← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَمِثَالُهُ مِنْ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا بَابٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي الْجَامِعِ مَعَ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْآخَرُ الْحَقُّ الْيَقِينُ الصِّدْقُ وَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ تَصْدِيقًا وَلَوْ قَالَ الْبِرُّ الصَّلَاحُ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحَقِّ أَوْ الْبِرِّ وَالْيَقِينِ أَوْ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ حُمِلَ الْبِرُّ عَلَى الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالْيَقِينِ فَجُعِلَ تَصْدِيقًا وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِّ أَوْ الْيَقِينِ أَوْ الصِّدْقِ وَالصَّلَاحِ جُعِلَ رَدًّا وَلَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الصِّدْقَ وَالْحَقَّ وَالْيَقِينَ مِنْ أَوْصَافِ الْخَبَرِ وَهِيَ نُصُوصٌ ظَاهِرَةٌ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْوُجُودِ لِلْمَخْبَرِ عَنْهُ فَيَكُونُ جَوَابًا عَلَى التَّصْدِيقِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ مَجَازًا أَيْ الصِّدْقَ أَوْلَى بِك مِمَّا تَقُولُ وَأَمَّا الْبِرُّ فَاسْمٌ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْجَوَابِ فَصَارَ بِمَعْنَى الْمُجْمَلِ فَلَمْ يَصْلُحْ جَوَابًا بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَارَنَهُ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَفْظٌ لَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِحَالٍ وَهُوَ مُحْكَمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ نَصٌّ وَجَبَ حَمْلُ النَّصِّ الَّذِي هُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ فَلَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَصَارَ مُبْتَدَأً فَتَرَجَّحَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ عِنْدَ التَّعَارُضِ ــ [كشف الأسرار] إشْهَادَ الْعُمْيَانِ وَالْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ فِي النِّكَاحِ صَحِيحٌ حَتَّى انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْمِثَالِ لَيْسَ مِنْ اللَّوَازِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَتَمَهَّدُ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لَا بِالْمِثَالِ وَإِنَّمَا إيرَادُ الْمِثَالِ لِلتَّوْضِيحِ وَالتَّقْرِيبِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا ثُمَّ إيرَادُ الْمِثَالِ بَعْدُ إنْ شَاءَ لِلْإِيضَاحِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ فَإِذَا تَمَهَّدَ الْأَصْلُ فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الْمِثَالِ. قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ تَرْكِ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى مِنْ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا بَابٌ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي إقْرَارِ الْجَامِعِ وَأَصْلُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا صَلَحَ تَصْدِيقًا لِكَلَامِ الْمُدَّعِي وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا يُجْعَلُ تَصْدِيقًا وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ رَدًّا وَلَا يَصْلُحُ تَصْدِيقًا يُجْعَلُ رَدًّا وَإِنْ احْتَمَلَهُمَا يُعْتَبَرُ الْغَالِبُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ خَمْسَةٌ الْحَقُّ الْيَقِينُ الصِّدْقُ الْبِرُّ الصَّلَاحُ فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى تَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ ظَاهِرًا يُقَالُ خَبَرٌ حَقٌّ خَبَرٌ يَقِينٌ خَبَرٌ صِدْقٌ فَأَمَّا الْبِرُّ فَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِقَرِينَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرِ صِدْقٍ صَدَقْت وَبَرَرْت كَمَا تَقُولُ لِمَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرِ كَذِبٍ كَذَبْت وَفَجَرْت وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِحَالٍ لَا يُقَالُ خَبَرُ صَلَاحٍ وَلَا صَدَقْت وَصَلَحْت فَإِذَا قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْآخَرُ الْحَقُّ أَوْ الْيَقِينُ أَوْ الصِّدْقُ كَانَ تَصْدِيقًا وَإِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَحَلِّ الْجَوَابِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَيُجْعَلُ مَحْمُولًا عَلَى الْجَوَابِ بِظَاهِرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِطَابِ يَصِيرُ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ الْحَقُّ مَا قُلْت الصِّدْقُ مَا قُلْت الْيَقِينُ مَا قُلْت وَبَيَانُ أَنَّهُ صَالِحٌ لِلْجَوَابِ أَنَّ الدَّعْوَى خَبَرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَبَرَ يُوصَفُ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ وَبِضِدِّهَا هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ أَيْ الصِّدْقَ أَوْلَى بِك أَوْ عَلَيْك بِالصِّدْقِ أَوْ الْحَقُّ وَالْيَقِينُ أَوْلَى بِالِاشْتِغَالِ مِنْ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَبْ أَوْ ذُكِرَ مَرْفُوعًا أَمَّا إذَا نُصِبَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَلْزَمَ الْحَقَّ أَوْ الصِّدْقَ فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِالصِّدْقِ وَنَهْيًا لَهُ عَنْ الْكَذِبِ. وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَوْ قَالَ بِالنَّصْبِ يَكُونُ تَصْدِيقًا أَيْضًا وَمَعْنَاهُ أَنَّك ادَّعَيْت الْحَقَّ أَوْ قُلْت وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ هُوَ الْعُرْفُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ إنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ الْبِرُّ أَوْ الصَّلَاحُ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] فَفِي مَحَلِّ الْجَوَابِ هَذَا اللَّفْظُ فِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّ صَلَاحِيَتَهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَاحْتِمَالُ الْجَوَابِ وَغَيْرِهِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ وَبِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا وَالْجَوَابُ لَا يَتِمُّ بِكَلَامٍ مُجْمَلٍ وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِوَجْهٍ فَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ الْبِرَّ وَالصَّلَاحَ أَوْلَى بِك أَوْ الْزَمْ الصَّلَاحَ وَاتْرُكْ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ وَلَوْ ضَمَّ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْبِرِّ فَقَالَ الصِّدْقُ الْبِرُّ أَوْ الْحَقُّ الْبِرُّ أَوْ الْيَقِينُ الْبِرُّ أَوْ قَدَّمَ الْبِرَّ فَقَالَ الْبِرُّ الصِّدْقُ أَوْ الْبِرُّ الْحَقُّ أَوْ الْبِرُّ الْيَقِينُ كَانَ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ لَمَّا صَارَ مُجْمَلًا صَارَ مَا ضُمَّ إلَيْهِ بَيَانًا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِرَّ مَقْرُونًا بِالصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ يُقَالُ صَدَقْت وَبَرَرْت فَإِنْ ضُمَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ

стр. 352

وَمِثَالُهُ أَيْضًا قَوْلُنَا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى شَهْرٍ أَنَّهُ مُتْعَةٌ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ نَصٌّ لِمَا وُضِعَ لَهُ فَكَانَ مُحْتَمِلًا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُتْعَةُ مَجَازًا فَأَمَّا قَوْلُهُ إلَى شَهْرٍ فَحُكْمٌ فِي الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُ النِّكَاحَ مَجَازًا فَحُمِلَ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْحُكْمِ. وَضِدُّ الظَّاهِرِ الْخَفِيُّ وَحُكْمُهُ النَّظَرُ فِيهِ لِيُعْلِمَ اخْتِفَاءَهُ لِمَزِيَّةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَيَظْهَرُ الْمُرَادُ وَمِثَالُهُ أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ النَّبَّاشِ وَالطِّرَارِ وَقَدْ اخْتَصَّا بِاسْمٍ خَفِيَ بِهِ الْمُرَادُ وَطَرِيقُ النَّظَرِ فِيهِ أَنَّ النَّبَّاشَ اخْتَصَّ بِهِ لِقُصُورٍ فِي فِعْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَرِقَةٌ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْمُسَارَقَةِ عَنْ عَيْنِ الْحَافِظِ الَّذِي قَصَدَ حِفْظَهُ لَكِنَّهُ انْقَطَعَ حِفْظُهُ بِعَارِضٍ وَالنَّبَّاشُ هُوَ الْآخِذُ الَّذِي يُعَارِضُ عَيْنَ مَنْ لَعَلَّهُ يَهْجُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ لِذَلِكَ غَيْرُ حَافِظٍ وَلَا قَاصِدٍ وَهَذَا مِنْ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ مِنْ الْمَتْبُوعِ وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَى خَطَرِ الْمَأْخُوذِ وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ النَّبَّاشِ فِي غَايِهِ الْقُصُورِ وَالْهَوَانِ ــ [كشف الأسرار] إلَى الصَّلَاحِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّصْدِيقِ أَصْلًا لَا يُقَالُ صَدَقْت وَصَلَحْت بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهِ مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ مِنْ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرٍ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ فَلَا يَكُونُ تَصْدِيقًا بَلْ يَكُونُ رَدًّا لِكَلَامِهِ بِابْتِدَاءِ أَمْرٍ لَهُ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالصَّلَاحِ وَتَرْكِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ. قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ أَيْضًا) أَيْ نَظِيرُ تَرْجِيحِ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى وَتَرْكُ الْأَدْنَى بِهِ أَيْضًا قَوْلُ عُلَمَائِنَا ﵏ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى شَهْرٍ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك شَهْرًا أَوْ إلَى شَهْرٍ فَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك أَنَّهُ مُتْعَةٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ وَقَالَ زُفَرُ ﵀ هُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الْخَمْرِ وَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَالطَّلَاقِ إلَى شَهْرٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ صَحَّ النِّكَاحُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ فَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا شَهْرًا وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ قَالَ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْته وَلَوْ أَدْرَكْته مَيِّتًا لَرَجَمْت عَلَى قَبْرِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ إلَى شَهْرٍ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ الْمِلْكِ بِالْمُدَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَنَافِعِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمُدَّةِ وَعَقْدُ الْمُتْعَةِ حِينَ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ مُوقَنًا كَالْإِجَارَةِ فَلَمَّا قَالَ إلَى شَهْرٍ وَهَذَا لَا يَلِيقُ إلَّا فِي عَقْدِ الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ مِلْكُ النِّكَاحِ عَلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ الْيَوْمَ وَلَفْظُ التَّزَوُّجِ وَالنِّكَاحِ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِمِلْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا صَارَ الْمُحْتَمَلُ مِنْ صَدْرِ كَلَامِهِ مَحْمُولًا عَلَى الْمُحْكَمِ مِنْ سِيَاقِهِ. وَهَذَا كَالْمُضَارِّ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلّه لِلْعَامِلِ كِنَايَةً عَلَى الْإِقْرَاضِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ كِنَايَةً عَنْ الْإِبْضَاعِ وَإِذَا تَعَيَّنَ كِنَايَةً عَنْ الْمُتْعَةِ فَسَدَ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِهَذَا الْعَقْدِ لَا لِشَرْطٍ فَاسِدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ فَاشْتِرَاطُ الْقَاطِعِ بَعْدَ شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا عَقَدَا الْعَقْدَ مُؤَبَّدًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الشَّرْطُ هُنَاكَ لَا يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَهُنَا لَوْ صَحَّ التَّوْقِيتُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إنْ ذَكَرَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يُعْلِمُ أَنَّهُمَا لَا يَعِيشَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَأْكِيدَ مَعْنَى التَّأْبِيدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ بِعَقْدٍ لِلْعُمْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَا مُدَّةً قَدْ يَعِيشَانِ أَكْثَرَ مِنْهَا وَعِنْدَنَا الْكُلُّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ فَالتَّوْقِيتُ يُبْطِلُهُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ لِمَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ إثْبَاتُ مِلْكِ الْبُضْعِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُتْعَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمِلْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا وَالِازْدِوَاجِ مَعَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فَحُكْمٌ فِي الْمُتْعَةِ أَيْ فِي إفَادَةِ مَعْنَى الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ النِّكَاحُ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ إلَى شَهْرٍ. قَوْلُهُ (مِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ الْخَفِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إيجَابِ الْقَطْعِ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِاسْمٍ آخَرَ سِوَى السَّرِقَةِ خَفِيَ فِي حَقِّ مَنْ اخْتَصَّ بِاسْمٍ آخَرَ كَالطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ فَإِنَّهُ قَدْ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ أَنَّ اخْتِصَاصَهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ لِنُقْصَانٍ فِي مَعْنَى السَّرِقَةِ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّبَّاشِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَا يُقْطَعُ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ يَقَعُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إنَّمَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ الْكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي بَيْتٍ مُحَرَّزٍ أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعُمْرَانِ وَلَا يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَرِّيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي مَفَازَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ سَوَاءٌ نَبَشَ الْكَفَنَ أَوْ سَرَقَ مَالًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ لِأَنَّ بِوَضْعِ الْقَبْرِ فِيهِ اخْتَلَّ صِفَةُ الْحِرْزِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي الدُّخُولِ فِيهِ لِزِيَارَةِ الْقَبْرِ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْكَمَالِ فِي شَرَائِطِ الْقَطْعِ مُعْتَبَرَةٌ ثُمَّ مِنْ أَوَجَبَ الْقَطْعِ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَالْآيَةَ وَقَالَ النَّبَّاشُ سَارِقٌ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ اسْمٌ لِمَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَاخْتِصَاصُهُ بِاسْمٍ آخَرَ لَا يَمْنَعُ دُخُولَهُ تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَوْعٍ مِنْ السَّرِقَةِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ اسْمِ الْجِنْسِ كَاخْتِصَاصِ مَنْ يُقْطَعُ عَنْ الْيَقْظَانِ بِاسْمِ الطَّرَّارِ وَكَاخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّ بِاسْمِ الْإِنْسَانِ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ اسْمِ الْحَيَوَانِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَطَعَ نَبَّاشًا» وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ ﵄ فِي النَّبَّاشِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا كَامِلًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ فَيُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ لِبَاسَ الْحَيِّ وَكَمَا لَوْ سَرَقَ الشَّاةَ مِنْ الْحَظِيرَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفَنَ مَالٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِيَّةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِأَنْ أُلْبِسَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ صَالِحٌ لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ وَالْقَبْرُ حِرْزٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّزُ بِأَحْصَنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالنَّاسُ تَعَارَفُوا إحْرَازَ الْأَكْفَانِ بِالْقُبُورِ فَكَانَ حِرْزًا مُتَعَيِّنًا لَهُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ النَّاسِ كَالْحَظِيرِ لِلْغَنَمِ وَالصُّنْدُوقِ لِلدَّرَاهِمِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ شَيْئًا آخَرَ وُضِعَ مَعَهُ أَوْ كَفَنَ الْمَيِّتِ زِيَادَةً عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ فَسَرَقَ الزَّائِدَ حَيْثُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمَالٍ آخَرَ غَيْرَ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَا اعْتَادُوا حِفْظَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ بِالْقُبُورِ كَحَظِيرَةِ الْغَنَمِ حِرْزٌ لِلْغَنَمِ وَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ لِلثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَكَذَا الزَّائِدُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُون بِمَنْزِلَةِ مَالٍ آخَرَ مَوْضُوعٌ فِي الْقَبْرِ وَأَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَوْ كَفَّنَا الصَّبِيَّ أَوْ عَبْدَ الصَّبِيِّ مَنْ مَالِ الصَّبِيِّ بِالْعَدَدِ الْمَسْنُونِ لَا يُعَدُّ تَضْيِيعًا وَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْرَازٌ مِنْهُمَا لِمَالِهِ وَلَوْ كَفَّنَاهُ زِيَادَةً عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ يَضْمَنَانِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ نَاقِصٌ فِي كَوْنِهِ سَرِقَةً وَالْمِلْكُ نَاقِصٌ وَالْمَالِيَّةُ نَاقِصَةٌ وَالْحِرْزُ نَاقِصٌ أَوْ مَعْدُومٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ لِمَا عُرِفَ أَنَّ شَرْطَ السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مَالًا مَمْلُوكًا مُحْرَزًا وَأَنَّ الْكَمَالَ فِيهَا شَرْطٌ كَيْ لَا تَبْقَى شُبْهَةُ الْعَدَمِ فَمَجْمُوعُهَا أَوْلَى. أَمَّا بَيَانُ قُصُورِ الْفِعْلِ وَنُقْصَانِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَأَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبَّاشَ لَيْسَ بِسَارِقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ اسْمٌ لِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْمُسَارَقَةِ أَيْ الْإِخْفَاءِ عَنْ عَيْنِ الْحَافِظِ الَّذِي قَصَدَ حِفْظَهُ لَكِنَّهُ انْقَطَعَ حِفْظُهُ بِاعْتِرَاضِ نَوْمٍ أَوْ غَيْبَةٍ بِحَيْثُ يَخَافُ هُجُومَهُ

стр. 354

وَالتَّعَدِّيَةُ بِمِثْلِهِ فِي الْحُدُودِ خَاصَّةً بَاطِلٌ وَأَمَّا الطِّرَارُ فَقَدْ اخْتَصَّ بِهِ لِفَضْلٍ فِي جِنَايَتِهِ وَحِذْقٍ فِي فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرَّ اسْمٌ لِقَطْعِ الشَّيْءِ عَنْ الْيَقْظَانِ بِضَرْبِ فَتْرَةٍ وَغَفْلَةٍ يَعْتَرِيهِ وَهَذِهِ الْمُسَارَقَةُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ وَتَعَدِّيَةُ الْحُدُودِ فِي مِثْلِهِ فِي نِهَايَةِ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَحْكَامِ سَائِرِ الْأَقْسَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ. ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهِ وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ لِاسْتِمَاعِ كَلَامِ الْغَيْرِ حَالَ غَفْلَتِهِ وَيُقَالُ فُلَانٌ يُسَارِقُ النَّظَرَ إلَيْهِ إذَا اغْتَنَمَ غَفْلَتَهُ وَاحْتَالَ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ وَالنَّبَّاشُ يُسَارِقُ عَيْنَ مَنْ عَسَى يَهْجُمُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِحَافِظٍ لِلْكَفَنِ وَلَا قَاصِدٍ إلَى حِفْظِهِ مِنْ الْمَارَّةِ لِئَلَّا يَطَّلِعُوا عَلَى جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْتَكَبُ مُنْكَرًا كَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ يَخْتَفِي مِنْ النَّاسِ كَيْ لَا يَعْثُرُوا عَلَى قُبْحِ فِعْلِهِ وَالسَّرِقَةُ أَخْذٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَارَقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ مَا أُحْرِزَ عَنْ الْأَيْدِي لَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ فَاحِشَةٍ تَرِدُ شَرْعًا فَكَانَ النَّبَّاشُ سَارِقًا صُورَةً لَا مَعْنًى فَالْمَيِّتُ إنْسَانٌ صُورَةً لَا مَعْنًى، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ فَيُقَالُ نَبَشَ وَمَا سَرَقَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ مِنْ الْمَتْبُوعِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ أَقْوَى فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ السَّارِقِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَهُوَ السَّرِقَةُ تَدُلُّ عَلَى خَطَرٍ لِمَأْخُوذٍ أَيْ عَلَى أَنَّهُ ذُو قَدْرٍ وَمَنْزِلَةٍ فَإِنَّ السَّرِقَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الْحَرِيرِ «قَالَ ﵇ لِبَعْضِ نِسَائِهِ أُرِيت صُورَتَك فِي سَرِقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ» أَيْ فِي قِطْعَةٍ مِنْ حَرِيرٍ جَيِّدَةٍ بَيْضَاءَ. كَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِيهِ لِيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ تَافِهًا حَقِيرًا وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ النَّبَّاشِ وَهُوَ النَّبْشُ فِي غَايَةِ الْقُصُورِ وَالْهَوَانِ؛ لِأَنَّ نَبْشَ التُّرَابِ وَأَخْذَ الْكَفَنِ مِنْ الْأَمْوَاتِ مِنْ أَرْذَلِ الْأَفْعَالِ وَأَرْدَأِ الْخِصَالِ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ وَالطَّبْعِ السَّلِيمِ وَالتَّعْدِيَةُ بِمِثْلِهِ أَيْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فِي الْفَرْعِ دُونَهُ فِي الْأَصْلِ بَاطِلًا لَا سِيَّمَا فِي الْحُدُودِ فَإِنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَيْفَ يُحْتَالُ فِي إثْبَاتِهَا بِمَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اخْتِصَاصَ النَّبَّاشِ بِهَذَا الِاسْمِ لِنُقْصَانٍ فِي فِعْلِهِ وَهُوَ أَنَّ بِخِلَافِ الطَّرَّارِ فَإِنَّ اخْتِصَاصَهُ بِاسْمٍ آخَرَ غَيْرِ السَّارِقِ لِفَضْلٍ فِي جِنَايَتِهِ وَحَذَاقَةٍ فِي فِعْلِهِ أَيْ مَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُسَارِقُ الْأَعْيُنَ الَّتِي تَرَصَّدَتْ لِلْحِفْظِ مَعَ الِانْتِبَاهِ وَالْحُضُورِ فَكَانَ فَوْقَ مُسَارَقَةِ الْأَعْيُنِ حَالَ نَوْمِ الْمَالِكِ وَغَيْبَتِهِ فَكَانَ أَتَمَّ سَرِقَةً وَأَكْمَلَ حِيلَةً فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ مُرَادًا بِالْآيَةِ تَعَارُضٌ وَهُوَ زِيَادَةُ حِيلَةٍ مِنْ قِبَلِ الطَّرَّارِ لَا لِمَعْنًى فِي الْكَلَامِ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَقَوْلُهُ (وَتَعْدِيَةُ الْحُدُودِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فِي الْفَرْعِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ نَوْعُ تَسَامُحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَالتَّعْدِيَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنَّهُ سَمَّاهَا تَعْدِيَةً لِشَبَهِ دَلَالَةِ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَإِخْرَاجًا لِلْكَلَامِ عَلَى مُقَابَلَةِ كَلَامِ الْخَصْمِ. وَأَمَّا بَيَانُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نُقْصَانِ الْمِلْكِ فَهُوَ أَنَّ الْكَفَنَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَمَلَّكَ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمَشْغُولَ بِالدَّيْنِ لَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ فَالْكَفَنُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ وَلَا لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُنَافِي الْمِلْكِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَأَدْنَى دَرَجَاتِهَا الْحَيَاةُ وَقَدْ زَالَتْ وَأَمَّا نُقْصَانُ الْمَالِيَّةِ فَلِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ التَّمَوُّلِ وَالِادِّخَارِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَفُوتُ فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ مَعَ الْمَيِّتِ يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ لِلْبِلَى، وَلِهَذَا يُوضَعُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْبِلَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ الصِّدِّيقُ ﵁ بِقَوْلِهِ اغْسِلُوا ثَوْبَيْ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْلِ وَالصَّدِيدِ وَالْحَيُّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ فَكَانَتْ مَالِيَّةُ الْكَفَنِ وَقَدْ سُلِّمَ لِلتَّلَفِ دُونَ مَالِيَّةِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَأَمَّا النُّقْصَانُ فِي الْحِرْزِ فَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُوا إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْقَبْرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْمَيِّتِ

стр. 355

(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ) قَالَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا أَوْ عَامًّا وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ وَالسَّمَاعُ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ ــ [كشف الأسرار] وَالْقَبْرُ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ ثَوْبٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ فَسُرِقَ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَمَا كَانَ حِرْزًا لِشَيْءٍ كَانَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ لَا يَخْتَلِفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَحَظِيرَةِ الْغَنَمِ وَلَا يَصِيرُ حِرْزًا بِالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ لَا يُحَرِّزُ نَفْسَهُ فَكَيْفَ يُحَرِّزُ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا يُحْفَرُ الْقَبْرُ حِرْزًا لِلْمَيِّتِ عَنْ السِّبَاعِ وَإِخْفَاءً لَهُ عَنْ الْأَعْيُنِ لَا إحْرَازًا لِلْكَفَنِ وَلَا يُقَالُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إحْرَازًا كَانَ التَّكْفِينُ تَضْيِيعًا وَلِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى حَاجَةِ الْمَيِّتِ وَصَرْفُ الشَّيْءِ إلَى الْحَاجَةِ لَا يَكُونُ تَضْيِيعًا وَلَا إحْرَازًا كَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَإِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ (فَإِنْ قِيلَ) يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ حِرْزًا عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَصِيرُ حِرْزًا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كَالْحِيطَانِ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ بِدُونِ الْبَابِ وَكَذَا الْبَابُ بِدُونِهَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَصِيرُ حِرْزًا. (قُلْنَا) نَعَمْ إذَا حَدَثَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعْنًى يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْحِيطَانِ مَعَ الْبَابِ يَصْلُحُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ لِصَيْرُورَتِهَا بَيْتًا صَالِحًا لِلْحِفْظِ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ هَهُنَا فَلَا يَصِيرُ هَذَا الْمَكَانُ مَوْضِعًا لِحِفْظِ الثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْفَظُ فِيهِ مَا سِوَى الْكَفَنِ مِنْ الثِّيَابِ وَلَوْ صَارَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لَصَارَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَطَعَ نَبَّاشًا» فَمُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي الْمُخْتَفِي» وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَذَا فَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَفِي الصِّحَاحِ اخْتَفَيْت الشَّيْءَ أَسْتَخْرَجْته وَالْمُخْتَفِي وَالنَّبَّاشُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ الْأَكْفَانَ فَيُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسِيَّةِ وَكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَطَعَ أَيْدِي نِسْوَةٍ أَظْهَرْنَ الشَّمَاتَةَ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبْنَ الدُّفُوفَ وَكَانَ ذَلِكَ سِيَاسَةً لَا حَدًّا وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ لَا يُوجِبُ التَّعْمِيمَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ نَبَّاشًا أُخِذَ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَاوَرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ] [تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز] (بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ ﵀ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] . وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ خَاصٌّ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَامٌّ فِي الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا اُسْتُعِيرَ اللَّفْظُ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تُتْبِعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» وَفِيهِ خِلَافُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَسَنُبَيِّنُهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ أَيْ التَّنْصِيصُ مِنْ الْوَاضِعِ وَالسَّمَاعُ مِنْ السَّامِعِ يَعْنِي لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ وَاضِعِ اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ حُجَجًا إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ

стр. 356

وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَهُمَا سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مَجَازٌ عَمَّا يَحْوِيهِ وَلَا عُمُومَ لَهُ ــ [كشف الأسرار] وَالنَّقْلِ عَنْهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ لِيَمْتَازَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ الْمَشْهُورُ مِنْ غَيْرِ امْتِيَازِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَصِحُّ بِكُلِّ وَصْفٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ طَرِيقِهِ الَّذِي سَلَكَهُ أَهْلُ اللِّسَانِ فِي اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ رِعَايَةُ الِاتِّصَالِ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِوَجْهٍ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ جِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ وَجِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلٌ وَالْمَجَازَ عَارِضٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا تَعَارَضَ كَلَامٌ هُوَ حَقِيقَةٌ وَكَلَامٌ آخَرُ هُوَ مَجَازٌ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ وَرَاجِحَةً عَلَيْهِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إلَى الْقَرِينَةِ الْمُخِلَّةِ بِالتَّفَاهُمِ لِخَفَائِهَا وَعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا صَرِيحًا فَكَانَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى لِتَأَيُّدِهِ بِمَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعِ الْكَلَامِ وَلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْعُمُومُ وَالْأَحْكَامُ مَا لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَنْزِلَتِهَا إلَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ لِحَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى مَجَازِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ وَالثَّانِي طَارِئٌ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِهِ. قَوْلُهُ (فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ) إلَى آخِرِهِ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مُسَاوِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسَاوٍ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ فَيَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَارَضَهُ فِي الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ وَبِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَةٍ وَبِتُفَّاحَتَيْنِ وَبِإِشَارَتِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الطُّعْمِ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى تَرَتَّبَ عَلَى اسْمٍ مُشْتَقٍّ كَانَ مَأْخَذُهُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] عَلَى مَا عُرِفَ وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّعْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ فَكَانَ الطُّعْمُ هُوَ الْعِلَّةُ. وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِلَّةً وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ إلَّا أَحَدَ أَوْصَافِ النَّصِّ لَمْ يَبْقَ الْكَيْلُ عِلَّةً ضَرُورَةً فَلَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْغَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُرْمَةِ وَهِيَ الطُّعْمُ وَحَدِيثُ الصَّاعِ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ» وَفِي بَعْضِ الرَّاوِيَاتِ الرَّمَاءُ يَعْنِي الرِّبَا إذْ الرَّمَاءُ الزِّيَادَةُ وَالرِّبَا وَأُرْمَى الشَّيْءَ إرْمَاءً أَيْ زَادَ وَأَرْمَى فُلَانٌ أَيْ أَرْبَى يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مُحَلًّى فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَا يُحِلُّهُ مِنْ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا وَبِإِشَارَتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ هَذَا لِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الصَّاعِ مَا يُكَالُ بِهِ صَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَلَا مَا يُكَالُ بِصَاعٍ بِمَا يُكَالُ بِصَاعَيْنِ أَوْ وَلَا مَكِيلٍ بِمَكِيلَيْنِ فَيَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ حَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَتَيْنِ لِعَدَمِ مَعْنَى الْكَيْلِ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهَذَا هُوَ

стр. 357

فَإِذَا ثَبَتَ الْمَطْعُومُ بِهِ مُرَادًا سَقَطَ غَيْرُهُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلُ الْكَلَامِ وَالْمَجَازَ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ تَوْسِعَةً وَلَا عُمُومَ لِمَا ثَبَتَ ضَرُورَةَ تَكَلُّمِ الْبَشَرِ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بَلْ لِدَلَالَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا اسْمٌ خَاصٌّ فَإِذَا زِدْت عَلَيْهِ لَامَ الْعَرِيفِ مِنْ غَيْرِ مَعْهُودٍ ذَكَرْته انْصَرَفَ إلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ فَصَارَ عَامًّا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ ــ [كشف الأسرار] مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ إلَّا أَنَّ الْخَصْمَ قَالَ هَذَا النَّصُّ مَجَازٌ عِبَارَةً عَمَّا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ صَلَاةٍ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْحَقَائِقِ وَقَدْ أُرِيدَ الْمَطْعُومُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا الْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعِ بِالْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعَيْنِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَبْقَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ مَا وَرَاءَ الْمَطْعُومِ مُتَفَاضِلًا وَلَا عَلَى كَوْنِ الْمَكِيلِ عِلَّةً وَصَارَ مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ وَشُبْهَةُ الْخَصْمِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي لِلْإِفَادَةِ. وَلِهَذَا لَا يُعَارِضُ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَصِيرَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْفَهْمِ إلَّا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ فِي الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ الرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا بُنِيَتْ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ يَرْتَفِعُ بِدُونِ إثْبَاتِ حُكْمِ الْعُمُومِ لِلْمَجَازِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَكَانَ الْمَجَازُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ هُنَاكَ وَصْفُ الْعُمُومِ عِنْدَكُمْ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْتَفِعُ بِدُونِهِ فَكَذَا هُنَا عِنْدِي وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَجَازُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ فِي احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَفِي قَوْلِهِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ بَلْ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْكَلَامِ حَتَّى كَادَ الْمَجَازُ يَغْلِبُ الْحَقِيقَةَ فَكَيْفَ يُسَمَّى هَذَا ضَرُورِيًّا. قَوْلُهُ (لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً) إذًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ حَقِيقَةً إلَّا وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ بَلْ لِدَلِيلٍ زَائِدٍ لِيُحَقَّقَ بِهِ مِثْلُ الْوَاوِ وَالنُّونِ أَوْ الْأَلِفِ وَالتَّاءِ فِي قَوْلِهِ مُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ أَوْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيمَا لَا مَعْهُودَ فِيهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ فِي الْمَجَازِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لَهُ كَمَا فِي الْحَقِيقَةِ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَلِلدَّلِيلِ الَّذِي التَّحَقُّقُ بِهِ فَيَثْبُتُ الْعُمُومُ بِالْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُوجَدْ بِالْمَجْمُوعِ فِي الْمَجَازِ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ. (قُلْنَا) لَا بُدَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ نَوْعُ تَأْثِيرٍ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِيَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا وَقَدْ وَجَدْنَا التَّأْثِيرَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِلدَّلِيلِ اللَّاحِقِ لَا لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا بَلْ يَجِبُ إضَافَتُهُ إلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا الْوَاوَ وَالنُّونَ وَلَامَ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ، وَسَائِرُ دَلَائِلِ الْعُمُومِ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ دَلَالَةً مُطَّرِدَةً وَلَمْ نَجِدْ الْحَقِيقَةَ كَذَلِكَ إذْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَضَارِبٍ وَرَجُلٍ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِوَجْهٍ فَعَرَفْنَا أَنْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَأَضَفْنَا ثُبُوتَ الْعُمُومِ إلَى الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ إلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إنَّمَا اطَّرَدَ دَلَالَةُ الْوَاوِ وَالنُّونِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ صِيغَةٍ تَلْحَقُ بِهَا فَتَدُلُّ حَقِيقَةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَعَ الدَّلِيلِ اللَّاحِقِ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَقَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ دَلِيلِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرِ فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ بِهَا وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَصْفَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَاءِ كَوْنِ

стр. 358

فَالصَّاعُ نَكِرَةٌ زِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعْهُودٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَانْصَرَفَ إلَى جِنْسِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ عَيْنُهُ لَصَارَ عَامًّا فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ مَجَازًا كَانَ كَذَلِكَ لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَالثَّوْبِ يَلْبَسُهُ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ أَثَرُهُ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مِثْلَ عَمَلِهِ إذَا لَبِسَ بِحَقِّ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ لُزُومًا وَبَقَاءً. وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ لَا ضَرُورِيٌّ ــ [كشف الأسرار] الْحَقِيقَةِ مُؤَثِّرًا فِي الْعُمُومِ. قَوْلُهُ (وَالصَّاعُ نَكِرَةٌ) أَيْ لَفْظُ الصَّاعِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ عَلَيْهِ كَانَ نَكِرَةً يَعْنِي لَوْ تَصَوَّرْنَاهُ بِدُونِ اللَّامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ نَكِرَةً فَزِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَعْهُودٌ فَانْصَرَفَ إلَى الْجِنْسِ فَأَوْجَبَ التَّعْمِيمَ وَفِي ضَمِّ قَوْلِهِ وَيُجَاوِرُهُ إلَى مَا يُحِلُّهُ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لِلْمَجَازِ أَيْ جَوَازِ إرَادَةِ مَا يُحِلُّهُ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ لِشَأْنٍ أَيْ أَنَّ الشَّأْنَ اسْتِعَارَةُ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي صَارَ عَامًّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ الصَّاعُ مَثَلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ وَهُوَ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ عَمَلُهُ أَيْ كَعَمَلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ وَلَمَّا كَانَ عَمَلُهُ فِي مَحَلِّهِ إثْبَاتُ الْعُمُومِ كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْضًا لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ وَهِيَ لَامُ التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ) جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَلَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي اللُّزُومِ وَالْبَقَاءِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ لَازِمَةٌ بَاقِيَةٌ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا وَالْمَجَازُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَاقٍ حَتَّى صَحَّ نَفْيُهُ كَالثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ لَا يُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا وَيُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ عَارِيَّةً، وَلِهَذَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهَا أَلْزَمُ وَأَدْوَمُ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ فَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ بِمَنْزِلَةِ الْمَلْبُوسِ يَتَرَجَّحُ جِهَةُ الْمِلْكِ لِلَّابِسِ فِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْعَارِيَّةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَذَا التَّرَجُّحُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَجَازِ ضَرُورِيًّا كَتَرْجِيحِ الْمُحْكَمِ عَلَى الظَّاهِرِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا وَعَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ عَنْهُ. قَوْلُهُ (وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ) أَيْ طَرِيقٌ جَازَ سُلُوكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّا نَجِدُ الْفَصِيحَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْقَادِرَ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ بِالْحَقِيقَةِ يَعْدِلُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْمَجَازِ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ وَقَدْ ظَهَرَ اسْتِحْسَانُ النَّاسِ لِلْمَجَازَاتِ فَوْقَ مَا ظَهَرَ مِنْ اسْتِحْسَانِهِمْ لِلْحَقَائِقِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَاسِدٌ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى رُتَبِ الْفَصَاحَةِ وَأَرْفَعِ دَرَجِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَجَازُ مَوْجُودٌ فِيهِ عُدَّ مِنْ غَرِيبِ بَدَائِعِهِ وَعَجِيبِ بَلَاغَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلذُّلِّ جَنَاحٌ وَقَوْلُهُ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أَيْ أَظْهِرْهُ غَايَةَ الْإِظْهَارِ فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالصَّدْعِ أَبْلَغَ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِصَدْعِ الزُّجَاجِ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥] وَالْجَرْيُ لِلْمَاءِ لَا لِلْأَنْهَارِ وَقَوْلُهُ عَلَتْ كَلِمَتُهُ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلِيٌّ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَا يُقَالُ الْمُقْتَضَى ضَرُورِيٌّ عِنْدَكُمْ حَتَّى أَنْكَرْتُمْ جَوَازَ عُمُومِهِ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ فَلْيَكُنْ الْمَجَازُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الضَّرُورَةُ فِي الْمُقْتَضَى رَاجِعَةٌ إلَى الْكَلَامِ وَالسَّامِعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً تَصْحِيحُ الْكَلَامِ شَرْعًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِخْلَالِ بِفَهْمِ السَّامِعِ، وَالضَّرُورَةُ فِي الْمَجَازِ لَوْ ثَبَتَتْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ. وَلِهَذَا ذُكِرَ الْمَجَازُ فِي أَقْسَامِ اسْتِعْمَالِ النَّظْمِ الَّذِي هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُقْتَضَى فِي أَقْسَامِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي هُوَ حَظُّ السَّامِعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضَى

стр. 359

حَتَّى كَثُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَاَللَّهُ عَلَا عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ. ــ [كشف الأسرار] فِي الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِالْمُقْتَضَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ الْعَوَارِضُ الْأَلْفَاظُ عَلَى مَا مَرَّ وَالْمَجَازُ مَلْفُوظٌ فَإِذَا وُجِدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ فِيهِ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ فَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَغَيْرُ مَلْفُوظٍ لَا تَحْقِيقًا وَلَا تَقْدِيرًا بَلْ هُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْعُمُومُ بِخِلَافِ الْمَحْذُوفِ فَإِنَّهُ مَلْفُوظٌ تَقْدِيرًا فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ الْمُقْتَضَى إذَا كَانَ ثَابِتًا لُغَةً يُوجِبُ الْعُمُومَ فَأَمَّا إذَا كَانَ ثَابِتًا شَرْعًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ صُيِّرَ إلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَاتِّبَاعُهُمَا مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ نَافِيهِ وَإِذَا كَانَ صِدْقًا كَانَ إثْبَاتُهُ كَذِبًا ضَرُورَةً وَإِذَا كَانَ كَذِبًا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ لِغَيْرِ مَا وُضِعَتْ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْحَاجَةِ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ لَوْ كَانَ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ لَصَحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا لِصُدُورِ التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا وَجْهَ إلَى إنْكَارِهِ وَنَظَائِرُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَقَوْلُهُمْ الْمَجَازُ كَذِبٌ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى وَهْمٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ لِلْحَقِيقَةِ كَقَوْلِنَا هُوَ أَسَدٌ بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ لِتَنَاقُضِهِمَا ح. وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ بِالْمَجَازِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ أَسَدٌ بِالْمَجَازِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ النَّفْيِ كَذِبُ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِهِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ ثُمَّ افْتِرَاقَ هَؤُلَاءِ فِي كَلِمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ طَرِيقُهَا الْمَجَازُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَقَوَّلَ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَقَوْلُهُ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِ الْأَرْضِ لِأَنْبِيَائِهِ وَعَلَى خَلْقِ الْإِرَادَةِ فِي الْجِدَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْمَجَازَاتِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْهُ وَقَالَ لَعَلَّهَا مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي غُيِّرَ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ غَيَّرَتْ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَزَادَتْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَنَقَضَتْ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ إمَامَةِ عَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ وَزَعْمِهِمْ أَيْضًا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ مَجَازَاتٍ فَهُوَ مَنْ زِيَادَاتِ الْمُبَدِّلِينَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ مَجَازٌ لَكَانَ كَذِبًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] كَذِبًا؛ لِأَنَّ إنَّا وَنَحْنُ لِلْجَمَاعَةِ دُونَ الْوَاحِدِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَإِنْ قَالُوا صَحَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ فَهُوَ الْمَجَازُ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ مُنْكِرَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ كَمَا قَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ أَوْ يَقُولَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُمْ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] مَجَازًا وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] مَجَازًا وَأَمَّا الرَّافِضَةُ الْمُدَّعِيَةُ أَنَّ الْمَجَازَاتِ كُلَّهَا مِمَّا غَيَّرَتْهَا الصَّحَابَةُ فَلَا كَلَامَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ

стр. 360

وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ وَإِذَا اُسْتُعِيرَ لِغَيْرِهِ احْتَمَلَ السُّقُوطَ يُقَالُ لِلْوَالِدِ أَبٌ وَلَا يُنْفَى عَنْهُ بِحَالٍ وَيُقَالُ لِلْجَدِّ أَبٌ مَجَازًا وَيَصِحُّ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَضْعٌ وَهَذَا مُسْتَعَارٌ فَكَانَا كَالْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْجُورًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلَالَةَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ فَانْتَقَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ وَقَدْ كَانَ جَرَحَ وَلَا يُطْلَقُ وَقَدْ كَانَ حَلَفَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ الدَّقِيقِ لَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ عَيْنِهِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا. وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ــ [كشف الأسرار] الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَفِي تِيهٍ إلَى أَنْ يَظْهَرَ إمَامُهُمْ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ وَمَنْ لَا يَثِقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَا يُنَاظَرُ فِي صِفَاتِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ أَيْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى مَوْضُوعِهِ أَبَدًا وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ بِحَالٍ فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَ مُسَمَّاهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا إذَا كَانَ مَهْجُورًا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَهْجُورًا أَيْ تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ وَإِرَادَتَهُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ " فح " بِجَوَازِ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ لَفْظُهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْهِجْرَانُ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالتَّعَذُّرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَجَازُ وَيَصِيرُ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مَجْهُورًا دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ نَازِلًا مَنْزِلَتَهُ فَيَصِيرُ الْمُسَمَّى الْمَهْجُورُ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِلدُّخُولِ تَحْتَ اللَّفْظِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ وُجُوبَ الِامْتِنَاعِ عَنْ السُّكْنَى مِنْ زَمَانِ الْحَلِفِ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " لَا يَسْكُنُ " نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ السُّكْنَى فِي الْعُمُرِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَإِنْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا قَالَ زُفَرُ ﵀ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ السُّكْنَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْيَمِينِ وَإِنْ قَلَّ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ بِهِ وَهُوَ اسْتِغْرَاقُ الْعَدَمِ جَمِيعَ الْعُمُرِ كَمَا لَوْ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ السُّكْنَى صَارَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ بِدَلَالَةِ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ السُّكْنَى إذْ الْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ لَا لِلْحِنْثِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ وَمُحَافَظَةُ الْبِرِّ إلَّا بِإِخْرَاجِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْيَمِينِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا زَمَانَ الِانْتِقَالِ. قَوْلُهُ (وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ فُلَانًا وَقَدْ كَانَ جَرَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ بَعْدَ يَمِينِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ وُجِدَ الِانْزِهَاقُ الَّذِي بِهِ وَيَصِيرُ الْجُرْحُ السَّابِقُ قَتْلًا بَعْدَ الْيَمِينِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ النَّفْسِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ هَذَا الْمَوْتُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مَقْصُودِهِ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا وَقِسْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَأْكُولٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ كَأَكْلِ الْخُبْزِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الدَّقِيقِ مَهْجُورٌ عَادَةً فَصَارَ ذَلِكَ دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ يَتَأَتَّى أَكْلُ عَيْنِهِ وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَكْلِ يَحْصُلُ بِأَكْلِ عَيْنِهِ وَقَدْ تُقْلَى فَيُؤْكَلُ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ حَقِيقَةُ لَفْظِهِ مُتَعَارَفًا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ (قُلْنَا) يَحْنَثُ بِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ نَوَى أَكْلَ الدَّقِيقِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀ فَإِنْ عَنَى أَكْلَ الدَّقِيقِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِيمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ حَتَّى يَحْنَثَ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ وَلَا يَصْدُقُ فِي صَرْفِ الْيَمِينِ عَنْ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ يَعْنِي فِي شَجَرٍ لَا يُؤْكَلُ عَيْنُهُ عَادَةً؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمَّا كَانَ

стр. 361

اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ــ [كشف الأسرار] مَهْجُورًا لِلتَّعَذُّرِ انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَكْلُ ثَمَرِهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَرٌ وَثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ (اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ) اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْحَقِيقِيِّ وَمَدْلُولِهِ الْمَجَازِيِّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى امْتِنَاعِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى جَوَازِهِ مُسْتَرْوِحِينَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ مُرِيدَةً بِالْعِبَارَةِ الْوَاحِدَةِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا يَجِدُهَا مُرِيدَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ جَمِيعًا وَنَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِنَا قَطْعًا فَمَنْ ادَّعَى اسْتِحَالَتَهُ فَقَدْ جَحَدَ الضَّرُورَةَ وَعَانَدَ الْمَعْقُولَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَا تَنْكِحْ مَا نَكَحَ أَبُوك أَوْ قَالَ تَوَضَّأَ مِنْ لَمْسِ الْمَرْأَةِ إرَادَةَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَإِرَادَةَ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْوَطْءِ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ تَنْكِحُ مَا نَكَحَ أَبُوك وَطْئًا وَلَا عَقْدًا وَتَوَضَّأَ مِنْ اللَّمْسِ مُسَاوٍ وَطْئًا صَحَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] عَلَى الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ وَقَوْلُهُ ﷻ . ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] . عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ النَّصِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسُّ بِالْيَدِ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْوَطْءِ وَإِذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ صَحَّتْ إرَادَةُ الْجَمِيعِ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِهِ. قَالُوا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدُّعَاءُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْخَبَرُ عَنْ حَالِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ لَهُ الْوَيْلُ فَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْوَيْلِ وَخَبَرٌ عَنْ ثُبُوتِ الْوَيْلِ لَهُ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. قَالُوا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ كَمَا إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّهْدِيدُ أَوْ أُرِيدَ بِالْمُشْرِكِينَ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ وَاجِبًا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ يُضَادُّ كَوْنَهُ نَدْبًا أَوْ مُبَاحًا لَا نَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَيَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا إرَادَةُ الْكُلِّ يُضَادُّ إرَادَةَ الْبَعْضِ فَأَمَّا إرَادَةُ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ فَلَا يُضَادُّ إرَادَةَ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْجِمَاعِ فَلَا يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا. وَلِمَنْ ذَهَبَ إلَى امْتِنَاعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ فَيَكُونُ فَاسِدًا. وَبَيَانُ الِاسْتِحَالَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ وَالْمَجَازُ مَا يَكُونُ مُتَجَاوِزًا عَنْ مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِهِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِهِ وَمُتَجَاوِزًا عَنْهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يُحِلُّ مَكَانَيْنِ. وَثَانِيهَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِمَا يَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ أَوَّلًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ أَيْضًا لِلْعُدُولِ بِهَا عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهَا مُرَادًا أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَالِاسْتِحَالَةُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. وَثَالِثُهَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَلِمَةِ فِيمَا هِيَ مَجَازٌ فِيهِ يُوجِبُ إضْمَارَ كَافِ التَّشْبِيهِ لِمَا عُرِفَ وَاسْتِعْمَالُهَا فِيمَا هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِهِ تَنَافٍ. وَرَابِعُهَا أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُعْقَلُ مِنْ

стр. 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] الْخِطَابِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ، وَالْحَقِيقَةُ تُفْهَمُ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ الْوَاحِدُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَكِنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ اعْتَرَضُوا عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ فَقَالُوا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَقِرَّةٌ فِي مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً وَالْمَجَازُ مُتَجَاوِزٌ عَنْ مَوْضِعِهِ كَذَلِكَ بَلْ اللَّفْظُ صَوْتٌ وَحَرْفٌ يَتَلَاشَى كَمَا وُجِدَ فَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّجَاوُزِ وَلَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَيْ تَلَفَّظَ بِهِ وَأُرِيدَ بِهِ مَوْضُوعُهُ وَغَيْرُ مَوْضُوعِهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَا وُضِعَتْ الْكَلِمَةُ لَهُ أَوْ لَا بَلْ اللَّازِمُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَهُوَ الْمَجْمُوعُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إرَادَتِهِمَا مَعًا أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ مُرَادًا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت الْأَسْوَدَ وَأَرَادَ بِهِ أَسَدًا وَرِجَالًا شُجْعَانًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُضْمِرَ كَافَ التَّشْبِيهِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَلْزَمُنَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ إذَا عَرِيَ عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ثُمَّ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ بِهِمَا جَمِيعًا وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَهَاءٌ وَفِي الْجَوَابِ عَنْهَا كَلَامٌ طَوِيلٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَيَيْنِ تَجُوزُ عَقْلًا وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ لُغَةً؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا قَوْلَهُمْ حِمَارٌ لِلْبَهِيمَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَحْدَهَا وَتَجَوَّزُوا بِهِ فِي الْبَلِيدِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيهِمَا مَعًا أَصْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْبَهِيمَةُ وَالْبَلِيدُ جَمِيعًا وَإِذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارَيْنِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ بَهِيمَتَيْنِ وَبَلِيدَيْنِ بِوَجْهٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا خَارِجًا عَنْ لُغَتِهِمْ فَلَا تَجُوزُ (فَإِنْ قِيلَ) صِحَّةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمْ إذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَأَمَّا إذَا جَوَّزْنَاهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَا يُعَدُّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى طَرِيقَةٍ مَنْقُولَةٍ عَنْهُمْ وَهُوَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ (قُلْنَا) نَعَمْ وَلَكِنْ إذَا صَحَّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ الَّذِي يَجُوزُ إطْلَاقُ اسْمِ جُزْئِهِ عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَهُ لِيُثْبِتَ كُلِّيَّتَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ جُزْئِهِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْوَجْهِ أَوْ الرَّقَبَةِ عَلَى الذَّاتِ فَإِنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ اسْمِ الذَّاتِ أَوْ الْإِنْسَانِ أَوْ الْبَدَنِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ وَهُوَ الْوَجْهُ أَوْ الرَّقَبَةُ عَلَيْهِ وَأَنْتَ لَا تَجِدُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ وَالْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ بِالْوَضْعِ لِيُثْبِتَ الْكُلِّيَّةَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَلَا جُزْئِيَّةَ وَلَا كُلِّيَّةَ. وَلَا يُقَالُ الْكُلِّيَّةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَا يَعْدُو عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَكَانَا كُلًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ اسْتِعْمَالَاتِهِمْ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْبَخَرِ وَالْحُمَّى فِي الْأَسَدِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمَجَازِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَلِمَاتِهِمْ. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيمَا حَكَوْهُ

стр. 363

لِمَا قُلْنَا أَحَدُهُمَا مَوْضُوعٌ وَالْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً مَعًا، وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَلِمَوَالِيهِ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ أَنَّ الثُّلُثَ لِلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ وَلَيْسَ لِمَوَالِي مُعْتِقِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مُعْتِقِيهِ مَوَالِيه حَقِيقَةً بِأَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ ــ [كشف الأسرار] عَنْ سِيبَوَيْهِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِمَا مَعًا بَلْ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَبَرُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَقَوْلُهُ اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا أَيْ اجْتِمَاعِ مَفْهُومَيْهِمَا. مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مُرَادَيْنِ احْتِرَازٌ عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ الظَّاهِرِيُّ كَمَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالْمَوَالِي. أَوْ احْتِرَازًا عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُمَا. لِمَا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَفْهُومَيْنِ مَوْضُوعٌ أَيْ مَوْضُوعٌ لَهُ. وَالْآخَرُ أَيْ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ لَهُ. فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَأَدِّيهِ إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. أَوْ يُقَالُ لَمَّا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ مَوْضُوعٌ. وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ مِمَّا وُضِعَ لَهُ؛ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ أَيْ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِهِ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً فِي حَقِّهِ أَيْضًا. يَعْنِي الْأَلْفَاظَ لِلْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ الْكُسْوَةِ لِلْأَشْخَاصِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْكُسْوَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ صِفَةُ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ. وَلَا يُقَالُ إنْ أَرَدْتُمْ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْمُسْتَعَارَ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعِيرِ مَمْلُوكٌ وَمُسْتَعَارٌ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْمِلْكُ وَالْعَرِيَّةُ فِيهِ وَلَكِنْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ لَا يُطَابِقُهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ. لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ هُوَ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ لَا غَيْرُ يَعْنِي كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ أَوْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ مَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بِنِسْبَةِ مَعْنَيَيْنِ. وَكَانَ الْأَحْسَنُ فِي التَّشْبِيهِ أَنْ يُقَالَ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ لَابِسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَبِسَهُ بِكَمَالِهِ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ. إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الِاسْتِحَالَةِ وَبَيَّنَ اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْنِ لِتَعَرُّفِ الِاسْتِحَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَى وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَلِيَكُونَ إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى قَالُوا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . مَعَ أَنَّ اسْمَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ لِلْجَدَّةِ وَبِنْتِ الْوَلَدِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا عَيْنَ مَذْهَبِ الْخُصُومِ. وَأَمَّا حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهَا فَثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِعَيْنِ النَّصِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَّ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ وَالْبِنْتُ الْفَرْعُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُصُولُكُمْ وَفُرُوعُكُمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَمِيعُ. أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَهِيَ أَنَّ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَمَّا حُرِّمَتَا مَعَ بُعْدِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ قَرَابَةُ الْمُجَاوَرَةِ فَالْجَدَّاتُ

стр. 364

وَصَارَ ذَلِكَ كَأَوْلَادِهِ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ فَأَمَّا مَوَالِي الْمَوَالِي فَمَوَالِيه مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمْ مَالِكِيَّةَ الْإِعْتَاقِ فَصَارَ ذَلِكَ مُسَبِّبًا لِإِعْتَاقِهِمْ فَنُسِبُوا إلَيْهِ بِحُكْمِ السَّبَبِيَّةِ مَجَازًا وَالْحَقِيقَةُ ثَابِتَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمَجَازُ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْأَعْلَيْنَ وَالْأَسْفَلِينَ حَتَّى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَوَالِي وَلِلْمُوصِي مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ بَاطِلَةٌ وَهَذِهِ مَعَانٍ يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا مُتَفَاوِتَةٌ أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا ــ [كشف الأسرار] وَالْبَنَاتُ لَأَنْ يَحْرُمْنَ مِنْ قُرْبِ قَرَابَتِهِنَّ وَهِيَ قَرَابَةُ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَلَا يُقَالُ الثَّوْبُ الْمَرْهُونُ إذَا اسْتَعَارَهُ الرَّاهِنُ وَلَبِسَهُ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ. لِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهِ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ بَلْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ لَهُ إذْ هُوَ الْمُطْلَقُ لِلِانْتِفَاعِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالْإِعَارَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ. وَإِطْلَاقُ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ تُصُوِّرَ بِصُورَةِ الْإِعَارَةِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إعَارَةً. قَوْلُهُ (فَصَارَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. كَوِلَادِهِمْ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ صَارَ سَبَبًا لِحَيَاتِهِمْ كَالْأَبِ صَارَ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] . وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ لِحَيَاتِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَمْعِهِ وَنُطِقْهُ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ صَارَ فِي حُكْمِ عَدِيمِ الْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فَالْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ يَصِيرُ مُسَبِّبًا لِحَيَاتِهِ بِإِزَالَةِ مَا هُوَ أَثَرُ الْمَوْتِ فَكَانَ إعْتَاقُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْيَاءِ كَالْوِلَادَةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَمُعْتَقُ الْمُعْتِقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَالِدِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَعَلَى الثَّانِي مَجَازًا كَمَا فِي الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ فَلَا يَدْخُلُ الثَّانِي تَحْتَ الْوَصِيَّةِ. قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ) بِقَوْلِهِ مِلْكًا وَعَارِيَّةً وَتَوْضِيحٌ لِمَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إرَادَةِ مَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْمُعْتَقِينَ وَالْمُعْتِقِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَيُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ النِّصْفُ لِلْمُعْتَقِينَ وَالنِّصْفُ لِلْمُعْتِقِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ تُرَجِّحُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الْعَكْسِ. وَهَذِهِ مَعَانٍ أَيْ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ. يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِالْوَضْعِ. إلَّا أَنَّهَا أَيْ لَكِنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِّ تَسَاوِي الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أَيْ مَفْهُومَاهُمَا. وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الشُّجَاعَ مُخَالِفُ الْأَسَدِ. وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُتَفَاوِتَةٌ لِلِاحْتِيَاجِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَى الْقَرِينَةِ دُونَ الْآخَرِ. أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَانِعِ الْمَوْجُودِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ وَزِيَادَةٌ وَهِيَ عَدَمُ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ. . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ غَيْرَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ بِالْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتَدَلَّ بِجَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَوَازِ التَّعْمِيمِ هَهُنَا وَقَالَ التَّعْمِيمُ هَهُنَا أَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقٍ بَيْنَ مَحَلَّيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَمَّا جَازَ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ بِدُونِ عَلَاقَةٍ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ التَّعْمِيمُ هُنَا مَعَ وُجُودِ التَّعَلُّقِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ لَكِنْ لَمَّا تَمَهَّدَ وَتَقَرَّرَ عِنْدَ

стр. 365

وَلِهَذَا قُلْنَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أُرِيدَتْ بِذَلِكَ النَّصِّ فَبَطَلَ الْمَجَازُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] أَنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْوَطْءُ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ فَبَطَلَ الْحَقِيقَةُ، وَلِهَذَا قِيلَ فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ لِأَبْنَائِهِ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنُو بَنِينَ جَمِيعًا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَبْنَائِهِ دُونَ بَنِي بَنِيهِ لِمَا قُلْنَا. . ــ [كشف الأسرار] الشَّيْخِ انْتِفَاءُ جَوَازِ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ بِدَلَائِلَ قَوِيَّةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ لَمْ يُبَالِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ هَكَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَكَثِيرِهِ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇. «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» . وَقَالَ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ يُسَمَّى خَمْرًا بِاعْتِبَارِ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ هَذَا النَّصِّ كَالْخَمْرِ. فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ حَقِيقَةٌ وَلِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمُخَامَرَةِ وَقَدْ يَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِهَذَا النَّصِّ فَيَخْرُجُ الْمَجَازُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا. وَلَا يُقَالُ قَدْ أَلْحَقَ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ عِنْدَ حُصُولِ السُّكْرِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا الْقَلِيلُ أَيْضًا. لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْكَثِيرِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ ﵇. «وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . لَا بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِلِامْتِنَاعِ الْمَذْكُورِ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] . إنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ حَتَّى لَا يَكُونَ مَسُّ الْمَرْأَةِ حَدَثًا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَحْمِلُ آيَةَ اللَّمْسِ عَلَى الْمَسِّ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا كَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَهَكَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ وَهُوَ الْوَطْءُ أُرِيدَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ بِهَذَا النَّصِّ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا هَهُنَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً. وَلِهَذَا مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْوَطْءِ جَوَّزَهُ لَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ قُرِئَتْ الْآيَةُ بِقِرَاءَتَيْنِ لَامَسْتُمْ وَلَمَسْتُمْ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَاللَّمْسِ فَيُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْوَطْءِ وَالْأُخْرَى عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ كَمَا حَمَلْتُمْ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَقَوْلُهُ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ عَلَى الْحَالَيْنِ (قُلْنَا) لَا نِزَاعَ فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَمْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْخُصُومِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا ذَكَرْتُمْ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» . وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَسُّ بِالْيَدِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَبَعْضُهُمْ الْمُرَادُ هُوَ الْجِمَاعُ وَجَوَّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْمَسَّ حَدَثًا فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَكَوْنِ الْمَسِّ حَدَثًا أَيْضًا عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ فَيَكُونُ مَرْدُودًا كَذَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ. ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانٍ وَلِفُلَانٍ ذَلِكَ أَوْلَادٌ فَالثُّلُثُ لِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا إذَا اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ انْفَرَدَ الْإِنَاثُ فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْوَصِيَّةُ لِبَنِيهِ لِصُلْبِهِ

стр. 366

فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا وَفِيمَنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنَّهُ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَتَقَ عَبْدُهُ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ قَالَ فِي حَرْبِيٍّ اسْتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَبْنَائِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنُونَ وَبَنُو الْبَنِينَ وَفِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ ــ [كشف الأسرار] دُونَ بَنِي ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لِأَوْلَادِ الصُّلْبِ حَقِيقَةٌ وَلِبَنِي الِابْنِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ وَالْمَجَازُ لَا يُزَاحِمُ الْحَقِيقَةَ. وَفِي قَوْلِهِمَا الْكُلُّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْمَجَازِ يَتَنَاوَلُهُمْ فَيُطْلَقُ الْبَنِينَ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْفُرَاتِ. وَلَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُهُ لِصُلْبِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِي حَالَتَيْ الِاخْتِلَاطِ وَالِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ لِلْجِنْسِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ دُونَ أَوْلَادِ ابْنِهِ. ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّانِيَةِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا يُشِيرُ لَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ حَيْثُ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ أَوْ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ. وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْوِفَاقِ فَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ لَفْظَ بَنِي فُلَانٍ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالًا شَائِعًا فَأَمَّا لَفْظُ الْوَلَدِ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي أَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَّلِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ دُونَ مَذْهَبِهِمَا. قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَمْهِيدِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابُ عَنْهَا وَهِيَ عِدَّةُ مَسَائِلَ. إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ وَضْعِ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا حَنِثَ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ حَافِيًا حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرُهُ مَجَازٌ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا مَاشِيًا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ إذَا عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ لَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً. وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَنَهَارًا يَحْنَثُ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ لِلنَّهَارِ حَقِيقَةٌ وَلِلَيْلِ مَجَازٌ. فَإِنْ نَوَى بَيَاضَ النَّهَارِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مَتَى ذُكِرَ مَقْرُونًا بِمَا لَا يَمْتَدُّ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْوَقْتِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ لِبَيَاضِ النَّهَارِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ حَقِيقَةً وَبِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَصِيرُ الْحَقِيقَةُ كَالْمَجَازِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي كَذَا يَنْصَرِفُ إلَى الدُّخُولِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَيُصَدَّقُ إذَا نَوَى حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ فِي الْقَضَاءِ، كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀. وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ السِّيَرِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ. وَالرَّابِعَةُ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَقَعُ عَلَى الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى فُلَانٍ بِالْمَلِكِ حَقِيقَةٌ وَبِغَيْرِهِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي الْمِلْكِ فَيَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ لَا أَدْخُلُ مَسْكَنَ فُلَانٍ فَكَذَا الْجَوَابُ. وَإِنْ قَالَ بَيْتَ فُلَانٍ أَوْ دَارَ فُلَانٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ سُكْنَى فُلَانٍ حَقِيقَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَسْكَنِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ. قَوْلُهُ. (قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ) أَيْ عِبَارَةٌ عَنْهُ. ضَمَّنَ لَفْظَ الْمَجَازِ مَعْنَى الْعِبَارَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِصِلَةِ عَنْ أَوْ كَلِمَةِ عَنْ بِمَعْنَى فِي؛ لِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ تَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ يَعْنِي هُوَ مَجَازٌ

стр. 367

لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ. وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ اسْمٌ لِلْوَقْتِ وَلِبَيَاضِ النَّهَارِ وَدَلَالَةُ تَعَيُّنِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِعْلًا يَمْتَدُّ كَانَ النَّهَارُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ مِعْيَارًا لَهُ وَإِذَا كَانَ لَا يَمْتَدُّ كَانَ الظَّرْفُ أَوْلَى وَهُوَ الْوَقْتُ ثُمَّ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ فَلِذَلِكَ دَخَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَيْلَةَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهَارَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلسَّوَادِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ مِثْلُ النَّهَارِ اسْمٌ لِلْبَيَاضِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. ــ [كشف الأسرار] فِي هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ الدُّخُولُ. لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ أَيْ الدُّخُولَ مُوجِبُ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ سَبَبُهُ فَاسْتُعِيرَ لِحُكْمِهِ. وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ الدُّخُولِ لَا عَنْ مُجَرَّدِ وَضْعِ الْقَدَمِ فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِالرُّكُوبِ وَالتَّنَعُّلِ وَالْحَفَاءِ فَيَحْنَثُ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رَاكِبًا أَوْ حَافِيًا كَمَا فِي إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُطْلَقِ الرَّقَبَةِ لَا بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ كَافِرَةً أَوْ مُؤْمِنَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْ لَا يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَجَازًا عَنْ الدُّخُولِ لَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ (بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّرَادُفِ) وَإِنَّمَا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ ذَكَرَ لَفْظَةَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ مَجَازُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ لَفْظَةَ الْعُمُومِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فَجَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا. وَالْمُطْلَقُ يُشَابِهُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ الشُّيُوعُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ عَامٌّ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْيَوْمِ يُطْلَقُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اتِّفَاقًا وَعَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا وَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَغْلَبِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْهَامِ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنْ خَلَا عَنْ قَرِينَةٍ فَالْحَقِيقَةُ مُتَعَيِّنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا فَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُتَعَيِّنٌ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَالِ فِي الْكَلَامِ بِعَدَمِ إفْهَامِ الْمُرَادِ. ثُمَّ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَيْهِ بِمَظْرُوفِهِ فَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ أَيْ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ بِزَمَانٍ يُقَالُ لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ يَوْمًا وَرَكِبْت هَذِهِ الدَّابَّةَ يَوْمًا وَسَاكَنْته فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ شَهْرًا يُحْمَلُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِقْدَارًا لَهُ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَالْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِزَمَانٍ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ. ثُمَّ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ الْيَوْمُ ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيرِ أَوْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ انْتَصَبَ بِهِ إذْ التَّقْدِيرُ حَرَّرْتُك أَوْ طَلَّقْتُك يَوْمَ كَذَا وَإِنَّهُمَا مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَيَحْنَثُ إذَا قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَفِي قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ التَّفْوِيضُ وَالتَّخْيِيرُ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ حَتَّى لَوْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا وَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ. . وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْيَوْمُ وَهُوَ الْقُدُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَثَلًا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْيَوْمِ إلَيْهِ لِتَعْرِيفِهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَالْأَوْقَاتِ الْمَجْهُولَةِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَا لِلظَّرْفِيَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ يَقْدَمُ فِي انْتِصَابِ يَوْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ إذْ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمُضَافِ بِحَالٍ بَلْ هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَظْرُوفِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَقْدِيرَهُ حَرَّرْتُك فِي يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ أَوْ فَوَّضْت أَمْرَك إلَيْك فِي يَوْمِ قُدُومِهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ بِمَظْرُوفِهِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فِي تَرْجِيحِ

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِمَا لَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ وَإِذَا قُرِنَ بِمَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى بَيَاضِ النَّهَارِ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ. وَذَكَرَ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ اخْتَارِي يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَوْ قَدِمَ بِالنَّهَارِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ فَذِكْرُ الْيَوْمَ فِيهِ لِلتَّوْقِيتِ فَيَتَنَاوَلُ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَذَكَرَ الْيَوْمَ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَقْتِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَةٍ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَ الطَّلَاقُ وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالْخِيَارُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّزَوُّجَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَحُمِلَ فِيهِ عَلَى الْوَقْتِ الْمَظْرُوفِ فَاعْتُبِرَ التَّزَوُّجُ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ. وَكَذَا اعْتَبَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْمُضَافَ إلَيْهِ دُونَ الْمَظْرُوفِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي قَوْلِهِ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَلَمْ يَقُلْ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَهَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَكَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ ﵏ اعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ دُونَ الْمَظْرُوفِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارَ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ إذَا أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَظْرُوفًا لِلْمُضَافِ وَيَكُونُ الْمُضَافُ ظَرْفًا لَهُ لَا مَحَالَةَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِمَّا ذَكَرْت وَفِيهِ مُوَافَقَةُ الْعَامَّةِ وَاحْتِرَازٌ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلَى الْخَطَأِ (قُلْنَا) بَعْدَ مَا ظَفِرَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى مُؤَكَّدَةً بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَالشَّوَاهِدِ يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّاجِذِ وَلَا يُصَارُ إلَى التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ ثُمَّ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَظْرُوفَ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمْتَدًّا كَقَوْلِك أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ. أَوْ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ إنْ اُعْتُبِرَ الْمَظْرُوفُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَظْرُوفُ مُمْتَدًّا وَالْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْمَظْرُوفِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَاعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ يَقْتَضِي حَمْلَ الْيَوْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْأَوْلَى إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ فِي الثَّانِيَةِ إنْ سَافَرَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَاعْتِبَارُ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَقْتَضِي حَمْلُهُ فِي الْأُولَى عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالثَّانِيَةِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ إنْ سَافَرَ أَوْ رَكِبَ لَيْلًا. فَبَعْضُ الْمَشَايِخِ تَسَامَحُوا فِي الْعِبَارَةِ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ وَاعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى حُصُولِ

стр. 369

وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نِسْبَةُ السُّكْنَى إلَيْهِ فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ نِسْبَةِ السُّكْنَى وَفِي نِسْبَةِ الْمِلْكِ نِسْبَةُ السُّكْنَى مَوْجُودَةٌ لَا مَحَالَةَ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْمَجَازِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ فَفِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى أَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ فَبُنِيَ عَلَى الشُّبُهَاتِ ــ [كشف الأسرار] الْمَقْصُودِ وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الْجَوَابِ وَبَعْضَهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَةَ التَّحْقِيقِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا فِيمَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَالْكُلُّ سَلَكُوا طَرِيقَ التَّحْقِيقِ وَاعْتَبَرُوا الْمَظْرُوفَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا. فَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتَبَرَ الْكُلُّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْمَبْسُوطِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ فِيهِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيُعْتَبَرُ الْمَظْرُوفُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُمْتَدٍّ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ مُمْتَدٌّ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَتَابَعَهُمْ فِيهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعَ أَنَّ دَلِيلَ عَدَمِ امْتِدَادِهِ غَيْرُ مُتَّضِحٍ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيَنْدَرِجُ فِي الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفِيَّةَ الَّتِي لَزِمَتْ مِنْ الْإِضَافَةِ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ فِي الْكَلَامِ فَلِذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي اللَّفْظِ أَصْلًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ لَا تَكُونُ مُطَّرِدَةً فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فَأَمَّا الْمَظْرُوفِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي الْكَلَامِ فَهِيَ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي اللَّفْظِ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ يَكُونُ مُطَّرِدَةً فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا إذْ تَرْكُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَاعْتِبَارُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ قَلْبُ الْمَعْقُولِ وَخِلَافُ الْأُصُولِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ جَامِعُ هَذِهِ الْمُتَفَرِّقَاتِ هَذَا مَا يُخَيَّلُ لِي مِنْ الْوَجْهِ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرَاءَى لِي أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَلَعَلَّ نَظَرَ غَيْرِي أَدَقُّ وَمَا قَالَهُ أَصْوَبُ وَأَحَقُّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْمَذْكُورِ أَوْ بِقَوْلِهِ دَارَ فُلَانٍ نِسْبَةُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُعَادَى وَلَا تُهْجَرُ لِذَاتِهَا عَادَةً وَإِنَّمَا تُهْجَرُ لِبُغْضِ صَاحِبِهَا فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةِ نِسْبَةَ السُّكْنَى لَا إضَافَةَ الْمِلْكِ. فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى أَيْ لِمَوْضِعِ السُّكْنَى وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا أَدْخُلُ مَوْضِعَ سُكْنَى فُلَانٍ أَوْ دَارًا مَسْكُونَةً لِفُلَانٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْمِلْكُ وَالْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ فَيَحْنَثُ فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ بِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِالْمِلْكِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّاكِنُ فِيهَا غَيْرَ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَدَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ بِإِجَارَةِ أَوْ بِإِعَارَةٍ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ أَيْضًا. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ لِبَقَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ دَارَ فُلَانٍ عِبَارَةً عَمَّا يُضَافُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الدَّارُ الْمُضَافَةُ إلَيْهِ بِالسُّكْنَى وَبِالْمِلْكِ جَمِيعًا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ فَقِيلَ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَنْوِهَا فَسَكَنَ دَارًا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ إلَى وَقْتِ السُّكْنَى حَنِثَ وَإِنْ سَكَنَ دَارًا لَهُ قَدْ بَاعَهَا بَعْدَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودَ السُّكْنَى فِي دَارٍ مُضَافَةٍ إلَى فُلَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ) الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْكُفَّارُ أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَالْأَمَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْأَمَانُ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْأَبْنَاءِ مَجَازٌ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْوَصِيَّةَ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَمَانِ حَقْنُ الدَّمِ أَيْ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ يُقَالُ حَقَنْت دَمَهُ أَيْ مَنَعْته أَنْ يُسْفَكَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مَحْقُونَةً لِقَوْلِهِ ﵇. «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ» . وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَبَعْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَيَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَاسْمُ الْأَبْنَاءِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ الْفُرُوعَ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ يُقَالُ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو تَمِيمٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى. يَا بَنِي آدَمَ. إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْإِرَادَةِ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ صُورَةِ الِاسْمِ شُبْهَةً فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَافِيَةٌ لَحِقْنَ الدَّمِ كَمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إذَا دَعَا بِهَا الْكَافِرُ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ أَشَارَ أَنْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُ بِك فَظَنَّهُ الْكَافِرُ أَمَانًا لِصُورَةِ الْمُسَالَمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁. أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك فَأَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ لِمَا أَتَى بِهِ إلَى عُمَرَ ﵁ قَالَ لَهُ تَكَلَّمَ فَقَالَ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ حَيٍّ أَمْ مَيِّتٍ فَقَالَ عُمَرُ كَلَامَ حَيٍّ فَقَالَ كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ لَكِنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ فَإِذَا عَزَّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ فِيكُمْ لَمْ نُطْقِكُمْ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا اُقْتُلُوهُ فَقَالَ أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا ثُمَّ تَقْتُلُوهُ فَقَالَ مَتَى أَمَّنْتُك فَقَالَ قُلْت لِي تَكَلَّمْ كَلَامَ حَيٍّ وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالصُّورَةِ وَالشُّبْهَةِ. وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْمُزَاحَمَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إدْخَالَ النَّقْصِ فِي نَصِيبِ الْأَبْنَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَلِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ: النَّافِلَةُ أَحَبُّ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الْوَلَدِ (فَإِنْ قِيلَ) فَهَلَّا اعْتَبَرْتُمْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَانِ لِلْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ فِي الِاسْتِيمَانِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْدَادُ أَوْ الْجَدَّاتُ بِحَالٍ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ صُورَةً (قُلْنَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا صَارَتْ مُرَادَةً فَاعْتِبَارُ الصُّورَةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا مَحَالَةَ وَبَنُو الْبَنِينَ يَلِيقُ صِفَةَ التَّبَعِيَّةِ بِحَالِهِمْ فَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلَا يَكُونُ اتِّبَاعًا لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَهُمْ الْأُصُولُ فَلِهَذَا تُرِكَ اعْتِبَارُ الصُّورَةِ هُنَاكَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَان لَهُمْ كَذَا أَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَلَا يُقَالُ الْجَدُّ أَصْلُ الْأَبِ خِلْقَةً وَلَكِنْ تَبَعٌ لَهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْأَبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الِاسْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ عَنْ الْأَبِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الِابْنِ عَلَى ابْنِ الِابْنِ فَيَلِيقُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ لِلْجَدِّ وَانْتِقَالَ نَصِيبِ الْأَبِ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِلْأَبِ خِلْقَةً فَلَأَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَمَانُ الَّذِي يَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا خِلْقَةً كَانَ أَوْلَى. لِأَنَّا نَقُولُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ

стр. 371

وَهَذَا الِاسْمُ بِظَاهِرِهِ يَتَنَاوَلُهُمْ لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ ظَاهِرُ الِاسْمِ شُبْهَةٌ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا ــ [كشف الأسرار] الِاسْمِ بَعْدَ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مِنْهُ إثْبَاتٌ لَهُ بِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ فَيُعْمَلُ بِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مُعَارِضٌ كَمَا فِي جَانِبِ الْأَبْنَاءِ فَإِنَّ ابْنَ الِابْنِ تَبَعٌ لِلِابْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مُعَارِضٌ فَلَا كَمَا فِي جَانِبِ الْآبَاءِ فَإِنَّ جِهَةَ كَوْنِ الْجَدِّ تَبَعًا فِي الِاسْمِ إنْ كَانَتْ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ فَجِهَةُ كَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْفَةُ مَانِعَةٌ عَنْهُ فَيَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا بَابُ الْمِيرَاثِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْقُرْبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَبَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ جَدِّهِ فَلَا جَرَمَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْأَبِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ أُصُولٌ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَأَنَّهُمْ مُخْتَصُّونَ بِاسْمٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِفُرُوعِهِمْ كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَّ مَعَ أَنَّهُ سُمِّيَ أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] . وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ ﵈ وَكَمَا يَتَنَاوَلُ الْخَالَةَ مَعَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ أُمًّا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] . أَيْ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ وَفِي قَوْلِهِ ﵇. «الْخَالَةُ أُمٌّ» . حَتَّى لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْأَمَانِ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَتْبَاعِ وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرَ بِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ. وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ وَلَهُمْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ لَا يَدْخُلُونَ أَيْضًا بِخِلَافِ بَنِي الْأَبْنَاءِ فَإِنَّهُمْ تَفَرَّعُوا مِنْ الْأَبْنَاءِ فَكَانُوا تَبَعًا لَهُمْ وَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِاسْمِ الْبُنُوَّةِ وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ فَكَانَ الْأَمَانُ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ. وَهَذَا بَيَانُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي لِسَانِهِمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ وَهَكَذَا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَدِّ بَدْرُ بَدْرٍ كَمَا يُقَالُ لِابْنِ الِابْنِ بُسْرُ بُسْرٍ. هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ هَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ (فَإِنْ قِيلَ) إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ يَصِيرُ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ تَبَعًا فَلْيَثْبُتْ الْأَمَانُ هَهُنَا أَيْضًا لِشُبْهَةِ الِاسْمِ تَبَعًا وَفِيهِ حَقْنُ الدَّمِ. (قُلْنَا) لَوْ لَمْ يَحْكُمْ هُنَاكَ بِكِتَابَتِهِ تَبَعًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَمْلُوكًا لِابْنِهِ وَهُوَ شَنِيعٌ جِدًّا أَوْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الِاسْتِخْلَاصِ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا هَهُنَا فَقَدْ أَمْكَنَهُ إحْرَازُ نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِالِاسْتِيمَانِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ارْتِكَابِ جَعْلِ الْمَتْبُوعِ تَبَعًا. وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ شُعَبِ الْحُرِّ لِثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْيَدِ فِيهَا وَإِفْضَائِهَا إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ فَكَمَا تَثْبُتُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْحُرُّ فَكَذَلِكَ نُثْبِتُ لَهُ صِفَةَ الْكِتَابَةِ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْمُكَاتَبُ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْجَدَّ ظَاهِرًا لِيَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ ابْتِدَاءً بِصُورَةِ هَذَا الِاسْمِ لَا أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ. وَالْكِتَابَةُ وَالْحُرِّيَّةُ يَثْبُتَانِ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِأَمْرٍ حُكْمِيٍّ لَا بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا الِاسْمُ أَيْ اسْمُ الْأَبْنَاءِ يَتَنَاوَلُهُمْ يَعْنِي بَنِي الْأَبْنَاءِ. لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ التَّنَاوُلِ يَعْنِي امْتَنَعَ التَّنَاوُلُ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ أُخَرُ تَرِدُ نَقْصًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا عَنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً بَيْنَ أَصْحَابِنَا بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَاسْتَدَلُّوا بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا

стр. 372

وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ كَرَعَ وَاغْتَرَفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا ــ [كشف الأسرار] وَأَبَى الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَأَخُوهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ذَلِكَ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُمَا أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِمَا هَذَا. أَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَنَقُولُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْكُلَهَا حَبًّا كَمَا هِيَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى حَتَّى لَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الْعَيْنَ فَقَدْ نَوَى الْحَقِيقَةَ فَيَصِحُّ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَنَوَى أَكْلَ عَيْنِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مُنْصَرِفَةً إلَى الْخُبْزِ. وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِأَكْلِ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى قَوْلِهِ تَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِالْخُبْزِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ. أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَيْمَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَإِنَّهُ قَالَ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَصْنَعُ مِنْهَا وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ عَيْنَهَا لَا يَحْنَثُ. وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَهَا خُبْزًا أَيْضًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَنَاوُلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا يُرَدُّ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْعَيْنِ حَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ مَجَازُهُ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَهَذَا الْوَجْهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَعَامَّةِ الْمَشَايِخِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحِنْطَةِ لِلْعَيْنِ حَقِيقَةٌ وَلِلْخُبْزِ مَجَازٌ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَكْلَ الْعَيْنِ لَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ وَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْخُبْزِ لَا يَبْقَى الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً. وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مُؤَوَّلٌ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَضَمَهَا حَنِثَ أَيْ إذَا نَوَى الْعَيْنَ وَإِنْ أَكْلَ مِنْ خُبْزِهَا يَحْنَثُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ فَالْيَمِينُ يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَذَلِكَ بِأَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَيْهِ وَيَشْرَبَ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْمَجَازَ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخَانِ. وَعِنْدَهُمَا لَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ بِيَدِهِ أَوْ إنَاءٍ فَشَرِبَ يَحْنَثُ. وَلَوْ شَرِبَ كَرْعًا قِيلَ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقِيلَ يَحْنَثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَمَسْأَلَةُ النَّذْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ. إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ الْيَمِينُ. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَاهُمَا أَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ النَّذْرُ كَانَ نَذْرًا فِي الْأَوَّلِ وَيَمِينًا فِي الثَّانِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا بِالْفَوَاتِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَعَ الْيَمِينِ مُخْتَلِفَانِ بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ الْوَفَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ وَالْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْكَفَّارَةُ وَمُوجِبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْقَضَاءُ وَاخْتِلَافُ أَحْكَامِهِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ ذَاتَيْهِمَا. ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ لِلنَّذْرِ

стр. 373

قِيلَ لَهُ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ فِي الْعَادَةِ اسْمٌ لِمَا فِي بَاطِنِهَا وَمَنْ أَكَلَهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَقَدْ أَكَلَ مَا فِيهَا وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازٌ لِلشُّرْبِ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُجَاوِرُ الْفُرَاتَ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ لَا تَنْقَطِعُ بِالْأَوَانِي لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَامِعِ فَصَارَ ذَلِكَ عَمَلًا بِعُمُومِهِ لَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ــ [كشف الأسرار] حَقِيقَةً لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ثُبُوتِهِ بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ كَمَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلِلْيَمِينِ مَجَازٌ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِهَا بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالتَّوَقُّفُ عَلَى الْقَرِينَةِ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَجَازِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِمَا مَرَّ مِنْ الدَّلَائِلِ فَيَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَتَسْقُطُ الْحَقِيقَةُ بِتَعَيُّنِ الْمَجَازِ مُرَادًا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي. وَرَجَبٌ مُنْصَرِفٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعَلَمِيَّةُ وَفِي الْحَدِيثِ. «إنَّ رَجَبًا شَهْرٌ عَظِيمٌ» . إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُ هَهُنَا غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ هُوَ الرَّجَبُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ الْيَمِينَ لَا رَجَبٌ مِنْهُمْ فَكَانَ مَعْدُولًا عَنْ الرَّجَبِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُمِّ فَلَا يَنْصَرِفُ لِاجْتِمَاعِ الْعَدْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ كَمَا فِي سَحَرَ إذَا أَرَدْت سَحَرَ يَوْمِك عَلَى مَا عُرِفَ. قَوْلُهُ (أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ) إذَا كَانَ لِلَّفْظِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْعَمَلُ بِالْمَجَازِ أَوْلَى عِنْدَهُمَا وَسَتَعْرِفُ السِّرَّ فِيهِ. ثُمَّ لِلْمَجَازِ هَهُنَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ إذَا ذُكِرَتْ مَقْرُونَةً بِالْأَكْلِ يُرَادُ بِهَا فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ يُقَالُ أَكَلْنَا أَجْوَدَ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِ كَذَا أَيْ أَجْوَدَ خُبْزٍ وَيُقَالُ فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ أَيْ خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَمُطْلَقُ الِاسْمِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُمْكِنٌ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا فِي وَضْعِ الْقَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا آكُلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ يُقَالُ أَهْلُ بَلَدِ كَذَا يَأْكُلُونَ الْحِنْطَةَ وَيُرَادُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَجْزَاءِ أَيْ طَعَامُهُمْ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ لَا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّعِيرِ وَإِذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ كَمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ وَضْعِ الْقَدَمِ. وَلَا يُقَالُ فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ أَنْ يَحْنَثَ بِأَكْلِ السَّوِيقِ عِنْدَهُمَا لِوُجُودِ أَكْلِ مَا فِي بَاطِنِهَا. لِأَنَّا نَقُولُ السَّوِيقُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ جِنْسِ الدَّقِيقِ عِنْدَ هُمَا، وَلِهَذَا جَوَّزَا بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا فَلَا يَكُونُ مَا أَكَلَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحِنْطَةِ فَلَا يَحْنَثُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ. قَوْلُهُ (وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ) تَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَجَازِ هُنَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِجَعْلِ قَوْلِهِ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْفُرَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُضْمِرَ فِيهِ مَاءَ الْفُرَاتِ. وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِصَوَابٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ آخَرَ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ صَارَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ. بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْفُرَاتِ مُجَاوِرٍ لَهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْوَادِي وَمِنْ الْفُرَاتِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا قُلْنَا وَالْأَخْذُ بِالْأَوَانِي لَا يَقْطَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ فَيَحْنَثُ بِالْكَرْعِ وَالِاغْتِرَافِ جَمِيعًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِهِ لَا أَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَاءَ الْفُرَاتِ يَصِحُّ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَاءِ. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَذْكُورٍ نَصًّا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَذْكُورًا مُقْتَضَى الشُّرْبِ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ

стр. 374

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ وَيَمِينٌ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَصْلُحُ يَمِينًا بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ وَصَارَ ذَلِكَ كَشَرْيِ الْقَرِيبِ تَمَلُّكٌ بِصِيغَتِهِ وَتَحْرِيرٌ بِمُوجِبِهِ فَهَذِهِ مِثْلُهُ. ــ [كشف الأسرار] نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ كَمَا لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ) يَعْنِي لَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ بِجَمْعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صِيغَتُهُ دَالَّةً عَلَى النَّذْرِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَتَكُونَ دَالَّةً عَلَى الْيَمِينِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ لَا غَيْرُ وَلَكِنَّهُ يَمِينٌ بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ أَيْ حُكْمِهِ وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ لُزُومُ الْمَنْذُورِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قَبْلَ النَّذْرِ مُبَاحَ التَّرْكِ لِيَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا عُرِفَ فَإِذَا لَزِمَ الْمَنْذُورُ بِالنَّذْرِ صَارَ تَرْكُهُ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَرَامًا بِهِ وَصَارَ النَّذْرُ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ لُزُومُ الْمَنْذُورِ، وَتَحْرِيمُ الْمُبَاحِ يَمِينٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مَارِيَةَ أَوْ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ قَالَ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . إلَى أَنْ قَالَ. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] . أَيْ شَرَعَ لَكُمْ تَحْلِيلَهَا بِالْكَفَّارَةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ رَقَبَةً فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ» وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ فَكَانَ النَّذْرُ بِوَاسِطَةِ مُوجِبِهِ يَمِينًا لَا بِصِيغَتِهِ بَلْ هُوَ بِصِيغَتِهِ نَذْرٌ لَا غَيْرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ سُمِّيَ إعْتَاقًا فِي الشَّرْعِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ إزَالَتَهُ لَكِنَّهُ بِصِيغَتِهِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ يُوجِبُ الْعِتْقَ بِقَوْلِهِ ﵇. «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» . فَكَانَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَا بِصِيغَتِهِ. وَكَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ بَيْعٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فَكَذَا هَذَا. (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي ثُبُوتِهَا إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَمَرِضَ فِي الْغَدِ فَأَفْطَرَ أَوْ كَانَ الْحَالِفُ امْرَأَةً فَحَاضَتْ كَانَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (قُلْنَا) بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَرَجَتْ الْيَمِينُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِهَا فَصَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَا يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَذَا قِيلَ. وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِمُوجِبِ النَّذْرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْمَنْذُورِ بِهِ ثَابِتٌ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ فَإِنَّ النَّصَّ جَعَلَهُ يَمِينًا عِنْدَ الْقَصْدِ وَلَمْ يُرِدْ الشَّرْعُ بِكَوْنِهِ يَمِينًا عِنْدَ عَدَمِ الْقَصْدِ وَثُبُوتِهِ ضَمًّا فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهِ يَمِينًا لِوُجُودِ شَرْطِهِ لَكِنْ بِمُوجِبِ النَّذْرِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كَلَامِهِ كَلِمَتَانِ. أَحَدُهُمَا يَمِينٌ وَهُوَ قَوْلُهُ لِلَّهِ فَإِنَّهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ بِاَللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ وَاللَّامَ يَتَعَاقَبَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء: ٤٩] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . الْأُخْرَى نَذْرٌ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيَّ إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَلَبَ مَعْنَى النَّذْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ فَإِذَا نَوَاهُمَا فَقَدْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي كَلِمَتَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ إيجَابًا

стр. 375

وَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا صُورَةً أَوْ مَعْنًى ــ [كشف الأسرار] فِي نَفْسِهِ وَجَوَابُ الْقَسَمِ أَيْضًا إنْ جَازَ ذَلِكَ كَلَأُكْرِمَنَّكَ فِي قَوْلِك وَاَللَّهِ إنْ أَكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ إيجَابَ الصَّوْمِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ كَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصْلُحَ جَوَابًا لِلْقَسَمِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ يَمِينٌ بِمُوجِبِهِ أَنَّ الصَّوْمَ قَبْلَ صُدُورِ هَذِهِ الصِّيغَةِ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ فَبِالنَّذْرِ يَصِيرُ وَاجِبًا وَبِالْيَمِينِ أَيْضًا يَصِيرُ وَاجِبًا فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ الْوُجُوبَ لِغَيْرِهِ كَمَا يَثْبُتُ لِعَيْنِهِ وَإِرَادَةُ الْيَمِينِ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ صِيغَةِ النَّذْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ يَكُونُ يَمِينًا فَعُلِمَ أَنَّ إرَادَةَ الْوُجُوبِ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ صَحِيحَةٌ فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ حَصَلَ هَهُنَا دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِعَيْنِهِ وَهُوَ الصِّيغَةُ وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِغَيْرِهِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِعَيْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ يَصِيرُ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ حَتَّى لَوْ فَاتَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فَكَذَا هَذَا. وَلَا يُقَالُ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ الْوُجُوبُ لَا الْإِيجَابُ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الْكِتَابِ إيجَابًا.؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا سَمَّاهُ إيجَابًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِيجَابِ مِنْ الشَّرْعِ فَيَثْبُتُ الْإِيجَابُ بِهِ اقْتِضَاءً فَسُمِّيَ الْوُجُوبُ إيجَابًا بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُوجِبِ الْمَعْنَى أَيْ هُوَ يَمِينٌ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِيجَابُ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ: فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ فَقَدْ نَوَى مَا هُوَ مَعْنَى النَّذْرِ. [طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ] قَوْلُهُ (وَطَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ) كَذَا اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ وَهِيَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ وَتُرِيدُ الطَّرَفَ الْآخَرَ مُدَّعِيًا دُخُولَ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ دَالًا عَلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِك لِلْمُشَبَّهِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ كَمَا تَقُولُ فِي الْحَمَّامِ أَسَدٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ الشُّجَاعَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأُسُودِ فَيَثْبُتُ لِلشُّجَاعِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِأَفْرَادِهِ فِي الذِّكْرِ. وَإِنَّمَا سَمُّوا هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَجَازِ اسْتِعَارَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَتَى ادَّعَى فِي الْمُشَبَّهِ كَوْنَهُ دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهَا بَرَزَ فِيمَا صَادَفَ مِنْ جَانِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي مَعْرِضِ نَفْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ الدَّعْوَى بُرُوزَ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ الثَّوْبِ الْمُسْتَعَارِ فِي مَعْرِضِ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا فَتَّشَ مَالِكٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالشُّجَاعُ حَالَ دَعْوَى كَوْنِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ حَقِيقَةِ الْأَسَدِ يَكْتَسِي اسْمَ الْأَسَدِ اكْتِسَاءَ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ إيَّاهُ نَظَرًا إلَى الدَّعْوَى. وَذَكَرَ فِي نِهَايَةِ الْإِيجَازِ أَنَّ الْمَجَازَ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الِاسْمِ عَنْ أَصْلِهِ إلَى غَيْرِهِ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَهُمَا عَلَى حَدِّ الْمُبَالَغَةِ وَلَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ لِلتَّشْبِيهِ. وَأَيْضًا لَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ مِنْ بَابِ الْبَدِيعِ وَكُلُّ اسْتِعَارَةٍ فَهِيَ مِنْ الْبَدِيعِ فَلَا يَكُونُ كُلُّ مَجَازٍ اسْتِعَارَةً. . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ مَا عِنْدَهُ فَإِذَا قُلْت رَأَيْت أَسَدًا فَقَدْ أَثْبَتَّ الْأَسَدِيَّةَ لِلرَّجُلِ فَقَدْ حَصَلَ لِلْمُسْتَعِيرِ مَا كَانَ حَاصِلًا لِلْمُعِيرِ فَظَهَرَ وُجُوبُ تَخْصِيصِ اسْمِ الِاسْتِعَارَةِ بِمَا كَانَ النَّقْلُ لِأَجْلِ التَّشْبِيهِ عَلَى حَدِّ الْمُبَالَغَةِ وَلَكِنَّهَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الْمَجَازِ يَعْنِي الْمُرَادِفَ لَهُ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ إيَّاهُ أَنَّ اللَّفْظَ اُسْتُعِيرَ عَنْ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ

стр. 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا اسْتِعَارَةَ الثَّوْبِ. وَعَنْ هَذَا قِيلَ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِعَارَةِ مِنْ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَهُوَ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ مَثَلًا. وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ وَهُوَ الشُّجَاعُ. وَالْمُسْتَعِيرُ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ. وَالْمُسْتَعَارُ وَهُوَ اللَّفْظُ. وَالِاسْتِعَارَةُ وَهِيَ التَّلَفُّظُ. وَمَا تَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ وَهُوَ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ كَمَا لَا بُدَّ فِي اسْتِعَارَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَالِكُ. وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُرِيدُ لُبْسَ الثَّوْبِ. وَالْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ الَّذِي يَلْتَمِسُ الثَّوْبَ. وَالْمُسْتَعَارِ وَهُوَ الثَّوْبُ. وَالِاسْتِعَارَةِ وَهِيَ الِالْتِمَاسُ. وَمَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ وَهُوَ الصَّدَاقَةُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ. وَإِذَا عَرَفْت أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى اسْتِعْمَالٍ لِلَّفْظِ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ كَانَ وَلَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْمُسْتَعْمِلُ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ مِنْهُ ابْتِدَاءَ وَضْعٍ آخَرَ وَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا لَا مَجَازًا. فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ حَصَرُوهُ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ نَوْعًا. إطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ ﵇. «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . أَيْ صِلُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا رَأَتْ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يَتَّصِلُ بِالنَّدَاوَةِ اسْتَعَارَتْ عَنْهُ الْبَلَّ لِمَعْنَى الْوَصْلِ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: شَرِبْت الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ سُمِّيَ الْخَمْرُ إثْمًا لِكَوْنِهَا مُسَبِّبًا لَهَا. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] . أَيْ أَنَامِلَهُمْ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . أَيْ ذَاتَه. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] . سُمِّيَتْ الدَّلَالَةُ كَلَامًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ. وَمِنْهُ قِيلَ كُلُّ صَامِتٍ نَاطِقٌ أَيْ أَثَرُ الْحُدُوثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى مُحْدِثِهِ فَكَأَنَّهُ يَنْطِقُ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَانَتْ بِإِظْهَارِ أُرِيدَ بِشَدِّ الْمِئْزَرِ الِاعْتِزَالُ عَنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شَدَّ الْإِزَارِ مِنْ لَوَازِمِ الِاعْتِزَالِ. وَإِطْلَاقُ أَحَدُ الْمُتَشَابِهَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْإِنْسَانِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ لِتَشَابُهِهِمَا شَكْلًا وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ لِتَشَابُهِهِمَا فِي الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ لِلْأَسَدِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: فَيَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَمِيعًا وَلَيْتَنَا ... إذَا نَحْنُ مِتْنَا ضَمَّنَا كَفَنَانِ وَيَا لَيْتَ كُلَّ اثْنَيْنِ بَيْنَهُمَا هَوًى ... مِنْ النَّاسِ قَبْلَ الْيَوْمِ يَلْتَقِيَانِ أَوْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَعَكْسُهُ قَالَ شُرَيْحٌ أَصْبَحْت وَنِصْفُ الْخَلْقِ عَلَيَّ غَضْبَانُ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ بَيْنَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٍ لَهُ لَا نِصْفَ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّسْوِيَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: إذَا مِتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْت أَفْعَلُ وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . أَيْ رُفَقَاءَ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لَمْ يُرِدْ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا قَبْلَهُ مُؤْمِنِينَ. وَحَذْفُ الْمُضَافِ سَوَاءٌ أُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . أَوْ لَا كَقَوْلِ أَبِي دَاوُد: أَكُلُّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نَارًا وَيُسَمَّى هَذَا مَجَازًا بِالنُّقْصَانِ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعْ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي أَيْ أَنَا ابْنُ رَجُلٍ جَلَا أَيْ أُوضِحَ أَمْرُهُ.

стр. 377

لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْ الصُّوَرِ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنًى لَا ثَالِثَ لَهُمَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاتِّصَالُ بِوَجْهٍ ثَالِثٍ أَمَّا الْمَعْنَى فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ لِلْبَلِيدِ حِمَارٌ وَلِلشُّجَاعِ أَسَدٌ لِاتِّصَالٍ وَمُشَابَهَةٍ فِي الْمَعْنَى بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الصُّورَةُ فَمِثْلُ تَسْمِيَةِ الْمَطَرِ سَمَاءٌ قَالُوا مَازِلْنَا نَطَأُ السَّمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ أَيْ الْمَطَرَ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا صُورَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ عَالٍ عِنْدَ الْعَرَبِ سَمَاءٌ وَالْمَطَرُ مِنْ السَّحَابِ يَنْزِلُ وَهُوَ سَمَاءٌ عِنْدَهُمْ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يُسَمَّى الْحَدَثُ بِالْغَائِطِ لِمُجَاوِرَتِهِ صُورَةً فِي الْعَادَةِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أَيْ عِنَبًا لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا ذَاتًا؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ مَرْكَبٌ بِثُفْلِهِ وَمَائِهِ وَقِشْرِهِ. فَسَلَكْنَا فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَلِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ بِالِاتِّصَالِ فِي الصُّورَةِ وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ وَالتَّعْلِيلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ لَيْسَ بِصُورَةٍ تُحَسُّ فَصَارَ الِاتِّصَالُ فِي السَّبَبِ نَظِيرَ الصُّوَرِ فِيمَا نُحِسُّ وَالِاتِّصَالُ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شُرِعَ اتِّصَالٌ هُوَ نَظِيرُ الْقِسْمِ الْآخَرِ مِنْ الْمَحْسُوسِ. ــ [كشف الأسرار] وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقُ الْمُجَاوِرَةِ كَتَسْمِيَتِهِمْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ بِالْغَائِطِ الَّذِي هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ. وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْخَمْرِ. وَتَسْمِيَتُهُ بِاسْمِ مَا كَانَ كَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الضَّرْبِ ضَارِبًا. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاك» أَيْ أَسْنَانَك. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ ﷻ . ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] . أَيْ فِي الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ نُزُولِ الرَّحْمَةِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ آلَةِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇. ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] . أَيْ ذِكْرًا حَسَنًا، أَطْلَقَ اسْمَ اللِّسَانِ وَأَرَادَ بِهِ الذِّكْرَ إذْ اللِّسَانُ آلَتُهُ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى بَدَلِهِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ أَكَلَ الدَّمَ إذَا أَكَلَ الدِّيَةَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافًا أَيْ ثَمَنَ إكَافٍ. وَإِطْلَاقُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ لِلْعُمُومِ قَالَ تَعَالَى. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] . أَيْ كُلُّ نَفْسٍ. وَمِنْهُ دَعْ امْرَأً وَمَا اخْتَارَهُ أَيْ اُتْرُكْ كُلَّ امْرِئٍ وَاخْتِيَارِهِ. وَإِطْلَاقُ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَإِرَادَةُ وَاحِدٍ مُنَكَّرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] . أَيْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا كَذَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . فَإِنَّهَا مِنْ الْمُبْتَدِئِ سَيِّئَةٌ وَمِنْ اللَّهِ حَسَنَةٌ. وَمِنْهُ مَا يُقَالُ قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ يُرِيدُونَ بِهِ الدُّعَاءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ. وَالْحَذْفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا. وَالزِّيَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وَلَكِنَّ مَا حَصَرَهُ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَيْ الِاتِّصَالُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ بِطَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَضْبَطُ مِمَّا ذَكَرُوهُ إذْ لَا يَكَادُ يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك تَدَاخُلُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. قَوْلُهُ (كُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ الصُّوَرِ) أَيْ مِنْ الْمَحْسُوسَاتِ الَّتِي يَجْرِي فِي أَسْمَائِهَا الْمَجَازُ. وَلَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُصَوَّرٌ يَكُونُ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنًى مَا زِلْنَا نَطَأُ السَّمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ أَيْ كُنَّا فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ بِسَبَبِ الْمَطَرِ إلَى أَنْ وَصْلَنَا إلَيْكُمْ وَقَالَ الشَّاعِرُ: إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا أَيْ إذَا نَزَلَ الْمَطَرُ بِأَرْضِ قَوْمٍ وَنَبَتَ الْكَلَأُ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْمُ كَارِهِينَ غِضَابًا وَلَمْ نَلْتَفِتْ إلَى غَضَبِهِمْ؛ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ صُورَةً؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك. وَمِنْهُ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ سَمَاءٌ وَقَالَ تَعَالَى. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ وَهُوَ سَمَاءٌ عِنْدَهُمْ فَكَانَ بَيْنَ الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ الَّذِي هُوَ السَّمَاءُ اتِّصَالٌ فَسُمِّيَ الْمَطَرُ بِاسْمِهِ وَهُوَ السَّمَاءُ. سُمِّيَ بِهِ الْغَائِطُ أَيْ سُمِّيَ الْحَدَثُ بِاسْمِ الْمَكَانِ الْمُطَمْئِنِ وَهُوَ الْغَائِطُ. لِمُجَاوِرَتِهِ أَيْ لِمُجَاوِرَةِ الْحَدَثِ الْمَكَانَ الْمُطَمْئِنَ صُورَةً فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْمُطَمْئِنِ مِنْ الْأَرْضِ عَادَةً وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الْعَصِيرِ الَّذِي يَصِيرُ خَمْرًا وَبَيْنَ الْعِنَبِ.؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ مُرَكَّبٌ بِثُفْلِهِ هُوَ مَا سَفَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيُقَالُ تَرَكْت بَنِي فُلَانٍ مُثَافَلِينَ أَيْ يَأْكُلُونَ الثُّفْلَ يَعْنُونَ الْحَبَّ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ لَبَنٌ وَكَانَ طَعَامُهُمْ الْحَبَّ. قَوْلُهُ (فَسَلَكْنَا فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَلِ) وَالْأَحْكَامِ أَيْضًا أَيْ فِي الْمَشْرُوعَاتِ جَمْعَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وَهُمَا الِاتِّصَالُ صُورَةً وَالِاتِّصَالُ مَعْنًى وَجَوَّزَنَا

стр. 378

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ الْقُرْبُ وَالِاتِّصَالُ وَذَلِكَ ثَابِتٌ بَيْنَ كُلِّ مَوْجُودَيْنِ مِنْ حَيْثُ وُجِدَا وَالْمَشْرُوعُ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ وَسَبَبِهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فَصَحَّتْ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ. ــ [كشف الأسرار] بِهِمَا الِاسْتِعَارَةَ فِيهَا فَالِاسْتِعَارَةُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ وَالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ بِالْمُجَاوِرَةِ الَّتِي بَيْنَهَا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَالِاتِّصَالُ الصُّورِيُّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ الِاتِّصَالُ فِي السَّبَبِ نَظِيرَ الصُّوَرِ فِيمَا يُحَسُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مَعْنًى إذْ مَعْنَى السَّبَبِ الْإِفْضَاءُ إلَى الشَّيْءِ وَمَعْنَى الْمُسَبَّبِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَكَذَا مَعْنَى الْعِلَّةِ الْإِيجَابُ وَالْإِثْبَاتُ وَمَعْنَى الْمَعْلُولِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى بِوَجْهٍ فَكَانَ هَذَا الِاتِّصَالُ مِنْ قَبِيلِ اتِّصَالِ الْمَطَرِ بِالسَّحَابِ. وَالِاسْتِعَارَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ بِالْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتْ لَهُ نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ بِالِاتِّصَالِ الْمَعْنَوِيِّ. فَنَظِيرُ الْأُولَى اسْتِعَارَةُ الشِّرَاءِ لِلْمِلْكِ وَلَفْظُ الْعِتْقِ لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ لِلِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ كَمَا فِي الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ لَا بِالْمَعْنَوِيِّ إذْ لَيْسَ بَيْنَ مَعْنَى الشِّرَاءِ وَمَعْنَى الْمِلْكِ مُنَاسَبَةٌ. وَكَذَا بَيْنَ مَعْنَى الْعِتْقِ وَمَعْنَى زَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَنَظِيرُ الثَّانِيَةِ اسْتِعَارَةُ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْحَوَالَةِ نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ نَقْلُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فَلِذَلِكَ اسْتَعَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَفْظَ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَالَ فِي الْمُضَارِبِ وَرَبُّ الْمَالِ إذَا افْتَرَقَا وَلَيْسَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَبَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ دَيْنٌ لَا يُجْبَرُ الْمُضَارِبُ عَلَى نَقْلِ الدُّيُونِ وَيُقَالُ لَهُ أَحِلْ رَبَّ الْمَالِ عَلَيْهِمْ أَيْ وَكِّلْهُ بِقَبْضِ الدُّيُونِ. وَكَذَا الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ كَفَالَةٌ لِتَشَابُهِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَمِثْلُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . أَيْ يُورِثُكُمْ. [الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ] قَوْلُهُ (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ) رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُجْزِئُ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إنْشَاءَاتٌ فِي الشَّرْعِ وَأَنَّهَا أَفْعَالُ جَارِحَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ اللِّسَانُ وَمَخَارِجُ الْحُرُوفِ بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ وَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا حَقِيقَةً وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِعْلًا آخَرَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ أَفْعَالُ هَذِهِ الْجَارِحَةِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الِاسْتِعَارَةُ وَالْمَجَازُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي مِنْ بَابِ الْأَخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنَحْوِهَا. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ يَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا وَضَعَتْ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ اسْتَعْمَلَتْ الْمَجَازَ فِي كَلَامِهِمْ وَعُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ طَرِيقَةً يَكُونُ إذْنًا مِنْهُمْ بِالِاسْتِعَارَةِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَصَاحِبِ الشَّرْعِ مَتَى وَضَعَ طَرِيقَ التَّعْلِيلِ كَانَ إذْنًا بِالْقِيَاسِ لِكُلِّ مَنْ فَهِمَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا إنْشَاءُ أَفْعَالٍ وَالْمَجَازُ يَجْرِي فِي الْأَخْبَارِ قُلْنَا الْمَجَازُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَخْبَارِ بَلْ هُوَ جَارٍ فِي سَائِرِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَإِنْ جُعِلَتْ إنْشَاءَاتٍ شَرْعًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا وَالِاسْتِعَارَةُ جَائِزَةٌ فِي الْكَلَامِ إذَا وُجِدَ طَرِيقُهَا كَمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي فَإِذَا أَتَى بِكَلَامٍ هُوَ إنْشَاءٌ لِفِعْلٍ وَذَلِكَ الْكَلَامُ شَبِيهُ كَلَامٍ آخَرَ هُوَ إنْشَاءٌ لِفِعْلٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ. أَنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَيْ أَنَّ مَدْلُولَيْهِمَا مِنْ قَبْلِ حُكْمِ الشَّرْعِ. وَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ أَيْ طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى

стр. 379

وَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظٍ شُرِعَ سَبَبًا أَوْ عِلَّةً لَا يَثْبُتُ مِنْ حَيْثُ يُعْقَلُ إلَّا وَاللَّفْظُ دَالٌ عَلَيْهِ لُغَةً وَالْكَلَامُ فِيمَا يُعْقَلُ وَلَا اسْتِعَارَةَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ شَرْعًا وَلِذَلِكَ وُضِعَ لُغَةً فَكَذَلِكَ مَا شَاكَلَهُ. وَهَذَا فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا لَا يُحْصَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِلَفْظِ التَّحْرِيرِ مَجَازًا وَالْعَتَاقُ يَقَعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ مَجَازًا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فَقَدْ انْعَقَدَ نِكَاحُ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. مَجَازًا مُسْتَعَارًا لَا أَنَّهُ انْعَقَدَ هِبَةً؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَالِ فِي غَيْرِ الْمَالِ لَا يُتَصَوَّرُ وَقَدْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ وُجُوبُ الْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَعَارًا وَلَا اخْتِصَاصَ لِلرِّسَالَةِ بِالِاسْتِعَارَةِ وُجُوهُ الْكَلَامِ بَلْ النَّاسُ فِي وُجُوهِ التَّكَلُّمِ سَوَاءٌ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا فَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ. ــ [كشف الأسرار] تَأْوِيلِ الْمَجَازِ. وَذَلِكَ ثَابِتٌ أَيْ الْقُرْبُ وَالِاتِّصَالُ يَثْبُتُ وَيَتَحَقَّقُ. وَبَيْنَ كُلِّ مَوْجُودَيْنِ أَيْ بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ مِنْ حَيْثُ وُجِدَا فَإِنْ كَانَ وُجُودُهُمَا حِسًّا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا وَيُعْتَبَرُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ وَإِنْ كَانَ وُجُودُهُمَا شَرْعًا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْوُجُودِ. وَالْمَشْرُوعَاتُ تُوجَدُ شَرْعًا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِمَعْنَاهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْبَابِهَا نَحْوُ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُطْلَقًا وَحَاجِزًا وَلَهُ سَبَبُ تَعَلُّقٍ بِهِ وَهُوَ الشِّرَاءُ فَيَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهَا مَعْنًى وَصُورَةً كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ. فَصَحَّتْ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الِاتِّصَالِ الِاسْتِعَارَةُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاتِّصَالَ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَشْرُوعِ جَمِيعًا صُورَةً وَمَعْنًى فَيَجُوزُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْكُلِّ لِمَا مَرَّ أَنَّ جَوَازَ الِاسْتِعَارَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ وَتَحَقُّقِهِ لَا عَلَى التَّوْقِيفِ. وَالْمَشْرُوعُ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ وَبِسَبَبِهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ كَالنِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِكَلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهُ وَبِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ الِانْضِمَامُ وَالِازْدِوَاجُ وَكَذَا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَجَمِيعُ الْمَشْرُوعَاتِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ) بَيَانُهُ أَنَّ تَعَلُّقَ حُكْمِ الشَّرْعِ بِمَا جُعِلَ سَبَبًا لَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ. تَعَلُّقٌ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَنَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ وَقَدْ كَانَتْ اللُّغَةُ دَالَّةً عَلَيْهِ كَتَعَلُّقِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَتَعَلُّقِ الْحِلِّ بِالنِّكَاحِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يُنْكِرُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالْحِلِّ بِالنِّكَاحِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ. وَتَعَلُّقٌ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بَلْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ كَتَعَلُّقِ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِهَذَا تَرَى أَهْلَ الْمِلَلِ يُنْكِرُونَهُ سِوَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِعَارَةُ إنَّمَا تَجْرِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا عُقِلَ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ وَتَعَلُّقٌ لَا فِيمَا لَا يُعْقَلُ فَكَانَتْ جَارِيَةً فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ اسْتِعَارَةً فِي اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بَلْ قَرَّرَهُ عَلَى مَا كَانَ فَيَصِحُّ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَكَمَا قَبْلَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ إيَّاهُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ إذَا تَأَمَّلَتْ فِي أَسْبَابِ الْمَشْرُوعَاتِ وَجَدْتَهَا عِلَّةً عَلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ اللُّغَةِ فِيمَا يَكُونُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَالْكَلَامِ فِيهِ وَلَا اسْتِعَارَةَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ لِإِيجَابِ الْمِلْكِ وَمَوْضُوعٌ لَهُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ. وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقًا حَالٌ عَنْ الْمَفْعُولِ مَعْنًى وَهُوَ الْحُكْمُ إذْ هُوَ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ. وَسَبَبًا مَفْعُولٌ ثَانٍ لِشُرِعَ. وَلَا يَثْبُتُ خَبَرُ إنَّ. وَمَا شَاكَلَهُ نَحْوُ الْهِبَةِ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لُغَةً وَالْإِجَارَةِ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لُغَةً وَكَذَا الْإِعَارَةُ وَالْوَكَالَةُ وَأَشْبَاهُهَا. قَوْلُهُ (وَهَذَا) لَمَّا أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَا ذُكِرَ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَوْنِهِ مُتَّفِقًا بَيْنَ الْجُمْهُورِ فَقَالَ وَهَذَا أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا. وَكَذَا الشَّافِعِيُّ ﵀ يُجِيزُ اسْتِعَارَةَ لَفْظِ التَّحْرِيرِ لِلطَّلَاقِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَى الْعَكْسِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَكَذَا لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ. قَوْلُهُ (مَجَازًا مُسْتَعَارًا) تَرَادُفٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ وَإِنَّمَا أَكَّدَ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ. لَا أَنَّهُ انْعَقَدَ هِبَةً نَفْيٌ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ التَّسَرِّي فِي حَقِّ الْأَمَةِ حَتَّى يَصِحَّ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شَاهِدٍ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَفِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَأَنْ

стр. 380

غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ أَبَى أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ شُرِعَ لِأُمُورٍ لَا يُحْصَى مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلِهَذَا شُرِعَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ بَلْ فِيهِمَا إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا فَلَمْ يَصِحَّ الِانْتِقَالُ عَنْهُ لِقُصُورِ اللَّفْظِ عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْبَابِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ عَقْدٌ خَاصٌّ شُرِعَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ وَهَذَا كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ لَمْ يَقُمْ الْيَمِينُ مَقَامُهُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ احْلِفْ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ الِاسْتِعَارَةُ ــ [كشف الأسرار] يَزِيدَ عَلَى التِّسْعِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَسَمُ وَلَا يَنْحَصِرُ عَدَدُ الطَّلَاقِ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ لَا بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ فَقَالَ الشَّيْخُ نِكَاحُهُ ﵇ بِلَفْظِ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ نِكَاحًا لَا هِبَةً؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ أَحْكَامُ الْهِبَةِ ثَابِتَةً مِنْ تَوَقُّفِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ وَحَقُّ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِمَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ ﵇ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ قَبْلَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ وَلَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ الْهِبَةِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَقَدْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ ﵇ وَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ وُجُوبُ الْقَسْمِ حَتَّى كَانَ يَقُولُ. «اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يُرِيدُ زِيَادَةَ مَحَبَّتِهِ ﵇ لِبَعْضِ نِسَائِهِ. وَقَدْ قِيلَ كَانَتْ الْمَوْهُوبَاتُ أَرْبَعًا. مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. وَزَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أُمَّ الْمَسَاكِينِ الْأَنْصَارِيَّةَ. وَأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جَابِرٍ. وَخَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. وَكَذَا الطَّلَاقُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ ﵇ حَتَّى طَلَّقَ حَفْصَةَ وَسَوْدَةَ ثُمَّ رَاجَعَهُمَا. وَكَذَا الْعِدَّةُ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي طَلَاقِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لِمُطَلَّقَتِهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْمَنْزِلِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا تُنَافِي التَّسَرِّيَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ انْعَقَدَ نِكَاحًا لَا هِبَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَصَحُّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. فَثَبَتَ أَنَّهُ أَيْ لَفْظَ الْهِبَةِ كَانَ مُسْتَعَارًا لِلنِّكَاحِ وَلَمَّا ثَبَتَ جَوَازُ الِاسْتِعَارَةِ فِي حَقِّهِ ﵇ ثَبَتَتْ فِي حَقِّ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرِّسَالَةِ أَثَرٌ فِي مَعْنَى الْخُصُوصِ بِالِاسْتِعَارَةِ وَوُجُوهِ الْكَلَامِ فَإِنَّ مَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ هُوَ التَّخْفِيفُ وَالتَّوْسِعَةُ وَمَا كَانَ يَلْحَقُهُ حَرَجٌ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ النِّكَاحِ فَقَدْ كَانَ ﵇ أَفْصَحَ النَّاسِ. قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا فَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُوَافِقُنَا فِي جَوَازِ جَرَيَانِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ لِلنِّكَاحِ وَيَأْبَى أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِمَا نَذْكُرُ لَا أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تُجْرَى فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ. أَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُ النِّكَاحِ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ عِنْدَنَا وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْقَرْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْحَجَّاجِيَّةِ. وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ مِنْهَا النِّكَاحَ حَتَّى لَوْ طَلَبَ مِنْهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ فَقَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا كَذَا فِي الْمَطْلَعِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ. وَكَانَ شَيْخِي ﵀ يَقُولُ نَاقِلًا عَنْ بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا الْبِنْتِ لَوْ قَالَ وَهَبْتهَا مِنْك لِتَخْدُمَك فَقَالَ قَبِلْت لَا يَكُونُ نِكَاحًا فَلَمَّا احْتَمَلَتْ الْهِبَةُ الْخِدْمَةَ وَالنِّكَاحَ لَا يَتَعَيَّنُ النِّكَاحُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَا ظَفِرْت بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ عَرَبِيًّا كَانَ اللَّفْظُ أَوْ غَيْرَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي قَوْلٍ لَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَاقِدُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَوِّضُ إلَى مَنْ يُحْسِنُهَا. وَفِي قَوْلٍ إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَا يَنْعَقِدُ وَإِلَّا فَيَنْعَقِدُ. وَالْمَعْنَى فِيهِ

стр. 381

وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُفَاوَضَةِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَكُمْ كَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ ــ [كشف الأسرار] أَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَقَاصِدَ جَمَّةٍ لَا تُحْصَى مِمَّا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ وَتَحْصِينِ الدِّينِ وَثُبُوتِ صِفَةِ الْإِحْصَانِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ تَبَعًا ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا بَعْدَ النِّكَاحِ لَا مَقْصُودًا فِي الْبَابِ فَشُرِعَ بِلَفْظٍ يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لُغَةً وَهُوَ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ فَإِنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الضَّمِّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ. وَكَذَا لَفْظُ التَّزْوِيجِ يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ لُغَةً عَنْ الِازْدِوَاجِ وَالتَّلْفِيقِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا كَزَوْجَيْ الْخُفِّ وَمِصْرَاعَيْ الْبَابِ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّمْلِيكِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِمَا مِلْكُ الْعَيْنِ أَصْلًا وَالْهِبَةُ وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّمْلِيكِ لَا يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ أَعْنِي عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَهُوَ النِّكَاحُ أَوْ التَّزْوِيجُ إلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِقُصُورِهَا عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي إفَادَةِ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ بِالنِّكَاحِ كَمَا لَا يَصِحُّ الِانْتِقَالُ إلَى لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِحْلَالِ مَعَ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ أَقْرَبُ إلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَفْظُ الْإِحْلَالِ أَقْرَبُ إلَى مَعْنَى النِّكَاحِ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّكَاحِ إلَّا اسْتِحْلَالُ الْفَرْجِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الْإِجَارَةِ وَالْإِحْلَالِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ إلَى أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ كَانَ أَوْلَى. إلَّا أَنَّ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ قُصُورٍ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وَتَوْسِعَةً لِلُّغَاتِ فِي حَقِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَقْدٌ خَاصٌّ أَيْ مُخْتَصٌّ بِلَفْظٍ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ. شُرِعَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَيْ بِلَفْظٍ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الْعَقْدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ النِّكَاحَ لَفْظٌ خَاصٌّ وَلَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ آخَرَ مُقَامَهُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ لَهَا لَفْظٌ خَاصٌّ وَلَهُ حُكْمٌ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي لَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ آخَرَ مُقَامَهُ وَهُوَ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ وَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهِ. وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَمِينَ مَا وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ لِلدَّفْعِ وَالْإِثْبَاتُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الدَّفْعِ، وَالْبَيِّنَةُ وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ وَضْعِ لِلْإِثْبَاتِ بِوَاسِطَةٍ مُقَامَ لَفْظِ وُضِعَ لِلْإِثْبَاتِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهَكَذَا بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ تَثْبُتُ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ إقَامَتُهَا مُقَامَ مَا يُوجِبُ الْمَقَاصِدَ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ وَلَفْظُ الْيَمِينِ مُوجِبٌ لِغَيْرِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ إذْ هُوَ لَفْظٌ وُضِعَ لِلْإِثْبَاتِ وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ حَتَّى ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِ إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِذَاتِهِ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] . وَالْيَمِينُ مُوجِبَةٌ لِغَيْرِهَا وَهُوَ صِيَانَةُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْهَتْكِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْيَمِينِ مُقَامَهُ لِقُصُورِ لَفْظِ الْيَمِينِ عَنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا لَا يَقُومُ قَوْلُهُ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ إنْشَاءٌ وَذَلِكَ إخْبَارٌ فَكَانَ قَاصِرًا عَنْ الْإِنْشَاءِ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَهُ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُفَاوَضَةِ) أَيْ وَكَالشَّهَادَةِ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظَةِ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَكُمْ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْمُفَاوَضَةَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ أَصْلًا حَتَّى قَالَ إنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَقْدٌ فَاسِدٌ فَهُوَ

стр. 382

وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا رِوَايَةَ الْأَحَادِيثِ بِالْمَعَانِي وَالْجَوَابُ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِهِ تَبَعًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قَامَ هَذَا الِاتِّصَالُ مَقَامَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهَذَا الِاتِّصَالِ بَيْنَ السَّبْيَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ ــ [كشف الأسرار] الْمُفَاوَضَةُ وَرُبَّمَا قَالَ إنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْقِمَارِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ يَعْنِي حُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ.؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ لَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُؤَدِّي مَعْنَى الشَّرِكَةِ. لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ أَيْ مَعْنَى عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ أَوْ مَعْنَى لَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اشْتِقَاقَ هَذَا اللَّفْظِ إمَّا مِنْ التَّفْوِيضِ سُمِّيَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضَ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ فِي جَمِيعِ مَالِ التِّجَارَةِ. أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ النَّاسُ فَوْضَى فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْ سَوَاءٌ لَا تَبَايُنَ بَيْنَهُمْ وَسُمِّيَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِكَةِ وَيَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ الْبَعْضِ لَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ اسْتِعَارَتُهَا لِلْمُفَاوَضَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظَةِ الْمُفَاوَضَةِ حَتَّى إذَا لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمُفَاوَضَةِ كَانَ عِنَانًا عَامًّا وَالْعِنَانُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُونُ عَامًّا قَالَ وَتَأْوِيلُ هَذَا إنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْمُفَاوَضَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا الرِّضَاءُ بِحُكْمِ الْمُفَاوَضَةِ قَبْلَ عِلْمِهِمَا بِهِ وَيُجْعَلُ تَصْرِيحُهَا بِالْمُفَاوَضَةِ قَائِمًا مُقَامَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَعَاقِدَانِ يَعْرِفَانِ أَحْكَامَ الْمُفَاوَضَةِ صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا إذَا ذَكَرَا مَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحَا بِلَفْظِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا) . أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا قَصُرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ عَنْ تَأْدِيَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ لَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ نَقْلَ الْأَحَادِيثِ بِالْمَعَانِي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَكَانَ مُخْتَصًّا بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَلَا يُؤَدِّي لَفْظٌ آخَرُ مَعْنَى لَفْظِهِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِقُصُورِهِ عَنْهُ. وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ عِنْدَهُمْ فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاطِعِ ذَكَرَ فِيهِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كُلُّ مَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ فَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى لَا مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْهَا فَفِيهِ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِلَفْظِهِ كَقَوْلِهِ ﵇ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» . وَكَقَوْلِهِ ﵇. «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قَالَ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْجَوَازُ بِكُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . أَيْ أَحْلَلْنَا لَك مَنْ وَقَعَ لَهَا أَنْ تَهَبَ لَك نَفْسَهَا وَلَا تَطْلُبُ مَهْرًا مِنْ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ إنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ وَمَتَى جَازَ نِكَاحُ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ قُدْوَةُ الْأُمَّةِ جَازَ لِلْأَمَةِ إلَّا حَيْثُ تَثْبُتُ الْخُصُوصِيَّةُ. وقَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَةً﴾ [الأحزاب: ٥٠] . مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَوَعْدِ اللَّهِ وَكِتَابِ اللَّه أَيْ خَلَصَ لَك إحْلَالُ مَا أَحْلَلْنَا لَك خُلُوصًا. وَالْفَاعِلُ وَالْفَاعِلَةُ فِي الْمَصْدَرِ غَيْرُ عَزِيزٍ كَالْخَارِجِ وَالْقَاعِدِ وَالْعَافِيَةِ وَالْكَاذِبَةِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. أَوْ هِيَ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَهَبْت أَيْ هِبَةً خَالِصَةً لَك بِغَيْرِ بَدَلٍ وَكَانَ ﵇ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَا تَخْلُصُ لَهُمْ بَلْ يَجِبُ الْبَدَلُ حُكْمًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا صَدْرُ الْآيَةِ وَسِيَاقُهَا فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَفِي سِيَاقِهَا ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخُلُوصَ لَهُ الْإِبَاحَةُ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَأَنْ لَا إبَاحَةَ لِغَيْرِهِ إلَّا بِفَرْضٍ وَمَهْرٍ. وَلِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لِإِبَانَةِ الشَّرَفِ وَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ بِاللَّفْظِ إذْ لَيْسَ فِي إطْلَاقِ الْعِبَارَةِ بِلَفْظٍ

стр. 383

وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ جُعِلَتْ فُرُوعًا وَثَمَرَاتٍ لِلنِّكَاحِ وَبُنِيَ النِّكَاحُ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْقُولٌ مَعْلُومٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَهْرَ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ لَهَا وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْت أَصْلًا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ لَمَا صَحَّ إيجَابُ الْعِوَضِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلِهَذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قُلْنَا لَمَّا شُرِعَ هَذَا الْحُكْمُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَلَا يَخْتَصَّانِ بِالْمِلْكِ وَضْعًا وَلُغَةً فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَهِيَ لِلتَّمْلِيكِ وَضْعًا أَوْلَى ــ [كشف الأسرار] دُونَ لَفْظٍ فَائِدَةٌ وَلَا عُسْرَ فِي الْعِبَارَةِ وَلَا حَرَجَ خُصُوصًا لِمَنْ كَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إنَّمَا الْفَائِدَةُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ. وَإِمَامُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلِيٌّ ﵁ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ ابْنَتَهُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ فَأَجَازَ عَلِيٌّ ﵁ ذَلِكَ. وَلَمَّا ثَبَتَ الِانْعِقَادُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ثَبَتَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْإِيجَابِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ وَالنِّكَاحِ لَا يَكُون إلَّا بِعِوَضٍ فَكَانَ الْبَيْعُ أَقْرَبَ إلَى النِّكَاحِ مِنْ الْهِبَةِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَاب بِقَوْلِهِ وَالْجَوَابُ أَيْ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ مُقَامَ لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِانْعِدَامِ الْمُجَوِّزِ هُوَ أَنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَسَائِرَ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ. وُضِعَ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ. وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ أَيْ مُوجِبٌ لَهُ إذَا كَانَ الْمَحِلُّ قَابِلًا لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِهِ تَبَعًا لَهُ فَكَانَ أَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ اسْتِعَارَةُ اللَّفْظِ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ سَبَبًا لَهُ كَمَا اسْتَعَارَتْ لَفْظَ السَّمَاءِ لِلْكَلَإِ فِي قَوْلِهِمْ: إذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَيْ الْكِلَأَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا ؛ لِأَنَّ السَّمَاء سَبَبُ الْمَطَرِ وَالْمَطَرُ سَبَبُ الْكِلَأَ وَكَمَا اسْتَعَارُوا لَفْظَ الْمَسِيسِ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ سَبَبُ انْبِعَاثِ الشَّهْوَةِ وَذَلِكَ مُؤَدِّي إلَى الْجِمَاعِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ الشَّأْنُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُودِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ بِوَاسِطَةِ الرَّقَبَةِ قَامَ هَذَا الِاتِّصَالُ مَقَامَ الِاتِّصَالِ الذَّاتِيِّ بَيْنَ الْمَحْسُوسِينَ. فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ لِهَذَا الِاتِّصَالِ أَيْ لِأَجْلِ هَذَا الِاتِّصَالِ الْمَوْجُودِ بَيْن السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ. الْمُرَادُ بِالسَّبْيَيْنِ أَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ وَأَلْفَاظُ النِّكَاحِ وَمِنْ الْحُكْمَيْنِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ فَالِاتِّصَالُ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ أَحَدُهُمَا بِوَاسِطَةٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَكَذَا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَقَامَ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ يَعْنِي فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ لِهَذَا الْمَجَازِ وَهُوَ النِّكَاحُ لِنُبُوَّتِهِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ لِصَلَاحِيَةِ الْمَحَلِّ لِلْوَصْفِ بِالْحَقِيقَةِ (فَإِنْ قِيلَ) مِلْكُ الْمُتْعَةِ فِي النِّكَاحِ غَيْرُ مَا يَثْبُتُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ لِتَغَايُرِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَأَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ لَا يُعْرَفُ سَبَبًا لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بَلْ عُرِفَ سَبَبًا لِلنَّوْعِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِهَا. (قُلْنَا) مِلْكُ الْمُتْعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ وَالْوَطْءِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ لَكِنَّ تَغَايُرَ الْأَحْكَامِ لِتَغَايُرِهِمَا حَالًا لَا ذَاتًا فَإِنَّهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ يَثْبُتُ مَقْصُودًا بِهِ وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ يَثْبُتُ تَبَعًا لَهُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِتَغَايُرِ الْحَالَةِ مَعَ اتِّحَادِ الذَّاتِ كَالثَّمَرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالشَّجَرِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الشَّفِيعِ وَلَا يَتَعَلَّقُ إذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً فَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِتَغَايُرِ الْحَالِ دُونَ الذَّاتِ وَنَحْنُ إنَّمَا اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي الْمَحَلِّ فَيَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمَحَلُّ فَإِذَا جَعَلْنَا لَفْظَ الْهِبَةِ مَجَازًا أَثْبَتْنَا بِهِ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَصْدًا لَا تَبَعًا فَيَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ وَلَا يَثْبُتُ أَحْكَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ) أَيْ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ شُرِعَ لِأُمُورٍ لَا تُحْصَى مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا

стр. 384

وَإِنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَإِنْ لَمْ يُوضَعَا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ جُعِلَا عَلَمًا لِهَذَا الْحُكْمِ وَالْعَلَمُ يَعْمَلُ وَضْعًا لَا بِمَعْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمَعَانِي لِصِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى نَحْوِ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْقِيَاسِ فَلَمَّا ثَبَتَ الْمِلْكُ بِهِمَا وَضْعًا صَحَّتْ التَّعْدِيَةُ بِهِ إلَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ ــ [كشف الأسرار] فَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ هُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ وَمَا وَرَاءَهُ مِنْ فُرُوعِ النِّكَاحِ وَثَمَرَاتِهِ لَا مِنْ الْأُمُورِ الْأَصْلِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا يَصْلُحُ وَضْعُ النِّكَاحِ لِأُمُورٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْصُلُ وَرُبَّمَا لَا تَحْصُلُ وَقَدْ تَحْصُلُ بَعْضُهَا دُونَ الْبَعْضِ فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مُبَيِّنًا لَهَا إذْ لَا بُدَّ لِلْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يَثْبُتَ عَقِيبَ عِلَّتِهِ لَا مَحَالَةَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ عَقِيبَ أَسْبَابِهَا فَيُجْعَلُ مُبَيِّنًا عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِهِ أَمْرٌ مَعْقُولٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ قَوَّامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ كَالْمَوْلَى عَلَى الْأَمَةِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْبَدَلَ وَهُوَ الْمَهْرُ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ لَهَا عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْمَصَالِحِ أَصْلًا فِي النِّكَاحِ لَمَا كَانَ إيجَابُ الْبَدَلِ عَلَى أَحَدِهِمَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَصَالِحِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا هُوَ مَعْلُومٌ أَيْضًا بِلَا شُبْهَةٍ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ قَطْعًا فَكَانَ جَعْلُهُ أَصْلًا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الْمِلْكُ قُلْنَا إلَى آخِرِهِ وَالتَّقْرِيبُ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ وَضْعًا وَلُغَةً تَرَادُفٌ. أَوْ وَضْعًا أَيْ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَلُغَةً أَيْ فِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ) . جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِيهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنْبِئَانِ عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ بِوَجْهٍ لُغَةً. أَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. فَقَالَ إنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ أَيْ إثْبَاتُ هَذَا الْحُكْمِ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمَيْنِ لِهَذَا الْحُكْمِ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمِلْكِ بِهِمَا، وَالْعَلَمُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ بِعَيْنِهِ لَا بِمَعْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْمَ الْمَوْضُوعَ لِلشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يُعْقَلْ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ مَعْنَاهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْلَامَ تَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَعْنَاهَا فَإِنَّ الْقَصِيرَ يُسَمَّى طَوِيلًا وَالْأَسْوَدَ يُسَمَّى كَافُورًا وَيَدُلَّانِ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مَعْنَى الطُّولِ وَالْبَيَاضِ أَصْلًا كَمَا أَنَّ النُّصُوصَ يُوجِبُ الْأَحْكَامَ بِعَيْنِهَا سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهَا أَوْ لَمْ يُعْقَلْ. وَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى الْقِيَاسِ يُعْتَبَرُ الْمَعَانِي فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا اُحْتِيجَ إلَى الِاسْتِعَارَةِ تُعْتَبَرُ الْمَعَانِي لِيَصِحَّ اسْتِعَارَةُ هَذَا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ. فَلَمَّا ثَبَتَ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ فِي الْبَابِ. بِهِمَا أَيْ بِلَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وُضِعَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا دَلَالَةٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى الْمِلْكِ. صَحَّتْ التَّعْدِيَةُ بِهِ أَيْ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَكَانَتْ الْبَاءُ زَائِدَةً. أَوْ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ. بِهِ أَيْ بِكَوْنِ الْمِلْكِ ثَابِتًا بِهِمَا وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. إلَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِحْلَالِ وَأَخَوَاتِهَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ وَالْإِعَارَةَ لِتَمْلِيكِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ. وَالْإِقْرَاضُ بِمَعْنَى الْإِعَارَةِ أَيْضًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ أَنَّ الْإِقْرَاضَ فِي مَحَلِّ الْمُتْعَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْآدَمِيُّ وَالِاسْتِقْرَاضُ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا لَفْظُ الْإِحْلَالِ فَلَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ أَصْلًا وَكَذَا الْإِبَاحَةُ وَالتَّمَتُّعُ فَإِنَّ مَنْ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا يُتْلِفُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ فَكَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي النِّكَاحِ

стр. 385

فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا صَحَّتْ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلْبَيْعِ وَالْمُنَاسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ قَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا لَا مَحَالَةَ لَا يُنَاسِبُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ إلَّا وَذَلِكَ يُنَاسِبُهُ كَالْأَخَوَيْنِ قِيلَ لَهُ الِاتِّصَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّصَالُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ وَالثَّانِي اتِّصَالُ الْفَرْعِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ فَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهَا وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِلَّتِهِ فَاسْتَوَى الِاتِّصَالُ فَعُمِّمَتْ الِاسْتِعَارَةُ. وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ النِّصْفَ الْبَاقِي لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْكُلُّ فِي مِلْكِهِ ــ [كشف الأسرار] لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ. وَكَذَا لَفْظُ الْوَصِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ أَصْلًا بَلْ مُوجِبُهُ الْخِلَافَةُ مُضَافَةٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ صَرَّحَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ مُضَافًا لَا يَصِحُّ أَيْضًا (فَإِنْ قِيلَ) الْهِبَةُ أَيْضًا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا الْقَبْضُ (قُلْنَا) الْهِبَةُ لَا تُوجِبُ إضَافَةَ الْمِلْكِ وَلَكِنْ لِضَعْفٍ فِي السَّبَبِ لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْعِوَضِ بِتَأَخُّرِ الْمِلْكِ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى بِالْقَبْضِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ الضَّعْفُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَجِبُ بِهِ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فَلِهَذَا كَانَ مُوجِبًا مِلْكَ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالنِّكَاحِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَتْ عَقِيبَ الْعَقْدِ تَقَرَّرَ الْبَدَلُ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ عَيْنٍ فَسَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ إنَّ تَرَاخِيَ الْمِلْكِ عَنْ الْهِبَةِ لَيْسَ مِنْ مُوجِبِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْقَبْضَ لَوْ سَبَقَ الْهِبَةَ مُلِّكَ بِنَفْسِهَا وَلَكِنْ نَفَيَا عَنْ الْمُتَبَرِّعِ عُهْدَةَ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ عِبَارَةً عَنْ نِكَاحٍ مُطْلَقٍ ثُمَّ النِّكَاحُ لَا يَقَعُ تَبَرُّعًا لِيَتَأَخَّرَ الْمِلْكُ نَفْيًا لِلْعُهْدَةِ عَنْهَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْلِكَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا صَحَّتْ) هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ لِهَذَا الِاتِّصَالِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّتْ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلنِّكَاحِ لِلِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ يَلْزَمُ أَنْ تَصِحَّ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلْبَيْعِ وَالْهِبَةِ أَيْضًا لِقِيَامِ الِاتِّصَالِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَرَفَيْنِ لِيَقُومَ بِهِمَا وَلَا يَتَّصِلُ الشَّيْءُ بِغَيْرِهِ إلَّا وَأَنْ يَكُون ذَلِكَ الْغَيْرُ مُتَّصِلًا بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ كَالْأُخُوَّةِ لَمَّا افْتَقَرَتْ إلَى طَرَفَيْنِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ وَافَقْتُمُونَا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأُولَى. فَأَجَابَ وَقَالَ الِاتِّصَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى نَوْعَيْنِ كَامِلٌ وَنَاقِصٌ. فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّصَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْتَقِرًا إلَى الْآخَرِ كَاتِّصَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِلَّتِهِ فَيَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا وَكَذَا الْعِلَّةُ تُشْرَعُ وَلَمْ تُقْصَدْ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْحُكْمِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَشْرُوعَةً فِي مَحَلٍّ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعِيَّةُ الْحُكْمِ فِيهِ، نَحْوُ بَيْعِ الْحُرِّ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ فَكَانَتْ مُفْتَقِرَةً إلَى الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ يُوجِبُ أَيْ يُجَوِّزُ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لِتَحَقُّقِ الِاتِّصَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِعَدَمِ اسْتِغْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِعَارَةِ يَعُمُّ الْجَانِبَيْنِ قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إلَى آخِرِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا الْحَلِفُ عَلَى مِلْكِ عَبْدٍ مُنَكَّرٍ بِأَنْ قَالَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَتَقَ هَذَا النِّصْفُ فِي الْقِيَاسِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَعْتِقُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الشَّرْطَ مِلْكُ الْعَبْدِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ حَصَلَ فَيَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ كَمَا فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ وَكَمَا فِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مِلْكَ الْمُطْلَقِ يَقَعُ عَلَى كَمَالِهِ وَذَلِكَ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ فَاخْتَصَّ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ إنْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَهَذَا أَيْضًا اسْتِحْسَانٌ. وَأَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ قَطُّ وَلَعَلَّهُ قَدْ مَلَكَهَا وَزِيَادَةً مُتَفَرِّقَةً

стр. 386

وَلَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا عَتَقَ النِّصْفُ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ وَفِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ يَسْتَوِيَانِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الْحُكْمِ وَالدِّيَانَةِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الدِّيَانَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ لِسَبَبِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَاسْتَعَارَ السَّبَبَ لِحُكْمِهِ فِي الثَّانِي. وَأَمَّا الِاتِّصَالُ الثَّانِي فَيَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ــ [كشف الأسرار] لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي مِلْكِهِ يُعَدُّ صَادِقًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ كَمُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ يَتَقَيَّدُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ فَهَهُنَا مُطْلَقُ الْمِلْكِ يَتَقَيَّدُ بِالِاجْتِمَاعِ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ أَيْضًا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ إذَا أَرَادَ تَفْهِيمَ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَعَا بِحَمَّالٍ كَانَ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ فَيَقُولُ يَا فُلَانٌ هَلْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتهَا قَطُّ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى أَصْحَابِهِ كَمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مُتَفَرِّقًا وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا: الْمُجْتَمِعُ دُونَ الْمُتَفَرِّقِ. وَالثَّانِي الْحَلِفُ عَلَى شِرَاءِ عَبْدٍ مُنَكَّرٍ بِأَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ عَتَقَ هَذَا النِّصْفُ بِخِلَافِ الْمِلْكِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمِلْكِ بِصِفَةِ الْعَبْدِيَّةِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَتَحَقَّقُ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي كَوْنِهِ مُشْتَرٍ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَمُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُشْتَرًى لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ بَيْعِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْكُلُّ فِي عَقْدِهِ فَوَجَبَ الْحِنْثُ. إلَّا أَنْ يَعْنِي أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا كَامِلًا فَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَخْصِيصَ الْعَامِّ. وَالثَّالِثُ. وَالرَّابِعُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ عَلَى مِلْكِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي فِي الْفَصْلَيْنِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ صِفَةٌ مَرْغُوبَةٌ فَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا صِفَةُ الْعُمْرَانِ وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يُسْتَخْبَرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ مَا مَلَكْت أَلْفَ دِرْهَمٍ مُرِيدًا بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ لَا بِصِفَةِ الِافْتِرَاقِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُسْتَخْبَرُ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنِ لَا يَقُولُ مَا مَلَكْت هَذَا الْأَلْفَ إذَا مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ بِدُونِ الْإِشَارَةِ إلَى الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ الْغَنَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْغَنَاءُ إذَا كَانَ مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا وَفِي الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ مِلْكِهِ عَنْ الْمَحَلِّ وَقَدْ كَانَ مِلْكُهُ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ ثَابِتًا وَإِنْ كَانَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَذَا فِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَتَقَ النِّصْفُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ. فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ حِين اشْتَرَاهُ عَتَقَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَنُوبَ قَبْضُهُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَيَعْتِقُ لِوُجُودِ الشِّرَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَعْتِقُ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ ثُمَّ يَجِبُ السِّعَايَةُ فِي النِّصْفِ أَوْ الضَّمَانُ لِلِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ) . هَذَا هُوَ التَّقْرِيبُ يَعْنِي إنْ عَنَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ حَتَّى لَا يَشْتَرِطَ الِاجْتِمَاعَ فِيهِ فَيَعْتِقَ النِّصْفُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمِلْكُ. لِسَبَبِهِ أَيْ لِعِلَّتِهِ فَيَجُوزُ وَفِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ فَيُصَدِّقُهُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَالسَّبَبُ لَفْظٌ عَامٌّ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَعَلَى السَّبَبِ الْمُصْطَلَحِ يُقَالُ النِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْعِلَّةُ. وَإِنْ نَوَى بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ فَلَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ السَّبَبَ أَيْ الْعِلَّةَ لِحُكْمِهِ

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فَيَجُوزُ وَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلتُّهْمَةِ لَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ إذَا اسْتَفْتَى يُجِيبُهُ الْمُفْتِي عَلَى وَفْقِ مَا نَوَى وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ كَلَامِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا نَوَى إذَا كَانَ فِيهِ تَخْفِيفٌ. وَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَفْتَى رَجُلٌ عَنْ فَقِيهٍ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَضَيْته هَلْ بَرِئْت مِنْ دِينِهِ فَالْفَقِيهُ يُفْتِيه بِأَنَّك بَرِئْت مِنْهُ وَإِذَا سَمِعَ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْإِيفَاءِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ. [يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ] وَالثَّانِي وَهُوَ الِاتِّصَالُ النَّاقِصُ أَنْ يَكُونَ الِافْتِقَارُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ كَاتِّصَالِ الْفَرْعِ أَيْ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ. لَفْظُ السَّبَبِ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَغَيْرِهَا يُقَالُ الْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالزِّنَا سَبَبُ الْحَدِّ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ فِي الْعِلَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا فَبِقَوْلِهِ مَحْضٌ احْتَرَزَ عَنْ الْعِلَّةِ إذْ السَّبَبُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمُسَبِّبِ بِذَاتِهِ بِحَالٍ، ثُمَّ مِنْ شَرْطِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَلَا الْعِلَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا انْتِفَاءُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ دُونَ عِلَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ زَوَالُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظِيرِ أُضِيفَتْ إلَى السَّبَبِ وَهُوَ أَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُضَفْ الْحُكْمُ وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ يَعْنِي الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً مَوْضُوعَةً لِلْفَرْعِ لَا أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُتَخَلِّلَةُ مُضَافَةً إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ هَهُنَا. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ دُونَ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَارُ لَهُ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَعَارِ مِنْهُ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ لَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيَصِحَّ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ وَالْمُسَبَّبُ مُفْتَقِرٌ إلَى السَّبَبِ افْتِقَارَ الْمَعْلُولِ إلَى الْعِلَّةِ لِقِيَامِهِ بِهِ فَيَصْلُحُ ذِكْرُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ تَقْدِيرًا وَهُوَ الْمُسَبَّبُ فَأَمَّا السَّبَبُ فَمُسْتَغْنٍ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْمُسَبَّبِ لِقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَحُصُولِ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي وُضِعَ لَهُ بِهِ وَثُبُوتُ الْمُسَبَّبِ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ فَإِنَّ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ جَائِزٌ لِحُصُولِ مُوجِبِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِلْكُ الْمُتْعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصِيرُ السَّبَبُ مُتَّصِلًا بِالْمُسَبِّبِ وَلَازِمًا لَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِعَارَةُ إذْ هِيَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ. إلَّا إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لَهُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . أَيْ عِنَبًا اُسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ لِاخْتِصَاصِ الْخَمْرِ بِالْعِنَبِ. وَكَقَوْلِهِمْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا أَيْ مَاءً سَمَّوْهُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ النَّبَاتُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَكَقَوْلِ الرَّاجِزِ: أَقْبَلَ فِي الْمُسْتَنِّ مِنْ رَبَابِهِ ... أَسْنِمَةُ الْآبَالِ فِي سَحَابِهِ سُمِّيَ الْمَاءُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ أَسْنِمَةُ الْآبَالِ؛ لِأَنَّ الْأَسْنِمَةَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالنَّبَاتِ وَلَا يُوجَدُ النَّبَاتُ إلَّا بِالْمَاءِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ صَارَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فَيَصِيرُ السَّبَبُ إذْ ذَاكَ مُتَعَلِّقًا بِالْمُسَبَّبِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسَبَّبَ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِهِ وَالْمُسَبَّبُ مَطْلُوبٌ صَارَ كَأَنَّ السَّبَبَ

стр. 388

وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْفَرْعِ لِافْتِقَارِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الْفَرْعُ لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ مَعْدُومٌ لِاسْتِغْنَائِهِ وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إذَا عُطِفَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْكَامِلَةِ تَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ لِصِحَّةِ آخِرِهِ وَافْتِقَارِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَامٌّ فِي نَفْسِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ تَصْلُحُ أَنْ تُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةٍ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ تَبَعًا لَا قَصْدًا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ ــ [كشف الأسرار] مَوْضُوعٌ لَهُ وَمُفْتَقِرٌ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى الْغَرَضِ كَافْتِقَارِ الْعِلَّةِ إلَى الْمَعْلُولِ فَيَحْصُلُ الِاتِّصَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِالْعِنَبِ صَارَ الْعِنَبُ مُتَّصِلًا بِهَا وَمُفْتَقِرًا إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخَمْرَ مَاءُ الْعِنَبِ وَلَا قِيَامَ لِلْعِنَبِ بِدُونِ مَائِهِ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ أَوْ ارْتِفَاعُ السَّنَامِ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِالْمَطَرِ صَارَ لِلْمَطَرِ تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ وَالْحِكْمَةُ فَيَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَأَمَّا ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَقَدْ حَصَلَ تَبَعًا وَاتِّفَاقًا فَكَانَ اتِّصَالُهُ بِالْأَصْلِ عَدَمًا فِي حَقِّ الْأَصْلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ. قَوْلُهُ (أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ) وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ. قِيلَ قَوْلُهُ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَفَائِدَتُهُ دَفْعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَصْلِ الْعِلَّةُ وَمِنْ الْفَرْعِ الْمَعْلُولُ. وَقِيلَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَشْرُوعَاتِ وَالسَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ مُخْتَصَّانِ بِالْمَشْرُوعَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْحُكْمِ لِلسَّبَبِ كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ. قَوْلُهُ (وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ) . أَيْ الِاتِّصَالُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِثْلُ اتِّصَالِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ فِي قَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ مَثَلًا فَقَوْلُهُ زَيْنَبُ طَالِقٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِوُجُودِ طَرَفَيْهَا وَقَوْلُهُ وَعَمْرَةُ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَتْ لَا يُفِيدُ شَيْئًا لَكِنَّهَا بِوَاسِطَةِ وَاوِ الْعَطْفِ تَعَلَّقَتْ بِالْأُولَى فَتَوَقَّفَ حُكْمُ الْأُولَى لِيَصِحَّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْخَبَرِ وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ مُفِيدَةً مِثْلَ الْأُولَى فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ هَذَا التَّوَقُّفَ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ وَلَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى فِي حُكْمِ الْعَدَمِ لِكَمَالِهَا فِي نَفْسِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ وُقُوعُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ. وَعَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى لَمَّا لَمْ تَتَوَقَّفْ فِي نَفْسِهَا ثَبَتَ مُوجِبُهَا قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ فَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا. وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ إضَافَةُ الْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ لِيَصِحَّ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ وَعَدَمُ إضَافَتِهِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ بِوُجُودِ النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. وَمِنْ الْفُرُوعِ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً مَضْمُونَةً مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْإِمَامِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُقْتَدِي لَكِنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بِعَارِضِ ظَنٍّ يَخُصُّهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَتَكُونُ صَلَاتُهُ هَذِهِ مَضْمُونَةً فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) . أَيْ عَلَى أَنَّ اسْتِعَارَةَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ جَائِزَةٌ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ وَقَعَ لِلطَّلَاقِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِهَذَا الْمَجَازِ بَلْ هُوَ مَحَلٌّ لِحَقِيقَةِ الْوَصْفِ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِيَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ بِخِلَافِ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ لِلنِّكَاحِ حَيْثُ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْحُرَّةِ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى النِّكَاحِ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ لِآخَرَ بِعْت ابْنَتِي مِنْك أَوْ وَهَبْتهَا لَك لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ حُكْمَهُمَا فَتَعَيَّنَتْ جِهَةُ

стр. 389

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الطَّلَاقُ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعَانِي يَتَشَابَهَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ وَالْمُنَاسَبَةُ فِي الْمَعَانِي مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِعَارَةِ مِثْلُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْأَسْبَابِ وَقُلْنَا لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ لِمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ اتِّصَالَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ. وَلَا تَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَعَانِي الْمُشَاكِلَةِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي بِهِ يَقُومُ الْمَوْجُودُ فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا وَهَذَا الطَّرِيقُ مِنْ الْخَصْمِ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي أَوْصَافِ النَّصِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِكُلِّ وَصْفٍ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ خَاصٍّ وَقُلْنَا نَحْنُ هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ فَكَذَلِكَ الِاسْتِعَارَةُ يَقَعُ بِمَعْنًى لَهُ أَثَرُ الِاخْتِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشُّجَاعَ أَسَدًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ وَهُوَ الشُّجَاعَةُ فَأَمَّا بِكُلِّ وَصْفٍ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ (كَشْفَ) الِامْتِحَانِ وَيُصَيِّرُ (١٠) الْمَوْجُودَاتِ (ثَانِي) فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مُتَنَاسِبَةٌ ــ [كشف الأسرار] الِاسْتِعَارَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجُوزُ وَالْخِلَافُ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الْحُرِّيَّةَ لَا يَعْتِقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ. قَالَ التَّشَابُهُ وَالتَّشَاكُلُ فِي الْمَعَانِي مِنْ طُرُقِ الِاسْتِعَارَةِ كَالشُّجَاعِ تَسَمَّى أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا وَقَدْ ثَبَتَتْ الْمُشَاكَلَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْمَعْنَى لُغَةً وَشَرْعًا. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقْت الْبَعِيرَ أَيْ أَرْسَلْته وَخَلَّيْته وَكَذَا الْعَتَاقُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَعْتَقْت الْعُصْفُورَ وَحَرَّرْته أَيْ أَرْسَلْته. وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِبْطَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ نِصْفَهَا يَسْرِي إلَى الْكُلِّ وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ أَيْضًا إذَا كَانَ مُوسِرًا وَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِيجَابِ فِي الْمَجْهُولِ وَإِذَا ثَبَتَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا مَعْنًى جَازَ اسْتِعَارَةُ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ كَمَا جَازَ عَكْسُهُ. (وَقُلْنَا) لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهَا مُنْحَصِرٌ عَلَى الِاتِّصَالِ ذَاتًا أَوْ مَعْنًى كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَدْ عُدِمَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا ذَاتًا؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ وَانْقِطَاعُ مِلْكِ النِّكَاحِ قَطُّ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّصَالَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ لَا يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَقَدْ سَلَّمَ الْخَصْمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَكَذَا عَدَمُ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَامْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اسْقِنِي نَاوِيًا لِلْعِتْقِ. [الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي] قَوْلُهُ (مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا) أَيْ ذَكَرْنَاهُ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ. هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمَوْجُودُ أَيْ مِنْ قَبِيلِ الْمَعَانِي الْمُخْتَصَّةِ الَّتِي قِيَامُ الْمَوْجُودِ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ زَالَتْ عَنْهُ لَا يَبْقَى الْمَوْجُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ الْمَعْنَى الدَّاخِلَ فِي الْمَاهِيَّةِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَعْنًى هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَمُلَازِمٌ لَهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ مِثْلُ الشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ لِلْحِمَارِ فَإِنَّ قِوَامَهُمَا بِهِمَا يَعْنِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُمَا بِدُونِهِمَا. فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا أَيْ فَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ بِكُلِّ مَعْنًى جَازَتْ اسْتِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلسَّمَاءِ وَالْجِدَارِ لِلْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْوُجُودِ وَالْحُدُوثِ وَلَا يَتَفَوَّهُ بِهِ عَاقِلٌ. وَلِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَإِنَّهُمْ اسْتَعَارُوا بِالْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ الْمَشْهُورِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْأَوْصَافِ الْعَامَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ بِكُلِّ مَعْنًى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَخَرَ وَالْحُمَّى مِنْ لَوَازِمِ الْأَسَدِ كَالشَّجَاعَةِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَسَدُ لِلْأَبْخَرِ وَالْمَحْمُومِ. وَهَذَا الطَّرِيقُ أَيْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ مَشْهُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِ النَّصِّ حَيْثُ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُخَيِّلِ وَالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِ الْمُتَعَدِّي وَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ. هُوَ بَاطِلٌ أَيْ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ النَّاس مُبْتَلَوْنَ بِالِاعْتِبَارِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] . فَلَوْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَمْ يَبْقَ لِلِابْتِلَاءِ فَائِدَةٌ وَلَمْ يَبْقَ لِلْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ فَضْلٌ وَلَقَاسَ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ بِأَيِّ وَصْفٍ شَاءَ

стр. 390

وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحِلُّهُ وَهُوَ رَفْعُ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الرِّقِّ وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ قَيْدًا فَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا إطْلَاقَ الْقَيْدِ وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لُغَةً يُقَالُ عَتَقَ الطَّيْرُ إذَا قَوِيَ وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ. وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَهَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ الرِّقُّ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ سَاقِطٌ فَصَحَّ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتًا وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِهَا بَعْدَ الْعَدَمِ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ ــ [كشف الأسرار] وَبُطْلَانُهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ. وَذَلِكَ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ أَيْ الِاسْتِعَارَةَ بِكُلِّ وَصْفٍ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ فَإِنَّ الْمَجَازَ طَرِيقٌ وُضِعَ يَزْدَادُ الْكَلَامُ بِهِ حُسْنًا وَطَرَاوَةً وَبَهْجَةً وَفَصَاحَةً وَيَتَمَيَّزُ الذَّكِيُّ مِنْ الْغَبِيِّ فِي إبْدَاعِ الِاسْتِعَارَاتِ وَالتَّعْرِيضَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ غَرَائِبِ التَّشْبِيهَاتِ فَلَوْ جَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَزَالَ حُسْنُ الْكَلَامِ وَذَهَبَتْ طَرَاوَتُهُ وَصَارَ الْمَجَازُ مِنْ عُيُوبِ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِهِ وَلَاسْتَوَى الْبَلِيغُ الْمَاهِرُ فِي فُنُونِ الْكَلَامِ الْعَالِمُ بِجِهَاتِ الْفَصَاحَةِ وَمَنْ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةً مِنْهَا وَغَفَلَ عَنْ لَطَائِفِهَا وَهُوَ خِلَافُ الْعَقْلِ وَالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ (وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الْمُشَاكَلَةُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الْمَشْهُورِ الَّذِي وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ رَفْعُ الْقَيْدِ لُغَةً وَشَرْعًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحَلُّهُ. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقَ الْمُقَيَّدَ وَالْمَسْجُونَ إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ وَأَرْسَلَهُ وَأَطْلَقَ الْبَعِيرَ إذَا رَفَعَ عِقَالَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَمِنْهُ أَطْلَقْت الْأَسِيرَ إذَا حَلَلْت إسَارَهُ وَخَلَّيْت عَنْهُ وَالتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ وَالِانْحِلَالِ. أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُوجِبُ الرِّقَّ حَقِيقَةً وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا بَقِيَتْ أَهْلًا لِلشَّهَادَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا لَا لِلزَّوْجِ لَكِنَّهَا صَارَتْ مَحْبُوسَةً بِحَقِّ الزَّوْجِ مُقَيَّدَةً شَرْعًا حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لَهَا الْخُرُوجُ وَالْبُرُوزُ بِدُونِ إذْنِهِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا مِنْ أَحَدٍ فَالطَّلَاقُ يُزِيلُ الْحَبْسَ وَيَرْفَعُ الْقَيْدَ الَّذِي أَثْبَتَهُ النِّكَاحُ عَنْهَا فَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي احْتَمَلَهُ الْمَحَلُّ لَا غَيْرُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇. قَالَ «النِّكَاحُ رِقٌّ» . مَحْمُولٌ عَلَى ضَرْبِ مِلْكٍ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا ذَكَرْنَا لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّهُ يُقَالُ عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ حَتَّى طَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ لِكَوَاسِبِهَا مِثْلُ الصَّقْرِ وَالْبَازِي لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ وَغَلَبَةٍ فِيهَا وَهُوَ جَمْعُ عَتِيقٍ وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَقَوِيَتْ. وَهَذَا شَائِعٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُنْتَشِرٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ، وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْ تَسَلُّطُهَا سَاقِطٌ أَيْ مَعْدُومٌ حَتَّى الْتَحَقَ الْمَرْقُوقُ بِالْبَهَائِمِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا وِلَايَةٌ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إحْيَاءً لَهُ وَإِثْبَاتًا لِلْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِيَعْمَلَ الْقُوَّةَ الثَّابِتَةَ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ بَعْدَمَا عُدِمَتْ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُ نُمْرُودَ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فِي مُحَاجَّتِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ جَعَلَ رَفْعَ الْقَيْدِ عَنْ الْمَحْبُوسِ مُعَارِضًا لِلْإِحْيَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ لِانْسِدَادِ طَرِيقِهَا بِالْكُلِّيَّةِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ بِإِثْبَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ بَلْ هُوَ إزَالَةُ الْمَانِعِ كَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ خُلِقَ حُرًّا مَالِكًا فِي الْأَصْلِ وَحُلُولُ الرِّقِّ فِيهِ يَمْنَعُ الْقُوَّةَ كَالنِّكَاحِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إزَالَةَ الْمَانِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ وَالْإِثْبَاتَاتِ لَا تَعَلُّقٌ بِالشُّرُوطِ. (قُلْنَا) بَلْ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ بِسَبَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ أَصْلًا
следующие страницы →