Полный текст (1 522 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَاتُهُ وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ عَزِيمَةً وَبِلَا حِفْظٍ رُخْصَةً وَالْعَزِيمَةُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَالرُّخْصَةُ أَنْوَاعٌ مَا يَكُونُ بِخَطٍّ مُوَثَّقًا بِيَدِهِ لَا يَحْتَمِلُ تَبْدِيلًا وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ لِرَجُلٍ ثِقَةٍ مُوَثَّقٍ بِيَدِهِ وَمَا يَكُونُ بِخَطِّ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْحَدِيثِ وَالصُّكُوكِ وَدِيوَانِ الْقَاضِي، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ التَّزْوِيرِ وَعَمِلَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ إنْ كَانَ لِهَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَمْ يَحِلَّ الْعَمَلُ بِهِ فِي الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ بِالْمَظَالِمِ وَحُقُوقِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ جَائِزٌ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلَ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ وَيُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَالْمَحْفُوظُ بِيَدِ الْأَمِينِ مِثْلُ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ، وَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ اسْتِحْسَانًا تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ إذَا أَحَاطَ عِلْمًا بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يَلْحَقْهُ شَكٌّ وَشُبْهَةٌ وَالْغَلَطُ فِي الْخَطِّ نَادِرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَّا بِعِلْمٍ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ شَبَهًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا فَبِصُورَةِ الْخَطِّ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ بَلْ يَقَعُ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِالْجَدِّ فِي الْحِفْظِ فَلَا يَلْغُو اعْتِبَارُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِنِسْيَانٍ يَكُونُ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ، وَمَا فَسَدَ دِينٌ مِنْ الْأَدْيَانِ إلَّا بِالْبِنَاءِ عَلَى الصُّوَرِ دُونَ الْمَعَانِي، أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نَقْبَلُ رِوَايَةَ الْأَخْرَسِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْقُولَةٌ لِضَرْبِ شُبْهَةٍ فِيهَا يَقَعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا فَاعْتَبَرْنَاهَا وَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِهَا النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فِي حَقِّهِ.
وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَاهُ يَعْنِي مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَزِيمَةَ إلَّا أَنَّ مَا قَالَاهُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ أَيْضًا بَلْ هُوَ رُخْصَةٌ وَلِلرُّخْصَةِ مَجَالٌ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ دَوَامِ الْحِفْظِ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ التَّبْلِيغِ قَدْ سَقَطَ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ.
وَكَذَا الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ، وَالْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ فَلَمَّا كَانَ لِلرُّخْصَةِ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ أَيْ مَعَ الْحِفْظِ أَوْ لِأَجْلِ الْحِفْظِ عَزِيمَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ أَيْ صَارَتْ الْكِتَابَةُ الَّتِي عَاقِبَتُهَا الْحِفْظُ وَالتَّذَكُّرُ عَزِيمَةً الضَّمِيرُ فِي بِيَدِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ رَاجِعٌ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي بِخَطِّهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ يُوجَدُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ الَّذِي لَا يُفِيدُ تَذَكُّرًا فِي دِيوَانِ الْقَاضِي الدِّيوَانُ الْجَرِيدَةُ، مِنْ دَوَّنَ الْكُتُبَ إذَا جَمَعَهَا؛ لِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ الْقَرَاطِيسِ مَجْمُوعَةٌ وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ أَيْ رَتَّبَ الْجَرَائِدَ لِلْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَيْ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ حَادِثَةٍ، وَلِهَذَا يَكْتُبُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّسْيَانِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّحَرُّزُ عَنْ النِّسْيَانِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْكِتَابِ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ فِي قَمْطَرَةٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ أَوْ بِيَدٍ أَمِينَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ يَدٌ مُغَيِّرَةٌ وَلَا زَائِدَةٌ فِيهِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ فَجَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّذَكُّرُ وَعَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ فِي الْأَحَادِيثِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْخَطُّ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّذَكُّرِ وَالْحِفْظِ فَلَوْ شَرَطْنَا التَّذَكُّرَ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ لَا مَحَالَةَ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ أَيْ دِيوَانِ الْقَاضِي غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ أَيْ لِاتِّصَالِهِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ يَعْنِي دِيوَانَ الْقَاضِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَظَالِمِ وَهِيَ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ عِنْدَ الظَّالِمِ.
وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا مَأْمُونًا عَنْ التَّبْدِيلِ وَالْغَلَطِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَعُودُ بِتَغْيِيرِهِ نَفْعٌ إلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ فَكَانَ الْمَحْفُوظُ مِنْهُ بِيَدِ أَمِينٍ مِثْلَ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ فَيَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ؛ لِأَنَّ الصَّكَّ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ فَلَا يَحْصُلُ الشَّهَادَةُ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ الْحَادِثَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ لِوُقُوعِ
стр. 772
بَقِيَ فَصْلٌ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْخَطُّ الْمَجْهُولُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ
ــ
[كشف الأسرار]
الْأَمْنِ حِينَئِذٍ عَنْ التَّبْدِيلِ كَالسِّجِلِّ الَّذِي فِي يَدِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ فِيهَا بِالْخَطِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ يَثْبُتُ بِالْخَطِّ وَالْخَطُّ قَلَّمَا يُشْبِهُ الْخَطَّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا خَلَقَ الْأَجْسَامَ مُتَفَاوِتَةً إظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ خَلَقَ الْأَفْعَالَ كَذَلِكَ فَالْخَطُّ لَا يُشْبِهُ الْخَطَّ إلَّا نَادِرًا وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ؛ فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (بَقِيَ فَصْلٌ) يَعْنِي بَقِيَ فَصْلٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ كِتَابًا بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ إلَى آخِرِهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ وَنَوْعٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْوِجَادَةُ وَتِلْكَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا فَإِذَا احْتَاجَ إلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ سَمَاعٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ أَوْ سَمَاعِ شَيْخٍ ثِقَةٍ مَعْرُوفٍ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ سَمَاعُهُ الثَّابِتُ وَيَجِبُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ أَوْ يُورِدَهُ فِي كِتَابِهِ وَرِوَايَتِهِ يَقُولُ وَجَدْت فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ وَسَمَاعِهِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ أَوْ وَجَدْت فِي سَمَاعِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ نَفْسِهِ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَهَذَا فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ الْغَيْرِ وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا كَانَ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْكِتَابِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ كِتَابًا حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَيَقُولَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَهُنَا كَذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ أَوْ فِي كِتَابِ فُلَانٍ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ التُّهْمَةِ هَكَذَا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ ﵀.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ الَّتِي هِيَ مَشْهُورَةٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ لَا بَأْسَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَفَهِمَ شَيْئًا مِنْهَا وَكَانَ مُتْقِنًا فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ قَالَ فُلَانٌ كَذَا أَوْ مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّهَا مُسْتَفِيضَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُوقَفُ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا مُعْتَمَدًا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّصْحِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْمُسْتَصْفَى إذَا رَأَى مَكْتُوبًا بِخَطِّ ثِقَةٍ أَنِّي سَمِعْت عَنْ فُلَانٍ كَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ هَذَا نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ؛ فَإِنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ، أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا خَطِّي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ كَالْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا إذَا قَالَ عَدْلٌ هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ نُسَخِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا فَرَأَى فِيهِ حَدِيثًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ وَلَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُجْتَهِدَ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ إذَا عَلِمَ صِحَّةَ النُّسْخَةِ بِقَوْلِ عَدْلٍ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ صُحُفَ الصَّدَقَاتِ إلَى الْبِلَادِ وَكَانَ الْخَلْقُ يَعْتَمِدُونَ تِلْكَ الصُّحُفَ بِشَهَادَةِ حَامِلِي الصُّحُفِ بِصِحَّتِهَا دُونَ أَنْ يَسْمَعَهَا
стр. 773
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ التَّزْوِيرُ فِي مِثْلِهِ وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ يَقَعُ بِهَا التَّعْرِيفُ فَيَكُونُ كَالْمَعْرُوفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا طَرَفُ التَّبْلِيغِ فَقِسْمَانِ أَيْضًا عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَالنَّقْلُ إلَى اللَّفْظِ يَخْتَارُهُ النَّاقِلُ.
بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا رُخْصَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَظُنُّهُ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
ــ
[كشف الأسرار]
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ سُكُونَ النَّفْسِ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْوِيَ إلَّا مَا يَعْلَمُ سَمَاعَهُ أَوَّلًا وَحِفْظَهُ وَضَبْطَهُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ حَرْفٌ فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ فَلْيَتْرُكْ الرِّوَايَةَ فَإِذَا كَانَ فِي مَسْمُوعَاتِهِ مِنْ الزُّهْرِيِّ مَثَلًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَمْ لَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَلَا أَنْ يَقُولَ قَالَ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا عَنْ عِلْمٍ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ إقْرَارًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بَلْ يَقُولُ إنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ وَفِيهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ عَيْنُهُ فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ إذْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ.
وَلَوْ غَلَبَ ظَنُّهُ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ تَجُزْ الرِّوَايَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ يَجُوزُ وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُشَاهَدَةُ مُمْكِنٌ وَتَكْلِيفُ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالصِّدْقِ مُحَالٌ فَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّيْخِ وَلَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ بِالسَّمَاعِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْوَى.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ فِي طَبَقَةِ سَمَاعٍ؛ فَإِنَّ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ فِي آخِرِ مَا سَمِعُوهُ مِنْ كِتَابٍ عَلَى شَيْخٍ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ الشَّيْخِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى الشَّيْخِ فُلَانٍ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا عَلَى أَسْمَاءِ السَّامِعِينَ أَجْمَعَ فَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ مَجْهُولٍ مَضْمُومًا إلَى سَمَاعِ جَمَاعَةٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ التَّزْوِيرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ يَخَافُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَلَظَهَرَ كَذِبُهُ إذْ النِّسْيَانُ وَعَدَمُ التَّذَكُّرِ عَلَى الْجَمَاعَةِ نَادِرٌ فَيُحْتَرَزُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ مُفْرَدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةٍ مَجْهُولَةٍ بِأَنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ، وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ خُطُوطٌ أُخَرُ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْخَطُّ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِيمَا أَظُنُّ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا مَجْهُولًا مُفْرَدًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ إلَّا إذَا كَانَ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ كَثِيرَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْخُطُوطُ مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ هَاهُنَا عَلَى الزُّورِ وَالْكَذِبِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَقَدْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلَا يَحِلُّ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَذَا فِي الْأَخْبَارِ خَاصَّةً فَأَمَّا فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، وَقَالَ ﵇ «إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ أَيْ كَتْبُ اسْمِهِ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ]
الْمُتُونُ جَمْعُ مَتْنٍ وَهُوَ مَا دُونَ الرِّيشِ مِنْ السَّهْمِ إلَى وَسَطِهِ وَاسْتُعِيرَ هَاهُنَا لِنَفْسِ الْحَدِيثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا سَمِعَ مِنْ أَحَدٍ شِعْرًا مَثَلًا ثُمَّ أَنْشَدَهُ كَمَا سَمِعَهُ يُقَالُ هَذَا شِعْرُ فُلَانٍ وَإِنْ كَانَ
стр. 774
قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» وَلِأَنَّهُ ﷺ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ سَابِقٌ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ،
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَقْرَؤُهُ لَفْظُهُ حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مُحَاكِيًا وَمُطَابِقًا لِلَّفْظِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ إذَا كَانَ لَفْظُ الرَّاوِي مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ ﵇ يُقَالُ هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﵇ وَنَقَلَهُ بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَفْظُ الرَّاوِي حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَعْنَاهُ يُقَالُ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى وَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كُلِّ كَلَامٍ.
ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ أَوْلَى فَأَمَّا نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا مَعَ شَرَائِطَ أُخَرَ سَنُبَيِّنُهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِحَالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» حَثَّ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا سَمِعَ وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» حَسَّنَ وَجْهَهُ مِنْ حَدٍّ دَخَلَ وَزَادَ فِي جَاهِهِ وَقَدَّرَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَيُرْوَى نَضَّرَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ نَعَّمَهُ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي إدْرَاكِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وَلِهَذَا يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ صَادَفْنَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَتَنَبَّهُ فِي آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ لِفَوَائِدَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا أَهْلُ الْأَعْصَارِ السَّالِفَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ السَّامِعُ عَلَى جَمِيعِ فَوَائِدِ اللَّفْظِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا ذَكِيًّا مَعَ أَنَّهُ ﵇ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَكَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ لِسَانًا وَأَحْسَنَهَا بَيَانًا فَلَوْ جَوَّزْنَا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا حَصَلَ التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِهِ ﵇ بِلَفْظٍ آخَرَ لَجَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِ الرَّاوِي أَيْضًا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ فِي لَفْظِ غَيْرِ الشَّارِعِ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ وَلَجَازَ ذَلِكَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ اجْتَهَدَ فِي تَطْبِيقِ التَّرْجَمَةِ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ تَفَاوُتٍ وَإِنْ قَلَّ، فَإِذَا تَوَالَتْ هَذِهِ التَّفَاوُتَاتُ كَانَ التَّفَاوُتُ الْآخِرُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الْآخِرِ مُنَاسَبَةٌ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ إنَّ عَامَّةَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَهَا نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ إذَا تَحَقَّقْتَهَا وَجَدْت كُلَّ لَفْظَةٍ مِنْهَا مُخْتَصَّةً بِشَيْءٍ لَا يُشَارِكُهَا صَاحِبَتُهَا فِيهِ فَمَنْ جَوَّزَ الْعِبَارَةَ بِبَعْضِهَا عَنْ الْبَعْضِ لَمْ يَسْلَمْ عَنْ الزَّيْغِ عَنْ الْمُرَادِ وَالذَّهَابِ عَنْهُ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِ الشَّيْخِ إيَّاهُ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ وَأَظُنُّهُ أَيْ أَظُنُّ هَذَا الْقَوْلَ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِاسْتِخْرَاجِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَالتَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ فِي قَوْلِهِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ التَّغْيِيرُ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ فِي تَجْوِيزِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي تَجْوِيزِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى الْخُصُوصِ لَا فِي تَجْوِيزِهِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ اللَّيْثِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا لَهُ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْك
стр. 775
وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ رُخْصَةً لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِكَذَا وَنَهَانَا عَنْ كَذَا، وَمَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَذَا أَوْ نَحْوًا مِنْهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ وَإِنَّمَا النَّظْمُ لِمَعْنَاهُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ،
ــ
[كشف الأسرار]
قَالَ ﷺ إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا وَلَا تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي الرَّشِيدِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَوْرَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ عِلْمِ الرِّوَايَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى رِوَايَتِهِمْ بَعْضَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِأَلْفَاظِهِمْ مِثْلِ مَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» الْحَدِيثَ.
وَمَا رَوَى «أَبُو مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» وَمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «أَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» وَمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» وَمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ» وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً» وَمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى فَحَكَوْا مَعَانِيَ خِطَابِهِ ﵇ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى لَفْظِهِ إذْ لَمْ يَقُولُوا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ افْعَلُوا كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلُوا كَذَا، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ أَيْضًا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ الَّذِي جَرَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَدَعَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ بَعْدَنَا أَحَدًا أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا» وَرُوِيَ لَقَدْ ضَيَّقْت وَاسِعًا لَقَدْ مَنَعْتَ وَاسِعًا وَمِثْلَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً، مَكَانَ نَضَّرَ اللَّهُ وَرُوِيَ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ مَكَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ نَحْوًا مِنْهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ وَلَا دَفَعَهُمْ دَافِعٌ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا، وَبِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَخْبَارَ مَا كَانُوا يَكْتُبُونَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَمَا كَانُوا يُكَرِّرُونَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَلْ كَمَا سَمِعُوهَا تَرَكُوهَا وَمَا ذَكَرُوهَا إلَّا بَعْدَ الْأَعْصَارِ وَالسِّنِينَ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِتَعَدُّدِ رِوَايَتِهَا عَلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الشَّرْعِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ، وَإِذَا جَازَ إبْدَالُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْدَالُهَا بِعَرَبِيَّةٍ أُخْرَى أَوْلَى إذْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَتِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَمِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَفْسِيرِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْقَلْ بِلَفْظِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَوْ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِلَفْظٍ آخَرَ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ يَبْقَى حُجَّةً قُلْنَا لِأَنَّ سُفَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُبَلِّغُونَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ إلَى الْبِلَادِ بِلُغَتِهِمْ وَيُعَلِّمُونَهُمْ الشَّرْعَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ جَوَازُ التَّفْسِيرِ بِلُغَةٍ أُخْرَى لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي التَّفْسِيرِ ضَرُورَةً إذْ الْعَجَمِيُّ لَا يَفْهَمُ اللَّفْظَ الْعَرَبِيَّ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَلَا تَرَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ جَائِزٌ وَلَمْ يَجُزْ
стр. 776
وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْوَاعٌ: مَا يَكُونُ مُحْكَمًا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ، وَظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَوْ حَقِيقَةً يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، وَمُشْكِلٌ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَمُجْمَلٌ أَوْ مُتَشَابِهٌ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ قَالَ ﵇ فِيمَا يَحْكِي مِنْ اخْتِصَاصِهِ «وَأُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ» فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ لَهُ بَصَرٌ بِوُجُوهِ اللُّغَةِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْكَمًا مُفَسَّرًا أُمِنَ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوهِ اللُّغَةِ فَثَبَتَ النَّقْلُ رُخْصَةً وَتَيْسِيرًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ضَرْبٌ مِنْ الرُّخْصَةِ مَعَ أَنَّ النَّظْمَ مُعْجِزٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵇ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَهَذِهِ رُخْصَةُ تَخْفِيفٍ وَتَيْسِيرٍ مَعَ قِيَامِ الْأَصْلِ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ تَقْسِيمُهُ فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ إلَّا لِمَنْ حَوَى إلَى عِلْمِ اللُّغَةِ فِقْهَ الشَّرِيعَةِ (كَشْفٌ) وَالْعِلْمَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ (ثَالِثٌ) كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ مَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ الْمَنْقُولُ مِنْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ وَلَعَلَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ الْمُرَادُ وَلَعَلَّهُ يَزِيدُهُ عُمُومًا فَيُخِلُّ بِمَعَانِيهِ فِقْهًا وَشَرِيعَةً.
ــ
[كشف الأسرار]
نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ اعْتِبَارَ النَّقْلِ بِالتَّفْسِيرِ لَا يَصِحُّ، وَبِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ كَالشَّهَادَةِ.
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَذْكُرُ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَعْنَى وَهُوَ حَاصِلٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَالشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِيهَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ صَحَّ أَدَاؤُهَا بِالْمَعْنَى وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشُّهُودِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا مَقْصُودٌ كَالْمَعْنَى حَتَّى تَعَلَّقَ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بِالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ إلَى آخِرِهِ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا.
قَوْلُهُ (وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى. مَا يَكُونُ مُحْكَمًا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وَضَعَ لَهُ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فِي ذَاتِهِ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُحْكَمَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ إنَّمَا جَازَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا مُفَسَّرًا بِأَنْ قَالَ قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ مَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْهُ جَلَسَ، أَوْ أَقَامَ لَفْظَ الْعِلْمِ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ الِاسْتِطَاعَةَ مَكَانَ الْقُدْرَةِ أَوْ الْحَظْرَ مَقَامَ التَّحْرِيمِ وَنَحْوِهَا. جَوَامِعُ الْكَلِمِ هِيَ الْأَلْفَاظُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ وَالْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ وَاخْتَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «فُضِّلْت بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ. وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصُ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵇ أَيْ دُعَائِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لِأُبَيٍّ ﵁ يَا أُبَيَّ أُرْسِلَ إلَيَّ أَنْ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْت أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصَ الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رُخْصَةُ إسْقَاطٍ أَيْ رُخْصَةٌ لَازِمَةٌ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ مِثْلُ رُخْصَةِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ وَرُخْصَةِ الْمَسْحِ لِلَابِسِ الْخُفِّ فَلَمْ يَبْقَ لُزُومُ رِعَايَةِ النَّظْمِ الْمُنَزَّلِ أَوَّلًا مَشْرُوعًا وَلَمْ تَبْقَ لَهُ أَوْلَوِيَّةٌ بَلْ سَاوَى الْأَحْرُفَ الْبَاقِيَةَ فِي الْقُرْآنِيَّةِ وَإِحْرَازِ الثَّوَابِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ لَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَحْرُفِ أَصْلًا وَالْبَاقِي رُخْصَةً.
وَهَذِهِ أَيْ الرُّخْصَةُ الثَّابِتَةُ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ رُخْصَةُ تَيْسِيرٍ وَتَخْفِيفٍ حَتَّى كَانَ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ وَهُوَ النَّقْلُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ كَأَوْلَوِيَّةِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ الْإِفْطَارِ وَأَوْلَوِيَّةِ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهُ فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ أَيْ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (مِنْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ) بَيَانٌ لِمَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ إلَى عِبَارَةٍ لَا تَكُونُ فِي احْتِمَالِ الْخُصُوصِ وَالْمَجَازِ مِثْلِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا مِنْ الْمُؤَكِّدَاتِ مَا يَقْطَعُ احْتِمَالَ
стр. 777
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَا يُخِلُّ فِيهِ النَّقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ النَّقْلُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَا يُفْهَمُ مُرَادُهُ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ وَالْمُتَشَابِهَ مَا انْسَدَّ عَلَيْنَا بَابُ دَرْكِهِ وَابْتُلِينَا بِالْكَفِّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْخَامِسُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِمَعَانٍ قَدْ يَقْصُرُ عَنْهَا عُقُولُ ذَوِي الْأَلْبَابِ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَيُعَدَّ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ هَذَا أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْخُصُوصِ إنْ كَانَتْ عَامَّةً وَالْمَجَازِ إنْ كَانَتْ حَقِيقَةً وَلَعَلَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ الْمُرَادُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَمُوجِبُهُ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ لَكِنْ الْمُرَادُ مِنْهُ مُحْتَمَلُهُ وَهُوَ الْخُصُوصُ إذْ الْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ لَيْسَا بِمُرَادَيْنِ مِنْهُ لِمَا عُرِفَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاقِلِ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا كُلُّ مَنْ ارْتَدَّ فَاقْتُلُوهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» فَإِنَّ مُوجِبَهُ وَحَقِيقَتَهُ نَفْيُ الْجَوَازِ وَمُحْتَمَلُهُ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ وَالْمُحْتَمَلُ هُوَ الْمُرَادُ لِدَلَائِلَ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النَّاقِلُ بِالْمَعْنَى فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَا يَبْقَى فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا لَا يَجُوزُ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُ أَيْ النَّاقِلُ يُرِيدُهُ عُمُومًا بِأَنْ يَذْكُرَ جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَقَامَ جَمْعِ الْقِلَّةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ الطَّائِفَةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجِنْسِ مَقَامَ الْعَامِّ صِفَةً وَمَعْنًى.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُشْكِلُ وَالْمُشْتَرَكُ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ إيجَادُ الطَّلَاقِ أَوْ إظْهَارُ الطَّلَاقِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» فَإِنَّ التَّفَرُّقَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ فِي الْقَوْلِ وَالْبَدَنِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي ﵀.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ) وَهُوَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ أَيْ فِي نَقْلِهِ بِالْمَعْنَى الْغَلَطُ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِهِ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى وَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا وَسِعَهُ كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّنَّةِ لِأَلْفَاظِهَا وَلَا يُمْكِنُ دَرْكُ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَرْكِ الْمَعَانِي فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِ اللَّفْظِ فَكُلِّفَ بِمَا كَانَ فِي وُسْعِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» أَيْ غَلَّةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى الْحَاصِلَةُ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ طَيِّبَةٌ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الرَّدِّ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ كَذَا فِي لَبَاتَ الْغَرْبِيِّينَ.
وَفِي الْفَائِقِ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خَرَاجُهُ فَخَرَاجُ الشَّجَرِ ثَمَرُهُ، وَخَرَاجُ الْحَيَوَانِ دَرُّهُ وَنَسْلُهُ.
قَوْلُهُ ﵇ «الْغُرْمُ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ» «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ ظَاهِرَةَ الْمَعْنَى يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَجُوزُ نَقْلُ سَائِرِ الظَّوَاهِرِ وَلَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِعِلْمِ اللُّغَةِ وَفِقْهِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِي نَقْلِهِ عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ يُخِلُّ بِمَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّ هَذَا أَيْ عَدَمَ الْجَوَازِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْكَلَامِ أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا النَّظْمِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» أَيْ خُصِّصْت بِهَا فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ بَعْدَهُ عَلَى مَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ وَلَكِنْ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ وَفِي وُسْعِهِ نَقْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا إلَى غَيْرِهِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ بِيَقِينٍ، وَإِذَا نَقَلَهُ إلَى عِبَارَتِهِ لَمْ نَأْمَنْ الْقُصُورَ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ بِهِ وَنَتَيَقَّنُ بِالْقُصُورِ فِي النَّظْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ هُوَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا
стр. 778
(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)
وَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: مَا هُوَ صِدْقٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَهُوَ خَبَرُ الرَّسُولِ ﵇ وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَوَاتِرُ مِنْهُ، وَقِسْمٌ فِيهِ شُبْهَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ تَرْجِيحُ جَانِبِ صِدْقِهِ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ عَارَضَ دَلِيلَ رُجْحَانِ الصِّدْقِ مِنْهُ مَا أَوْجَبَ وَقْفَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَسْقُطُ بِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ الْخَبَرُ الْمَطْعُونُ الَّذِي رَدَّهُ السَّلَفُ وَأَنْكَرُوهُ وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَحِقَهُ الطَّعْنُ وَالنَّكِيرُ مِنْ رَاوِي الْحَدِيثِ وَنَوْعٌ آخَرُ مَا لَحِقَهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الرَّاوِي.
وَهَذَا (بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)
وَهَذَا النَّوْعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا أَنْكَرَهُ صَرِيحًا، وَالثَّانِي أَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ أَوْ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُ تَارِيخَهُ،
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا سَمِعَهَا.
وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا إنَّ النَّبِيَّ ﵇ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ؛ لِأَنَّا لَمْ نُجَوِّزْ النَّقْلَ فِي الْجَوَامِعِ وَلَا فِيمَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ إنَّمَا جَوَّزْنَاهُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَالِمًا بِأَوْضَاعِ الْكَلَامِ أَوْ فِيمَا لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ جَامِعًا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ عَادَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا تَمَسُّك لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَمَا سَمِعَ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلَى نَقْلِ الْمَعْنَى أَيْضًا فَإِنَّ الشَّاهِدَ أَوْ الْمُتَرْجِمَ إذَا أَدَّى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ يُقَالُ إنَّهُ أَدَّى كَمَا سَمِعَ وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّأْدِيَةَ حَسَبَ مَا سَمِعَ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِرُجُوعِ الضَّمَائِرِ إلَى الْمُقَابَلَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْمَنْعِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ دَعَا لِمَنْ حَفِظَ اللَّفْظَ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيهِ لَا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى]
(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى) قُسِّمَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ بَابِ بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَاهُ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَشَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّقْسِيمُ رَاجِعًا إلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا فِي الْقُوَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى إذْ الْمُتَوَاتِرُ وَالْمَشْهُورُ وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى سَوَاءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُوَّةَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَا صُورِيٌّ.
قَوْلُهُ (وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ عَارَضَ دَلِيلَ رُجْحَانِ الصِّدْقِ مِنْهُ مَا أَوْجَبَ وَقْفَهُ) أَيْ عَارَضَ كَوْنَهُ حُجَّةً مُوجِبَةً لِلْعَمَلِ مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ حُجَّةٍ وَيَمْنَعُهُ عَنْ إيجَابِ الْعَمَلِ وَيَجِبُ فِيهِ التَّوَقُّفُ مِثْلُ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَنَحْوِهِ
[بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي]
(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ رَاوِيهِ)
النَّكِيرُ اسْمٌ لِلْإِنْكَارِ أَيْ يَلْحَقُهُ إنْكَارٌ مِنْ قِبَلِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَيُسَمَّى رَاوِيًا بِاعْتِبَارِ نَقْلِهِ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ وَمِنْ قِبَلِ عَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ نَقْلِ السَّامِعِ عَنْهُ، وَفِي الصِّحَاحِ النَّكِيرُ وَالْإِنْكَارُ تَغَيُّرُ الْمُنْكَرِ فَكَأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ بِالطَّعْنِ وَالتَّكْذِيبِ يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الرَّاوِي عَلَى زَعْمِهِ قَوْلُهُ (أَمَّا إذَا أَنْكَرَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ الرِّوَايَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ) ذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَمَّا إنْ أَنْكَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ إنْكَارَ جَاحِدٍ مُكَذِّبٍ بِأَنْ قَالَ مَا رَوَيْتُ لَك هَذَا الْحَدِيثَ قَطُّ أَوْ كَذَبْت عَلَيَّ أَوْ أَنْكَرَهُ إنْكَارَ مُتَوَقِّفٍ بِأَنْ قَالَ لَا أَذْكُرُ أَنِّي رَوَيْت لَك هَذَا الْحَدِيثَ أَوْ لَا أَعْرِفُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَذِبِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَدْحِ فِي الْحَدِيثِ وَلَكِنْ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِمَا لِلتَّيَقُّنِ بِعَدَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ وَوُقُوعِ الشَّكِّ فِي زَوَالِهَا فَلَا يُتْرَكُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ كَبَيِّنَتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلَا وَلَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُمَا وَفَائِدَتُهُ
стр. 779
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْضَ مَا احْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ مِنْ تَأْوِيلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ. أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ الرِّوَايَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَسْقُطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَسْقُطُ وَهُوَ فَرْعُ اخْتِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا تُقْبَلُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُقْبَلُ.
أَمَّا مَنْ قَبِلَهُ فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ حَيْثُ قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَا نَعَمْ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَذْكُرْ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِتَحْمِيلِ الْأُصُولِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ بِإِنْكَارِهِمْ، وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ» فَلَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ مَعَ عَدَالَتِهِ وَفَضْلِهِ وَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ فَتَكْذِيبُ الرَّاوِي - وَعَلَيْهِ مَدَارُهُ - أَوْلَى، وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ ذَكَرَهُ فَعَمِلَ بِذِكْرِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ فَمَا كَانَ يُقِرُّ عَلَى
ــ
[كشف الأسرار]
تَظْهَرُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْخَبَرِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ، وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ إذَا جَحَدَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَكَذَّبَ بِالْحَدِيثِ سَقَطَ الْحَدِيثُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَأَقُولُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَسْقُطَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ.
وَإِنْ قَالَ مَا رَوَيْتُهُ أَصْلًا فَيُعَارِضُهُ قَوْلُ الرَّاوِي إنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثِقَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ رَوَاهُ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَا يَسْقُطُ رِوَايَةُ الرَّاوِي بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَسْقُطُ بِهِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْكِرْ، وَمَا قِيلَ إنَّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ عُلَمَائِنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْخَبَرُ بِإِنْكَارِ رَاوِي الْأَصْلِ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زَوْجَ الْمُعْتَدَّةِ لَوْ قَالَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الْإِخْبَارَ فَعِنْدَنَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَ إنْكَارِهَا حَتَّى يَحِلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ لَا يَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ إلَّا فِي حَقِّهَا حَتَّى حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ لَهُ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا فِي الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَا لِاتِّصَالِ الْخَبَرِ بِهَا وَإِسْنَادِهِ إلَيْهَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يُضِفْ الْخَبَرَ إلَيْهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَبْلَهُ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَا نَعَمْ فَقَامَ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ حَدِيثَهُ حَتَّى عَمِلَ بِقَوْلِ النَّاسِ أَوْ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ بَعْدَ الرَّدِّ لَمَا عَمِلَ بِهِ ﵇ هَكَذَا ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَظُنُّهَا لِلشَّيْخِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ اسْمُ ذِي الْيَدَيْنِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ نَضْلَةَ وَقِيلَ اسْمُهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ ذُو الشِّمَالَيْنِ الَّذِي اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ وَاسْمُ ذُو الْيَدَيْنِ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَقِيلَ لَقَبُهُ الْخِرْبَاقُ، وَبِأَنَّ حَالَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمَلَةٌ فَإِنَّ حَالَ الْمُدَّعِي يَحْتَمِلُ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ وَحَالَ الْمُنْكِرِ يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ وَالْغَفْلَةَ إذْ النِّسْيَانُ قَدْ يَرْوِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَنْسَى بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا يَتَذَكَّرُهُ أَصْلًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ ثِقَةٌ فَكَانَ مُصَدَّقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَبْطُلُ مَا تَرَجَّحَ مِنْ جِهَةِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِ الرَّاوِي بِعَدَالَتِهِ بِنِسْيَانِ الْآخَرِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ فَحَلَّ لِلرَّاوِي الرِّوَايَةُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ إذَا أَنْكَرَ لَا يَحِلُّ لِلْفَرْعِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّحْمِيلِ فَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّحْمِيلُ وَبَقِيَ الْعِلْمُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ فَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمَاعِ دُونَ التَّحْمِيلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْحَدِيثَ
стр. 780
الْخَطَأِ، وَالْحَاكِي يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ بِأَنْ سَمِعَ غَيْرَهُ فَنَسِيَهُ وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ عَلَى
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَمْ يَحْمِلْهُ الْمُحَدِّثُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِسَمَاعِهِ حَلَّ لِلسَّامِعِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَالْمُدَّعِي مُصَدَّقٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بَقِيَ السَّمَاعُ فَحَلَّ لَهُ الرِّوَايَةُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ﵄ وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ - أَمَا تَذْكُرُ إذْ كُنَّا فِي إبِلٍ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ أَيْ تَمَرَّغْت فَصَلَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «إنَّمَا يَكْفِيَك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَك وَذِرَاعَيْك» فَلَمْ يَرْفَعْ عُمَرُ ﵁ رَأْسَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ رِوَايَتَهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ شُهُودٌ الْحَادِثَةَ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ هُوَ مَا رَوَاهُ وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِأَنَّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ يُرَدُّ الْحَدِيثُ بِأَنْ كَانَ الْخَبَرُ غَرِيبًا فِي حَادِثَةٍ مَشْهُورَةٍ فَبِتَكْذِيبِ الرَّاوِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُ أَدَلُّ عَلَى الْوَهْنِ مِنْ تَكْذِيبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَكْذِيبٌ صَرِيحًا وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ رَاجِحٌ عَلَى الدَّلَالَةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً وَمَعْمُولًا بِهِ بِالِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ ﷺ وَبِإِنْكَارِ الرَّاوِي يَنْقَطِعُ الِاتِّصَالُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ أَوْ يَصِيرُ هُوَ مُنَاقِضًا بِإِنْكَارِهِ وَمَعَ التَّنَاقُضِ لَا تَثْبُتُ الرِّوَايَةُ وَبِدُونِ الرِّوَايَةِ لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَبِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ مُغَفَّلًا وَرِوَايَةُ الْمُغَفَّلِ لَا تُقْبَلُ، وَبِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَحِلُّ لِلرَّاوِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِ الِانْقِطَاعِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِتَكْذِيبِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ الشَّفْعَ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنْ التَّقْرِيرِ عَلَى الْخَطَأِ يُعْمَلُ بِعِلْمِهِ لَا بِإِخْبَارِ أَحَدٍ.
أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِمَا لَكَانَ هَذَا تَقْلِيدًا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَذَكَّرْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ تَقْلِيدًا وَتَقْلِيدُهُ لِلْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ تَذَكَّرَ غَفْلَتَهُ عَنْ حَالِهِ لِشَغْلِ.
قَلْبٍ اعْتَرَضَ فَيُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْخَبَرِ إنَّ رَاوِيَ الْأَصْلِ يَنْظُرُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى غَلَبَةِ نِسْيَانٍ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فِي مَحْفُوظَاتِهِ قَبْلَ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رَدَّهُ وَقَلَّمَا يَنْسَى الْإِنْسَانُ شَيْئًا ضَبَطَهُ نِسْيَانًا لَا يَتَذَكَّرُ بِالتَّذْكِيرِ وَالْأُمُورُ تُبْنَى عَلَى الظَّوَاهِرِ لَا عَلَى النَّوَادِرِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ قَوْلُهُ (وَالْحَاكِي يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ النِّسْيَانُ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ يَعْنِي كَمَا يُتَوَهَّمُ نِسْيَانُ الْأَصْلِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ يُتَوَهَّمُ نِسْيَانُ الْفَرْعِ وَغَلَطُهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَعُ حَدِيثًا فَيَحْفَظُهُ وَلَا يَحْفَظُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ فُلَانٍ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَثْبُتُ الْمُعَارَضَةُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الِاحْتِمَالِ فَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يَعْلَمُ بِسَمَاعِهِ عَنْ أَمْرِ يَقِينٍ يَعْلَمُ بِتَرْكِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ سَبَبِ يَقِينٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ أَيْضًا، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَ إنْكَارُ الْأَصْلِ إنْكَارَ جُحُودٍ وَالْخُصُومُ قَدْ سَلَّمُوا فِيهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ إنْكَارُهُ إنْكَارَ مُتَوَقِّفٍ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَدْرِي فَلَا يَكُونُ الِاحْتِمَالُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُ الِاحْتِمَالِ
стр. 781
السَّوَاءِ وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ أَنَّ سُهَيْلًا سُئِلَ عَنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَكَانَ يَقُولُ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي وَمِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا نِكَاحُهَا بَاطِلٌ» رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَلَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَنْكَرَ مَسَائِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ حَكَاهَا عَنْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَذْكُرْ وَصَحَّحَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْأَصْلِ بَلْ الِاحْتِمَالُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ فَوَجَبَ قَبُولُ رِوَايَةِ الْفَرْعِ حِينَئِذٍ لِحُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ وَسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَاوِيَ الْفَرْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا بِالرِّوَايَةِ أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ جَازِمًا فَالْأَصْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا بِالْإِنْكَارِ أَوْ لَا يَكُونَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَعَارَضَا فَلَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ أَنِّي رَوَيْتُهُ أَوْ الْأَغْلَبُ أَنِّي مَا رَوَيْته أَوْ الْأَمْرَانِ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ لَا يَقُولَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَقْبُولًا فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لِكَوْنِ الْفَرْعِ جَازِمًا، وَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ غَيْرَ جَازِمٍ بَلْ يَقُولُ أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْته مِنْكَ فَإِنْ جَزَمَ الْأَصْلُ أَبَى مَا رَوَيْته لَك تَعَيَّنَ الرَّدُّ، وَإِنْ قَالَ أَظُنُّ أَنِّي مَا رَوَيْته لَك تَعَارَضَا وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَى سَائِرِ الْأَقْسَامِ فَالْأَشْبَهُ قَبُولُهُ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَوْلُ الْأَصْلِ مُعَادِلًا لِقَوْلِ الْفَرْعِ تَعَارَضَا، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الرَّاجِحُ قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ حَدِيثُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ لَقِيت سُهَيْلًا فَسَأَلْته عَنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، فَأَصْحَابُنَا لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ لِانْقِطَاعِهِ بِإِنْكَارِ سُهَيْلٍ وَتَمَسَّك بِهِ بَعْضُ مَنْ قَبِلَ هَذَا النَّوْعَ فَقَالَ لَمَّا قَالَ سُهَيْلٌ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي وَشَاعَ وَذَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ بَعْدَ النِّسْيَانِ حَدَّثَنِي الْفَرْعُ عَنِّي وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا جَوَازَهُ.
١ -
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ) رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِنَذْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» الْحَدِيثَ. فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ ابْنَ شِهَابٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ كَذَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَلَمَّا رَدَّهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى الْقَاضِي يَقْضِيه وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفَاقِ قَوْلِهِمَا إلَى أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ لِأَحَادِيثَ أُخَرَ وَرَدَ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا» .
وَقَوْلُهُ ﵇ «كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعٌ فَهُوَ سِفَاحٌ خَاطِبٌ وَوَلِيٌّ وَشَاهِدَا عَدْلٍ» وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَنَحْوُهَا إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ عِنْدَهُمَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا لِمُعَارَضَتِهَا بِأَحَادِيثَ أُخَرَ مِثْلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا بِرِضَاهَا فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهُمَا فَخَاصَمُوهَا إلَى عَلِيٍّ فَأَجَازَ النِّكَاحَ.
وَقَوْلُهُ ﵇ «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ
стр. 782
وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ رِوَايَتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ لَمْ يَكُنْ جَرْحًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالْحَدِيثِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِ، وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ مِمَّا هُوَ خِلَافٌ بِيَقِينٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَرْحٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا فَقَدْ سَقَطَ بِهِ رِوَايَتُهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ
ــ
[كشف الأسرار]
الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْأَسْرَارِ وَشَرْحِ الْآثَارِ وَالْمَبْسُوطِ، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ نَقْلًا عَنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ سَيْفِ الْحَقِّ وَالدِّينِ الْبَاخَرْزِيِّ ﵀ أَنَّ مَدَارَ حَدِيثِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الدِّمَشْقِيِّ صَاحِبِ الْمَنَاكِيرِ ضَعَّفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثُمَّ السُّؤَالُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الِالْتِمَاسِ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْهِ بِنَفْسِهِ يُقَالُ سَأَلْتُهُ الرَّغِيفَ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْسَارِ يَتَعَدَّى إلَى الْأَوَّلِ بِنَفْسِهِ وَإِلَى الثَّانِي بِعَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] ، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فَعَرَفْت بِهَذَا أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ فِي قَوْلِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهَا وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَسَأَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا وَجْهَ لَهُ بَلْ الصَّوَابُ وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ إنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْأَحَادِيثِ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ يَتَوَقَّعُ مِنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ كِتَابًا فَصَنَّفَ مُحَمَّدٌ كِتَابَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَسْنَدَهُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِوَاسِطَةِ أَبُو يُوسُفَ ﵏ فَلَمَّا عُرِضَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ اسْتَحْسَنَهُ.
وَقَالَ حَفِظَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَّا مَسَائِلَ خَطَّأَهُ فِي رِوَايَتِهَا عَنْهُ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا قَالَ بَلْ حَفِظْتُهَا وَنَسِيَ هُوَ فَلَمْ يَقْبَلْ أَبُو يُوسُفَ شَهَادَةَ مُحَمَّدٍ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى إخْبَارِهِ عَنْهُ، وَصَحَّحَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ أَيْ أَصَرَّ عَلَى مَا رُوِيَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ بِإِنْكَارِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَسْقُطُ الْخَبَرُ بِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فَقِيلَ هِيَ ثَلَاثٌ وَقِيلَ هِيَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ سِتٌّ وَالِاخْتِلَافُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْعَرَضِ وَجَمِيعُهَا مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ) عَمَلُ الرَّاوِي بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَوْ فَتْوَاهُ بِخِلَافِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ، أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ الرِّوَايَةِ، أَوْ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا بِيَقِينٍ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ الْخَبَرِ بِوَجْهٍ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ جَرْحًا فِي الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَذْهَبُهُ وَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ الْخِلَافَ بِالْحَدِيثِ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ مُعْتَقِدِينَ إبَاحَتَهَا فَلَمَّا بَلَغَهُمْ انْتَهَوْا عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ أَوْ الْفَتْوَى مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَذَلِكَ خِلَافُ يَقِينٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْ الْخِلَافَ جَرْحٌ فِيهِ أَيْ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ خِلَافَهُ إنْ كَانَ حَقًّا بِأَنْ خَالَفَ لِلْوُقُوفِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ، فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ أَوْ مَا هُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ سَاقِطُ الْعَمَلِ وَالِاعْتِبَارِ.
وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا بِأَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالْحَدِيثِ أَوْ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَقَدْ سَقَطَتْ بِهِ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَكَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُغَفَّلًا وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الرِّوَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا صَارَ فَاسِقًا بِالْخِلَافِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي قَبُولِ مَا رُوِيَ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ الرِّوَايَةِ، قُلْنَا قَدْ بَلَغَ الْحَدِيثُ إلَيْنَا
стр. 783
- ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَهُوَ بَاطِلٌ» ثُمَّ إنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَائِبٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ سَقَطَ بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَمَا ثَبَتَ فِسْقُهُ وَلَا بُدَّ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا رَوَاهُ فِي الْحِلِّ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ فَإِذَا لَمْ يُحْتَرَزْ ظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إسْقَاطُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَوْتِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ كَانَا ثَابِتَيْنِ قَطْعًا فَلَا يُظْهِرُ الْمَوْتُ وَالْجُنُونُ عَدَمَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ أَيْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَيْهِ وَالرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِلَافُ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ إلَيْهِ كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ قَوْلُهُ.
(وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ بْنَ زُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ كَانَ غَائِبًا بِالشَّامِ فَلَمَّا قَدِمَ غَضِبَ، وَقَالَ أَمِثْلِي يُصْنَعُ بِهِ هَذَا وَيُفْتَاتُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَوَتَرْغَبُ عَنْ الْمُنْذِرِ ثُمَّ قَالَتْ لِلْمُنْذِرِ لَتُمَلِّكَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهَا فَقَالَ الْمُنْذِرُ إنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا كُنْت أَرُدُّ أَمْرًا قَضَيْتِيهِ فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَهُ فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ تَزْوِيجَهَا بِنْتَ أَخِيهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَائِزٌ وَرَأَتْ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى أَجَازَتْ فِيهِ التَّمْلِيكَ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ تَرَى ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ مَا رَوَتْ فَثَبَتَ فَسَادُ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ الْآثَارِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ جَوَّزَتْ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا انْعَقَدَ بِعِبَارَةِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنْ النِّسَاءِ فَلَأَنْ يَنْعَقِدَ بِعِبَارَتِهَا أَوْلَى فَيَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ بِخِلَافِ مَا رَوَتْ، أَوْ يُقَالُ لَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ اعْتَقَدَتْ جَوَازَ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ النِّكَاحَ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ مَلَكَ النِّكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ) رَوَى جَابِرٌ عَنْ «سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَأَلَهُ جَابِرٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَقَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ» ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ مُجَاهِدٌ صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَعَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ نَسْخِهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرَ طَاوُسٌ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُ مَا يُوَافِقُ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ قُلْنَا يَجُوزُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ طَاوُسٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنَسْخِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدَمَا عَلِمَ بِهِ وَفَعَلَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ وَيُنْفَى عَنْهُمْ الْوَهْمُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ أَكْبَرُ
стр. 784
وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ فَرُدَّ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْجَرْحُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَلَامِ لُغَةً لَا يَبْطُلُ بِتَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَحَمْلُهُ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ افْتِرَاقَ الْأَقْوَالِ وَهُوَ مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالِاشْتِرَاكُ لُغَةً لَا يَسْقُطُ بِتَأْوِيلِهِ وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُتْرَكُ عُمُومُ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ وَتَخْصِيصِهِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ حَرَامٌ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الرِّوَايَاتِ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ) أَيْ مُحْتَمَلَاتِ الْحَدِيثِ بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فَعَمِلَ بِخُصُوصِهِ دُونَ عُمُومِهِ أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ بِمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ فَعَمِلَ بِأَحَدِ وُجُوهِهِ فَذَلِكَ رَدٌّ مِنْهُ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا أَيْ بِعَمَلِ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَتَعْيِينِهِ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْحَدِيثُ وَبِتَأْوِيلِهِ لَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَاحْتِمَالُهُ لِلْمَعَانِي لُغَةً وَتَأْوِيلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَكُونُ اجْتِهَادُهُ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّأَمُّلُ وَالنَّظَرُ فِيهِ فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ وَجْهٌ وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا وَقَعَ التَّفَرُّقُ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا قَالَ بِعْتُ وَالْمُشْتَرِي إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ فَقَدْ تَفَرَّقَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَانْقَطَعَ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِيَارِ إبْطَالِ كَلَامِهِ بِالرُّجُوعِ وَإِبْطَالِ كَلَامِ صَاحِبِهِ بِالرَّدِّ وَعَدَمِ الْقَبُولِ.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، وَيَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ بِعْتُ عَبْدِي بِكَذَا فَلِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَقْبَلَ مَا لَمْ يُفَارِقْ صَاحِبَهُ فَإِذَا افْتَرَقَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَالثَّانِي ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا بَدَنًا فَإِذَا تَفَرَّقَا سَقَطَ الْخِيَارُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ رَاوِيهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، وَلِهَذَا كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا وَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ قَامَ يَمْشِي ثُمَّ يَرْجِعُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي احْتِمَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا لَفْظًا فَلَا يَبْطُلُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِتَأْوِيلِهِ وَكَانَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ بِمَا اتَّضَحَ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» أَيْ دِينَ الْحَقِّ فَكَلِمَةُ مَنْ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَقَدْ خَصَّهُ الرَّاوِي بِالرِّجَالِ عَلَى مَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، فَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ يُوَافِقُنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَنَا فِي حَدِيثِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَأَثْبَتَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لَا لِتَأْوِيلِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا خَصَصْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ بِالرِّجَالِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُرْتَدَّةِ وَغَيْرِهَا لَا لِتَخْصِيصِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا الْحَدِيثَ بِالرِّجَالِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَرَامٌ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخِلَافِهِ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ هُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِالْعَمَلِ بِمَا يُوجِبُهُ الْحَدِيثُ وَلَا بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ كَانَ هَذَا امْتِنَاعًا عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ كَانَ هَذَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ إلَّا أَنَّ كِلَيْهِمَا فِي التَّحْقِيقِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ
стр. 785
(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ) وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الطَّعْنِ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقِسْمٌ مِنْهُ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَمَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَقَعَ الطَّعْنُ مُبْهَمًا بِلَا تَفْسِيرٍ أَوْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِسَبَبِ الْجَرْحِ فَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِمَّا يَصْلُحُ الْجَرْحُ بِهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ فَإِنْ صَلَحَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُجْتَهَدًا فِي كَوْنِهِ جَرْحًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّاعِنُ مَوْصُوفًا بِالْإِتْقَانِ وَالنَّصِيحَةِ أَوْ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْعَدَاوَةِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فَقَدْ حَلَفَ عُمَرُ أَنْ لَا يَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ مِنْ خَطِّ الْأَئِمَّةِ وَمَبْنَاهُ عَلَى الشُّهْرَةِ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَلَوْ صَحَّ لَمَا خَفِيَ وَهَذَا لِأَنَّا تَلَقَّيْنَا الدِّينَ مِنْهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِسَاخِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّرْكَ فِعْلٌ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِفِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْخِلَافِ أَيْضًا، وَلِهَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ تَرْكَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقَبِيلَيْنِ.
وَرَأَيْت فِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ إذَا خَصَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ لِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْمَصِيرُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ التَّمَسُّكَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الرَّاوِي إذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْ الظَّاهِرِ حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ مِنْ حَدِيثِ الِافْتِرَاقِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ عَلِمَ قَصْدَ النَّبِيِّ ﵇ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ضَرُورَةً وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّاوِي وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ جَلِيٍّ لَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ وَتَأْوِيلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلٍ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ مُجْمَلًا وَبَيَّنَهُ الرَّاوِي فَإِنَّ بَيَانَهُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ]
(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ لِلْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)
قَوْلُهُ (إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ يَكُونُ الْحَدِيثُ الَّذِي طَعَنَ فِيهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَنْ الطَّاعِنِ أَمْ لَا، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا لَحِقَهُ طَعْنٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَمِثْلُ مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» أَيْ حَدُّ زِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَجَعَلَ النَّفْيَ إلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الزَّانِي مُدَّةُ السَّفَرِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَلَمْ يَعْمَلْ عُلَمَاؤُنَا بِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ مُرْتَدًّا فَحَلَفَ، وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا حَلَفَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُتْرَكُ بِالِارْتِدَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ السِّيَاسَةِ
وَالْمَصْلَحَةِ
كَمَا «نَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَبِيتَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الْمَدِينَةِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّخَنُّثَ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ حَدًّا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَمَا نَفَى عُمَرُ ﵁ نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ مِنْهَا حِينَ سَمِعَ قَائِلَةً تَقُولُ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبُهَا ... أَوْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
، وَالْجَمَالُ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ وَلَكِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
فَإِنْ قَالَ مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَا ذَنْبَ لَك إنَّمَا الذَّنْبُ لِي حَيْثُ لَمْ أُطَهِّرْ دَارَ الْهِجْرَةِ عَنْك، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا سَمَّاهُ فِتْنَةً، وَهَذَا أَيْ خُرُوجُ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ حُجَّةً بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ
стр. 786
وَكَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ الْقِسْمَةِ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ عُلِمَ أَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ لَمْ تَكُنْ حَتْمًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ هُمْ شَهِدُوا بِهَا وَهُمْ نُهُوا عَنْهَا وَمَا عَنْ رَأْيِهِمْ رَغْبَةٌ وَلَا فِي نُصْحِهِمْ تُهْمَةٌ، فَإِنْ قِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَعْمَلْ بِأَخْذِ الرَّكْبِ بَلْ عَمِلَ بِالتَّطْبِيقِ وَلَمْ يُوجِبْ جَرْحًا قُلْنَا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْوَضْعَ لَكِنَّهُ رَأَى رُخْصَةً وَرَأَى التَّطْبِيقَ عَزِيمَةً وَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى إلَّا أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ عِنْدَنَا،
ــ
[كشف الأسرار]
الصَّحَابَةِ بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ؛ لِأَنَّا تَلَقَّيْنَا الدِّينَ مِنْهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ مُخَالَفَةُ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَالٍ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِيهِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ عَلِمَ انْتِسَاخَهُ أَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَمْ يَجِبْ حَتْمًا.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعَ عُمَرُ) إذَا فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً عَنْوَةً وَقَهْرًا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَرِقَّاءَ وَيُقَسِّمَهُمْ وَأَرَاضِيِهِمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَهُ أَنْ يَدَعَهُمْ أَحْرَارًا يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَيَتْرُكَ الْأَرَاضِي عَلَيْهِمْ بِالْخَرَاجِ وَلَا يَقْسِمَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَهُ ذَلِكَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ خَيْبَرَ حِينَ فَتَحَهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ» وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فَتَحَهَا، وَلِعُلَمَائِنَا ﵏ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا فَتَحَ السَّوَادَ قَهْرًا وَعَنْوَةً مَنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ فِي رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ فِي أَرَاضِيِهِمْ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ قِسْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ وَغَيْرَهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ حِينَ افْتَتَحَهَا عَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا حَتْمًا مِنْهُ ﵇ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا فِي الْغَنَائِمِ إذْ لَوْ كَانَ حَتْمًا لَمَا امْتَنَعَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ مِرَارًا ثُمَّ جَمَعَهُمْ فَقَالَ أَمَّا إنِّي لَوْ تَلَوْت مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتَغْنَيْت بِهَا عَنْكُمْ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] إلَى قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] ثُمَّ قَالَ أَرَى لِمَنْ بَعْدَكُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ نَصِيبًا وَلَوْ قَسَمْتهَا بَيْنَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِمَا بَعْدَكُمْ نَصِيبٌ فَمَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ وَجَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ لِقِلَّةِ بَصَرِهِمْ بِفِقْهِ الْآيَةِ فَقَدْ كَانُوا أَصْحَابَ الظَّوَاهِرِ دُونَ الْمَعْنَى فَلَمْ يُعْتَبَرْ خِلَافُهُمْ مَعَ إجْمَاعِ أَهْلِ الْفِقْهِ مِنْهُمْ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ أَيْ مَاتُوا جَمِيعًا، التَّطْبِيقُ أَنْ يَضُمَّ الْمُصَلِّي إحْدَى الْكَفَّيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي السُّؤَالِ لَمْ يُعْمَلْ بِأَخْذِ الرُّكَبَ أَيْ بِحَدِيثِ أَخْذِ الرُّكَبِ وَذَكَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْوَضْعَ وَلَمْ يَقُلْ لَمْ يُنْكِرْ الْأَخْذَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأَخْذُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «سَنَنْتُ لَكُمْ الرُّكَبُ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ» .
وَقَالَ عُمَرُ ﵁ «يَا مَعْشَرَ النَّاسِ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْوَضْعُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ» .
وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا كَمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا» لَكِنَّهُ رَآهُ أَيْ رَأَى الْوَضْعَ أَوْ الْأَخْذَ رُخْصَةً أَيْ رُخْصَةَ تَرْفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْحَقُهُمْ الْمَشَقَّةُ فِي التَّطْبِيقِ مَعَ طُولِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ السُّقُوطَ عَلَى الْأَرْضِ فَأُمِرُوا بِالْأَخْذِ بِالرُّكَبِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ كَرُخْصَةِ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ لَا تَعْيِينًا عَلَيْهِمْ بِالْأَخْذِ بِالرُّكَبِ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْوَضْعَ أَوْ الْأَخْذَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ عِنْدَنَا كَرُخْصَةِ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَلَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ وَهُوَ
стр. 787
وَمِثَالُ الْقِسْمِ الْآخَرِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ تَكُنْ جَرْحًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَاحْتَمَلَ الْخَفَاءَ، وَأَمَّا الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَلَا يُقْبَلُ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَةٌ خُصُوصًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى فَلَوْ وَجَبَ الرَّدُّ بِمُطْلَقِ الطَّعْنِ لَبَطَلَتْ السُّنَنُ أَلَا يُرَى أَنَّ شَهَادَةَ الْحُكْمِ أَضْيَقُ مِنْ هَذَا وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مِنْ الْمُزَكِّي الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ فَهَذَا أَوْلَى، وَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا لَمْ يُقْبَلْ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّطْبِيقُ مَشْرُوعًا أَصْلًا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ «سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ رَأَى ابْنًا لَهُ يُطَبِّقُ فَنَهَاهُ فَقَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ يَفْعَلُهُ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كُنَّا أُمِرْنَا بِهَذَا ثُمَّ نُهِينَا عَنْهُ» وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ إذَا كَانَ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ وَفِي الرُّخْصَةِ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُفِيدُ التَّخْيِيرَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ وَفِي الرُّخْصَةِ تَخْفِيفٌ انْقَلَبَتْ تِلْكَ الرُّخْصَةُ عَزِيمَةً وَهَاهُنَا لَيْسَ فِي الْعَزِيمَةِ تَخْفِيفٌ وَفِي الرُّخْصَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ فَانْقَلَبَتْ عَزِيمَةً.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْقِسْمِ الْآخَرِ) أَيْ نَظِيرُ الْقِسْمِ الْآخِرِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَى الرَّاوِي مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ ﵁ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ زُبْيَةٍ فَضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَمَّا فَرَغَ ﵇ قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» ثُمَّ لَمْ يُوجِبْ مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى إنْ ثَبَتَ جَرْحًا فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ زَيْدٌ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَاحْتَمَلَ الْخَفَاءَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ اشْتَهَرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا عَنْ أَبِي مُوسَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَمْ يَخْرُجْ الْحَدِيثُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَاجِبٌ الْعَمَلُ بِهِ فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهِ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إذَا أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى وَجْهٍ حَسَنٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا عَمِلَ أَوْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَلَوْ بَلَغَهُ لَرَجَعَ إلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى مِنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَلَا يُقْبَلُ مُجْمَلًا) أَيْ مُبْهَمًا بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مُنْكَرٌ أَوْ فُلَانٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ أَوْ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ أَوْ مَجْرُوحٌ أَوْ لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ سَبَبَ الطَّعْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّزْكِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا بِهَا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ بَيَانِ السَّبَبِ إذْ الْغَالِبُ مَعَ عَدَالَتِهِ وَبَصِيرَتِهِ أَنَّهُ مَا أَخْبَرَ إلَّا وَهُوَ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ الْبَصِيرِ بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُطْلَقُ الْجَرْحُ إلَّا فِي صُورَةٍ عُلِمَ الْوِفَاقُ عَلَيْهَا وَإِلَّا كَانَ مُدَلِّسًا مُلْبِسًا بِمَا يُوهِمُ الْجَرْحَ عَلَى مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَدَالَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْدِيلَ الْمُطْلَقَ مَقْبُولٌ بِأَنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ هُوَ عَدْلٌ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ مَقْبُولُ الْحَدِيثِ أَوْ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فَكَذَا الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ، وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْعَدَالَةَ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ خُصُوصًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى وَهِيَ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي شَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَدَالَتِهَا فَلَا يُتْرَكُ هَذَا الظَّاهِرُ بِالْجَرْحِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ رُبَّمَا اعْتَقَدَ مَا لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا بِأَنْ ارْتَكَبَ الرَّاوِي صَغِيرَةً مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ أَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ أَوْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ كَذَلِكَ فَجَرَّحَهُ بِنَاءً عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْعَادَةُ الظَّاهِرَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا لَحِقَهُ مِنْ غَيْرِهِ
стр. 788
وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ دَسَّ ابْنَهُ لِيَأْخُذَ كُتُبَ أُسْتَاذِهِ حَمَّادٍ وَهَذَا دَلَالَةُ إتْقَانِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ إلَّا عَنْ حِفْظٍ وَإِتْقَانٍ وَلَا يَأْمَنُ الْحَافِظُ الزَّلَلَ وَإِنْ جَدَّ حِفْظُهُ وَحَسُنَ ضَبْطُهُ فَالرُّجُوعُ إلَى كُتُبِ الْأُسْتَاذِ آيَةُ إتْقَانِهِ لَا جَرْحَ فِيهِ،
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَسُوءُهُ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ إمْسَاكِ لِسَانِهِ عَنْهُ فَيَطْعَنُ فِيهِ طَعْنًا مُبْهَمًا إلَّا إنْ عَصَمَهُ اللَّهُ ثُمَّ إذَا اُسْتُفْسِرَ لَا يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فَثَبَتَ أَنْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ، بِخِلَافِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهُ لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تَنْحَصِرُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْلِيفِ بِذِكْرِهَا، وَقَوْلُهُمْ الْغَالِبُ أَنَّهُ مَا أَخْبَرَ إلَّا وَهُوَ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ غَيْرَ مُسَلِّمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إخْبَارُهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ عَارِفًا بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَعْرِفَ ذَلِكَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُعَدِّلِ فَمَنْ حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِبَصِيرَتِهِ وَضَبْطِهِ يُكْتَفَى بِإِطْلَاقِهِ وَمَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ بَصِيرَتُهُ بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ اسْتَخْبَرْنَاهُ عَنْ السَّبَبِ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ احْتَجَّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ اُشْتُهِرَ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَهَكَذَا فَعَلَ أَبُو دَاوُد السِّخْتِيَانِيُّ وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ اعْتَمَدَ النَّاسُ فِي جَرْحِ الرُّوَاةِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ ضَعِيفٌ وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَاشْتِرَاطُ بَيَانِ السَّبَبِ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ فِي إثْبَاتِ الْجَرْحِ وَالْحُكْمِ بِهِ فَقَدْ اعْتَمَدْنَاهُ فِي أَنْ يُوقِفَنَا عَنْ قَبُولِ حَدِيثِ مَنْ قَالُوا فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْقَعَ عِنْدَنَا فِيهِمْ رِيبَةً قَوِيَّةً يُوجِبُ مِثْلُهَا التَّوَقُّفَ ثُمَّ مَنْ انْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ مِنْهُمْ نَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ وَلَمْ نَتَوَقَّفْ كَاَلَّذِينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ مِنْهُمْ مِثْلُ هَذَا الْجَرْحِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ طَعَنَ) أَيْ الطَّعْنَ الْمُفَسَّرَ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا مِثْلُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ الْحُسَّادِ الْمُتَعَنِّتِينَ أَنَّهُ دَسَّ ابْنَهُ أَيْ أَخْفَاهُ لِيَأْخُذَ كُتُبَ أُسْتَاذِهِ حَمَّادٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَكَانَ يَرْوِي مِنْهَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ ﵀ كَانَ أَعْلَى حَالًا وَأَجَلَّ مَنْصِبًا مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَيَأْبَى كُلَّ الْإِبَاءِ دِقَّةُ نَظَرِهِ فِي دَقَائِقِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى، وَعُلُوُّ دَرَجَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، وَقَدْ طَعَنَ الْحُسَّادُ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْجِنْسِ كَثِيرًا حَتَّى صَنَّفُوا فِي طَعْنِهِ كُتُبًا وَرَسَائِلَ وَلَكِنْ لَمْ يَزِدْهُ طَعْنُهُمْ إلَّا شَرَفًا وَعُلُوًّا، وَرِفْعَةً بَيْنَ الْأَنَامِ وَسُمُوًّا، فَشَاعَ مَذْهَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَاشْتَهَرَ، وَبَلَغَ أَقْطَارَ الْأَرْضِ نُورُ عِلْمِهِ وَاشْتَهَرَ، وَقَدْ عَرَفَ مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ وَإِنْصَافٍ، وَجَانَبَ التَّعَصُّبَ وَالِاعْتِسَافَ أَنَّ كُلَّ مَا قَالُوهُ افْتِرَاءٌ، وَمِثْلُهُ عَنْهُ بَرَاءٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ طَعْنًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ أَخَذَهَا تَمَلُّكًا وَغَصْبًا بِغَيْرِ رِضَاءِ مَالِكِهَا أَوْ أَخَذَهَا بِرِضَاهُ، فَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى بَلْ بِحَالِ أَكْثَرِ الْعَوَامّ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِإِذْنِ الْمَالِكِ تَمَلُّكًا أَوْ عَارِيَّةً، فَإِمَّا أَنَّهُ رَوَى مِنْهَا شَيْئًا أَوْ لَمْ يَرْوِ فَإِنْ لَمْ يَرْوِ فَلَيْسَ لِلطَّعْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَإِنْ رَوَى فَإِمَّا إنْ رَوَى مِنْهَا مَا سَمِعَهُ مِنْ أُسْتَاذِهِ أَوْ مَا أَجَازَ لَهُ بِرِوَايَتِهِ أَوْ رَوَى مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ
стр. 789
وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَسَمَّوْهُ عَنْعَنَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يُوهِمُ شُبْهَةَ الْإِرْسَالِ وَحَقِيقَتُهُ لَيْسَ بِجَرْحٍ عَلَى مَا مَرَّ فَشُبْهَتُهُ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
بِرِوَايَتِهِ.
فَالْأَوَّلُ دَلَالَةُ الْإِتْقَانِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَرْحِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةٌ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ وَهُوَ طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. الْإِتْقَانُ الْإِحْكَامُ.، وَإِنْ جَدَّ حِفْظُهُ أَيْ عَظُمَ، أَوْ مَعْنَاهُ جَدَّ فِي حِفْظِهِ أَيْ اجْتَهَدَ فَحَذَفَ حَرْفَ فِي وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الْحِفْظِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ الْمُفَسِّرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ جَرْحًا طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ، التَّدْلِيسُ كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ كِتْمَانُ انْقِطَاعٍ أَوْ خَلَلٍ فِي إسْنَادِ الْحَدِيثِ بِإِيرَادِ لَفْظٍ يُوهِمُ الِاتِّصَالَ وَالصِّحَّةَ، وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ اسْمِ مَنْ يُرْوَى عَنْهُ وَذِكْرُ اسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ شَيْخُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ التَّدْلِيسَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أَنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَقُولَ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَإِنَّمَا يَقُولُ قَالَ فُلَانٌ أَوْ عَنْ فُلَانٍ، وَالثَّانِي تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ شَيْخٍ حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنْهُ فَيُسَمِّيَهُ أَوْ يَكْتُبَهُ أَوْ يَنْسُبَهُ أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَعْرِفُ بِهِ كَيْ لَا يُعْرَفَ، ثُمَّ قَالَ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَعَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ وَهَذَا مِنْ شُعْبَةَ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَمْرُهُ أَخَفُّ وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَتَوْعِيرٌ لِطَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَنْ يَطْلُبُ الْوُقُوفَ عَلَى حَالِهِ وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ فَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ شَيْخِهِ الَّذِي غَيَّرَ سَمْتَهُ غَيْرَ ثِقَةٍ أَوْ كَوْنُهُ مُتَأَخِّرَ الْوَفَاةِ قَدْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ مِنْهُ جَمَاعَةٌ دُونَهُ أَوْ كَوْنُهُ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ كَوْنُ الرَّاوِي كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ عُرِفَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّدْلِيسِ فَجَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ مَجْرُوحًا بِذَلِكَ وَقَالُوا لَا يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ بَيَّنَ السَّمَاعَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ وَأَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُدَلِّسُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ وَالِاتِّصَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ وَأَنْوَاعِهِ وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُبَيِّنٍ لِلِاتِّصَالِ نَحْوُ سَمِعْتُ وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَشْبَاهِهَا فَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرٌ جِدًّا كَقَتَادَةَ وَالْأَعْمَشِ وَسُفْيَانَ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْإِبْهَامِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ فَلَا يُنْسَبُ الْفِسْقُ بِهِ فَيُقْبَلُ مَا بَيَّنَ فِيهِ الِاتِّصَالَ وَرَفَعَ عَنْهُ الْإِبْهَامَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ إذَا اُسْتُكْشِفَ يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْلِيسَ مِنْهُ تَزْوِيرٌ وَإِيهَامٌ لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ وَإِنْ أَخْبَرَ بِاسْمِهِ إذَا اُسْتُكْشِفَ وَأَضَافَ الْحَدِيثَ إلَى نَاقِلِهِ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ وَلَا يُوجِبُ قَدْحًا فِيهِ، وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُدَلِّسُ فَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ بِالْخَبَرِ نَصَّ عَلَى اسْمِهِ وَلَمْ يَكْتُمْهُ وَهَذَا شَيْءٌ مَشْهُورٌ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمَ كُنَّا فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقِيلَ لَهُ حَدَّثَكُمْ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ لَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ
стр. 790
وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالتَّلْبِيسِ عَلَى مَنْ كَنَّى عَنْ الرَّاوِي وَلَوْ يُسَمِّهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ مِثْلُ قَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الثِّقَةَ وَغَيْرَ الثِّقَةِ وَمِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
الزُّهْرِيُّ وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، هَذَا بَيَانُ التَّدْلِيسِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّدْلِيسَ بِتَرْكِ اسْمِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَا يَصْلُحُ لِلْجَرْحِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ ذِكْرَهُ إلَّا لِأَنَّهُ عَدْلٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرْسَلِ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى تَعْدِيلِهِ صَرِيحًا وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَرْوُونَ أَحَادِيثَ وَيَتْرُكُونَ أَسَامِي رُوَاتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرْسَلِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْخَبَرِ لَمَا اسْتَجَازُوا ذَلِكَ.
وَكَذَا التَّدْلِيسُ بِالْكِنَايَةِ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّيْخُ تَلْبِيسًا؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ التَّرْكِ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الْحَدِيثِ فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ وَغِشٌّ فَيُقْدَحُ فِي الظَّنِّ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا جَرْحًا إذَا اُسْتُفْسِرَ فَلَمْ يُفَسِّرْ، فَأَمَّا الْعَنْعَنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ مِنْ التَّدْلِيسِ فَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَلَكِنْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ هِيَ لَيْسَتْ بِتَدْلِيسٍ فَإِنَّ أَبَا عَمْرٍو قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عُدَّ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ. قَالَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ وَأَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِيهَا وَقَبِلُوهُ وَادَّعَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي الْمُقْرِئُ الْحَافِظُ إجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُضِيفَتْ الْعَنْعَنَةُ إلَيْهِمْ قَدْ ثَبَتَتْ مُلَاقَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَعَ بَرَاءَتِهِمْ عَنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ الِاتِّصَالِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُعَنْعَنَةَ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَدْلِيسٌ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ عَلَى مَنْ كَنَّى عَنْ الرَّاوِي أَيْ أَبْهَمَ رَاوِيَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ أَيْ إلَى أَبِيهِ وَقَبِيلَتِهِ فَلَمْ يَقُلْ أَخْبَرَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ أَبُو سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ الثِّقَةَ وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الزَّاهِدُ ﵀، وَغَيْرَ الثِّقَةِ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ فِيمَا أَظُنُّهُ وَمِثْلَ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ يَرْوِي التَّفْسِيرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْكَلْبِيُّ يُدَلِّسُ بِهِ مُوهِمًا أَنَّهُ سَعِيدٌ الْخُدْرِيِّ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ رَجُلَانِ بَصْرِيَّانِ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَحَدُهُمَا يُكَنَّى أَبَا رَبِيعَةَ وَكَانَ مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ يَرْوِي عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَالْآخَرُ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ كَانَ ثِقَةً يَرْوِي عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الرِّوَايَةِ بِالْكُنْيَةِ، وَرَجُلَانِ بِالْكُوفَةِ اسْمُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ أَحَدُهُمَا غَنَوِيٌّ وَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ وَالْآخَرُ ثِقَةٌ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ.
١ -
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا) أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا وَأَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنَّمَا أَبْهَمَ لِخُشُونَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ التَّعْدِيلَ عَلَى الْإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُعَدَّلِ بِأَنْ قَالَ الرَّاوِي حَدَّثَنَا الثِّقَةُ أَوْ مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ أَوْ مَنْ لَا أَثِقُ بِهِ هَلْ يُكْتَفَى بِهِ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يُكْتَفَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثِقَةً عِنْدَهُ، وَقَدْ اطَّلَعَ
стр. 791
تَفْسِيرٍ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي لَا بَأْسَ بِهِ صِيَانَةً عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ وَصِيَانَةً لِلطَّاعِنِ وَاخْتِصَارًا وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ مِنْ وَجْهٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ كُلُّ حَدِيثِهِ وَمِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَعَ جَلَالِ قَدْرِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَتَسْمِيَتِهِ ثِقَةً شَهَادَةً بِعَدَالَتِهِ فَأَنَّى يَصِيرُ جَرْحًا، وَوَجْهُ الْكِنَايَةِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُطْعَنُ فِيهِ بِبَاطِلٍ فَيَحِقُّ صِيَانَتُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
غَيْرُهُ عَلَى جَرْحِهِ بِمَا هُوَ جَارِحٌ عِنْدَهُ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُسَمِّيَهُ حَتَّى يُعْرَفَ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ عَالِمًا أَجْزَأَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي مَذْهَبِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ لَا يَكْفِي، وَعِنْدَنَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ بِكَوْنِهِ ثِقَةً إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَالَتِهِ وَالتَّفَحُّصِ عَنْ أَسْبَابِهَا فَيُقْبَلُ هَذَا مِنْهُ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ.
وَقَالَ هُوَ ثِقَةٌ أَوْ عَدْلٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ سَبَبٍ؛ (لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي) يَعْنِي طَعْنَهُمْ بِكَذَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَرْحِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي أَيْ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ كَمَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِكَوْنِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مُتَّهَمًا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِأَجْلِ صِيَانَتِهِ عَنْ الطَّعْنِ الْبَاطِلِ فِيهِ وَلِأَجْلِ صِيَانَةِ الطَّاعِنِ وَهُوَ السَّامِعُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْغِيبَةِ وَالْمَذَمَّةِ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْكِنَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَذْمُومَةً لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَهِيَ لِلْمَعْنَى الثَّانِي أَمْرٌ لَا بَأْسَ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَنَّى لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مُتَّهَمًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ مِنْ وَجْهٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ كُلُّ حَدِيثِهِ أَيْ لَيْسَ كُلُّ اتِّهَامٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ رِوَايَةِ الرَّاوِي إذْ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلطَّعْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَا يُوجِبُ عُمُومَ الطَّعْنِ وَمَا لَا يُوجِبُهُ، فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّ مَنْ ارْتَكَبَ وَاحِدًا مِنْهَا وَجَبَ رَدُّ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعَاهُ عَنْ ارْتِكَابِهِ لَا يَمْنَعَاهُ عَنْ الْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا، وَالثَّانِي مِثْلُ اخْتِلَاطِ الْعَقْلِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ رَدَّ مَا رَوَاهُ فِي حَالَةِ الِاخْتِلَاطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَلَا تُوجِبُ رَدَّ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ السَّهْوُ وَالْغَفْلَةُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَنَظِيرُهُ الشَّاهِدُ يُرَدُّ جَمِيعُ شَهَادَاتِهِ بِالْفِسْقِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ وَلَا تُرَدُّ بِتُهْمَةِ الْأُبُوَّةِ إلَّا مَا اخْتَصَّ بِهَا وَهُوَ مَا شَهِدَ بِهِ لِابْنِهِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ فِي غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي كِتَابَتِهِ لِأَجْلِ الِاتِّهَامِ رَدُّ مَا رَوَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلطَّعْنِ غَيْرَ شَامِلٍ لِلْجَمِيعِ مِثْلُ الْكَلْبِيِّ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَيُقَالُ لَهُ أَبُو النَّضْرِ أَيْضًا طَعَنُوا فِيهِ بِأَنَّهُ يَرْوِي تَفْسِيرَ كُلِّ آيَةٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيُسَمَّى زَوَائِدَ الْكَلْبِيِّ، وَبِأَنَّهُ رَوَى حَدِيثًا عَنْ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ يَرْوِيه فَقَالَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ فَلَمَّا جُرِّحَ قِيلَ لَهُ هَلْ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ الْحَسَنِ فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي رَوَيْت عَنْ الْحَسَنِ غَيْظًا لَهُ، وَذَكَرَ فِي الْأَنْسَابِ أَنَّ الثَّوْرِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيَانِ عَنْهُ وَيَقُولَانِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَتَّى لَا يُعْرَفَ، قَالَ وَكَانَ الْكَلْبِيُّ سَبَئِيًّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ عَلِيًّا لَمْ يَمُتْ وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الدُّنْيَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ فَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَإِذَا رَأَوْا سَحَابَةً قَالُوا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا وَالرَّعْدُ صَوْتُهُ وَالْبَرْقُ صَوْتُهُ حَتَّى تَبَرَّأَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ:
وَمِنْ قَوْمٍ إذَا ذَكَرُوا عَلِيًّا ... يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ عَلَى السَّحَابِ
، مَاتَ الْكَلْبِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَمْثَالُهُ مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَغَيْرِهِمْ اخْتَلَطَتْ عُقُولُهُمْ فَلَمْ يُقْبَلْ رِوَايَاتُهُمْ الَّتِي بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَقُبِلَتْ الرِّوَايَاتُ الَّتِي قَبْلَهُ فَإِنْ قِيلَ مَا نُقِلَ عَنْ الْكَلْبِيِّ يُوجِبُ الطَّعْنَ عَامًّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ رِوَايَاتُهُ جَمِيعًا قُلْنَا إنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا اُتُّهِمَ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ
стр. 792
وَقَدْ يَرْوِي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ أَوْ قَرِينِهِ أَوْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ طَالَ سَنَدُهُ فَيُكَنِّي عَنْهُ صِيَانَةً عَنْ الطَّعْنِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا جَرْحًا إذَا اُسْتُفْسِرَ فَلَمْ يُفَسِّرْ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُعَدُّ ذَنْبًا فِي الشَّرِيعَةِ مِثْلُ مَا طَعَنَ الْجَاهِلُ فِي مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ أَحَادِيثَ سَمِعَهَا فَأَبَى فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقَالَ لَا تُعْجِبُنِي أَخْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْفُقَهَاءِ تُخَالِفُ أَخْلَاقَ الزُّهَّادِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ عُزْلَةٍ وَأُولَئِكَ أَهْلُ قُدْوَةٍ، وَقَدْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْعُزْلَةِ وَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ مَرَّةً
ــ
[كشف الأسرار]
مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ شُبْهَةً فِي الثُّبُوتِ وَبِالشُّبْهَةِ تُرَدُّ الْحُجَّةُ وَيَنْتَفِي تَرْجِيحُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ.
أَوْ مَعْنَاهُ لَيْسَ كُلُّ مِنْ اُتُّهِمَ بِوَجْهٍ سَاقِطَ الْحَدِيثِ مِثْلَ الْكَلْبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ طُعِنَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ وَلَكِنَّ عُلُوَّ دَرَجَتِهِمْ فِي الدِّينِ وَتَقَدُّمَ رُتْبَتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ مَنَعَ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ الطَّعْنِ فِي حَقِّهِمْ وَمِنْ رَدِّ حَدِيثِهِمْ بِهِ إذْ لَوْ رُدَّ حَدِيثُ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ بِطَعْنِ كُلِّ وَاحِدٍ انْقَطَعَ طَرِيقُ الرِّوَايَةِ وَانْدَرَسَتْ الْأَخْبَارُ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَنْ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مِثْلِ هَذَا الطَّعْنِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَهُوَ قَصْدُ الصِّيَانَةِ كَمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ يَرْوِي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ) كَرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مَالِكٍ، أَوْ قَرِينِهِ أَيْ مِثْلِهِ يُقَالُ قَرَنَهُ فِي السِّنِّ وَقَرِينُهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرِوَايَةِ عُمَرَ عَنْهُ وَيُسَمَّى هَذَا مُدَبَّجًا، وَالثَّانِي أَنْ يَرْوِيَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَا يَرْوِيَ الْآخَرُ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ مِسْعَرٍ وَهُمَا قَرِينَانِ.
أَوْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْ تَلَامِذَتِهِ كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحَافِظِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصُّورِيِّ وَكَرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْإِسْنَادِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ سُنَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا وَالنُّزُولُ فِيهِ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْإِسْنَادِ يُبْعِدُ الْإِسْنَادَ مِنْ الْخَلَلِ إذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الْخَلَلُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَفِي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ وَفِي كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةُ جِهَاتِهِ لَكِنَّ النَّقْلَ بِالطَّرِيقَيْنِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا وُجِدْت الشَّرَائِطُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فَالشَّيْخُ نَظَرَ إلَى الصِّحَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِحُصُولِ غَرَضِهِ بِهَا وَهُوَ دَفْعُ الطَّعْنِ، فَقَالَ وَذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلَاءِ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ أَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنْ طَالَ سَنَدُ الْحَدِيثِ بِهَا لِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّوَايَةِ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْكِنَايَةُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ الطَّعْنِ الْبَاطِلِ بِأَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ نَازِلٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْكِنَايَةُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ جَرْحًا فِي الرَّاوِي إذَا اُسْتُفْسِرَ الرَّاوِي عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَلَمْ يُفَسِّرْ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ بِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الطَّعْنُ بِمَا لَا يُعَدُّ ذَنْبًا عَلَى الشَّرِيعَةِ وَلَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الْمُرُوءَةِ. (لِأَنَّهُ) : أَيْ مُحَمَّدًا. (فَقِيلَ لَهُ) : أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ. (فِيهِ) : أَيْ فِي إبَائِهِ عَنْ الِاسْتِمَاعِ يَعْنِي قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُجِيبُهُ إلَى اسْتِمَاعِ الْأَحَادِيثِ. (لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْفُقَهَاءِ تُخَالِفُ أَخْلَاقَ الزُّهَّادِ) وَاعْتُبِرَ هَذَا بِمُوسَى وَالْعَبْدِ الصَّالِحِ فَإِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُدْوَةِ لَمْ يَسْتَطِعْ صَبْرًا عَلَى مَا رَأَى مِنْ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ حَتَّى أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَاعَدَ لَهُ الصَّبْرَ، وَقَدْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْعُزْلَةِ حَتَّى اُسْتُحِبَّ لِلْمُفْتِي الْأَخْذُ بِالرُّخَصِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعَوَامّ مِثْلُ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْحَمَّامِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ الطَّاهِرَةِ ظَاهِرًا بِدُونِ الْمُصَلَّى وَعَدَمِ الِاحْتِرَازِ عَلَى طِينِ الشَّوَارِعِ فِي مَوْضِعٍ حَكَمُوا بِطَهَارَتِهِ فِيهَا وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْعُزْلَةِ بَلْ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْعَمَلِ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى بِهِمْ.
(وَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ مَرَّةً) أَيْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلَةِ الْعُزْلَةِ
стр. 793
وَقَدْ قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لَا يَزَالُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَحْمِي اللَّهُ بِهِ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ وَمَنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ طَعَنَ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ كَالسِّبَاقِ بِالْخَيْلِ وَالْأَقْدَامِ وَمِثْلُ طَعْنِ بَعْضِهِمْ بِالْمِزَاحِ وَهُوَ أَمْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَا بَاطِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا يَسْتَفِزُّهُ الْخِفَّةُ فَيَتَخَبَّطُ وَلَا يُبَالِي، وَمِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالصِّغَرِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةُ عِنْدَ الرِّوَايَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِصِغَرِهِ لَمْ تَسْقُطْ وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ وَهَذَا أَثْبَتُ مَتْنًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مِثْلُ مَا يُحْكَى عَنْ مَشَايِخِ الْعُزْلَةِ مِنْ أُمُورٍ ظَاهِرُهَا مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ وَأَعْذَارٍ ظَهَرَ لَهُمْ، مِثْلُ مَا حُكِيَ عَنْ الْمَنْصُورِ الْحَلَّاجِ مِنْ قَوْلِهِ أَنَا الْحَقُّ وَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ ﵀ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ سِوَى اللَّهِ وَقَوْلِهِ سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي وَمَا حُكِيَ عَنْ الشِّبْلِيِّ ﵀ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ وَإِلْقَائِهِ فِي الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ فِيهِ) كَذَا دَلِيلُ عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الطَّعْنِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ الطَّعْنِ بِمَا لَيْسَ بِذَنْبٍ الطَّعْنُ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ وَهُوَ حَثُّهَا عَلَى الْعَدْوِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قَالَ رَأَيْته يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الرَّكْضَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ إذْ هُوَ مِنْ جِنْسِ السِّبَاقِ بِالْخَيْلِ الَّذِي هُوَ مَنْدُوبٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا قَالَهُ ﵇ «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فَأَنَّى يُجْعَلُ ذَلِكَ طَعْنًا، وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالصِّغَرِ، شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْبُلُوغَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا سَمَاعَ الصَّبِيّ أَصْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ الْحَدُّ فِي السَّمَاعِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَقْدَحُ الصِّغَرُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ فِي الرِّوَايَةِ إذَا ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قَبْلُ، وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ بِصِغَرِ رِوَايَةٍ عِنْدَ التَّحَمُّلِ مِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَقَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعَادِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ فَإِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَهَذَا الطَّعْنُ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْكِبْرِ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَخَذَ بِحَدِيثِ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَحَلَهُ أَبُوهُ غُلَامًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعُ سِنِينَ فَعَرَفْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ طَعْنًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالصَّحِيحُ فِي نِسْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ دُونَ الْعَدَوِيِّ فَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْغَسَّانِيَّ قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي نِسْبَتِهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ تَصْحِيفٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ الْعُذْرَةُ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ مِنْ الدَّمِ وَبِهَا سُمِّيَتْ الْقَبِيلَةُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ الْعُذْرِيُّ وَمَنْ رَوَى الْعَدَوِيَّ فَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ عَدِيُّ بْنُ صَغِيرٍ الْعَبْدِيُّ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ أَيْ وَلِأَنَّ الصِّغَرَ لَا يَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ قَدَّمْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ ثَعْلَبَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الْحَدِيثَيْنِ اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ ﵇؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ صِغَرِهِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ السَّنَدِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَكُنَّا نَقُولُ كَذَا إنْ لَمْ يُضَفْ إلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ.
وَإِنْ
стр. 794
وَقَدْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَرِفْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِصِحَّةِ الْإِتْقَانِ وَهَذَا مِثْلُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَرِفْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ إذَا صَحَّ الْإِتْقَانُ سَقَطَتْ الْعَادَةُ، وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﵇ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَمْ يَكُنْ اعْتَادَ الرِّوَايَةَ، وَقَدْ يَقَعُ الطَّعْنُ بِسَبَبٍ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ مِثْلُ الطَّعْنِ بِالْإِرْسَالِ وَمِثْلُ الطَّعْنِ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْ فُرُوعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَلَا يُقْبَلُ، فَإِنْ وَقَعَ الطَّعْنُ مُفَسَّرًا بِمَا هُوَ فِسْقٌ وَجَرْحٌ لَكِنَّ الطَّاعِنَ مُتَّهَمٌ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْعَدَاوَةِ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُ طَعْنِ الْمُلْحِدِينَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِثْلُ طَعْنِ مَنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا وُجُوهُ الطَّعْنِ عَلَى الصِّحَّةِ فَكَثِيرَةٌ قَدْ تَبْلُغُ ثَلَاثِينَ فَصَاعِدًا أَوْ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا الْكِتَابُ لَا يَسَعُهَا
ــ
[كشف الأسرار]
أَضَافَهُ إلَى زَمَانِهِ ﵇ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ أَثْبَتُ مَتْنًا أَيْ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى وَأَبْعَدُ مِنْ الِاحْتِمَالِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مَعَ الْقِصَّةِ فَقَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ» الْحَدِيثَ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْإِتْقَانِ وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَمْرِ مِمَّنْ هُوَ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا حِكَايَةُ فِعْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَخْرُجُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا بَيَانُ أَنَّ أَدَاءَ كُلِّ الصَّاعِ كَانَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدَاءً بِصِفَةٍ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَأَدَاءُ الْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَيْ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعِ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ الطَّعْنُ بِعَدَمِ احْتِرَافِ الرِّوَايَةِ وَاعْتِيَادِهَا مِثْلُ طَعْنِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ وَتَقْسِيمِهِ الْأَخْبَارَ بِالْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَالْمُسْتَنْكَرِ فِي التَّقْوِيمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِصَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا فَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْخَوْضَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيُحِيلَهُ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنَّ مَنْ خَاضَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ افْتُضِحَ عِنْدَ أَهْلِهِ.
وَهَذَا طَعْنٌ بَاطِلٌ أَعْنِي بِعَدَمِ الِاعْتِيَادِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْإِتْقَانِ لَا لِلِاحْتِرَافِ وَرُبَّمَا يَكُونُ إتْقَانُ مَنْ لَمْ يَحْتَرِفْ الرِّوَايَةَ أَكْثَرَ مِنْ إتْقَانِ مَنْ اعْتَادَهَا، وَأَمَّا طَعْنُهُمْ عَلَى الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَمْرٌ كُلِّيٌّ وَبَيَانُ اصْطِلَاحٍ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ أَفْرَادِ الْأَحَادِيثِ وَأَسَانِيدِهَا وَصِحَّتِهَا وَسَقَمِهَا وَإِلَى مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ بَلْ يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْمُخْلِصِينَ فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَمَهَارَتِهِ فِي كُلِّ فَنٍّ بَلْ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّعَصُّبُ وَالْحَسَدُ وَإِلَّا كَيْفَ لَمْ يَطْعَنُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ الَّذِينَ لَا مُمَارَسَةَ لَهُمْ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ ذَكَرُوا فِي كُتُبِهِمْ مَبَاحِثَ تَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀، إذَا صَحَّ الْإِتْقَانُ سَقَطَتْ الْعَادَةُ أَيْ إذَا تَحَقَّقَ الْإِتْقَانُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا بَعْدُ، قَوْلُهُ (وَقَدْ يَقَعُ الطَّعْنُ بِسَبَبٍ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ مِثْلُ الطَّعْنِ بِالِاسْتِكْثَارِ) مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي حَقِّ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا حَافِظًا مُتْقِنًا إلَّا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ خَلَلٌ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ وَضَبْطِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الِاجْتِهَادِ وَقُوَّةِ الذِّهْن فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُسْنِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طَعْنًا؟ وَجَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالطَّعْنِ بِعَدَمِ الِاحْتِرَافِ وَالطَّعْنِ بِالْإِرْسَالِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ تَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَاتَّقَانِ الرَّاوِي فِي السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ أَيْ بَعْضَ مَا يَصِحُّ بِهِ الْجَرْحُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَبْوَابِ مِثْلِ ارْتِكَابِ بَعْضِ الْكَبَائِرِ
стр. 795
وَمَنْ طَلَبَهَا فِي مَظَانِّهَا وَقَفَ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْحِجَجُ الَّتِي ذَكَرْنَا وُجُوهَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَتَعَارَضُ فِي أَنْفُسِهَا وَضْعًا وَلَا تَتَنَاقَضُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ الْفُجَّرِ الْحُدَّثِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ مِنْ الْمَنْسُوخِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَهَذَا (بَابُ الْمُعَارَضَةِ)
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّعَارُضَ لَيْسَ بِأَصْلٍ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ طَلَبُ مَا يَدْفَعُ التَّعَارُضَ، وَإِذَا جَاءَ الْعَجْزُ وَجَبَ إثْبَاتُ حُكْمِ التَّعَارُضِ وَهَذَا الْفَصْلُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ التَّعَارُضِ لُغَةً وَشَرْطِهِ وَرُكْنِهِ وَحُكْمِهِ شَرِيعَةً أَمَّا مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ لُغَةً فَالْمُمَانَعَةُ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ يُقَالُ عَرَضَ إِلَيَّ بِكَذَا أَيْ اسْتَقْبَلَنِي بِصَدٍّ وَمَنْعٍ سُمِّيَتْ الْمَوَانِعُ عَوَارِضُ،
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ الْغَرِيبِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ وَعَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَنَحْوِهَا.
وَمَنْ طَلَبَهَا أَيْ وُجُوهَ الطَّعْنِ عَلَى الصِّحَّةِ فِي مَظَانِّهَا أَيْ مَوَاضِعِهَا وَهِيَ كُتُبُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَمَظِنَّةُ الشَّيْءِ مَوْضِعُهُ وَمَأْلَفُهُ الَّذِي يُظَنُّ كَوْنُهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ (لَا تَتَعَارَضُ فِي أَنْفُسِهَا وَضْعًا وَلَا تَتَنَاقَضُ) فَالتَّنَاقُضُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وُجُودُ الدَّلِيلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ لَا لِمَانِعٍ، وَعِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ هُوَ وُجُودُ الدَّلِيلِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ بِلَا مَانِعٍ، وَالتَّعَارُضُ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ فَالتَّنَاقُضُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّلِيلِ وَالتَّعَارُضُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الدَّلِيلُ، هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النُّصُوصِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ فَإِنَّ تَخَلُّفَ الْمَدْلُولِ عَنْ الدَّلِيلِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَانِعٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَانِعُ مُعَارِضًا لِلدَّلِيلِ فِيمَا تَخَلَّفَ عَنْهُ.
وَكَذَا إذَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ يَكُونُ الْحُكْمُ مُتَخَلِّفًا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ لَا مَحَالَةَ فَيَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْمُتَرَادِفَيْنِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِي الْكَلَامِ فِي عَامَّةِ الِاصْطِلَاحَاتِ هُوَ اخْتِلَافُ كَلَامَيْنِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صِدْقًا وَالْآخَرُ كَذِبًا وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّعَارُضِ فَيَكُونُ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعَارُضَ وَالتَّنَاقُضَ مِنْ عَلَامَاتِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَامَ حُجَّةً مُتَنَاقِضَةً عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ حُجَّةٍ غَيْرِ مُتَنَاقِضَةٍ وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ حُكْمًا بِدَلِيلٍ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ يُوجِبُ خِلَافَهُ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ دَلِيلٍ سَالِمٍ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْحُجَجِ وَالتَّنَاقُضُ أَيْ التَّنَاقُضُ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ التَّعَارُضُ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا فَيَكُونَ مَنْسُوخًا بِالْمُتَأَخِّرِ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَكَّنَ التَّعَارُضُ فِي الْحُكْمِ حَقِيقَةً.
فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَيْ التَّعَارُضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ بَيَانِ شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا: أَيْ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ.
[بَابُ الْمُعَارَضَةِ]
[بَاب الْمُعَارَضَة]
أَيْ بَابُ بَيَانِهَا قَوْلُهُ (وَهَذَا الْفَصْلُ) أَيْ فَصْلُ بَيَانِ الْمُعَارَضَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِي الْأَصْلِ أَيْ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ كَتَقْسِيمِ الْحَيَوَانِ إلَى إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَحِمَارٍ وَغَيْرِهَا لِيُشْتَرَطَ فِيهِ اشْتِرَاطُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ فَإِنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ بَيَانُ الْمُعَارَضَةِ، وَالْبَيَانُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِبَيَانِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ بَيَانُ كُلِّ قِسْمٍ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْبَيَانِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ اشْتِرَاطُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ (وَرُكْنُ الْمُعَارَضَةِ كَذَا) رُكْنُ الشَّيْءِ مَا لَا وُجُودَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إلَّا بِهِ وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْمَاهِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْقِيَامُ رُكْنُ الصَّلَاةِ وَيُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِهَا كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ
стр. 796
وَرُكْنُ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا فِي حُكْمَيْنِ كَتَضَادَّيْنِ فَرُكْنُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَقُومُ بِهِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ فَاتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ مَعَ تَضَادِّ الْحُكْمِ مِثْلُ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّضَادَّ لَا يَقَعُ فِي مَحَلَّيْنِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا، مِثْلُ النِّكَاحِ يُوجِبُ الْحِلَّ فِي مَحَلٍّ وَالْحُرْمَةَ فِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ مِثْلُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ بَعْدَ حِلِّهَا.
ــ
[كشف الأسرار]
مَا فُسِّرَ الرُّكْنُ بِهِ هُوَ تَفْسِيرُ نَفْسِ التَّعَارُضِ أَيْضًا كَذَا قِيلَ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِتَسَاوِي الْحُجَّتَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقَابُلُ وَالتَّدَافُعُ إذْ لَا مُقَابَلَةَ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ بَلْ يَتَرَجَّحُ الْقَوِيُّ فَالْمَشْهُورُ لَا يُقَابِلُ الْمُتَوَاتِرَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ، وَقَيَّدَ بِتَضَادِّ الْحُكْمَيْنِ أَيْ بِمُخَالَفَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ يَتَأَيَّدُ كُلُّ دَلِيلٍ بِالْآخَرِ وَلَا يَقَعُ التَّعَارُضُ، وَذَلِكَ أَيْ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُضَادَّةَ وَالتَّنَافِيَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا تَتَحَقَّقُ فِي مَحَلَّيْنِ وَكَاجْتِمَاعِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَنْكُوحَةِ وَأُمِّهَا مِنْ أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ وَهُوَ النِّكَاحُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ اثْنَيْنِ، وَلَا فِي وَقْتَيْنِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَيَنْدَرِجُ فِيمَا ذُكِرَ اتِّحَادُ الْحَالِ أَيْضًا فَإِنَّ اخْتِلَافَهَا مِنْ قَبِيلِ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ أَوْ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ، وَاتِّحَادُ النِّسْبَةِ شَرْطٌ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصَيْنِ كَاجْتِمَاعِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَنْكُوحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ وَكَاجْتِمَاعِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَمِنْ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبًا عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلْآخَرِ إذَا عُرِفَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا فَيَجْرِي التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالسُّنَّتَيْنِ وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَارِيخٍ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقِيَاسَيْنِ وَلَا بَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِهِ فَالرِّوَايَةُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَكَمَا أَنَّ الرَّأْيَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَكَذَا مِنْ اثْنَيْنِ.
وَقَدْ سَمَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّعَارُضَ الَّذِي بَيَّنَّا تَنَاقُضًا فَقَالَ إذَا اخْتَلَفَ الْكَلَامَانِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ سُمِّيَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَيَعْنِي بِهِ أَنْ يَكْذِبَ أَحَدُهُمَا إذَا صَدَقَ الْآخَرُ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا التَّنَاقُضُ إلَّا بِوَحْدَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ الْحَمَلُ يُذْبَحُ وَيُشْوَى لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُك الْحَمَلُ لَا يُذْبَحُ وَلَا يُشْوَى إذَا أَرَدْت بِهِ بُرْجَ الْحَمَلِ، وَبِوَحْدَةِ الْمَحْكُومِ فَإِنَّك إذَا قُلْت الْمُكْرَهُ مُخْتَارٌ أَيْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُك الْمُكْرَهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مَا خُلِّيَ وَرَأْيَهُ وَشَهْوَتَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا ذَكَرُوا مِنْ اشْتِرَاطِ وَحْدَةِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْإِضَافَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَالشَّرْطِ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت زَيْدٌ جَالِسٌ أَيْ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ زَيْدٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ أَيْ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان آخَرَ كَانَ الْمَحْكُومُ فِي الْأَوَّلِ غَيْرَهُ فِي الثَّانِي.
وَكَذَا إذَا قُلْتَ زَيْدٌ أَبٌ أَيْ لِعُمَرَ زَيْدٌ لَيْسَ بِأَبٍ أَيْ لِخَالِدٍ إذْ الْمَحْكُومُ فِي الْأَوَّلِ أُبُوَّةُ عَمْرٍو وَفِي الثَّانِي أُبُوَّةُ خَالِدٍ، أَوْ قُلْت الْخَمْرُ فِي الدَّنِّ مُسْكِرٌ أَيْ بِالْقُوَّةِ الْخَمْرُ فِي الدَّنِّ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ أَيْ بِالْفِعْلِ إذْ الْمَحْكُومُ فِيهِمَا أَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَلَوْ قُلْت الزِّنْجِيُّ أَسْوَدُ أَيْ جِلْدُهُ الزِّنْجِيُّ لَيْسَ بِأَسْوَدَ أَيْ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ وَفِي الثَّانِي كُلَّهَا فَيَتَغَايَرَانِ.
وَكَذَا إذَا قُلْتَ الْجِسْمُ مُفَرِّقٌ لِلْبَصَرِ أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، الْجِسْمُ لَيْسَ بِمُفَرِّقٍ لِلْبَصَرِ أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَسْوَدَ فَإِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ الْجِسْمُ الْمَوْصُوفُ بِالْبَيَاضِ وَفِي الثَّانِي الْجِسْمُ الْمَوْصُوفُ بِالسَّوَادِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَبِالْجُمْلَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُغَايِرَ أَحَدُ الْكَلَامَيْنِ لِلْآخَرِ فِي شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ إلَّا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ
стр. 797
وَ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ وَبَيْنَ سُنَّتَيْنِ نَوْعَانِ: الْمَصِيرُ إلَى الْقِيَاسِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالنَّاسِخِ يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِمَا وَعِنْدَ الْعَجْزِ يَجِبُ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي وُقُوعِ الْمُعَارَضَةِ الْجَهْلُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَانَ بَيْنَ آيَتَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَنْفِي أَحَدُهُمَا مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ بِعَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ
[حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ]
قَوْله (وَحُكْمُ الْمُعَارَضَةِ) كَذَا إذَا تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَالسَّبِيلُ فِيهِ الرُّجُوعُ إلَى طَلَبِ التَّارِيخِ فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ سَقَطَ حُكْمُ الدَّلِيلَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَبِأَحَدِهِمَا عَيْنًا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ وَالتَّرْجِيحُ لَا يُمْكِنُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَمَلِ أَيْضًا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَهُمَا فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَإِذَا تَسَاقَطَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُمْكِنُ بِهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ الْتَحَقَتْ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ النَّصَّانِ بِتَسَاقُطِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ دَلِيلٍ آخَرَ يُتَعَرَّفُ بِهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ إنْ وُجِدَتْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ أَمْكَنَ أَوْ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ إنْ لَمْ تُوجَدْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَ السُّنَّةِ مِمَّا يُمْكِنُ بِهِ إثْبَاتُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسُ، ثُمَّ عِنْدَ مَنْ أَوْجَدَ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ مُطْلَقًا فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَفِيمَا لَا يُدْرَكُ بِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِهِمْ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَإِلَى الْقِيَاسِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ هُوَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ آيَتَيْنِ فَالْمَيْلُ إلَى السُّنَّةِ وَاجِبٌ وَإِنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ فَالْمَيْلُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَإِنْ وَقَعَ بَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَالْمَيْلُ إلَى الْقِيَاسِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَبَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَعِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ الْقِيَاسِ وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمَّا كَانَ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قِيَاسٍ آخَرَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعَارُضِ قِيَاسَيْنِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا بِشَرْطِ التَّحَرِّي.
ثُمَّ مُخْتَارُ الشَّيْخِ إنْ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ أَيْ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ وَبَيْنَ السُّنَّتَيْنِ نَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ لَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا عَلَى التَّسَاوِي، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّانِي يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ مُتَعَلِّقًا بِمَا تَقَدَّمَ لَا بِقَوْلِهِ إلَى الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَيْ الْكِتَابُ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّنَّةِ فَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ يُصَارُ إلَى السُّنَّةِ وَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَإِنَّمَا قَالَ وَبَيْنَ سُنَّتَيْنِ نَوْعَانِ وَإِنْ كَانَ يُصَارُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَيْهِمَا مِنْ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ شُبْهَةُ السَّمَاعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ (وَعِنْدَ الْعَجْزِ) يَعْنِي عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَصِيرِ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ دَلِيلٌ آخَرُ يُعْمَلُ بِهِ، أَوْ يُوجَدُ التَّعَارُضُ فِي الْجَمِيعِ يَجِبُ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ أَيْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّصَّيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْمُعَارَضَةِ نَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَ الْمُتَعَارِضَيْنِ مِنْ الدَّلِيلِ إنْ أَمْكَنَ وَتَقْرِيرُ الْأُصُولِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ ثُمَّ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ آيَتَيْنِ فَالْمَصِيرُ
стр. 798
أَوْ قِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةٍ أَوْ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ أَوْ سُنَّةٍ وَآيَةٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَائِغٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِمَّا بَيْنَ قِيَاسَيْنِ أَوْ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ فَحَلَّ مَحَلَّ الْقِيَاسِ أَيْضًا، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَعَارَضَا لَمْ يَسْقُطَا بِالتَّعَارُضِ لِيَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْحَالِ بَلْ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ النَّصَّيْنِ كَانَ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْجَهْلُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ فَنَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى الْقِيَاسِ وَإِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ جَعَلْتَ الْمَصِيرَ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ نَوْعًا وَاحِدًا وَتَقْرِيرَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْعَجْزِ نَوْعًا آخَرَ فَلَهُ وَجْهٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فِي هَذَا الْكَلَامِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي سِرُّهُ.
ثُمَّ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ فِي تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ وَالْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ فِي تَعَارُضِ السُّنَّتَيْنِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا كَانَ التَّسَاوِي ثَابِتًا فِي عَدَدِ الْحُجَجِ بِأَنْ كَانَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَمِنْ جَانِبٍ دَلِيلَانِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ يَسْقُطُ بِالتَّعَارُضِ وَالدَّلِيلُ الْآخَرُ الَّذِي سَلِمَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ يُتَمَسَّكُ بِهِ وَلَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا عِبْرَةَ لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَقِلَّتِهِ فِي التَّعَارُضِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
ثُمَّ قِيلَ نَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالْمَصِيرِ إلَى السُّنَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فَإِنَّ الْأَوَّلَ بِعُمُومِهِ يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمُقْتَدِي لِوُرُودِهِ فِي الصَّلَاةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَبِدَلَالَةِ السِّيَاقِ، وَالسِّيَاقُ الثَّانِي يَنْفِي وُجُوبَهَا عَنْهُ إذْ الْإِنْصَاتُ لَا يُمْكِنُ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فَيَتَعَارَضَانِ فَيُصَارُ إلَى الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَقَوْلُهُ ﵇ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَلَا يُعَارِضُهُمَا قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ قَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَنَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ وَالْمَصِيرِ إلَى الْقِيَاسِ مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَمَا تُصَلُّونَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ» وَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» فَإِنَّهُمَا لَمَّا تَعَارَضَا صِرْنَا إلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ (أَوْ قِرَاءَتَيْنِ) مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يَطْهُرْنَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِلْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ وَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لِنُزُولِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ وَهُوَ زَمَانٌ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ نُزُولَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ الْإِذْنُ بِالْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى بِزَمَانٍ طَوِيلٍ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ نَاسِخَةً لِحُكْمِ الْأُولَى فِيمَا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إلَّا أَنَّا لَمَّا لَمْ نَعْرِفْ الْأُولَى مِنْ الثَّانِيَةِ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ) ؛ (لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا) أَيْ لَا يُصْلَحُ نَاسِخًا لِشَيْءٍ أَصْلًا أَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ النَّسْخَ لِبَيَانِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ حُسْنِ الْمَشْرُوعِ، وَلِهَذَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ حُسْنِ الْمَشْرُوعِ وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النَّصِّ أَيْضًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَيْ بَيَانُ عَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ كَذَا يَعْنِي. الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَسْقُطَانِ بِهِ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا لِشَرْطِ التَّحَرِّي
стр. 799
وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَاحِدٌ يُصِيبُهُ الْمُجْتَهِدُ مَرَّةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْجُورًا عَلَى عَمَلِهِ وَجَبَ التَّخْيِيرُ لِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِاخْتِصَاصِ الْقَلْبِ بِنُورِ الْفِرَاسَةِ.
وَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَجَهْلٌ مَحْضٌ بِلَا شُبْهَةٍ
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا احْتَاجَ إلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْعَمَلِ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، وَلِهَذَا صَارَ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْلَانِ وَأَقْوَالٌ وَأَمَّا الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ رُوِيَتَا عَنْ أَصْحَابِنَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّمَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِحْدَاهُمَا صَحِيحَةٌ وَالْأُخْرَى فَاسِدَةٌ وَلَكِنْ لَمْ تُعْرَفْ الْأَخِيرَةُ مِنْهُمَا كَالْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرِوَايَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَإِنَّهُ ﵇ قَدْ قَالَهُمَا فِي زَمَانَيْنِ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ مِنْ اللَّاحِقِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ، فَصَارَ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعَارُضَ يَجْرِي بَيْنَ النَّصَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ فِيهِمَا وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ بَلْ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ فَأَقَامَ الشَّيْخُ دَلِيلًا عَلَى الْحَاصِلِ فَقَالَ لِأَنَّ تَعَارُضَ النَّصَّيْنِ كَذَا.
وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ النَّصَّيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ إلَّا وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَنْسُوخٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنَّا جَهِلْنَاهُ وَالْجَهْلُ لَا يَصِيرُ عَمَلًا شَرْعِيًّا وَالِاخْتِيَارُ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ وَأَمَّا الْقِيَاسَانِ فَيَتَعَارَضَانِ عَلَى طَرِيقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ حُجَّةً يُعْمَلُ بِهِ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَخْطَأَهُ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةً لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُ الْعَمَلِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ كَمَا فِي أَجْنَاسِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّكْفِيرُ. قُلْنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهِ لَكِنْ كِلَاهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ إصَابَةِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ نُورٌ يُدْرِكُ بِهِ مَا هُوَ بَاطِنٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ ﵇ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» وَإِصَابَةُ الْحَقِّ غَيْبٌ فَتَصْلُحُ شَهَادَةُ الْقَلْبِ حُجَّةً فِي ذَلِكَ فَيَعْمَلُ بِمَا شَهِدَ بِهِ قَلْبُهُ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الْإِصَابَةِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا حُجَّتَانِ فِي الْعَمَلِ بِهِمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ صَارَا مُتَعَارِضَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ وَالْآخَرَ صَوَابٌ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا الصَّوَابُ كَمَا فِي النَّصَّيْنِ فَمِنْ وَجْهٍ يَسْقُطُ وَمِنْ وَجْهٍ لَا يَسْقُطُ فَقُلْنَا يَحْكُمُ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَيَعْمَلُ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. (لِأَنَّ ذَلِكَ) : أَيْ الْقِيَاسَ. (وَضْعُ الشَّرْعِ) : أَيْ دَلِيلٌ وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ وَإِنْ وَقَعَ خَطَأً فَإِنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ الْقِيَاسَ بِطَرِيقِهِ وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْمَنْصُوصِ وَيُبَيِّنَ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ وَيُحَافَظَ شَرَائِطَهُ فَيَكُونَ كُلُّ قِيَاسٍ صَحِيحًا بِوَضْعِ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ التَّعَارُضُ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ أَيْ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً وَوُقُوعِ الْعِلْمِ فَلَا أَيْ لَمْ يَضَعْهُ الشَّرْعُ طَرِيقًا إلَيْهِ فَيَكُونُ سَبَبَ التَّعَارُضِ الْجَهْلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. إلَّا أَنَّهُ: أَيْ لَكِنَّ الْقَايِسَ لَمَّا كَانَ مَأْجُورًا عَلَى عَمَلِهِ أَيْ اجْتِهَادِهِ أَخْطَأَ الْحَقَّ أَوْ أَصَابَ وَجَبَ التَّخْيِيرُ أَيْ الْحُكْمُ بِالتَّخْيِيرِ لِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ: أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ طَلَبًا لِلْحَقِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ
стр. 800
وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِلَا دَلِيلٍ هُوَ الْحَالُ، وَتَعَارُضُ الْحُجَّتَيْنِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءَانِ فِي أَحَدِهِمَا مَاءٌ نَجِسٌ وَفِي الْآخَرِ طَاهِرٌ وَهُوَ لَا يَدْرِي عَمِلَ بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ فَلَمْ يَقَعْ بِالضَّرُورَةِ فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ لَا ثَوْبَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عَمِلَ بِالتَّحَرِّي
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْقِيَاسَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهُوَ شَهَادَةُ الْقَلْبِ دَلِيلٌ لِطَلَبِ الْحَقِّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ انْقِطَاعُ الْأَدِلَّةِ كَمَا فِي اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْفِرَاسَةُ نَظَرُ الْقَلْبِ بِنُورٍ يَقَعُ فِيهِ.
وَفِي الصِّحَاحِ الْفِرَاسَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ قَوْلِك تَفَرَّسْت فِيهِ خَيْرًا أَيْ أَبْصَرْت وَفَهِمْت وَهُوَ يَتَفَرَّسُ أَيْ يَتَثَبَّتُ وَيَنْظُرُ وَتَقُولُ مِنْهُ رَجُلٌ فَارِسُ النَّظَرِ وَأَنَا أَفَرَسُ مِنْهُ أَيْ أَعْلَمُ وَأَبْصَرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ» .
وَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ: أَيْ التَّعَارُضُ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَجَهْلٌ مَحْضٌ: أَيْ بِنَاءً عَلَى جَهْلٍ مَحْضٍ بِالنَّاسِخِ. بِلَا شُبْهَةٍ: أَيْ بِلَا شُبْهَةِ حَقِّيَّةَ فِي كِلَيْهِمَا فِي حَقِّ الْعَمَلِ بَلْ الْحَقُّ لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِتَحَقُّقِ التَّعَارُضِ فِي الْقِيَاسَيْنِ فَلَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ تَرْتِيبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّسَاقُطُ وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَضْطَرُّ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْوَاقِعَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ وَحُجَّةٌ يَقِينًا فَكَانَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ الْحُجَّةُ حَقِيقَةً أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ فَحَلَّ لَهُ الْعَمَلُ بِالْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا فِي تَعَارُضِ الْحُجَّتَيْنِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَمَلِ بِمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا وَهُوَ الْمَنْسُوخُ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّسَاقُطِ وَعَدَمِ التَّخْيِيرِ فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَعَدَمِ التَّسَاقُطِ وَثُبُوتِ التَّخْيِيرِ بِشَرْطِ التَّحَرِّي فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ مَسْأَلَتَا الْإِنَاءَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءَانِ مِنْ الْمَاءِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ وَلَيْسَ لَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ سِوَاهُمَا وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجَسِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بَلْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّيَمُّمَ أَوْ التُّرَابَ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ هَاهُنَا بِالتَّعَارُضِ فَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَى اسْتِعْمَالِ التَّحَرِّي لِلْوُضُوءِ لَمَّا أَمْكَنَهُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْبَدَلِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوَضُّؤُ بِأَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي وَبِدُونِهِ فَهَذَا نَظِيرُ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ، وَنَظِيرُ تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ مَسْأَلَةُ الثَّوْبَيْنِ وَهِيَ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ وَلَا يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجِسِ وَلَيْسَ لَهُ ثَوْبٌ آخَرُ طَاهِرٌ وَلَا مَاءٌ يَغْسِلُهُمَا بِهِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يَقَعُ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ لِلسَّتْرِ بُدٌّ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ فَجَازَ لَهُ التَّحَرِّي لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ حَتَّى أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ لَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ لِلشُّرْبِ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ الْعَطَشِ وَعَدَمِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا خَلَفَ لَهُ فِي حَقِّ الشُّرْبِ فَكَانَ مُضْطَرًّا فِي إقَامَةِ الشُّرْبِ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي لِلشُّرْبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَازَ لَهُ شُرْبُ الْمَاءِ النَّجِسِ حَقِيقَةً عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَالتَّحَرِّي الَّذِي فِيهِ إصَابَةُ الطَّاهِرِ مَأْمُولٌ فِيهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ لَوْ كَانَا نَجِسَيْنِ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِمَا وَلَوْ فَعَلَ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْخَلَفِ وَهُوَ التُّرَابُ وَفِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبَيْنِ لَوْ كَانَ كِلَاهُمَا نَجِسَيْنِ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فِي أَحَدِهِمَا وَيُجْزِيه وَذَلِكَ لِأَنَّ لَيْسَ لِلسَّتْرِ أَوْ لِلثَّوْبِ خَلَفٌ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي الَّذِي فِيهِ
стр. 801
لِضَرُورَةِ الْوُقُوعِ فِي الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ وَهُوَ الْحَالُ
ــ
[كشف الأسرار]
إصَابَةُ الطَّاهِرِ مَأْمُولٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ لِضَرُورَةٍ فِي الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِالتَّحَرِّي الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ جَائِزٌ الْعَمَلُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَاحْتَاجَ إلَى الْعَمَلِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالِاتِّفَاقِ لِوُجُودِ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا إذَا وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعُهُ طَاهِرٌ لَا غَيْرُ لِوُجُودِ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَالْعُدُولُ عَنْ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ إلَى مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ فَاسِدٌ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّحَرِّي وَوُجُوبِ التَّيَمُّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ مَذْهَبُنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَتَحَرَّى وَيَتَوَضَّأُ بِمَا يَقَعُ تَحَرِّيه عَلَيْهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ إنَّمَا جُعِلَ طَهُورًا فِي حَالَةِ الْعَجْزِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ قَطْعًا وَلَمْ يُوجَدْ الْعَجْزُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُصُولِ إلَى الطَّاهِرِ قَائِمٌ وَهُوَ التَّحَرِّي فَقِيَامُ الدَّلِيلِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ وَلِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى بِتَوَضُّؤٍ بِالْمَاءِ الَّذِي تَحَرَّاهُ كَانَتْ صَلَاةً بِطَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ وَجْهٍ وَمَتَى صَلَّى بِتَيَمُّمٍ كَانَتْ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلَى أَصْلِهِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنَّا نَقُولُ إنَّ التَّحَرِّيَ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ التَّحْصِيلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ التَّحْصِيلُ بِالْخَلَفِ فَلَا يَكُونُ التَّحَرِّي مُعْتَبَرًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ جُعِلَ خَلَفًا حَالَةَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْعَجْزَ عَنْهُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْمَالُ إلَّا بِالتَّحَرِّي وَشَرْعُ الْخَلَفِ يَمْنَعُ عَنْهُ وَلِأَنَّ حِلَّ الصَّلَاةِ بِتَيَمُّمٍ عُلِّقَ بِعَدَمِ ظُهُورٍ مُطْلَقٍ لَا بِعَدَمِ ظُهُورٍ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَصَارَ الْفَرْضُ أَنَّ الْخَصْمَ جَعْلُ الشَّرْعِ التَّحَرِّيَ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْخَلَفِيَّةِ لِلتُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا يَثْبُتُ مَعَ التَّحَرِّي وَقُلْنَا التَّحَرِّي لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُوَصِّلٍ إلَيْهِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ حُجَّةً لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ ضَرُورَةِ فَقْدِ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ فَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ خَلَفٌ مَشْرُوعٌ يَمْنَعُ ظُهُورَ حُجِّيَّةِ التَّحَرِّي فَيَثْبُتُ الْعَجْزُ فَإِذًا لَا يُمْكِنُهُ اعْتِبَارُ التَّحَرِّي حُجَّةً إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْخَلَفِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ أَقْوَى مِنْ التَّحَرِّي كَذَا فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ لِأَبِي الْفَضْلِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجِسِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ الْأَوَانِي الثَّلَاثَةِ نَجِسًا وَاثْنَانِ طَاهِرَانِ يَجِبُ التَّحَرِّي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْغَالِبِ وَبِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ وَإِصَابَتُهُ بِتَحَرِّيهِ مَأْمُولَةٌ، ثُمَّ فِيمَا إذَا كَانَا سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجِسِ حَتَّى لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُرِيقَ الْكُلَّ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ لِيَكُونَ تَيَمُّمُهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُرِقْ أَجْزَأَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَدِمَ آلَةَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَنَّهُ يَخْلِطُ الْمَائِينَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ بِالْإِرَاقَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَنْفَعَةُ الْمَاءِ وَبِالْخَلْطِ لَا يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يَسْقِيه دَوَابَّهُ وَيَشْرَبُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ كَانَ يَقُولُ يَتَوَضَّأُ بِالْإِنَاءَيْنِ جَمِيعًا احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَحُكْمُ نَجَاسَةِ الْأَعْضَاءِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَدَثِ فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَةِ أَغْلَظِ الْحَدَثِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَقَاسَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ مَعَ التَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَوَضِّئًا بِمَا يَتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ وَمُنَجِّسًا أَعْضَاءَهُ أَيْضًا خُصُوصًا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَسْحِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ لَا يَطْهُرُ
стр. 802
وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَا دَلِيلَ مَعَهُ أَصْلًا عَمِلَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ مُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الصَّوَابَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَمْ يَسْقُطْ الِابْتِلَاءُ بَلْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ.
، وَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ يُوجِبُ نَقْضَ الْأَوَّلِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمٍ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ التَّحَرِّي بِالْيَقِينِ فِي الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ حَادِثٌ لَيْسَ بِمُنَاقِضٍ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ نَزَلَ بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ أَوْ إجْمَاعٍ انْعَقَدَ بَعْدَ إمْضَاءِ حُكْمِ الِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ فَنَوْعَانِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِهِ يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ حَتَّى انْتَقَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ وَانْتَقَلَ مِنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَى جِهَتِهَا فَصَلُحَ التَّحَرِّي دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْمَسْحِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِهِ بِخِلَافِ سُؤْرِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُنَجِّسٍ، وَلِهَذَا لَوْ غُمِسَ الثَّوْبُ فِيهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ فَيَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ) عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الثَّوْبَيْنِ أَيْ وَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبَيْنِ يَعْمَلُ بِالتَّحَرِّي عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ بِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ يَعْمَلُ بِهِ أَيْضًا وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيْ جِهَةٍ شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ إنَّ الصَّوَابَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ صَوَابًا فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهِ فَكَذَا الصَّوَابُ فِي جِهَاتِ الْكَعْبَةِ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ جِهَةٍ صَوَابًا فِي انْتِقَالِ الْحُكْمِ إلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، أَوْ لِمَا قُلْنَا فِي مَوْضِعِهِ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ إنَّ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ مِنْ الظَّنَّيْنِ أَوْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَيْسَتْ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الِابْتِلَاءُ بِإِيجَابِ التَّحَرِّي لِمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسَيْنِ حَتَّى لَوْ تَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ صَارَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ لَا يُجْزِيه صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ التَّحَرِّي لِمَقْصُودٍ، وَقَدْ تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ فَسَقَطَتْ فَرْضِيَّتُهُ عَنْهُ
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ وَعَمِلَ بِأَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ أَيْ نَقْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ بَاطِلًا، حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمٍ أُمْضِي أَيْ أُتِمَّ بِالِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ أَيْ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِالْعَمَلِ بِهِ أَيْ يُقَوَّى بِاتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ وَتَرَجَّحَتْ جِهَةُ الصَّوَابِ فِيهِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعَمَلِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً وَصَوَابًا ظَاهِرًا وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَرَجُّحُ جَانِبِ الْخَطَأِ فِي الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْأَقْوَى بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ لَمْ يُنْقَضْ التَّحَرِّي بِالْيَقِينِ فِي الْقِبْلَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّك قَدْ قُلْت إنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ وَلَكِنَّهُ يُنْقَضُ بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ لَمْ يُنْقَضْ مَا أَدَّى بِالتَّحَرِّي بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ بِأَنْ تَيَقَّنَ بِأَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا لِلْقِبْلَةِ فِي تَحَرِّيهِ، كَمَا يُنْقَضُ حُكْمٌ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ إذَا ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْيَقِينَ حَادِثٌ لَيْسَ بِمُنَاقِضٍ يَعْنِي هَذَا الْيَقِينُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الِاجْتِهَادِ حَقِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ لِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مَا مَضَى بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ نَزَلَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَدَى عَنْ أُسَارَى بَدْرٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ نَزَلَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مَا مَضَى لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ يُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْبُطْلَانِ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الِاجْتِهَادِ وَكَانَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَهُوَ الطَّلَبُ قَائِمًا إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ
стр. 803
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ فِي الْمَشْرُوعَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ وَالتَّعَاقُبِ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ فَرَجُلٌ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى تَحَرِّي طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ آخَرَ عَلَى تَحَرِّي أَنَّ هَذَا طَاهِرٌ وَأَنَّ الْأَوَّلَ نَجِسٌ لَمْ يَجُزْ مَا صَلَّى فِي الثَّانِي إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ الْأَوَّلَ أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْأَوَّلِ وَنَجَاسَةِ الثَّانِي وَهَذَا وَصْفٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ فَبَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ،
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الطَّلَبِ فَيَنْقَضِي لِفَوَاتِ شَرْطِ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ عَدَمُ النَّصِّ، هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ فِيمَا مَضَى فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ الْآخَرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَطْلُوبَ بِالِاجْتِهَادِ إنْ احْتَمَلَ الِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ أَوْ الِانْتِسَاخَ وَالتَّعَاقُبَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الْآخَرِ إذَا تَبَدَّلَ رَأْيُهُ إلَيْهِ.
وَإِلَّا فَلَا أَيْ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الِانْتِقَالَ وَالتَّعَاقُبَ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ أَدَّى إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ قِيَاسٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَعَمِلَ وَجَعَلَ التَّحَرِّيَ حُجَّةً لَهُ ضَرُورَةً صَارَ الَّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ التَّحَرِّي، وَالْآخَرُ خَطَأً، فَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ صَارَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّعَاقُبَ وَالِانْتِقَالَ لَزِمَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ وَالتَّعَاقُبَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالتَّعَدُّدِ، وَقَدْ اُبْتُلِينَا بِالْقِيَاسِ فِي الْحَوَادِثِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ الْآخَرُ فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ) أَيْ كَمَا يُعْمَلُ بِتَبْدِيلِ التَّحَرِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ يُعْمَلُ بِتَبْدِيلِ الرَّأْيِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا إذَا اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الرَّأْيِ يُشْبِهُ النَّسْخَ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَظْهَرُ بِهِ بُطْلَانُ الْمَاضِي كَمَا فِي النَّسْخِ الْحَقِيقِيِّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ فَإِنْ لَحِقَ بِهِ حُكْمٌ فَلَا يُعْمَلُ بِتَبَدُّلِ الرَّأْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا كَمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْمَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الَّذِي نَفَذَ فِي مَحَلٍّ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ. بَيَانُهُ إذَا أَدَّى اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إلَى الْخُلْعِ الْفَسْخِ مَثَلًا فَنَكَحَ امْرَأَةً خَالَعَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَزِمَهُ تَسْرِيحُهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ إمْسَاكُهَا عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ الْحَادِثِ وَلَكِنْ لَا يُحَرِّمُ الْوَطَآتِ السَّابِقَةِ.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ خَالَعَ الزَّوْجُ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُنْقَضْ الِاجْتِهَادُ السَّابِقُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ لَوْ نُقِضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا، وَلَتَسَلْسَلَ وَاضْطَرَبَتْ الْأَحْكَامُ وَلَمْ يُوثَقْ بِهَا كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ فَرَجُلٌ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى تَحَرِّي طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً أَيْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى ثَوْبٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ طَاهِرٌ أَوْ تَقْدِيرًا أَيْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ بِالتَّحَرِّي وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَجِسٌ لَكِنْ الشَّرْعُ لَمَّا حَكَمَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ ثَبَتَ طَهَارَتُهُ تَقْدِيرًا، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي الثَّوْبَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ كُلُّهُ حَقِيقَةً أَوْ الْآخَرُ رُبْعُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ طَاهِرٌ فَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ثُمَّ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا لَمْ يَجُزْ مَا صَلَّى فِي الثَّانِي مَا لَمْ يَثْبُتْ طَهَارَتُهُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ لِأَنَّا لَمَّا حَكَمْنَا بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الثَّانِي، وَهَذَا وَصْفٌ أَيْ تَنَجُّسُ الثَّوْبِ وَصْفٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى يَثْبُتْ فِي مَحَلٍّ لَا يُتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى مَكَان آخَرَ وَلَا يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحَوُّلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِتَغَيُّرِ الْحَقَائِقِ فَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّحَرِّي ثَانِيًا كَانَ تَحْوِيلًا، فَبَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِهَذَا التَّحَرِّي الثَّانِي
стр. 804
وَمِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ سُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ لَمَّا تَعَارَضَتْ وَلَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ فَقِيلَ إنَّ الْمَاءَ عُرِفَ طَاهِرًا فَلَا يَصِيرُ نَجِسًا بِالتَّعَارُضِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْحُكْمِ بِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَةَ هِيَ الْكَعْبَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ جَازَتْ صَلَاتُهُ فَكَانَ تَحَرِّيه إلَى جِهَةٍ أُخْرَى مُصَادِفًا مَحَلَّهُ وَهَاهُنَا مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ الْأَوْلَى الْحُكْمُ بِأَنَّ الطَّاهِرَ ذَلِكَ الثَّوْبُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ فِيهِ النَّجَاسَةَ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، بَيَّنَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ تَجُوزُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَمَعَ الْعِلْمِ وَهُوَ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ لَا تَجُوزُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ فَمِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ الْأُولَى تَعْيِينُ صِفَةِ الطَّهَارَةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَالنَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَالْأَخْذُ بِالدَّلِيلِ الْحُكْمِيِّ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةً حَتَّى صَلَّى وَهُوَ سَاهٍ فِي أَحَدِهِمَا الظُّهْرَ وَفِي الْآخَرِ الْعَصْرَ وَفِي الْأَوَّلِ الْمَغْرِبَ وَفِي الْآخَرِ الْعِشَاءَ ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخَرُ فَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ جَائِزَةٌ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَتْ صَلَاتُهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ الثَّوْبِ وَبِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الْآخَرِ فَكُلُّ صَلَاةٍ أَدَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَمَا أَدَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ وَجَبَتْ إعَادَتُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ لِمَكَانِ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ صَلَّى الْمَغْرِبَ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةَ الْعَصْرِ وَالتَّرْتِيبُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ يَسْقُطُ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي) وَهُوَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ عِنْدَ الْعَجْزِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ إذْ هُوَ رَابِعُ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ سُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ فَإِنَّ الدَّلَائِلَ لَمَّا تَعَارَضَتْ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ وَلَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ بَقِيَ مُشْتَبَهًا فَوَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
ثُمَّ قِيلَ فِي بَيَانِ التَّعَارُضِ إنَّ الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فِي إبَاحَةِ لَحْمِ الْحِمَارِ وَحُرْمَتِهِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ رَوَى أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» وَرَوَى غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» فَأَوْجَبَ ذَلِكَ اشْتِبَاهًا فِي لَحْمِهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِبَاهُ فِي سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُهُ مِنْهُ وَكَذَا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِيهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَكْرَهُ التَّوَضُّؤَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَيَقُولُ إنَّهُ رِجْسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يَقُولُ إنَّ الْحِمَارَ يَعْتَلِفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا أَيْ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً إذْ الْقِيَاسُ لِتَعَدِّيهِ الْحُكْمَ لَا لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ نَصْبَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَكَوْنِ الْوِتْرِ رَكْعَةً بِالْقِيَاسِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَفِي الْأَسْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ وَأَمَّا سُؤْرُ الْحِمَارِ فَهُوَ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ لَحْمِهِ وَلَحْمُهُ مُشْكِلٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَاتٍّ، وَكَذَلِكَ السُّؤْرُ عِنْدَنَا لَا يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ بِوَجْهٍ، إلَّا أَنَّ تَحَقُّقَ الِاشْتِبَاهِ وَالْإِشْكَالُ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْآخَرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ رُجْحَانُ الْخَبَرِ الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ هَاهُنَا حَتَّى حَكَمَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِحُرْمَةِ لَحْمِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا بِوَرَقَةٍ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا حَكَمُوا بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الضَّبُعِ مَعَ تَعَارُضِ أَخْبَارِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي لَحْمِهَا بِاعْتِبَارِ تَرْجِيحِ الْحُرْمَةِ، كَيْفَ وَالدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحِلِّ وَهُوَ حَدِيثُ غَالِبٍ مُؤَوَّلٌ فَإِنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْلِ الثَّمَنِ عَلَى مَا عُرِفَ، أَوْ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّهُ قَدْ «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ وَإِنَّ سَمِينَ مَالِنَا فِي الْحَمِيرِ فَقَالَ كُلُوا مِنْ سَمِينِ مَالِكُمْ» ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّعَارُضِ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَكَذَلِكَ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَيْرُ فَرْعٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ يُلْحَقُ بِهِ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ فَلَا وَهَاهُنَا أَمْكَنَ إلْحَاقُ سُؤْرِ الْحِمَارِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ فِي النَّجَاسَةِ بِعِلَّةِ حُرْمَةِ الْأَكْلِ أَوْ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا نَصْبُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ سُؤْرَ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ أُلْحِقَ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَسُؤْرَ السِّبَاعِ أُلْحِقَ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ فِي النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَصْبُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً فَكَذَا هَذَا، فَالْأَحْسَنُ فِي بَيَانِ التَّعَارُضِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَإِنَّ جَابِرًا ﵁ رَوَى أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ قَالَ نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ وَرَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» فَإِنَّهَا رِجْسٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ.
وَقَدْ تَعَارَضَتْ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ إنْ اُعْتُبِرَ بِالْعَرَقِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا إذْ الْعَرَقُ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَجِسًا إذْ اللَّبَنُ نَجِسٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّعَارُضُ فِي الدَّلَائِلِ وَتَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا بَقِيَ الِاشْتِبَاهُ وَصَارَ الْحُكْمُ مُشْكِلًا فَوَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَهُوَ إثْبَاتُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ مَا كَانَ طَاهِرًا وَلَا يَطْهُرُ بِهِ مَا كَانَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ عُرِفَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ أَنَّ لَحْمَهُ حَرَامٌ بِلَا إشْكَالٍ وَحُرْمَةُ لَحْمِهِ تَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ أَوْجَبَتْ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْحِمَارَ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ وَيَشْرَبُ مِنْ الْأَوَانِي كَالْهِرَّةِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ دُونَهَا فِي الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَضَايِقَ الَّتِي تَدْخُلُهَا الْهِرَّةُ فَلَوْ انْتَفَتْ الضَّرُورَةُ أَصْلًا لَكَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ كَسُؤْرِ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ طَوْفَ الْكَلْبِ حَوْلَ الْأَبْوَابِ لَا فِي دَاخِلِ الدَّارِ وَالْبُيُوتِ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا كَسُؤْرِ الْهِرَّةِ فَلَمَّا اسْتَوَى الْوَجْهَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ تَسَاقَطَا وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا كَانَ ثَابِتًا وَالثَّابِتُ قَبْلَ التَّعَارُضِ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي جَانِبِ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةُ فِي جَانِبِ اللُّعَابِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَبَقِيَ مُشْكِلًا فَلَا يَطْهُرُ مَا كَانَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ مَا كَانَ طَاهِرًا.
بِخِلَافِ الْمَاءِ إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِنَجَاسَتِهِ
стр. 806
فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَآخَرُ بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَاكَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَبَرَيْنِ بِالتَّعَارُضِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَبَقِيَ الْمَاءُ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ وَهَاهُنَا الْأَصْلُ بَعْدَ التَّسَاقُطِ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةِ فِي اللُّعَابِ فَبَقِيَ مُشْكِلًا، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ، وَقَدْ عُرِفَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا بِيَقِينٍ لَزِمَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ وَلَا يَزُولُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالشَّكِّ، قُلْنَا مِنْ ضَرُورَةِ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ زَوَالُ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لَزَالَ الْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ بِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِلطَّهُورِيَّةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا إزَالَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَلَوْ قُلْنَا بِزَوَالِهِمَا بِهِ لَا يَكُونُ هَذَا تَقْرِيرًا لِلْأُصُولِ بَلْ يَكُونُ عَمَلًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ وَإِهْدَارًا لِلْآخَرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِزَوَالِ الطَّهُورِيَّةِ، وَأَعْنِي بِهِ وُقُوعَ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهَ فِيهَا إلَّا أَنَّهَا زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قِيلَ هَلَّا سَقَطَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ الَّتِي مَرَّ تَقْرِيرُهَا قُلْنَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُطَهِّرِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَاءُ كَانَ مُطَهِّرًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ هَذَا الْوَصْفِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُ بِالشَّكِّ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ احْتِيَاطًا، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ فَأَحَدُهُمَا نَجِسٌ بِيَقِينٍ كَمَا أَنَّ الْآخَرَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّصَّيْنِ كَمَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْمُطَهِّرِ، وَقَدْ عَجَزَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْعِلْمِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ مِنْهُمَا وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجِسِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُمَا وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ.
وَلَا يُقَالُ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اسْتِعْمَالُهُ أَيْضًا احْتِرَازًا عَنْ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ احْتِرَازٌ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرَّأْسِ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ بِهِ، وَقَوْلُهُ (فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ ﵏، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَاءَ عُرِفَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ هَذَا الْوَصْفُ بِالشَّكِّ فَكَانَ السُّؤْرُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْ كَوْنُهُ طَاهِرًا مَنْصُوصٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنْ أَصَابَ لُعَابُ دَابَّةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا أَوْ عَرَقُهَا ثَوْبًا فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لُعَابُ الْحِمَارِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ ثَلَاثُ مِيَاهٍ لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ اللُّعَابَ إنْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا أَوْ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا كَسُؤْرِ الْكَلْبِ فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِمَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا لَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ وَالْعُضْوُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَقِيقَةً.
وَكَأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ أَرَادَ أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرَابِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَهَارَتِهِ شَكٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ) أَيْ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ عَرَقُهُ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا أَوْ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
стр. 807
وَلَبَنُ الْأَتَانِ وَلَمْ يَزُلْ الْحَدَثُ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ فِي الْمَفْقُودِ، وَمِثَالُ مَا قُلْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا أَيْضًا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فِي مَحَلٍّ مِنْهُمْ يُوجِبُ الِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلًّا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ فَصَلُحَ الْمِلْكُ فِيهِ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا طَلَّقَ عَيْنًا ثُمَّ نَسِيَ لَمْ يَجُزْ الْخِيَارُ بِالْجَهْلِ.
وَإِذَا عَرَفْت رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ وَشَرْطَهَا وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: مِنْ قِبَلِ الْحُجَّةِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحَالِ، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ صَرِيحًا، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ دَلَالَةً.
أَمَّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِ الْحُجَّةِ فَأَنْ لَا يَعْتَدِلَ الدَّلِيلَانِ فَلَا يَقُومُ الْمُعَارَضَةُ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ رُكْنَهَا اعْتِدَالُ الدَّلِيلَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ» فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْرَقَ الْحِمَارُ وَلِأَنَّ مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي عَرَقِهِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرْكَبُهُ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀ وَفِي لُعَابِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَعَرَقِهِمَا إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: فِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالدِّرْهَمِ وَفِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَمَالِي وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀ أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ نَجِسٌ إلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يَفْسُدُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ ﵀ أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَوْلُهُ (وَلَبَنُ الْأَتَانِ) أَيْ هُوَ طَاهِرٌ كَسُؤْرِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ لَبَنَ الْأَتَانِ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ نَجِسٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ، وَعَنْ عَيْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا.
ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِطَهَارَتِهِ وَلَا بِنَجَاسَتِهِ وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ ﵀ يُنْكِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ أَنَّهُ شُرِعَ مُشْكِلًا حَقِيقَةً بَلْ سُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِ ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ. لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ: أَيْ لَا أَنْ يَعْنِيَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ حُكْمَهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الِاسْتِعْمَالِ وَانْتِفَاءُ النَّجَاسَةِ وَضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى) أَيْ وَمِثْلُ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ مِنْ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ وَالْعَمَلِ بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ وُقُوعِ الْإِشْكَالِ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَيْضًا وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَعْنِي الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا أُشْكِلَ حَالُهُ بِتَعَارُضِ الْجِهَتَيْنِ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي مَوْضِعِهِ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَبِمَنْزِلَةِ الْإِنَاثِ فِي الْبَعْضِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ فِي كُلِّ حُكْمٍ فَيُقَالُ أَكْبَرُ النَّصِيبَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ أَعْنِي نَصِيبَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَيَتَأَخَّرُ عَنْ الرِّجَالِ وَيَتَقَدَّمُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَخْتِنْهُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ لِاشْتِبَاهِ حَالِهِ بَلْ تُشْتَرَى أَمَةٌ تَخْتِنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى، وَالْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَمَا فِي حُبْلَى وَالْبُشْرَى وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَةُ وَيُؤَنَّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَظَرُوا إلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ فِي ذَاتِهِ فَلَمْ يُلْحِقُوا عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فِي وَصْفِهِ وَضَمِيرِهِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورَةِ.
وَقَدْ يُوصَفُ الرَّجُلُ بِهِ أَيْضًا فَيُقَالُ رَجُلٌ خُنْثَى وَرِجَالٌ خَنَاثَى وَخِنَاثٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُك مَا الْخِنَاثُ بَنُو قُشَيْرٍ ... بِنِسْوَانٍ يَلِدْنَ وَلَا رِجَالِ
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ) أَيْ جَوَابُ عُلَمَائِنَا فِي الْمَفْقُودِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ فَجُعِلَ حَيًّا فِي مَالِهِ حَتَّى لَا يُورَثَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَمَيِّتًا فِي مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يَرِثَ
стр. 808
وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهِمَا إذَا اخْتَلَفَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ سَقَطَ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَمُوسُ، وَقَالَ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمُثْبِتَةَ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ وَالْمُؤَاخَذَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ فَصَحَّ الْجَمْعُ وَبَطَلَ التَّدَافُعُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ أَيْضًا، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ مَا قُلْنَا) مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ مِنْ النُّصُوصِ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا مِنْ الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَيْكُمَا طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ أَحَدَيْكُمَا حُرَّةٌ وَمَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ عُيِّنَ ثُمَّ نَسِيَهُ بِأَنْ قَالَ لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِإِحْدَى أَمَتَيْهِ أَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ نَسِيَ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُعْتَقَةَ فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ كَمَا فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَقَدْ كَانَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ مَمْلُوكًا لَهُ شَرْعًا كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ فَبِمُبَاشَرَةِ الْإِيقَاعِ أَسْقَطَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَلَمْ يُسْقِطْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي التَّعْيِينِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ الْإِيجَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ وَهُوَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ.
أَوْ مَعْنَاهُ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ ذَاتُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْمَحَلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَتَبْقَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِتَصَرُّفِهِ، فَصَلُحَ الْمِلْكُ أَيْ بَقَاءُ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ كَالْقِيَاسَيْنِ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ ثَبَتَ فِيهِمَا التَّخْيِيرُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ قَدْ نَزَلَ فِي أَحَدَيْهِمَا وَخَرَجَ الْمَحَلُّ عَنْ مِلْكِهِ وَالتَّعَارُضُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ لِجَهْلِهِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي عَيَّنَهُ عِنْدَ الْإِيقَاعِ وَجَهْلُهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لَهُ شَرْعًا، وَلَوْ جُعِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صَرْفِ الْحُرْمَةِ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا كَمَا فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ لَمَّا ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ صَرْفُ الْحَقِيقَةِ عَنْ حُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَرَفْتَ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ) يَعْنِي لَمَّا عَلِمْت أَنَّ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّ شَرْطَهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا، وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا عَرَفْت كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ التَّعَارُضِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَعْدَمُهُ مِنْ الْأَصْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ ثَابِتَةٌ لِعَدَمِ رُكْنِهَا وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ عَدَمِ شَرْطِهَا وَهُوَ عَدَمُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَوْ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا فَمَا ذُكِرَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهَا وَتَسْلِيمِهَا وَهَذَا هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ أَوْ الْمُتَشَابِهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مُحْكَمٌ فِي نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] لِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ لِانْتِفَاءِ رُكْنِ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْحُجَّتَيْنِ، وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ فِي حِلِّ الْبَيْعِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَا يَكُونُ لِخَصْمِهِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَلَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَمِثْلُ الْكِتَابِ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﵇، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» لَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُجَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحُكْمُ) فَكَذَا إنَّمَا يُطْلَبُ الْمَخْلَصُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَيْنَ
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
مَا يَنْفِيهِ الْآخَرُ بِالتَّحْقِيقِ التَّدَافُعِ وَالتَّمَانُعِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَنْفِيَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ لَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي كُلِّ يَمِينٍ مَكْسُوبَةٍ بِالْقَلْبِ أَيْ مَقْصُودَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ فَيَتَحَقَّقُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ، وَقَوْلِهِ ﷻ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ مَعْقُودَةٌ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ، وَلَغْوٌ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمَعْقُودَةِ وَنَفْيِهَا عَنْ اللَّغْوِ، وَالْغَمُوسُ لَيْسَتْ بِمَعْقُودَةٍ فَكَانَتْ لَغْوًا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ إذْ اللَّغْوُ اسْمٌ لِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَيْسَتْ فِي الْغَمُوسِ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَنَّهَا ثُلُثٌ خَلَتْ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ أَوْ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فِي الْغَمُوسِ أَصْلًا فَكَانَتْ لَغْوًا أَيْ كَلَامًا لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِحُكْمِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ فَكَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ أَيْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَائِدَةِ.
وَلَمْ يَقُلْ دَاخِلَةً لِتَأْوِيلِ الْغَمُوسِ بِالْحَلِفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فِي حَقِّ الْغَمُوسِ إذْ الْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهَا عَنْهَا، فَيَتَخَلَّصُ عَنْهُ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُؤَاخَذَةُ الْمُثْبَتَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ، مُطْلَقَةٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُؤَاخَذَةُ الْكَامِلَةُ فَإِنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِلْجَزَاءِ وَلِلْمُؤَاخَذَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فَأَمَّا الدُّنْيَا فَدَارُ ابْتِلَاءٍ يُؤَاخِذُ الْمُطِيعَ فِيهَا بِمِحْنَةٍ تَطْهِيرًا وَيُنْعِمُ عَلَى الْعَاصِي اسْتِدْرَاجًا وَالْمُؤَاخَذَاتُ الْمُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِأَسْبَابٍ لَنَا فِيهَا ضَرْبُ ضَرَرٍ لِتَكُونَ زَوَاجِرَ عَنْهَا كُلِّهَا لِصَلَاحِنَا فَلَا تَتَمَحَّضُ مُؤَاخَذَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَتَمَحَّضُ فِي الْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمَنْفِيَّةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهَا نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَحَدُ النَّصَّيْنِ غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَنْفِيه الْآخَرُ فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَطَلَ التَّدَافُعُ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ نَفَى التَّعَارُضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِالْكَفَّارَةِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَحَمَلَ الْعَقْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ لَا الْعَقْدُ الَّذِي ضِدُّهُ الْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْدِ الْقَلْبِ وَعَزْمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى رَبْطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ يُقَالُ عَقَدْتُ عَلَى كَذَا أَيْ عَزَمْت وَاعْتَقَدْتُ كَذَا أَيْ قَصَدْت وَمِنْهُ الْعَقِيدَةُ لِلْعَزِيمَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَقَدْت عَلَى قَلْبِي بِأَنْ نَكْتُمَ الْهَوَى ... فَصَاحَ وَنَادَى إنَّنِي غَيْرُ فَاعِلٍ
وقَوْله تَعَالَى ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] مُفَسَّرٌ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْقَصْدَ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمِلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَيَكُونُ الْغَمُوسُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَاخِلَةٌ فِي الْعَقْدِ لَا فِي اللَّغْوِ
стр. 810
وَأَمَّا الْحَالُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَيَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حِنْثٍ فَقَالَ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَنِثْتُمْ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ إلَّا فِي الْغَمُوسِ، فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمَعْقُودَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ لَمَّا بَطَلَ التَّدَافُعُ وَالتَّعَارُضُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ أَيْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ فَائِدَةِ النَّصِّ فَإِنَّا مَتَى حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ تَكْرَارًا وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِفَادَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ رَبْطُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَبْلِ بِالْآخَرِ وَالْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يُسَمَّى عَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِبَاطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ أَوْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا تَرْتَبِطُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا إلَّا أَنَّهَا سَبَبُ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَجَازًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لَا يُحْتَمَلُ عَقْدُ الْقَلْبِ أَصْلًا فَكَانَ حَمْلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَقِيقَةِ، وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَصْدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِثْمِ وَنَفَاهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا فَلَزِمَ تَسْلِيمُ الْبَيَانِ وَالْعَمَلُ بِكُلِّ نَصٍّ عَلَى حِدَةٍ دُونَ صَرْفِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَتَقْيِيدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ وَلَا فِي الْعُقْدَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ وَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ التَّعَارُضَ بِأَنْ جَعَلَهَا دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ لِيُمْكِنَهُ إيرَادُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ سَقَطَ التَّعَارُضُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ ثَابِتًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إلَى آخِرِهِ
١ -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَالُ) أَيْ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ الْقُرْبَانُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ سَوَاءٌ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ الْقُرْبَانُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ الِاغْتِسَالُ.
وَالْقَوْلُ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَبَيْنَ امْتِدَادِ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَبَيْنَ اقْتِصَارِهِ دُونَهَا تَنَافٍ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ أَيْ بِأَنْ تُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى حَالٍ فَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ
следующие страницы →