَالِبُ الْعَبْدُ بِعُهْدَةِ تَصَرُّفَاتِهِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَكُنْ مُطَالِبًا بِهَا قَبْلَ الْإِذْنِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ وَالْحَجْرِ فِي حَقِّهِمَا قَبْلَ الْعِلْمِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَكَالَةِ وَالْإِذْنِ لِذَلِكَ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ لَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهِ مَعَ كَمَالِ وِلَايَتِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَأَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ قَاصِرُ الْوِلَايَةِ كَانَ أَوْلَى.
إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُبَلِّغُ الْوَكِيلَ أَوْ الْعَبْدَ أَوْ يُبَلِّغُ الْإِذْنَ أَوْ الْوَكَالَةَ إلَيْهِمَا الْعَدَالَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْمُبَلِّغُ فُضُولِيًّا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ أَوْ الْإِذْنَ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ مَحْضٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ
стр. 1468
وَجَهْلُ مَوْلَى الْعَبْدِ الْجَانِي فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَجَهْلُ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ يَكُونُ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ خَفِيٌّ وَفِيهِ إلْزَامٌ فَشَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الَّذِي يُبَلِّغُهُ مِنْ غَيْرِ رِسَالَةٍ الْعَدَالَةَ أَوْ الْعَدَدَ وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْمَرْأَةِ الْبِكْرِ بِإِنْكَاحِ الْوَلِيِّ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي تَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ إلَى الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُبَلِّغُ رَسُولَ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ إذَا أُعْتِقَتْ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْإِعْتَاقِ يُجْعَلُ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ خَفِيٌّ فِي حَقِّهَا
ــ
[كشف الأسرار]
إلْزَامٌ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا بَلْ هُوَ أَيْ الْوَكِيلُ أَوْ الْعَبْدُ يُخَيَّرُ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ وَالْإِذْنِ، وَتَحَقُّقُ مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يُخِلُّ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ بِوَجْهٍ فَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ شَرَائِطِ الْإِلْزَامِ أَيْ الشَّهَادَةِ وَجَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ وَجَهْلُ الْمَأْذُونِ بِالْحَجْرِ عُذْرٌ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَلُزُومِ الضَّرَرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِحَّةِ الْعَزْلِ وَالْحَجْرِ إذْ الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ عَلَى أَنْ يَلْزَمَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْعَبْدُ يَتَصَرَّفُ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ وَبِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ يَلْزَمُ التَّصَرُّفُ عَلَى الْوَكِيلِ وَيَتَأَخَّرُ دَيْنُ الْعَبْدِ إلَى الْعِتْقِ وَيُؤَدِّي بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ وَفِيهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ (وَجَهْلُ مَوْلَى الْعَبْدِ الْجَانِي فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَبْدِ إذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَإِذَا تَصَرَّفَ الْمَوْلَى فِي هَذَا الْجَانِي بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهِمَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِجِنَايَتِهِ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَهُوَ الْأَرْشُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ حَتَّى تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْقِيمَةِ وَمِنْ الْأَرْشِ وَيَصِيرُ جَهْلُهُ بِالْجِنَايَةِ عُذْرًا وَجَهْلُ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ أَيْ بِسَبَبِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ يَكُونُ عُذْرًا حَتَّى إذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ بَعْدَ زَمَانٍ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَيْ دَلِيلَ الْعِلْمِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ خَفِيٌّ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَكُونُ مَشْهُورَةً وَيَسْتَبِدُّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَزْلِ وَالْمَوْلَى بِالْحَجْرِ وَالْعَبْدُ بِالْجِنَايَةِ وَصَاحِبُ الدَّارِ بِالْبَيْعِ فَأَنَّى يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْوَكِيلِ وَالْعَبْدِ وَالْمَوْلَى وَالشَّفِيعِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَفِيهِ أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ إلْزَامُ ضَرَرٍ حَيْثُ يَلْزَمُ التَّصَرُّفُ بِالْعَزْلِ عَلَى الْوَكِيلِ وَتَصِيرُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَتَبْطُلُ وِلَايَةُ الْمَأْذُونِ فِي التَّصَرُّفَاتِ بِالْحَجْرِ وَيَلْزَمُ عَلَى الْمَوْلَى الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ وَيَلْزَمُ عَلَى الشَّفِيعِ ضَرَرُ الْجَارِ بِالْبَيْعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهَا عَلَى الْعِلْمِ كَأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَشَرْطُ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي وَلَمَّا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الَّذِي يَبْلُغُهُ مِنْ غَيْرِ رِسَالَةِ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ كِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ الْإِلْزَامَاتِ الْمَحْضَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ إلَّا أَحَدُ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي اشْتِرَاطِ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ فِي تَبْلِيغِ هَذِهِ الْأُمُورِ قَوْلُهُ فِي تَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ إلَى الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ يَعْنِي تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ أَوْ الْعَدَدُ عِنْدَهُ وَلَا تُشْتَرَطُ عِنْدَهُمَا.
وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ وَالْعَدَالَةُ فِيهَا شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا تُشْتَرَطُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِالتَّبْلِيغِ قَالَ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» فَهَذَا الْمُبَلِّغُ نَظِيرُ الرَّسُولِ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمُوَكِّلِ وَفِي خَبَرِ الرَّسُولِ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمُخْبِرِ فَكَذَا هَذَا وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ جَهْلِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُ مِنْ جَهْلِ الْمَرْأَةِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ بِإِنْكَاحِ الْوَلِيِّ يَكُونُ عُذْرًا حَتَّى لَا يَكُونَ سُكُوتُهَا قَبْلَ الْعِلْمِ رِضًا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعِلْمِ خَفِيٌّ فِي حَقِّهَا لِاسْتِبْدَادِ الْوَلِيِّ بِالْإِنْكَاحِ وَفِيهِ إلْزَامُ حُكْمِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا فَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ فِي الْمُبَلِّغِ عِنْدَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ
стр. 1469
وَلِأَنَّهَا دَافِعَةٌ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ وَقَدْ أَنْكَحَهَا أَخُوهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِالْخِيَارِ لَمْ تُعْذَرْ وَجُعِلَ سُكُوتُهَا رِضًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعِلْمِ فِي حَقِّهَا مَشْهُورٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ وَلِأَنَّهَا تُرِيدُ بِذَلِكَ إلْزَامَ الْفَسْخِ ابْتِدَاءً لَا الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا وَالْمُعْتَقَةُ تَدْفَعُ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا وَلِهَذَا افْتَرَقَ الْخِيَارَانِ فِي شَرْطِ الْقَضَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
عِنْدَهُمَا وَكَانَ قَوْلُهُ مِثْلَهُ وَقَعَ زَائِدًا لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ هُوَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَجَهْلِ هَؤُلَاءِ جَهْلُ الْأُمَّةِ إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَ الزَّوْجِ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِبُرَيْدَةَ حِينَ عَتَقَتْ مَلَكْت بُضْعَك فَاخْتَارِي» وَهُوَ يَمْتَدُّ إلَى آخَرِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِتَخْيِيرِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِتَخْيِيرِ الزَّوْجِ وَيُسَمَّى هَذَا خِيَارَ الْعَتَاقَةِ.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ عَلِمَتْ بِهِ وَلَكِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا شَرْعًا كَانَ الْجَهْلُ مِنْهَا عُذْرًا حَتَّى كَانَ لَهَا مَجْلِسُ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَيْ دَلِيلَ الْعِلْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَفِيٌّ فِي حَقِّهَا أَمَّا فِي الْإِعْتَاقِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُسْتَبِدٌّ بِهِ فَلَا يُمْكِنُهَا الْوُقُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ وَأَمَّا فِي الْخِيَارِ فَلَمَّا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا خَفِيٌّ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ مِنْ النَّاسِ وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى فَلَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَلَا يَقُومُ اشْتِهَارُ الدَّلِيلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَقَامَ الْعِلْمِ وَلِأَنَّهَا دَافِعَةٌ عَنْ نَفْسِهَا لُزُومَ زِيَادَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَالْجَهْلُ يَصْلُحُ عُذْرًا لِلدَّفْعِ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَ أَوْ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ لَهُمَا الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ صَدَرَ مِمَّنْ هُوَ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ وَقَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ الْقُصُورِ فِي امْتِنَاعِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ فَيَثْبُتُ لَهُمَا الْخِيَارُ إذَا مَلَكَا أَمْرَ نَفْسِهِمَا بِالْبُلُوغِ كَالْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَيُسَمَّى هَذَا خِيَارَ الْبُلُوغِ وَهُوَ يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ فِي جَانِبِهَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهَا لِعَدَمِ تَمَامِ الرِّضَاءِ مِنْهَا وَرِضَاءُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ يَتِمُّ بِسُكُوتِهَا شَرْعًا كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَسَكَتَتْ وَلِذَا لَوْ بَلَغَتْ ثَيِّبًا لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا بِالسُّكُوتِ كَمَا لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْغُلَامِ بِهِ.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالنِّكَاحِ وَقْتَ الْبُلُوغِ كَانَ الْجَهْلُ مِنْهَا عُذْرًا لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ إذْ الْوَلِيُّ مُسْتَبِدٌّ بِالْإِنْكَاحِ وَإِنْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْخِيَارِ لَمْ تُعْذَرْ وَجُعِلَ سُكُوتُهَا رِضَاءً؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعِلْمِ بِالْخِيَارِ فِي حَقِّهَا مَشْهُورٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ لِاشْتِهَارِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ التَّعَلُّمِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ خِيَارُ الْبُلُوغِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَلِظُهُورِهِ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي إنْكَاحِ الْأَبِ أَيْضًا وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ بِشَيْءٍ يَمْنَعُهَا عَنْ التَّعَلُّمِ فَكَانَ سَبِيلُهَا أَنْ تَتَعَلَّمَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَا يَتَعَذَّرُ بِالْجَهْلِ وَلِأَنَّهَا أَيْ الصَّغِيرَةُ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَيْ بِالْجَهْلِ بِالْخِيَارِ إلْزَامَ فَسْخِ إنْكَاحٍ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ شُرِعَ لِإِلْزَامِ النَّقْضِ لَا لِلدَّفْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَدْفَعُ ضَرَرًا ظَاهِرًا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا وَالْمَهْرُ وَافِرًا وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَجَانَةً وَفِسْقًا فَثَبَتَ أَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِلْزَامِ فِي حَقِّ الْخَصْمِ الْآخَرِ وَالْجَهْلُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ وَالْمُعْتَقَةُ تَدْفَعُ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا وَالْجَهْلُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ خِيَارَ الْبُلُوغِ لِلْإِلْزَامِ وَخِيَارَ الْمُعْتَقَةِ لِلدَّفْعِ افْتَرَقَ الْخِيَارَانِ فِي شَرْطِ الْقَضَاءِ فَشَرْطُ الْقَضَاءِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَرِثُهُ الْآخَرُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي خِيَارِ الْعِتْقِ بَلْ تَثْبُتُ الْفُرْقَةُ
стр. 1470
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي صَاحِبِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ إذَا فُسِخَ الْعَقْدُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ وُضِعَ لِاسْتِثْنَاءِ حُكْمِ الْعَقْدِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ بِهِ غَيْرَ لَازِمٍ ثُمَّ يُفْسَخُ لِفَوْتِ اللُّزُومِ لَا أَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ لَا مَحَالَةَ فَصَيَّرَ هَذَا بِالْفَسْخِ مُتَصَرِّفًا عَلَى الْآخَرِ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِعِلْمِهِ فَإِنْ بَلَّغَهُ رَسُولُ صَاحِبِ الْخِيَارِ صَحَّ فِي الثُّلُثِ بِلَا شَرْطِ عَدَالَةٍ وَبَعْدَ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ بَلَّغَهُ فُضُولِيٌّ شُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا صَحَّ التَّبْلِيغُ فِي الثَّلَاثِ وَنَفَذَ الْفَسْخُ وَبَعْدَ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ وَبَطَلَ الْفَسْخُ وَأَبُو يُوسُفَ جَعَلَ صَاحِبَ الْخِيَارِ مُسَلَّطًا عَلَى الْفَسْخِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِهِ فَأُضِيفَ مَا يَلْزَمُهُ صَاحِبُهُ إلَى الْتِزَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
بِنَفْسِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ زِيَادَةُ مِلْكِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ قَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا فِي قُرْأَيْنِ وَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهَا تَطْلِيقَتَيْنِ وَقَدْ ازْدَادَ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ وَلَا تَتَوَصَّلَ إلَى دَفْعِ الزِّيَادَةِ إلَّا بِدَفْعِ أَصْلِ الْمِلْكِ فَكَمَا أَنَّ إثْبَاتَ دَفْعِ الْمِلْكِ عِنْدَ عَدَمِ رِضَاهَا يَتِمُّ بِهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ فَكَذَلِكَ دَفْعُ زِيَادَةِ الْمِلْكِ فَأَمَّا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ فَلَا يَزْدَادُ الْمِلْكُ وَإِنَّمَا كَانَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِتَوَهُّمِ تَرْكِ النَّظَرِ مِنْ الْوَلِيِّ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ فَلَا تَتِمُّ الْفُرْقَةُ إلَّا بِالْقَضَاءِ.
فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الدَّفْعَ فِي خِيَارِ الْعَتَاقَةِ ظَاهِرٌ مَقْصُودٌ وَالْإِلْزَامُ ضِمْنِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ الْإِلْزَامُ قَصْدِيٌّ وَالدَّفْعُ مُتَوَهَّمٌ ضِمْنِيٌّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ مَا فِيهِ إلْزَامٌ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ عِلْمِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي صَاحِبِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ مُشْتَرِيًا كَانَ أَوْ بَائِعًا إذَا فَسَخَ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ أَيْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْفَسْخَ لَا يَصِحُّ وَلَهُ أَنْ يَرْضَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْآخَرُ بِفَسْخِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ تَمَّ الْفَسْخُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْضَى بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ ذَلِكَ الْفَسْخُ وَتَمَّ الْبَيْعُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فَسْخُهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ خَالِصُ حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَاءُ صَاحِبِهِ فِي تَصَرُّفِهِ بِحُكْمِ الْخِيَارِ وَمُوجِبُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ أَوْ الْإِجَازَةُ ثُمَّ الْإِجَازَةُ تَتِمُّ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْآخَرِ كَمَا تَتِمُّ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَذَا الْفَسْخُ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يُشْتَرَطُ لِلْفَسْخِ لَا لِلنَّفَاذِ إذْ النَّفَاذُ ثَابِتٌ بِدُونِ الْخِيَارِ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِمُسَاعَدَةِ صَاحِبِهِ عَلَى الشَّرْطِ صَارَ مُسَلَّطًا عَلَى الْفَسْخِ مِنْ جِهَتِهِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ فِي تَصَرُّفِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ عَلَى عِلْمِهِ كَالْوَكِيلِ إذَا تَصَرَّفَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَكَالْمُخَيَّرَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الزَّوْجِ بِأَنْ بَلَغَهَا الْخَبَرُ وَهِيَ غَائِبَةٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ عَزْلِ الْوَكِيلِ حَيْثُ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ مَا تَسَلَّطَ عَلَى عَزْلِهِ بِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ الْوَكِيلِ وَبِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَاكَ غَيْرُ مُسَلَّطٍ عَلَى الْفَسْخِ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ فَإِذَا تَحَقَّقَ عَجْزُ الْبَائِعِ عَنْهُ تَمَكَّنَ مِنْ الْفَسْخِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ بِالْفَسْخِ يَلْزَمُ غَيْرُهُ حُكْمًا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَالْمُوَكِّلِ إذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ حَالَ غَيْبَتِهِ يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْخِيَارَ وُضِعَ فِي الشَّرْعِ لِاسْتِثْنَاءِ حُكْمِ الْعَقْدِ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ أَيْ يَمْنَعُ حُكْمَ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمِلْكُ عَنْ الثُّبُوتِ لِعَدَمِ رِضَاءِ صَاحِبِ الْخِيَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَوْ الْخِيَارَ دَاخِلٌ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ بِالْمَنْعِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي صَدْرِ الْكَلَامِ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ بِهِ أَيْ بِاسْتِثْنَاءِ الْحُكْمِ وَامْتِنَاعِهِ عَنْ الثُّبُوتِ أَوْ بِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ غَيْرَ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ لِفَوَاتِ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَاءِ أَثَرٌ فِي سَلْبِ اللُّزُومِ عَنْ الْعَقْدِ كَمَا فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَالْهَازِلِ ثُمَّ يَفْسَخُ سَائِرَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنْ الْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ لَا أَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ لَا مَحَالَةَ يَعْنِي لَا أَنْ يَكُونَ شُرِعَ الْخِيَارُ لِأَجْلِ الْفَسْخِ قَصْدًا بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إذْ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْفَسْخِ لَا مَحَالَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا ضِدُّ الْفَسْخِ وَكَيْفَ يَكُونُ لِلْفَسْخِ وَفِيهِ سَعْيٌ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ
стр. 1471
(فَصْلٌ فِي السُّكْرِ) (وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي) (السُّكْرُ) نَوْعَانِ سُكْرٌ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ وَسُكْرٌ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ أَمَّا السُّكْرُ بِالْمُبَاحِ مِثْلُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إذَا شَرِبَ مِنْهَا مَا يَرُدُّ بِهِ الْعَطَشَ فَسَكِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَرِبَ دَوَاءً فَسَكِرَ بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
جِهَتِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى الْعَقْدِ وَإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَا عَلَى الْفَسْخِ وَالْفَسْخُ ضِدُّ الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبُهُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ لَصَحَّ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِيهَا إذْ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهَا بِدُونِ عِلْمِ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَحَيْثُ لَمْ يَصِحَّ عَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَهُ رَفْعُ صِفَةِ اللُّزُومِ فَقَطْ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ إنَّ الْخِيَارَ كَانَ ثَابِتًا لِلْعَاقِدِ فِي أَصْلِ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ جَمِيعًا فَاسْتِثْنَاءُ أَحَدِ الْخِيَارَيْنِ لِيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ لَا يَكُونُ بِإِيجَابِ الْغَيْرِ لَهُ ذَلِكَ وَتَسْلِيطُهُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ إلَّا نِصْفَهُ بَقِيَ النِّصْفُ فِي مِلْكِهِ كَمَا كَانَ لَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْجَبَ لَهُ مِلْكَ النِّصْفِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مُسَاعِدَةَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِعَقْدٍ لَا حُكْمَ لَهُ وَالْعَقْدُ يَقُومُ بِهِمَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا رَضِيَ بِهِ فَامْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْمُثْبِتِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ وِلَايَةَ الْفَسْخِ لَهُ لِانْتِفَاءِ صِفَةِ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ لَا لِلتَّسْلِيطِ فَيَصِيرُ هَذَا أَيْ صَاحِبُ الْخِيَارِ بِالْفَسْخِ مُتَصَرِّفًا عَلَى الْآخَرِ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ أَيْ إلْزَامٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ أَوْ إلْزَامُ الضَّرَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مُعْتَمِدًا عَلَى صَيْرُورَةِ الْعَقْدِ لَازِمًا فَيَضْمَنُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِعِلْمِهِ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ إنَّ الْخِيَارَ وَإِنْ شَابَهُ الِاسْتِثْنَاءَ لَكِنْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُسَاعَدَةِ صَاحِبِهِ فِي ثُبُوتِ الشَّرْطِ فَأَشْبَهَ التَّسْلِيطَ وَهُمَا نَظَرَا إلَى الْحَقِيقَةِ فَقَالَا لَمَّا كَانَ الْخِيَارُ اسْتِثْنَاءً وَهُوَ مَنْعُ الثُّبُوتِ وَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ يَعْنِي بِمَعْنًى مِنْ الْآخَرِ كَانَ حَقُّ الْفَسْخِ غَيْرَ مُسْنَدٍ إلَى تَسْلِيطِ الْآخَرِ فَشَابَهُ عَزْلَ الْوَكِيلِ فَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ.
فَإِنْ قِيلَ فَائِدَةُ الْخِيَارِ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْعَقْدِ إلَّا بِرِضَاهُ وَفِي التَّوْقِيفِ عَلَى عِلْمِ صَاحِبِهِ إضْرَارٌ بِهِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ مُقَدَّرَةٌ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَغِيبَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَتَفُوتَ فَائِدَةُ شَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُهُ بِدُونِ رِضَاهُ قُلْنَا إنَّ التَّصَرُّفَ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى شَرْطِهِ فَامْتِنَاعُ نَفَاذِهِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ لَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْإِضْرَارِ كَالْمُوَكِّلِ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ وَتَدَارُكَ حَقِّهِ فِيمَا بَدَا لَهُ مِنْ الْعَزْلِ لِعَدَمِ شَرْطِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِلَا شَرْطِ عَدَالَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَلِ وَبَعْدَ الثُّلُثِ لَا يَصِحُّ أَصْلًا كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِنَفْسِهِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ بَلَّغَهُ فُضُولِيٌّ شُرِطَ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِي هَذَا الْخَبَرِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي تَحَقُّقِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِيهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ عَدَدًا وَلَا عَدَالَةً وَنَفَذَ الْفَسْخُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ عِلْمُ صَاحِبِهِ بِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ التَّبْلِيغُ وَإِنْ وُجِدَ الْعَدَدُ وَالْعَدَالَةُ جَمِيعًا لِصَيْرُورَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَا يُمْضِي الْمُدَّةَ وَبَطَلَ الْفَسْخُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَهُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَيُعْتَبَرُ نَفْسُ الْمُدَّةِ ثُلُثًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1472
مِثْلُ الْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ أَوْ شَرِبَ لَبَنًا فَسَكِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا شَرِبَ شَرَابًا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ فَسَكِرَ مِنْهُ حَتَّى لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ فَإِنَّ السُّكْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ فَصَارَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَرَضِ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَذْكُورٌ فِي النَّوَادِرِ.
وَأَمَّا السُّكْرُ الْمَحْظُورُ فَهُوَ السُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ مُحَرَّمٍ، وَكَذَلِكَ السُّكْرُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ أَوْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ الْمَطْبُوخِ الْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّمَا يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْكَرَ مِنْهُ وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَلَهَّى بِهِ فَيَصِيرُ السُّكْرُ مِنْهُ مِثْلَ السُّكْرِ مِنْ الشَّرَابِ الْمُحَرَّمِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ
ــ
[كشف الأسرار]
[فَصْلٌ السُّكْر قسمان] [ الْقَسْم الْأَوَّل السُّكْر بِطَرِيقِ مُبَاح]
فَصْلٌ السُّكْرُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي) يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ قِيلَ هُوَ سُرُورٌ يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ فَيَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِيلَهُ وَلِهَذَا بَقِيَ السَّكْرَانُ أَهْلًا لِلْخِطَابِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَكُونُ مَا حَصَلَ مِنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ مِثْلُ الْأَفْيُونِ مِنْ أَقْسَامِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُرُورٍ وَقِيلَ هُوَ غَفْلَةٌ تَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مَعَ فُتُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهَا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَعِلَّةٍ وَقِيلَ هُوَ مَعْنًى يَزُولُ بِهِ الْعَقْلُ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُزِيلَةِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَقَاؤُهُ مُخَاطَبًا بَعْدَ زَوَالِ الْعَقْلِ يَكُونُ أَمْرًا حُكْمِيًّا ثَابِتًا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ عَلَيْهِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْمُحَرَّمَ لَا أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ بَاقِيًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ وَلَمْ يَبْقَ لِلسَّكْرَانِ مِنْ آثَارِ الْعَقْلِ شَيْءٌ فَلَا يُحْكَمُ بِبَقَائِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْحَكِيمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي نَوَادِرِهِ الْعَقْلُ فِي الرَّأْسِ وَشُعَاعُهُ فِي الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ فَالْقَلْبُ يَهْتَدِي بِنُورِهِ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ وَتَمْيِيزِ الْحَسَنِ مِنْ الْقَبِيحِ فَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ خَلَصَ أَثَرُهَا إلَى الصَّدْرِ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَبَقِيَ الصَّدْرُ مُظْلِمًا فَلَمْ يَنْتَفِعْ الْقَلْبُ بِنُورِ الْعَقْلِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ سُكْرًا؛ لِأَنَّهُ سُكْرٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَمَنْ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ فَيَقُولُ إنَّ السُّكْرَ سَدٌّ وَالْعَقْلُ وَرَاءَ السَّدِّ قَائِمٌ وَالصَّبِيُّ لَمْ يُعْطَ عَقْلَ الْحُجَّةِ وَهُوَ تَمَامُ الْعَقْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ.
قَوْلُهُ (مِثْلُ الْبَنْجِ) ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ بِخَانِ ﵀ فِي فَتَاوِيهِ وَشَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاقِلًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِفِعْلِ الْبَنْجِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْعَقْلِ ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى أَكْلِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَدَاوَى الْإِنْسَانُ بِالْبَنْجِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ عَقْلُهُ مِنْهُ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ (حَتَّى لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ) ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ حَلَالٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى إنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ وَإِنْ سَكِرَ فِي قَوْلِهِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ يَجِبُ الْحَدُّ بِالسُّكْرِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ مِنْهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ مِنْ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَقَعُ بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَانِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْصِيلًا بَيْنَ الْمَطْبُوخِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْعَسَلِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ إنْ كَانَ مَطْبُوخًا أَدْنَى طَبْخَةٍ يَحِلُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ بَعْضُهُمْ يَحِلُّ شُرْبُهُ إلَّا الْقَدَحَ الْمُسْكِرَ.
وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى غَلَى وَاشْتَدَّ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَطْبُوخًا وَفِي رِوَايَةٍ يَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَمْ تُتَّخَذْ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّبْخُ بِخِلَافِ نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَهَذَا
стр. 1473
وَهَذَا السُّكْرُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وَإِنْ كَانَ هَذَا خِطَابًا فِي حَالِ السُّكْرِ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْعَاقِلِ إذَا جُنِنْتَ فَلَا تَفْعَلْ كَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا لَمْ يَسْتَكْثِرْ فَإِنْ اسْتَكْثَرَ حَتَّى سَكِرَ فَالسُّكْرُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَفِي نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ أَلْحَقَهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ قَالَ هُوَ مُتَّخَذٌ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْخَمْرِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ لَبَنِ الرِّمَاكِ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ مِنْ الْعَسَلِ وَالذُّرَةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مُعْتَقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَقٍ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ فِي النَّوَادِرِ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ شَرِبَ النِّيءَ مِنْهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ لَا يَحِلُّ.
وَذَكَرَ الدَّلَائِلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْفَانِيذِ وَالْكُمَّثْرَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَوْ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْحَدَّ كَانَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَلَهَّى بِهِ أَوْ السُّكْرُ الْحَاصِلُ بِهَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهُوَ الْبَنْجُ وَلَبَنُ الرِّمَاكِ وَالْأَفْيُونُ مَذْكُورٌ فِي النَّوَادِرِ فَأَمَّا الْمُتَّخَذُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ فَمَذْكُورٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمَبْسُوطِ.
[الْقَسْم الثَّانِي السُّكْر بِطَرِيقِ غَيْر مُبَاح]
قَوْلُهُ (وَكَذَا السُّكْرُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ) عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالنَّارِ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ ثُمَّ رُقِّقَ بِالْمَاءِ وَتُرِكَ حَتَّى اشْتَدَّ يُسَمَّى مُثَلَّثًا وَيَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِاسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ وَالتَّدَاوِي وَالتَّقَوِّي دُونَ التَّلَهِّي وَاللَّعِبِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ مِنْهُ يَجِبُ الْحَدُّ وَإِنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ مِنْهُ وَبَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ وَنَقِيعُهُ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ الزَّبِيبُ لِيُخْرِجَ حَلَاوَتَهُ إلَيْهِ ثُمَّ هُوَ إنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى اشْتَدَّ وَغَلَى وَقُذِفَ بِالزُّبْدِ فَهُوَ حَرَامٌ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَإِنْ اشْتَدَّ بَعْدَ مَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةً يَحِلُّ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى هِشَامٌ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ لَا يَحِلُّ كَالْعَصِيرِ فَقَوْلُهُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُثَلَّثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُثَلَّثَ الَّذِي بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّبِيذِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخْلَطُ بِالْمَاءِ لِلتَّرْقِيقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ نَبِيذُ الزَّبِيبِ الْمُثَلَّثِ عَلَى رِوَايَةِ هِشَامٍ وَمِنْ الثَّانِي الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَالشُّرْبُ إلَى السُّكْرِ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِقَوْلِهِ ﵇ «حَرُمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَالْمُعَتَّقُ الْمُشْتَدُّ وَتَعْتِيقُ الْخَمْرِ تَرْكُهَا لِتَصِيرَ عَتِيقَةً أَيْ قَدِيمَةً شَدِيدَةً لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْمُثَلَّثَ أَوْ نَبِيذَ الزَّبِيبِ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَلَهَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّخَذٌ مِنْ الْعِنَبِ كَالْخَمْرِ وَالْفُسَّاقُ يَسْتَعْمِلُونَهُ اسْتِعْمَالَ الْخَمْرِ لِلتَّلَهِّي وَالْفِسْقِ فَيَكُونُ السُّكْرُ مِنْهُ مَحْظُورًا، أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ سَبَبِهِ وَدَعَا الطَّبْعُ إلَى الشَّرَابِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ وَالزَّبِيبُ حَاصِلٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الزَّاجِرِ بِخِلَافِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ قَوْلُهُ (وَهَذَا السُّكْرُ) أَيْ السُّكْرُ الْمَحْظُورُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَإِنْ كَانَ هَذَا خِطَابًا فِي حَالِ سُكْرِهِ بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْخِطَابَ أَيْضًا إذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لَهُ لَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ إذَا سَكِرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ
стр. 1474
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا وَيَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشَّرْيِ وَالْأَقَارِيرِ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ دُونَ الْعِبَارَةِ حَتَّى إنَّ السَّكْرَانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا تُصَلُّوا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ كَقَوْلِك لِلْعَاقِلِ إذَا جُنِنْت فَلَا تَفْعَلْ كَذَا وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إضَافَةُ الْخِطَابِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ وَلَمَّا صَحَّ هَاهُنَا عَرَفْنَا أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخِطَابِ فِي حَالَةِ السُّكْرِ فَإِنْ قِيلَ السُّكْرُ يُعْجِزُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْخِطَابُ عَنْهُ أَوْ يَتَأَخَّرَ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ مَا تُبْتَنَى عَلَى صِحَّةِ الْعِبَارَةِ.
قُلْنَا الْخِطَابُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَبْدِ بِاعْتِدَالِ الْحَالِ وَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْبُلُوغُ عَنْ عَقْلٍ مُقَامَهُ تَيْسِيرًا لِعُذْرِ لِلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَبِالسُّكْرِ لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قُدْرَتُهُ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ إنْ فَاتَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يَصْلُحُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ أَوْ تَأَخُّرِهِ عَنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَإِلَى الْحَرَجِ فَأَمَّا إذَا فَاتَتْ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ عُدَّتْ قَائِمَةً زَجْرًا عَلَيْهِ فَبَقِيَ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي وُسْعِهِ دَفْعُ السُّكْرِ عَنْ نَفْسِهِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الشُّرْبِ كَانَ هُوَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الشُّرْبِ مُضَيِّعًا لِلْقُدْرَةِ فَيَبْقَى التَّكْلِيفُ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ بَقِيَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّكْرَانَ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، وَالسُّكْرُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ بِالْإِعْدَامِ فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَوْ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَيْضًا؛ لِأَنَّ غَفْلَتَهُ فَوْقَ غَفْلَةِ النَّائِمِ فَإِنَّ النَّائِمَ يَنْتَبِهُ إذَا نُبِّهَ وَالسَّكْرَانُ لَا يَنْتَبِهُ ثُمَّ طَلَاقُ النَّائِمِ وَعَتَاقِهِ لَا يَقَعُ فَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَعَتَاقُهُ أَوْلَى وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ.
وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ وَتَزْوِيجُهُ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ وَتَزَوُّجُهُ وَإِقْرَاضُهُ وَاسْتِقْرَاضُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي وَبِالسُّكْرِ لَا يَنْعَدِمُ عَقْلُهُ إنَّمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ السُّرُورُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهِ سَوَاءٌ شَرِبَ مُكْرَهًا أَوْ طَائِعًا كَذَا فِي أَشْرِبَةِ الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ ﵀ وَإِنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ مُكْرَهًا ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ اخْتَلَفُوا بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ أَيْ الْقَصْدُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ نُورِ الْعَقْلِ وَقَدْ احْتَجِبْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالسُّكْرِ دُونَ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ حِسًّا وَصِحَّتُهَا تُبْتَنَى عَلَى أَهْلِ الْعَقْلِ حَتَّى إنَّ السَّكْرَانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي فِي اعْتِبَارِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْتَنَى عَلَى الْقَصْدِ وَالِاعْتِقَادِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُولُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ الصَّحْوِ وَمَا كَانَ عَنْ عَقْدِ الْقَلْبِ لَا يُنْسَى خُصُوصًا الْمَذَاهِبُ فَإِنَّهَا تُخْتَارُ عَنْ فِكْرٍ وَرُؤْيَةٍ وَعَمَّا هُوَ الْأَحَقُّ مِنْ الْأُمُورِ عِنْدَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ هَذَا عَمَلَ اللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ فَلَا يَكُونُ اللِّسَانُ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي الضَّمِيرِ
стр. 1475
وَإِذَا أَسْلَمَ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ كَإِسْلَامِ الْمُكْرَهِ وَإِذَا أَقَرَّهُ بِالْقِصَاصِ أَوْ بَاشَرَ سَبَبَ الْقِصَاصِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ وَإِذَا قَذَفَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِهِ فَبِدَلِيلِهِ أَوْلَى وَإِنْ زَنَى فِي سُكْرِهِ حُدَّ إذَا صَحَا وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْخَمْرِ طَائِعًا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُقِرَّ أَوْ يَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ إلَّا بِحَدِّ الْقَذْفِ وَإِنَّمَا لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ الْخِطَابُ وَلَزِمَهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ لَكِنَّهُ سُرُورٌ غَلَبَهُ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً لَمْ يُعَدَّ عُذْرًا، وَكَذَلِكَ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ حُكْمًا كَمَا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِ الصَّاحِي كَلِمَةُ الْكُفْرِ خَطَأً كَيْف وَلَا يَنْجُو سَكْرَانُ مِنْ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَادَةً وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ هَازِلًا؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ وَهُوَ كُفْرٌ وَقَدْ صَدَرَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ فَيُعْتَبَرُ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ وَاحِدًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ سَكِرَ حِينَ كَانَ الشَّرَابُ حَلَالًا فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدِي وَعَبِيدَ آبَائِي وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُ كُفْرًا وَقَرَأَ سَكْرَانٌ سُورَةَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَتَرَكَ اللَّاءَاتِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] وَلَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِكُفْرِهِ وَلَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا بِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ» فَدَلَّ أَنَّ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَالِ السُّكْرِ لَا يُحْكَمُ بِالرِّدَّةِ كَمَا لَا يُحْكَمُ بِهَا فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَالْجُنُونِ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّمَسُّكُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هَاهُنَا أَنَّ كَلَامَنَا فِي السُّكْرِ الْمَحْظُورِ وَكَانَ ذَلِكَ السُّكْرُ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ كَانَ حَلَالًا فَصَيْرُورَتُهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الرِّدَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى صَيْرُورَتِهِ الْمَحْظُورَ عُذْرًا فِيهِ.
وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي حَالِ السُّكْرِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ بِوُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْمُكْرَهِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إيمَانُهُ أَنَّ دَلِيلَ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ يُقَارِنُهُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ رِدَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَلَوْ أَثْبَتْنَا الرِّدَّةَ فَالسُّكْرُ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهَا فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِمَا يَمْنَعُ عَنْ ثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ إذْ السَّكْرَانُ لَا يَكَادُ يَسْتَقِرُّ عَلَى أَمْرٍ وَيَثْبُتُ عَلَى كَلَامٍ وَذَلِكَ أَيْ الْإِقْرَارُ بِالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ وَمُبَاشَرَةُ سَبَبِهِمَا لَا يَبْطُلُ بِصَرِيحِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ أَمْرٌ مُعَايَنٌ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَبِدَلِيلِ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَإِذَا قَذَفَ السَّكْرَانُ رَجُلًا حُبِسَ حَتَّى يَصْحُوَ ثُمَّ يُحَدُّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُحْبَسُ حَتَّى يَجِفَّ عَلَيْهِ الضَّرْبُ ثُمَّ يُحَدُّ لِلسُّكْرِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ فِيهِ مَعْنَى حَقِّ الْعِبَادِ فَيُقَدَّمُ عَلَى حَدِّ السُّكْرِ وَلَا يُوَالِي بَيْنَهُمَا فِي الْإِقَامَةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّلَفِ وَسُكْرُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سُكْرِهِ مُخَاطَبٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَخَذُوا حَدَّ الشُّرْبِ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا شَرِبَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَإِذَا زَنَى فِي سُكْرِهِ حُدَّ إذَا صَحَا يَعْنِي إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ لِأَمْرٍ دَلَّهُ وَالسُّكْرُ لَا يَصْلُحُ شُبْهَةً دَارِئَةً؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ لَكِنَّ الْحَدَّ يُؤَخَّرُ إلَى الصَّحْوِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الِانْزِجَارُ لَا يَحْصُلُ بِالْإِقَامَةِ فِي حَالَةِ السُّكْرِ.
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ الْخَمْرِ طَائِعًا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُقِرَّ ثَانِيًا أَوْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ سَكِرَ طَائِعًا لِمَا قُلْنَا إنَّ السُّكْرَ أَنْ لَا يَثْبُتَ عَلَى كَلَامٍ وَلَكِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالسَّبَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِيجَابِ حَدِّ الْخَمْرِ وَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ إلَّا بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ يَصِحُّ فِيمَا سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ وَقَدْ قَارَنَهُ هَاهُنَا دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ فَمَنَعَهُ عَنْ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ
следующие страницы →