Полный текст (1 522 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَلَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا عَتَقَ النِّصْفُ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ وَفِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ يَسْتَوِيَانِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الْحُكْمِ وَالدِّيَانَةِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الدِّيَانَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ لِسَبَبِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَاسْتَعَارَ السَّبَبَ لِحُكْمِهِ فِي الثَّانِي.
وَأَمَّا الِاتِّصَالُ الثَّانِي فَيَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي مِلْكِهِ يُعَدُّ صَادِقًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ كَمُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ يَتَقَيَّدُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ فَهَهُنَا مُطْلَقُ الْمِلْكِ يَتَقَيَّدُ بِالِاجْتِمَاعِ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ أَيْضًا.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ إذَا أَرَادَ تَفْهِيمَ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَعَا بِحَمَّالٍ كَانَ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ فَيَقُولُ يَا فُلَانٌ هَلْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتهَا قَطُّ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى أَصْحَابِهِ كَمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مُتَفَرِّقًا وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا: الْمُجْتَمِعُ دُونَ الْمُتَفَرِّقِ.
وَالثَّانِي الْحَلِفُ عَلَى شِرَاءِ عَبْدٍ مُنَكَّرٍ بِأَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ عَتَقَ هَذَا النِّصْفُ بِخِلَافِ الْمِلْكِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمِلْكِ بِصِفَةِ الْعَبْدِيَّةِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَتَحَقَّقُ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي كَوْنِهِ مُشْتَرٍ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَمُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُشْتَرًى لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ بَيْعِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْكُلُّ فِي عَقْدِهِ فَوَجَبَ الْحِنْثُ. إلَّا أَنْ يَعْنِي أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا كَامِلًا فَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَخْصِيصَ الْعَامِّ.
وَالثَّالِثُ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ عَلَى مِلْكِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي فِي الْفَصْلَيْنِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ صِفَةٌ مَرْغُوبَةٌ فَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا صِفَةُ الْعُمْرَانِ وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يُسْتَخْبَرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ مَا مَلَكْت أَلْفَ دِرْهَمٍ مُرِيدًا بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ لَا بِصِفَةِ الِافْتِرَاقِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُسْتَخْبَرُ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنِ لَا يَقُولُ مَا مَلَكْت هَذَا الْأَلْفَ إذَا مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ بِدُونِ الْإِشَارَةِ إلَى الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ الْغَنَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْغَنَاءُ إذَا كَانَ مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا وَفِي الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ مِلْكِهِ عَنْ الْمَحَلِّ وَقَدْ كَانَ مِلْكُهُ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ ثَابِتًا وَإِنْ كَانَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَذَا فِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَتَقَ النِّصْفُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ. فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ حِين اشْتَرَاهُ عَتَقَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَنُوبَ قَبْضُهُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَيَعْتِقُ لِوُجُودِ الشِّرَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَعْتِقُ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ ثُمَّ يَجِبُ السِّعَايَةُ فِي النِّصْفِ أَوْ الضَّمَانُ لِلِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ) . هَذَا هُوَ التَّقْرِيبُ يَعْنِي إنْ عَنَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ حَتَّى لَا يَشْتَرِطَ الِاجْتِمَاعَ فِيهِ فَيَعْتِقَ النِّصْفُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمِلْكُ. لِسَبَبِهِ أَيْ لِعِلَّتِهِ فَيَجُوزُ وَفِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ فَيُصَدِّقُهُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَالسَّبَبُ لَفْظٌ عَامٌّ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَعَلَى السَّبَبِ الْمُصْطَلَحِ يُقَالُ النِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْعِلَّةُ.
وَإِنْ نَوَى بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ فَلَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ السَّبَبَ أَيْ الْعِلَّةَ لِحُكْمِهِ
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَجُوزُ وَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلتُّهْمَةِ لَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ إذَا اسْتَفْتَى يُجِيبُهُ الْمُفْتِي عَلَى وَفْقِ مَا نَوَى وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ كَلَامِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا نَوَى إذَا كَانَ فِيهِ تَخْفِيفٌ.
وَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَفْتَى رَجُلٌ عَنْ فَقِيهٍ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَضَيْته هَلْ بَرِئْت مِنْ دِينِهِ فَالْفَقِيهُ يُفْتِيه بِأَنَّك بَرِئْت مِنْهُ وَإِذَا سَمِعَ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْإِيفَاءِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ.
[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]
وَالثَّانِي وَهُوَ الِاتِّصَالُ النَّاقِصُ أَنْ يَكُونَ الِافْتِقَارُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ كَاتِّصَالِ الْفَرْعِ أَيْ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ.
لَفْظُ السَّبَبِ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَغَيْرِهَا يُقَالُ الْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالزِّنَا سَبَبُ الْحَدِّ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ فِي الْعِلَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا فَبِقَوْلِهِ مَحْضٌ احْتَرَزَ عَنْ الْعِلَّةِ إذْ السَّبَبُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمُسَبِّبِ بِذَاتِهِ بِحَالٍ، ثُمَّ مِنْ شَرْطِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَلَا الْعِلَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا انْتِفَاءُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ دُونَ عِلَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ زَوَالُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظِيرِ أُضِيفَتْ إلَى السَّبَبِ وَهُوَ أَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُضَفْ الْحُكْمُ وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ يَعْنِي الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً مَوْضُوعَةً لِلْفَرْعِ لَا أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُتَخَلِّلَةُ مُضَافَةً إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ هَهُنَا.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ دُونَ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَارُ لَهُ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَعَارِ مِنْهُ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ لَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيَصِحَّ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ وَالْمُسَبَّبُ مُفْتَقِرٌ إلَى السَّبَبِ افْتِقَارَ الْمَعْلُولِ إلَى الْعِلَّةِ لِقِيَامِهِ بِهِ فَيَصْلُحُ ذِكْرُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ تَقْدِيرًا وَهُوَ الْمُسَبَّبُ فَأَمَّا السَّبَبُ فَمُسْتَغْنٍ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْمُسَبَّبِ لِقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَحُصُولِ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي وُضِعَ لَهُ بِهِ وَثُبُوتُ الْمُسَبَّبِ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ فَإِنَّ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ جَائِزٌ لِحُصُولِ مُوجِبِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِلْكُ الْمُتْعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصِيرُ السَّبَبُ مُتَّصِلًا بِالْمُسَبِّبِ وَلَازِمًا لَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِعَارَةُ إذْ هِيَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ. إلَّا إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لَهُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . أَيْ عِنَبًا اُسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ لِاخْتِصَاصِ الْخَمْرِ بِالْعِنَبِ. وَكَقَوْلِهِمْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا أَيْ مَاءً سَمَّوْهُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ النَّبَاتُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَكَقَوْلِ الرَّاجِزِ:
أَقْبَلَ فِي الْمُسْتَنِّ مِنْ رَبَابِهِ ... أَسْنِمَةُ الْآبَالِ فِي سَحَابِهِ
سُمِّيَ الْمَاءُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ أَسْنِمَةُ الْآبَالِ؛ لِأَنَّ الْأَسْنِمَةَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالنَّبَاتِ وَلَا يُوجَدُ النَّبَاتُ إلَّا بِالْمَاءِ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ صَارَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فَيَصِيرُ السَّبَبُ إذْ ذَاكَ مُتَعَلِّقًا بِالْمُسَبَّبِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسَبَّبَ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِهِ وَالْمُسَبَّبُ مَطْلُوبٌ صَارَ كَأَنَّ السَّبَبَ
стр. 388
وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْفَرْعِ لِافْتِقَارِهِ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الْفَرْعُ لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ مَعْدُومٌ لِاسْتِغْنَائِهِ وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إذَا عُطِفَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْكَامِلَةِ تَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ لِصِحَّةِ آخِرِهِ وَافْتِقَارِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَامٌّ فِي نَفْسِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ تَصْلُحُ أَنْ تُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةٍ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ تَبَعًا لَا قَصْدًا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
مَوْضُوعٌ لَهُ وَمُفْتَقِرٌ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى الْغَرَضِ كَافْتِقَارِ الْعِلَّةِ إلَى الْمَعْلُولِ فَيَحْصُلُ الِاتِّصَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِالْعِنَبِ صَارَ الْعِنَبُ مُتَّصِلًا بِهَا وَمُفْتَقِرًا إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخَمْرَ مَاءُ الْعِنَبِ وَلَا قِيَامَ لِلْعِنَبِ بِدُونِ مَائِهِ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ أَوْ ارْتِفَاعُ السَّنَامِ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِالْمَطَرِ صَارَ لِلْمَطَرِ تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ وَالْحِكْمَةُ فَيَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَأَمَّا ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَقَدْ حَصَلَ تَبَعًا وَاتِّفَاقًا فَكَانَ اتِّصَالُهُ بِالْأَصْلِ عَدَمًا فِي حَقِّ الْأَصْلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ (أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ) وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ.
قِيلَ قَوْلُهُ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَفَائِدَتُهُ دَفْعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَصْلِ الْعِلَّةُ وَمِنْ الْفَرْعِ الْمَعْلُولُ. وَقِيلَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَشْرُوعَاتِ وَالسَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ مُخْتَصَّانِ بِالْمَشْرُوعَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْحُكْمِ لِلسَّبَبِ كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ) . أَيْ الِاتِّصَالُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِثْلُ اتِّصَالِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ فِي قَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ مَثَلًا فَقَوْلُهُ زَيْنَبُ طَالِقٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِوُجُودِ طَرَفَيْهَا وَقَوْلُهُ وَعَمْرَةُ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَتْ لَا يُفِيدُ شَيْئًا لَكِنَّهَا بِوَاسِطَةِ وَاوِ الْعَطْفِ تَعَلَّقَتْ بِالْأُولَى فَتَوَقَّفَ حُكْمُ الْأُولَى لِيَصِحَّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْخَبَرِ وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ مُفِيدَةً مِثْلَ الْأُولَى فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ هَذَا التَّوَقُّفَ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ وَلَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى فِي حُكْمِ الْعَدَمِ لِكَمَالِهَا فِي نَفْسِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ وُقُوعُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَعَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى لَمَّا لَمْ تَتَوَقَّفْ فِي نَفْسِهَا ثَبَتَ مُوجِبُهَا قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ فَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا.
وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ إضَافَةُ الْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ لِيَصِحَّ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ وَعَدَمُ إضَافَتِهِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ بِوُجُودِ النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
وَمِنْ الْفُرُوعِ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً مَضْمُونَةً مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْإِمَامِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُقْتَدِي لَكِنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بِعَارِضِ ظَنٍّ يَخُصُّهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَتَكُونُ صَلَاتُهُ هَذِهِ مَضْمُونَةً فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) . أَيْ عَلَى أَنَّ اسْتِعَارَةَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ جَائِزَةٌ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ وَقَعَ لِلطَّلَاقِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِهَذَا الْمَجَازِ بَلْ هُوَ مَحَلٌّ لِحَقِيقَةِ الْوَصْفِ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِيَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ بِخِلَافِ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ لِلنِّكَاحِ حَيْثُ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْحُرَّةِ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى النِّكَاحِ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ لِآخَرَ بِعْت ابْنَتِي مِنْك أَوْ وَهَبْتهَا لَك لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ حُكْمَهُمَا فَتَعَيَّنَتْ جِهَةُ
стр. 389
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الطَّلَاقُ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعَانِي يَتَشَابَهَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ وَالْمُنَاسَبَةُ فِي الْمَعَانِي مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِعَارَةِ مِثْلُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْأَسْبَابِ وَقُلْنَا لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ لِمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ اتِّصَالَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ.
وَلَا تَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَعَانِي الْمُشَاكِلَةِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي بِهِ يَقُومُ الْمَوْجُودُ فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا وَهَذَا الطَّرِيقُ مِنْ الْخَصْمِ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي أَوْصَافِ النَّصِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِكُلِّ وَصْفٍ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ خَاصٍّ وَقُلْنَا نَحْنُ هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ فَكَذَلِكَ الِاسْتِعَارَةُ يَقَعُ بِمَعْنًى لَهُ أَثَرُ الِاخْتِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشُّجَاعَ أَسَدًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ وَهُوَ الشُّجَاعَةُ فَأَمَّا بِكُلِّ وَصْفٍ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ (كَشْفَ) الِامْتِحَانِ وَيُصَيِّرُ (١٠) الْمَوْجُودَاتِ (ثَانِي) فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مُتَنَاسِبَةٌ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعَارَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجُوزُ وَالْخِلَافُ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الْحُرِّيَّةَ لَا يَعْتِقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ. قَالَ التَّشَابُهُ وَالتَّشَاكُلُ فِي الْمَعَانِي مِنْ طُرُقِ الِاسْتِعَارَةِ كَالشُّجَاعِ تَسَمَّى أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا وَقَدْ ثَبَتَتْ الْمُشَاكَلَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْمَعْنَى لُغَةً وَشَرْعًا. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ
الطَّلَاقَ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقْت الْبَعِيرَ أَيْ أَرْسَلْته وَخَلَّيْته وَكَذَا الْعَتَاقُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَعْتَقْت الْعُصْفُورَ وَحَرَّرْته أَيْ أَرْسَلْته.
وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِبْطَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ نِصْفَهَا يَسْرِي إلَى الْكُلِّ وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ أَيْضًا إذَا كَانَ مُوسِرًا وَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِيجَابِ فِي الْمَجْهُولِ وَإِذَا ثَبَتَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا مَعْنًى جَازَ اسْتِعَارَةُ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ كَمَا جَازَ عَكْسُهُ. (وَقُلْنَا) لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهَا مُنْحَصِرٌ عَلَى الِاتِّصَالِ ذَاتًا أَوْ مَعْنًى كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَدْ عُدِمَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا ذَاتًا؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ وَانْقِطَاعُ مِلْكِ النِّكَاحِ قَطُّ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّصَالَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ لَا يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَقَدْ سَلَّمَ الْخَصْمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَكَذَا عَدَمُ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَامْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اسْقِنِي نَاوِيًا لِلْعِتْقِ.
[الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي]
قَوْلُهُ (مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا) أَيْ ذَكَرْنَاهُ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ. هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمَوْجُودُ أَيْ مِنْ قَبِيلِ الْمَعَانِي الْمُخْتَصَّةِ الَّتِي قِيَامُ الْمَوْجُودِ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ زَالَتْ عَنْهُ لَا يَبْقَى الْمَوْجُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ الْمَعْنَى الدَّاخِلَ فِي الْمَاهِيَّةِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَعْنًى هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَمُلَازِمٌ لَهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ مِثْلُ الشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ لِلْحِمَارِ فَإِنَّ قِوَامَهُمَا بِهِمَا يَعْنِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُمَا بِدُونِهِمَا. فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا أَيْ فَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ بِكُلِّ مَعْنًى جَازَتْ اسْتِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلسَّمَاءِ وَالْجِدَارِ لِلْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْوُجُودِ وَالْحُدُوثِ وَلَا يَتَفَوَّهُ بِهِ عَاقِلٌ. وَلِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَإِنَّهُمْ اسْتَعَارُوا بِالْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ الْمَشْهُورِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْأَوْصَافِ الْعَامَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ بِكُلِّ مَعْنًى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَخَرَ وَالْحُمَّى مِنْ لَوَازِمِ الْأَسَدِ كَالشَّجَاعَةِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَسَدُ لِلْأَبْخَرِ وَالْمَحْمُومِ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ أَيْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ مَشْهُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِ النَّصِّ حَيْثُ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُخَيِّلِ وَالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِ الْمُتَعَدِّي وَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ. هُوَ بَاطِلٌ أَيْ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ النَّاس مُبْتَلَوْنَ بِالِاعْتِبَارِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] . فَلَوْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَمْ يَبْقَ لِلِابْتِلَاءِ فَائِدَةٌ وَلَمْ يَبْقَ لِلْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ فَضْلٌ وَلَقَاسَ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ بِأَيِّ وَصْفٍ شَاءَ
стр. 390
وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحِلُّهُ وَهُوَ رَفْعُ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الرِّقِّ وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ قَيْدًا فَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا إطْلَاقَ الْقَيْدِ وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لُغَةً يُقَالُ عَتَقَ الطَّيْرُ إذَا قَوِيَ وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ.
وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَهَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ الرِّقُّ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ سَاقِطٌ فَصَحَّ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتًا وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِهَا بَعْدَ الْعَدَمِ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبُطْلَانُهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ.
وَذَلِكَ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ أَيْ الِاسْتِعَارَةَ بِكُلِّ وَصْفٍ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ فَإِنَّ الْمَجَازَ طَرِيقٌ وُضِعَ يَزْدَادُ الْكَلَامُ بِهِ حُسْنًا وَطَرَاوَةً وَبَهْجَةً وَفَصَاحَةً وَيَتَمَيَّزُ الذَّكِيُّ مِنْ الْغَبِيِّ فِي إبْدَاعِ الِاسْتِعَارَاتِ وَالتَّعْرِيضَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ غَرَائِبِ التَّشْبِيهَاتِ فَلَوْ جَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَزَالَ حُسْنُ الْكَلَامِ وَذَهَبَتْ طَرَاوَتُهُ وَصَارَ الْمَجَازُ مِنْ عُيُوبِ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِهِ وَلَاسْتَوَى الْبَلِيغُ الْمَاهِرُ فِي فُنُونِ الْكَلَامِ الْعَالِمُ بِجِهَاتِ الْفَصَاحَةِ وَمَنْ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةً مِنْهَا وَغَفَلَ عَنْ لَطَائِفِهَا وَهُوَ خِلَافُ الْعَقْلِ وَالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الْمُشَاكَلَةُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الْمَشْهُورِ الَّذِي وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ رَفْعُ الْقَيْدِ لُغَةً وَشَرْعًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحَلُّهُ. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقَ الْمُقَيَّدَ وَالْمَسْجُونَ إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ وَأَرْسَلَهُ وَأَطْلَقَ الْبَعِيرَ إذَا رَفَعَ عِقَالَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَمِنْهُ أَطْلَقْت الْأَسِيرَ إذَا حَلَلْت إسَارَهُ وَخَلَّيْت عَنْهُ وَالتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ وَالِانْحِلَالِ. أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُوجِبُ الرِّقَّ حَقِيقَةً وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا بَقِيَتْ أَهْلًا لِلشَّهَادَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا لَا لِلزَّوْجِ لَكِنَّهَا صَارَتْ مَحْبُوسَةً بِحَقِّ الزَّوْجِ مُقَيَّدَةً شَرْعًا حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لَهَا الْخُرُوجُ وَالْبُرُوزُ بِدُونِ إذْنِهِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا مِنْ أَحَدٍ فَالطَّلَاقُ يُزِيلُ الْحَبْسَ وَيَرْفَعُ الْقَيْدَ الَّذِي أَثْبَتَهُ النِّكَاحُ عَنْهَا فَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي احْتَمَلَهُ الْمَحَلُّ لَا غَيْرُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇.
قَالَ «النِّكَاحُ رِقٌّ» . مَحْمُولٌ عَلَى ضَرْبِ مِلْكٍ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا ذَكَرْنَا لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّهُ يُقَالُ عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ حَتَّى طَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ لِكَوَاسِبِهَا مِثْلُ الصَّقْرِ وَالْبَازِي لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ وَغَلَبَةٍ فِيهَا وَهُوَ جَمْعُ عَتِيقٍ وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَقَوِيَتْ.
وَهَذَا شَائِعٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُنْتَشِرٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ، وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْ تَسَلُّطُهَا سَاقِطٌ أَيْ مَعْدُومٌ حَتَّى الْتَحَقَ الْمَرْقُوقُ بِالْبَهَائِمِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا وِلَايَةٌ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إحْيَاءً لَهُ وَإِثْبَاتًا لِلْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِيَعْمَلَ الْقُوَّةَ الثَّابِتَةَ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ بَعْدَمَا عُدِمَتْ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُ نُمْرُودَ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فِي مُحَاجَّتِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ جَعَلَ رَفْعَ الْقَيْدِ عَنْ الْمَحْبُوسِ مُعَارِضًا لِلْإِحْيَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ لِانْسِدَادِ طَرِيقِهَا بِالْكُلِّيَّةِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ بِإِثْبَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ بَلْ هُوَ إزَالَةُ الْمَانِعِ كَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ خُلِقَ حُرًّا مَالِكًا فِي الْأَصْلِ وَحُلُولُ الرِّقِّ فِيهِ يَمْنَعُ الْقُوَّةَ كَالنِّكَاحِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إزَالَةَ الْمَانِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ وَالْإِثْبَاتَاتِ لَا تَعَلُّقٌ بِالشُّرُوطِ.
(قُلْنَا) بَلْ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ بِسَبَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ أَصْلًا
стр. 391
فَمَا هَذَا إلَّا كَمَنْ اسْتَعَارَ الْحِمَارَ لِلذَّكِيِّ وَالْأَسَدَ لِلْجَبَانِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الْبَيْعُ لِلْإِجَارَةِ كَمَا لَا يُسْتَعَارُ الْإِجَارَةُ لِلْبَيْعِ وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِهِ وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ تَقُولُ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا وَهَذَا جَائِزٌ فَأَمَّا إذَا قَالَ بِعْت مِنْك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا لَمْ يَجُزْ كَذَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ وَهَذَا لَيْسَ لِفَسَادِ الِاسْتِعَارَةِ لَكِنْ لِفَسَادٍ فِي الْمَحَلِّ
ــ
[كشف الأسرار]
وَتَثْبُتُ بِالْعِتْقِ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا صَارَ مَنْسُوبًا إلَى الْعِتْقِ بِالْوَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ مَعْنًى.
وَقَوْلُهُ عِلَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَاتِ كَوْنُهُ آدَمِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ حُرًّا وَقَدْ زَالَتْ الْحُرِّيَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحُلُولِ الرِّقِّ فَبِالْإِعْتَاقِ تَثْبُتُ مَالِكِيَّةٌ أُخْرَى جَدِيدَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ إثْبَاتًا فَنَقُولُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِثْبَاتِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِالشَّرْطِ أَمَّا الْإِثْبَاتُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا (فَإِنْ قِيلَ) مَا ذَكَرْتُمْ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا فَإِنَّ عِنْدَهُمَا الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَحَرِّي الْإِعْتَاقِ وَإِذَا كَانَ الْإِعْتَاقُ إسْقَاطًا عِنْدَهُ كَانَ مُشَابِهًا لِلطَّلَاقِ مَعْنًى فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الطَّلَاقُ لَهُ.
(قُلْنَا) الْإِعْتَاقُ عِنْدَهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ الْمِلْكِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ جَمِيعًا أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِسْقَاطٌ مَحْضٌ فَلَا يَثْبُتُ التَّشَابُهُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِعَارَةُ قَوْلُهُ (فَمَا هَذَا إلَّا كَمَنْ اسْتَعَارَ الْحِمَارَ لِلذَّكِيِّ وَالْأَسَدَ لِلْجَبَانِ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحِمَارَ إنَّمَا يُسْتَعَارُ لِلْبَلِيدِ وَالْأَسَدَ لِلشُّجَاعِ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ فِي الْبَلَادَةِ وَالشَّجَاعَةِ فَاسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ لِلذَّكِيِّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَلِيدِ وَالْأَسَدِ لِلْجَبَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشُّجَاعِ تَكُونُ الِاسْتِعَارَةُ فِيمَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ أَصْلًا وَهُوَ قَلْبُ الْمَعْقُولِ وَخِلَافُ الْمَوْضُوعِ. الثَّانِي أَنَّ لِلْحِمَارِ نَوْعُ ذَكَاءٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَشَى فِي طَرِيقٍ أَوْ اعْتَلَفَ شَعِيرًا فِي مَكَان يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ وَالْمَوْضِعَ بَعْدَ مُدَّةٍ حَتَّى لَوْ ضَلَّ صَاحِبَهُ الطَّرِيقَ وَأَرْخَى حَبْلَهُ يُخْرِجُهُ إلَى الطَّرِيقِ وَلَوْ أَخْفَى شَيْئًا فِي الْمَفَازَةِ وَقَدْ عَلَفَ حِمَارَهُ شَعِيرًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ نَسِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَهْدِيه حِمَارُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا أَرْخَى رَسَنَهُ وَلِلْجَبَانِ نَوْعُ شَجَاعَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنْ الْقِتَالِ وَلَكِنَّهُ إذَا أَقْبَلَ عَلَى الْقِتَالِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ يُقَاتِلُ قِتَالًا شَدِيدًا لَا يُقَاتِلُ غَيْرُهُ مِثْلَهُ فَاسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ وَالْأَسَدِ لِلذَّكِيِّ وَالْجَبَانِ بِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْمُعْتَبَرَيْنِ فَاسِدَةٌ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ مَشْهُورَيْنِ فَكَذَا اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَصْمُ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَشْهُورَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي الْأَسْرَارِ فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْعَتَاقِ تَشَاكُلَ الْمَعَانِي بَيْنَ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَتَبَايُنُ الْمَعَانِي بَيْنَ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ وَالتَّزْوِيجِ فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لِلْوَصْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالتَّمْلِيكُ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ كُلِّهِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِلَا حَظٍّ لِلْمَمْلُوكِ فِي الْمَالِكِيَّةِ بِوَجْهٍ وَإِنَّهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا اعْتَبَرَهُ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا الِاسْتِعَارَةَ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا سَبَبًا مَتَى كَانَ حُكْمُ النِّكَاحِ وُقُوعَ مِلْكٍ عَلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ فِعْلِ التَّمَتُّعِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ الْمَعَانِي وَهُوَ طَرِيقٌ كَتَشَاكُلِ الْمَعَانِي وَلَمْ نُجَوِّزْ فِي بَابِ الْعَتَاقِ لِانْعِدَامِ السَّبَبِيَّةِ وَافْتِرَاقِ الْمَعَانِي فَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَحَقُّ وَأَدَقُّ وَذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ اسْتِعَارَةَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ تَجُوزُ وَكَمَا أَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَهُوَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْت عَبْدِي شَهْرًا بِدِرْهَمٍ أَوْ بِعْتُك
стр. 392
لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُومٌ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ حَتَّى لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا الْإِجَارَةَ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ فِيمَا يُسْتَعَارُ لَهَا وَلَكِنَّ الْعَيْنَ أُقِيمَتْ مُقَامَهَا فِي حَقِّ الْإِضَافَةِ فِي الْأَصْلِ فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا وَصَارَ هَذَا كَالْبَيْعِ يُسْتَعَارُ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَهِيَ الْمُحَرَّمُ مِنْ النِّسَاءِ فَيَثْبُتُ أَنَّ فَسَادَهُ إضَافَةً إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ.
مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ بَيَانُهُ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذَا ابْنِي لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِمَا وُضِعَ لَهُ أَصْلًا فَصَارَ لَغْوًا لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَمِنْ شَرْطِ الْخَلَفِ أَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ لِلْأَصْلِ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَامْتَنَعَ وُجُودُهُ بِعَارِضٍ كَمَنْ حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ أَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ لِلْبِرِّ لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ فَانْعَقَدَتْ لِلْكَفَّارَةِ خَلَفًا عَنْهُ فَأَمَّا الْغَمُوسُ فَلَمْ يَنْعَقِدُ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَنْعَقِدُ لِخَلَفِهِ وَهَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْغَمُوسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (الِاسْتِعَارَةُ) ﵀
ــ
[كشف الأسرار]
نَفْسِي مُرِيدًا لِلْإِجَارَةِ لَا يَصِحُّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَصْلُحَ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلنِّكَاحِ أَيْضًا فَمَنَعَ الشَّيْخُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلَ أَوَّلًا وَقَالَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِانْعِقَادِ بِهِ بَلْ الْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ. ثُمَّ سَلَّمَ جَوَابَ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ جَوَابُهُمْ مُطْلَقًا شَامِلًا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ فَقَالَ.
وَذَلِكَ أَيْ انْعِقَادُ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ إذَا قَالَ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا يَعْنِي إذَا أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ مَنَافِعِهِ وَبَيَّنَ الْمُدَّةَ وَالْعَمَلَ وَالْأُجْرَةَ فَإِنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنْهَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ كَمَا فِي صَرِيحِ الْإِجَارَةِ.
وَأَجَابَ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ فَقَالَ لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا لِخَلَلٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَلَكِنْ لِمَعْنًى آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ الِانْعِقَادِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ أُضِيفَ الْبَيْعُ إلَى الْمَنْفَعَةِ أَوْ إلَى الْعَيْنِ فَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ قَالَ بِعْت مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مَنَافِعَ هَذَا الْعَبْدِ مِنْك بِعَشَرَةٍ شَهْرًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
وَلَوْ ادَّعَى شِقْصًا فِي دَارِ فِي يَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى سُكْنَى بَيْتٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مَعْلُومٍ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ آجَرَهُ مِنْ الَّذِي صَالَحَهُ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ.
وَلَوْ بَاعَ هَذَا السُّكْنَى بَيْعًا مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ السُّكْنَى وَإِنْ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إجَارَةً وَلَكِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لِلْإِضَافَةِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي الْكِتَابِ لَا لِخَلَلٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ. وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّةَ أَوْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بِأَنْ قَالَ بِعْت عَبْدِي مِنْك بِعَشَرَةٍ فَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا لِإِضَافَتِهِ إلَى مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلْبَيْعِ وَإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ إمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ بَيَانُ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ ذَكَرَ الْمُدَّةَ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك عَبْدِي شَهْرًا بِعَشَرَةٍ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجَارَةً إذَا سَمَّى جِنْسَ الْعَمَلِ مَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك عَبْدِي شَهْرًا بِعَشَرَةٍ لِعَمَلِ كَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ الْإِجَارَةَ بَيْعًا فَعَلَى ذَلِكَ التَّعَارُفِ يَجُوزُ وَإِذَا جَازَ فِي تَعَارُفِ أَهْلِ اللِّسَانِ بِبَلَدٍ جَازَ فِي غَيْرِهِ إذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجَارَةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ. وَيَنْعَقِدُ بَيْعًا صَحِيحًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ بِصَرْفِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ إلَى تَأْجِيلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُدَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ إنَّمَا يَكُونُ لِتَأْجِيلِ الثَّمَنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ بِعْتُك إلَى شَهْرٍ لَا لِتَوْقِيتِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ بَيْعٌ حَقِيقَةً وَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ.
قَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْإِضَافَةِ) أَيْ لِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ مَعْدُومَةٌ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ أَيْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ إيجَادُهَا أَوْ لَيْسَتْ هِيَ دَاخِلَةً فِيمَا هُوَ مَقْدُورُ الْبَشَرِ. حَتَّى لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا الْإِجَارَةَ بِأَنْ قَالَ آجَرْتُك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا أَيْ لِلْإِجَارَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ. فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْإِجَارَةِ.
فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا أَيْ فَكَالْأَصْلِ الْمُسْتَعَارِ فِي احْتِيَاجِهِ إلَى الْمَحَلِّ فَيُقَامُ الْعَيْنُ فِيهِ مُقَامَ الْمَنْفَعَةِ لِيَصِحَّ
стр. 393
إنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي الْحُكْمِ بَلْ هُوَ فِي الْحُكْمِ أَصْلٌ.
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعَارَةُ كَمَا فِي الْحُرِّ.
وَصَارَ هَذَا أَيْ عَدَمُ الْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْمَحِلِّ نَظِيرَ الْبَيْعِ الْمُسْتَعَارِ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَيْ فِي مَحَلِّ النِّكَاحِ وَهِيَ الْمَحْرَمُ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَحَلَّ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا لِمَا يُسْتَعَارُ لِلنِّكَاحِ أَيْضًا وَهُوَ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ الْإِجَارَةِ إلَيْهَا لَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ مَا يُسْتَعَارُ لِلْإِجَارَةِ أَيْضًا وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَقْوَى مِنْ الْمُسْتَعَارِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ لَا لِفَسَادِ الِاسْتِعَارَةِ.
[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]
قَوْلُهُ (الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ) إلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ الْمَجَازُ إلَى الْقَرِينَةِ وَالْحَقِيقَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا.
وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأَصْلِ كَالِابْنِ مَعَ الْأَبِ. وَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ كَمَا أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْخَلَفِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ لَا مِنْ أَوْصَافِ الْمَعَانِي، وَلِهَذَا قَالُوا الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ وَكَذَا وَالْمَجَازُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي كَذَا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ بِأَنْ صَارَ التَّكَلُّمُ بِلَفْظِ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ التَّكَلُّمِ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْدَادِ لَا خَلَفًا عَنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ. أَوْ فِي الْحُكْمِ بِأَنْ تَعَذَّرَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ بِعَارِضٍ فَصَيَّرَ إلَى الْمَجَازِ لِإِثْبَاتِ لَازِمِ الْحَقِيقَةِ خَلَفًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهَا احْتِرَازًا عَنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ وَقَالَا هُوَ خَلَفٌ عَنْهَا فِي الْحُكْمِ. وَيَتَّضِحُ لَك مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ لِلشُّجَاعِ هَذَا أَسَدٌ فَعِنْدَهُمَا هُوَ خَلَفٌ فِي إثْبَاتِ الشَّجَاعَةِ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ لِإِثْبَاتِ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ. وَمَا قَرَعَ سَمْعَك أَنَّ حُكْمَ الْمَجَازِ خَلَفٌ عَنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمَا فَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْخَلَفِيَّةَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِالِاتِّفَاقِ لَا بَيْنَ شَجَاعَةِ الشُّجَاعِ وَالْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّكَلُّمُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ لِلشُّجَاعِ خَلَفٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ لِلْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي ثُبُوتِ الْخَلَفِيَّةِ إلَى الْحُكْمِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ وَهُوَ الشَّجَاعَةُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ لَا خَلَفًا عَنْ شَيْءٍ كَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ.
وَقَوْلُهُ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ هَذَا ابْنِي فَعِنْدَهُمَا هُوَ خَلَفٌ فِي إثْبَاتِ الْعِتْقِ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي لِابْنِهِ الْحَقِيقِيِّ فِي إثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ وَالْعِتْقِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ نَفْسُ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ كَمَا يَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ وَالْعِتْقُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ. لَهُمَا أَمْ الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ لَا نَفْسُ الْعِبَارَةِ فَاعْتِبَارُ الْخَلَفِيَّةِ وَالْأَصَالَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِمَا فِيمَا هُوَ وَسِيلَةٌ وَهِيَ الْعِبَارَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَجَعْلُ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ الَّذِي هُوَ اسْتِخْرَاجُ اللَّفْظِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْرِيَانِ فِي الْمَعَانِي. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ نَقْلٌ وَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُوَ تَمَامُ مَاهِيَّةِ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ
стр. 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
النَّقْلَ إلَى الْمُسْتَعَارِ لَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَيْنُهُ عَيْنَهُ.
وَكَذَا صِفَتُهُ لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ هِيَ الْقَائِمَةُ بِهِ فَكَيْفَ تَقْبَلُ النَّقْلَ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِقَالُ فِي اللَّفْظِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّجَاعَةَ الَّتِي فِي الْأَسَدِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْإِنْسَانِ بِاسْتِعَارَةِ لَفْظِ الْأَسَدِ لَهُ وَلَكِنَّ اللَّفْظَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ لَا غَيْرُ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ الَّذِي لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي فَعَلَى قَوْلِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ يَلْغُو هَذَا الْكَلَامُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ وَيَصِيرُ هَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته بِطَرِيقِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَصْلًا وَهُوَ الْبُنُوَّةُ فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَوْ قَالَ هَذَا أَخِي أَوْ قَالَ لِغُلَامٍ صَغِيرٍ لَهُ هَذَا جَدِّي أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذِهِ بِنْتِي أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَذَا غُلَامِي. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِي، وَابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ عِبَارَةً عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي مَخْرَجِهِ صَحِيحًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ بِهِ بِعَارِضٍ فَيَخْلُفُهُ الْمَجَازُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لِإِيجَابِ حُكْمٍ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَجَازُ خَلَفًا عَنْهُ فَيَلْغُو كَمَا فِي النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي حَيْثُ يَعْتِقُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَخْرَجِهِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْبُنُوَّةُ لَوْلَا الْعَارِضُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا أَوْ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ لَكِنَّهُ لَمَّا اُشْتُهِرَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ لِوُجُودِ ظَاهِرِ الدَّلِيلِ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ مِنْهُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ فَيَصِحُّ أَنْ يَخْلُفَهُ الْمَجَازُ.
وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْحَلِفُ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْبُرْهَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ عَيْنٌ مَمْسُوسَةٌ فَيَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْخَلَفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَارِضِ وَهُوَ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ فَأَمَّا الْغَمُوسُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْبِرُّ فَلَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لِلْخَلَفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ الْغَمُوسِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ لَا يَعْتِقُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَمَا ذَكَرْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ مَائِهِ وَأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ فَيُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ نَفْسِهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ فَيَثْبُتُ أَحْكَامُهُ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَلِهَذَا صَارَتْ أُمُّ الْغُلَامِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِمَجْهُولِ النَّسَبِ وَثَبَتَتْ حَقِيقَةُ الْبُنُوَّةِ وَهَهُنَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِلِاسْتِحَالَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَلَوْ اُعْتُبِرَ النَّسَبُ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ لَحَرُمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْمُقِرَّ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ لَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ وَكَلَامُهُ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ إزَالَةَ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَإِنَّمَا مُوجِبُهُ انْتِفَاءُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ حَقُّهَا لَا حَقُّهُ فَلَا يُصَدَّقُ
стр. 395
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِبَارَةَ تَتَغَيَّرُ بِهِ دُونَ الْحُكْمِ فَكَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ فَتُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِيجَابِ بِصِيغَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي فَإِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْبُنُوَّةِ بُطْلَانَ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ابْنَهُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ فَقَدْ أَمْكَنَ بِمَجَازِهِ فَيُعْمَلُ بِهِ كَمَا فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْمَجَازِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِمَنْ هُوَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي تَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ وَتَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ بِوَاسِطَةِ الْبُنُوَّةِ فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ سَبَبًا لِلْبُنُوَّةِ وَالْبُنُوَّةُ سَبَبًا لِلْحُرِّيَّةِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ وَاسْتِعَارَةُ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ طَرِيقٌ مَعْهُودٌ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ مَجَازًا لِمُسَبِّبِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَلَا يُقَالُ الْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْبُنُوَّةِ بَلْ هُوَ حُكْمُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا وَهُوَ الْمِلْكُ هَهُنَا دُونَ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ وَالْقَرَابَةُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْبُنُوَّةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْعِتْقِ فَلَا تَصِحُّ اسْتِعَارَتُهَا لَهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْمِلْكُ إذَا كَانَ ثَابِتًا وَلَا نَسَبٌ ثُمَّ ادَّعَاهُ كَانَ النَّسَبُ آخِرَهُمَا وُجُودًا فَتَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ بَيْنَ وَارِثَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا عَتَقَ وَيَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَلَا يَضْمَنُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَوْلَا أَنَّهُ صَارَ مُعْتَقًا بِهَذِهِ الدَّعْوَى لَمَا تَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانٌ يَخْتَلِفُ بِالْإِيسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي التَّمْلِيكِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَا بُدَّ لِلْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَيُشْتَرَطُ صِحَّةُ التَّكَلُّمِ وَهِيَ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ صَالِحًا لِإِفَادَةِ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا مَوْضُوعًا لِلْإِيجَابِ أَيْ إثْبَاتِ مَعْنًى بِصِيغَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ فَيُعْمَلُ بِمَجَازِهِ.
وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالُوا مِنْ اشْتِرَاطِ احْتِمَالِ الْبُنُوَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَاطِبَةً اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِلشُّجَاعِ هَذَا أَسَدٌ اسْتِعَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّجَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْهَيْكَلَ الْمَعْلُومَ بِوَجْهٍ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ هَذَا أَسَدٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ مَعْنَى وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِإِثْبَاتِ لَازِمِهِ وَهُوَ الشَّجَاعَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الشُّجَاعِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْأَسَدِيَّةُ أَصْلًا فَكَذَا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الْبُنُوَّةِ فِي مَحَلٍّ وَهُوَ الِابْنُ الْحَقِيقِيُّ وَاسْتُعِيرَ لِإِثْبَاتِ لَازِمِهِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَيَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ أَيْضًا إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِبَارَةَ تَتَغَيَّرُ بِهِ دُونَ الْحُكْمِ) يَعْنِي أَنَّ التَّغَيُّرَ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْمَجَازِ لِلْعِبَارَةِ دُونَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِذَا نُقِلَ عَنْهُ وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَيَصِيرُ مَجَازًا فَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ وَالتَّغَيُّرَ كَمَا ذَكَرْنَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي الْحُكْمِ وَزَعَمَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَحَلَّ الْمَجَازِ لَهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ يَكُونُ حَقِيقَةً كَلَفْظِ الشُّجَاعِ فِي مَوْضُوعِهِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظٌ الْمَجَازِ وَهُوَ الْأَسَدُ تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ فَأَمَّا الْحُكْمُ وَهُوَ إثْبَاتُ
стр. 396
وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ صَارَ مُسْتَعَارًا لِحُكْمِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَقَالَا لَفْظُ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ لِحُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ فِي الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ بَيْعِ الْحُرَّةِ وَهِبَتِهَا مِثْلُ احْتِمَالِ مَسِّ السَّمَاءِ وَأَمَّا هَذَا فَمُسْتَحِيلٌ بِمَرَّةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى احْتِمَالِ الْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَإِيجَابُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بَاطِلٌ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ صَحِيحٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالْمَنْعِ فَصَحَّ فَكَذَلِكَ هَذَا لِمَا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ صَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهِ لِحُكْمِ حَقِيقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ عِتْقُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَجُعِلَ إقْرَارًا بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الشُّجَاعَةِ لَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالشُّجَاعِ وَالْأَسَدِ وَعَنْ هَذَا تَوَهَّمُوا أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ هَذَا أَسَدٌ لِلشُّجَاعِ خَلَفٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا شُجَاعٌ وَأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي فِي مَسْأَلَتِنَا خَلَفٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَإِنَّ عِنْدَهُمَا ثُبُوتَ الشُّجَاعِ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ خَلَفٌ عَنْ ثُبُوتِ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ بِهِ وَثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْهُ خَلَفٌ عَنْ الْبُنُوَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَكُونُ خَلَفًا إلَّا عَنْ حَقِيقَتِهِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى مَحَلِّ الْمَجَازِ فَأَمَّا عَنْ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ لِمَحَلِّ الْمَجَازِ فَلَا.
وَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَسَدِ خَلَفًا عَنْ الشُّجَاعِ وَلَفْظُ هَذَا ابْنِي خَلَفًا عَنْ هَذَا حُرٌّ كَمَا زَعَمُوا لَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَلْ هُوَ مُتَصَوَّرٌ كَمَا فِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ الْعِتْقُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا لِوُجُودِ شَرْطِ الْمَجَازِ وَهُوَ تَصَوُّرُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْأَمْرِ بِخِلَافِهِ وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الشُّجَاعُ خَلَفًا عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ إذْ ذَاكَ تَكُونُ بَيْنَ الْمَعَانِي لَا بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْخَلَفِيَّةِ فِي الْحُكْمِ أَوْ فِي التَّكَلُّمِ مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ يَكُونُ " هَذَا أَسَدٌ " خَلَفًا عَنْ " هَذَا أَسَدٌ " وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَلَفُ مُغَايِرًا لِلْأَصْلِ إذْ الشَّيْءُ لَا يَكُونُ خَلَفًا عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ فِي الْمَحَلَّيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ آثَارَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ قَوْلَك هَذَا أَسَدٌ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ هُوَ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ وَكَذَا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ عَلَى الْبُنُوَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ فَصَحَّتْ الْخَلَفِيَّةُ.
قَوْلُهُ (وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَخِي عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ صَارَ مُسْتَعَارًا لِحُكْمِهِ أَيْ لِلَازِمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ إذْ هِيَ لَازِمَةُ الْبُنُوَّةِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ (كَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ) يَعْنِي إذَا قَالَ وَهَبْت ابْنَتِي مِنْك أَوْ قَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ يَصِيرُ هَذَا اللَّفْظُ مُسْتَعَارًا لِلنِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصْلًا فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَقَالَا لَفْظُ الْهِبَةِ كَذَا يَعْنِي أَنَّهُمَا لَا يُسَلِّمَانِ عَدَمَ انْعِقَادِهِ لِحُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَيَقُولَانِ إنَّ احْتِمَالَ بَيْعِ الْحُرَّةِ وَهِبَتِهَا ثَابِتٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَاحْتِمَالِ مَسِّ السَّمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَمَلُّكَ الْحُرِّ كَانَ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ ﵇ حَتَّى قَالَ بَنُوهُ ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِعَارِضٍ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ النَّسْخِ فَأَمَّا هَذَا أَيْ الْبُنُوَّةُ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَمُسْتَحِيلٌ بِمَرَّةٍ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ عَقْلًا وَشَرْعًا عَلَى إنَّا لَمْ نُثْبِتْ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنَّمَا نُثْبِتُهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ بِحَقِيقَتِهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ، وَمِلْكُ النِّكَاحِ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ مِلْكِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَرْأَةِ تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلزَّوْجِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ إلَّا أَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَمِلْكُ الْيَمِينِ ثَابِتٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ ذَلِكَ أَحَقَّ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ وَإِلَّا أَثْبَتْنَا مِلْكَ النِّكَاحِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ وَمِلْكُ النِّكَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ مِلْكِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَالْجَوَابُ أَنَّ بَعْدَمَا تَحَقَّقَتْ الِاسْتِحَالَةُ
стр. 397
فَعَتَقَ فِي الْقَضَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي شَرِيعَتِنَا لَا تَصَوُّرَ لِانْعِقَادِهِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا لَوْ ثَبَتَتْ عَقْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ لَمَّا انْتَسَخَ وَلَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلْحِلِّ أَصْلًا لَمْ يَصِرْ حَتَّى شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عِنْدَهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ فَهُنَا أَوْلَى لِارْتِفَاعِ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَلِفِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ مَسُّهُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا.
وَمَا قَالَا: الْهِبَةُ تَعْمَلُ بِحَقِيقَتِهَا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنْ مِلْكِ الطَّلَاقِ وَصِحَّةِ الْإِيلَاءِ وَعَدَمِ صِحَّةِ النَّقْلِ إلَى الْغَيْرِ وَسَائِرِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَتْ عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا لَمَلَكَ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ بِأَسْبَابِ الْمِلْكِ وَلَكَانَ الْعُقْرُ لَهُ فِيمَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَلَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَالْأَمَةِ فَثَبَتَ أَنَّهَا عَامِلَةٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنَّ تَصَوُّرَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْمَجَازِ وَلَمَّا رَجَعَ الشَّيْخُ إلَى كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَعَادَ ذِكْرَهُ فَقَالَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي مُجِيبًا لِكَلَامِهِمَا هَذَا تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ أَيْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ فَكَانَ الْخَلَفِيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ لَمْ يَتَوَقَّفْ صِحَّتُهُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ صَحَّ الْإِيجَابُ وَالِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةً نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى وَهُوَ اسْمُ كِتَابٍ لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ أَبِي الْفَضْلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إيجَابَ مَا وَرَاءِ الثَّلَاثِ وَاسْتِثْنَاءَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بَاطِلٌ إذْ لَا مُزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ فَكَانَ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَيَقَعَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ مِنْ حَيْثُ التَّكَلُّمُ وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى صَحَّ الْإِيجَابُ وَالِاسْتِثْنَاءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ وَهِنْدُ أَوْ خَدِيجَةُ أَوْ قَالَ عَبْدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا وَيَزِيعًا وَفَرْقَدَ أَوْ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْعَبِيدِ غَيْرُهُمْ صَحَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَا هَذَا أَيْ الْمَجَازُ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ صَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي أَوْ بِهَذَا الطَّرِيقِ لِحُكْمِ حَقِيقَتِهِ أَيْ لِلَازِمِ مَوْضُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ أَيْ لِإِثْبَاتِ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَيْ وَمِنْ لَوَازِمِ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَجَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ إقْرَارًا بِهِ أَيْ بِالْعِتْقِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَعَتَقَ الْعَبْدُ فِي الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ (فَعَتَقَ فِي الْقَضَاءِ) يَعْنِي لَمَّا صَارَ قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ لَا إنْشَاءً لِعِتْقٍ فِي الْحَالِ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ صَرِيحًا كَاذِبًا وَكَلَامُ الشَّيْخِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْإِقْرَارِ كَاذِبًا وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ بِمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَقَالَ.
فَإِنْ قِيلَ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِإِنْشَاءِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ لِلْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَقِيقَةِ إخْبَارُ الْإِنْشَاءِ وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ مَعْنَاهُ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَهَذَا إقْرَارٌ وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَبْطُلُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَحُكْمُ الْإِنْشَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا وَجْهَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ وَلَمْ يُوجَدْ إعْتَاقٌ مِنْ جِهَةِ
стр. 398
بِخِلَافِ النِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ لَا بِمَعْنَاهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِعَارَةُ لِتَصْحِيحِ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي نِدَاؤُهُ وَخَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّحْرِيرِ فَصَارَ عَيْنُهُ قَائِمًا مَقَامَ مَعْنَاهُ فَصَارَ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا بِكُلِّ حَالٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
السَّيِّدِ وَالْإِقْرَارُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ دَلِيلُ الْكَذِبِ يَبْطُلُ كَالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ فَإِذَا كَانَ كَذِبًا بِيَقِينٍ أَوْلَى أَنْ يُبْطِلَ قُلْنَا هَذَا مَجَازٌ لِلْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ وَالْهَزْلِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
وَقَوْلُهُ إنَّهُ كَذِبٌ بِيَقِينٍ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ قُلْنَا الِاسْتِحَالَةُ فِي الْبُنُوَّةِ لَا فِي الْحُرِّيَّةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَلَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ مُحَالًا وَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِعْتَاقُ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِقْرَارُ قُلْنَا لَوْ صَرَّحَ بِهَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَبْدُهُ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ إنْ كَانَ صَادِقًا بِأَنْ سَبَقَ مِنْهُ إعْتَاقٌ يَعْتِقُ الْعَبْدُ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ إعْتَاقٌ لَا يَعْتِقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا هُنَا.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ النِّدَاءِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ يَا ابْنِي لَا يَعْتِقُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَلَى مَا ذَكَرْت يَلْزَمُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ يَا حُرُّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ فَقَالَ لَا يَلْزَمُ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ لَا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الِاسْمِ فِي الْمُنَادَى أَلَا تَرَى أَنَّك تُنَادِي رَجُلًا فَتَقُولُ يَا حَسَنُ وَيَكُونُ قَبِيحًا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لِتَحْقِيقِ الْمَعْنَى فِي الْمُنَادَى لَمْ نَشْتَغِلْ بِتَصْحِيحِهِ بِإِثْبَاتِ مُوجِبِهِ اللُّغَوِيِّ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ فَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ وُضِعَ لِتَحْقِيقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ إنْ أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا حُرُّ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ يَعْتِقُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ فَاسْتَوَى النِّدَاءُ وَالْخَبَرُ وَعَلَى مَا ذَكَرْت يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتِقَ فِي النِّدَاءِ فَقَالَ إنَّمَا اسْتَوَى النِّدَاءُ وَالْخَبَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّحْرِيرِ وَعَلَمٌ لِإِسْقَاطِ الرِّقِّ بِهِ فَكَأَنَّ عَيْنَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ مَعْنَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَبِّحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَبْدِي حُرٌّ يَعْتِقُ فَكَانَ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ فَلِهَذَا يَعْتِقُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ جُعِلَ اسْمُ عَبْدِهِ حُرٌّ أَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ ثُمَّ نَادَاهُ بِهِ فَقَالَ يَا حُرُّ لَمْ يَعْتِقْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ مَعْرُوفًا لَهُ يَعْتِقُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إيجَابَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنِي فَإِنَّهُ نِدَاءٌ بِوَصْفٍ لَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ فِيهِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ فَصَارَ الضَّابِطُ أَنَّ النِّدَاءَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِوَصْفِهِ الْقَائِمِ بِهِ إنْ كَانَ ثَابِتًا كَقَوْلِهِ يَا طَوِيلُ يَا أَسْوَدُ وَهُوَ طَوِيلٌ أَوْ أَسْوَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِهِ فَإِنْ كَانَ وَصْفًا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُنَادَى يَثْبُتُ اقْتِضَاءً كَقَوْلِهِ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ اسْتِحْضَارًا لِلْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ كَقَوْلِهِ يَا طَوِيلُ وَهُوَ قَصِيرٌ وَقَوْلِهِ يَا ابْنِي الْأَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ الْأَصْغَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ أَصْلًا فَلَمْ يَصِحَّ التَّكَلُّمُ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِجَعْلِهِ عِبَارَةً عَنْ لَازِمِ حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فَيَلْغُو ضَرُورَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا أَخِي فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ لِلْأُخُوَّةِ فِي مِلْكِهِ مُوجِبًا وَهُوَ الْعِتْقُ فَيُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
стр. 399
وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ
ــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ وَالْمُشْتَرَكِ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِدُونِ الْبَيَانِ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي يَعْتِقُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ وَلِأَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاوِرَةٍ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ نَصًّا وَلَا تَثْبُتُ بِمَا ذُكِرَ أَيْضًا فَلَمْ يَصِرْ الْعِتْقُ بِدُونِ الْوَاسِطَةِ حُكْمَ نَصِّهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ كِنَايَةً عَنْهُ كَشِرَاءِ الْأَبِ لَا يَكُونُ إعْتَاقًا إلَّا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَمَتَى لَمْ يُوجِبْ الشِّرَاءُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ إعْتَاقًا.
وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا جَدِّي؛ لِأَنَّ الْجَدَّ إنَّمَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْأَبِ فَمَا لَمْ يُثْبِتْ الْوَاسِطَةَ نَصًّا أَوْ مُقْتَضَى ثُبُوتِ النَّسَبِ لَمْ يُوجِبْ عِتْقًا فِي مِلْكِهِ فَلَا يَصِيرُ حُكْمًا لَهُ فَلَا يَصِيرُ كِنَايَةً عَنْهُ فَأَمَّا الْوِلَادُ فَنَفْسُهُ عِلَّةُ الْعِتْقِ مَعَ الْمِلْكِ وَقَدْ نَطَقَ بِالْوِلَادِ وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ فَيَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ أَنْ لَا رِوَايَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا جَدِّي فَنَقُولُ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ هَذِهِ بِنْتِي فَلَا يُوجِبُ الْعِتْقَ وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ بِنْتِي حُكْمُهُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ بِجِهَةِ الْبِنْتِيَّةِ وَهَذَا الذَّاتُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِتِلْكَ الْحُرِّيَّةِ أَصْلًا فَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعِتْقِ إلَى الْحِمَارِ فَتَلْغُو.
وَلِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمُسَمَّى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِذَا هُوَ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِوُجُودِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ زُجَاجٌ لَا يَنْعَقِدُ لِعَدَمِ الْمُسَمَّى وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْعَبْدِ وَسُمِّيَ أُنْثَى فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ إيجَابًا وَلَا إقْرَارًا فِي الْمَعْدُومِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْبِنْتَ مَجَازًا لِلِابْنِ بِوَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا قَالَ فَقَأْت عَيْنَك وَعَيْنَاهُ صَحِيحَتَانِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ الْأَرْشِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْفُقَهَاء؛ لِأَنَّ الفقاء لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أَرْشًا فِي حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ ضَرْبٌ حَتَّى ذَهَبَ نُورَ الْعَيْنِ وَوَجَبَ الْأَرْشُ ثُمَّ بَرَأَتْ وَعَادَ نُورُهَا أَوْ كَانَ قَلَعَ سِنًّا فَيَثْبُتُ لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِيَ شَيْءٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ لَمْ يُوجِبْ أَرْشًا حَالَ عَدَمِ أَثَرِهَا فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ كِنَايَةً عَنْهُ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَدْفَعُ النُّقُوضَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ) أَيْ بَابِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ مِنْ حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ يَعْنِي إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَاللَّفْظُ لِحَقِيقَتِهِ إلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا كَقَوْلِهِ رَأَيْت الْيَوْمَ حِمَارًا أَوْ اسْتَقْبَلَنِي أَسَدٌ فِي الطَّرِيقِ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَلِيدِ وَالشُّجَاعِ إلَّا بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَاللَّفْظُ لِلْبَهِيمَةِ وَالسَّبُعِ وَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا وَأَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَجَازُ كَمَا أَمْكَنَ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْآخَرِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْحَقِيقَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجَازَ الَّذِي قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعُرْفُ وَالِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَعُلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ حَقِيقَةً لَا يُؤَثِّرُ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى لِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَإِذَا حُمِلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْغَالِبِ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ
стр. 400
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْأَقْرَاءِ أَنَّهَا الْحَيْضُ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ لِلْحَيْضِ حَقِيقَةٌ وَلِلطُّهْرِ مَجَازٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمْعِ وَهُوَ مَعْنَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لُغَةً وَذَلِكَ صِفَةُ الدَّمِ الْمُجْتَمِعِ فَأَمَّا الطُّهْرُ فَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ بِالْمُجَاوِرَةِ مَجَازًا وَلِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْءِ الِانْتِقَالُ يُقَالُ قَرَأَ النَّجْمُ إذَا انْتَقَلَ وَالِانْتِقَالُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ فَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
حَالَ التَّسَاوِي لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ إنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ لِلْمَعْنَى لِيَكْتَفِيَ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا سَمِعْتُمْ أَنِّي تَكَلَّمْت بِهَذَا اللَّفْظِ فَاعْلَمُوا أَنِّي عَنَيْت بِهِ هَذَا الْمَعْنَى فَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ وَجَبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُبَادَرَةَ الذِّهْنِ إلَى فَهْمِ الْحَقِيقَةِ أَقْوَى مِنْ مُبَادَرَتِهِ إلَى فَهْمِ الْمَجَازِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.
وَقَوْلُهُمْ هُمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِعْمَالِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا يُفْهَمُ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهِ فَأَنَّى يَتَسَاوَيَانِ وَإِذَا لَمْ يَتَسَاوَيَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ أَوْلَى بِاللَّفْظِ مِنْ الْمَعْنَى الْعَارِضِ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ نَظِيرُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُنَا فِي الْأَقْرَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي النَّصِّ إنَّهَا الْحَيْضُ لَا الْأَطْهَارُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الْأَقْرَاءِ دُونَ الْقُرُوءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ جَمْعُ الْقِلَّةِ.
قَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ لِلْحَيْضَةِ حَقِيقَةٌ وَلِلطُّهْرِ مَجَازٌ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْقُرْءَ اُسْتُعْمِلَ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَقَالَ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» يَعْنِي أَيَّامَ حَيْضِك وَقَالَ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» يَعْنِي الطُّهْرَ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَا رُبَّ مَوْلًى حَاسِدٍ مُبَاغَضٍ ... عَلَى ذِي ضِغْنٍ وَضَبٍّ فَارِضٍ
لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ
وَقَال َ الْأَعْشَى:
أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا غَرِيمَ غِرَائِكَا
مُورِثَةً مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
وَأَرَادَ بِهِ الطُّهْرَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الَّذِي يَضِيعُ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ الزَّوْجِ وَأَمَّا الْحَيْضُ فَضَائِعٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَلَكِنَّ الِاشْتِبَاهَ وَالْخِلَافَ فِي أَنَّ الِاسْتِعْمَالَيْنِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَبِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الِاسْتِعْمَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُطْلَقِ الِاسْتِعْمَالِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَجَازِ لَا يَكُونُ بِدُونِ قَرِينَةٍ فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي نَظَائِرِ الْمُشْتَرَكِ وَبِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيْضِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفِي الطُّهْرِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ هَهُنَا بِقَوْلِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَذَا يَعْنِي هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَقِيقَةً فِي الْحَيْضِ مَجَازًا فِي الطُّهْرِ وَإِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ عِنْدِي فَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَا لَا يُنَاقِضُ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ لِلِاشْتِقَاقِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ يُقَالُ قَرَأْت الشَّيْءَ قُرْآنًا أَيْ جَمَعْته وَضَمَمْت بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَيُقَالُ مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًا قَطُّ وَمَا قَرَأَتْ جَنِينًا أَيْ لَمْ تَضُمَّ رَحِمَهَا عَلَى وَلَدٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا
وَحَقِيقَةُ الِاجْتِمَاعِ فِي الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِدَمٍ مُجْتَمِعٍ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ نَفْسَ الدَّمِ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى تَدُومَ فَأَمَّا الطُّهْرُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ مُجْتَمِعٍ وَلَكِنَّهُ حَالَ اجْتِمَاعِ دَمِ الْحَيْضِ فِي الرَّحِمِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي زَمَانِ الطُّهْرِ ثُمَّ يَدِرُّ فَكَانَ الِاسْمُ لِلدَّمِ الْمُجْتَمِعِ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً وَلِزَمَانِ اجْتِمَاعِ الدَّمِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوِرَةِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْقُرْءِ وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقُرْءَ
стр. 401
وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ لِمَا يَنْعَقِدُ حَقِيقَةٌ وَلِلْغُرْمِ مَجَازٌ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِلْجَمْعِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَطْءِ وَيُسَمَّى الْعَقْدُ بِهِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ حَتَّى يُسَمَّى الْوَطْءُ جِمَاعًا فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى وَأَمْثِلَةُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَالْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ زَمَانَ الطُّهْرِ هُوَ الْجَامِعُ لِلدَّمِ فَكَانَ الطُّهْرُ أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ وَكَانَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْحَيْضِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِلْمُجَاوَرَةِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلَى الِانْتِقَالِ أَيْضًا يُقَالُ قَرَأَ النَّجْمُ إذَا انْتَقَلَ وَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْتَقِلُ عَنْ الطُّهْرِ إلَى الْحَيْضِ وَعَنْ الْحَيْضِ إلَى الطُّهْرِ غَيْرَ أَنَّ الطُّهْرَ أَصْلٌ وَالْحَيْضَ عَارِضٌ فَحَقِيقَةُ الِانْتِقَالِ تَكُونُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ إذْ لَوْلَا الْحَيْضُ لَمَا وُجِدَ الِانْتِقَالُ فَيَكُونُ الِاسْمُ لِلْحَيْضِ حَقِيقَةً وَلِلطُّهْرِ مَجَازًا لِلْمُجَاوِرَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ مُجَاوِرٌ لِلْحَيْضِ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ أَنَّ الطُّهْرَ لَا يَأْخُذُ اسْمَ الْقُرْءِ إلَّا بِمُجَاوِرَةِ الدَّمِ فَإِنَّ كُلَّ طُهْرٍ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْءِ وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَالطُّهْرُ أَحَدُ اسْمِ الْقُرْءِ لِأَجَلِ الدَّمِ، وَالدَّمُ يَسْتَحِقُّهُ لِنَفْسِهِ فَكَانَ جَعْلُهُ اسْمًا لِلدَّمِ أَوْلَى.
قَالَ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ أَوَّلُ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ وَأَوَّلُ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْأَصْلِيَّ لَا يُسَمَّى قُرْءًا وَإِنَّمَا الْقُرْءُ هُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ الِانْتِقَالُ أَوَّلًا إلَى الْحَيْضِ ثُمَّ مِنْهُ إلَى الطُّهْرِ فَاسْتَحَقَّ الِاسْمَ قَبْلَ الطُّهْرِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْأَصَالَةِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ) إلَى آخِرِهِ لَا كَفَّارَةٌ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْغَمُوسُ مَعْقُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَهُوَ قَصْدُهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْعَزِيمَةُ عَقِيدَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ اللَّغْوُ مَا جَرَى عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعِنْدَنَا الْعَقْدُ هُوَ رَبْطُ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ لِإِيجَابِ حُكْمٍ، نَحْوُ رَبْطِ لَفْظِ الْيَمِينِ بِالْخَبَرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ لِإِيجَابِ الصِّدْقِ مِنْهُ وَتَحْقِيقِهِ وَرَبْطُ الْبَيْعِ بِالشِّرَاءِ لِإِيجَابِ الْمِلْكِ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ عَقْدُ الْحَبْلِ وَهُوَ شَدُّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَضِدُّهُ الْحَلُّ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْأَلْفَاظِ الَّتِي عُقِدَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِإِيجَابِ حُكْمٍ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِهَذَا الرَّبْطِ وَهُوَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ فَصَارَ عَقْدُ اللَّفْظِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ بِدَرَجَةٍ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَحَقَّ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِمَا يَنْعَقِدُ حَقِيقَةً أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ) لَفْظُ النِّكَاحِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْوَطْءِ كَقَوْلِهِ ﵇ «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ» وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا سَقَى اللَّهُ أَرْضًا صَوْبَ غَادِيَةٍ ... فَلَا سَقَى اللَّهُ أَرْضَ الْكُوفَةِ الْمَطَرَا
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمْ ... وَالنَّاكِحِينَ بِشَطْأَيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
يُحِبُّ الْمَدِيحَ أَبُو خَالِدٍ ... وَيَهْرُبُ مِنْ صِلَةِ الْمَادِحِ
كَبِكْرٍ تُحِبُّ لَذِيذَ النِّكَاحِ ... وَتَهْرُبُ مِنْ صَوْلَةِ النَّاكِحِ
وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وَقَوْلُهُ ﵇ «تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكْثُرُوا» وَيُقَالُ كُنَّا فِي نِكَاحِ فُلَانٍ إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْوَطْءِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَعْنَوِيٌّ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ يُقَالُ انْكِحْ الصَّبْرَ أَيْ الْتَزِمْهُ وَضُمَّهُ إلَيْك وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَنْكَحْنَا الْفَرِيَّ فَسَنَرَى أَيْ جَمَعْنَا بَيْنَ الْعِيرِ وَالْحِمَارِ فَسَنَرَى مَا يَحْدُثُ كَذَا قِيلَ وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
أَنْكَحْت ضَمَّ صَفَاهَا حَفَّ يَعْمَلُهُ ... تَغَشْمَرَتْ بِي إلَيْك السَّهْلَ وَالْجَبَلَا
أَيْ أَلْزَمْت وَضَمَمْت وَمَعْنَى الضَّمِّ وَالْجَمْعِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَقِيقَةً فِي
стр. 402
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الدَّعْوَى فِي رَجُلٍ لَهُ أَمَةٌ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَالَ الْمَوْلَى أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَطْءِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الذَّاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ جِمَاعًا وَفِي الْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى ذَلِكَ الضَّمِّ، أَوْ لِأَنَّ فِيهِ ضَمًّا حُكْمِيًّا فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ حَمْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] عَلَى الْوَطْءِ كَمَا حَمَلَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِيَثْبُتَ بِإِطْلَاقِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْعَقْدِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا كَذَا قِيلَ وَلَكِنَّ عَامَّةَ مَشَايِخِنَا وَجُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْعَقْدُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكَاحِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا فِي مَعْنَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَمِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ الْكِنَايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمُمَاسَّةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْقُرْبَانِ وَالتَّغَشِّي وَالْإِتْيَانِ.
وَقَوْلُهُ حَتَّى سُمِّيَ الْوَطْءُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَطْءِ (فَإِنْ قِيلَ) فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمِثَالَيْنِ اسْتِعَارَةُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ، وَقَدْ أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ (قُلْنَا) الْمُسَبَّبُ مَخْصُوصٌ بِالسَّبَبِ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ فَكَانَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهُ لِلسَّبَبِ كَاسْتِعَارَةِ اسْمِ الْمَعْلُولِ لِلْعِلَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ انْعِقَادُ اللَّفْظَيْنِ لَا يَصِيرُ عَقْدًا حَقِيقَةً إلَّا بِعَزِيمَةِ الْقَلْبِ وَقَصْدِهِ إذْ اللِّسَانُ مُعَبِّرٌ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ مَنْ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَكَذَا الْوَطْءُ الْمَقْصُودُ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ، وَوَطْءُ الْإِمَاءِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَهُوَ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ عَلَى مَا عُرِفَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَمَحُّلٍ وَتَكَلُّفٍ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يُزَاحِمُ الْحَقِيقَةَ وَلَا يُعَارِضُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى آخِرِهِ أَمَةٌ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ وَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ: أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ نَسَبَهُ مَجْهُولٍ، وَنَسَبُ الْمَجْهُولِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ مَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخَطَرِ الْبَيَانِ وَالنَّسَبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ.
وَتَعْتِقُ الْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهَا بِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ وَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ إذَا لَمْ تَعْمَلْ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ كَانَ إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى أَصْلِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَحَدُهُمْ حُرٌّ فَيَعْتِقُ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ يَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ ثُلُثُهُ وَمِنْ الْأَوْسَطِ نِصْفُهُ وَالْأَصْغَرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا عَلَى حُكْمِ الْوِلَادِ يَلْغُو أَصْلًا وَمَتَى أَمْكَنَ مِنْ وَجْهٍ نَزَلَ الْعِتْقُ عَلَى حُكْمِ الْوِلَادِ كَأَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ إذَا ادَّعَاهُ الْمَوْلَى أَنَّهُ ابْنُهُ يَعْتِقُ وَلَا يُقْضَى بِالنَّسَبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَ هَهُنَا مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يُقْضَى بِالنَّسَبِ لِلْجَهَالَةِ وَلَكِنَّ الْوِلَادَ مُمْكِنٌ عَلَى مَا ادَّعَى فَيَنْزِلُ الْعِتْقُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَإِذَا نَزَلَ عَلَى اعْتِبَارِهِ عَتَقَ مِنْ الْأَكْبَرِ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَنَاهُ عَتَقَ وَلَا يَعْتِقُ إنْ عَنَى الْآَخَرَيْنِ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأَوْسَطِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ إنْ عَنَاهُ وَكَذَا إنْ عَنَى الْأَكْبَرَ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ فَيَعْتِقُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى كَمَا تَعْتِقُ أُمُّهُ وَلَا تَعْتِقُ إنْ عَنَى الْأَصْغَرَ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ بِخِلَافِ أَحْوَالِ الْحِرْمَانِ فَلِهَذَا يَعْتِقُ نِصْفُهُ.
وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَهُوَ حُرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا أَنَّ
стр. 403
وَلَا يُعْتَبَرُ مَا يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ حَتَّى يَعْتِقَ الثَّالِثُ كُلُّهُ وَنِصْفُ الثَّانِي كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ إصَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ فِي مُقَابَلَةِ إصَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَأَمْثِلَةُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.
وَ إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ أَمَّا الْمُتَعَذِّرُ فَمِثْلُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ الْكَرْمَةِ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَتَّخِذُ مِنْهُ مَجَازًا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ أَوْ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَائِمَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَقَعَ عَلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُتَعَذِّرَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْكَرْعِ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ لِمَا قُلْنَا وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَكَلَ عَيْنَ الدَّقِيقِ أَوْ تَكَلَّفَ فَكَرَعَ مِنْ الْبِئْرِ فَقِيلَ لَمَّا كَانَ مُتَعَذِّرًا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا
ــ
[كشف الأسرار]
أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْأَحْوَالَ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْحُرِّيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ وَحُكْمُهَا مُخْتَلِفٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مَقْصُودًا بِالدَّعْوَةِ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ غَيْرَهُ كَانَتْ حُرِّيَّتُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأُمِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا أَوْ تَبَعًا مُنَافَاةٌ وَكَذَلِكَ بَيْنَ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَحُرِّيَّةِ الْعِتْقِ مُنَافَاةٌ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ جَمِيعًا فَلِهَذَا قَالَ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ) يَعْنِي الْأَوْسَطَ وَالْأَصْغَرَ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ لِأَنَّ إصَابَتَهُ أَيْ إصَابَةَ الْعِتْقِ إيَّاهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِوَاسِطَةٍ وَمُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا تَوَقُّفَ الْمَجَازِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَا يُصِيبُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إلَّا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ يَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ الْمَوْلَى فَيَكُونُ حُرًّا كُلُّهُ أَوْ لَا يَكُونُ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ فَلِهَذَا عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ.
[إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ]
قَوْلُهُ (مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ) الْمُتَعَذِّرَةُ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ كَأَكْلِ النَّخْلَةِ، وَالْمَهْجُورَةُ مَا يَتَيَسَّرُ إلَيْهِ الْوُصُولُ وَلَكِنَّ النَّاسَ تَرَكُوهُ كَوَضْعِ الْقَدَمِ وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُتَعَذِّرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَإِنْ تَحَقَّقَ وَالْمَهْجُورُ قَدْ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ إذَا صَارَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ) إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَيَمِينُهُ تَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ كَالرِّيبَاسِ وَقَصَبِ السُّكْرِ الرَّطْبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلَى ثَمَرَتِهَا إنْ كَانَتْ لَهَا ثَمَرَةٌ كَالنَّخْلَةِ وَالْكَرْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَرَةٌ فَعَلَى ثَمَنِهَا كَالْخِلَافِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَأَمَّا إذَا نَوَى شَيْئًا فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى إنْ كَانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدِرِيِّ ﵀.
قَوْلُهُ (لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ) إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ وَهِيَ مَلِيءٍ فَيَمِينُهُ تَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا عَلَى الِاغْتِرَافِ وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ عَلَى الِاغْتِرَافِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَلِئَ فَيَمِينُهُ عَلَى الِاغْتِرَافِ لَا عَلَى الْكَرْعِ بِالِاتِّفَاقِ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ فَإِنْ تَكَلَّفَ فَكَرَعَ مِنْهَا قِيلَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا صَارَتْ مَوْجُودَةً لَمْ تَبْقَ مُتَعَذِّرَةً فَكَانَ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَلِأَنَّهَا إذَا صَارَتْ مَوْجُودَةً وَانْتَفَى التَّعَذُّرُ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ الْمَجَازِ هُوَ شُرْبُ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْبِئْرِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْفُرَاتِ عِنْدَهُمَا وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَمَّا صَارَ مُرَادًا لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْمَجَازِ وَهُوَ إرَادَةُ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْفُرَاتِ تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْكَرْعُ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ فَمَجَازُهَا وَهُوَ إرَادَةُ الِاغْتِرَافِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَقِيقَةَ فَلَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ.
وَإِنَّمَا جَعَلَ كَلَامَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفُرَاتِ عِبَارَةً عَنْ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْكَرْعُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا كَالِاغْتِرَافِ فَجُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْفُرَاتِ لِيَتَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ فَالْحَقِيقَةُ فِيهَا مُتَعَذِّرَةٌ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ الْعُرْفُ فِيهَا الِاغْتِرَافُ لَا غَيْرُ فَجُعِلَ كَلَامُهُ عِبَارَةً عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْكَرْعُ
стр. 404
فَلَا يَحْنَثُ وَقِيلَ بَلْ الْحَقِيقَةُ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ فَيَحْنَثُ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فُلَانَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ فَإِنْ زَنَى بِهَا لَمْ يَحْنَثْ فَأَسْقَطُوا حَقِيقَتَهُ وَأَمَّا الْمَهْجُورَةُ فَمِثْلُ مَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ وَالْمَجَازُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَهُوَ الدُّخُولُ فَحَنِثَ كَيْفَ دَخَلَ وَمِثَالُهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ صُرِفَ إلَى جَوَابِ الْخَصْمِ مَجَازًا فَيَتَنَاوَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ بِإِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا مِثْلُ الْمَهْجُورِ عَادَةً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ هَذَا الصَّبِيُّ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِصِبَاهُ؛ لِأَنَّ هِجْرَانَ الصَّبِيِّ مَهْجُورٌ شَرْعًا
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ) إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَوْ لِمَنْكُوحَتِهِ إنْ نَكَحْتُك فَكَذَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْوَطْءِ لِمَا مَرَّ أَنَّ النِّكَاحَ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةٌ وَلِلْعَقْدِ مَجَازٌ فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ أَبَانَ الْمَنْكُوحَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا وَعَقْلًا فَإِنْ زَنَى بِهَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لِتَعَذُّرِهِ شَرْعًا فَكَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَهْجُورَ عَادَةً كَالْمَهْجُورِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ (التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ) إلَى آخِرِهِ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا فَأَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلَ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ الْمُنَازَعَةُ وَالْمُشَاجَرَةُ وَالْإِقْرَارُ مُسَالَمَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَكَانَ ضِدَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَالتَّوْكِيلُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏؛ لِأَنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَجَعَلْنَا كَلَامَهُ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ مَجَازًا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ سَبَبُ الْجَوَابِ أَوْ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْهُ الْخُصُومَةُ بَعْضُ الْجَوَابِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْإِنْكَارُ وَالْإِقْرَارُ وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا يَصِحُّ شَرْعًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يُتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمُوَكِّلِ الْجَوَابُ لَا الْإِنْكَارُ فَإِنَّهُ إذَا عُرِفَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ شَرْعًا وَتَوْكِيلُهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَالدِّيَانَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ قَصْدِ ذَلِكَ فَكَانَ مَهْجُورًا شَرْعًا وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عَادَةً فَلِهَذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَجَازِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ بَيْعُهُ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً لِتَصْحِيحِ عَقْدِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا فَيَمْلِكُ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لَهُ وَالْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَا الْوَكِيلُ وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يُسَمَّى خُصُومَةً مَجَازًا إذَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى خُصُومَةِ الْآخَرِ إيَّاهُ يُسَمَّى بِاسْمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷻ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَالْمُجَازَاةُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً وَلِأَنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مَجْلِسُ الْخُصُومَةِ فَمَا يَجْرِي فِيهِ يُسَمَّى خُصُومَةً مَجَازًا وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَإِلَى قَوْلِهِمَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ صُرِفَ إلَى جَوَابِ الْخَصْمِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْخَصْمِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ (لَمْ يَتَقَيَّدْ بِزَمَانِ صِبَاهُ) إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ صِبَاهُ حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَحْنَثُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ مَتَى عُقِدَتْ عَلَى شَيْءٍ بِوَصْفٍ فَإِنْ صَلَحَ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ يَتَقَيَّدُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُنَكَّرًا أَوْ مُعَرَّفًا احْتِرَازٌ عَنْ الْإِلْغَاءِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ هَذَا الرُّطَبَ يَتَقَيَّدُ بِالْوَصْفِ حَتَّى لَوْ أَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ لَنْ يَضُرَّهُ أَكْلُ الرُّطَبِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ فَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُنَكَّرًا يَتَقَيَّدُ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ إذْ ذَاكَ يَصِيرُ مَقْصُودًا بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ تُرِك اعْتِبَارُهُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ ضَرُورَةً كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ جَمْلٍ فَأَكَلَ لَحْمَ كَبْشٍ
стр. 405
وَعَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ يَخْرُجُ قَوْلُهُمْ فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ - وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ -: هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يَعْتِقُ عَمَلًا بِحَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَالنَّسَبُ قَدْ يَثْبُتُ مِنْ زَيْدٍ وَيَشْتَهِرُ مِنْ عَمْرٍو فَيَكُونُ الْمُقِرُّ مُصَدَّقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الدَّعْوَى وَالْعَتَاقِ أَنَّ الْأُمَّ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالْإِشَارَةِ لَا يَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِالْوَصْفِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ كَبْشًا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لِلتَّقْيِيدِ أَوْ التَّعْرِيفِ وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّقْيِيدِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْحَمَلِ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ يَكُونُ أَشَدَّ امْتِنَاعًا مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْكَبْشِ وَلَا لِلتَّعْرِيفِ أَيْضًا لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِمُعَرِّفٍ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إذْ هِيَ فَوْقَ الْوَصْفِ فِي التَّعْرِيفِ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ الذَّاتِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا آكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا عَرَفْت هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ بِوَصْفِ الصِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْحَلِفِ بِتَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ الصِّبْيَانِ لِسَفَاهَتِهِمْ وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ وَسُوءِ آدَابِهِمْ كَوَصْفِ الرُّطُوبَةِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ صَبِيًّا إلَّا أَنَّ هِجْرَانَ الصَّبِيِّ بِتَرْكِ الْكَلَامِ مَعَهُ حَرَامٌ مَهْجُورٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِي تَرْكِ الْكَلَامِ تَرْكُ التَّرَحُّمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَهْجُورِ عَادَةً فَيَتْرُكُ الْحَقِيقَةَ وَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الذَّاتَ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْم الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ فَإِذَا كَلَّمَهُ بَعْدَ زَوَالِ الصِّفَةِ يَحْنَثُ لِبَقَاءِ الذَّاتِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ صَبِيًّا حَيْثُ يَتَقَيَّدُ بِالصِّبَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا مَهْجُورًا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْحَلِفِ لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُعَرِّفُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا فَيَجِبُ تَقْيِيدُ الْيَمِينِ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَمَنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ خَمْرًا أَوْ لَيَسْرِقَنَّ اللَّيْلَةَ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِصَيْرُورَةِ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ مَقْصُودَيْنِ بِالْيَمِينِ فَيَحْنَثُ إنْ لَمْ يَشْرَبْ أَوْ لَمْ يَسْرِقْ كَذَا هُنَا.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعْمَلَ فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لَا بِالْمَجَازِ يُخَرَّجُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ إثْبَاتَ الْعِتْقِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا بِطَرِيقِ أَنَّ اللَّفْظَ صَارَ مَجَازًا لِلتَّحْرِيرِ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ مُمْكِنٌ فَإِنَّ النَّسَبَ قَدْ يَثْبُتُ مِنْ زَيْدٍ بِأَنْ كَانَ الْفِرَاشُ لَهُ فِي الْبَاطِنِ بِأَنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ حَقِيقَةً وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِثْبَاتُ لِعَارِضٍ وَيَشْتَهِرُ مِنْ عَمْرٍو لِوُجُودِ ظَاهِرِ الدَّلِيلِ فَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَكِنْ يُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ مِنْهُ فَيَثْبُتُ أَحْكَامُ النَّسَبِ فِي حَقِّهِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجَارِيَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَوْ صَارَ مَجَازًا لَمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَلْ إنَّمَا يَعْتِقُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَالَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ الثُّلُثُ وَمِنْ الثَّانِي النِّصْفُ وَكُلُّ الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ الْعِتْقُ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَمَا عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا الثُّلُثُ كَمَا لَوْ أَنْشَأَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمْ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمَا كَانَ الْعِتْقُ مِنْهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ عُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ بِاحْتِمَالِ النَّسَبِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي صِحَّتِهِ لِيَسْتَقِيمَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ وَقِيمَتُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ سِتَّةَ أَسْهُمٍ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَأَقَلُّهُ سِتَّةٌ ثُمَّ يَجْمَعُ سِهَامَ الْعِتْقِ وَهِيَ سَهْمَانِ وَثَلَاثَةٌ وَسِتَّةٌ فَتَبْلُغُ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَقَدْ ضَاقَ ثُلُثُ الْمَالِ وَهُوَ سِتَّةٌ عَنْهُ فَيَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا فَيَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى
стр. 406
قَالَ فِي الْجَامِعِ فِي عَبْدٍ لَهُ ابْنٌ وَلِابْنِهِ ابْنَانِ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ وَكُلُّهُمْ يَصْلُحُ ابْنًا لَهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ رُبُعُهُ وَمِنْ الثَّانِي ثُلُثُهُ وَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الْجَوَابُ لَوْ كَانَ لِابْنِ الْعَبْدِ ابْنٌ وَاحِدٌ وَكُلُّهُمْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ ثُلُثُهُ وَمِنْ الثَّانِي نِصْفُهُ وَمِنْ الثَّالِثِ كُلُّهُ لِاحْتِمَالِ النَّسَبِ وَلَوْ كَانَ تَحْرِيرُ الْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي تِسْعَةٍ وَمِنْ الْأَوْسَطِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي ثَمَانِيَةٍ وَمِنْ الْأَصْغَرِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ لِيَسْتَقِيمَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ فِي الْجَامِعِ كَذَا) رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ وَلِعَبْدِهِ ابْنٌ وَلِلِابْنِ ابْنَانِ فِي بَطْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَإِنَّ مِنْ الْأَوَّلِ يَعْتِقُ مِنْهُ رُبُعُهُ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي وَمِنْ الثَّانِي ثُلُثُهُ وَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآَخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَوْ كَانَا مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ يَعْتِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخِرِ فِي النَّسَبِ أَمَّا النَّسَبُ فَلَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ فِي الْمَجْهُولِ لَبَقِيَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ وَتَعْلِيقُ النَّسَبِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ كَانَ وَالتَّعْلِيقُ فِي أَمْرٍ مَعْدُومٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودُ أَمَّا الْعِتْقُ فَقَدْ قِيلَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُهُمَا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ كَلِمَةَ النَّسَبِ عِبَارَةً عَنْ التَّحْرِيرِ لَمَّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ النَّسَبِ فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ جِهَةُ النَّسَبِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدِ ثُلُثُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ جِهَةُ النَّسَبِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ جِهَةَ النَّسَبِ إذَا احْتَمَلَتْ الصِّحَّةَ لَمْ يُجْعَلْ لَغْوًا عِنْدَهُمْ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يَعْتِقُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِاحْتِمَالِ النَّسَبِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَلَيْسَ هَذَا كَمَسْأَلَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ لَهُمْ عَلَى احْتِمَالِ النَّسَبِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِيمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَأَمَّا الْعِتْقُ هَهُنَا فَلَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ حُرًّا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِجِهَةِ النَّسَبِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ ابْنَهُ لَكَانَ أَوْلَادُهُ حَفَدَةً لَهُ وَهُمْ فِي مِلْكِهِ فَيَعْتِقُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْجَمْعُ وَيُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إنَّ الْأَوَّلَ يَعْتِقُ فِي حَالٍ وَلَا يَعْتِقُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ فَيَعْتِقُ رُبُعُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْتِقُ فِي حَالَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ وَلَا يَعْتِقُ فِي حَالَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ أَوْ الْأَصْغَرُ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُ وَأَحَدُ الْآخَرِينَ حُرٌّ بِيَقِينٍ بِأَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَخُوهُ لَمْ يَعْتِقْ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَعْتِقُ فِي حَالٍ وَلَا يَعْتِقُ فِي حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهُ فَصَارَ لَهُمَا رَقَبَةٌ وَنِصْفٌ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ هُوَ الْحُرُّ كُلُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحُرُّ نِصْفُهُ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَمَا قُلْنَا إنَّ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ رِوَايَةُ الْجَامِعِ وَفِي الزِّيَادَاتِ اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ كَمَا اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْحِرْمَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَثْبُتُ أَصْلُهُ إلَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْقَهْرُ أَمَّا الْعِتْقُ فَلَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ وَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ فَإِذَا اعْتَبَرَ أَحْوَالَ مَا اتَّحَدَ سَبَبُهُ فَلَأَنْ يَعْتَبِرَ أَحْوَالَ مَا تَعَدَّدَ سَبَبُهُ أَوْلَى.
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ ازْدِحَامَ الْأَسْبَابِ فِي الْإِصَابَةِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُصِيبَ بِسَبَبٍ اسْتَحَالَ حُصُولُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَأَمَّا الْحِرْمَانُ فَيَقْبَلُ الِازْدِحَامَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا بِالشِّرَاءِ لَمْ يُصِبْهُ بِالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ وَمَنْ حُرِمَ شَيْئًا بِعَدَمِ الشِّرَاءِ فَقَدْ حُرِمَهُ سَائِرُ الْأَسْبَابِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَحْوَالِ الْحِرْمَانِ دُونَ الْإِصَابَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فِي صِحَّتِهِ احْتِرَازٌ
стр. 407
وَأَمَّا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فِلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَجِبُ أَنْ يَصِيرَ مُقِرًّا بِحَقِّ الْأُمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَحْرِيرٌ مُبْتَدَأٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً حَتَّى قُلْنَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي رَجُلَيْنِ وَرِثَا عَبْدًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنَهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مُضَافٌ إلَى خَبَرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ قَائِمٌ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جُعِلَ مَجَازًا عَنْ التَّحْرِيرِ وَحَقُّ الْأُمِّ لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ بِابْتِدَاءِ تَصَرُّفِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَشَرِ إثْبَاتُ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ قَوْلًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُكْمِ الْفِعْلِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِدُونِهِ.
وَ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِمَعْنَاهُ فَيَبْطُلُ إذَا اسْتَحَالَ حُكْمُهُ وَمَعْنَاهُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ حَيْثُ عَتَقُوا مِنْ الثُّلُثِ بِحِسَابِ حَقِّهِمْ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ رَقَبَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبُعٌ وَأَدْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي رُبُعِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَحَقُّ الثَّانِي فِي ثُلُثِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ وَهِيَ تِسْعَةٌ فَصَارَتْ سِهَامُ الْوَصِيَّةِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَثُلُثُ الْمَالِ سِتَّةَ عَشَرَ فَقَدْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ سِهَامِ الْوَصَايَا فَنَجْعَلُ الثُّلُثَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالْمَالَ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ فَنَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرَّقَبَةِ مِنْ الثُّلُثِ لِيَظْهَرَ لَنَا مِقْدَارَ مَا يَعْتِقُ عَنْهَا وَمِقْدَارَ مَا يَسْعَى فِيهِ فَنَقُولُ إنَّ ثُلُثَ الْمَالِ رَقَبَةٌ وَثُلُثَ الرَّقَبَةِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَيْسَ لِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رُبُعٌ صَحِيحٌ فَنَضْرِبُهُ فِي أَرْبَعَةٍ فَيَصِيرُ مِائَةً وَالْمَالُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَالرَّقَبَةُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِائَةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ كَانَ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي ثُلُثِهِ فَضَرَبْنَاهَا فِي أَرْبَعَةٍ فَبَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ وَصَارَ حَقُّ الثَّانِي سِتَّةَ عَشَرَ وَصَارَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَذَلِكَ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ فِي الْبَاقِي فَحَصَلَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْمُصَنَّفِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ) يَعْنِي مَهْمَا أَمْكَنَ فِي الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ النَّسَبِ يُعْمَلُ بِهَا فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي وَيُجْعَلُ الْعِتْقُ ثَابِتًا بِالنَّسَبِ لَا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي الْحُرِّيَّةِ فَيَثْبُتُ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَمَا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَجْعَلُهُ مَجَازًا فِي الْحُرِّيَّةِ.
وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي الْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا فَيَحْصُلَ مُقِرًّا بِأَنَّ أُمَّ الْغُلَامِ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُمِّ حُكْمُ النَّسَبِ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ حُكْمُهُ فَكَمَا جُعِلَ قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي مَجَازًا لِلْإِقْرَارِ بِحَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ يُجْعَلُ مَجَازًا لِلْإِقْرَارِ بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُمِّ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته، وَأُمُّهُ أُمَّ وَلَدِي وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيرٍ مُبْتَدَأٌ كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا هُوَ سَبَبٌ لِلْحُرِّيَّةِ فِي مِلْكِهِ فَيَصِيرُ بِهِ مُعْتَقًا ابْتِدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ رَجُلَانِ عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنَهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً لِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَرِثَا قَرِيبَ أَحَدِهِمَا لَا يَضْمَنُ وَارِثُ الْقَرِيبِ لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَصِيرُ أُمُّ الْغُلَامِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِتَحْرِيرِ الْغُلَامِ ابْتِدَاءُ تَأْثِيرٍ فِي إيجَابِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي إنْشَاءِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ قَوْلًا بِأَنْ يَقُولَ جَعَلْتُك أُمَّ وَلَدٍ أَوْ أَنْشَأْت فِيك أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ حُكْمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِيلَادُ.
وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً يَعْنِي ثُبُوتَ النَّسَبِ مُضَافٌ إلَى خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ خَبَرِهِ فَيُقْصَرُ عَلَى وَقْتِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ فِي حَقِّ عِلْمِ السَّامِعِ قَائِمٌ أَيْ ثَابِتٌ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مُضَافًا إلَى خَبَرِهِ جُعِلَ هَذَا الْخَبَرُ مَجَازًا عَنْ التَّحْرِيرِ أَيْ فِي التَّحْرِيرِ أَوْ عِبَارَةً عَنْهُ أَوْ كِنَايَةً عَنْهُ.
وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ إذَا أُكْرِهَ أَنْ يَقُولَ هَذَا ابْنِي لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَالْإِكْرَاهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ لَا صِحَّةَ التَّحْرِيرِ ابْتِدَاءً وَوُجُوبُ الضَّمَانِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّعْوَى بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ كَالْإِنْشَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته كَانَ ضَامِنًا لِشَرِيكِهِ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّ الضَّمَانَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْإِنْشَاءِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
[قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا]
قَوْلُهُ (وَقَدْ يَتَعَذَّرُ) أَيْ وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي بَعْضِ
стр. 408
وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ وَتُولَدُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَقَعُ بِهِ أَبَدًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ وَفِي الْأَصْغَرِ سِنًّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ نَسَبُهَا وَفِي حَقِّ الْمُقِرِّ مُعْتَذِرٌ أَيْضًا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِي الْفَصْلَيْنِ مُتَعَذِّرٌ لِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي أَبْلَيْنَاهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسَبُ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْمُقِرِّ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ وَالْقَاضِي كَذَّبَهُ هَهُنَا فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ رُجُوعِهِ بِخِلَافِ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ لَا يَصِحُّ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْأَلْفَاظِ فَيَلْغُو ضَرُورَةً وَذَلِكَ إذَا كَانَ إثْبَاتُ مُوجِبِ اللَّفْظِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ مُمْتَنِعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِإِفَادَةِ الْمَعْنَى فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ يُجْعَلُ مَجَازًا وَكِنَايَةً عَنْ حُكْمِهِ أَعْنِي لَازِمَ مَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ تَصْحِيحًا لَهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ ذَلِكَ أَيْضًا يَلْغُو ضَرُورَةً مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ، وَمِثْلُهَا لَا يَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ أَوْ تَصْلُحُ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ هَذِهِ بِنْتِي لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِهِ أَبَدًا يَعْنِي سَوَاءٌ أَصَرَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ غَلِطْت أَوْ أُوهِمْت إلَّا أَنَّهُ إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا؛ لَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ صَارَ ظَالِمًا يَمْنَعُ حَقَّهَا عَنْ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ وَطِئَهَا عِنْدَ الْإِصْرَارِ وَصَارَتْ هِيَ كَالْمُعَلَّقَةِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ فِي التَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الَّتِي لَا تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ وَقَالَ فِي الَّتِي تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ أَضْعَفُ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَالْوِلَادُ أَنْفَى لِهَذَا الْمِلْكِ مِنْهُ لِمِلْكِ الْيَمِينِ ثُمَّ مِلْكُ الْيَمِينِ يَنْتَفِي بِهَذِهِ اللَّفْظِ مِلْكُهُ فَهَذَا أَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْحُرْمَةُ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ فَيُؤْخَذُ بِمُوجِبِ قَوْلِهِ فِيمَا أَمْكَنَ وَلَنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ أَعْنِي فِي الَّتِي تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ وَاَلَّتِي لَا تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ مُتَعَذِّرٌ أَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إمَّا أَنْ جُعِلَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ بِأَنْ جُعِلَ النَّسَبُ ثَابِتًا مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَوْ جُعِلَتْ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لَا غَيْرُ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّحْرِيمِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْعِتْقِ لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ لِأَنَّ النَّسَبَ مُسْتَحَقٌّ مِنْ جَانِبِ مَنْ اُشْتُهِرَ نَسَبًا مِنْهُ فَلَا يُؤَثِّرُ إقْرَارُهُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ أَيْ لَوْ ثَبَتَ مُوجِبُهُ وَهُوَ الْبِنْتِيَّةُ كَانَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهِ مُنَافِيًا لِمِلْكِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ إلَى الْعَبْدِ إثْبَاتُ ذَلِكَ إنَّمَا إلَيْهِ إثْبَاتُ حُرْمَةٍ هِيَ مِنْ وَاجِبِ النِّكَاحِ دُونَ تَبْدِيلِ حَالِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ أَيْ التَّحْرِيمِ الْمُنَافِي لَا يَصْلُحُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ مَا يُنَافِيه فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ وِلَايَتِهِ بِثُبُوتِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَهُ.
وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ ثَبَتَ شَرْعًا كَرَامَةً لَهَا، وَلِهَذَا يَزْدَادُ بِحُرِّيَّتِهَا وَيَنْتَقِصُ بِرِقِّهَا فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْبِنْتِيَّةِ فِي حَقِّ الْحِلِّ إقْرَارًا عَلَيْهَا فَيَكُونُ بَاطِلًا.
وَكَذَا الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ كِنَايَةً عَنْ التَّحْرِيمِ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا لِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي أَبْلَيْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَيْ التَّحْرِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْبِنْتِيَّةِ مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ هَذَا الْكَلَامُ لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَهُ وَالتَّحْرِيمُ الَّذِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ الْقَاطِعُ لِلْحِلِّ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ هَذَا الْكَلَامِ وَلَوَازِمِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَته لَهُ أَيْضًا فَلِذَلِكَ بَطَلَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْعِتْقِ) يَعْنِي بِخِلَافِ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَتِهِ فِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ مُمْكِنٌ عَلَى مَا مَرَّ وَكَذَا بِمَجَازِهِ فِيهِ وَفِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ بَعْدَ الثُّبُوتِ مُوجِبُهَا لِعِتْقٍ يَقْطَعُ الْمِلْكَ كَإِنْشَاءِ الْعِتْقِ، وَلِهَذَا تَأَدَّتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ لَا عِتْقٌ يُنَافِي الْمِلْكَ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى ابْنَهُ أَوْ بِنْتَه صَحَّ الشِّرَاءُ وَفِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ عِتْقٍ يَقْطَعُ الْمِلْكَ وَهُوَ
стр. 409
وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْمَجَازَ عِنْدَهُمَا خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْحُكْمِ لِلْمَجَازِ رُجْحَانٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا فَصَارَ مُشْتَمِلًا عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ فَصَارَ أَوْلَى وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَلَفٌ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَاعْتُبِرَ الرُّجْحَانُ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِثَالُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُوجِبُ الْبُنُوَّةِ فَيُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْهُ.
وَقَرَّرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ مَا ذَكَرْنَاهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنْ قِيلَ يَصِيرُ قَوْلُهُ هَذِهِ بِنْتِي كِنَايَةً عَنْ قَوْلِهِ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ قُلْنَا أَعَنْ حُرْمَةٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهَا بِمِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ حُرْمَةٍ لَا يَمْلِكُهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَنْ تَحْرِيمٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لِيَنْفُذَ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ تَحْرِيمًا غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا نَافِذٍ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِحُرْمَةٍ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ إنَّهَا بِنْتُ هَذَا الزَّوْجِ وَالتَّحْرِيمُ الْمَمْلُوكُ لِلزَّوْجِ بِحَقِّ الْمِلْكِ تَحْرِيمٌ بَعْدَ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ قَطْعِ الْمِلْكِ لَا مِنْ حَيْثُ إثْبَاتِ حُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ فَالْحُرُمَاتُ الْمُؤَبَّدَةُ عُلِّقَتْ بِأَسْبَابٍ حُكْمِيَّةٍ يَثْبُتُ قَبْلَ مِلْكِ الْمَالِكِ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلرَّجُلِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ وَاللَّفْظُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْفِرَاقَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ بِحَالٍ بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلنِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ لَا مِنْ حَيْثُ تُمْلَكُ فَإِنَّا لَوْ تَوَهَّمْنَاهُ صَادِقًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ مِنْ الْأَصْلِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ لَمْ يَصِحَّ كِنَايَةً عَنْهُ فَلَغَا صَرِيحُهُ وَكِفَايَتُهُ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ أَبْلَيْنَاهُ أَيْ بَيِّنَاهُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ يُقَالُ أَبْلَيْت فُلَانًا عُذْرًا إذَا بَيِّنَتُهُ لَهُ بَيَانًا وَحَقِيقَتُهُ جَعَلْته بَالِيًا بِعُذْرِي وَعَالِمًا بِكُنْهِهِ مِنْ بَلَاهُ إذَا أَخْبَرَهُ وَجَرَّبَهُ وَأَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ هَهُنَا مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَبْلَيْنَاكَ إيَّاهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَجْهُولَةِ النَّسَبِ أَيْضًا مَا عَرَفْته فِي مَعْرُوفَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ فَقِيلَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ هَذِهِ بِنْتِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ لَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ غَلِطْت أَوْ أَخْطَأْت حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَحْرُمْ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَدَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ فَقَالَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَجْهُولَةُ النَّسَبِ وَتَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ ثُمَّ قَالَ غَلِطْت لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ صَحِيحٌ قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ إيَّاهُ كَمَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْعُقُودِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِقْرَارِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالْقَبُولِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَاضِهِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالرَّدِّ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِيهَا أَظْهَرُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسَبَ ثَابِتًا إلَى آخِرِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ يَعْنِي قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَالْقَاضِي كَذَّبَهُ هَهُنَا أَيْ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ فَقَامَ تَكْذِيبُ الْقَاضِي إيَّاهُ مَقَامَ تَكْذِيبِهِ نَفْسِهِ وَأُوضِحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي عَتَاقِ الْمَبْسُوطِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا فِي حَقِّ النَّسَبِ وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ غَلِطْت لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا فِي النَّسَبِ شَرْعًا وَفِي الْعَتَاقِ لَوْ أَكْذَبَ الْمَوْلَى نَفْسَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَانَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا.
[الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ) إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً وَالْمَجَازُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ وَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا أَوْ كَانَا فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى السَّوَاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْأَصْلِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كَانَ
стр. 410
يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى مَضْمُونِهَا عَلَى الْعُمُومِ مَجَازًا وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا الْعِبَرُ لِلْمَجَازِ وَهَذَا أَيْ هَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ فَعِنْدَ هُمَا لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ بِاعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْعِبَارَةِ كَانَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ رَاجِعٌ عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ لِدُخُولِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ تَحْتَ عُمُومِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ بِهِ لَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي عِبَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ عِبَارَةً قَائِمَةً مَقَامَ عِبَارَةٍ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْمَجَازِ مَقْصُودًا لَا أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ عَلَى مَا عَرَفْته لَا يُثْبَتُ الْمُزَاحِمَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ عَامِلًا فِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى أَعْمَالِهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فِيمَا تَعَذَّرَ إعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ هَذَا بَيَانُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ الْمُتَعَارَفُ إذَا كَانَ عُمُومُهُ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ.
وَذُكِرَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرَجُّحِهِ بِكُلِّ حَالٍ فَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَهُمَا الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ بِمُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ سَاقِطٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ كَالْمَهْجُورَةِ وَعِنْدَ الْعِبْرَةِ لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ فَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ وَغَلَبَةُ الِاسْتِعْمَالِ لَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَكَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الْمَهْجُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ هُنَاكَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ التَّعَارُفِ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ ﵏ الْمُرَادُ بِهِ التَّعَارُفُ بِالتَّعَامُلِ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ الْمُرَادُ التَّعَارُفُ بِالتَّفَاهُمِ وَقَالَ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَا قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا قَالَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ قَوْلَهُمَا بِدَلِيلِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ آدَمِيٍّ أَوْ خِنْزِيرٍ حَنِثَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّفَاهُمَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا وَلَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً.
قَوْلُهُ (يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا مَأْكُولَةٌ عَادَةً فَإِنَّهَا تُقْلَى فَيُؤْكَلُ وَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْكِشْكُ وَالْهَرِيسَةُ وَقَدْ يُؤْكَلُ أَيْضًا نِيًّا حَبًّا فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً يَمْضُغُهَا كَمَا هِيَ لِيَخْتَبِرَ أَنَّهَا رَخْوَةٌ أَمْ عَلِكَةٌ وَلَمَّا كَانَتْ عَيْنُهَا مَأْكُولَةٌ يَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ.
وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ أَكْلِ الْحِنْطَةِ أَكْلَ مَا فِي بَطْنِهَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ يَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَضْمُونِهَا أَيْ عَلَى الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْحِنْطَةُ لِلتَّعَارُفِ وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ الْمَجَازِ، وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ فِي شَرْحِ الْأَيْمَانِ الْأَصْلِ إلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُتْرَكُ بِالتَّعَارُفِ وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ التَّعَارُفُ فِي حِنْطَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَا فِي حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا أَلَا تَرَى إنَّك فِي قَوْلِك فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ لَا تُرِيدُ حِنْطَةً مُعَيَّنَةً وَلَا اسْتِغْرَاقَ جِنْسِ الْحِنْطَةِ وَاللَّامُ فِيهَا يُفِيدُ تَعْرِيفَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ التَّعَارُفُ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا يُتْرَكُ بِنِيَّةِ غَيْرِهَا أَوْ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَالَ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ كَمَا قَالَا إذَا عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى حِنْطَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا بِأَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً وَفِي التَّهْذِيبِ لِمُحْيِي السُّنَّةِ ﵀ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الْحِنْطَةِ فَلَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثٌ أَحَدُهَا أَنْ يُشِيرَ إلَى حِنْطَةٍ فَيَقُولُ لَا آكُلُ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْحِنْطَةِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا سَوَاءٌ أَكَلَهَا كَذَلِكَ أَوْ طَحَنَهَا فَأَكَلَ الطَّحِينَ أَوْ خَبَزَهَا
стр. 411
يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى شُرْبِ مَاءٍ مُجَاوِرٍ لِلْفُرَاتِ وَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْأَوَانِي؛ لِأَنَّهَا دُونَ النَّهْرِ فِي الْإِمْسَاكِ.
(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)
وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ قَدْ تُتْرَكُ بِ دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ سِيَاقِ النَّظْمِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةٍ تَرْجِعُ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةٍ فِي مَحَلِّ الْكَلَامِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ. ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا عِبَادَةٌ مَعْلُومَةٌ مَجَازًا لَمَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلذِّكْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَأَكَلَ الْخُبْزَ وَالثَّانِيَةَ أَنْ يَقُولَ لَا آكُلُ حِنْطَةً فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ سَوَاءٌ أَكَلَهَا نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا أَوْ مَبْلُولًا أَوْ مَقْلِيًّا وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْعَجِينِ وَالْخُبْزِ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ وَأَشَارَ إلَى صُبْرَةٍ فَأَكَلَ مِنْ دَقِيقِهَا أَوْ عَجِينِهَا أَوْ خُبْزِهَا لَا يَحْنَثُ لِتَبَدُّلِ الِاسْمِ.
وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الْإِشَارَةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْحَمَلَ فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ حَنِثَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ بِخِلَافِ الْحَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ حَيًّا فَكَانَ يَمِينُهُ عَلَى لَحْمِهِ وَالْحِنْطَةُ يُمْكِنُ أَكْلُهَا حَبًّا فَكَانَ يَمِينُهُ عَلَى حَبِّهَا.
قَوْلُهُ (يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَادَةً وَشَرْعًا فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﵇ مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ وَإِلَّا كَرَعَنَا فِي الْوَادِي» وَذَلِكَ عَادَةُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى أَيْضًا وَإِذَا كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً كَانَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا دُونَ الْمَجَازِ وَعِنْدَ هُمَا يَقَعُ عَلَى شُرْبِ مَاءٍ يُجَاوِرُ الْفُرَاتَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْوَادِي أَوْ مِنْ الْفُرَاتِ وَيُرَادُ بِهِ مَاءٌ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ بِعُمُومِهِ وَالْأَخْذُ بِالْأَوَانِي لَا يَقْطَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْأَنْهَارِ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ فَيَحْنَثُ بِالِاغْتِرَافِ وَالْكَرْعِ جَمِيعًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ فَإِنْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِثْلُ الْفُرَاتِ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ فَيَقْطَعُ الْمُجَاوَرَةَ عَنْهُ فَخَرَجَ عَنْ عُمُومِ الْمَجَازِ وَالْكَرْعُ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِالْفَمِ مِنْ مَوْضِعِهِ يُقَالُ كَرَعَ الرَّجُلُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْإِنَاءِ إذَا مَدَّ عُنُقَهُ نَحْوَهُ لِيَشْرَبَهُ وَمِنْهُ كَرِهَ عِكْرِمَةُ الْكَرْعَ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ يُدْخِلُ فِيهِ أَكَارِعَهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الصِّحَاحِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ يَكْرَعُ كُرُوعًا إذَا تَنَاوَلَهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَبَ بِكَفَّيْهِ وَلَا بِإِنَاءٍ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى كَرِعَ بِالْكَسْرِ يَكْرَعُ كَرْعًا وَفِي الْأَسَاسِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ أَدْخَلَ فِيهِ أَكَارِعَهُ بِالْخَوْضِ فِيهِ لِيَشْرَبَ وَالْأَصْلُ فِي الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَشْرَبُ إلَّا بِإِدْخَالِ أَكَارِعِهَا فِيهِ. ثُمَّ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا شَرِبَ فِيهِ خَاضَ أَوْ لَمْ يَخُضْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ]
[دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ]
﴿بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ﴾
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقَرَائِنِ الَّتِي يُصْرَفُ بِهَا الْكَلَامُ إلَى الْمَجَازِ فَقَالَ جُمْلَةُ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ يَعْنِي بِهِ الشَّرْعِيَّاتِ.
وَالِانْحِصَارُ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَوْلُهُ (بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ) . قِيلَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ شَرْعًا وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَيُسَمَّى إذْ ذَاكَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً. وَمِنْ الْعَادَةِ نَقْلُهُ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ عُرْفًا وَاسْتِفَاضَتُهُ فِيهِ كَوَضْعِ الْقَدَمِ فِي قَوْلِهِ لَا أَضَعُ قَدَمِي فِي دَارِ فُلَانٍ وَيُسَمَّى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِعْمَالُ رَاجِعًا إلَى الْقَوْلِ يَعْنِي إنَّهُمْ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالدَّابَّةِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا لَا تُسْتَعْمَلَانِ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ إلَّا فِي الْأَرْكَانِ الْمَعْهُودَةِ وَالْفَرَسِ. وَالْعَادَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْفِعْلِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ قَوْلُهُ (فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ) الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ لُغَةً قَالَ ﵇ «وَإِذَا كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلْيَدْعُ.
وَقَالَ الْأَعْشَى
стр. 412
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وَكُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءٌ وَكَالْحَجِّ فَإِنَّهُ قَصْدٌ فِي اللُّغَةِ فَصَارَ اسْمًا لِعِبَادَةٍ مَعْلُومَةٍ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْعَزِيمَةِ وَالْقَصْدِ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ وَالزَّكَاةِ حَتَّى صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا دَلَالَةً عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَصِيرُ الْمَجَازُ بِاسْتِعْمَالِهِمْ كَالْحَقِيقَةِ وَمِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ حَجًّا
ــ
[كشف الأسرار]
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْت مُرْتَجِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي عَيْنًا ... فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
أَيْ دَعَوْتِ يُرِيدُ قَوْلَهَا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ، وَقَالَ أَيْضًا:
وَصَهْبَاءُ طَافَ يَهُودِيًّا ... وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمٌ
وَأَقْبَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
أَيْ اسْتَقْبَلَ بِالْخَمْرِ الرِّيحَ وَدَعَا، وَارْتَسَمَ مِنْ الرَّوْسَمِ وَهُوَ الْخَاتَمُ يَعْنِي خَتَمَهَا، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الْأَرْكَانِ الْمَعْلُومَةِ لِمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] إمَّا مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي كُلِّ رُكْنٍ. أَوْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ أَقِمْهَا لَأَنْ أَذْكُرَك بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ كَمَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ الْعَبْدَ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ إيَّاهُ. أَوْ أَقِمْهَا لِأَنِّي ذَكَرْتهَا فِي كُلِّ كِتَابٍ وَلَمْ أُخْلِ مِنْهَا شَرِيعَةً وَإِيرَادُهُ هَهُنَا لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (وَكُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءٌ) فَإِنَّ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى يُقَالُ دَعَاهُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اشْتِغَالَ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ بِذِكْرِ مَوْلَاهُ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ وَثَنَائِهِ تَعَرُّضٌ مِنْهُ لِطَلَبِ حَاجَتِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ كُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءً أَوْ الدُّعَاءُ ذِكْرُ الْمَدْعُوِّ لِطَلَبِ أَمْرٍ مِنْهُ.
وَقِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ ﷺ . «أَفْضَلُ دُعَاءٍ أُعْطِيته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قَالَ مَا تُنْكِرُ مِنْ ذَا ثُمَّ حَدَّثَ بِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ تَشَاغَلَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ اللَّهُ فَوْقَ رَغْبَةِ السَّائِلِينَ» . ثُمَّ قَالَ هَذَا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَقُولُ لِابْنِ جُدْعَانَ:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُك إنَّ شِيمَتَك الْحَيَاءُ
وَعِلْمُك بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ قَرْمُ ... لَك الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالسَّنَاءُ
إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
فَهَذَا مَخْلُوقٌ يَقُولُ فِي مَخْلُوقٍ فَمَا ظَنُّك بِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَذَا فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَكَالْحَجِّ فَإِنَّهُ قَصْدٌ فِي اللُّغَةِ) الْحَجُّ الْقَصْدُ وَمِنْهُ الْمَحَجَّةُ لِلطَّرِيقِ وَالْحُجَّةُ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ وَتُعْتَمَدُ أَوْ بِهَا يُقْصَدُ الْحَقُّ الْمَطْلُوبُ قَالَ الْمُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:
وَاشْهَدْ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
أَيْ يَقْصِدُونَهُ وَيَخْتَلِفُونَ إلَيْهِ. وَالسِّبُّ الْعِمَامَةُ وَالزِّبْرِقَانُ لَقَبُ حُصَيْنِ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَمَرُ ثُمَّ تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَصْدِ إلَى مَكَّةَ لِلنُّسُكِ الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ. الْعُمْرَةُ اسْمٌ مِنْ الِاعْتِمَارِ كَالْعِبْرَةِ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَأَصْلُهَا الزِّيَارَةُ يُقَالُ اعْتَمَرَ أَيْ زَارَ. وَفِي الْمُغْرِبِ أَصْلُهَا الْقَصْدُ إلَى مَكَان عَامِرٍ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْمَعْلُومَةِ وَهِيَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَالزَّكَاةُ هَذَا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] . قِيلَ وَتُطَهِّرُهُمْ وَيُقَالُ فُلَانٌ زَكَّى نَفْسَهُ أَيْ مَدَحَهَا وَطَهَّرَهَا عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ يَزْكُو زَكَاةً أَيْ نَمَا ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا الْقَدْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِ إلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ سَبَبٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ فِيهِ وَلِطَهَارَةِ مُؤَدِّيهِ عَنْ الْآثَامِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ بِحَيْثُ صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً. حَتَّى صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ أَوْ يُزَكِّيَ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ إلَّا الْعِبَادَاتُ الْمَعْهُودَةُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُبَاشَرَةِ حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ. وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا أَيْ اسْتِعْمَالُ
стр. 413
أَوْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ أَنْ يَضْرِبَ بِثَوْبِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ إنَّ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا إنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ اسْتِحْسَانًا عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا وَيَسْقُطُ غَيْرُهُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَاسْتِفَاضَتُهُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِلْإِفْهَامِ وَالْمَطْلُوبُ بِهِ مَا يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَإِذَا تَعَارَفَ النَّاسُ اسْتِعْمَالَهُ لِشَيْءٍ عَيْنًا كَانَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْحَقِيقَةِ فِيهِ وَمَا سِوَاهُ لِعَدَمِ الْعُرْفِ كَالْمَجَازِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ إلَّا بِقَرِينَةٍ.
وَهَذَا كَاسْمِ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ نَقْدَ الْبَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِوُجُودِ الْعُرْفِ الظَّاهِرِ فِي التَّعَامُلِ بِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِتَرْكِ التَّعَامُلِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فَرْقٌ فِيمَا وُضِعَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَوْلُهُ (أَوْ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ) إذَا قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لَزِمَهُ حِجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَالْخِيَارُ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْإِلْزَامَ بِالنَّذْرِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ كَالْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِاللَّفْظِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَلَفَّظَ بِهِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِالِاتِّفَاقِ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَانَ أَوْلَى وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الذَّهَابُ أَوْ السَّفَرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ. وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالْعُرْفِ الظَّاهِرِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْتِزَامَ النُّسُكِ وَتَعَارَفُوا ذَلِكَ وَاللَّفْظُ إذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا وَاشْتُهِرَ فِيهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِمَا صَارَ عِبَارَةً عَنْهُ وَالْعُرْفُ مُخْتَصٌّ بِلَفْظِ الْمَشْيِ الْمُضَافِ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى مَكَّةَ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْقِيَاسِ.
وَعِنْدَهُمَا الْمَشْيُ الْمُضَافُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَالْمُضَافِ إلَى الْكَعْبَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَضْرِبَ بِثَوْبِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي كَلَامِهِ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ أَوْلَى.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْإِهْدَاءُ بِهِ فَصَارَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَمَّا يُرَادُ بِهِ عُرْفًا فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُهْدِيَهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِهِ. كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَالْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِلتَّجَوُّزِ هُوَ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى حَطِيمِ الْكَعْبَةِ أَمَارَةُ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ السَّبَبِ وَإِرَادَةِ الْمُسَبَّبِ.
وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ مِثْلُ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ الْهَدْيَ يَجِبُ ذَبْحُ الْهَدْيِ بِالْحَرَمِ وَكَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي أَوْ أَذْبَحَ وَلَدِي أَوْ أُضَحِّيَ وَلَدِي يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا.
قَوْلُهُ (وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ) إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ النَّظَائِرِ الْأُولَى وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِهِ وَقَالُوا لِأَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ لَمْ تَكُنْ الْحَقِيقَةُ مَنْظُورًا إلَيْهَا أَصْلًا وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَعْضُ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ مَقْصُودٌ وَلِهَذَا قَالَ هُوَ شَبِيهٌ بِالْمَجَازِ. يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ. إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَهُوَ عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ رَأْسَ الْجَرَادِ وَالْعُصْفُورِ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَهُ وَهُوَ رَأْسٌ حَقِيقَةً فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَقِيقَةَ وَجَبَ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَهُوَ أَنَّ الرَّأْسَ مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ مَشْوِيًّا.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا يَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِمَا رَأَى مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الرُّءُوسِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ تَرَكُوا هَذِهِ الْعَادَةَ فِي الْإِبِلِ فَرَجَعَ وَقَالَ يَحْنَثُ
стр. 414
إنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَيْضِ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجَةِ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا أَيْ شِوَاءً إنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً اسْتِحْسَانًا وَكُلُّ عَامٍّ سَقَطَ بَعْضُهُ كَانَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهَذَا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِي رَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً ثُمَّ إنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ شَاهَدَا عَادَةَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي رُءُوسِ الْغَنَمِ فَقَالَا لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي رَأْسِ الْغَنَمِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ عُرْفٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُكْمٍ وَبُرْهَانٍ وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ قَوْلُهُ (إنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَيْضِ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجَةِ) هَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْبَيْضِ لِأَنَّ التَّعَارُفَ مُخْتَصٌّ بِهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَقَالَ يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ بَيْضَ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ خَاصَّةً لِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ عُرْفًا وَلَا يَتَنَاوَلُ بَيْضَ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ مِنْ الدَّجَاجَةِ وَالْإِوَزِّ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا بَيْضُ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ بَيْضَ الدُّودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْضِ وَيُؤْكَلُ عَادَةً وَهُوَ كُلُّ بَيْضٍ لَهُ قِشْرٌ كَبَيْضِ الدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهَا.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمَا سِوَاهُمَا كَبَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ وَالدَّجَاجُ مَعْرُوفٌ وَفَتْحُ الدَّالِ فِيهِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا الْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّ الْهَاءَ دَخَلَتْهُ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِ مِثْلُ حَمَامَةٍ وَبَطَّةٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ قَوْلُهُ (وَلَا يَأْكُلُ طَبِيخًا) وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً مَا لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَحْنَثُ فِي اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَطْبُوخٌ وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ هَهُنَا يَفْحُشُ فَإِنَّ الْمُسَهِّلَ مِنْ الدَّوَاءِ مَطْبُوخٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ اللَّحْمُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْبَخُ فِي الْعَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَتُتَّخَذُ مِنْهُ الْمُبَاحَاتُ. قَالُوا وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ بِالْمَاءِ فَأَمَّا الْقَلِيَّةُ الْيَابِسَةُ فَلَا يُسَمَّى مَطْبُوخًا. فَإِنْ طَبَخَ بِالْمَاءِ إيَّاهَا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيخًا فِي الْعَادَةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ.
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشِّوَاءَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً أَيْضًا اسْتِحْسَانًا دُونَ الْبَيْضِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالسَّلْقِ وَالْجَزَرِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيُصْرَفُ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعُرْفُ قَوْلُهُ (وَكُلُّ عَامٍّ سَقَطَ بَعْضُهُ كَانَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ أَنْتَ فِي بَيَانِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَفِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمَسَائِلِ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ مَا بَقِيَ تَحْتَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ الْقَاصِرَةِ وَقَدْ اخْتَرْت فِي بَابِ مُوجَبِ الْأَمْرِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْقَاصِرَةَ لَا يُسَمَّى مَجَازًا فَأَنَّى يَسْتَقِيمُ إيرَادُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ الْعَامُّ إذَا سَقَطَ بَعْضُهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْكُلُّ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْبَعْضُ.
عَلَى مَا سَبَقَ أَيْ فِي بَابِ الْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَامًّا حَقِيقَةً وَنَحْنُ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَصَارَ ظَنِّيًّا فَتَحَقَّقَ بِهِ شَبَهُ الْمَجَازِ فَلِذَلِكَ نَاسَبَ إيرَادُهَا هَهُنَا قَوْلُهُ (وَهَذَا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ) أَيْ تَخَصُّصُ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ ثَابِتٌ بِالْعُرْفِ الْعَادِي لَا بِالْعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّأْسِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي رَأْسِ الْغَنَمِ يُسْتَعْمَلُ فِي رَأْسِ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْأَكْلِ مُخْتَصَّةٌ بِرَأْسِ الْغَنَمِ. وَكَذَا إطْلَاقُ لَفْظِ الْبَيْضِ عَلَى بَيْضِ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ شَائِعٌ
стр. 415
وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى السَّمَكِ وَهُوَ لَحْمٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ نَاقِصٌ لِأَنَّ اللَّحْمَ يَتَكَامَلُ بِالدَّمِ فَمَا لَا دَمَ لَهُ قَاصِرٌ مِنْ وَجْهٍ فَخَرَجَ عَنْ مُطْلَقِهِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ. لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ،
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا شَاعَ فِي بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ لَكِنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ فِي الْأَكْلِ اخْتَصَّتْ بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّبِيخِ وَالشِّوَاءِ فَتُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ الْعُمُومُ بِالْعَادَةِ. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيهِ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا لَا بِالْعَادَةِ لِأَنَّ النَّاسَ كَمَا اعْتَادُوا فِعْلَ الصَّلَاةِ اعْتَادُوا الدُّعَاءَ أَيْضًا. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ لَيْسَ بِتَرَادُفٍ كَمَا زَعَمَ الْبَعْضُ وَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ.
[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ) تَرْكُ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِأَفْرَادٍ بِعُمُومِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا فَيَتَخَصَّصُ بِالْبَعْضِ بِالنَّظَرِ إلَى مَأْخَذِ اشْتِقَاقِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِهِ لَحْمُ السَّمَكِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] . وَلَكِنَّهُ تَخَصَّصَ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ كَمَا تَخَصَّصَ مَا تَقَدَّمَ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّحْمَ اسْمٌ مَعْنَوِيٌّ وَأَصْلُ تَرْكِيبِهِ يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ يُقَالُ الْتَحَمَ الْقِتَالُ أَيْ اشْتَدَّ وَالْمَلْحَمَةُ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ ثُمَّ سُمِّيَ اللَّحْمُ بِهَذَا الِاسْمِ لِقُوَّةٍ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَخْلَاطِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ دَمٌ فَكَانَ فِي لَحْمِهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَانَ صَرْفُ مُطْلَقِ الِاسْمِ إلَى مَالَهُ قُوَّةٌ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى مَا فِيهِ قُصُورٌ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً كَاسْمِ الْوُجُودِ بِالْجَوْهَرِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَرَضِ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً لِقُصُورِ الْعَرَضِ فِي مَعْنَى الْوُجُودِ لِعَدَمِ ثَبَاتِهِ وَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى وُجُودِ الْجَوْهَرِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِلْقُصُورِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمَّا لَمْ تُذْكَرْ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِقُصُورٍ فِيهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ قِيلَ) أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ لَحْمَ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ (قُلْنَا) قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِيهِ الْخِلَافَ. وَبَعْضُهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ الْآدَمِيِّ لِانْعِدَامِ الْعُرْفِ فِي أَكْلِهِمَا فَصَارَ كَالرَّأْسِ وَالْبَيْضِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذِكْرَ الْقَرِينَةِ هَهُنَا لَيْسَ لِقُصُورِ مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَكَذَا مَعْنَى الْغِذَاءِ الْمَطْلُوبِ مِنْ اللَّحْمِ يَتِمُّ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَرِينَةَ لِلتَّعْرِيفِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَالطَّيْرِ وَلِبَيَانِ الْحُرْمَةِ لَا لِقُصُورٍ فِي مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْحُرْمَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ إتْمَامِ شَرْطِ الْحِنْثِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ يَحْنَثُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبُ) إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُونَ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعِتْقَ لِكُلِّ مَمْلُوكٍ يُضَافُ إلَيْهِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ لِي وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُكَاتَبِينَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رَقَبَةً لَا يَدًا بَلْ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ يَدًا حَتَّى كَانَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى اسْتِكْسَابَهُ وَلَا وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَكُونُ ثَابِتًا مُطْلَقًا. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَالْمُكَاتَبُ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلِلدَّلَالَةِ فِي لَفْظِهِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] . لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمَرْقُوقَ وَالرِّقُّ لَا يَنْتَقِصُ بِالْكِتَابَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَلِأَنَّهَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَاشْتِرَاطَ الْمِلْكِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ بِهِ التَّحْرِيرُ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمُكَاتَبِ
стр. 416
لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ لِمَا قُلْنَا فَصَارَ مَخْصُوصًا وَلِلْمَخْصُوصِ شِبَهٌ بِالْمَجَازِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَقَالَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِاسْمَ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْفَاكِهَةُ اسْمٌ لِلتَّوَابِعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَفَكَّهَ مَأْخُوذٌ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أَيْ نَاعِمِينَ وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ وَهُوَ الْغِذَاءُ فَصَارَ تَابِعًا وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ قَدْ يَصْلُحَانِ لِلْغِذَاءِ وَقَدْ يَقَعُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَالرُّمَّانُ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْأَدْوِيَةِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا وَصْفٌ زَائِدٌ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَيْثُ يَدْخُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا كَامِلٌ إذْ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُمَا يَدًا وَرَقَبَةً وَيَمْلِكُ اسْتِغْلَالَهُمَا واستكسابهما وَطْءَ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لَكِنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا نَاقِصٌ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْقُصُورِ فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهٍ لِبَقَاءِ مِلْكِ الْيَدِ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ وَلَوْ طَلَّقَهَا صَحَّ الطَّلَاقُ أَيْضًا، دُونَ وَجْهٍ لِزَوَالِ أَصْلِ مِلْكِ النِّكَاحِ حَتَّى حَرُمَ الْوَطْءُ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَفَائِدَةُ الْقَيْدَيْنِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً تَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ وَلَوْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ لَا تَدْخُلُ وَإِنْ نَوَى لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَصَارَ الْعَامُّ أَيْ قَوْلُهُ لَحْمًا الْوَاقِعُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَقَوْلُهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ. مَخْصُوصًا أَيْ مَخْصُوصًا مِنْهُ فَصَارَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ) أَيْ وَمِنْ التَّرْكِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ مَا هُوَ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ وَالْقُصُورِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَهَهُنَا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ وَالتَّبَعِيَّةِ. إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً وَلَا نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ نَوَاهَا عِنْدَ الْحَلِفِ يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي التُّحْفَةِ. قَالُوا إنَّ الْفَاكِهَةَ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَكَذَا الْفَاكِهَةُ مَا يُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ الضِّيفَانِ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ لَا لِشِبَعٍ وَالرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ مِنْ أَنْفَسِ ذَلِكَ كَالتِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ الْفَاكِهَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] . وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] . فَتَارَةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَارَةً عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَيْهَا وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ بِلَفْظَيْنِ وَلِأَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] .
أَيْ نَاعِمِينَ وَالتَّنَعُّمُ زَايِدٌ عَلَى مَا بِهِ الْقِوَامُ وَالْبَقَاءُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَقَدْ يُجْتَزَأُ بِهِمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالرُّمَّانُ فِي مَعْنَى الدَّوَاءِ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ أَيْضًا وَهُوَ قُوتٌ مِنْ جُمْلَةِ التَّوَابِلِ إذَا يَبِسَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. كَانَ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَصْفٌ زَايِدٌ وَهُوَ الْغِذَائِيَّةُ وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهَا فَلِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْفَاكِهَةِ كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ لَحْمَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِلنُّقْصَانِ. وَلَا يَلْزَمُ دُخُولُ الطَّرَّارِ تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ وَصْفٌ زَائِدٌ وَهُوَ الْقَاطِعُ مِنْ الْيَقْظَانِ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِيهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ غَيْرِ مُنَاقَضَةٍ تَلْزَمُ فَإِنَّ مِلْكَ الزِّيَادَةِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعْنَى السَّرِقَةِ كَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَمِّلٌ لِمَعْنَى الْإِيذَاءِ فَأَمَّا الِاسْمُ هَهُنَا فَوَاقِعٌ عَلَى مَا هُوَ تَبَعٌ وَالزِّيَادَةُ هَهُنَا مُغَيِّرَةٌ لِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّبَعِيَّةُ إذْ الْأَصَالَةُ تُنَافِي التَّبَعِيَّةَ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ كَمَالَ الْمَعْنَى فِيهِ أَيْ فِي التَّمْرِ إخْرَاجُهُ
стр. 417
وَالِاسْمُ نَاقِصٌ مُقَيَّدٌ فِي الْمَعْنَى فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْكَامِلَ وَكَذَلِكَ طَرِيقُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إدَامًا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَتْبَعُ الْخُبْزَ لِأَنَّ الْأُدْمَ اسْمٌ لِلتَّابِعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا هُوَ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رِوَايَتَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ فَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] تُرِكَتْ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَالتَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] وَحُمِلَ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ مَجَازًا
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ أَنْ يَكُونَ فَاكِهَةً وَجَعْلُهُ غِذَاءً فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ لِأَنَّ الْمَطْعُومَاتِ بَعْضُهَا أُصُولٌ وَهِيَ الْأَغْذِيَةُ وَبَعْضُهَا فُرُوعٌ كَالْفَوَاكِهِ وَالتَّمْرُ وَالْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ الْتَحَقَتْ بِالْأَغْذِيَةِ لِزِيَادَةِ مَعَانٍ فِيهَا وَكَثْرَةِ رَغَائِبِ النَّاسِ إلَيْهَا لَا جَرَمَ خَرَجَتْ عَنْ مُطْلَقِ اسْمِ الْفُرُوعِ كَالْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ خَرَجُوا عَنْ اسْمِ الْأَقَارِبِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِي الطَّرَّارِ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ قَوْلُهُ (وَالِاسْمُ نَاقِصٌ) أَيْ اسْمُ الْفَاكِهَةِ دَالٌّ عَلَى مَا هُوَ نَاقِصٌ فِي نَفْسِهِ. مُقَيَّدٌ أَيْ بِكَوْنِهِ تَابِعًا فِي الْمَعْنَى أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى مَعْنَاهُ فِي أُصُولِ اللُّغَةِ.
وَذُكِرَ فِي التُّحْفَةِ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا هَذَا اخْتِلَافُ عُرِفَ وَزَمَانٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَفْتَى عَلَى حَسَبِ عُرْفِ زَمَانِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعُدُّونَهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَتَغَيَّرَ الْعُرْفُ فِي زَمَانِهِمَا وَفِي عُرْفِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاكِهَةِ طَرِيقَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِدَامِ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ وَلَا يَأْكُلُ إدَامًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَصْطَبِغُ بِهِ مِثْلِ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ دُونَ الْجُبْنِ وَالْبَيْضِ وَاللَّحْمِ وَالسَّمَكِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الْإِدَامَ اسْمٌ لِمَا يُطَيِّبُ الْخُبْزَ وَيُصْلِحُهُ فَكَانَ اسْمًا لِمَا يَتْبَعُ الْخُبْزَ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ يُقَالُ أَدَم اللَّهُ بَيْنَكُمَا وَآدَمَ أَيْ أَصْلَحَ وَأَلَّفَ. وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» . يَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمَا الْمَحَبَّةُ وَالِاتِّفَاقُ وَكَمَالُ التَّبَعِيَّةِ وَالْمُوَافَقَةِ فِيمَا يَخْتَلِطُ بِالْخُبْزِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْحَمْلِ قَصْدًا وَلَا إلَى الْمَضْغِ وَالِابْتِلَاعِ كَذَلِكَ وَكَالْخَلِّ وَكَذَا كُلُّ مَا يَصْطَبِغُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَأَمْثَالُهَا فَتُحْمَلُ مَعَ الْخُبْزِ وَيَقَعُ عَلَيْهَا الْمَضْغُ وَالِابْتِلَاعُ قَصْدًا فَيَكُونُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَكَانَتْ قَاصِرَةً فِي مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِدَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَيْضًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِدَامَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُؤَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ فَمَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فَيَكُونُ إدَامًا وَقَالَ ﵇. «سَيِّدُ إدَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ. وَأَخَذَ لُقْمَةً بِيَمِينِهِ وَتَمْرَةً بِشِمَالِهِ فَقَالَ. هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يُوَافِقُ الْخُبْزَ فِي الْغَالِبِ إدَامٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصْنَا مِنْهُ مَا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَحْدَهُ كَالْبِطِّيخِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّ الْإِدَامَ تَبَعٌ فَمَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا لَا يَكُونُ تَبَعًا فَأَمَّا الْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَاللَّحْمُ فَلَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا فَكَانَ إدَامًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هَهُنَا عِبَارَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ بِإِدَامٍ قَالَ الْإِدَامُ كُلُّ شَيْءٍ يَصْطَبِغُ بِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ فَعَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ لَوْ أَكَلَ الْإِدَامَ وَحْدَهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِائْتِدَامَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْخُبْزَ بِهِ وَعَلَى عِبَارَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَهُ وَحْدَهُ فَإِنَّ اسْمَ الْإِدَامِ يَلْزَمُهُ أَكَلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْخُبْزِ قَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رِوَايَتَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْإِدَامِ دُونَ الْفَاكِهَةِ وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى أَحَدَيْهِمَا شُيُوعُ إطْلَاقِ اسْمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا وَوُجُودُ مَعْنَى التَّنَعُّمِ فِيهَا وَعَدَمُ شُيُوعِ إطْلَاقِ اسْمِ الْإِدَامِ عَلَى الْبَيْضِ وَاللَّحْمِ وَالْجُبْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِدَامَ يُسَمَّى صِبْغًا لِأَنَّ الْخُبْزَ يُغْمَسُ فِيهِ وَيُلَوَّنُ بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ يَكْمُلْ فِيهِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.
[الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ]
قَوْلُهُ (تُرِكَتْ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ) أَيْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ
стр. 418
وَمِثَالُهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي الْحَرْبِيِّ اسْتَأْمَنَ مُسْلِمًا فَقَالَ لَهُ أَنْتَ آمِنٌ كَانَ أَمَانًا فَإِنْ قَالَ أَنْتَ آمِنٌ سَتَعْلَمُ مَا يَلْقَى لَمْ يَكُنْ أَمَانًا وَلَوْ قَالَ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا لَمْ يَكُنْ أَمَانًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ إنْ قَدَرْت أَوْ اصْنَعْ فِي مَالِي مَا شِئْت إنْ كُنْت رَجُلًا لَمْ يَكُنْ تَوْكِيلًا وَقَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الرَّجُلُ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَا أَبْعَدَك لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا وَصَارَ الْكَلَامُ لِلتَّوْبِيخِ بِدَلَالَةِ سِيَاقِ نَظْمِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] إنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ حُمِلَ عَلَى إمْكَانِ الْفِعْلِ وَإِقْدَارِهِ عَلَيْهِ مَجَازًا لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ فَكَانَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ اتِّصَالٌ وَمِثَالُهُ مَنْ دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِمَا فِي غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بِنَاءِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ امْرَأَةٌ قَامَتْ لِتَخْرُجَ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلْيُؤْمِنْ مَتْرُوكَةٌ هَهُنَا بِقَرِينَةِ فَمَنْ شَاءَ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ فَلْيَكْفُرْ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [الكهف: ٢٩] . أَيْ لِلَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ نَارًا وَكَذَا تُرِكَتْ حَقِيقَةُ التَّخْيِيرِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ رَفْعُ الْمَأْثَمِ وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ لَا تُنَاسِبُهُ. وَحُمِلَ أَيْ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ. فَلْيَكْفُرْ. عَلَى الْإِنْكَارِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِنْكَارُ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ. وَالتَّوْبِيخُ أَيْ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] .
مَجَازًا أَيْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِمُنَاسَبَةٍ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ هُوَ الطَّلَبُ، وَفَائِدَتُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعَةً إلَى الْآمِرِ كَقَوْلِك خِطْ لِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ احْمِلْ لِي هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ إلَى الْمَأْمُورِ كَقَوْلِك الْبَسْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ ثُمَّ الْأَمْرُ الَّذِي يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْمَأْمُورِ أَوْلَى بِالِامْتِثَالِ وَالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ فَمَتَى قَابَلَهُ الْمَأْمُورُ بِالرَّدِّ وَالْعِصْيَانِ فَذَلِكَ يُوهِمُ لِلْآمِرِ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّ وَعَصَى لِظَنِّهِ أَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَى الْآمِرِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ ضِدَّ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ وَيَأْمُرُهُ بِالِاسْتِدَامَةِ عَلَى الْعِصْيَانِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الرَّدِّ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا تَنْزِيهُ نَفْسِهِ عَنْ عَوْدِ عَائِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَيْهِ إذًا لَوْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَيْهِ لَمَا دَفَعَهَا بِطَلَبِ ضِدِّهَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الطَّبْعِ وَالْعَقْلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ أَمْرَهُ أَبْغَضَهُ الْآمِرُ فَطَلَبَ مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ الْعُظْمَى لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ مَا يَسْتَجْلِبُ الْمَثُوبَةَ الْحُسْنَى فَصَارَ مَعْنَاهُ أَنِّي أَطْلُبُ مِنْك الْعِصْيَانَ لِتَسْتَحِقَّ بِهِ الْخُسْرَانَ وَلِهَذَا لَا يَرِدُ الْأَمْرُ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ إلَّا وَقَدْ سَبَقَهُ أَمْرٌ وَاجِبُ الِامْتِثَالِ بِهِ وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْمَأْمُورُ بِالْعِصْيَانِ فَهَذَا هُوَ الْمُجَوِّزُ لِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى نَزَلَ عَلَى أَسَالِيبِ اسْتِعْمَالَاتِ النَّاسِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الضِّدِّ وَإِرَادَةِ الْآخَرِ لِمُعَاقَبَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ الْمُرَادُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ قَوْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أَيْ اسْتَزِلَّ أَوْ حَرِّكْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ. إنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْوُجُودِ مِنْ قِبَلِ الْمَأْمُورِ وَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ هَهُنَا لِأَنَّهُ ﷻ كَرِيمٌ حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِكَرْمِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ عَدُوِّهِ إبْلِيسَ أَنْ يَسْتَفِزَّ عِبَادَهُ، حُمِلَ عَلَى إمْكَانِ الْفِعْلِ أَيْ تَمْكِينِهِ مِنْهُ وَإِقْدَارِهِ أَيْ جَعْلِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ مَجَازًا بِطَرِيقِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُوجِبَ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْعَبْدِ مِنْ الْفِعْلِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ أَعْنِي قُدْرَةَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ لِأَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ غَيْرُ جَائِزٍ فَاسْتُعِيرَ الْأَمْرُ لِلْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ كَاسْتِعَارَةِ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ فَصَارَ الْمَعْنَى أَنِّي أَمْكَنْتُك وَأَقْدَرْتُك عَلَى تَهْيِيجِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى الشَّرِّ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ أَوْ لِلْإِيجَادِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَكَانَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ الْإِيجَابِ وَالْإِقْدَارِ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرْنَا يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ وَلَا إيجَابَ بِدُونِ الْقُدْرَةِ كَانَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْإِقْدَارِ اتِّصَالٌ لِكَوْنِ الْقُدْرَةِ مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهُ لِلْإِقْدَارِ قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ نَظِيرُ مَا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْفُرُوعِ قَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى جَوَابًا لِمَنْ دَعَاهُ إلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْكَلَامِ لِلْعُمُومِ لِدَلَالَتِهِ لُغَةً عَلَى مَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ وَاقِعٍ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ إذْ التَّقْدِيرُ لَا أَتَغَدَّى تَغَدِّيًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَحْنَثَ بِكُلِّ تَغَدٍّ يُوجَدُ بَعْدُ كَمَا لَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ بِدَلَالَةِ حَالِ
стр. 419
عَلَى الْفَوْرِ لِمَا قُلْنَا وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ.
وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨] سَقَطَ عُمُومُهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ مَحَلَّ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ وُجُوهَ الِاسْتِوَاءِ قَائِمَةٌ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْكَلَامِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ لِكَلَامِ الدَّاعِي وَأَنَّهُ قَدْ دَعَاهُ إلَى تَغَدِّي الْفِدَاءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ فَيُقَيَّدُ بِهِ وَإِذَا تَقَيَّدَ كَلَامُ الدَّاعِي بِهِ يُقَيَّدُ الْجَوَابُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى الْفِدَاءَ الَّذِي دَعَوْتنِي إلَيْهِ وَقِسْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ الْخُرُوجِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ إنَّك تَغْتَسِلُ فِي هَذِهِ الدَّارِ اللَّيْلَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ إنْ اغْتَسَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ سَبَقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَلَمْ يُسْبَقْ بِهِ وَكَانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَمِينُ مُؤَبَّدَةٌ كَقَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَمُؤَقَّتَةٌ كَقَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ الْيَوْمَ كَذَا فَأَخْرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا يَكُونُ مُؤَبَّدًا لَفْظًا وَمُوَقَّتًا مَعْنًى وَأَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِهِ حَيْثُ دُعِيَا إلَى نُصْرَةِ إنْسَانٍ فَحَلَفَا أَنْ لَا يَنْصُرَاهُ ثُمَّ نَصَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْنَثَا وَبِنَاءُ الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ لِمَا بَيَّنَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤] إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ لِاسْتِحَالَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي الْتِمَاسٌ لَا أَمْرٌ لِمَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِالْتِمَاسَ ضَرُورَةً قَوْلُهُ (عَلَى الْفَوْرِ) أَيْ عَلَى الْحَالِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَارَتْ الْقِدْرُ إذَا غَلَتْ فَاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا رَيْثَ فِيهَا وَلَا لُبْثَ فَقِيلَ جَاءَ فُلَانٌ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ وَفِي الصِّحَاحِ ذَهَبْت فِي حَاجَةٍ ثُمَّ أَتَيْت فُلَانًا مِنْ فَوْرِي أَيْ قَبْلَ أَنْ أَسْكُنَ وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.
[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ]
قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨] حَقِيقَةٌ لِلْعُمُومِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ لُغَةً نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ إلَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِعُمُومِهَا مُتَعَذِّرٌ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ مِثْلُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالذُّكُورَةِ وَغَيْرِهَا فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ لِنُبُوَّةِ الْمَحَلِّ عَنْ قَبُولِ الْعُمُومِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحَوَى الْكَلَامِ وَهُوَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْبَصَرِ فِي هَذَا النَّظِيرِ وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْفَوْزِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وَذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ سُقُوطُ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا بَقِيَ كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتَهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ بَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَلَنَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمَّا لَمْ يَقْبَلْ الْعُمُومَ لِعَدَمِ صُدُورِهِ فِي مَحَلِّ الْعُمُومِ لَمْ يَنْعَقِدْ لِلْعُمُومِ أَصْلًا لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ مَحَلِّهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ النَّصِّ وَعَلَى مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ مُرَادٌ بِخِلَافِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ انْعَقَدَ لِلْعُمُومِ ثُمَّ خُصَّ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِعَارِضٍ لَحِقَهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْمُعَارِضِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْعُمُومِ.
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَهُ وَأَنَّ دِيَتَهُ لَا يَكُونُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْكَافِرِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ سَبَبَ الْمِلْكِ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وَالْقَوْلُ
стр. 420
وَهُوَ التَّغَايُرُ فِي الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ كَافُ التَّشْبِيهِ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ لِمَا قُلْنَا مِنْ قِيَامِ الْمُغَايَرَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إذَا قِيلَ زَيْدٌ مِثْلُك لَمْ يَثْبُتْ عُمُومُهُ إلَّا أَنْ يَقْبَلَ الْمَحَلُّ الْعُمُومَ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا فَإِنَّ هَذَا عَامٌّ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَرُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ غَيْرَ الْخَطَأِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بَلْ هُوَ مُتَصَوَّرٌ فَسَقَطَ حَقِيقَتُهُ وَصَارَ ذِكْرُ الْخَطَأِ وَالْعَمَلِ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ وَمُوجَبِهِ وَمُوجَبُهُ نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا الثَّوَابُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْمَأْثَمُ فِي الْحُرُمَاتِ وَالثَّانِي الْحُكْمُ الْمَشْرُوعُ فِيهِ مِنْ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَعِنْدَنَا نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مُخْتَصٌّ بِالْفَوْزِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨] لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَقْتَصِرَ الْبَصِيرُ بِالْأَعْمَى وَيَسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْبَصَرِ فَكَذَا هَذَا قَوْلُهُ (وَهُوَ التَّغَايُرُ فِي الْبَصَرِ) الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَمَى الْقَلْبِ وَبَصَرُهُ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَضِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ فِي ذِهْنِ كُلِّ أَحَدٍ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى أَيْ الْمُشْرِكُ الَّذِي لَا يُبْصِرُ الرُّشْدَ وَالْبَصِيرُ أَيْ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُهُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ كَافُ التَّشْبِيهِ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ عِنْدَ نَبْوَةِ الْمَحَلِّ عَنْهُ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْمُمَاثَلَةِ بِذِكْرِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ أَوْ بِلَفْظِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ عِنْدَ نَبْوَةِ الْمَحَلِّ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ مِثَالُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ فِيهِ بِالْعُمُومِ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ الْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ دُونَ حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْقَطْعُ وَإِلَّا إذَا قَبِلَ الْمَحَلُّ الْعُمُومَ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ حِينَئِذٍ لِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُهُ إذْ الْمُمَاثَلَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حِسًّا وَطَبْعًا وَكَذَا يَثْبُتُ حُكْمًا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّشْبِيهِ إثْبَاتُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ عَامًّا وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةٍ أَنَّا إنَّمَا عَمِلْنَا بِالْعُمُومِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ لِأَنَّ فِيهِ حَقْنَ الدَّمِ وَلَمْ نَعْمَلْ بِالْعُمُومِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْحَدِّ وَالْحَدُّ يُحْتَالُ لِدَرْئِهِ لَا لِإِثْبَاتِهِ قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ) أَيْ وَمِمَّا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ فِيهِ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
وَقَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ الْعَمَلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ نَظَرًا إلَى كَلِمَةِ الْحَصْرِ وَأَنْ لَا يُوجَدَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْإِكْرَاهُ أَصْلًا نَظَرًا إلَى اسْتِنَادِ الِارْتِفَاعِ إلَى مَا هُوَ مُحَلًّى بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلْجِنْسِ وَقَدْ نَرَى أَنَّ الْعَمَلَ يُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ وَكَذَا يُوجَدُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْإِكْرَاهُ فَعَرَفْنَا بِنَبْوَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ وَهُوَ الْعَمَلُ وَالْخَطَأُ وَاخْتَارَهُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهَا سَاقِطَةٌ وَلَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ وَأَنَّ الْعَمَلَ فِي حَدِيثِ النِّيَّةِ وَالْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَالْإِكْرَاهَ فِي حَدِيثِ الرَّفْعِ مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى مُوجَبِهِ أَوْ بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَاتِ وَرُفِعَ حُكْمُ الْخَطَأِ ثُمَّ مَا صَارَ هَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةً عَنْهُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَهُ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَالْإِثْمُ فِي الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي فَإِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَهُوَ الْحُكْمُ الْمَشْرُوعُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِثْلُ الْجَوَازِ فِي الْأَعْمَالِ الْمَنْوِيَّةِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِسَاءَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ وَالْإِثْمَ فِي الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ
стр. 421
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَالصِّحَّةَ يَتَعَلَّقُ بِرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَالثَّوَابُ أَوْ الْمَأْثَمُ يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى صَلَّى وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا لَمْ يَجُزْ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَاسْتَحَقَّ الثَّوَابَ لِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ وَإِذَا صَارَا مُخْتَلِفَيْنِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَيَصِيرُ مُؤَوَّلًا وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَأْثَمِ عَلَى هَذَا فَصَارَ هَذَا كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ وَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
يَبْتَنِي عَلَى الْعَزِيمَةِ وَالْقَصْدِ، وَالْفَسَادَ الَّذِي هُوَ حُكْمٌ يَبْتَنِي عَلَى الْأَدَاءِ بِالْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ فَلَا يَجُوزُ احْتِجَاجُ الْخَصْمِ بِهِ عَلَيْنَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ بِالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ حَتَّى يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْمَأْثَمُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَزْمِ وَالْإِثْمَ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ مَرْفُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ يُقِيمُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الْمُرَادُ حُكْمَ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِنْ أُمَّتِي فَائِدَةٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَمِ إذْ لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُمْ (قُلْنَا) ذَلِكَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْحِكْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ جَائِزَيْ الْمُؤَاخَذَةِ كَانَ مَعْنَى الدُّعَاءِ لَا تُجِرْ عَلَيْنَا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِيهِمَا إذْ الْمُؤَاخَذَةُ فِيمَا لَا تَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ فِيهِ جَوْرٌ.
وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ (صَارَ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُ الْعَمَلِ وَالْخَطَأِ وَأُخْتَيْهِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا أَيْ فِي مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ مَا هُوَ مُرَادٌ مِنْهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكٌ قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْمَأْثَمِ) أَيْ حُكْمٌ هُوَ مَأْثَمٌ عَلَى هَذَا يَعْنِي كَمَا أَنَّ الثَّوَابَ يَنْفَصِلُ عَنْ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَكَذَلِكَ الْإِثْمُ يَنْفَصِلُ عَنْ الْفَسَادِ كَمَنْ صَلَّى مُرَائِيًا مُرَاعِيًا لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ يَسْتَوْجِبُ الْإِثْمَ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ وَكَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا تَحَقَّقَ الْفَسَادُ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَفِيهِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ الَّذِي لَا يَجْرِي الْعُمُومُ فِيهِ هُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ قَصْدًا كَاسْمِ الْقُرْءِ وَالْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ دُونَ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنَّ الْعُمُومَ يَجْرِي فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً كَاسْمِ الْحَيَوَانِ يَتَنَاوَلُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِهِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ التَّحَرُّكُ بِالْإِرَادَةِ وَكَاسْمِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمُتَضَادَّاتِ بِمَعْنَى الْوُجُودِ وَكَاسْمِ اللَّوْنِ يَتَنَاوَلُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَغَيْرَهُمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى اللَّوْنِيَّةِ وَالْحُكْمُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ فَيَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ لَا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الْمُنْتَظِمَةِ تَحْتَهُ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ وَالْحَيَوَانِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوَابَ أَوْ الْمَأْثَمَ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ ثَوَابًا أَوْ إثْمًا بَلْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَثَرًا ثَابِتًا بِالْفِعْلِ كَالشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالنَّارَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُرَطِّبًا أَوْ مُحْرِقًا.
وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ لِلْيَنْبُوعِ وَالشَّمْسِ لَا مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ قَصْدًا لِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ كَالْعَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْيَنْبُوعَ وَالشَّمْسَ قَصْدًا فَكَانَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا تَحَكُّمٌ إذْ لَا نَقْلَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ﵀ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ
стр. 422
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلِ الْمَحَارِمِ وَالْخَمْرِ مَجَازٌ لِمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَيَصِيرُ وَصْفُ الْعَيْنِ بِهِ مَجَازًا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَجَعَلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ نَظَائِرِ الْمُقْتَضَى فَقَالَ فِي حَدِيثِ الرَّفْعِ عَيْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ عَيْنُهَا لَصَارَ كَذِبًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَاقْتَضَى ضَرُورَةَ زِيَادَةٍ وَهِيَ الْحُكْمُ لِيَصِيرَ مُفِيدًا وَصَارَ الْمَرْفُوعُ حُكْمَهَا وَثَبَتَ رَفْعُ الْحُكْمِ عَامًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى بَطَلَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ وَلَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ بِالْأَكْلِ مُخْطِئًا لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَهُ عُمُومٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَصِيرُ مُفِيدًا فَيَزُولُ الضَّرُورَةُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى حُكْمٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ النِّيَّةِ لَمَّا ثَبَتَ حُكْمُ الْآخِرَةِ مُرَادًا وَبِهِ يَصِيرُ الْكَلَامُ مُفِيدًا لَمْ يَتَعَدَّ إلَى مَا وَرَاءَهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ﵀ وَلَمَّا خَالَفَهُ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمَحْذُوفِ وَفَرَّقَا بَيْنَ الْمَحْذُوفِ وَالْمُقْتَضَى وَجَوَّزَا عُمُومَ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى وَالْحَدِيثَانِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى عَلَى أَصْلِهِمَا اُضْطُرَّا إلَى تَخْرِيجِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى مَا اخْتَارَا مِنْ جَوَازِ عُمُومِ الْمَحْذُوفِ فَبَنَيَا انْتِفَاءَ الْعُمُومِ فِيهِمَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ دُونَ الِاقْتِضَاءِ وَفِيهِ مِنْ التَّمَحُّلِ مَا تَرَى.
وَقَدْ كُنْت فِيهِ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَرَاجَعْت الْفُحُولَ فَلَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِجَوَابٍ شَافٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ
قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ) اخْتَلَفُوا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] .
وَقَوْلُهُ ﵇ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَذَهَبَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْفِعْلِ فَيُوصَفُ الْمَحَلُّ أَوَّلًا بِالْحُرْمَةِ ثُمَّ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عَامًّا وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ أَوْ تَحْلِيلُهُ لَا غَيْرُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ نَوَابِتِ الْقَدَرِيَّةِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي هَاشِمٍ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَتَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَنْعَامِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ. تَمَسَّكَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يُوصَفُ الْعَيْنُ وَالْفِعْلُ جَمِيعًا بِهِمَا مُتَعَذِّرٌ وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ أَوْرَدَ الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ لَا يَكُونَانِ وَصْفَيْنِ لِلْأَعْيَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقُدْرَةِ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْأَعْيَانُ لَيْسَتْ بِمَقْدُورَةٍ لَنَا فَلَا تَصْلُحُ مُتَعَلَّقَةً لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ لَنَا وَهِيَ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ فِعْلٍ يَكُونُ هُوَ مُتَعَلَّقَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ حَذَرًا مِنْ إهْمَالِ الْخِطَابِ وَلَا يُمْكِنُ إضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِمَا دُونَ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ ثُمَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُجْمَلًا وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُرْفَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فَإِنَّ مَنْ
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
اطَّلَعَ عَلَى أَعْرُفْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمَارَسَ أَلْفَاظَ الْعَرَبِ لَا يَتَبَادَرُ إلَى فَهْمِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ حَرَّمْت عَلَيْك الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَحَرَّمْت عَلَيْك النِّسَاءَ سِوَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّسَاءِ وَلَا يَتَخَالَجُهُ شَكٌّ فِي أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِتَحْرِيمٍ لِنَفْسِ الْعَيْنِ وَأَنَّهُ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ لِعَيْنِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا أَجْمَعَتْ قَبْلَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَتَحْلِيلِ أَكْلِ النَّعَمِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إجْمَاعًا لَا رَيْبَ فِيهِ وَيُكَفِّرُونَ الْمُتَأَوِّلَ لَهَا وَيَقُولُونَ إنَّمَا حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ لِتَأْوِيلِهِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ إلَّا بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْمُخَالِفُ فِي أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ ثَابِتٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ مُكَذِّبٌ الْأُمَّةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُخَالَفَةِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مَا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ خِلَافِهَا فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَمَنْ أَجَازَ أَحَدَهُمَا لَزِمَهُ تَجْوِيزُ الْآخَرِ قَالَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَبَطَلَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَجُزْ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مُتَعَلِّقًا بِالْأَعْيَانِ الَّتِي لَا يَصِحُّ كَوْنُهَا مِنْ أَفْعَالِنَا وَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهَا لِوُجُودِهَا تَعَيَّنَ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ رُجُوعُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إلَى تَصَرُّفِنَا فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِمَا مَعْنًى مَعَ صِحَّةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِبُطْلَانِ الْآخَرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ يَصِحُّ وَصْفُ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ حَقِيقَةً كَمَا يَصِحُّ وَصْفُ الْفِعْلِ بِهَا وَمَعْنَى اتِّصَافِهَا بِهَا خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ مَعْنَى وَصْفِ الْفِعْلِ بِالْحُرْمَةِ خُرُوجُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ لَا مَعْنَى لِلْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أَيْ مَنَعْنَا وَقَالَ ﷻ .
﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أَيْ مَنَعَهُمْ شَرَابَ الْجَنَّةِ وَطَعَامَهَا وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ لِمَنْعِ النَّاسِ عَنْ الِاصْطِيَادِ فِيهِ وَغَيْرِهِ وَحَرِيمُ الْبِئْرِ لِمَنْعِ الْغَيْرِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي حَوَالَيْهَا فَيُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ مُنِعَ عَنْ اكْتِسَابِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مَمْنُوعًا وَالْفِعْلُ مَمْنُوعًا عَنْهُ وَتُوصَفُ الْعَيْنُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَيْنَ مُنِعَتْ عَنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفًا فِيهَا فَيَصِيرُ الْعَيْنُ مَمْنُوعَةً وَالْعَبْدُ مَمْنُوعًا عَنْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ وَصْفَ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ صَحِيحٌ وَأَنَّ الْمَنْعَ نَوْعَانِ مَنْعُ الرَّجُلِ عَنْ الشَّيْءِ كَقَوْلِك لِغُلَامِك لَا تَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ وَهُوَ مَوْضُوعٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَنْعُ الشَّيْءِ عَنْ الرَّجُلِ بِأَنْ رَفَعَ الْخُبْزَ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ أَكَلَ فَإِذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْفِعْلِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي وَنَظِيرُهُمَا الْحِفْظُ وَالْحِمَايَةُ فَإِنَّ الْحِمَايَةَ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا فِي الْحِمَى بِدَفْعِ الْأَغْيَارِ عَنْهُ وَيَكُونُ فِعْلُ الْحَامِي فِي الْقَاصِدِ لِذَلِكَ الْمَحْمِيّ لَا فِي عَيْنِهِ فَيَبْقَى الْمَحْمِيّ عَلَى أَصْلِ الصِّيَانَةِ. وَالْحِفْظُ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمَحْفُوظِ بِصُنْعٍ فِي الْمَحْفُوظِ لَا فِي دَفْعِ الْقَاصِدِ إلَّا أَنَّ انْدِفَاعَ الْقَاصِدِ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ الصِّيَانَةُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَا ذَهَبَ الْمُحَافِظُ وَالْمُحَامِي ... وَمَانِعُ ضَيْمِنَا يَوْمَ الْخِصَامِ
ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَ الْمَقْصُودُ حَاصِلًا فِي الْحَالَيْنِ وَهُوَ الصِّيَانَةُ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَكِنْ بِطَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّحْرِيمِ فِي غَايَةِ التَّوْكِيدِ لِانْتِفَاءِ الْفِعْلِ فِيهِ
стр. 424
كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ نَوْعَانِ تَحْرِيمٌ يُلَاقِي نَفْسَ الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِ الْمَحَلِّ قَابِلًا كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ الْمَحَلُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مَحَلِّهِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَيَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ فَيُنْسَبُ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يُجْعَلْ صَالِحًا لَهُ وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي جَانِبِ الْمَحَلِّ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِيَصِيرَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْقِسْمِ حُرُوفُ الْمَعَانِي فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْفُرُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)
وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْكُلِّيَّةِ وَانْقِطَاعِ تَصَوُّرِهِ أَصْلًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْرَبَهُ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا صَبَّهُ الْمَوْلَى بَعْدَ النَّهْيِ أَوْ شَرِبَهُ كَانَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ أَقْوَى لِانْقِطَاعِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْقِيقُ إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ وَاتِّصَافِهَا بِالْحُرْمَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ جَعْلُ ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ صِفَةَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ كَمَا زَعَمُوا خَطَأً فَاحِشًا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ حُرْمَةَ الْأَعْيَانِ احْتِرَازًا عَنْ مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ فِي نَفْيِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ إنَّ مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُمْ خَلْقُ الْأَعْيَانِ الْقَبِيحَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَالْجِعْلَانِ وَالْخَنَافِسِ وَالْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَنَحْوِهَا فَأَنْكَرُوا قُبْحَ الْأَعْيَانِ.
وَقَالُوا إنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحَةٍ وَأَنْكَرُوا الْمَحْسُوسَ وَالثَّابِتَ بِبِدَايَةِ الْعُقُولِ وَأَنْكَرُوا اتِّصَافَهَا بِالْحُرْمَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ اتِّصَافُهَا بِالْقُبْحِ فَإِنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْقُبْحِ وَعِنْدَنَا الْأَعْيَانُ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ كَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ وَنَوْعٌ مُتَوَسِّطٌ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَلَا يَمِيلُ إلَيْهِ فَيُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ (كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ) يَعْنِي إذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْعَيْنِ كَانَ حُرْمَةُ الْفِعْلِ آكَدَ وَأَلْزَمَ وَاللُّزُومُ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى جَعَلْنَا الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ لَازِمَةً لَا تُنْفَى وَالْمَجَازُ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَيُنْفَى فَمَا يُؤَكِّدُ اللُّزُومَ كَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا أَيْ لَا يَكُونُ مَجَازًا لَكِنْ يَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا فِي التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَى الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُودًا بِالتَّحْرِيمِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ مَقْصُودًا إذْ لَمْ يُذْكَرْ الْفِعْلُ صَرِيحًا أُقِيمَ الْعَيْنُ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا اتَّصَفَتْ بِالْحُرْمَةِ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ ضَرُورَةً كَمَا بَيَّنَّا أَوْ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ فِي الِاتِّصَافِ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَبْقَ مُتَصَوَّرًا شَرْعًا.
وَهَذَا أَيْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ بِإِخْرَاجِ الْمَحَلِّ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ تَابِعًا لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا أَقْوَى مِنْ نَفْيِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا قَرَّرَنَا (فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ) أَيْ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ مَجَازًا فِي الْعَيْنِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ مَشْرُوعًا لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ (فَغَلَطٌ فَاحِشٌ) لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَأَصْلٌ وَهُوَ الْعَيْنُ عَنْ الْأَصَالَةِ وَإِقَامَةَ مَا هُوَ تَبَعٌ وَهُوَ الْفِعْلُ مَقَامَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ جِهَتِهِ لِلْفِعْلِ فِي الْحِلِّ قَوْلُهُ (وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) شَطْرُ كُلِّ شَيْءٍ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعْضِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَاسْتِكْثَارًا لِلْقَلِيلِ كَمَا «قَالَ ﵇ فِي الْحَائِضِ تَقْعُدُ شَطْرَ عُمْرِهَا» أَيْ بَعْضَهُ وَمِثْلُهُ فِي التَّوَسُّعِ قَوْلُهُ ﵇ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي]
[معانى الْوَاوُ]
(بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي)
هَذَا بَابٌ دَقِيقُ الْمَسْلَكِ لَطِيفُ الْمَأْخَذِ، كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، جَمُّ الْمَحَاسِنِ، جَمَعَ الشَّيْخُ ﵀ فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ النَّحْوِ، وَدَقَائِقِ الْفِقْهِ، وَاسْتَوْدَعَ فِيهِ غَرَائِبَ الْمَعَانِي، وَبَدَائِعَ الْمَبَانِي، فَاصْغِ لِمَا يُتْلَى عَلَيْك مِنْ بَيَانِ لَطَائِفِ حَقَائِقِهِ، وَاسْتَمِعْ لِمَا يُلْقَى إلَيْك مِنْ كَشْفِ غَوَامِضِ دَقَائِقِهِ.
стр. 425
حُرُوفُ الْعَطْفِ وَهِيَ أَكْثَرُهَا وُقُوعًا وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْوَاوَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ حَتَّى قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ » يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَفُهِمَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷻ تَسْتَزِدْ بِهِ تَبَصُّرًا فِي دَرْكِ أَسْرَارِ مُسْتَوْدَعَاتِهِ، وَتَسْتَفِدْ بِهِ تَبَحُّرًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى عَجَائِبِ مُسْتَبْدَعَاتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْحُرُوفِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُوَصِّلُ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ وَعَلَى مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ بِأَنَّ الْحَرْفَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ حُرُوفَ التَّهَجِّي أَيْ التَّعَدُّدِ مِنْ هَجَى الْحُرُوفَ إذَا عَدَّدَهَا وَالثَّانِي حُرُوفَ الْمَعَانِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيصَالِهَا مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ أَوْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنًى فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْإِلْصَاقِ بِخِلَافِ الْبَاءِ فِي بَكْرٍ وَبِشْرٍ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى.
وَكَذَا الْهَمْزَةُ فِي أَزِيدُ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهَا فِي أَحْمَدَ وَكَذَا مِنْ فِي قَوْلِك أَخَذْت مِنْ زَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهِ فِي مِنْوَالٍ ثُمَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْحُرُوفِ هَهُنَا عَلَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَسْمَاءٌ مِثْلُ كُلٍّ وَمَتَى وَمِنْ وَإِذَا وَغَيْرِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهَا حُرُوفًا سُمِّيَ الْجَمْعُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْلُهُ (حُرُوفُ الْعَطْفِ) الْعَطْفُ فِي اللُّغَةِ الثَّنْيُ وَالرَّدُّ يُقَالُ عَطَفَ الْعُودَ إذَا ثَنَاهُ وَرَدَّهُ إلَى الْآخَرِ فَالْعَطْفُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَ الْمُفْرَدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيمَا حَكَمْت عَلَيْهِ أَوْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى فِي الْحُصُولِ.
وَفَائِدَتُهُ الِاخْتِصَارُ وَإِثْبَاتُ الْمُشَارَكَةِ وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ وَدَلَالَةُ الْوَاوِ عَلَى مُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ وَسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَاءَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ مَعَهُ وَثُمَّ يُوجِبُ التَّرَاخِيَ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحُرُوفِ زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ صَارَتْ كَالْمُرَكَّبَةِ مَعْنًى وَالْوَاوُ مُفْرَدٌ وَالْمُفْرَدُ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَطْفَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ مُتَمَخِّضَةٌ لِإِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ صَارَتْ أَصْلًا فِي الْعَطْفِ قَوْلُهُ (وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ) أَيْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا تَرْتِيبَ كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي أَنَّهَا تَدُلُّ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ عَلَى اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى كَوْنِهِمَا مَعًا بِالزَّمَانِ أَوْ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهِ، وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثُّبُوتِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَيْ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْفَتَى الشَّابُّ الْقَوِيُّ الْحَدَثُ وَاشْتِقَاقُ الْفَتْوَى مِنْهُ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ أَحْدَاثٍ حُكْمٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيَانِ مُشْكِلٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ.
وَفِي الْقَوَاطِعِ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَجُزْ وَضْؤُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ فَكَقَوْلِك زَيْدٌ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَأَمَّا فِي الْجُمْلَةِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) تَمَسَّكَ مُثْبِتُو التَّرْتِيبِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →