Полный текст (1 522 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَآخَرُ بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَاكَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَبَرَيْنِ بِالتَّعَارُضِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَبَقِيَ الْمَاءُ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ وَهَاهُنَا الْأَصْلُ بَعْدَ التَّسَاقُطِ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةِ فِي اللُّعَابِ فَبَقِيَ مُشْكِلًا، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ، وَقَدْ عُرِفَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا بِيَقِينٍ لَزِمَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ وَلَا يَزُولُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالشَّكِّ، قُلْنَا مِنْ ضَرُورَةِ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ زَوَالُ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لَزَالَ الْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ بِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِلطَّهُورِيَّةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا إزَالَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَلَوْ قُلْنَا بِزَوَالِهِمَا بِهِ لَا يَكُونُ هَذَا تَقْرِيرًا لِلْأُصُولِ بَلْ يَكُونُ عَمَلًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ وَإِهْدَارًا لِلْآخَرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِزَوَالِ الطَّهُورِيَّةِ، وَأَعْنِي بِهِ وُقُوعَ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهَ فِيهَا إلَّا أَنَّهَا زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قِيلَ هَلَّا سَقَطَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ الَّتِي مَرَّ تَقْرِيرُهَا قُلْنَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُطَهِّرِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَاءُ كَانَ مُطَهِّرًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ هَذَا الْوَصْفِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُ بِالشَّكِّ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ احْتِيَاطًا، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ فَأَحَدُهُمَا نَجِسٌ بِيَقِينٍ كَمَا أَنَّ الْآخَرَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّصَّيْنِ كَمَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْمُطَهِّرِ، وَقَدْ عَجَزَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْعِلْمِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ مِنْهُمَا وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجِسِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُمَا وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ.
وَلَا يُقَالُ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اسْتِعْمَالُهُ أَيْضًا احْتِرَازًا عَنْ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ احْتِرَازٌ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرَّأْسِ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ بِهِ، وَقَوْلُهُ (فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ ﵏، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَاءَ عُرِفَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ هَذَا الْوَصْفُ بِالشَّكِّ فَكَانَ السُّؤْرُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْ كَوْنُهُ طَاهِرًا مَنْصُوصٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنْ أَصَابَ لُعَابُ دَابَّةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا أَوْ عَرَقُهَا ثَوْبًا فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لُعَابُ الْحِمَارِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ ثَلَاثُ مِيَاهٍ لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ اللُّعَابَ إنْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا أَوْ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا كَسُؤْرِ الْكَلْبِ فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِمَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا لَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ وَالْعُضْوُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَقِيقَةً.
وَكَأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ أَرَادَ أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرَابِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَهَارَتِهِ شَكٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ) أَيْ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ عَرَقُهُ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا أَوْ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
стр. 807
وَلَبَنُ الْأَتَانِ وَلَمْ يَزُلْ الْحَدَثُ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ فِي الْمَفْقُودِ، وَمِثَالُ مَا قُلْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا أَيْضًا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فِي مَحَلٍّ مِنْهُمْ يُوجِبُ الِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلًّا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ فَصَلُحَ الْمِلْكُ فِيهِ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا طَلَّقَ عَيْنًا ثُمَّ نَسِيَ لَمْ يَجُزْ الْخِيَارُ بِالْجَهْلِ.
وَإِذَا عَرَفْت رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ وَشَرْطَهَا وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: مِنْ قِبَلِ الْحُجَّةِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحَالِ، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ صَرِيحًا، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ دَلَالَةً.
أَمَّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِ الْحُجَّةِ فَأَنْ لَا يَعْتَدِلَ الدَّلِيلَانِ فَلَا يَقُومُ الْمُعَارَضَةُ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ رُكْنَهَا اعْتِدَالُ الدَّلِيلَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ» فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْرَقَ الْحِمَارُ وَلِأَنَّ مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي عَرَقِهِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرْكَبُهُ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀ وَفِي لُعَابِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَعَرَقِهِمَا إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: فِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالدِّرْهَمِ وَفِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَمَالِي وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ نَجِسٌ إلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يَفْسُدُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ ﵀ أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَوْلُهُ (وَلَبَنُ الْأَتَانِ) أَيْ هُوَ طَاهِرٌ كَسُؤْرِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ لَبَنَ الْأَتَانِ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ نَجِسٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ، وَعَنْ عَيْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا.
ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِطَهَارَتِهِ وَلَا بِنَجَاسَتِهِ وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ ﵀ يُنْكِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ أَنَّهُ شُرِعَ مُشْكِلًا حَقِيقَةً بَلْ سُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِ ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ. لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ: أَيْ لَا أَنْ يَعْنِيَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ حُكْمَهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الِاسْتِعْمَالِ وَانْتِفَاءُ النَّجَاسَةِ وَضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى) أَيْ وَمِثْلُ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ مِنْ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ وَالْعَمَلِ بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ وُقُوعِ الْإِشْكَالِ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَيْضًا وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَعْنِي الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا أُشْكِلَ حَالُهُ بِتَعَارُضِ الْجِهَتَيْنِ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي مَوْضِعِهِ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَبِمَنْزِلَةِ الْإِنَاثِ فِي الْبَعْضِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ فِي كُلِّ حُكْمٍ فَيُقَالُ أَكْبَرُ النَّصِيبَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ أَعْنِي نَصِيبَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَيَتَأَخَّرُ عَنْ الرِّجَالِ وَيَتَقَدَّمُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَخْتِنْهُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ لِاشْتِبَاهِ حَالِهِ بَلْ تُشْتَرَى أَمَةٌ تَخْتِنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى، وَالْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَمَا فِي حُبْلَى وَالْبُشْرَى وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَةُ وَيُؤَنَّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَظَرُوا إلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ فِي ذَاتِهِ فَلَمْ يُلْحِقُوا عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فِي وَصْفِهِ وَضَمِيرِهِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورَةِ.
وَقَدْ يُوصَفُ الرَّجُلُ بِهِ أَيْضًا فَيُقَالُ رَجُلٌ خُنْثَى وَرِجَالٌ خَنَاثَى وَخِنَاثٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُك مَا الْخِنَاثُ بَنُو قُشَيْرٍ ... بِنِسْوَانٍ يَلِدْنَ وَلَا رِجَالِ
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ) أَيْ جَوَابُ عُلَمَائِنَا فِي الْمَفْقُودِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ فَجُعِلَ حَيًّا فِي مَالِهِ حَتَّى لَا يُورَثَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَمَيِّتًا فِي مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يَرِثَ
стр. 808
وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهِمَا إذَا اخْتَلَفَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ سَقَطَ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَمُوسُ، وَقَالَ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمُثْبِتَةَ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ وَالْمُؤَاخَذَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ فَصَحَّ الْجَمْعُ وَبَطَلَ التَّدَافُعُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ أَيْضًا، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ مَا قُلْنَا) مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ مِنْ النُّصُوصِ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا مِنْ الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَيْكُمَا طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ أَحَدَيْكُمَا حُرَّةٌ وَمَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ عُيِّنَ ثُمَّ نَسِيَهُ بِأَنْ قَالَ لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِإِحْدَى أَمَتَيْهِ أَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ نَسِيَ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُعْتَقَةَ فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ كَمَا فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَقَدْ كَانَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ مَمْلُوكًا لَهُ شَرْعًا كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ فَبِمُبَاشَرَةِ الْإِيقَاعِ أَسْقَطَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَلَمْ يُسْقِطْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي التَّعْيِينِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ الْإِيجَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ وَهُوَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ.
أَوْ مَعْنَاهُ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ ذَاتُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْمَحَلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَتَبْقَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِتَصَرُّفِهِ، فَصَلُحَ الْمِلْكُ أَيْ بَقَاءُ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ كَالْقِيَاسَيْنِ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ ثَبَتَ فِيهِمَا التَّخْيِيرُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ قَدْ نَزَلَ فِي أَحَدَيْهِمَا وَخَرَجَ الْمَحَلُّ عَنْ مِلْكِهِ وَالتَّعَارُضُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ لِجَهْلِهِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي عَيَّنَهُ عِنْدَ الْإِيقَاعِ وَجَهْلُهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لَهُ شَرْعًا، وَلَوْ جُعِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صَرْفِ الْحُرْمَةِ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا كَمَا فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ لَمَّا ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ صَرْفُ الْحَقِيقَةِ عَنْ حُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَرَفْتَ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ) يَعْنِي لَمَّا عَلِمْت أَنَّ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّ شَرْطَهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا، وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا عَرَفْت كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ التَّعَارُضِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَعْدَمُهُ مِنْ الْأَصْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ ثَابِتَةٌ لِعَدَمِ رُكْنِهَا وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ عَدَمِ شَرْطِهَا وَهُوَ عَدَمُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَوْ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا فَمَا ذُكِرَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهَا وَتَسْلِيمِهَا وَهَذَا هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ أَوْ الْمُتَشَابِهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مُحْكَمٌ فِي نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] لِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ لِانْتِفَاءِ رُكْنِ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْحُجَّتَيْنِ، وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ فِي حِلِّ الْبَيْعِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَا يَكُونُ لِخَصْمِهِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَلَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَمِثْلُ الْكِتَابِ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﵇، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» لَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُجَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحُكْمُ) فَكَذَا إنَّمَا يُطْلَبُ الْمَخْلَصُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَيْنَ
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَنْفِيهِ الْآخَرُ بِالتَّحْقِيقِ التَّدَافُعِ وَالتَّمَانُعِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَنْفِيَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ لَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي كُلِّ يَمِينٍ مَكْسُوبَةٍ بِالْقَلْبِ أَيْ مَقْصُودَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ فَيَتَحَقَّقُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ، وَقَوْلِهِ ﷻ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ مَعْقُودَةٌ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ، وَلَغْوٌ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمَعْقُودَةِ وَنَفْيِهَا عَنْ اللَّغْوِ، وَالْغَمُوسُ لَيْسَتْ بِمَعْقُودَةٍ فَكَانَتْ لَغْوًا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ إذْ اللَّغْوُ اسْمٌ لِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَيْسَتْ فِي الْغَمُوسِ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَنَّهَا ثُلُثٌ خَلَتْ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ أَوْ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فِي الْغَمُوسِ أَصْلًا فَكَانَتْ لَغْوًا أَيْ كَلَامًا لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِحُكْمِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ فَكَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ أَيْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَائِدَةِ.
وَلَمْ يَقُلْ دَاخِلَةً لِتَأْوِيلِ الْغَمُوسِ بِالْحَلِفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فِي حَقِّ الْغَمُوسِ إذْ الْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهَا عَنْهَا، فَيَتَخَلَّصُ عَنْهُ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُؤَاخَذَةُ الْمُثْبَتَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ، مُطْلَقَةٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُؤَاخَذَةُ الْكَامِلَةُ فَإِنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِلْجَزَاءِ وَلِلْمُؤَاخَذَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فَأَمَّا الدُّنْيَا فَدَارُ ابْتِلَاءٍ يُؤَاخِذُ الْمُطِيعَ فِيهَا بِمِحْنَةٍ تَطْهِيرًا وَيُنْعِمُ عَلَى الْعَاصِي اسْتِدْرَاجًا وَالْمُؤَاخَذَاتُ الْمُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِأَسْبَابٍ لَنَا فِيهَا ضَرْبُ ضَرَرٍ لِتَكُونَ زَوَاجِرَ عَنْهَا كُلِّهَا لِصَلَاحِنَا فَلَا تَتَمَحَّضُ مُؤَاخَذَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَتَمَحَّضُ فِي الْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمَنْفِيَّةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهَا نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَحَدُ النَّصَّيْنِ غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَنْفِيه الْآخَرُ فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَطَلَ التَّدَافُعُ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ نَفَى التَّعَارُضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِالْكَفَّارَةِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَحَمَلَ الْعَقْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ لَا الْعَقْدُ الَّذِي ضِدُّهُ الْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْدِ الْقَلْبِ وَعَزْمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى رَبْطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ يُقَالُ عَقَدْتُ عَلَى كَذَا أَيْ عَزَمْت وَاعْتَقَدْتُ كَذَا أَيْ قَصَدْت وَمِنْهُ الْعَقِيدَةُ لِلْعَزِيمَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَقَدْت عَلَى قَلْبِي بِأَنْ نَكْتُمَ الْهَوَى ... فَصَاحَ وَنَادَى إنَّنِي غَيْرُ فَاعِلٍ
وقَوْله تَعَالَى ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] مُفَسَّرٌ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْقَصْدَ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمِلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَيَكُونُ الْغَمُوسُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَاخِلَةٌ فِي الْعَقْدِ لَا فِي اللَّغْوِ
стр. 810
وَأَمَّا الْحَالُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حِنْثٍ فَقَالَ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَنِثْتُمْ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ إلَّا فِي الْغَمُوسِ، فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمَعْقُودَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَمَّا بَطَلَ التَّدَافُعُ وَالتَّعَارُضُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ أَيْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ فَائِدَةِ النَّصِّ فَإِنَّا مَتَى حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ تَكْرَارًا وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِفَادَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ رَبْطُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَبْلِ بِالْآخَرِ وَالْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يُسَمَّى عَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِبَاطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ أَوْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا تَرْتَبِطُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا إلَّا أَنَّهَا سَبَبُ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَجَازًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لَا يُحْتَمَلُ عَقْدُ الْقَلْبِ أَصْلًا فَكَانَ حَمْلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَقِيقَةِ، وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَصْدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِثْمِ وَنَفَاهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا فَلَزِمَ تَسْلِيمُ الْبَيَانِ وَالْعَمَلُ بِكُلِّ نَصٍّ عَلَى حِدَةٍ دُونَ صَرْفِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَتَقْيِيدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ وَلَا فِي الْعُقْدَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ وَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ التَّعَارُضَ بِأَنْ جَعَلَهَا دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ لِيُمْكِنَهُ إيرَادُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ سَقَطَ التَّعَارُضُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ ثَابِتًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إلَى آخِرِهِ
١ -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَالُ) أَيْ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ الْقُرْبَانُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ سَوَاءٌ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ الْقُرْبَانُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ الِاغْتِسَالُ.
وَالْقَوْلُ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَبَيْنَ امْتِدَادِ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَبَيْنَ اقْتِصَارِهِ دُونَهَا تَنَافٍ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ أَيْ بِأَنْ تُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى حَالٍ فَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ
стр. 811
وَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ وَبِالتَّشْدِيدِ قُرِئَ، وَمَعْنَاهُ الِاغْتِسَالُ وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ ظَاهِرًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَدَّ إلَى الِاغْتِسَالِ مَعَ امْتِدَادِهِ إلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَاقْتِصَارَهُ دُونَهَا مَعًا ضِدَّانِ لَكِنَّ التَّعَارُضَ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ الِانْقِطَاعُ عَلَى الْعِشْرَةِ فَهُوَ الِانْقِطَاعُ التَّامُّ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ التَّرَاخِي إلَى الِاغْتِسَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ بُطْلَانِ التَّقْدِيرِ وَيُحْمَلُ الِاغْتِسَالُ عَلَى مَا دُونَ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ وَالتَّنَاهِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الِاغْتِسَالِ فَيَنْعَدِمُ بِهِ التَّعَارُضُ،
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ انْقِطَاعٌ بِيَقِينٍ وَحُرْمَةُ الْقُرْبَانِ تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ لِمَعْنَى الْأَذَى بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَبَعْدَ الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ لَا يَجُوزُ تَرَاخِي الْحُرْمَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَعْلِ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيْضِ حَيْضًا وَهُوَ تَنَاقُضٌ وَإِبْطَالٌ لِلتَّقْدِيرِ الْوَارِدِ فِي الْحَيْضِ، أَوْ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ وَهُوَ الْقُرْبَانُ بِدُونِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْأَذَى وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، وَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا دُونَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَثْبُتُ الِانْقِطَاعُ بِيَقِينٍ لِتَوَهُّمِ أَنْ يُعَاوِدَهَا الدَّمُ وَيَكُونَ ذَلِكَ حَيْضًا فَإِنَّ الدَّمَ يَنْقَطِعُ مَرَّةً وَيَدِرُّ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَكِّدٍ لِجَانِبِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَقَدْ أَقَامَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ الِاغْتِسَالَ مَقَامَ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ ذَكَرَ أَنَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَالَيْنِ انْقَطَعَ التَّعَارُضُ، فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فِي الْقِرَاءَةِ يَأْبَى هَذَا التَّوْفِيقَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمْتُمْ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَإِذَا طَهُرْنَ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِانْقِطَاعِ حَيْضِهِنَّ وَحَتَّى يَتَطَهَّرْنَ بِالِاغْتِسَالِ، قُلْنَا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ تَأْخِيرَ حَقِّ الزَّوْجِ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الِانْقِطَاعِ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى تَطْهُرْنَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ فَإِنَّ تَفَعَّلَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صُنْعٍ كَتَبَيَّنَ بِمَعْنَى بَانَ أَيْ ظَهَرَ وَكَمَا يُقَالُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ: تَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ وَلَا يُرَادُ بِهِ صِفَةٌ تَكُونُ بِإِحْدَاثِ الْفِعْلِ، إلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ مَعْنَاهُ تَوَضَّأْنَ أَيْ صِرْنَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ كَذَا فِي عَيْنِ الْمَعَانِي يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ التَّطَهُّرُ حَقِيقَةٌ فِي الِاغْتِسَالِ وَحَمْلُهُ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ إنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ إثْبَاتُ الْعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ أُرِيدَا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
وَلَا يُقَالُ مَعْنَى التَّطَهُّرِ الِاغْتِسَالُ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ جَمِيعُ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ حَقٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَمَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ فَالتَّخْفِيفُ عِنْدَهُ حَقٌّ وَمَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَالتَّشْدِيدُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ، قُلْنَا لَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الِانْقِطَاعِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّخْفِيفِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى غَيْرُهُ وَإِرَادَةُ الِاغْتِسَالِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّشْدِيدِ وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْحَالَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ إذْ لَا يُقْرَأُ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْحَالِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣] فَإِنَّ الْغَلَبَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اللَّازِمِ عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ عَلَى الْمَجْهُولِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ صَارُوا مَغْلُوبِينَ سَيَغْلِبُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَبِمَعْنَى الْمُتَعَدِّي عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ
стр. 812
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ مُتَعَارِضَانِ ظَاهِرًا فَإِذَا حَمَلْنَا النَّصْبَ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَالْخَفْضَ عَلَى حَالِ الِاسْتِتَارِ بِالْخُفَّيْنِ لَمْ يَثْبُتْ التَّعَارُضُ فَصَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ.
وَأَمَّا صَرِيحُ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَبِأَنْ يُعْرَفَ التَّارِيخُ فَيَسْقُطَ التَّعَارُضُ وَيَكُونَ آخِرُهُمَا نَاسِخًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْمَعْرُوفِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانُوا غَالِبِينَ عَلَى خَصْمِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَكِنَّهُ جَازَ إرَادَتُهُمَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ كَذَلِكَ هُنَا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا يَمْتَدَّ حَيْضُهُنَّ إلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَقَلِّ بَلْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ هُنَّ نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ» ثُمَّ وَصَفَ نُقْصَانَ دِينِهِنَّ بِأَنْ تَتَحَيَّضَ إحْدَاهُنَّ فِي الشَّهْرِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَصَفَهُنَّ جُمْلَةً بِنُقْصَانِ الدِّينِ ثُمَّ فَسَّرَ النُّقْصَانَ فِي جُمْلَتِهِنَّ بِمَا ذَكَرَ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ فِي جُمْلَتَيْنِ وَالْخِطَابُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِهِنَّ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهُنَّ دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِهِ نَقُولُ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا بِالتَّخْفِيفِ فَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالِاغْتِسَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الطُّهْرِ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا فَلِذَلِكَ قُرِئَ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ فَإِذًا تَطَهَّرْنَ دُونَ طَهُرْنَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ بِالِاغْتِسَالِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى) أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَعَارِضَتَانِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَيَنْدَفِعُ ذَلِكَ التَّعَارُضُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَكَذَا الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِخَفْضِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا مُتَعَارِضَتَانِ إذْ الْخَفْضُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ مَسْحِ الرِّجْلِ لَا غَيْرُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الرَّوَافِضِ وَالنَّصْبُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوَجْهِ فَيُوجِبُ وُجُوبَ الْغَسْلِ وَعَدَمَ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَارَضَانِ ظَاهِرًا فَيُتَخَلَّصُ عَنْهُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (وَصَحَّ ذَلِكَ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلِ عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ لَا عَلَى الْخُفِّ إذْ لَمْ يَقُلْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ، فَقَالَ قَدْ صَحَّ ذَلِكَ أَيْ حَمْلُ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ عَلَى الْمَسْحِ بِالْخُفِّ وَإِنْ أُضِيفَ الْمَسْحُ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَمَّا أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا صَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْحِ الْقَدَمِ فَصَارَ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةُ الْخُفِّ مِنْهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ أَيْ الْجِلْدُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ كَانَ الْمَسْحُ مُصَادِفًا بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَقْدِيرًا كَمَا أَنَّ الْغَسْلَ يُصَادِفُ بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَحْقِيقًا فَيَصِحُّ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ، وَفِي ذِكْرِ الرِّجْلِ دُونَ الْخُفِّ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمَسْحَ لَوْ أُضِيفَ إلَى الْخُفِّ بِأَنْ قِيلَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ لَأَوْهَمَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلْبُوسٍ فَفِي إضَافَتِهِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةِ الْخُفِّ إزَالَةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ، وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا شَرْعِيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ بِالْكِتَابِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ فَالْمَسْحُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا بِهِ لَكَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ كَالْغَسْلِ.
وَمَا قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ نُسِخَتْ الْغَايَةُ بِالسُّنَّةِ وَبَقِيَ أَصْلُ الْمَسْحِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّقْلِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا ثُمَّ نُسِخَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَا قُلْت بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ أَوْ قَالَ مِثْلُ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا
стр. 813
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَقَالَ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ إنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الصُّغْرَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَرَادَ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ دَلَالَةً فَمِثْلُ النَّصَّيْنِ تَعَارَضَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الْحَاظِرَ يُجْعَلُ آخِرًا نَاسِخًا دَلَالَةً؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَاظِرُ أَوَّلًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ ثُمَّ كَانَ الْمُبِيحُ نَاسِخًا فَتَكَرَّرَ النَّسْخُ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الْمُبِيحُ ثُمَّ الْحَاظِرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْكِتَابِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ.
ثُمَّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقِرَاءَةُ بِالْخَفْضِ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلْغَسْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلُ فِي حَقِّ الرِّجْلِ لِلْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَك طَبْخَهُ ... . قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
وَلِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْسَاسُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ وَالْمُتَوَضِّئُ لَا يَقْنَعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَمْسَحَهَا فِي الْغَسْلِ وَيُقَالُ تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ أَيْ تَوَضَّأْت، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] أَيْ غَسَلَ أَعْنَاقَهَا وَأَرْجُلَهَا غَسْلًا خَفِيفًا فِي قَوْلٍ إزَالَةً لِلْغُبَارِ عَنْهَا لِكَرَامَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَسْحِ قَدْ أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ ﴿وَامْسَحُوا﴾ [المائدة: ٦] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أُرِيدَ الْغَسْلُ بِالْمَسْحِ الْمُقَدَّرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذْ التَّقْدِيرُ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَامْسَحُوا بِأَرْجُلِكُمْ دُونَ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي عَطْفِ الْمَغْسُولِ عَلَى الْمَمْسُوحِ؟ قُلْنَا هِيَ التَّحْذِيرُ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَعُطِفَ عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ وَلَكِنْ لِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْكَشَّافِ قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁) وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ أَيْ بِأَطْوَلِ الْعِدَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوجِبُ عِدَّةً عَلَى وَجْهٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ فَإِذَا عُرِفَ تَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ، وَقَدْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عِنْدَهُ حَتَّى دَعَا إلَى الْمُبَاهَلَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُبَاهَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبُهْلَةِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ اللَّعْنَةُ وَيُرْوَى لَاعَنْته. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا بُهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ التَّأَخُّرَ دَلِيلَ النَّسْخِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلِيٌّ ﵁ فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ النَّصَّيْنِ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي ثَبَتَ دَلَالَةً) إلَى آخِرِهِ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَأَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُمَا يُطْرَحَانِ وَيَرْجِعُ الْمُجْتَهِدُ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ كَالْوَلِيَّيْنِ عَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُوَلِّيَةِ وَلَا يُعْلَمُ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُمَا يَبْطُلَانِ وَكَالْغَرْقَى بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَعْضِ، وَفِي الْقَوَاطِعِ لِأَبِي مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيِّ إذَا اقْتَضَى أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ الْحَظْرَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وَصَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْحَاظِرَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَعِنْدَنَا يُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَقَوْلُهُ ﵇ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَلَا يَرِيبُهُ جَوَازُ تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ كَوْنِهِ حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَرِيبُهُ جَوَازُ فِعْلِهِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَلِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ أَوْ أَعْتَقَ إحْدَى إمَائِهِ وَنَسِيَهَا
стр. 814
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَلَسْنَا نَقُولُ لِهَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هَذَا بِنَاءٌ عَلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ قَبْلَ شَرِيعَتِنَا
ــ
[كشف الأسرار]
يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ جَمِيعِهِنَّ بِالِاتِّفَاقِ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لَكَانَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَنِسْبَةُ التَّنَاقُضِ إلَى الشَّارِعِ مُحَالٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَاظِرُ مُتَقَدِّمًا يَتَكَرَّرُ النَّسْخُ وَلَوْ كَانَ الْمُبِيحُ مُتَقَدِّمًا لَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ النَّسْخُ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالتَّكْرَارِ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاظِرَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا نَاسِخٌ لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ الْعَارِضَةِ وَالْمُبِيحُ مُحْتَمِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ كَانَ مُقَرِّرًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا نَاسِخًا لَهَا فَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُحْتَمَلِ قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ جَعْلُ الْحَاظِرِ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ. بِنَاءً عَلَى كَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهَا وَحَظْرِهَا أَنَّهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ عَلَى الْحَظْرِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا خُصُوصًا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا شَاءَ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْإِكْرَاهِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ تَهَدَّدَ بِقَتْلٍ حَتَّى يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ آثِمًا؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يُحَرَّمَا إلَّا بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فَجَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَالْحُرْمَةَ بِعَارِضِ النَّهْيِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ إنَّهُمَا عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ لَا يُبَاحُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ التَّنَفُّسِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ مَكَان إلَى مَكَان.
وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ لَا تُوصَفُ بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ وَلَا يَتَنَاوَلَ شَيْئًا فَإِنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْحَظْرِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَتَفْسِيرُ الْوَقْفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِفِعْلِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنَّ الْعَقْلَ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا الْقِسْمِ يَعْنِي فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْبَقَاءِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ جَوَادٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْغَنِيُّ الْجَوَادُ لَا يَمْنَعُ مَالَهُ عَنْ عِبَادِهِ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ بِاعْتِبَارِ غِنَاهُ وُجُودِهِ وَالْحُرْمَةُ لِعَوَارِضَ وَلَمْ يَثْبُتْ فَيَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِبَاحَةِ الْمَالِكِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ بَقِيَتْ عَلَى الْحَظْرِ لِقِيَامِ سَبَبِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الْحُرْمَةَ أَوْ الْإِبَاحَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَقَبْلَ وُرُودِهِ لَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ.
ثُمَّ الشَّيْخُ ﵀ اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فِي أَصْلِ وَضْعِهَا مُبَاحَةً مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ بِحَظْرٍ وَتَحْرِيمٍ ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ وَأَوْحَى إلَيْهِمْ بِحَظْرِ بَعْضِهَا وَإِبْقَاءِ بَعْضِهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ
стр. 815
وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ خُلِقَ الْخَلَائِقُ وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِشَيْءٍ مُدَّةً ثُمَّ بُعِثَ فِيهِمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالتَّكْلِيفِ فَكُلِّفُوا بِتَحْرِيمِ الْبَعْضِ وَإِبْقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ النَّاسُ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى أَيْ مُهْمَلًا فِي زَمَانٍ فَإِنَّ أَوَّلَ الْبَشَرِ آدَمَ ﵇ وَهُوَ كَانَ صَاحِبَ شَرْعٍ قَدْ أَتَى بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَخْلُ قَرْنٌ بَعْدَهُ عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وَإِنْ فَتَرَ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِ النَّظَرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] أَيْ وَمَا مِنْ أُمَّةٍ فِيمَا مَضَى إلَّا جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَذَّرَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ بِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بِكَوْنِهَا أَصْلًا فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالْحُرْمَةَ قَدْ ثَبَتَتَا فِي الْأَشْيَاءِ بِالشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَبَقِيَتَا إلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ ثُمَّ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ ظَاهِرَةً فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَثْبُتَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ فِي شَرِيعَتِنَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا لَا أَنَّهَا أَصْلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ بَيَانُ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْحَظْرِ أَوْ التَّوَقُّفِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلَائِقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَبَعْدَمَا وُجِدُوا لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلُّ الْخِلَافِ إلَّا زَمَانَ الْفَتْرَةِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَنْ بَلَغَ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ السَّمْعِ أَوْ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَهَذَا أَيْ الْوَقْفُ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَضِرَارٍ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَانُ الْعُقَلَاءِ عَنْ شَرِيعَةٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا لَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ تَارَةً وَيُبَاحَ أُخْرَى فَقَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ الشَّرْعُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَيْضًا لَا يُوصَفُ بِالْحِلِّ وَلَا بِالْحُرْمَةِ كَفِعْلِ مَنْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَالْأَمْوَالُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالْإِجْمَاعِ مَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَهُمْ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَحْصِيلِهَا إلَّا بِالْعِصْمَةِ عَنْ الْإِتْلَافِ وَالْعِصْمَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَحْرِيمِ إتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَالْأَطْرَافِ جَمِيعًا، قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ وَجَعْلُهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ أُهْدِي لَهَا ضَبٌّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهِ فَكَرِهَهُ فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْعِمَهُ إيَّاهُ فَقَالَ ﵇، أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ» فَدَلَّ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِحُرْمَتِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَرَاهِيَةُ الْأَكْلِ لِلْحُرْمَةِ لَأَمَرَهَا بِالتَّصَدُّقِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي شَاةِ الْأَنْصَارِيِّ بِقَوْلِهِ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ أَنَّهُ.
قَالَ «نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ وَطَبَخْنَا مِنْهَا وَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي بِهَا إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا هَذَا، فَقُلْنَا ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَاكْفِنُوهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 816
وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَنَّا نَجْعَلُ الْحَاظِرَ نَاسِخًا.
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَتَعَارَضَانِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ رُوِيَ أَنْ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ وَهَذَا مُثْبِتٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَهَذَا مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ
ــ
[كشف الأسرار]
سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْآكِلِينَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَرَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَيَضْحَكُ» فَنَحْنُ رَجَّحْنَا الْمُحَرَّمَ عَلَى الْمُبِيحِ وَحَمَلْنَا دَلِيلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤْرِ فَعَلِمْنَا بِالْمُحَرِّمِ وَجَعَلْنَاهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ أَيْ وَكَالضَّبِّ أَوْ الْحِمَارِ، الضَّبُعُ فِي أَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ فِيهِ تَعَارَضَا، فَالْمُبِيحُ حَدِيثُ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَيُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ نَعَمْ» وَالْمُحَرِّمُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَحَدِيثُ جَابِرٍ إنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَالْقُنْفُذِ وَالسُّلَحْفَاةِ
[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا) إلَى آخِرِهِ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَالنَّافِي هُوَ الَّذِي يَنْفِي الْعَارِضَ وَيُبْقِي الْأَمْرَ الْأَوَّلَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.
فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالنَّافِي اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ النَّافِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْجَارِحِ عَلَى قَوْلِ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالْمُعَدِّلُ يُخْبِرُ مُعْتَمَدًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ، وَلِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ وَالنَّافِيَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي فِي الْمُثْبِتِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّافِي فَيَتَعَارَضَانِ وَيَطْلُبُ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا ﵏ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَمِلُوا بِالْمُثْبِتِ وَفِي بَعْضِهَا عَمِلُوا بِالنَّافِي.
وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ خِيَارِ الْعَتَاقَةِ وَهِيَ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ يَثْبُتُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ حَصَلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ أَيْسَرَتْ وَالزَّوْجُ مُوسِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفُوٍ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْمِلْكَ يَزْدَادُ عَلَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الطَّلَاقِ فَلَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ ﵂ فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمَا خَيَّرَهَا وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ
стр. 817
وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِالنَّافِي أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ ﵂ عَلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا عَمِلُوا فِيهِ بِالْمُثْبِتِ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَخْبَرَ رَجُلٌ بِحُرْمَتِهِ وَالْآخَرُ بِحِلِّهِ أَوْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَاسْتَوَى الْمُخْبِرُ أَنَّ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْلَى وَلَمْ يَعْمَلُوا بِالْمُثْبِتِ وَقَالُوا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا إنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى وَهُوَ الْمُثْبِتُ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَصْلٍ جَامِعٍ وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ إنَّ النَّفْيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ كَانَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا حِينَ عَتَقَتْ فَالنَّصُّ الْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْعِتْقِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ بِدَوَاعِيهِ وَالْعَقْدُ دَاعٍ إلَيْهِ وَضْعًا وَشَرْعًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ فَتَعَدَّتْ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ كَمَا فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَكَمَا فِي شِرَاءِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ.
وَعِنْدَنَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاعْتِبَارِ الِارْتِفَاقِ إمَّا كَامِلًا كَالْوَطْءِ أَوْ قَاصِرًا كَالْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَحْرُمُ كَشِرَاءِ الْجَارِيَةِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» أَيْ خَارِجٌ عَنْ الْإِحْرَامِ فَالْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى الْإِحْرَامِ وَعُلَمَاؤُنَا أَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي، وَسَرِفٌ بِوَزْنِ كَتِفٍ جَبَلٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي الصِّحَاحِ وَسَرِفٌ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَعَنْ الْمُسْتَغْفِرِيِّ سَرِفٌ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ مِنْ مَكَّةَ بِهَا قَبْرُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَّ عَنْهَا وَكَانَتْ مَاتَتْ بِمَكَّةَ فَحَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى سَرِفٍ، وَيَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ بِتَقْدِيرِ التَّأْنِيثِ وَصَرْفُهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ عُلَمَاءَنَا إنَّمَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عَارِضٌ وَالْحِلُّ أَصْلٌ فَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَمَلًا بِالْمُثْبِتِ لَا بِالنَّافِي فَقَالَ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَكَانَ الْحِلُّ عَارِضًا وَالْإِحْرَامُ أَصْلًا،.
وَالْمُرَادُ مِنْ اتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقُ عَامَّتِهَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَهَا ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ، وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَهِيَ مَا إذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا تَقَعُ.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَاجَرَتْ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَزَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ كَافِرٌ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْمُثْبِتِ دُونَ النَّافِي، وَالرَّابِعَةُ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْمُخْبِرُ بِالطَّهَارَةِ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ وَالْمُخْبِرُ بِالنَّجَاسَةِ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ عَنْ أَمْرٍ عَارِضٍ وَأَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي دُونَ الْمُثْبِتِ، وَالْخَامِسَةُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِأَنْ أَخْبَرَ مُزَكٍّ أَنَّهُ عَدْلٌ وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّهُ مَجْرُوحٌ يُرَجَّحُ خَبَرُ الْجَارِحِ وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا عَلَى خَبَرِ الْمُعَدِّلِ وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إذْ الْعَدَالَةُ هِيَ الْأَصْلُ فَهَذَا بَيَانُ اخْتِلَافِ عَمَلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْأَصْلُ الْجَامِعُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِمَّا يُعْرَفُ
стр. 818
وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي رَجُلٍ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ مِنْهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ إنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا نَدْرِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَمْ لَا لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَيْضًا.
وَإِنْ قَالَ الشَّاهِدَانِ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَوَقَعَتْ الْحُرْمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَدْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَحْضِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَفْيُ طَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا يُسْمَعُ عِيَانًا فَيُحِيطُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَزِدْ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُسْمَعُ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ لَكِنَّهُ دَنْدَنَةٌ، وَإِذَا وَضَحَ طَرِيقُ الْعِلْمِ وَظَهَرَ صَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ.
وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ التَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ عَلَى مَا يُخْرِجُ عَدَالَتَهُ وَقَلَّ مَا يُوقَفُ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ عَلَى أَمْرٍ فَوْقَهُ فِي التَّزْكِيَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِدَلِيلِهِ أَيْ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ كَالْإِثْبَاتِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَيْ لَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ بَلْ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ النَّفْيُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلْقَاضِي إنِّي سَمِعْت زَوْجِي يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ وَصَلْتُ بِكَلَامِي شَيْئًا آخَرَ فَقُلْت النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى فَلَمْ تَسْمَعْ الْمَرْأَةُ بَعْضَ كَلَامِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ كَذَبَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ فَإِنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ فَيَكُونُ مُنْكِرًا لِمَا تَدَّعِيهِ مِنْ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ إنِّي سَمِعْته يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا أَرَدْت بِذَلِكَ حِكَايَةً عَمَّنْ يَقُولُ هَذَا حَيْثُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِحُكْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ مَا فِي الضَّمِيرِ دُونَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَالشَّيْءُ لَا يَنْسَخُهُ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْمَرْأَةِ أَنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ كَذَا وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ لَمْ نَسْمَعْ وَبَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ قُلْتُ: قَالَتْ النَّصَارَى كَذَا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنْ يُقَالَ قَالَ فُلَانٌ قَوْلًا وَلَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ.
وَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ أَثْبَتُوا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ يَكُونُ مَسْمُوعًا لِمَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ يَكُونُ دَنْدَنَةً لَا كَلَامًا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهَا إنَّمَا قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ بِمَا سَبَقَ مِمَّا هُوَ إثْبَاتٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَخُو الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فِيهِ إثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمُوجَبِ كَلَامِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ الشُّهُودُ لَا نَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ قَوْلِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ مَا أَثْبَتُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ وَكَمَا لَمْ تَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَاضِي لَمْ يَسْمَعْ أَيْضًا.
١ -
وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ: أَيْ وَمِثْلُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ ادِّعَاءِ الزَّوْجِ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي الْخُلْعِ بِأَنْ قَالَ قَدْ قُلْتُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ خَالَعْتُكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الِاسْتِثْنَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنَّ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ بِأَنْ قَالُوا قَدْ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀. الدَّنْدَنَةُ أَنْ تَسْمَعَ مِنْ الرَّجُلِ نَغْمَةً وَلَا تَفْهَمَ مَا يَقُولُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ) أَيْ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا عَنْ دَلِيلٍ
стр. 819
وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ فَصَارَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ أَمْرًا تَشْتَبِهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ الْمُخْبِرُ بِدَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ ظَاهِرُ الْحَالِ وَجَبَ السُّؤَالُ وَالتَّأَمُّلُ فِي الْمُخْبِرِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَنَى عَلَى الْحَالِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ السَّامِعُ، وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ دَلِيلِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ كَانَ مِثْلَ الْمُثْبِتِ فِي التَّعَارُضِ فَحَدِيثُ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الِاحْتِرَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْمُحْرِمِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَوَقَعَتْ الْمُعَارَضَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فِي الرُّوَاةِ دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ رِوَايَةَ مَنْ اخْتَصَّ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ أَوْلَى وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُعْدَ لَهُ فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُوجِبٍ بَلْ عَنْ اسْتِصْحَابِ حَالٍ وَخَبَرُ الْمُخْبِرِ صَادِرٌ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّامِعَ وَالْمُخْبِرَ فِي هَذَا النَّوْعِ سَوَاءٌ فَإِنَّ السَّامِعَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ كَالْمُخْبِرِ بِالنَّفْيِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ السَّامِعِ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ الدَّاعِي إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّاهِدِ عَلَى مَا تُجْرَحُ عَدَالَتُهُ فَكَانَ مَآلُ تَزْكِيَتِهِ الْجَهْلُ بِسَبَبِ الْجَرْحِ إذْ لَا طَرِيقَ لِلْمُزَكِّي إلَى الْوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى يَكُونَ إخْبَارُهُ بِعَدَالَتِهِ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِهَا، وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ أَيْ الْجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَهُوَ الْمُعَايَنَةُ فَصَارَ أَوْلَى وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقَلَّمَا تُوقَفُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَيْ لَا تُوقَفُ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْجِيحِ الْجَرْحِ عَلَى التَّزْكِيَةِ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ فَصَّلُوا وَقَالُوا الْجَارِحُ إمَّا أَنْ يُعَيِّنَ السَّبَبَ أَوْ لَا فَإِنْ عَيَّنَ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ الْمُعَدِّلُ أَمْ لَا فَإِنْ نَفَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ أَمْ لَا، فَإِنْ عَيَّنَ السَّبَبَ وَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ قَدْ قَتَلَ فُلَانًا الْمُسْلِمَ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي وَقْتِ كَذَا وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ قَدْ رَأَيْتُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ شَرِبَ الْخَمْرَ طَوْعًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ كُنْت مُصَاحِبًا لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُشْرِبْهَا أَصْلًا فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِبَعْضِ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّهُ اطِّلَاعٌ عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ وَمَا نَفَاهَا يَقِينًا فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُنَا هَكَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ نَفْيٌ عَنْ دَلِيلٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ الْإِثْبَاتَ وَهُوَ الْجَرْحُ، قَوْلُهُ (دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ) وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا نَفْيًا وَالْآخَرُ إثْبَاتًا يَعْنِي لَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ وَالنَّفْيُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا يُعَارِضُ لِلْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفْيَ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ. وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ أَيْ الرُّجُوعُ إلَى أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ أَيْ يُجْعَلَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لِفَقَاهَتِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّ قُوَّةَ الضَّبْطِ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ يَعْنِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَكَانَ زَوَّجَهُ أَيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَقَالُوا قَدْ انْقَضَى أَجَلُك فَاخْرُجْ عَنَّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ قَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَلَفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفٍ فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ هُنَالِكَ» هَكَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ وَشَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ قَدْ ضَعَّفَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَيْثُ قَالَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَا يَدْرِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبِهِ أَتَجْعَلُهُ
стр. 820
وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ فَصَارَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ لِمَنْ اسْتَقْصَى الْمَعْرِفَةَ فِي الْعِلْمِ بِهِ مِثْلُ النَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ وَاللَّحْمُ وَالشَّرَابُ، وَلَمَّا اسْتَوَيَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً فَيَصْلُحُ مُرَجِّحًا
ــ
[كشف الأسرار]
مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الزُّهْرِيُّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَاَلَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَهْلُ عِلْمٍ وَثَبْتٍ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ وَفُقَهَاءُ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَاَلَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِرِوَايَاتِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهَا مَنْ لَا يَطْعَنُ أَحَدٌ فِيهِ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ ﵏ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ فَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى مِمَّا رَوَى مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِمْ فِي الضَّبْطِ وَالثَّبْتِ وَالْفِقْهِ وَالْأَمَانَةِ،
وَمَا قَالُوا أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ رَسُولًا بَيْنَهُمَا فَكَانَ هُوَ أَعْرَفَ بِالْبَيَانِ وَهُوَ يَرْوِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قُلْنَا الرَّسُولُ قَدْ يَغِيبُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا وَالْعَبَّاسُ وَلِيٌّ مِنْ جَانِبِهَا فَكَانَ ابْنُهُ أَعْرَفَ بِحَالِ أَبِيهِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ أَنَّهُ ﵇ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ بَلَغَهَا بَعْدَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يُنْكِحُهَا.
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ) أَيْ خَبَرُ النَّافِي فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ خَيَّرَهَا وَزَوْجُهَا عَبْدٌ «وَأَنَّهُ ﵇ رَدَّ زَيْنَبَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ أَيْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لَا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا بَنَى خَبَرَهُ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ الْعُبُودِيَّةَ ثَابِتَةً فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لِلْحُرِّيَّةِ، وَمَنْ رَوَى الرَّدَّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَنَى خَبَرَهُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ أَيْضًا وَهُوَ مُشَاهَدَةُ النِّكَاحِ الْجَدِيدِ وَأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا قَائِمًا فِيمَا مَضَى وَشَاهَدَ رَدَّهَا فَرَوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى لِابْتِنَائِهِ عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الرَّدِّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِحُرْمَةِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ مَنْكُوحَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا غَيْرَهُ.
ثُمَّ إنَّهُمْ قَالُوا خَبَرُ الْعُبُودِيَّةِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ كَانَتْ خَالَةُ عُرْوَةَ وَعَمَّةُ قَاسِمٍ فَكَانَ سَمَاعُهُمَا مُشَافَهَةً وَرَاوِي خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ لِلْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَمَاعُهُ عَنْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَكَانَتْ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى لِزِيَادَةِ تَيَقُّنٍ فِي الْمَسْمُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الْحِجَابِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ التَّيَقُّنَ فِيمَا قُلْنَا أَكْثَرُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الدَّلِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَا عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَأَنَّهُ كَانَ حُرًّا جَعَلْنَاهُ حُرًّا فِي حَالٍ وَعَبْدًا فِي حَالٍ وَالْحُرِّيَّةُ تَكُونُ بَعْدَ الرِّقِّ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ فَجَعَلْنَا الرِّقَّ سَابِقًا وَالْحُرِّيَّةَ لَاحِقَةً جَمْعًا بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ لَوْ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَمْ تَنْفِ ثُبُوتَ التَّخْيِيرِ إذَا كَانَ زَوْجُ الْمُعْتَقَةِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ: إنِّي خَيَّرْتهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي التَّخْيِيرَ أَيْضًا عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ الْخِيَارِ عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ أَيْ النَّفْيِ فِي مَسْأَلَةِ
стр. 821
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مَسَائِلِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إنَّ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ فِي الصِّدْقِ إلَّا أَنَّ هَذَا خِلَافُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ وَادٍ جَارٍ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ وَلَمْ يَغِبْ ذَلِكَ الْإِنَاءُ عَنْهُ كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِطَهَارَتِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ كَالْمُخْبِرِ بِنَجَاسَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدٍ فِي الرُّوَاةِ) وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الْآخَرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى صِحَّةِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقُوَّةٍ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ نَوْعُ قُوَّةٍ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ أَقْوَى فِي الظَّنِّ وَأَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَأَقْرَبُ إلَى إفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يُفِيدُ ظَنًّا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظُّنُونَ الْمُجْتَمِعَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَانَتْ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى الْقَطْعِ، وَلِهَذَا رَجَّحَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاثْنَانِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الِاثْنَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ يُرَجَّحُ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَثْنَى حُجَّةً لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ إلَيْهِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْمَثْنَى دُونَ الْوَاحِدِ، وَلَنَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَخَبَرَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُوجِبُ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لِاسْتِوَاءِ الِاثْنَيْنِ وَمَا فَوْقَهُمَا فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ حُجَّةً وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ هُنَاكَ يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ وَحَقِيقَةٍ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ وَقَوْلُ الِاثْنَيْنِ حُجَّةٌ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْجَبَ.
أَمَّا هَاهُنَا فَالْخَبَرُ لَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ فَكَانَ خَبَرًا مَحْضًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِيهِ سَوَاءٌ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ هَاهُنَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الرُّوَاةِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّرْجِيحِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً فَقَدْ ذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فَكُلُّ مَا اتَّفَقَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلٍ أَخَذْتُ بِذَلِكَ وَتَرَكْتُ مَا انْفَرَدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ وَهَذَا تَرْجِيحٌ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ صَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَبَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَا فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا تَكُونُ دَلِيلَ قُوَّةِ الْحُجَّةِ قَالَ تَعَالَى، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
وَقَالَ ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ثُمَّ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي بَابِ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَالْقَوْلُ بِهِ يَكُونُ قَوْلًا بِخِلَافِ إجْمَاعِهِمْ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَلَ إلَى السَّامِعِ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ
стр. 822
وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي بَابِ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ فَأَمَّا فِي الْعَدَدِ فَإِنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الرَّجُلَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ بِطُرُقٍ أَكَانَ يُرَجَّحُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ بِطَرِيقٍ إذَا كَانَ رَاوِي الْأَصْلِ وَاحِدًا فَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ لَا يَتَرَجَّحُ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي رُوَاتُهُ أَقَلُّ مُتَأَخِّرًا فَيَكُونُ نَاسِخًا لِذَلِكَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَرْفَعُ الرُّوَاةُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِبَارِهِمْ الْخَبَرَ بِالشَّهَادَةِ فِي خَبَرِ الِاثْنَيْنِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ وَكَمَا لَا يَصِحُّ مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السَّلَفِ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِالشَّهَادَةِ أَيْضًا فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ ثَابِتٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ حَتَّى كَانَتْ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ وَشَهَادَةُ الْحُرَّيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَجِبْ التَّرْجِيحُ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ خَبَرِ الرَّجُلِ وَخَبَرُ الْعَبْدِ مِثْلَ خَبَرِ الْحُرِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْأَخْبَارِ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلَا يُؤْخَذُ حُكْمُ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعَارُضَ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ تَقَعُ بَيْنَ خَبَرِ الْمَرْأَةِ وَخَبَرِ الرَّجُلِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَخَبَرِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمُثَنَّى وَخَبَرِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَاتِ حَتَّى يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ مَا لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَهُوَ الزِّنَا.
وَكَذَلِكَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرُ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ بَيْنَ شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَمْوَالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِنْ حَادِثَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ (وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ لَا يَجِبُ فِي الْأَفْرَادِ حَتَّى لَا يَتَرَجَّحَ خَبَرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى خَبَرِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَخَبَرُ حُرٍّ عَلَى خَبَرِ عَبْدٍ لَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ عَدَمَ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ بَلْ يَقُولُونَ خَبَرُ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَخَبَرُ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْمَرْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ دُونَ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَيَتَرَجَّحُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَانَ خَبَرُ الْحُرِّ كَخَبَرِ الْعَبْدِ وَخَبَرُ الرَّجُلِ كَخَبَرِ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَعْنِي إذَا أَخْبَرَهُ عَبْدٌ ثِقَةٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَحُرٌّ ثِقَةٌ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَعْمَلُ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بِخَبَرِ حُرٍّ وَاحِدٍ وَمِنْ حَيْثُ الدِّينُ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ سَوَاءٌ فَلِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ يَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَمْلُوكَانِ ثِقَتَانِ وَبِالْأَمْرِ الْآخَرِ حُرَّانِ ثِقَتَانِ أَخَذَ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَتِمُّ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ فِي الْحُكْمِ وَلَا تَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَمْلُوكَيْنِ فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحُرَّيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا ثَبَتَ تَرْجِيحُ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَثْبُتُ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ لَا يَتِمُّ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِمْ بِمَا ذُكِرَ فَأَبْطَلَ عَلَيْهِمْ كَلَامَهُمْ لِيَتِمَّ الْإِلْزَامُ، فَقَالَ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَرْجِيحِ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّ الْمُنَاظَرَاتِ جَرَتْ مِنْ وَقْتِ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اشْتِغَالُهُمْ بِالتَّرْجِيحِ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْأَفْرَادِ وَالْعَدَدِ وَلَا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَاشْتَغَلُوا بِهِ كَمَا اشْتَغَلُوا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَبِزِيَادَةِ
стр. 823
وَهَذِهِ الْحُجَجُ بِجُمْلَتِهَا تَحْتَمِلُ الْبَيَانَ فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهَا هَذَا.
(بَابُ الْبَيَانِ)
الْبَيَانُ فِي كَلَامِ الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الظُّهُورِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] وَ ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وَقَالَ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الْإِظْهَارُ وَالْفَصْلُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا مُجَاوِزًا وَغَيْرَ مُجَاوِزٍ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَنَا الْإِظْهَارُ دُونَ الظُّهُورِ
ــ
[كشف الأسرار]
الثِّقَةِ، فَأَمَّا تَرْجِيحُ خَبَرِ الْمُثَنَّى عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَخَبَرِ الْحُرَّيْنِ عَلَى خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ فَلِظُهُورِ التَّرْجِيحِ فِي الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَخَبَرُ الْمَثْنَى فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِمَا سَوَاءٌ كَذَا أَجَابَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْحُجَجُ بِجُمْلَتِهَا) أَيْ الْحُجَجُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مِنْ الْكِتَابِ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَغَيْرِهِمَا سِوَى الْمُحْكَمِ مِنْهَا، وَالسُّنَّةِ بِجُمْلَةِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْآحَادِ تَحْتَمِلُ الْبَيَانَ أَيْ تَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَهَا بَيَانٌ إمَّا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ أَوْ التَّفْسِيرِ أَوْ التَّغْيِيرِ فَوَجَبَ إلْحَاقُ بَابِ الْبَيَانِ بِذِكْرِ هَذِهِ الْحُجَجِ رِعَايَةً لِلْمُنَاسَبَةِ، وَهَذَا الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ.
[بَابُ الْبَيَانِ]
(بَابُ الْبَيَانِ) الْبَيَانُ لُغَةً الْإِظْهَارُ وَالتَّوْضِيحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أَيْ الْكَلَامَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ مَا فِي قَلْبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ وَمُنْفَصِلٌ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
قَالَ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ ﵀ فِي التَّيْسِيرِ وَيَدْخُلُ فِي الْبَيَانِ الْكِتَابَةُ وَالْإِشَارَةُ وَمَا يَقَعُ بِهِ الدَّلَالَةُ وَهُوَ امْتِنَانٌ مِنْهُ عَلَى الْعِبَادِ بِتَعْلِيمِ اللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَوُجُوهِ الْكَلَامِ الْمُتَفَرِّقَةِ. هَذَا بَيَانٌ أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ سُنَّتِي فِي الْمَاضِينَ إيضَاحٌ لِسُوءِ عَاقِبَةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيبِ أَوْ الْقُرْآنُ فَصَّلَ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أَيْ إذَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْك بِأَمْرِنَا فَاتَّبِعْ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَقْرُوءًا عَلَيْك فَاقْرَأْهُ حِينَئِذٍ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أَيْ إظْهَارَ مَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ وَقِيلَ إذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ قِرَاءَتَهُ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا إظْهَارَهُ عَلَى لِسَانِك بِالْوَحْيِ حَتَّى تَقْرَأَهُ.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَاتِ الْإِظْهَارُ وَالْفَصْلُ فَإِنَّ الْمُظْهِرَ لِلشَّيْءِ وَالْمُبَيَّنَ لَهُ فَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا أَيْ لَفْظُ الْبَيَانِ مُجَاوِزًا وَغَيْرَ مُجَاوِزٍ أَيْ مُتَعَدِّيًا كَمَا بَيَّنَّا وَغَيْرَ مُتَعَدٍّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَكَمَا أَنَّ الْبَيَانَ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ فَهُوَ مَصْدَرُ الْمُنْشَعِبَةِ أَيْضًا كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ فَالْبَيَانُ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ لَازِمٌ وَاَلَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الْمُنْشَعِبَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ قَدْ بُيِّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ أَيْ بَانَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الظُّهُورِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِهِ أَيْ بِالْبَيَانِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ تَقْسِيمِ الْبَيَانِ أَوْ فِي هَذَا النَّوْعِ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْإِظْهَارُ دُونَ الظُّهُورِ، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَعْنَاهُ ظُهُورُ الْمُرَادِ لِلْمُخَاطَبِ وَالْعِلْمُ بِالْأَمْرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ عِنْدَ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ لِلظُّهُورِ يُقَالُ بَانَ هَذَا الْمَعْنَى لِي بَيَانًا أَيْ ظَهَرَ وَاتَّضَحَ وَبَانَ الْهِلَالُ أَيْ ظَهَرَ وَانْكَشَفَ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ بَيَّنَ فُلَانٌ كَذَا بَيَانًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ أَظْهَرَ إظْهَارًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَكٌّ، وَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ ذُو بَيَانٍ يُرَادُ مِنْهُ الْإِظْهَارُ وَكَذَا فِي التَّنْزِيلِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَرَدَ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ أَيْضًا.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْبَيَانُ الْفَصَاحَةُ وَاللَّسَنُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَعْلُهُ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ أَوْلَى. وَمَنْ جَعَلَهُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ دُونَ الْإِظْهَارِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ
стр. 824
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» أَيْ الْإِظْهَارِ. .
وَالْبَيَانُ عَلَى أَوْجُهٍ: بَيَانُ تَقْرِيرٍ وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانُ تَغْيِيرٍ وَبَيَانُ تَبْدِيلٍ وَبَيَانُ ضَرُورَةٍ فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
أَمَّا بَيَانُ التَّقْرِيرِ فَتَفْسِيرُهُ أَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ أَوْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إذَا لَحِقَ بِهِ مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ
ــ
[كشف الأسرار]
بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَمَّلُ فِي النُّصُوصِ، وَلَا يَجِبُ الْإِيمَانُ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَمَّلُ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ لِلْمُكَلَّفِ بِمَا أُرِيدَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ فَاسِدٌ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَأْمُورًا بِالْبَيَانِ لِلنَّاسِ» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ بَيَّنَ لِلْكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِبَيَانِهِ فَأَقَرَّ وَمَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ الْعِلْمُ فَأَصَرَّ، وَلَوْ كَانَ الْبَيَانُ عِبَارَةً عَنْ الْعِلْمِ الْوَاقِعِ لِلْمُبَيَّنِ لَهُ لَمَا كَانَ هُوَ مُتَمِّمًا لِلْبَيَانِ فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. قَوْلُهُ (﵇ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَتَعَجَّبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنْ الشَّعْرِ لَحِكْمَةً» قِيلَ مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ بِالسِّحْرِ أَنَّ بِالسِّحْرِ يُسْتَمَالُ الْقُلُوبُ فَكَذَا بِالْبَيَانِ الْفَصِيحِ يُسْتَمَالُ الْقُلُوبُ وَكَمَا أَنَّ فِي السِّحْرِ إرَاءَةُ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ فِي لِبَاسِ الْحَقِّ فَكَذَا فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانُ إرَاءَةُ الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ بِمَتِينٍ فِي لِبَاسِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَتِينٌ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ السِّحْرُ فِي زَعْمِهِمْ هُوَ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ يَتَعَجَّبُ النَّاسُ عَنْهُ وَيَعْجِزُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ مَنْ أَتَى بِهِ فِي أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ وَالْآلَاتِ، وَالْبَيَانُ الْفَصِيحُ قَدْ يَبْلُغُ فِي الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ غَايَةً يَتَعَجَّبُ النَّاسُ عَنْهُ وَيَعْجِزُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ تَسَاوِي الْكُلِّ فِي أَسْبَابِ التَّكَلُّمِ وَآلَاتِ النُّطْقِ فَيُسَمَّى سِحْرًا.
، ثُمَّ قِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ذَمُّ التَّصَنُّعِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّكْلِيفِ لِتَحْسِينِهِ لِيَرُوقَ قَوْلُهُ وَيَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَهُمْ فَإِنَّ أَصْلَ السِّحْرِ فِي كَلَامِهِمْ الصَّرْفُ وَسُمِّيَ السِّحْرُ سِحْرًا لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ فَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِبَيَانِهِ يَصْرِفُ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إلَى قَبُولِ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنَّ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَكْتَسِبُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ الْإِثْمِ مَا يَكْتَسِبُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَدْحُ الْبَيَانِ وَالْحَثُّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقَرِينَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» عَلَى طَرِيقِ الْمَدْحِ فَكَذَا الْقَرِينُ الْآخَرُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْبَيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ بَيَّنَ يُقَالُ بَيَّنَ تَبْيِينًا وَبَيَانًا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ فَهُنَا أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ إعْلَامٌ أَيْ تَبْيِينٌ وَدَلِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ وَعِلْمٌ يَحْصُلُ مِنْ الدَّلِيلِ وَالْبَيَانُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى الْإِعْلَامِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُبَيِّنِ كَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالَ هُوَ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ الْإِشْكَالِ إلَى التَّجَلِّي.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ إجْمَالٍ إشْكَالُ بَيَانٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي التَّعْرِيفِ وَكَذَا بَيَانُ التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ أَيْضًا، وَبِأَنَّ لَفْظَ الْبَيَانِ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ وَمِنْ حَقِّ التَّعْرِيفِ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ مِمَّا عُرِّفَ بِهِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالدَّلِيلِ أَيْ يَجْعَلُهُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ كَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قَالَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي تَبَيَّنَ بِهِ الْمَعْلُومُ فَكَانَ الْبَيَانُ وَالتَّبَيُّنُ عِنْدَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ كَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ قَالَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَتَبَيَّنُ بِهِ
стр. 825
كَانَ بَيَانَ تَقْرِيرٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ كَانَ عَامًّا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَقَرَّرَهُ بِذِكْرِ الْكُلِّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْأَحْكَامُ قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ دَلِيلًا لِغَيْرِهِ وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ يَصِحُّ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يُقَالَ تَمَّ بَيَانُهُ وَهَذَا بَيَانٌ حَسَنٌ إشَارَةً إلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَطْلُوبِ لِلسَّامِعِ وَلَا إخْرَاجُ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْإِشْكَالِ إلَى التَّجَلِّي وَيُقَالُ بَيَّنَهُ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَعَلَى هَذَا بَيَانُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِالْكَلَامِ وَالْفِعْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالرَّمْزِ إذًا لِكُلٍّ دَلِيلٌ وَمُبَيِّنٌ وَلَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّلَالَةِ بِالْقَوْلِ فَيُقَالُ لَهُ بَيَانٌ حَسَنٌ أَيْ كَلَامٌ رَشِيقٌ حَسَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ.
قَالَ وَكُلُّ مُفِيدٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَفِعْلِهِ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ حَيْثُ يَكُونُ دَلِيلًا وَتَنْبِيهًا لِفَحْوَى الْكَلَامِ كُلُّ ذَلِكَ بَيَانٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ دَلِيلٌ وَبَيَانٌ.
وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِيضَاحُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْمَقْصُودِ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْقُرْآنُ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ إيضَاحٌ وَكَشْفٌ عَنْ الْمَقْصُودِ وَمِنْهُ بَيَانُ الْمُجْمَلِ، وَأَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي فَضْلِ بَيَانِ التَّعْبِيرِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فِي حَدِّهِ فَقَالَ حَدُّ الْبَيَانِ غَيْرُ حَدِّ النَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ إظْهَارُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ وُجُودِهِ ابْتِدَاءً وَالنَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ الثُّبُوتِ فَلَمْ يَكُنْ بَيَانًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَابَ فَهَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْبَيَانِ فَعَلَيْك بِاعْتِبَارِ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ
[أَوْجُه الْبَيَانُ]
[بَيَانُ التَّقْرِير]
قَوْلُهُ (بَيَانُ تَقْرِيرٍ) إضَافَةُ الْبَيَانِ إلَى التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى نَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ أَيْ بَيَانٌ هُوَ تَقْرِيرٌ وَكَذَا الْبَاقِي.
، وَإِضَافَتُهُ إلَى الضَّرُورَةِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ أَيْ بَيَانٌ يَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ، فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَقْسِيمِ الْبَيَانِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَسَامِي الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ جَعَلَ التَّعْلِيقَ وَالِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ، وَالنَّسْخَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ وَالْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ مُتَابِعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ وَلَمْ يَجْعَلْ النَّسْخَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ فَقَالَ حَدُّ النَّسْخِ غَيْرُ حَدِّ الْبَيَانِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّسْخَ وَإِنْ كَانَ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ كَالْقَتْلِ لِانْتِهَاءِ الْأَجَلِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَقَطْعُ الْحَيَاةِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ حَتَّى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ، وَالْبَيَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسْخُ مِنْ أَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ كَذَا قِيلَ، وَقَوْلُهُ كُلُّ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ أَوْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨ - ٧٥] فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَالْخُصُوصَ. " كَانَ بَيَانَ تَقْرِيرٍ " أَيْ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِمَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ قَاطِعًا لِاحْتِمَالِ غَيْرِهِ.
وَذَلِكَ أَيْ بَيَانُ التَّقْرِيرِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وَهُوَ نَظِيرُ الْعَامِّ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ
стр. 826
وَمِثْلُهُ ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدٍ أَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الْعِتْقَ عَنْ الرِّقِّ وَالْمِلْكِ. وَهَذَا الْبَيَانُ يَصِحُّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا لَا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ مُقَرَّرٌ.
وَأَمَّا بَيَانُ التَّفْسِيرِ فَبَيَانُ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَنَحْوُ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَلْحَقُهُ الْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ إذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ الطَّلَاقَ صَحَّ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ بَيَانَهُ بَيَانُ تَفْسِيرٍ،
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ اسْمَ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمَلَائِكَةُ كَانَ عَامًّا أَيْ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْضَهُمْ فَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ قَرَّرَ مَعْنَى الْعُمُومِ فِيهِ حَتَّى صَارَ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ. وَمِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي كَوْنِهِ بَيَانَ تَقْرِيرٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَهُوَ نَظِيرُ الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فَإِنَّ الطَّائِرَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ حَقِيقَتِهِ يُقَالُ لِلْبَرِيدِ طَائِرٌ لِإِسْرَاعِهِ فِي مَشْيِهِ وَيُقَالُ أَيْضًا فُلَانٌ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ فَكَانَ قَوْلُهُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ تَقْرِيرًا لِمُوجَبِ الْحَقِيقَةِ وَقَطْعًا لِاحْتِمَالِ الْمَجَازِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ مَعْنَى زِيَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْأَرْضِ وَ ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] زِيَادَةُ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ قَطُّ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا مِنْ طَائِرٍ قَطُّ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَحْفُوظَةٌ أَحْوَالُهَا غَيْرُ مُهْمَلٍ أَمْرُهَا وَالْغَرَضُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وَلُطْفِ عِلْمِهِ وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ وَتَدْبِيرِهِ تِلْكَ الْخَلَائِقَ الْمُتَفَاوِتَةَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَكَاثِرَةَ الْأَصْنَافِ وَهُوَ حَافِظٌ لِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مُهَيْمِنٌ عَلَى أَحْوَالِهَا لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ وَأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَذَلِكَ أَيْ نَظِيرُ الْبَيَانِ الْمُقَرَّرِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُولَ عَنَيْتُ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ أَيْ رَفْعَ قَيْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ رَفْعُ الْقَيْدِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِالنِّكَاحِ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فَصَارَ الطَّلَاقُ لِرَفْعِ النِّكَاحِ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَعُرْفِيَّةً وَاحْتَمَلَ رَفْعَ كُلِّ قَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ وَلِهَذَا لَوْ نَوَى صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ فَبِقَوْلِهِ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ قَرَّرَ مُقْتَضَى الْكَلَامِ وَقَطَعَ احْتِمَالَ الْمَجَازِ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ مُوجِبُهُ الْعِتْقُ عَنْ الرِّقِّ فِي الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ التَّخْلِيَةَ عَنْ الْقَيْدِ الْحِسِّيِّ وَالْحَبْسِ وَالْعَمَلِ.
وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخُلُوصِ يُقَالُ رَجُلٌ حُرٌّ أَيْ خَالِصٌ عَنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَمِنْهُ طِينٌ حُرٌّ أَيْ خَالِصٌ لَا رَمْلَ فِيهِ وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْكَرِيمِ يُقَالُ رَجُلٌ حُرٌّ أَيْ كَرِيمٌ وَالْحُرَّةُ الْكَرِيمَةُ وَنَاقَةٌ حُرَّةٌ أَيْ كَرِيمَةٌ وَسَحَابَةٌ حُرَّةٌ أَيْ كَثِيرَةُ الْمَطَرِ فَبِقَوْلِهِ عَنَيْت بِهِ الْعِتْقَ عَنْ الرِّقِّ قَرَّرَ مُوجَبَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَطَعَ احْتِمَالَ غَيْرِهَا
[بَيَانُ التَّفْسِيرِ]
. قَوْلُهُ (وَأَمَّا بَيَانُ التَّفْسِيرِ) بَيَانُ التَّفْسِيرِ هُوَ بَيَانُ مَا فِيهِ خَفَاءٌ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُجْمَلِ وَنَحْوِهِمَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ إذْ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا يُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ لِلْعَمَلِ بِهِ بِالْبَيَانِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مِقْدَارِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَطْعُ وَفِي حَقِّ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ الْإِبْطِ أَوْ مِنْ الْمِرْفَقِ أَوْ مِنْ الزَّنْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِثْلُ آيَةِ الرِّبَا، ثُمَّ لَحِقَهُ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ ﵇ بَيَّنَ الصَّلَاةَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالزَّكَاةَ بِقَوْلِهِ ﷺ «هَاتُوا رُبُعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» وَبِالْكِتَابِ أَمَرَ بِكِتَابَتِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالنِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَوْ لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» .
وَمَحَلُّ الْقَطْعِ «بِقَطْعِهِ يَدَ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانُ مِنْ الزَّنْدِ» وَالرِّبَا بِقَوْلِهِ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ أَيْ مِثَالُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٍ أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْكِنَايَاتِ، ثُمَّ قَالَ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانَ تَفْسِيرٍ
стр. 827
وَيَصِحُّ هَذَا مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا هَذَا مَذْهَبٌ وَاضِحٌ لِأَصْحَابِنَا حَتَّى جَعَلُوا الْبَيَانَ فِي الْكِنَايَاتِ كُلِّهَا مَقْبُولًا وَإِنْ فُصِلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَهَذَا لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ صَحِيحٌ لِعَقْدِ الْقَلْبِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ عَلَى انْتِظَارِ الْبَيَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْتِلَاءَ الْقَلْبِ بِالْمُتَشَابِهِ لِلْعَزْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ صَحِيحٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ الْبَيَانِ فَهَذَا أَوْلَى وَإِذَا صَحَّ الِابْتِلَاءُ حَسُنَ الْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي.
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ أَوْ الْحُرْمَةَ مُشْتَرَكَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعَانِي فَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهَذَا الْكَلَامِ الطَّلَاقَ فَقَدْ رَفَعَ الْإِبْهَامَ فَكَانَ بَيَانَ تَفْسِيرٍ، ثُمَّ بَعْدَ التَّفْسِيرِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِأَصْلِ الْكَلَامِ فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ وَالْحُرْمَةُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ كَانَ مُشْكِلًا لِدُخُولِ الْأَلِفِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي إشْكَالِهِ فَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ نَقْدَ كَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ وَصَارَ هَذَا الْكَلَامُ تَفْسِيرًا لَهُ.
قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ هَذَا) أَيْ بَيَانُ التَّفْسِيرِ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانُ التَّفْسِيرِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ إلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ فَجَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَمُتَابَعِيهِمْ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ ذَكَرَ السَّمْعَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ ذَهَبُوا إلَيْهِ فَكَانَ الشَّيْخُ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ بِقَوْلِهِ هَذَا مَذْهَبٌ وَاضِحٌ لِأَصْحَابِنَا أَيْ صِحَّةُ بَيَانِ مَا فِيهِ خَفَاءٌ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا مَذْهَبٌ ظَاهِرٌ لِأَصْحَابِنَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُجْمَلٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ الطَّائِفَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا إنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَى جَوَازَ تَأْخِيرِهِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخِطَابِ هُوَ إيجَابُ الْعَمَلِ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ وَالْفَهْمُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيَانِ فَلَوْ جُوِّزَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ أَدَّى إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَلَا يُقَالُ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ مَقْصُودٌ فَالْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ مَقْصُودَانِ أَيْضًا وَالْإِجْمَالُ وَالِاشْتِرَاكُ لَا يَمْنَعَانِ مِنْ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْعَمَلُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ وَالِاعْتِقَادُ تَابِعٌ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَجُوزُ.
وَبِأَنَّهُ لَوْ حَسُنَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ لَحَسُنَ خِطَابُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَرَفْنَا أَنَّهُ يَقْبُحُ هَاهُنَا أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ السَّامِعَ لَا يَعْرِفُ مُرَادَ الْمُخَاطِبِ، وَلَا يُقَالُ إنَّمَا لَمْ يَحْسُنْ مُخَاطَبَةُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ بِهَذَا الْخِطَابِ شَيْئًا، فَأَمَّا فِي الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ فَقَدْ يَفْهَمُ السَّامِعُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ إيجَابَ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَوْ نَهْيَهُ عَنْ شَيْءٍ وَفِي الْخِطَابِ بِالْمُشْتَرَكِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْمُعْتَبَرُ فِي حُسْنِ الْخِطَابِ إنْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِكُلِّ الْمُرَادِ فَلَا تُفِيدُ هَذَا الْفَرْقَ وَإِنْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِبَعْضِ الْمُرَادِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ خِطَابُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ إذَا عَرَفَ حِكْمَةَ الزِّنْجِيِّ الْمُخَاطِبِ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِخِطَابِهِ لَهُ شَيْئًا مَا، إمَّا الْأَمْرَ أَوْ النَّهْيَ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى فَسَادِهِ وَقُبْحِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَرْقَ بَاطِلٌ وَهَذَا بِخِلَافِ بَيَانِ النَّسْخِ حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَا يَحِلُّ بِالْمَعْرِفَةِ بِصِفَةِ الْعِبَادَةِ فِي الْحَالِ فَأَمْكَنَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ فَمُخِلٌّ بِمَعْرِفَةِ صِفَةِ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَدَاؤُهَا فِي الْحَالِ وَتَمَسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تَأْخِيرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وَعَدَهُ الْبَيَانَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ وَهِيَ لِلتَّرَاخِي بِإِجْمَاعِ أَهْلِ
стр. 828
وَاخْتَلَفُوا فِي خُصُوصِ الْعُمُومِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَقَعُ الْخُصُوصُ مُتَرَاخِيًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجُوزُ مُتَّصِلًا وَمُتَرَاخِيًا، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ أَوْصَى بِهَذَا الْخَاتَمِ لِفُلَانٍ وَبِفَصِّهِ لِفُلَانٍ غَيْرِهِ مَوْصُولًا إنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ خُصُوصًا لِلْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْفَصُّ لِلثَّانِي وَإِذَا فَصَلَ لَمْ يَكُنْ خُصُوصًا بَلْ صَارَ مُعَارِضًا فَيَكُونُ الْفَصُّ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا فَرْعٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعُمُومَ عِنْدَنَا مِثْلُ الْخُصُوصِ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ قَطْعًا وَلَوْ اُحْتُمِلَ الْخُصُوصُ مُتَرَاخِيًا لَمَا أَوْجَبَ الْحُكْمُ قَطْعًا مِثْلَ الْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ وَعِنْدَهُ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا يُوجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْحُكْمَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْخُصُوصِ الَّذِي مَرَّ وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ فِي حُكْمِ الْبَيَانِ بَلْ مَا كَانَ بَيَانًا مَحْضًا صَحَّ الْقَوْلُ فِيهِ بِالتَّرَاخِي
ــ
[كشف الأسرار]
اللُّغَةِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ وُرُودِهِ.
، فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ إظْهَارَهُ بِالتَّنْزِيلِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ بَيَانَهُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَإِنَّ فِيهِ الْمُحْكَمَ وَالْمُفَسَّرَ وَالنَّصَّ فَيَكُونُ الْبَيَانُ الْمُضَافُ إلَى جَمِيعِهِ إظْهَارُهُ بِالتَّنْزِيلِ قُلْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﵇ بِاتِّبَاعِ قُرْآنَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِهِ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى فَإِذَا قَرَأْنَاهُ هُوَ الْإِنْزَالُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ الْإِنْزَالَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ سَابِقًا عَلَى نَفْسِهِ وَبِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الِابْتِلَاءَ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيمَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَالِ مَعَ انْتِظَارِ الْبَيَانِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالِابْتِلَاءُ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ أَهَمُّ مِنْ الِابْتِلَاءِ بِالْعَمَلِ بِهِ فَكَانَ حَسَنًا صَحِيحًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالتَّشَابُهِ الَّذِي آيَسَنَا عَنْ بَيَانِهِ صَحَّ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فَالِابْتِلَاءُ بِالْمُجْمَلِ الَّذِي يُنْتَظَرُ بَيَانُهُ كَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ كَمَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ لَيْسَ بِثَابِتٍ بَلْ هُوَ مُتَأَخِّرٌ إلَى الْبَيَانِ، وَلَيْسَ هُوَ كَخِطَابِ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ أَيْضًا لَا يُفِيدُ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ خَبَرٌ فَأَمَّا الْعَرَبِيُّ الْمُخَاطَبُ بِالْمُجْمَلِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يُفِيدُهُ الْخِطَابُ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ خَبَرٌ وَيَعْرِفُ مَجْمُوعَ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُ الْمُشْتَرَكِ وَأَنَّهُ أُرِيدَ وَاحِدٌ مِنْ مَفْهُومَاتِهِ فَيَفْتَرِقَانِ.
، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّعْرِيفِ يَصْلُحُ مَقْصُودًا فِي كَلَامِ النَّاسِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ لِي إلَيْك حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ وَلَا يَكُونُ غَرَضُهُ فِي الْحَالِ إلَّا إعْلَامَ هَذَا الْقَدْرِ وَلِهَذَا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ أَفْهَامٌ مُبْهَمَةٌ كَمَا وُضِعَتْ أَلْفَاظٌ لَمَعَانٍ مُعَيَّنَةٍ، وَأَيْضًا قَدْ يَحْسُنُ مِنْ الْمَلِكِ أَنْ يَقُولَ لِبَعْضِ عُمَّالِهِ قَدْ وَلَّيْتُكَ مَوْضِعَ كَذَا فَاخْرُجْ إلَيْهِ وَإِمَّا أَكْتُبُ إلَيْك تَذْكِرَةً بِتَفْصِيلِ مَا تَعْمَلُهُ وَيَحْسُنُ مِنْ الْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِغُلَامِهِ أَنَا آمُرُك أَنْ تَخْرُجَ إلَى السُّوقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَبْتَاعَ مَا أُبَيِّنُهُ لَك غَدَاةَ الْجُمُعَةِ وَيَكُونُ الْقَصْدُ بِذَلِكَ إلَى التَّأَهُّبِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ فِي الشَّرْعِ إطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ لِيُفِيدَ وُجُوبَ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ وَصَيْرُورَةَ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُطِيعًا بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَيَانِ وَعَاصِيًا بِالْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ.
[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ) لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مُتَرَاخٍ فَأَمَّا الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ مُتَرَاخِيًا كَمَا يَجُوزُ مُتَّصِلًا.
وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالْقَوَاطِعِ وَغَيْرِهَا الْخِلَافَ فِي كُلِّ ظَاهِرٍ اُسْتُعْمِلَ فِي خِلَافِهِ كَالْمُطْلَقِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُقَيَّدُ وَالنَّكِرَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا الْمُعَيَّنُ.
وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مُتَرَاخِيًا لَا يَكُونُ بَيَانًا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ بَعْضُهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ بَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَصِيرُ بِهِ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ ظَنِّيًّا بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ أَفْرَادٍ أُخَرَ عَنْهُ بِالتَّعْلِيلِ وَدَلِيلُ النَّسْخِ
стр. 829
لِأَنَّ الْبَيَانَ الْمَحْضَ مِنْ شَرْطِهِ مَحَلٌّ مَوْصُوفٌ بِالْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ وَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ مَعَ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ فَيَحْسُنُ الْقَوْلُ بِتَرَاخِي الْبَيَانِ لِيَكُونَ الِابْتِلَاءُ بِالْعَقْدِ مَرَّةً بِالْفِعْلِ مَعَ ذَلِكَ أُخْرَى وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا لَيْسَ بِبَيَانٍ خَالِصٍ مَحْضٍ لَكِنَّهُ تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ وَيَحْتَمِلُ الْقَوْلَ بِالتَّرَاخِي بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ أَنَّ خُصُوصَ دَلِيلِ الْعُمُومِ بَيَانٌ أَوْ تَغْيِيرٌ، فَعِنْدَنَا هُوَ تَغْيِيرٌ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الِاحْتِمَالِ فَيُفِيدُ بِالْوَصْلِ مِثْلَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِتَغْيِيرٍ لِمَا قُلْنَا بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ فَصَحَّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الْإِيجَابِ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ فِي هَذَا الْبَابِ بِنُصُوصٍ احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ تَأْوِيلِهَا مِنْهَا أَنَّ بَيَانَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ فَلَا يَتَطَرَّقُ بِهِ احْتِمَالٌ إلَى الْبَاقِي، وَهَذَا أَيْ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَلَوْ احْتَمَلَ الْخُصُوصَ أَيْ احْتَمَلَ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ التَّخْصِيصَ مُتَرَاخِيًا لَمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ قَطْعًا لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ كَوْنِ الْبَعْضِ مُرَادًا مِنْهُ دُونَ الْكُلِّ وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِتَنَاوُلِهِ لِلْكُلِّ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ كَالْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَاقِي قَطْعًا لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الْبَاقِيَةِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَهُمَا سَوَاءٌ أَيْ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْهُ الْخُصُوصُ وَاَلَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْبَيَانَ الْمَحْضَ) كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْإِشْكَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمَعْرِيَّةَ عَنْ الْأُمُورِ ابْتِدَاءُ بَيَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا إشْكَالٌ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْبَيَانِ الْمَحْضِ وَهُوَ الْبَيَانُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَحَلِّ مَوْصُوفًا بِالْإِجْمَالِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَلَا بُدَّ لِحَقِيقَةِ الْإِظْهَارِ مِنْ سَبْقِ خَفَاءٍ لِاسْتِحَالَةِ إظْهَارِ الظَّاهِرِ.
وَالنُّصُوصُ الْمَعْرِيَّةُ عَنْ الْأُمُورِ ابْتِدَاءً إنَّمَا سُمِّيَتْ بَيَانًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ كَانَتْ مَجْهُولَةً قَبْلَ وُرُودِ النُّصُوصِ فَكَانَ مَعْنَى الْإِجْمَالِ مَوْجُودًا فِيهَا وَزِيَادَةٌ إذْ مَعْنَى الْإِجْمَالِ وَالْإِشْكَالِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْجَهْلُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بَيَانُ الْمُجْمَلِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ الْبَيَانِ الْمُلْتَحَقِ بِهِ تَفْسِيرًا وَإِعْلَامًا لِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ فَيَكُونُ بَيَانًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَكُونُ مُعَارِضًا فَيَصِحُّ مَفْصُولًا وَمَوْصُولًا فَأَمَّا دَلِيلُ الْخُصُوصِ فَلَيْسَ بِبَيَانٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ بَيَانٌ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ الصِّيغَةِ لِلْخُصُوصِ وَهُوَ ابْتِدَاءُ دَلِيلٍ مُعَارِضٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْعَامِّ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِنَفْسِهِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ وَيَكُونُ مُعَارِضًا نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ مَفْصُولًا.
وَمَا لَيْسَ بِبَيَانٍ خَالِصٍ بَلْ هُوَ بَيَانٌ مِنْ وَجْهٍ لَكِنَّهُ تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ التَّغْيِيرِ وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُمَا نَوْعَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ وَجَعَلَ النَّسْخَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ كَمَا بَيَّنَّا لَكِنَّهُ أَرَادَ بِالتَّبْدِيلِ هَاهُنَا أَحَدَ نَوْعَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ مُوَافِقًا لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ لَا النَّسْخَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مُتَرَاخِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ هَاهُنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّبْدِيلِ بَعْدَمَا تَغَيَّرَ عَنْ أَصْلِهِ يَنْقَلِبُ تَصَرُّفًا آخَرَ وَفِي التَّغْيِيرِ لَا يَنْقَلِبُ كَذَلِكَ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ الْكَلَامُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي لَا غَيْرُ وَفِي التَّعْلِيقِ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ عَنْ كَوْنِهِ إيجَابًا وَيَنْقَلِبُ تَصَرُّفَ يَمِينٍ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ بَلْ هُوَ تَقْدِيرٌ وَمَعْنَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَاقِي كَمَا كَانَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ مُقَرِّرًا لِمَا كَانَ مُوجِبًا فِي الْأَصْلِ لَا مُغَيِّرًا إذْ لَوْ كَانَ مُغَيِّرًا لَمْ يَبْقَ مُوجِبًا كَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ حَتَّى أُوجِبَ الْحُكْمُ فِي الْأَفْرَادِ الْبَاقِيَةِ بِعُمُومِهِ فَيَكُونُ مُقَرِّرًا وَلَوْ كَانَ مُغَيِّرًا لَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لَا مُغَيِّرًا فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِنَاءٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مُوجَبِ الْعَامِّ وَالْحُجَّةُ بِطَرِيقِ
стр. 830
هَذَا عِنْدَنَا يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ وَزِيَادَةً عَلَى النَّصِّ فَكَانَ نَسْخًا فَصَحَّ مُتَرَاخِيًا لِمَا نُبَيِّنُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇
ــ
[كشف الأسرار]
الِابْتِدَاءِ لِمَنْ أَبَى جَوَازَ تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ أَنَّ الْعُمُومَ خِطَابٌ لَنَا فِي الْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمُخَاطِبُ بِهِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقْصِدَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ أَوْ لَا يَقْصِدَ ذَلِكَ وَالثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ انْتَقَضَ كَوْنُهُ مُخَاطِبًا إذْ الْمَعْقُولُ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ مُخَاطِبٌ لَنَا أَنَّهُ قَدْ وَجَّهَ الْخِطَابَ نَحْوَنَا وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ إفْهَامَنَا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِفْهَامَ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ خِطَابًا لَنَا فِي الْحَالِ لَكَانَ إغْرَاءً بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ قَصَدَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ فَيَكُونُ قَدْ قَصَدَ أَنْ نَجْهَلَ؛ لِأَنَّ مَنْ خَاطَبَ قَوْمًا بِلُغَتِهِمْ فَقَدْ أَغْرَاهُمْ بِأَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ عَنَى بِهِ مَا عَنَوْا بِهِ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ عَبَثًا إذْ الْفَائِدَةُ فِي الْخِطَابِ لَيْسَتْ إلَّا إفْهَامَ الْمُخَاطَبِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ.
، وَإِذَا أَرَادَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ مُرَادَهُ ظَاهِرُهُ أَوْ غَيْرُ ظَاهِرِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَظَاهِرُهُ لِلْعُمُومِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ عِنْدَهُ فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا اعْتِقَادَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ نَفْهَمَ غَيْرَ ظَاهِرِهِ وَهُوَ لَمْ يَنْصِبْ دَلِيلًا عَلَى تَخْصِيصِهِ فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا مَا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِ فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِنَا وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِذًا لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ التَّخْصِيصَ مُتَّصِلًا بِالْعُمُومِ أَوْ يُشْعِرَنَا بِالْخُصُوصِ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ الْخَارِجَ عَنْ الْعُمُومِ لِئَلَّا يَكُونَ إغْرَاءً بِاعْتِقَادِ غَيْرِ الْحَقِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ لَا ظَاهِرَ لَهُ لِيُؤَدِّيَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِيهِ إلَى اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيَانَ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] اقْتَضَى بِعُمُومِهِ وُجُوبَ قَتْلِ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَاعْتِقَادِ ذَلِكَ، كَمَا اقْتَضَى وُجُوبَ قَتْلِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْحَقِّ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] اقْتَضَى وُجُوبَ فِعْلٍ عَلَى نَفْسِهِ وَوُجُوبَ شَيْءٍ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِخِلَافِ الْحَقِّ فَافْتَرَقَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ لَمَّا وَافَقَنَا الْخَصْمُ فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ لُزُومُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِيهِ وَجَوَازُ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ عَامٌّ، وَتَجْوِيزُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بِدَلِيلِ الْخُصُوصِ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْكَذِبِ فِي الْحِجَجِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
١ -
، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ اعْتِقَادُ الْحَقِّيَّةِ فِي الْحُكْمِ النَّازِلِ فَأَمَّا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ فَمَا كَانَ يَجِبُ اعْتِقَادُ التَّأْبِيدِ فِي الْحُكْمِ وَلَا إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَيَتَبَدَّلُ الْحُكْمُ كَالصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنَّمَا وَجَبَ اعْتِقَادُ التَّأْبِيدِ فِيهِ وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ لَا تُنْسَخُ بَعْدَهُ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى وَتَمَسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تَأْخِيرَهُ بِنُصُوصٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهَا فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] تَمَسَّكُوا بِهِ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُطْلَقَةٍ لِيُظْهِرَ أَمْرَ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ وَالْمُطْلَقُ عَامٌّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ بَيَانِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ.
ثُمَّ بَيَّنَهَا لَهُمْ بَعْدَ سُؤَالِهِمْ مُقَيَّدَةً بِأَوْصَافٍ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ وَالتَّقْيِيدُ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ بِالتَّقْيِيدِ يَخْرُجُ غَيْرُ الْمُقَيَّدِ عَنْ عُمُومِهِ فَدَلَّ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّخْصِيصِ جَائِزٌ فَأَجَابَ الشَّيْخُ ﵀ بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ إذْ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ بِعَامٍّ لِمَا مَرَّ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ
стр. 831
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أَنَّ الْأَهْلَ عَامٌّ لَحِقَهُ خُصُوصٌ مُتَرَاخٍ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَيَانَ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] وَذَلِكَ هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ وَعْدِ إهْلَاكِ الْكُفَّارِ وَكَانَ ابْنُهُ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ الْأَهْلَ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الرُّسُلِ مَنْ اتَّبَعَهُمْ وَآمَنَ بِهِمْ فَيَكُونُ أَهْلَ دِيَانَةٍ لَا أَهْلَ نِسْبَةٍ إلَّا أَنَّ نُوحًا ﵇ قَالَ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] لِأَنَّهُ كَانَ دَعَاهُ إلَى الْإِيمَانِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ الْكُبْرَى حَسُنَ ظَنُّهُ بِهِ وَامْتَدَّ نَحْوَهُ رَجَاؤُهُ فَبَنَى عَلَيْهِ سُؤَالَهُ فَلَمَّا وَضَحَ لَهُ أَمْرُهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَسَلَّمَهُ لِلْعَذَابِ وَهَذَا سَائِغٌ فِي مُعَامَلَاتِ الرُّسُلِ ﵈ بِنَاءً عَلَى الْعِلْمِ الْبَشَرِيِّ إلَى أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]
ــ
[كشف الأسرار]
مَعْنًى فَلِذَلِكَ صَحَّ مُتَرَاخِيًا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِبَقَرَةٍ مُطْلَقَةٍ.
ثُمَّ نُسِخَ الْإِطْلَاقُ بِالتَّقْيِيدِ مَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُمْ لَوْ عَمَدُوا إلَى أَدْنَى أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » فَدَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ الَّذِي فِيهِ تَخْفِيفٌ صَارَ مَنْسُوخًا بِانْتِقَالِ الْحُكْمِ إلَى الْمُقَيَّدَةِ وَأَنَّ اسْتِقْصَاءَهُمْ فِي السُّؤَالِ صَارَ سَبَبًا لِتَغْلِيظِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِ مَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ نَكِرَةٍ، ثُمَّ أَخَّرَ بَيَانَهَا إلَى حِينِ السُّؤَالِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ مَا لَهُ ظَاهِرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ أَنَّ الشَّارِعَ عَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] وَلَوْ كَانَتْ نَكِرَةً لَمَا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِهَا لِلْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِأَيَّةِ بَقَرَةٍ كَانَتْ.
وَأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِأُمُورٍ مُتَجَدِّدَةٍ وَلَوْ كَانَ تَكْلِيفُهُمْ بِأُمُورٍ مُتَجَدِّدَةٍ غَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ أَوَّلًا لَكَانَ الْوَاجِبُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ آخِرًا دُونَ مَا ذُكِرَتْ أَوَّلًا، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَحْصِيلُ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا بِإِجْمَاعٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَيَانُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَقَرَةٌ وَأَنَّ الْمَذْبُوحَ الْمُتَّصِفَ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَذَبَحُوهَا أَيْ الْبَقَرَةَ الْمَأْمُورُ ذَبْحُهَا الْمَذْكُورُ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ ذَبَحُوا هَذِهِ الْبَقَرَةَ الْمَوْصُوفَةَ عَنْ الْوَاجِبِ قَبْلَ سُؤَالِهِمْ لَخَرَجُوا عَنْ الْعُهْدَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ بَيَانُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَوْ كَانَ مُرَادًا، ثُمَّ صَارَ الْمُقَيَّدُ مُرَادًا يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ جَمِيعًا لِضِيقِ الزَّمَانِ عَنْ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا بُدَّ لِلِاعْتِقَادِ مِنْ الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ لَهُمْ الْعِلْمُ بِالْوَاجِبِ قَبْلَ السُّؤَالِ وَالْبَيَانِ وَلِهَذَا قَالُوا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] أَيْ إلَى الْبَقَرَةِ الْمُرَادِ ذَبْحُهَا وَالنَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ بَدَاءٌ وَجَهْلٌ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ، بَلْ الْأَمْرُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي بَقَرَةٍ مُقَيَّدَةٍ وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْمُطْلَقَةِ لَكِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ سُؤَالِهِمْ لَا أَنَّهُ تَعَالَى أَحْدَثَ حُكْمًا آخَرَ عِنْدَ السُّؤَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا بَيَانَ تِلْكَ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] وَتَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَهَا لَهُمْ فَلَوْ حُمِلَ عَلَى النَّسْخِ لَا يَكُونُ بَيَانًا لَهَا بَلْ يَكُونُ رَفْعًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ.
، وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ الْخَبَرِ فَمِنْ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ إثْبَاتُ الْبَدَاءِ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَتَغْيِيرُ إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ لَوْ عَمَدُوا إلَى أَدْنَى أَيِّ بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُطْلَقُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْمُقَيَّدِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا.
ثُمَّ نَحْنُ إنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ تَأْخِيرِ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّقْيِيدَ نَسْخٌ لِلْإِطْلَاقِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَإِنْ لَمْ يُجَوَّزْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّجْهِيلِ وَاعْتِقَادِ غَيْرِ الْحَقِّ أَوْ اعْتِقَادِ مَا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ عَدَمَ اقْتِرَانِ بَيَانٍ بِهِ لِجَوَازِ إعْلَامِ مُوسَى ﵇ إيَّاهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُرَادَ ذَبْحُ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا مُطْلَقَةٍ فَكَانَ هَذَا بَيَانًا إجْمَالِيًّا مُقَارِنًا.
ثُمَّ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ إلَى حِينِ سُؤَالِهِمْ وَتَأْخِيرُ مِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ عِنْدَنَا جَائِزٌ أَيْضًا وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧] أَيْ أَدْخِلْ فِي السَّفِينَةِ يُقَالُ سَلَكَهُ فِيهِ
стр. 832
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ثُمَّ لَحِقَهُ الْخُصُوصُ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] مُتَرَاخِيًا عَنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال بَاطِلٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِعِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ ﵈؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا لِذَوَاتِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ لَكِنَّهُمْ كَانُوا مُتَعَنِّتِينَ فَزَادَ فِي الْبَيَانِ إعْرَاضًا عَنْ تَعَنُّتِهِمْ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] وَهَذَا عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ آلَ لُوطٍ مُتَرَاخِيًا
ــ
[كشف الأسرار]
سَلْكًا فَسَلَكَ سُلُوكًا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] أَيْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَاثْنَيْنِ تَأْكِيدٌ لِزَوْجَيْنِ وَقُرِئَ بِالْإِضَافَةِ أَيْ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى لِئَلَّا يَنْقَطِعَ تَنَاسُلُهَا بِالْغَرَقِ وَاسْلُكْ عُطِفَ عَلَى زَوْجَيْنِ أَوْ عَلَى اثْنَيْنِ يَعْنِي أَدْخِلْ فِيهَا نِسَاءَك وَأَوْلَادَك.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْأَصْلَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ بَنِيهِ وَلِذَلِكَ قَالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أَرَادَ بِهِ كَنْعَانَ، وَقَدْ لَحِقَهُ خُصُوصٌ مُتَرَاخٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] فَدَلَّ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّخْصِيصِ جَائِزٌ فَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُحُوقَ التَّخْصِيصِ الْمُتَرَاخِي بِهِ بَلْ الْبَيَانُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى مِنْ الْأَهْلِ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أَيْ سَبَقَ وَعْدُ إهْلَاكِهِ فَإِنَّهُ وَعَدَهُ بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ جَمِيعًا وَأَرَادَ بِهِ امْرَأَتَهُ وَاغِلَةَ وَابْنَهُ كَنْعَانُ وَكَانَا كَافِرَيْنِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْأَهْلَ مُشْتَرَكٌ يَحْتَمِلُ أَهْلَ النِّسْبَةِ وَأَهْلَ الْمُتَابَعَةِ فِي الدِّينِ فَتَوَهَّمَ نُوحٌ ﵇ أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ النِّسْبَةِ فَسَأَلَ خَلَاصَ ابْنِهِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَهْلُ مِنْ حَيْثُ الْمُتَابَعَةُ فِي الدِّينِ لَا أَهْلُ النِّسْبَةِ وَأَنَّ ابْنَهُ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكُفْرِهِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي وَعْدِ النَّجَاةِ وَتَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُشْتَرَكِ جَائِزٌ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ نُوحًا جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ نُوحًا ﵇ بَعْدَ الْوَعْدِ بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ الْكَلَامِ فِيهِمْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] مُنْصَرِفًا إلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَمَا اسْتَجَازَ نُوحٌ سُؤَالَ خَلَاصِ ابْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أَيْ حَطَبُهَا وَالْحَصَبُ مَا يُحْصَبُ بِهِ أَيْ يُرْمَى يُقَالُ حَصَبَتْهُمْ السَّمَاءُ إذَا رَمَتْهُمْ بِالْحَصْبَاءِ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
وَهَذَا عَامٌّ لَحِقَهُ خُصُوصٌ مُتَرَاخٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَلَيْسَ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ قَدْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَتَرَاهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] » أَيْ السَّعَادَةُ أَوْ الْبُشْرَى أَوْ التَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ أُولَئِكَ عَنْهَا أَيْ عَنْ النَّارِ مُبْعَدُونَ فَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومِ لَوْلَا الْمُخَصِّصُ وَأُولَئِكَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْعَامِّ لِاخْتِصَاصِ مَا بِمَا لَا يَعْقِلُ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ كَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْبُدُ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ فَلَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ وَلَا يُقَالُ لَوْ لَمْ يَدْخُلُوا لَمَا أَوْرَدَهُمْ ابْنُ الزِّبَعْرَى نَقْضًا عَلَى الْآيَةِ وَهُوَ مِنْ الْفُصَحَاءِ وَلَرَدَّ الرَّسُولُ ﷺ وَلَمْ يَسْكُتْ عَنْ تَخْطِئَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَعَلَّ سُؤَالَ ابْنِ الزِّبَعْرَى كَانَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَا ظَاهِرَةٌ فِيمَنْ يَعْقِلُ أَوْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ مَجَازًا كَمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى وُرُودِهِ بِمَعْنَى الَّذِي الْمُتَنَاوِلِ لِلْعُقَلَاءِ إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيمَا لَا يَعْقِلُ دُونَ مَنْ يَعْقِلُ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ.
وَأَمَّا عَدَمُ رَدِّ الرَّسُولِ ﵇ عَلَيْهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِابْنِ الزِّبَعْرَى لَمَّا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ رَادًّا عَلَيْهِ مَا أَجْهَلَك بِلُغَةِ قَوْمِك أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ وَمَنْ لِمَنْ يَعْقِلُ» هَكَذَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ سَكَتَ إلَى حِينِ نُزُولِ الْوَحْيِ فَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ تَعَنُّتِ الْقَوْمِ
стр. 833
وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ أَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] وَذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ وَاضِحٌ، وَقَالَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠]
ــ
[كشف الأسرار]
وَمُجَادَلَتِهِمْ بِالْبَاطِلِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْحَقِّ لَهُمْ وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ اللِّسَانِ فَأَعْرَضَ عَنْ جَوَابِهِمْ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَنُّتَهُمْ فِي مُعَارَضَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَةَ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ يَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ حَسُنَ مَوْقِعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَتَعَنَّتُ وَهُوَ نَظِيرُ انْتِقَالِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فِي مُحَاجَّةِ اللَّعِينِ عَنْ التَّمَسُّكِ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لِتَعَنُّتِ الْقَوْمِ وَمُكَابَرَتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ الْأُولَى وَدَفْعًا لِتَلْبِيسِ اللَّعِينِ لَا أَنَّهُ انْتِقَالٌ حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ هَذَا ابْتِدَاءُ بَيَانٍ وَدَفْعٌ لِمُعَانَدَةِ الْخَصْمِ لَا أَنَّهُ تَخْصِيصٌ حَقِيقَةً وَمِنْهَا إخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قِصَّةِ ضَيْفِ الْخَلِيلِ وَإِخْبَارِهِمْ إيَّاهُ بِإِهْلَاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] وَهِيَ سَدُومُ وَالْأَهْلُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ لُوطًا وَأَهْلَهُ كَمَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ مِنْ سُكَّانِ الْقَرْيَةِ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ ﵇ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] ثُمَّ خُصَّ مِنْهُ لُوطٌ وَأَهْلُهُ بَعْدَ مَا قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ انْفِصَالِ الْمُخَصِّصِ عَنْ الْعَامِّ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ وَهَذَا أَيْ احْتِجَاجُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا كَاحْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
لِاتِّصَالِ الْبَيَانِ أَيْ الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ بِهِ أَيْ بِهَذَا الْعَامِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] أَيْ كَافِرِينَ، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ يُذْكَرُ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا يُقَالُ اُقْتُلْهُ إنَّهُ مُحَارِبٌ وَارْجُمْهُ إنَّهُ زَانٍ وَلَمَّا عَلَّلَ إهْلَاكَهُمْ بِكَوْنِهِمْ ظَالِمِينَ يَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِلُوطٍ وَأَهْلُهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا ظَالِمِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ وَاضِحٌ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي عَيْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي آيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] فَثَبَتَ أَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ كَانَ مُتَّصِلًا لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ صَرِيحًا هَاهُنَا اكْتِفَاءً بِالْإِشَارَةِ الْمُدْرَجَةِ فِي التَّعْلِيلِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُنْقَطِعٌ إنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ مَوْصُوفُونَ بِالْإِجْرَامِ فَاخْتَلَفَ لِذَلِكَ الْجِنْسَانِ، وَمُتَّصِلٌ إنْ كَانَ مِنْ الضَّمِيرِ فِي مُجْرِمِينَ كَأَنَّهُ قِيلَ إلَى قَوْمٍ قَدْ أَجْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَّا آلَ لُوطٍ وَحْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجْرِمُوا وَآلُ لُوطٍ عَلَى تَقْدِيرِ الِانْقِطَاعِ مُخْرَجُونَ مِنْ حُكْمِ الْإِرْسَالِ إلَيْهِمْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أُرْسِلُوا إلَى الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ خَاصَّةً وَلَمْ يُرْسَلُوا إلَى آلِ لُوطٍ أَصْلًا وَمَعْنَى إرْسَالِهِمْ إلَيْهِمْ كَإِرْسَالِ الْحَجَرِ وَالسَّهْمِ إلَى الْمَرْمَى فِي أَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّعْذِيبِ وَالْإِهْلَاكِ كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّا أَهْلَكْنَا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَكِنَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاتِّصَالِ هُمْ دَاخِلُونَ فِي حُكْمِ الْإِرْسَالِ عَلَى مَعْنَى الْمَلَائِكَةِ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِيُهْلِكُوا هَؤُلَاءِ وَيُنَجُّوا هَؤُلَاءِ فَلَا يَكُونُ الْإِرْسَالُ مُخْلَصًا لِمَعْنَى الْإِهْلَاكِ وَالتَّعْذِيبِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ فِي الْمُنْقَطِعِ جَارٍ مَجْرَى خَبَرِ لَكِنَّ فِي الِاتِّصَالِ بِآلِ لُوطٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَكِنَّ آلَ لُوطٍ مُنَجَّوْنَ وَفِي الْمُتَّصِلِ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأَنَّ إبْرَاهِيمُ قَالَ لَهُمْ فَمَا حَالُ آلِ لُوطٍ فَقَالُوا إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ وَالِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِنْ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي لَمُنَجُّوهُمْ لَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ فِيهِ وَأَنْ يُقَالَ أَهْلَكْنَاهُمْ إلَّا آلَ لُوطٍ
стр. 834
غَيْرَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَرَادَ الْإِكْرَامَ لِلُوطٍ بِخُصُوصِ وَعْدِ النَّجَاةِ أَوْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ عَامًّا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ بَعْضُ قَرَابَةِ النَّبِيِّ ﵇ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵃
ــ
[كشف الأسرار]
إلَّا امْرَأَتَهُ كَمَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ فِي قَوْلِ الْمُقِرِّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا فَأَمَّا فِي الْآيَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ؛ لِأَنَّ إلَّا آلَ لُوطٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَرْسَلْنَا أَوْ بِمُجْرِمِينَ وَإِلَّا امْرَأَتَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِمُنَجُّوهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] اسْتِثْنَاءٌ لِلُوطٍ لَمَا كَانَ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ إنَّ فِيهَا لُوطًا مَعْنًى حِينَئِذٍ فَقَالَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنْ الْمُهْلَكِينَ مَعَهُمْ طَلَبًا لِزِيَادَةِ الْإِكْرَامِ لَهُ بِتَخْصِيصِهِ بِوَعْدِ النَّجَاةِ قَصْدًا إذْ فِي التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ زِيَادَةُ إكْرَامٍ كَمَا فِي تَخْصِيصِ جَبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلَ ﵉ بِالذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] الْآيَةَ، وَكَمَا فِي تَخْصِيصِ أُولِي الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] أَوْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ عَامًّا وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ الظُّلْمَ وَالْمَعْصِيَةَ فَإِنَّ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا قَدْ يَخْتَصُّ بِالظَّالِمِينَ كَمَا فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ السَّبْتِ، وَقَدْ يَعُمُّ الْكُلَّ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فَيَكُونُ خِزْيًا وَعَذَابًا فِي حَقِّ الظَّالِمِينَ وَابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا فِي حَقِّ الْمُطِيعِينَ كَالْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ وَكَمَنْ زَنَى وَلَمْ يَتُبْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ خِزْيًا وَعُقُوبَةً وَإِنْ تَابَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا فَأَرَادَ الْخَلِيلُ ﵇ أَنْ يُبَيِّنُوا لَهُ أَنَّ عَذَابَ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ مِنْ أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ فَلَا يَعْلَمُ أَنَّ لُوطًا هَلْ يَنْجُو مِنْهُ أَمْ يُبْتَلَى بِهِ.
، وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِهِ أَنَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] طَلَبُ الرَّحْمَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ لِبَرَكَةِ مُجَاوَرَةِ لُوطٍ ﵇، وَذَكَرَ فِي الْمَطْلَعِ أَنَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ ﵇ لِلرُّسُلِ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] لَيْسَ إخْبَارًا عَنْ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ جِدَالٌ فِي شَأْنِهِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَلَّلُوا إهْلَاكَ أَهْلِهَا بِظُلْمِهِمْ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِبَرَاءَةِ لُوطٍ مِنْ ظُلْمِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَتَحَزُّنًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَتَشَمُّرًا إلَى نُصْرَتِهِ وَحِيَاطَتِهِ كَمَا هُوَ مُوجَبُ الدِّينِ فَأَجَابَهُ الرُّسُلُ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢] يَعْنُونَ بِالْبَرِيءِ وَالظَّالِمِ مِنْهُمْ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] ، وَقَوْلُهُ أَوْ خَوْفًا عُطِفَ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ غَيْرَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ قَالَ إنَّ فِيهَا لُوطًا إرَادَةً لِإِكْرَامِ لُوطٍ أَوْ خَوْفًا، وَذَلِكَ أَيْ سُؤَالُ إبْرَاهِيمَ عَنْ لُوطٍ وَجِدَالُهُ فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُهْلَكِينَ طَلَبًا لِزِيَادَةِ الْإِكْرَامِ مِثْلُ سُؤَالِهِ رَبَّهُ عَنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى مَعَ عِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ طَلَبًا لِزِيَادَةِ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالْمُعَايَنَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] إلَى قَوْلِهِ وَلِذِي الْقُرْبَى أَوْجَبَ نَصِيبًا مِنْ الْخُمُسِ لِذَوِي الْقُرْبَى عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ.
ثُمَّ تَأَخَّرَ خُصُوصُهُ إلَى أَنْ كَلَّمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ لِعَبْدِ مَنَافٍ خَمْسَةُ بَنِينَ هَاشِمٌ أَبُو جَدِّ النَّبِيِّ وَالْمُطَّلِبُ.
وَنَوْفَلٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ وَعَمْرٌو وَلِكُلٍّ عَقِبٌ وَنَسْلٌ إلَّا لِعَمْرٍو وَلَمَّا «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَوْمَ خَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَهُمْ جَاءَهُ عُثْمَانُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَإِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مَنَافٍ وَجُبَيْرُ بْنِ مُطْعِمٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ فَإِنَّهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَا إنَّا لَا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك
стр. 835
وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَى مُجْمَلٌ وَكَانَ الْحَدِيثُ بَيَانًا لَهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ قُرْبَى النُّصْرَةِ لَا قُرْبَى الْقَرَابَةِ وَإِجْمَالُهُ أَنَّ الْقُرْبَى يَتَنَاوَلُ غَيْرَ النَّسَبِ وَيَتَنَاوَلُ وُجُوهًا مِنْ النَّسَبِ مُخْتَلِفَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
اللَّهُ فِيهِمْ وَلَكِنْ نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إلَيْك سَوَاءٌ فِي النَّسَبِ فَمَا بَالُك أَعْطَيْتَهُمْ وَحَرَمْتَنَا؟ فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ بِبَيَانٍ مُتَأَخِّرٍ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ هَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لَا مِنْ قَبِيلِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْبَى لَا يَحْتَمِلُ قُرْبَى الْقَرَابَةِ وَقُرْبَى النُّصْرَةِ أَيْ نُصْرَةِ الشِّعْبِ وَالْوَادِي عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ السُّؤَالِ أَنَّ الْمُرَادَ قُرْبَى النُّصْرَةِ لَا قُرْبَى الْقَرَابَةِ وَتَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ جَائِزٌ.
وَقَوْلُهُ عِنْدَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِجْمَالَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَلَى مَذْهَبِنَا لَمَّا حَمَلْنَا لَفْظَ الْقُرْبَى عَلَى قُرْبَى النُّصْرَةِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ قُرْبَى النَّسَبِ أَيْضًا كَانَ مُحْتَمَلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ فَأَمَّا عِنْدَهُمْ فَلَا إجْمَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ عِنْدَهُمْ قُرْبَى النَّسَبِ الَّذِي هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَا غَيْرُ.
ثُمَّ أَشَارَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْإِجْمَالِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ بِقَوْلِهِ وَيَتَنَاوَلُ وُجُوهًا مِنْ النَّسَبِ مُخْتَلِفَةً يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ قُرْبَى النَّسَبِ كَانَ مُجْمَلًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقُرْبَى يَتَنَاوَلُ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً مِنْ النَّسَبِ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِجَمِيعِهَا فَإِنَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ الْبَعْضُ مُرَادًا وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يُنَاسِبُهُ بِأَبِيهِ خَاصَّةً أَوْ بِجَدِّهِ أَوْ بِأَعْلَى مِنْهُمَا فَكَانَ مُجْمَلًا فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْبَيَانُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْعَامِّ الَّذِي تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُجْمَلِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ فَهَذَا بَيَانُ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] .
أَمَرَ بِالِاتِّبَاعِ وَضَمِنَ الْبَيَانَ مُتَرَاخِيًا وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ وَهُوَ الْعَامُّ فَثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيَانُهُ مُتَرَاخِيًا وَكَذَلِكَ نَصُّ الْمَوَارِيثِ عَامٌّ فِي إيجَابِ الْإِرْثِ لِلْأَقَارِبِ كُفَّارًا كَانُوا أَوْ مُسْلِمِينَ.
ثُمَّ جَاءَ التَّخْصِيصُ مُتَرَاخِيًا بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ شُرِعَتْ عَامَّةً مُقَدَّمَةً عَلَى الْمِيرَاثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ثُمَّ خَصَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بِبَيَانِ الرَّسُولِ مُتَرَاخِيًا وَكَذَلِكَ «النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ خَصَّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِبَيَانٍ مُتَأَخِّرٍ وَهُوَ خَبَرُ الْعَرَايَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَا قِيلَ أَيْ إذَا قَرَأَهُ جَبْرَائِيلُ عَلَيْك بِأَمْرِنَا فَاقْرَأْهُ عَلَى قَوْمِك، ثُمَّ إنْ أَشْكَلَ عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ مَعَانِيهِ فَعَلَيْنَا بَيَانُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُجْمَلِ وَنَحْوِهِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرُ بَيَانِهِ جَائِزٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] لَيْسَ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ الْبَيَانَ مِنْ الْقُرْآنِ أَيْضًا فَيُؤَدِّي هَذَا إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِذَلِكَ الْبَيَانَ بَيَانًا إلَى
стр. 836
(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ) بَيَانُ التَّغْيِيرِ نَوْعَانِ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ مَوْصُولًا وَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا. عَلَى هَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا لَا يَتَنَاهَى وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَعْضُ مَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ الْمُجْمَلُ الَّذِي يَكُونُ بَيَانُهُ تَفْسِيرًا لَهُ وَنَحْنُ نُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فِي مِثْلِهِ فَأَمَّا فِيمَا يَكُونُ مُغَيِّرًا أَوْ مُبَدِّلًا لِلْحُكْمِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ فَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ يَكُونُ نَسْخًا وَلَا يَكُونُ بَيَانًا مَحْضًا وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَعَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّ تَقْيِيدَ حُكْمِ الْمِيرَاثِ بِالْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ وَتَقْيِيدَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ مِنْ قَبِيلِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ وَهِيَ تَعْدِلُ النَّسْخَ فَيَجُوزُ مُتَرَاخِيًا، وَقَدْ ثَبَتَ بِخَبَرٍ اقْتَرَنَ بِهِ الْإِجْمَاعُ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ فَيَجُوزُ النَّسْخُ الْمَعْنَوِيُّ بِهِ وَخَبَرُ الْمُزَابَنَةِ لَمْ يُخَصَّ بِخَبَرِ الْعَرَايَا عِنْدَنَا بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَطِيَّةِ لَا عَلَى الْبَيْعِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْعُمُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ]
[أَنْوَاع بَيَانِ التَّغْيِيرِ]
(بَابُ بَيَانِ التَّغْيِيرِ) أَيْ الْبَيَانُ الَّذِي فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمُوجَبِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ) أَيْ بَيَانُ التَّغْيِيرِ مَوْصُولًا أَيْ يَنْحَصِرُ الْجَوَازُ فِي الْمَوْصُولِ، ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَصِحُّ مَفْصُولًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ عَلَى هَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ إلَى الدَّلِيلِ وَإِلَى خِلَافِ غَيْرِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْفُقَهَاءِ مِثْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اتِّصَالَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الِاتِّصَالِ لَفْظًا وَهُوَ أَنْ لَا يُعَدَّ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ آتِيًا بِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ عُرْفًا بَلْ يُعَدُّ الْكَلَامُ وَاحِدًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ بِانْقِطَاعِ نَفَسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ نَحْوِهَا شَرْطٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ سَوَاءً تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ قَدَّرَ زَمَانَ الْجَوَازِ بِسَنَةٍ، فَإِنْ اسْتَثْنَى بَعْدَهَا بَطَلَ وَعَنْ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا مَا لَمْ يَقُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ اعْتِبَارًا بِالْعُقُودِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُهُ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً.
تَمَسَّكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِأَنَّ «الْيَهُودَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ غَدًا أُجِيبُكُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْهُ مُدَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] » أَيْ اسْتَثْنِ إذَا تَرَكْت الِاسْتِثْنَاءَ، ثُمَّ ذَكَرْتَ، فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِطَرِيقِ إلْحَاقِهِ إلَى خَبَرِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ غَدًا أُجِيبُكُمْ وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَن قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ» وَلَا يُقَالُ هَذَا شَرْطٌ، وَكَلَامُنَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ مِنْ جَوَازِ أَحَدِهِمَا يَلْزَمُ جَوَازُ الْآخَرِ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَمَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْقُرْآنِ قَالَ الْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ فِي جِهَاتِ الْوُصُولِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ فَذَاكَ فِي سَمَاعِ السَّامِعِينَ وَفَهْمِ الْفَاهِمِينَ لَا فِي كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَاحْتَجَّ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي قَوْلِهِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلِيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ، ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» عَيَّنَ التَّكْفِيرَ لِتَخْلِيصِ الْحَالِفِ وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْفَصِلًا لَقَالَ فَلِيَسْتَثْنِ وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّخْلِيصِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَسْهَلَ وَبِمِثْلِهِ
стр. 837
وَإِنَّمَا سَمَّيْنَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ إشَارَةً إلَى أَثَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنْتَ حُرٌّ لِعَبْدِهِ عِلَّةُ الْعِتْقِ نُزِّلَ بِهِ مَنْزِلَةَ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي مَحَلٍّ يَقِرُّ فِيهِ فَإِذَا حَالَ الشَّرْطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّهِ فَتَعَلَّقَ بِهِ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ إيقَاعَانِ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِي مَحَلِّهِ وَمُعَلَّقًا مَعَ ذَلِكَ فَصَارَ الشَّرْطُ مُغَيِّرًا لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنَّهُ بَيَانٌ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْبَيَانِ مَا يَظْهَرُ بِهِ ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ فَأَمَّا التَّغْيِيرُ بَعْدَ الْوُجُودِ فَنَسْخٌ وَلَيْسَ بِبَيَانٍ وَلَمَّا كَانَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لِابْتِدَاءِ وُقُوعِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ وَالْكَلَامُ كَانَ يَحْتَمِلُهُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِالْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ لَهَا جَائِزٌ شَرْعًا مِثْلُ الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ وَغَيْرِهِ سُمِّيَ هَذَا بَيَانًا فَاشْتَمَلَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَسُمِّيَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ
ــ
[كشف الأسرار]
اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ فَقَالَ لَمَّا حَلَفَ أَيُّوبُ ﵇ بِضَرْبِ امْرَأَتِهِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِضَرْبِ ضِغْثٍ عَلَيْهَا تَحِلَّةً لِيَمِينِهِ وَتَخْفِيفًا عَلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا لَأَمَرَهُ بِهِ لَا بِالضَّرْبِ بِالضِّغْثِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ وَبِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِثُبُوتِ الْإِقْرَارَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْفَصِلًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى التَّلَاعُبِ وَإِبْطَالِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مُنْفَصِلًا لَمَا عُلِمَ صِدْقُ صَادِقٍ وَلَا كَذِبُ كَاذِبٍ وَلَمْ يَحْصُلْ وُثُوقٌ بِيَمِينٍ وَلَا وَعْدٍ وَلَا وَعِيدٍ وَبُطْلَانُهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ وَبِمَسْأَلَةٍ أَفْحَمَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَبَا جَعْفَرٍ الدَّوَانِقِيَّ حِينَ عَاتَبَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ جَدِّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْفَصِلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَدِّك لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِي بَيْعَتِك فَإِنَّ الَّذِينَ بَايَعُوك عَلَى الْخِلَافَةِ لَوْ اسْتَثْنَوْا بَعْدَمَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِك أَوْ حِينَ مَا بَدَا لَهُمْ ذَلِكَ لَمْ تَبْقَ خِلَافَتُك وَوَسِعَهُمْ خِلَافُك فَسَكَتَ وَرَدَّهُ بِجَمِيلٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ النَّقْلُ إذْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْصِبِهِ وَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ لَا، ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَوَاهُ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا يَدِينُ فِيهِ الْعَبْدُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا فَهَذَا لَهُ وَجْهٌ.
وَأَمَّا تَجْوِيزُ التَّأْخِيرِ لَوْ أَصَرَّ عَلَيْهِ دُونَ هَذَا التَّأْوِيلِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْكَلَامِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِتْمَامُ فَإِذَا انْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ إتْمَامًا كَالشَّرْطِ وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ فَإِنَّهُ إذَا أُخِّرَ الشَّرْطُ أَوْ الْخَبَرُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَصِيرُ كَلَامًا فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَوْ خَبَرًا فَكَذَا قَوْلُهُ إلَّا زَيْدًا بَعْدَ شَهْرٍ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومًا فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ إتْمَامًا لِلْكَلَامِ.
وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ النِّسْيَانِ فَقَدْ كَانَ عَلَى وَجْهِ تَدَارُكِ التَّبَرُّكِ بِالِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّخَلُّصِ عَنْ الْإِثْمِ وَالِامْتِثَالِ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] لَا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مُغَيِّرًا لِلْحُكْمِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِالْقُرْآنِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَوَهْمٌ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ بَلْ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي بَلَغَتْنَا وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَى كَلَامِ الْعَرَبِ نَظْمًا وَفَصْلًا وَوَصْلًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَنْتَظِمُ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ فَصْلُ صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي تُشْعِرُ بِمُسْتَثْنًى مِنْهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا سَمَّيْنَاهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْبَيَانِ بِبَيَانِ التَّغْيِيرِ وَلَمْ نَقْتَصِرْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالتَّغْيِيرِ وَلَا بِالْبَيَانِ لِلْإِشَارَةِ إلَى وُجُودِ أَثَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيَانِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَيْ وُجُودُ أَثَرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ نُزِّلَ بِهِ أَيْ نُزِّلَ أَنْتَ حُرٌّ بِالْعَبْدِ شَرْعًا مَنْزِلَةَ وَضْعِ شَيْءٍ مَحْسُوسٍ فِي مَحَلٍّ تَقَرُّ فِيهِ فَإِذَا حَالَ الشَّرْطُ بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَبَيْنَ مَحَلِّهِ وَهُوَ الْعَبْدُ فَتَعَلَّقَ أَنْتَ حُرٌّ بِالشَّرْطِ بَطَلَ كَوْنُهُ إيقَاعًا - جَوَابُ إذَا - وَلَكِنَّهُ أَيْ الْمُتَعَلِّقَ بَيَانٌ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ كَوْنِهِ تَغْيِيرًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ مَا يَظْهَرُ بِهِ ابْتِدَاءً وُجُودُهُ أَيْ وُجُودُ الشَّيْءِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَدْلُولِ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمُبَيَّنُ فَأَمَّا التَّغْيِيرُ بَعْدَ الْوُجُودِ فَنَسْخٌ وَلَيْسَ بِبَيَانٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ وَالتَّغْيِيرُ بَعْدَ الْوُجُودِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا يَكُونُ بَيَانًا.
وَهَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَجْعَلَا النَّسْخَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ فَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ ﵀ -
стр. 838
وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مُغَيِّرٌ لِلْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَالْأَلْفُ اسْمٌ عَلَمٌ لِذَلِكَ الْعَدَدِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَإِذَا قَالَ إلَّا خَمْسَمِائَةٍ كَانَ تَغْيِيرًا لِبَعْضِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَوْ صَحَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَرَاخِيًا كَانَ نَاسِخًا وَلَكِنَّهُ إذَا اتَّصَلَ مَنَعَ بَعْضَ التَّكَلُّمِ لَا إنْ وَقَعَ بَعْدَ الْوُجُودِ فَكَانَ بَيَانًا فَسُمِّيَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ النَّسْخَ أَحَدَ أَقْسَامِ الْبَيَانِ وَسَمَّاهُ بَيَانَ التَّبْدِيلِ، ثُمَّ قَالَ هَاهُنَا إنَّهُ لَيْسَ بِبَيَانٍ وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ النَّسْخَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ بَيَانًا هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ فِي الظَّاهِرِ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ وَإِبْطَالُهُ فَلَا يَكُونُ بَيَانًا لَهُ.
، وَلَمَّا كَانَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لِابْتِدَاءِ وُقُوعِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ يَعْنِي، وَلَمَّا كَانَ التَّعْلِيقُ لِهَذَا الْغَرَضِ وَهُوَ بَيَانُ ابْتِدَاءِ وُقُوعِ الْكَلَامِ غَيْرَ مُوجِبٍ وَالْكَلَامُ كَانَ يَحْتَمِلُهُ أَيْ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُوجِبٍ حُكْمَهُ فِي الْحَالِ شَرْعًا مِثْلَ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَتَصَرُّفَاتِ الصَّبِيِّ سُمِّيَ أَيْ التَّعْلِيقُ بَيَانًا وَهُوَ جَوَابٌ لَمَّا، وَإِنَّمَا قَالَ وَالْكَلَامُ كَانَ يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُبَيِّنُ مُحْتَمِلًا لَهُ بِوَجْهٍ لِيَكُونَ الْبَيَانُ إظْهَارًا لِذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ لَا يَكُونُ بَيَانًا لَهُ بَلْ يَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ) أَيْ وَكَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي اشْتِمَالِهِ عَلَى وَصْفَيْ الْبَيَانِ وَالتَّغْيِيرِ. أَلْفُ دِرْهَمٍ اسْمٌ عِلْمٌ لِذَلِكَ الْعَدَدِ أَيْ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْأَلْفِ وَهُوَ عَشْرُ مِئِينَ فَإِنَّ اسْمَ الْعَدَدِ كَثَلَاثَةٍ وَعَشَرَةٍ وَمِائَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَمُ جِنْسٍ كَأُسَامَةَ لِلْأَسَدِ وَالِاسْمُ الْعَلَمُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
أَوْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْعَدَدِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِانْسِدَادِ بَابِهِ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْدَادِ مَعْنًى إلَّا نِسْبَةً عَامَّةً وَهِيَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ عَدَدًا وَالنِّسْبَةُ الْعَامَّةُ لَا تَصْلُحُ طَرِيقًا لِلْمَجَازِ وَلَا صُورَةً إلَّا مِنْ حَيْثُ الْجُزْءُ وَالْكُلُّ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ طَرِيقًا لَهُ أَيْضًا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مُخْتَصًّا بِالْكُلِّ لِيَصِحَّ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى لَازِمِهِ وَهُوَ الْجُزْءُ الْمُخْتَصُّ بِهِ وَهَاهُنَا مَا دُونَ الْأَلْفِ مَثَلًا كَمَا يَصْلُحُ جُزْءُ الْأَلْفِ يَصْلُحُ جُزْءُ الْأَلْفَيْنِ وَلِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَغَيْرِهِمَا وَهَذِهِ الْجُزْئِيَّةُ لَا تَصْلُحُ طَرِيقًا لِلْمَجَازِ أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. أَلَا تَرَى: تَوْضِيحٌ لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ تَغْبِيرًا فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مُتَرَاخِيًا كَانَ نَاسِخًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ إذَا صَدَرَ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِالشَّرْطِ ثَبَتَ مُوجَبُهُ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فَلَوْ صَحَّ إلْحَاقُ الشَّرْطِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالتَّعْلِيقِ فَكَانَ نَسْخًا.
وَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ ثَبَتَ مُوجِبُهُ وَهُوَ وُجُوبُ تَمَامِ الْأَلْفِ فَلَوْ صَحَّ إلْحَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ كَانَ نَسْخًا لِلْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَلْفِ كَمَا فِي التَّعْلِيقِ فَثَبَتَ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى التَّغْيِيرِ، لَكِنَّهُ أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا اتَّصَلَ بِالْكَلَامِ - وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ تَغْيِيرًا لِبَعْضِهِ - مَنَعَ بَعْضَ التَّكَلُّمِ أَيْ مَنَعَ التَّكَلُّمُ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا فِي الْبَعْضِ لَا إنَّ رَفْعَهُ بَعْدَ الْوُجُودِ فَإِنَّهُ لَوْ رُفِعَ لَكَانَ نَسْخًا.
فَكَانَ: أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ بَيَانًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْبَعْضَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْكَلَامِ ابْتِدَاءً فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ كَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا مِائَةً لَيْسَ بِتَغْيِيرٍ لِلْأَلْفِ بَلْ رَدٌّ لِبَعْضِهِ فَمِنْ حَيْثُ قَرَّرَ الْبَقِيَّةَ كَانَ بَيَانًا وَمِنْ حَيْثُ رَفَعَ بَعْضَهُ كَانَ تَغْيِيرًا، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ سُمِّيَ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ ابْتِدَاءً وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ جَائِزٌ، لَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَنَّ الْأَلْفَ اسْمٌ عَلَمٌ لِذَلِكَ الْعَدَدِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرُهُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ مُتَكَلَّفٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْبَعْضَ
стр. 839
وَمَنْزِلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِثْلُ مَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ التَّكَلُّمِ إيجَابًا فِي بَعْضِ الْجُمْلَةِ أَصْلًا وَالتَّعْلِيقُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَصْلًا وَهُوَ الْإِيجَابُ وَيَبْقَى الثَّانِي وَهُوَ الِاحْتِمَالُ فَلِذَلِكَ كَانَا مِنْ قِسْمٍ وَاحِدٍ فَكَانَا مِنْ بَابِ التَّغْيِيرِ دُونَ التَّبْدِيلِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَكِنْ بِشَرْطِ لُحُوقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ فَكَانَ الْتِحَاقُهُ بِهِ بَيَانَ أَنَّ الْمُرَادَ مُحْتَمَلُهُ وَالصَّحِيحُ فِي بَيَانِ الِاحْتِمَالِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانٌ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْإِيجَابَ السَّابِقَ غَيْرُ مُوجِبٍ كُلَّ الْأَلْفِ كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُوجِبًا فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ وُجِدَ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ فَلَمَّا احْتَمَلَ صَدْرُ الْكَلَامِ هَذَا وَبِالِاسْتِثْنَاءِ تَبَيَّنَ ذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَيَانَ التَّغْيِيرِ لَا تَغْيِيرًا مَحْضًا.
وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ أَنَّ تَسْمِيَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ بَيَانًا مَجَازٌ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً يُبْطِلُ الْكَلَامَ فِي حَقِّ الْمِائَةِ فَإِنَّ الْأَلْفَ اسْمٌ لِعَشْرِ مِئِينَ حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يُبْطِلُ كَوْنَهُ إيقَاعًا وَيُصَيِّرُهُ يَمِينًا. إلَّا أَنَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ يَبْطُلُ بَعْضُ الْكَلَامِ وَفِي التَّعْلِيقِ يَبْطُلُ أَصْلُهُ بِانْقِلَابِهِ يَمِينًا وَالْإِبْطَالُ لَا يَكُونُ بَيَانًا حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَالْأَلْفُ ظَاهِرٌ فِي عَشْرِ مِئِينَ وَأَنْتِ طَالِقٌ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ إيقَاعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ إظْهَارُهُمَا حَقِيقَةً فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا التَّعْلِيقُ إظْهَارًا حَقِيقَةً بَلْ كَانَ إبْطَالًا وَلَكِنَّهُ بَيَانٌ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ عَلَيْهِ تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ يَحْلِفُ وَلَا يُطْلِقُ
. قَوْلُهُ (وَمَنْزِلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِثْلُ مَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ) فَرَّقَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ فَجَعَلَا الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ التَّعْلِيقُ تَبْدِيلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ نُزُولُ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ وَاسْتِقْرَارُهُ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ فَبِذِكْرِ الشَّرْطِ يَتَبَدَّلُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ تَامَّةٍ لِلْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِيجَابٍ لِلْعِتْقِ بَلْ هُوَ يَمِينٌ وَأَنَّ مَحَلَّهُ الذِّمَّةُ حَتَّى لَا يَصِلَ إلَى الْعَبْدِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءُ تَغْيِيرٌ لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ إنَّمَا التَّبْدِيلُ أَنْ يَخْرُجَ كَلَامُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا بِالْوَاجِبِ أَصْلًا فَجَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ مَنْزِلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي التَّغْيِيرِ مِثْلُ مَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْكَلَامِ عَنْ الْإِيجَابِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ فِي بَعْضِ الْجُمْلَةِ أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مُوجِبًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ فِي الْحَالِ وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ مُوجِبًا لَهُ فِي ثَانِي الْحَالِ وَالتَّعْلِيقُ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ الْإِيجَابُ فِي الْحَالِ وَلَا يَمْنَعُ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِانْعِقَادِهِ عِلَّةً فِي ثَانِي الْحَالِ وَهُوَ حَالُ وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَيَبْقَى الثَّانِي وَهُوَ الِاحْتِمَالُ أَيْ احْتِمَالُ صَيْرُورَتِهِ عِلَّةً مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ فَلِذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعًا مِنْ الِانْعِقَادِ كَانَا مِنْ قِسْمٍ وَاحِدٍ فَكَانَا مِنْ بَابِ التَّغْيِيرِ دُونَ التَّبْدِيلِ فَإِنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ النَّسْخُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وَأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ إذْ النَّسْخُ رَفْعٌ بَعْدَ الْوُجُودِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا وَفِي التَّحْقِيقِ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْعِبَارَةِ دُونَ الْمَعْنَى.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ أَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ عَلَى الْجَزَاءِ وَتَأْخِيرَهُ عَنْهُ جَائِزَانِ وَتَقْدِيمَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَجُوزُ حَتَّى لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ إلَّا زَيْنَبَ جَمِيعَ نِسَائِي أَوْ أَعْتَقْتُ إلَّا سَالِمًا جَمِيعَ عَبْدِي أَوْ قَالَ إلَّا زَيْنَبَ جَمِيعَ نِسَائِي طَوَالِقُ أَوْ إلَّا سَالِمًا جَمِيعُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَطْلُقُ جَمِيعُ النِّسَاءِ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ جَعْلُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مَصْرُوفًا عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي دَخَلَ فِيهِ سَائِرُهُ فَلَوْ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَبَطَلَ هَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِهِ لَا يَبْطُلُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ،
стр. 840
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ التَّكَلُّمَ بِحُكْمِهِ بِقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى فَيُجْعَلُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَبِخِلَافِ التَّقْدِيمِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ النَّفْيِ حَيْثُ يَجُوزُ حَتَّى لَوْ قَالَ مَا أَعْتَقْتُ إلَّا سَالِمًا أَحَدًا مِنْ عَبِيدِي أَوْ مَا طَلَّقْت إلَّا عَائِشَةَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِي يَعْتِقُ سَالِمٌ وَتَطْلُقُ عَائِشَةُ دُونَ غَيْرِهِمَا لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ حَذْفَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي النَّفْيِ جَائِزٌ وَكَانَ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَنْصُوبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لَا عَلَى الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْمُبْدَلِ
. قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ التَّعْلِيقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي التَّعْلِيقِ، وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِثْنَاءِ فَيَتَكَلَّمُ أَوَّلًا فِي تَعْرِيفِهِ وَشُرُوطِهِ.
ثُمَّ فِي تَقْدِيرِهِ وَتَحَقُّقِ مَعْنَاهُ وَالْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمُنْقَطِعِ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ كَمَا فِي الْمُتَّصِلِ فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إمَّا بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ كَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ أَوْ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَاشْتِرَاكِ الْعَيْنِ بَيْنَ مَفْهُومَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ إخْرَاجٌ، وَخَاصَّةُ الْمُنْقَطِعِ مُخَالَفَةٌ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ فَلَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يَصْلُحُ جَعْلُ اللَّفْظِ لَهُ، وَقَدْ أُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَيْهِمَا فَكَانَ مُشْتَرَكًا إذْ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ مُسَمَّاهُ وَاللَّفْظُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا صَحَّ بِإِضْمَارٍ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ وَمَنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ إلَّا إبْلِيسَ أَوْ فِي الْمُسْتَثْنَى كَمَا فِي قَوْلِك لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا دِينَارًا أَيْ إلَّا مِقْدَارَ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِتَأْوِيلِ إلَّا بِجَعْلِهِ بِمَعْنَى لَكِنْ فَكَانَ مَجَازًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ سَبْقُ الْفَهْمِ إلَى الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَتَوَقُّفُهُ فِي الْمُنْقَطِعِ عَلَى قَرِينَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَنَّيْتُ عَنَانَ الْفَرَسِ إذَا عَطَفْتُهُ وَصَرَفْتُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا عَطْفَ وَلَا صَرْفَ إلَّا فِي الْمُتَّصِلِ إذْ الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي الْمُنْقَطِعِ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ.
، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ كَمَا قَالُوا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَشْيَاءِ مَعْنًى بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَذَلِكَ خِلَافُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ مَعَ إمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْأَغْلَبِ وَهُوَ الْمَجَازُ خُصُوصًا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْهَامِ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَخْلُو عَنْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْمُرَادِ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ، ثُمَّ حَدُّهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ الصِّفَةِ عَنْ إلَّا الَّتِي هِيَ صِفَةٌ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تَابِعَةً لِجَمْعٍ مُنَكَّرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ أَيْ لِجَمْعٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى لَوْ سَكَتَ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَبِقَوْلِهِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، عَنْ الْمُخَالَفَةِ بِغَيْرِهَا مِثْلِ قَوْلِهِ جَاءَنِي الْقَوْمُ وَلَمْ يَجِئْ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو وَأَمْثَالِهِمَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِاسْتِثْنَاءٍ وَعِنْدَ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ بِالْمَجَازِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُخْرِجٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْآخَرُ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ فَتَعَذَّرَ جَمْعُهُمَا بِحَدٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرَيْنِ فَصْلُ أَحَدِهِمَا مَفْقُودٌ فِي الْآخَرِ يَسْتَحِيلُ جَمْعُهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ وَتَمَحَّلَ بَعْضُهُمْ لِلْجَمْعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ هُوَ الْمَذْكُورُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا مُخْرِجًا أَوْ غَيْرَ مُخْرِجٍ وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعَذُّرِ قِيلَ فِي الْمُنْقَطِعِ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ، وَفِي الْمُتَّصِلِ هُوَ إخْرَاجٌ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا وَيَقْرُبُ مِنْهُ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْمُتَّصِلِ هُوَ لَفْظُ أُخْرِجَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا
стр. 841
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَا سَبَقَ
ــ
[كشف الأسرار]
وَفِي الْمُنْقَطِعِ هُوَ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يُرَدْ بِهِ إخْرَاجٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَوْ قُلْتَ جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَزَيْدٌ لَيْسَ مِنْ الْقَوْمِ كَانَ مُنْقَطِعًا.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ هُوَ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا ذُو صِيَغٍ مَحْصُورَةٍ عَنْ قَوْلِهِ رَأَيْت الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ أَرَ زَيْدًا فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تُسَمِّيهِ اسْتِثْنَاءً وَإِنْ أَفَادَ مَا يُفِيدُ قَوْلَنَا إلَّا زَيْدًا، وَقِيلَ هُوَ لَفْظٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ
أَمَّا شُرُوطُهُ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا الِاتِّصَالُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا فِي الْكَلَامِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِك رَأَيْتُ الْقَوْمَ إلَّا زَيْدًا وَزَيْدٌ مِنْهُمْ وَرَأَيْت عُمَرًا إلَّا وَجْهَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا وَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً فَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً لَا لِصِحَّتِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُسْتَغْرِقًا كَانَ رُجُوعًا لَا اسْتِثْنَاءً كَذَا قِيلَ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ فِيمَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَاطِلٌ أَيْضًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا وَفِي اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ شَيْءٍ بِجَعَلِ الْكَلَامِ عِبَارَةً عَنْهُ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أَوْ إلَّا سِتَّةً إلَى تِسْعَةٍ فَذَهَبَتْ الْعَامَّةُ إلَى جَوَازِهِمَا وَذَهَبَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إلَى مَنْعِهِمَا وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ إلَى الْمَنْعِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَقْبِحُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ وَتَسْتَهْجِنُ قَوْلَ الْقَائِلِ رَأَيْت أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَإِذَا ثَبَتَ كَرَاهَتُهُمْ وَاسْتِثْقَالُهُمْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاحْتَجَّتْ الْعَامَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] ، وَلَمَّا جَازَ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِأَقَلَّ وَقَوْلُهُمْ هُوَ مُسْتَقْبَحٌ مَمْنُوعٌ بَلْ اسْتِثْقَالٌ وَلَيْسَ بِاسْتِقْبَاحٍ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَالِاسْتِقْبَاحُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تُسْعَ سُدُسِ رُبُعِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الِاسْتِقْبَاحِ يَصِحُّ.
، وَأَمَّا بَيَانُ مُوجِبِهِ فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ التَّكَلُّمَ بِحُكْمِهِ أَيْ مَعَ حُكْمِهِ بِقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى فَيُجْعَلُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَنْعَدِمُ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَثْنَى لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهُ مَعَ صُورَةِ التَّكَلُّمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَايَةِ فِيمَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَنْعَدِمُ فِيمَا وَرَاءَ الْغَايَةِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهُ لَا لِأَنَّ الْغَايَةَ تُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مُوجِبُهُ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ كَامْتِنَاعِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْعَامِّ فِيمَا خُصَّ مِنْهُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ صُورَةً وَهُوَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَهُ لَا يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعًا بَلْ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ لِمَانِعٍ وَهُوَ التَّعْلِيقُ أَوْ عَدَمُ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ وَعِنْدَنَا التَّعْلِيقُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعًا وَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ
стр. 842
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُهُمْ فَصَارَ عِنْدَنَا تَقْدِيرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً لِفُلَانٍ عَلَيَّ تِسْعُمِائَةٍ وَعِنْدَهُ إلَّا مِائَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] فَلَا تَجْلِدُوهُمْ وَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الصَّالِحُونَ غَيْرُ فَاسْقِينَ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ مَعَ صُورَةِ التَّكَلُّمِ بِهَا فَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فَإِذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا مِائَةً صَارَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا مِائَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ فَلَا تَلْزَمُهُ الْمِائَةُ لِلدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وَصَارَ عِنْدَنَا كَأَنَّهُ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ تِسْعُمِائَةٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْأَلْفِ فِي حَقِّ لُزُومِ الْمِائَةِ وَكَأَنَّ الْغَزَالِيَّ مَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ يَدْخُلُ عَلَى الْكَلَامِ فَيُغَيِّرُهُ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيهِ لَوْلَا الشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ فَيَجْعَلُهُ مُتَكَلِّمًا بِالْبَاقِي لَا أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ كَلَامِهِ مَا دَخَلَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِيهِ لَمَا خَرَجَ نَعَمْ كَانَ يَقْبَلُ الْقَطْعَ فِي الدَّوَامِ بِطَرِيقِ النَّسْخِ فَأَمَّا رَفْعُ مَا سَبَقَ دُخُولُهُ فِي الْكَلَامِ فَمُحَالٌ.
قَالَ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَوْ إنْ لَمْ يَكُونُوا ذِمِّيِّينَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ لَكِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِإِخْرَاجِهِ بِالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ الْإِخْرَاجُ بِالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِخْرَاجِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَقْتَصِرْ وَأَلْحَقَ بِهِ مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ وَإِتْمَامٌ لَهُ غَيَّرَ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ وَجَعَلَهُ كَالنَّاطِقِ بِالْبَاقِي وَدَفَعَ دُخُولَ الْبَعْضِ، وَمَعْنَى الدَّفْعِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ لَوْلَا الشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ فَإِذَا أُلْحِقَا قَبْلَ الْوُقُوفِ دُفِعَا.
وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ أَنَّ عَقْلِيَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ يَعْنِي مَعْقُولِيَّتَهُ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا إنْ قُلْنَا زَيْدٌ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْقَوْمِ لَمْ يَسْتَقِمْ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَنَّهُ إخْرَاجُ مَا بَعْدَ إلَّا مِمَّا قَبْلَهَا وَإِجْمَاعُهُمْ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي تَفَاصِيلِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلِأَنَّا قَاطِعُونَ إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ لَهُ عِنْدِي دِينَارٌ إلَّا ثُمُنًا وَنِصْفَ ثُمُنٍ بِأَنْ يَحْسِبَ الْمَذْكُورَ بَعْدَ إلَّا، ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْ الدِّينَارِ، ثُمَّ يَقْطَعَ بِأَنَّ الْقَدْرَ بَعْدَهُ هُوَ الْبَاقِي وَإِنْ قُلْنَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهِمْ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا قَالَ جَاءَ الْقَوْمُ وَزَيْدٌ مِنْهُمْ فَقَدْ وَجَبَ نِسْبَةُ الْمَجِيءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ فَإِذَا أُخْرِجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهُ الْمَجِيءُ فَيَصِيرُ مُثْبَتًا مَنْفِيًّا بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامٍ إلَّا وَهُوَ كَذِبٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ.
قَالَ وَالصَّوَابُ الَّذِي يَجْمَعُ رَفْعَ الْإِشْكَالَيْنِ أَنْ يَقُولَ لَا يُحْكَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ ذِكْرِ الْمُفْرَدَاتِ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ فَإِذَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فُهِمَ الْقِيَامُ أَوَّلًا بِمُفْرَدِهِ وَفُهِمَ الْقَوْمُ بِمُفْرَدِهِ وَأَنَّ مِنْهُمْ زَيْدًا وَفُهِمَ إخْرَاجُ زَيْدٍ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا، ثُمَّ حُكِمَ بِنِسْبَةِ الْقِيَامِ إلَى هَذَا الْمُفْرَدِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ زَيْدٌ فَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسَالِكِ الْمَقْطُوعِ بِهَا عَلَى وَجْهٍ يَسْتَقِيمُ وَهُوَ أَنَّ الْإِخْرَاجَ حَاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْرَدَاتِ وَفِيهِ تَوْقِيَةٌ بِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ وَتَوْقِيَةٌ بِأَنَّك مَا نَسَبْت إلَّا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجْت زَيْدًا فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْمُنَاقَضَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاسْتَقَامَ الْأَمْرُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ (وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُهُمْ) يَعْنِي دَلَّ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ أَجْوِبَةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِثْنَاءِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَلَنَا وَلَهُمْ مَسَائِلُ تَدُلُّ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ أَوْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ جَوَابُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ لَيْسَ بِمَنْقُولٍ عَنْ السَّلَفِ أَوْ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصًّا وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْمَسَائِلِ.
، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ أَنَّ الْمَسَائِلَ تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ جَعَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] مُعَارِضًا لِصَدْرِ الْكَلَامِ فَقَالَ إنَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى
стр. 843
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ إنَّ مَعْنَاهُ بِيعُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَبَقِيَ صَدْرُ الْكَلَامِ عَامًّا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَارَضَهُ فِي الْمَكِيلِ خَاصَّةً وَخُصُوصُ دَلِيلِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَتَعَدَّى مِثْلَ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّائِبِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَاذِفِينَ فَيَكُونُ هَذَا إثْبَاتَ حُكْمٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَثْبَتَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَصَدْرُ الْكَلَامِ أَمْرٌ بِالْجَلْدِ وَنَهْيٌ عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَتَسْمِيَةٌ بِالْفِسْقِ فَيَصِيرُ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا عَلَى خِلَافِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا التَّائِبِينَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُجْلَدُونَ فَيَبْقَى صِفَةُ الْفِسْقِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ بِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْجَلْدُ بِالتَّوْبَةِ أَيْضًا كَرَدِّ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيُشْتَرَطُ لِلسُّقُوطِ التَّوْبَةُ إلَيْهِ لَا غَيْرُ، فَإِذَا تَابَ سَقَطَ كَمَا إذَا تَابَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَحَدُّ الْقَذْفِ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ أَوْ حَقُّ الْعَبْدِ فِيهِ غَالِبٌ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّوَارُثُ وَالْعَفْوُ عِنْدَهُ فَيُشْتَرَطُ فِي سُقُوطِهِ التَّوْبَةُ إلَى الْعَبْدِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ كَالْمَظَالِمِ لَا تَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِدُونِ إرْضَاءِ أَرْبَابِهَا حَتَّى إذَا تَابَ إلَى الْمَقْذُوفِ وَاعْتَذَرَ فَعَفَا عَنْهُ الْمَقْذُوفُ سَقَطَ أَيْضًا كَالْقِصَاصِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ كَمَا جُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُعَارِضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَعَلَهُ مُعَارِضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا طَعَامًا مُسَاوِيًا بِطَعَامٍ مُسَاوٍ فَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَبِيعُوهُمَا.
أَوْ مَعْنَاهُ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَإِنَّهُمَا إذَا صَارَا مُتَسَاوِيَيْنِ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَبِيعُوهُمَا أُثْبِتَتْ حُرْمَةُ الْبَيْعِ بِصَدْرِ الْكَلَامِ عَامَّةً فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَعْنِي مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِثْلُ الْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ اسْمُ جِنْسٍ، وَقَدْ دَخَلَهُ لَامُ التَّعْرِيفِ فَاسْتَغْرَقَ الْجَمِيعَ فَلَمَّا اسْتَثْنَى الْمُسَاوِيَ امْتَنَعَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْمُعَارَضَةِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الصَّدْرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ التَّسَاوِي الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَثْبُتُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْمَكِيلِ خَاصَّةً فَبَقِيَ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَةِ وَبِالْحَفْنَتَيْنِ دَاخِلًا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ فَيَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ وَخُصُوصُ دَلِيلِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَتَعَدَّى جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَإِنْ عَارَضَ الصَّدْرَ فِي الْمَكِيلِ عَلَى الْخُصُوصِ بِصِيغَتِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ عَنْهُ بِالتَّعْلِيلِ فَيُثْبِتُ الْمُعَارَضَةَ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ فَيَثْبُتُ الْجَوَازُ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ عِنْدَ التَّسَاوِي كَمَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ عَنْ الْمَخْصُوصِ إلَى غَيْرِهِ بِتَعْلِيلِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فَقَالَ خُصُوصُ دَلِيلِ الْمُعَارَضَةِ يَعْنِي الدَّلِيلَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْمُعَارَضَةُ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يَزُولُ خُصُوصُهُ بِتَعَدِّي حُكْمِهِ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ كَمَا يَقْبَلُهُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى بِخِلَافِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامَّةِ فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيلَ وَمِثْلُ يَقْرَأَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا بِالرَّفْعِ.
وَبَعْضُهُمْ قَرَأَهُ بِالرَّفْعِ وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ دَلِيلَ الْمُعَارَضَةِ خَاصٌّ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ مَا تَنَاوَلَهُ إذْ لَوْ تَعَدَّى لَصَارَ عَامًّا كَمَا أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لَا يَتَعَدَّى عَنْ الْمَخْصُوصِ نَصًّا إلَّا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ دَلِيلَ الْمُعَارَضَةِ لَا يَتَعَدَّى مَا تَنَاوَلَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِالتَّعْلِيلِ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ مُعَارَضَةُ التَّعْلِيلِ النَّصَّ وَهِيَ بَاطِلَةٌ، فَأَمَّا دَلِيلُ الْخُصُوصِ فَمُبَيِّنٌ لِوُجُودِ حَدِّ الْبَيَانِ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَظْهَرَ بِهِ ابْتِدَاءً وُجُودُ الشَّيْءِ فَكَانَ قَابِلًا لِلتَّعْلِيلِ، وَهَذَا كُلُّهُ وَهْمٌ وَالْمَعْنَى هُوَ الْأَوَّلُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ خُصُوصُ الِاسْتِثْنَاءِ وَعُمُومُ الصَّدْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ خُصُوصِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعُمُومِ الصَّدْرِ فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 844
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هَذَا دَلِيلٌ مُعَارِضٌ لِبَعْضِ الصَّدْرِ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ فَبَقِيَ فِيمَا لَا مُعَارَضَةَ فِيهِ، وَقَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا إنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الْأَلْفِ قَدْرُ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْمُعَارَضَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْقِيمَةِ وَاحْتَجَّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَدَلَالَتِهِ وَبِالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإِنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْأَزْوَاجِ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْعَاقِلَةُ وَالْمَجْنُونَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى حَالَةَ الْعَفْوِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ فَيَسْقُطَ الْكُلُّ فَيَثْبُتَ الْمُعَارَضَةُ بِهِ فِي حَقِّ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي يَصِحُّ مِنْهَا الْعَفْوُ دُونَ الْمَجْنُونَةِ أَوْ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ مِنْهُمَا فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُعَارِضًا لِبَعْضِ صَدْرِ الْكَلَامِ لَا لِجَمِيعِهِ فَبَقِيَ الصَّدْرُ فِيمَا لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ وَيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بِالْعَفْوِ بِالْعَاقِلَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي يَصِحُّ الْعَفْوُ مِنْهَا إلَّا أَنْ تَعْفُوَ الْمُطَلَّقَاتُ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يُطَالِبْنَهُمْ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَتَقُولَ الْمَرْأَةُ مَا رَآنِي وَمَا اسْتَمْتَعَ بِي فَكَيْفَ آخُذُ مِنْهُ شَيْئًا.
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ الْوَلِيُّ الَّذِي يَلِي عَقْدَ نِكَاحِهِنَّ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ الزَّوْجُ فَإِنَّ إمْسَاكَ الْعُقْدَةِ وَحَلُّهَا بِالطَّلَاقِ بِيَدِهِ وَاللَّامُ فِي النِّكَاحِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ أَيْ نِكَاحُهُ أَيْ أَوْ أَنْ يَتَفَضَّلَ الزَّوْجُ بِإِعْطَاءِ الْكُلِّ صِلَةً لَهَا وَإِحْسَانًا فَيَقُولُ قَدْ نُسِبَتْ إلَيَّ بِالزَّوْجِيَّةِ فَلَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ اسْتِرْدَادُ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا يَعْنِي الْوَاجِبَ شَرْعًا هُوَ النِّصْفُ إلَّا أَنْ تُسْقِطَ هِيَ الْكُلَّ أَوْ يُعْطِيَ هُوَ الْكُلَّ فَإِيجَابُ النِّصْفِ إنْصَافُ الشَّرِيعَةِ وَتَرْكُهَا وَبَذْلُهُ مِنْ أَخْلَاقِ الطَّرِيقَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَتَسْمِيَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَقِّ عَفْوٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَالِبَ كَانَ فِيهِمْ سَوْقُ الْمَهْرِ إلَيْهَا عِنْدَ التَّزَوُّجِ فَإِذَا كَانَ طَلَّقَهَا اسْتَحَقَّ أَنْ يُطَالِبَهَا بِنِصْفِ مَا سَاقَ إلَيْهَا فَإِذَا تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ فَقَدْ عَفَا عَنْهَا وَقَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَحِيحٌ وَيَسْقُطُ مِنْ الْأَلْفِ قَدْرُ قِيمَةِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا ثَوْبًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيَّ مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيَانًا إلَّا هَكَذَا، ثُمَّ الدَّلِيلُ الْمُعَارِضُ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ وَاجِبُ الْعَمَلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ إذْ لَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ صَارَ لَغْوًا وَالْأَصْلُ فِي كَلَامِ الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُعَارَضَةِ فِي عَيْنِ الْمُسْتَثْنَى وَالْإِمْكَانُ هَاهُنَا فِي أَنْ يُجْعَلَ نَفْيًا لِقَدْرِ قِيمَةِ الثَّوْبِ لَا لِعَيْنِهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى قِيمَةِ الْكُرِّ تَصْحِيحًا لِلِاسْتِثْنَاءِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى كَمَا قُلْتُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ الْأَلْفُ كَامِلًا؛ لِأَنَّ مَعَ وُجُوبِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا كُرَّ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ هَذَا عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَالْكَلَامُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا فَظَهَرَ أَنَّ الطَّرِيقَ فِيهِ مَا قُلْنَا هَذَا بَيَانُ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَلَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا الْأَصْلَ وَيُخَرِّجُونَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى أُصُولٍ أُخَرَ فَيَقُولُونَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفَةً بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ عِنْدَنَا إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ كَمَا إذَا تَعَقَّبَهَا أَوْ تَقَدَّمَهَا شَرْطٌ.
أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ الْقَبُولِ أَيْ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ وَبِالتَّوْبَةِ يَنْتَفِي الْفِسْقُ فَيَثْبُتُ الْقَبُولُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُعَارَضَةٌ.
وَكَذَا بَقَاءُ صَدْرِ الْكَلَامِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْحَدِيثِ مُتَنَاوِلًا لِحُرْمَةِ بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَةِ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ مُعَارِضًا لَا يُثْبِتُ هَذِهِ الْحُرْمَةَ بَلْ لَوْ جُعِلَ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي يُثْبِتُ هَذِهِ الْحُرْمَةَ
стр. 845
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّ لِلِاسْتِثْنَاءِ حُكْمًا وُضِعَ لَهُ يُعَارَضُ بِهِ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهِيَ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلتَّوْحِيدِ وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فَلَوْ كَانَ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي لَكَانَ نَفْيًا لِغَيْرِهِ لَا إثْبَاتًا لَهُ فَصَحَّ لَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ أَنَّ مَعْنَاهَا إلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ إلَهٌ وَكَذَلِكَ لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ فَإِنَّهُ عَالِمٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنَّا نَجِدُ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ التَّكَلُّمَ بِقَدْرِهِ مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ وَإِذَا بَقِيَ التَّكَلُّمُ صِيغَةً بَقِيَ بِحُكْمِهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِ التَّكَلُّمِ بَلْ يَجِبُ الْمُعَارَضَةُ بِحُكْمِهِ فَامْتِنَاعُ الْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ التَّكَلُّمِ سَائِغٌ، فَأَمَّا انْعِدَامُ التَّكَلُّمِ مَعَ وُجُودِهِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» لَمَّا تَنَاوَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُسَاوِيَ مِنْ الْجَمِيعِ بَقِيَ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي وَهُوَ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسَاوٍ لِبَدَلِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ الْقَلِيلَ بِالطَّعَامِ وَلَا الْكَثِيرَ بِمَا لَيْسَ بِمُسَاوٍ لَهُ، وَكَذَا صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا ثَوْبًا لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مُعَارَضَةً أَيْضًا بَلْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ حَقِيقَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ مَجَازٌ فَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا إذْ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ مِنْ الْمُجَانَسَةِ فَوَجَبَ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْقِيمَةِ لِيَثْبُتَ الْمُجَانَسَةُ وَيَتَحَقَّقَ الِاسْتِخْرَاجُ كَمَا هُوَ حَقِيقَتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلهُ مُعَارَضَةً إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَيْضًا، وَإِذَا وَجَبَ رَدُّ الثَّوْبِ إلَى الْقِيمَةِ تَصْحِيحًا لِلِاسْتِثْنَاءِ لَا ضَرُورَةَ إلَى جَعْلِهِ مُعَارَضَةً بَلْ يُجْعَلُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى فَيَثْبُتُ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُعَارَضَةً.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا قَالُوا الِاسْتِثْنَاءُ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَلَا نَصَّ فِيهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَكِنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا عَلَى الْخِلَافِ بِمَسَائِلَ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيَانَةِ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ لَا بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا الِاسْتِثْنَاءُ اسْتِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تُكُلِّمَ بِهِ وَقَالُوا أَيْضًا الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا وَالْمُعَارَضَةُ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْكَلَامِ وَهُوَ غَيْرُ اسْتِخْرَاجِ بَعْضِ الْكَلَامِ وَالتَّكَلُّمِ.
وَقَالَ وَإِنَّمَا حَمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى جَعْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفَةً إشْكَالَاتٌ يَتَرَاءَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
١ -
قَوْلُهُ (إنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوجِبٌ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ لَمَا جَعَلُوهُ كَذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حُكْمًا عَلَى ضِدِّ مُوجِبِ أَصْلِ الْكَلَامِ يُعَارِضُ الِاسْتِثْنَاءُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَوْ الرَّاءُ بِالْفَتْحِ أَيْ يُعَارَضُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ اخْتِصَارًا لِدَلَالَةِ الصَّدْرِ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وَفِي مَوْضِعٍ: ﴿إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١] ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ مِنْ الْإِثْبَاتِ فَكَانَ نَفْيًا وَالِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مِنْ النَّفْيِ فَكَانَ إثْبَاتًا.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ كَلِمَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَقَوْلُهُ لَا إلَهَ نَفْيٌ لِلْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ إلَّا اللَّهُ إثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَبِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صَارَتْ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَا تَبْقَى كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا جُعِلَ دَاخِلًا عَلَى التَّكَلُّمِ لِيَمْنَعَ الْبَعْضَ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْإِثْبَاتِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِالنَّفْيِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ لَا بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لَهُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ تَوْحِيدًا.
وَلَا يَعْنِي بِهِ نَفْيَ مَا هُوَ ثَابِتٌ أَوْ إثْبَاتَ مَا لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إلَهًا وَلَا يَكُونُ وَاَللَّهُ تَعَالَى إلَهٌ أَزَلًا وَأَبَدًا وَإِنَّمَا يَعْنِي بِالنَّفْيِ التَّبَرُّؤَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ وَبِالْإِثْبَاتِ الْإِقْرَارَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْحِيدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ إذَا جُعِلَ
следующие страницы →