← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَ النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ جَائِزٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِفَسَادِهِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ فَرِيقَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ بَاطِلٌ عَقْلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بَاطِلٌ سَمْعًا وَتَوْقِيفًا وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ النَّسْخَ لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ مُسْلِمٍ مَعَ صِحَّةِ عَقْدِ الْإِسْلَامِ أَمَّا مَنْ رَدَّهُ تَوْقِيفًا فَقَدْ احْتَجَّ أَنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه قَالَ لِقَوْمِهِ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَأَنَّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ وَأَنَّهُ بَلَغَهُمْ بِمَا هُوَ طَرِيقُ الْعِلْمِ عَنْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه أَنْ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَتِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى قُبْحِهِ ــ [كشف الأسرار] وَهُوَ النَّاسِخُ وُجُودَ الْخَلَفِ الزَّوَالِ أَيْ زَوَالِ الْمَنْسُوخِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْإِبْطَالِ فَإِنَّ الْمُبْطِلَ لِلشَّيْءِ يَخْلُفُ زَوَالَهُ وَهُوَ أَيْ النَّسْخُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَنْتَهِي فِي وَقْتِ كَذَا بِالنَّاسِخِ فَكَانَ النَّاسِخُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِهِ تَعَالَى مُبَيِّنًا لِلْمُدَّةِ لَا رَافِعًا إلَّا أَنَّهُ أَطْلَقَهُ أَيْ لَمْ يُبَيِّنْ تَوْقِيتَهُ الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ حِينَ شَرَعَهُ فَكَانَ ظَاهِرُهُ الْبَقَاءَ فِي حَقِّ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ يُوهِمُنَا بَقَاءَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقْطَعَ الْقَوْلَ بِهِ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ عِنْدَ الشَّيْخِ هُوَ التَّبْدِيلُ وَالْإِبْطَالُ لُغَةً وَكَذَلِكَ شَرْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الْعِبَادِ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ. قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ وَالْحَقُّ عِنْدَنَا وَاحِدٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ جَمِيعًا وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ فَمُتَعَدِّدٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَهَاهُنَا الْحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُهُ بَيَانًا لَا رَفْعًا وَإِبْطَالًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ أَيْ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ بِلَا شُبْهَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إذْ لَا أَجَلَ لَهُ سِوَاهُ كَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَالْمَوْتُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا حَصَلَ فِي الْمَيِّتِ حَتْفَ أَنْفِهِ لَا بِفِعْلِ الْقَاتِلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَوَلِّدَاتِ وَفِي حَقِّ الْقَاتِلِ تَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ أَيْ إبْطَالٌ وَقَطْعٌ لِلْحَيَاةِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِسَبَبِ الْمَوْتِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ خَطَأً. [النَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ] قَوْلُهُ (وَالنَّسْخُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ جَائِزٌ صَحِيحٌ) اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فِي جَوَازِ النَّسْخِ فَأَجَازَهُ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ سِوَى قَوْمٍ لَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِهِمْ وَفِرَقُ النَّصَارَى كُلُّهَا وَافْتَرَقَتْ الْيَهُودُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ كَذَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ وَهُمْ الْعِيسَوِيَّةُ إلَى جَوَازِهِ عَقْلًا وَسَمْعًا وَهُمْ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَكِنْ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَا إلَى الْأُمَمِ كَافَّةً وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ إلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَسَمْعًا وَذَهَبَتْ الْفُرْقَةُ الثَّالِثَةُ إلَى جَوَازِهِ عَقْلًا وَامْتِنَاعِهِ سَمْعًا وَزَادَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِرْقَةً أُخْرَى فَقَالَ وَزَعَمَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى مِنْ الْيَهُودِ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ وَأَثْقَلُ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ إذَا كَانُوا لِذَلِكَ مُسْتَحَقِّينَ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ وَقَالَتْ الْيَهُودُ بِفَسَادِهِ الْفُرْقَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ دُونَ الْجَمِيعِ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ النَّسْخَ مِثْلُ أَبِي مُسْلِمٍ عَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الْأَصْبَهَانِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ النَّسْخَ فِي شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْكَرَ وُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ. وَالْمُرَادُ بَعْضُ مَنْ انْتَحَلَ الْإِسْلَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ لَا أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ إنْكَارَ النَّسْخِ مَعَ صِحَّةِ عَقْدِ الْإِسْلَامِ لَا يُتَصَوَّرُ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ النَّسْخَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: النَّسْخُ جَائِزٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ وَذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَدْ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي هَذَا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الْيَهُودِ وَفِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَسَبُوهُ إلَى أَبِي مُسْلِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَهُوَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ

стр. 877

وَالنَّسْخُ يَدُلُّ عَلَى ضِدِّهِ فَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْبَدَاءَ وَالْجَهْلَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِهِ وَوُجُودِهِ سَمْعًا وَتَوْقِيفًا أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُنْكِرْ اسْتِحْلَالَ الْأَخَوَاتِ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَاسْتِحْلَالَ الْجُزْءِ لِآدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَهِيَ حَوَّاءُ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهُ وَأَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِغَيْرِهِ ــ [كشف الأسرار] مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَهُ كِتَابٌ كَثِيرٌ فِي التَّفْسِيرِ وَكُتُبٌ كَثِيرَةٌ فَلَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْخِلَافُ مِنْهُ وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَالْكَلَامُ مَعَهُ أَنْ نُرِيَهُ وُجُودَ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ نَسْخِ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَوُجُوبِ التَّرَبُّصِ حَوْلًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَوُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشْرَةِ بِثَبَاتِهِ لِلِاثْنَيْنِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ كَانَ مُكَابَرَةً وَاسْتَحَقَّ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ مَعَهُ وَيُعْرَضَ عَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ لَا أُسَمِّيهِ نَسْخًا كَانَ هَذَا نَعْتًا لَفْظِيًّا وَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ رَفْعَ شَرْعِ مَا قَبْلَنَا بِشَرْعِنَا لَا يَكُونُ نَسْخًا أَيْضًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَمَّا مَنْ رَدَّهُ تَوْقِيفًا أَيْ نَصًّا لَا عَقْلًا فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا يُرْوَى عَنْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه أَنَّهُ قَالَ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ أَيْ بِالْعِبَادَةِ فِي السَّبْتِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ عِنْدَهُمْ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ بَلَغَهُمْ بِالطَّرِيقِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ وَهُوَ التَّوَاتُرُ عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ شَرِيعَتِي لَا تُنْسَخُ وَأَنَّهُ قَالَ تَمَسَّكُوا بِشَرِيعَتِي مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَأَنَّهُ قَالَ أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ قَالُوا: وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَنَا لَمْ يَجُزْ لَنَا تَصْدِيقُ مَنْ ادَّعَى نَسْخَ شَرِيعَتِهِ كَمَا أَنَّكُمْ لَمَّا زَعَمْتُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ قَالَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَقَالَ أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَمْ تُصَدِّقُوا مَنْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ نَسْخَ شَرِيعَتِهِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ طَعَنُوا فِي رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ مِنْ أَجَلِ الْعَمَلِ بِالسَّبْتِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَهُ وَرَدَّهُ عَقْلًا فَقَدْ احْتَجَّ بِوُجُوهٍ مِنْ الشُّبَهِ أَحَدُهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى قُبْحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالنَّسْخُ يَدُلُّ عَلَى ضِدِّهِ أَيْ نَسْخُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى ضِدِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِنَّ نَسْخَ الْأَمْرِ يَكُونُ بِالنَّهْيِ وَنَسْخُ النَّهْيِ بِالْأَمْرِ أَوْ بِالْإِبَاحَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ لِحُسْنِهِ كَانَ قَبِيحًا فِي ذَاتِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ لِقُبْحِهِ كَانَ حَسَنًا فِي نَفْسِهِ أَوْ غَيْرَ قَبِيحٍ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فَكَانَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ النَّسْخِ مُؤَدِّيًا إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْبَدَاءِ عَلَى اللَّهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ؛ لِأَنَّ الْبَدَاءَ يَنْشَأُ مِنْ الْجَهْلِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الظُّهُورِ بَعْدَ الْخَفَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَا لَهُمْ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ إذَا ظَهَرَ بَعْدَ خَفَائِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ بَعْدَ الْخَفَاءِ وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَالثَّانِي أَنَّ الْخِطَابَ الْمَنْسُوخَ حُكْمُهُ عَلَى زَعْمِكُمْ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى التَّأْقِيتِ أَوْ التَّأْبِيدِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ قَبُولُ الْخِطَابِ النَّسْخَ أَمَّا إذَا كَانَ مُوَقَّتًا فَلِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِانْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَشَرْطُ النَّسْخِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى التَّأْبِيدِ فَكَذَلِكَ إذْ لَوْ قَبِلَ النَّسْخَ مَعَ التَّأْبِيدِ يَلْزَمُ التَّنَاقُصُ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ وَغَيْرُ مُؤَبَّدٍ وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى نَفْيِ الْوُثُوقِ بِتَأْبِيدِ حُكْمٍ بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ النَّسْخِ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى لَنَا وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الظَّوَاهِرِ اللَّفْظِيَّةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَالِ الشَّرِيعَةِ وَالنَّجَاءُ قَوْلُ الْبَاطِنِيَّةِ إلَيْهَا

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى جَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ النَّسْخُ الَّذِي هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ لَكَانَ رَفْعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ مَعَهُ وَارْتِفَاعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ بَاطِلٌ لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا فِي الْحَالَيْنِ وَرَفْعُ الْمَعْدُومِ مُمْتَنِعٌ وَارْتِفَاعُهُ مَعَ وُجُودِهِ أَجْدَرُ بِالْبُطْلَانِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ لِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَهُ مَوْجُودًا وَمَعْدُومًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ. وَمَنْ أَنْكَرَ جَوَازَهُ وَوُقُوعَهُ مِمَّنْ انْتَحَلَ الْإِسْلَامَ تَمَسَّكَ بِأَنَّ النَّسْخَ إبْطَالٌ وَهُوَ يُنَافِي الْكِتَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] فَلَا يَجُوزُ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ فِي السُّنَّةِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ وَلِمُنَافَاتِهَا الْإِبْطَالَ كَالْكِتَابِ وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِهِ بَلْ عَلَى وُجُودِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِجَوَازِهِ عَقْلًا مِنْ حَيْثُ السَّمْعُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ وَبِهِ حَصَلَ التَّنَاسُلُ وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ آدَمَ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ وَكَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِالْجُزْءِ كَانَ حَلَالًا لِآدَمَ ﵇ فَإِنَّ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ كَانَتْ مَخْلُوقَةً مِنْ ضِلْعِهِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْخَبَرُ ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الشَّرَائِعِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ وَأَنْ يَسْتَمْتِعَ بَعْضٌ مِنْهُ بِنِكَاحِ نَحْوِ ابْنَتِهِ. وَكَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ ﵇ وَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ خَطَبَ الصُّغْرَى فَقَالَ أَبُوهُمَا: لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ بَلَدِنَا أَنْ تُزَوَّجَ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى فَتَزَوَّجَهُمَا مَعًا ثُمَّ حَرُمَ الْجَمْعُ فِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَكَذَا الْعَمَلُ فِي السَّبْتِ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ السَّبْتَ مُخْتَصٌّ بِشَرِيعَتِهِ ثُمَّ انْتَسَخَتْ تِلْكَ الْإِبَاحَةُ بِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَكَذَا تَرْكُ الْخِتَانِ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ انْتَسَخَ بِالْوُجُوبِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ حَيْثُ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ وِلَادَةِ الطِّفْلِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إنْكَارِهِ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ آدَمَ أُمِرَ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ اللَّاتِي كُنَّ فِي زَمَانِهِ وَحِينَئِذٍ تَحْرِيمُ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِكَوْنِهِ رَفْعَ مُبَاحِ الْأَصْلِ إذْ لَمْ يُؤْمَرْ مَنْ بَعْدَهُ بِهِ حَتَّى يَكُونُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ نَسْخًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُقَيَّدًا بِظُهُورِ شَرْعِ مَنْ بَعْدَهُ وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ تَحْرِيمُهُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ نَسْخًا لِانْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِظُهُورِ شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا أَنَّ إبَاحَةَ الْإِفْطَارِ بِاللَّيَالِيِ لَا تَكُونُ نَسْخًا لِإِيجَابِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ وَعَلَى الثَّانِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْجُزْءِ ثَبَتَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي شَرِيعَتِهِ بَلْ أُحِلَّ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ حَوَّاءَ خَاصَّةً حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِسَائِرِ بَنَاتِهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ بَنِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ نَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ الْبِنْتِ عَلَى غَيْرِهِ نَسْخًا لِحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْجُزْءِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بَلْ كَانَ الْحِلُّ مُنْتَهِيًا بِوَفَاتِهِ كَانْتِهَاءِ الصَّوْمِ بِاللَّيْلِ وَعَلَى الْبَاقِي أَنَّ الْجَمْعَ وَالْعَمَلَ بِالسَّبْتِ وَالْخِتَانِ كَانَ مُبَاحًا بِحُكْمِ الْأَصْلِ وَتَحْرِيمُ مُبَاحِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ ثُبُوتُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَبَقَاؤُهَا إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُزِيلُ وَعَدَمُ اخْتِصَاصِهَا بِقَوْمٍ دُونَ

стр. 879

مِنْ الشَّرَائِعِ وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَنَّ النَّسْخَ هُوَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ لِلْعِبَادِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ غَيْبًا عَنْهُمْ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إنَّمَا نُجَوِّزُ النَّسْخَ فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ عَنْ ذِكْرِ الْوَقْتِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا وَيَحْتَمِلُ الْبَقَاءَ وَالْعَدَمَ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ فِي حَيَاتِهِ لِلْإِيجَابِ لَا لِلْبَقَاءِ بَلْ الْبَقَاءُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ عَلَى احْتِمَالِ الْعَدَمِ بِدَلِيلِهِ لَا أَنَّ الْبَقَاءَ بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْبَقَاءَ لُغَةً فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلُ النَّسْخِ مُتَعَرِّضًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ بِوَجْهٍ إلَّا ظَاهِرًا بَلْ كَانَ بَيَانًا لِلْمُدَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْبٌ عَنَّا وَهِيَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ بِلَا شُبْهَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِيجَادِ أَنَّ حُكْمَهُ الْحَيَاةُ وَالْوُجُودُ لَا الْبَقَاءُ بَلْ الْبَقَاءُ لِعَدَمِ أَسْبَابِ الْفَنَاءِ ــ [كشف الأسرار] قَوْمٍ إلَّا بِمُخَصِّصٍ فَلَا يَثْبُتُ وَالتَّقْيِيدُ بِالِاحْتِمَالِ بَلْ يُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ عِلْمِيَّةٌ فَلَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَمْرُ آدَمَ ﵇ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ تَقْيِيدٌ وَتَخْصِيصٌ فَوَجَبَ إجْرَاؤُهُ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ الِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَاشِئٍ عَنْ دَلِيلٍ وَبِمِثْلِهِ لَا يَخْرُجُ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ إلَى الظَّنِّ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ لَوْ صَارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا بِكُلِّ احْتِمَالٍ لَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إلَى جَمِيعِ الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ فَالْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ ثَبَتَا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِالشَّرَائِعِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ رَفْعُهَا رَفْعًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَكَانَ نَسْخًا لَا مَحَالَةَ، فَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَلَا مَحِيصَ عَنْهُ إنْ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ الَّذِي ذَكَرُوهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ قَوْلُهُ (وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَنَّ النَّسْخَ) كَذَا يَعْنِي لَوْ وَقَّتَ الشَّارِعُ حُكْمًا فِي ابْتِدَاءِ شَرْعِهِ إلَى غَايَةٍ بِأَنْ قَالَ شَرَعْت الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ إلَى الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ لَصَحَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ قُبْحٍ وَبَدَاءٍ، فَكَذَا إذَا بَيَّنَ أَمَدَهُ مُتَرَاخِيًا عَنْ زَمَانِ شَرْعِهِ بِالنَّسْخِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ الَّتِي هِيَ غَيْبٌ عَنْ الْعِبَادِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ الْبَدَاءِ فِي شَيْءٍ. وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ الْمُدَّةِ لَا بَدَاءٌ أَنَّا إنَّمَا يَجُوزُ النَّسْخُ فِي حُكْمٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا بَعْدَمَا شُرِعَ وَأَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا وَيَحْتَمِلُ الْبَقَاءَ بَعْدَمَا شُرِعَ وَالْعَدَمَ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِلِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ تَوْقِيتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاضِي وَإِعْدَامٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ فِي حَيَاتِهِ لِلْإِيجَابِ لَا لِلْبَقَاءِ أَيْ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِبَقَائِهِ أَصْلًا بَلْ الْبَقَاءُ بَعْدَ الثُّبُوتِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ فَكَانَ ثَابِتًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لَا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ وَهُوَ الْأَمْرُ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْبَقَاءِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ وَالِائْتِمَارِ لَا لِغَيْرِهِ وَكَذَا الْوُجُودُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْبَقَاءِ وَلِهَذَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ وُجِدَ وَلَمْ يَبْقَ فَلَا يَكُونُ الْبَقَاءُ مِنْ مَوَاجِبِ الْأَمْرِ السَّابِقِ بِوَجْهٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلُ النَّسْخِ مُتَعَرِّضًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ بِوَجْهٍ أَيْ لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لَهُ بِوَجْهٍ لِاقْتِصَارِ عَمَلِهِ عَلَى حَالَةِ الْبَقَاءِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ إلَّا ظَاهِرًا أَيْ إلَّا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَهُوَ تَقَرُّرُ بَقَائِهِ فِي أَوْهَامِنَا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لَوْلَا النَّاسِخُ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ بِلَا شُبْهَةٍ أَيْ بَيَانُ الْمُدَّةِ بِالنَّسْخِ مِنْ بَابِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ نِهَايَتَهَا لَا مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِمَنَافِعَ تَعُودُ إلَى الْعِبَادِ إذْ الشَّارِعُ مُنَزَّهٌ عَنْ نَفْعٍ وَضَرَرٍ يَعُودُ إلَيْهِ وَقَدْ يَتَبَدَّلُ الْمَنْفَعَةُ بِتَبَدُّلِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إلَّا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الْحَكِيمُ الْقَدِيرُ ﷻ فَكَانَ تَبْدِيلُ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى تَبْدِيلِ الْأَحْوَالِ مِنْ بَابِ الْحِكْمَةِ لَا مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ قَوْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِلْإِيجَابِ لَا لِلْبَقَاءِ أَوْ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَيْ إحْيَاءُ الشَّرِيعَةِ بِالْأَمْرِ. وَشَرْعُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ إحْيَاءِ الشَّخْصِ وَإِيجَادِهِ مِنْ الْعَدَمِ فَإِنَّ حُكْمَ الْأَحْيَاءِ الْحَيَاةُ، وَأَثَرُ الْإِيجَادِ الْوُجُودُ لَا الْبَقَاءُ بَلْ الْبَقَاءُ بِعَدَمِ أَسْبَابِ الْفَنَاءِ بِإِبْقَاءٍ هُوَ غَيْرُ الْإِيجَادِ وَكَأَنَّ " أَوْ " سَقَطَ

стр. 880

بِإِبْقَاءٍ هُوَ غَيْرُ الْإِيجَادِ وَلَهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ فَكَانَ الْإِفْنَاءُ وَالْإِمَاتَةُ بَيَانًا مَحْضًا فَهَذَا مِثْلُهُ هَذَا حُكْمُ بَقَاءِ الْمَشْرُوعِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ فَإِذَا قُبِضَ الرَّسُولُ ﵇ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ صَارَ الْبَقَاءُ مِنْ بَعْدُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ فَصَارَ بَقَاءً يَقِينًا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِحَالٍ، فَإِذَا غَابَ الْحَيُّ بَقِيَتْ حَيَاتُهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى مَوْتِهِ فَكَذَلِكَ الْمَشْرُوعُ الْمُطْلَقُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ ــ [كشف الأسرار] مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ فِي هَذَا الْكَلَامِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ ثُمَّ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ أَوْ بِانْعِدَامِ سَبَبِ الْفَنَاءِ وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ بَلْ الْبَقَاءُ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَوْ بِعَدَمِ مَا يُعْدِمُهُ وَهُوَ أَسْبَابُ الْفَنَاءِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَقَاءَ بِعَدَمِ أَسْبَابِ الْفَنَاءِ وَعَدَمُهَا بِسَبَبِ إبْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ إبْقَاءَهُ لَمْ يُوجَدْ أَسْبَابُ الْفَنَاءِ قَوْلُهُ (بِإِبْقَاءٍ هُوَ غَيْرُ الْإِيجَادِ) ؛ لِأَنَّ الْإِبْقَاءَ إثْبَاتُ الْبَقَاءِ، وَالْإِيجَادَ إثْبَاتُ الْوُجُودِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَقَاءَ غَيْرُ الْوُجُودِ حَتَّى صَحَّ قَوْلُنَا وُجِدَ وَلَمْ يَبْقَ فَكَانَ الْإِبْقَاءُ غَيْرَ الْإِيجَادِ لَوْ كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إلَّا أَنَّ الْغَيْرِيَّةَ لَا تَجْرِي فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ تَسْمِيَةُ الْإِبْقَاءِ غَيْرَ الْإِيجَادِ تَوَسُّعًا بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِ الْأَمَارَةِ وَهُوَ كَالرَّمْيِ الْوَاحِدِ يُسَمَّى جُرْحًا وَقَتْلًا وَكَسْرًا إذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ غَيْرَ الْجُرْحِ وَالْكَسْرِ. وَلَهُ أَجَلٌ مَعْلُومٌ أَيْ لِهَذَا الْمَوْجُودِ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِبَقَائِهِ غَيْبٌ عَنْ الْعِبَادِ فَكَانَ الْإِفْنَاءُ وَالْإِمَاتَةُ بَيَانًا مَحْضًا لِمُدَّةِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الَّتِي كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْخَالِقِ حِينَ خَلَقَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْبًا عَنَّا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْبَدَاءِ وَالْجَهْلِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ قُبْحٌ وَهَذَا أَيْ النَّسْخُ مِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ الْإِفْنَاءِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ بَدَاءً وَجَهْلًا قَوْلُهُ (هَذَا حُكْمُ بَقَاءِ الْمَشْرُوعِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْت أَنْ لَا يَكُونَ الْأَحْكَامُ الْبَاقِيَةُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مَقْطُوعًا بِهَا لِبِنَاءِ بَقَائِهَا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الَّذِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَانْقِطَاعُ بَقَائِهَا عَنْ الدَّلَائِلِ الْمُثْبِتَةِ لَهَا فَقَالَ هَذَا أَيْ بَقَاءُ الْحُكْمِ بِاسْتِصْحَابِ الْحِلِّ حُكْمُ بَقَاءِ الْمَشْرُوعِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ لِاحْتِمَالِ وُرُودِ النَّسْخِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵇ فَقَدْ صَارَ الْبَقَاءُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ وَهُوَ أَنْ لَا نَسْخَ بِدُونِ الْوَحْيِ وَقَدْ انْسَدَّ بَابُهُ بِوَفَاتِهِ ﵇ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ فَصَارَ الْبَقَاءُ يَقِينًا لَا يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ أَصْلًا بِمَنْزِلَةِ مَوْجُودٍ نُصَّ عَلَى بَقَائِهِ أَبَدًا كَالْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ الْمُدَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ بَدَاءً وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ وَجْهًا آخَرَ فِي جَوَازِ النَّسْخِ عَقْلًا وَهُوَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَعْتَبِرُ الْمَصَالِحَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَيَقُولُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى حِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتَبِرُ الْغَرَضَ وَالْحِكْمَةَ فِي أَفْعَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَنَقُولُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ وَيَنْهَى عَنْهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا أَمَرَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ عَقْلًا وَمَا نَعْنِي بِالْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ إلَّا ذَلِكَ نُبَيِّنُهُ أَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يُطْلَقَ الْأَمْرُ. وَالْمُرَادُ إلَى أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ أَيْضًا أَنْ يُطْلَقَ وَالْمُرَادُ إلَى أَنْ يَنْسَخَهُ غَيْرُهُ وَإِذَا جَازَ أَنْ لَا يُوجِبَ شَيْئًا بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ ثُمَّ يُوجِبَهُ جَازَ أَيْضًا أَنْ يُوجِبَهُ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ ثُمَّ يَنْسَخَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَكَذَلِكَ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِمَصْلَحَةٍ وَاسْتِلْزَامَ النَّهْيِ عَنْهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى إذْ الْمَصَالِحُ كَمَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَوْقَاتِ وَاعْتُبِرَ هَذَا

стр. 881

وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ التَّوْقِيفَ فَبَاطِلٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَنَا تَحْرِيفُ كِتَابِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةً. ــ [كشف الأسرار] بِأَمْرِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ بِدَوَاءٍ خَاصٍّ فِي وَقْتٍ لِمَصْلَحَةٍ وَنَهْيِهِ عَنْهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ نَصَّ عَلَى التَّوْقِيتِ بِأَنْ قَالَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ الْعَمَلُ فِي السَّبْتِ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ هُوَ مُبَاحٌ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ حَسَنًا وَدَالًّا عَلَى انْتِهَاءِ حِكْمَةِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ بَدَاءً فَكَذَلِكَ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فِي التَّحْرِيمِ ثُمَّ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَبْدِيلِ الصِّحَّةِ بِالْمَرَضِ وَالْغَنَاءِ بِالْفَقْرِ وَعَكْسِهِمَا إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَصْلَحَةً فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَبِمَنْزِلَةِ تَقَلُّبِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ الطُّفُولِيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالشَّبَابِ وَالْكُهُولَةِ وَالشَّيْخُوخَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَصْرِيفُ الْأُمُورِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْحِكْمَةُ وَيَدْعُو إلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَامْتِحَانُ الْعِبَادِ وَابْتِلَاؤُهُمْ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَدْعَى إلَى صَلَاحِهِمْ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْخِطَابُ الْمَنْسُوخُ حُكْمُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ عَلَى التَّوْقِيتِ إلَى آخِرِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِدَالٍّ عَلَى التَّوْقِيتِ وَلَا عَلَى التَّأْبِيدِ صَرِيحًا بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ إنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ نَاسِخٌ، وَالتَّوْقِيتَ إنْ وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا وَرَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُوَقَّتًا وَهَذَا التَّوْقِيتُ يُسَمَّى نَسْخًا وَعَنْ قَوْلِهِمْ لَوْ جَازَ النَّسْخُ لَكَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ رَفْعِ الْحُكْمِ أَنَّ التَّكْلِيفَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ زَالَ بِالنَّاسِخِ كَمَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا مِنْ جِهَةِ الْمُخَاطَبِ لِقَطْعِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ النَّسْخَ سَبَبٌ مِنْ جِهَةِ الْمُخَاطِبِ لِقَطْعِ تَعَلُّقِهِ عَنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الدَّفْعِ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ يَرْتَفِعُ لِيَنْتَهِضَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّقْسِيمِ. وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ التَّوْقِيفَ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عِنْدَنَا تَحْرِيفُ كِتَابِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ نَقْلُهُمْ عَنْهُ حُجَّةً وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْإِيمَانُ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ الْيَوْمَ بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى ﵇ وَكَيْفَ يَصِحُّ نَقْلُهُمْ تَأْبِيدَ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَقَدْ ثَبَتَ رِسَالَةُ رُسُلٍ بَعْدَ مُوسَى ﵇ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ وَلِأَنَّ شَرْطَ التَّوَاتُرِ لَمْ يُوجَدْ فِي نَقْلِ التَّوْرَاةِ إذْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْيَهُودِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي زَمَنِ بُخْتِ نَصَّرَ فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا أَصْحَابَ التَّوَارِيخِ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلَ رِجَالَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ إلَى أَرْضِ بَابِلَ وَأَحْرَقَ أَسْفَارَ التَّوْرَاةِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَ عُزَيْرًا التَّوْرَاةَ بَعْدَ خَلَاصِهِ مِنْ أَسْرِ بُخْتِ نَصَّرَ وَقَدْ رَوَى أَحْبَارُهُمْ أَنَّ عُزَيْرًا كَتَبَ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَعِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ دَفَعَهُ إلَى تِلْمِيذٍ لَهُ لِيَقْرَأَهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَخَذُوا التَّوْرَاةَ عَنْ ذَلِكَ التِّلْمِيذِ وَنَقُولُ الْوَاحِدُ لَا يُثْبِتُ التَّوَاتُرَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ قَدْ زَادَ فِيهَا شَيْئًا وَحَذَفَ مِنْهَا فَكَيْفَ يُوثَقُ بِمَا هَذَا سَبِيلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ ثَلَاثٌ نُسْخَةٌ فِي أَيْدِي الْعَتَّابِيَّةِ وَنُسْخَةٌ فِي أَيْدِي السَّامِرِيَّةِ وَنُسْخَةٌ فِي أَيْدِي النَّصَارَى وَهَذِهِ النُّسَخُ الثَّلَاثُ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ ذُكِرَ فِيهَا أَعْمَارُ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَفِي نُسْخَةِ السَّامِرِيَّةِ زِيَادَةُ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَثِيرٍ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْعَتَّابِيَّةِ وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي فِي النَّصَارَى زِيَادَةٌ بِأَلْفٍ وَثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ وَفِيهَا أَيْضًا الْوَعْدُ بِخُرُوجِ الْمَسِيحِ وَخُرُوجِ الْعَرَبِيِّ صَاحِبِ الْجَمَلِ وَارْتِفَاعِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ عِنْدَ خُرُوجِهِمَا فَثَبَتَ أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ لَيْسَتْ بِمَوْثُوقٍ بِهَا وَأَنَّ مَا نَقَلُوهُ مِنْ تَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى وَتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ افْتِرَاءٌ عَلَى مُوسَى ﵇ وَقِيلَ أَوَّلُ

стр. 882

(بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ) مَحِلُّ النَّسْخِ حُكْمٌ يَحْتَمِلُ بَيَانَ الْمُدَّةِ وَالْوَقْتِ وَذَلِكَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَإِذَا كَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ النَّسْخَ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُلْحَقًا بِهِ مَا يُنَافِي الْمُدَّةَ وَالْوَقْتَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَيَانُهُ أَنَّ الصَّانِعَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ قَدِيمٌ لَا يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ وَالْعَدَمَ فَلَا يَحْتَمِلُ شَيْءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ النَّسْخَ بِحَالٍ. ــ [كشف الأسرار] مَنْ وَضَعَ لَهُمْ ذَلِكَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ لِيُعَارِضَ بِهِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﵇ وَأَقْرَبُ قَاطِعٍ فِي بُطْلَانِهِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى دَفْعِ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا عِنْدَهُمْ لَقَضَتْ الْعَادَةُ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَاشْتُهِرَ مِنْهُمْ كَمَا اُشْتُهِرَ سَائِرُ أُمُورِهِمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] الْآيَةَ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَأْتِيهِ مِنْ بَعْدِهِ مَا يُبْطِلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ بَيَانِ مَحِلِّ النَّسْخِ] لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ رَفْعًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحِلُّهُ حُكْمًا يَحْتَمِلُ الْمُدَّةَ وَالْوَقْتَ أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا إلَى غَايَةٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ لِيَكُونَ النَّسْخُ بَيَانًا لِمُدَّتِهِ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مُحْتَمِلًا لِلتَّوْقِيتِ يَحْصُلُ بِوَصْفَيْنِ أَيْ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ مُحْتَمِلًا فِي نَفْسِهِ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ أَيْ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا وَأَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا إذْ لَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا كَالْكُفْرِ لَاسْتَمَرَّ عَدَمُ شَرْعِيَّتِهِ وَالنَّسْخُ لَا يَجْرِي فِي الْمَعْدُومِ وَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَاسْتَمَرَّ شَرْعِيَّتُهُ ضَرُورَةً فَلَا يَجْرِي فِيهِ النَّسْخُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ تَوْقِيتٌ وَرَفْعٌ وَذَلِكَ مُنَافٍ لَمَّا لَزِمَ اسْتِمْرَارُ وُجُودِهِ. وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِحَيْثُ يَلْحَقُ بِهِ مَا يُنَافِي الْمُدَّةَ وَالْوَقْتَ أَيْ مَا يُنَافِي بَيَانَ الْمُدَّةِ بِالنَّسْخِ يَعْنِي لَمْ يَلْتَحِقْ بِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ مَا يَمْتَنِعُ لِخَوْفِ النَّسْخِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ مُدَّةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ بِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْأَوَّلِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ النَّسْخَ فَبَيَانُهُ أَنَّ الصَّانِعَ ﷻ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ أَيْ مَعَ جَمِيعِهَا مِثْلُ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ وَصِفَاتِهِ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ قَدِيمٌ دَائِمٌ أَزَلًا وَأَبَدًا فَلَا يَحْتَمِلُ شَيْءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ النَّسْخَ بِحَالٍ أَيْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِحَالٍ أَعْنِي فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَغَيْرِهَا. الْحَاصِلُ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجْرِي فِي وَاجِبَاتِ الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي جَائِزَاتِهَا وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ النَّسْخَ فِي مَدْلُولِ الْخَبَرِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْمَخْبَرِ بِهِ فِي خَبَرِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَالْخُلْفُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالنَّسْخُ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ فَلَا يَجُوزُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ بِجَوَازِهِ فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا إذَا كَانَ مَدْلُولُهُ مُتَكَرِّرًا وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ عَامًّا كَمَا لَوْ قَالَ عَمَّرْت زَيْدًا أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تِسْعَمِائَةٍ أَوْ قَالَ لَأُعَذِّبَنَّ الزَّانِيَ أَبَدًا ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت بِهِ أَلْفَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ النَّاسِخُ مُبَيِّنًا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ كَمَا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَرِّرًا نَحْوُ قَوْلِهِ أَهْلَكَ اللَّهُ زَيْدًا ثُمَّ قَوْلِهِ مَا أَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَلَوْ أَخْبَرَ عَنْ إعْدَامِهِ وَإِيجَادِهِ جَمِيعًا كَانَ تَنَاقُضًا وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَمَنَعَهُ فِي الْمَاضِي وَجَوَّزَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ الْمُتَحَقِّقَ فِي الْمَاضِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى

стр. 883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] فَإِنَّهُ نُسِخَ بَعْدَ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﵇ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى لِآدَمَ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] فَإِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وَبِظَوَاهِر آيَاتِ الْوَعِيدِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] وَغَيْرِهَا فَإِنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَكُلُّ ذَلِكَ إخْبَارٌ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّسْخَ تَوْقِيتٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ بِحَالٍ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: اعْتَقِدُوا الصِّدْقَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَى وَقْتِ كَذَا ثُمَّ اعْتَقِدُوا خِلَافَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ هُوَ الْبَدَاءُ وَالْجَهْلُ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْيَهُودُ فِي أَصْلِ النَّسْخِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ إرَادَةِ تِسْعِمِائَةٍ مِنْ لَفْظِ الْأَلْفِ وَلَا صِحَّةَ وُرُودِ النَّسْخِ عَلَى مَا الْتَحَقَ بِهِ تَأْبِيدُ مَا نُبَيِّنُ، فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] فَقَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ يَنْسَخُ مَا يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ وَيُثْبِتُ بَدَلَهُ أَوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنْسُوخٍ وَقِيلَ يَمْحُو مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكَتْبَةِ كُلِّ قَوْلِ وَفِعْلٍ وَيُثْبِتُ غَيْرَهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ وَاسِعُ الْمَجَالِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] لَيْسَ بِنَاسِخٍ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حُكْمًا ثَبَتَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى إذْ الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا ثَابِتٌ كَمَا كَانَ إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِهِمْ فِرَقٌ أُخْرَى بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِتَضَرُّعِهِمْ أَوْ بِدُعَاءِ الرَّسُولِ ﵇ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] . وَقِيلَ الْآيَةُ الْأُولَى فِي السَّابِقِينَ وَالثَّانِيَةُ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَعَنْ الْحَسَنِ سَابِقُو الْأُمَمِ أَكْثَرُ مِنْ سَابِقِي أُمَّتِنَا وَتَابِعُو الْأُمَمِ مِثْلُ تَابِعِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] مِنْ بَابِ الْقَيْدِ وَالْإِطْلَاقِ لَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَكَذَا آيَاتُ الْوَعِيدِ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ أَوْ مَخْصُوصَةٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَخْلِيدِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْخَبَرُ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﵇ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا فِي شَيْءٍ ثُمَّ وَرَدَ الْخَبَرُ بَعْدَهُ بِالْحُرْمَةِ يَنْتَسِخُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي وَأَمَّا الَّذِي يُنَافِي النَّسْخَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ فِي الْأَصْلِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَثَلَاثَةٌ تَأْبِيدٌ ثَبَتَ نَصًّا وَتَأْبِيدٌ ثَبَتَ دَلَالَةً وَتَوْقِيتٌ أَمَّا التَّأْبِيدُ صَرِيحًا فَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وَمِثْلُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] يُرِيدُ بِهِمْ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِثْلُ شَرَائِعِ مُحَمَّدٍ ﵇ الَّتِي قُبِضَ عَلَى قَرَارِهَا فَإِنَّهَا مُؤَبَّدَةٌ لَا تَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِدَلَالَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَلَا نَسْخَ إلَّا بِوَحْيٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ. وَالثَّالِثُ وَاضِحٌ وَالنَّسْخُ فِيهِ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَدَاءٌ وَظُهُورُ الْغَلَطِ لَا بَيَانُ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ ١ - قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي يُنَافِي) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي يُنَافِي النَّسْخَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ لُحُوقِ مَا يُنَافِي بَيَانَ الْمُدَّةِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَثَلَاثَةٌ أَمَّا التَّأْبِيدُ صَرِيحًا فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وَصَفَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِالْخُلُودِ أَيْ بِالْإِقَامَةِ فِيهَا وَهُوَ مُطْلَقٌ يَقْبَلُ الزَّوَالَ فَلَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ الْأَبَدُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْبَلُ الزَّوَالَ؛ لِأَنَّ فِيهَا بَعْدَ التَّنْصِيصِ عَلَى التَّأْبِيدِ بَيَانُ التَّوْقِيتِ فِيهِ بِالنَّسْخِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبَدَاءِ وَظُهُورِ الْغَلَطِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْهُ وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ اتَّبَعُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَصَدَّقُوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَوَاَللَّهِ مَا اتَّبَعَهُ مَنْ دَعَاهُ رَبًّا، وَمَعْنَى الْفَوْقِيَّةِ هَاهُنَا الْغَلَبَةُ بِالْحُجَّةِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَبِهَا وَبِالسَّيْفِ حِينَ أَظْهَرَ مُحَمَّدًا ﵇ وَأُمَّتَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ كَذَا فِي الْمَطْلَعِ. وَفِي الْكَشَّافِ وَمُتَّبِعُوهُ هُمْ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الشَّرَائِعُ دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ مِنْ الْيَهُودِ وَكَذَبُوا

стр. 884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى وَعَنْ ابْنِ زَيْدٍ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ فَوْقَ الْيَهُودِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مَمْلَكَةٌ كَمَا لِلنَّصَارَى ثُمَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ تَوْقِيتًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الظَّاهِرِ فَهُوَ تَأْبِيدٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرُونَ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] ، فَإِذَا كَانَ مُتَّبِعُوهُ ظَاهِرِينَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ غَلَبَةِ الْكُفَّارِ كَانُوا غَالِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ غَلَبَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانُوا غَالِبِينَ أَبَدًا ضَرُورَةً وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ خَائِفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَصْدُرُ إذَا خَافَهُ وَلَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ إيرَادُ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْإِخْبَارِ لَا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَامْتِنَاعُ النَّسْخِ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ لَا بِالتَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْصُودُ إيرَادُ النَّظِيرِ لِلتَّأْبِيدِ نَصًّا وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحْكَامِ تَأْبِيدٌ صَرِيحٌ وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِإِيرَادِهِمَا فَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُمَا وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي تَأْبِيدُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُمَا لَمَّا كَانُوا مُؤَبَّدِينَ فِيهِمَا كَانَتَا مُؤَبَّدَتَيْنِ ضَرُورَةً وَالثَّالِثُ وَاضِحٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا كَذَا إلَى سَنَةٍ أَوْ قَالَ: أَحْلَلْت هَذَا الشَّيْءَ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ فَإِنَّ الْمَنْعَ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْبَدَاءِ وَالْغَلَطِ وَالنَّسْخُ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ بَاطِلٌ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ وَلَيْسَ لِهَذَا الْقِسْمِ مِثَالٌ مِنْ الْمَنْصُوصَاتِ شَرْعًا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ شَرْعِيَّةُ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَشَرْعِيَّةُ إبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي اللَّيْلِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمُوَقَّتَةٍ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. ١ - وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى جَوَازِ نَسْخِ مَا لَحِقَهُ تَأْبِيدٌ أَوْ تَوْقِيتٌ مِنْ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَالشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخَانِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ لِتَأْدِيَةِ النَّسْخِ فِيهِ إلَى الْكَذِبِ وَالتَّنَاقُضِ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْخِطَابَ إذَا كَانَ بِلَفْظِ التَّأْبِيدِ فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ لِعُمُومِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطِبُ مَعَ ذَلِكَ مَرِيدًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ دُونَ الْبَعْضِ كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ الْأَشْخَاصِ وَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ وُرُودُ النَّاسِخِ الْمُعَرِّفِ لِمُرَادِ الْمُخَاطِبِ وَلِذَلِكَ لَوْ فَرَضْنَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ مُحَالٌ. تَنْبِيهٌ: إنَّ فِي الْعُرْفِ قَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ التَّأْبِيدِ الْمُبَالَغَةُ لَا الدَّوَامُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لَازِمْ فُلَانًا أَبَدًا وَفُلَانٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ أَبَدًا وَاجْتَنِبْ فُلَانًا أَبَدًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ وَيَتَبَيَّنُ بِلُحُوقِ النَّاسِخِ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ لَا الدَّوَامُ وَلِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ أَنَّ قَوْلَهُ صُومُوا أَبَدًا مَثَلًا لَا يَرْبُوا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوْلِهِ صُمْ غَدًا فَكَمَا جَازَ نَسْخُ هَذَا قَبْلَ الْغَدِ لِمَا سَنُبَيِّنُ جَازَ نَسْخُ الْآخَرِ أَيْضًا وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ نَسْخَ الْخِطَابِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ يُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ وَالْبَدَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّأْبِيدِ أَنَّهُ دَائِمٌ وَالنَّسْخُ يَقْطَعُ الدَّوَامَ فَيَكُونُ دَائِمًا غَيْرَ دَائِمٍ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِنَسْخِهِ كَمَا لَوْ قِيلَ الصَّوْمُ

стр. 885

فَصَارَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَلَّذِي هُوَ مَحِلُّ النَّسْخِ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْبَقَاءَ كَالشِّرَاءِ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ دُونَ الْبَقَاءِ ــ [كشف الأسرار] دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ التَّأْبِيدَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ بِخُصُوصِهِ وَالنَّسْخُ لَا يَجْرِي فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّأْبِيدَ يُفِيدُ الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ قَطْعًا فِي الْخَبَرِ كَمَا فِي تَأْبِيدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إنَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهْلِهِمَا وَحَمَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] عَلَى الْمُبَالَغَةِ يُنْسَبُ إلَى الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ فَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ إذْ لَا فَرْقَ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الدَّوَامِ لُغَةً فِي الصُّورَتَيْنِ وَقَوْلُهُمْ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطِبُ مَرِيدًا لِبَعْضِ الْأَزْمَانِ دُونَ الْبَعْضِ كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا اتَّصَلَ قَرِينَةٌ بِالْكَلَامِ نُطْقِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ نُطْقِيَّةٍ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ عَنْهُ، فَإِذَا خَلَا الْكَلَامُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ كَانَ دَالًّا عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قَطْعًا لِمَا مَرَّ فَكَانَ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ ضَرُورَةً فَلَا يَجُوزُ. وَلَيْسَ هَذَا كَجَرَيَانِ النَّسْخِ فِي اللَّفْظِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَعْيَانِ فَإِنَّ النَّسْخَ فِيهِ لَا يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ بِقَرِينَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ بَلْ الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْكُلِّ ثُمَّ انْقَطَعَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِالنَّاسِخِ فَكَانَ هَذَا الْبَعْضُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ بِنَصٍّ خَاصٍّ ثُمَّ انْقَطَعَ بِنَاسِخٍ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ مُتَأَخِّرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بَيَانَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ بِقَرِينَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ قُلْنَا: ذَلِكَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ عِنْدَنَا بَلْ هُوَ نَسْخٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ تَخْصِيصًا فَقَدْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ ظَنِّيٌّ عِنْدَهُ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ مُقَرَّرٌ فَيَجُوزُ مُتَأَخِّرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالْفَرِيقُ الْأَوَّلُ لَمْ يُسَلِّمُوا لُزُومَ الْبَدَاءِ وَالتَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ: صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الرَّمَضَانَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْجَمِيعِ اسْتِمْرَارُ الْوُجُوبِ مَعَ الْجَمِيعِ فَإِذًا لَا يَلْزَمُ مِنْ صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا الْإِخْبَارُ بِكَوْنِ الصَّوْمِ مُؤَبَّدًا مُسْتَمِرًّا حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِمْرَارِ بِالنَّسْخِ التَّنَاقُضُ وَالْبَدَاءُ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَقْتُ مُعَيَّنًا بِأَنْ قَالَ: صُمْ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ قَبْلَهُ بِالنَّسْخِ كَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ قَبْلَهُ بِالْمَوْتِ وَيَكُونُ التَّأْبِيدُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّسْخِ أَيْ افْعَلُوا أَبَدًا إنْ لَمْ أَنْسَخْهُ عَنْكُمْ كَمَا كَانَ قَوْلُهُ: افْعَلْ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّسْخِ أَيْ افْعَلْ كَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنْ لَمْ أَنْسَخْهُ عَنْك. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ وَلَا طَائِلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحْكَامِ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ قَدْ نُسِخَ شَرْعِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بَعْدُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ. [أَقْسَام مَالَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ] قَوْلُهُ (فَصَارَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ) مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ الْوُجُودُ وَمَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَقَدْ الْتَحَقَ بِهِ تَأْبِيدٌ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً أَوْ تَوْقِيتٌ وَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ احْتِرَازًا عَنْ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْبَقَاءَ احْتِرَازًا عَنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ كَالشِّرَاءِ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ دُونَ الْبَقَاءِ يَعْنِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُوجِبُ إبْقَاءَهُ لَهُ بَلْ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مُبْقٍ أَوْ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ وَكَذَا يُوجِبُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَلَا يُوجِبُ بَقَاءَهُ

стр. 886

فَيَنْعَدِمُ الْحُكْمُ لِانْعِدَامِ سَبَبِهِ لَا بِالنَّاسِخِ بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّضَادِّ وَالْبَدَاءِ وَلَا يَصِيرُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي حَالَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ نُسِخَ فَصَارَ الذَّبْحُ بِعَيْنِهِ حَسَنًا بِالْأَمْرِ وَقَبِيحًا بِالنَّسْخِ قِيلَ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَسْخٍ لِلْحُكْمِ بَلْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ، وَالنَّسْخُ هُوَ انْتِهَاءُ الْحُكْمِ وَلَمْ يَكُنْ بَلْ كَانَ ثَابِتًا إلَّا أَنَّ الْمَحِلَّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّهُ الْحُكْمُ عَلَى طَرِيقِ الْفِدَاءِ دُونَ النَّسْخِ ــ [كشف الأسرار] لَهُ فِي ذِمَّتِهِ قَوْلُهُ (فَيَنْعَدِمُ الْحُكْمُ) إلَى آخِرِهِ تَقْرِيبٌ وَجَوَابٌ عَنْ كَلَامِ الْيَهُودِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لُزُومَ الْبَدَاءِ وَالتَّنَاقُضِ فِي النَّسْخِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْبَقَاءِ بَلْ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ كَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُرُودِ النَّاسِخِ لِعَدَمِ سَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ بَقَائِهِ وَهُوَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لِتَبَدُّلِ ذَلِكَ الْعَدَمِ بِوُجُودِ النَّاسِخِ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ بِنَفْسِهِ مُتَعَرِّضًا لَهُ بِالْإِبْطَالِ وَالْإِزَالَةِ لِيَلْزَمَ مِنْهُ الْبَدَاءُ وَالتَّنَاقُضُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ عَدَمُهُ لِعَدَمِ سَبَبِهِ كَالْحَيَاةِ تَنْعَدِمُ بِعَدَمِ سَبَبِهَا لَا بِالْمَوْتِ. وَنَظِيرُهُ خُرُوجُ شَهْرٍ وَدُخُولُ آخَرَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَنْتَهِي بِهِ لَا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مُزِيلًا لَهُ فَكَذَا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي بِالنَّاسِخِ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُزِيلًا فَلَا يَكُونُ تَنَاقُضًا وَبَدَاءً أَوْ الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَى شَرْعِيَّتِهِ يَعْنِي انْعَدَمَ الْحُكْمُ لِعَدَمِ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَيْهِ لَا بِالنَّاسِخِ كَانْتِهَاءِ شَرْعِيَّةِ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الزَّكَاةِ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ ضَعْفُ الْمُسْلِمِينَ وَحُصُولُ إعْزَازِ الدِّينِ بِهِ فَإِنَّ تَأْلِيفَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ وَدَفْعِ أَذَاهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِهِ كَانَ إعْزَازًا لِلدِّينِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَمَّا قَوِيَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ كَانَ إعْطَاؤُهُمْ دَنِيَّةً فِي الدِّينِ لَا إعْزَازًا لَهُ فَانْتَهَى بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ النَّسْخُ بَدَاءً وَلَا تَنَاقُضًا لِعَدَمِ تَعَرُّضِ النَّاسِخِ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَصْلًا وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِاجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا زَعَمُوا بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَتَيْنِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ جَمِيعًا قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا سُؤَالٌ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَصِيرُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَسَنًا وَقَبِيحًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ فِي النَّسْخِ لُزُومَ اجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الشَّاةِ بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ قَدْ حَرُمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَ الذَّبْحُ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَعَ قِيَامِ الْأَمْرِ حَتَّى وَجَبَ ذَبْحُ الشَّاةِ فِدَاءً عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ الَّذِي بِهِ ثَبَتَ الِانْتِسَاخُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى قُبْحِهِ وَقِيَامُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِهِ وَفِيهِ اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَأَجَابَ عَنْهُ وَقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا انْتَسَخَ بِذَبْحِ الشَّاةِ وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَقِّقًا رُؤْيَاهُ بِقَوْلِهِ ﷻ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] . أَيْ حَقَقْت مَا أُمِرَتْ بِهِ بَلْ نَقُولُ الْمَحِلُّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الذَّبْحُ وَهُوَ الْوَلَدُ لَمْ يُحِلَّهُ الْحُكْمُ عَلَى طَرِيقِ الْفِدَاءِ كَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَذَا الذِّبْحَ تَقَدَّمَ عَلَى الْوَلَدِ فِي قَبُولِ الذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ إذْ الْفِدَاءُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي قَبُولِ الْمَكْرُوهِ الْمُتَوَجَّهِ عَلَيْهِ يُقَالُ: فَدَيْتُك نَفْسِي أَيْ قَبِلْت مَا تَوَجَّهَ عَلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ وَكَذَلِكَ مَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَيْرِهِ فَتَقَدَّمَ عَلَى الْمُرْمَى إلَيْهِ آخَرُ وَقَبِلَ ذَلِكَ السَّهْمَ يُقَالُ فَدَاهُ بِنَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنْ الرَّامِي إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي قَصَدَهُ وَلَمَّا سُمِّيَتْ الشَّاةُ فِدَاءً عُلِمَ أَنَّ الذَّبْحَ الْمُضَافَ إلَى الْوَلَدِ أُقِيمَ فِي الشَّاةِ وَصَارَتْ الشَّاةُ قَائِمَةً مَقَامَ الْوَلَدِ فِي قَبُولِ الذَّبْحِ مَعَ بَقَاءِ الْأَمْرِ مُضَافًا إلَى الْوَلَدِ فَيَصِيرُ مَحِلُّ إضَافَةِ السَّبَبِ الْوَلَدَ، وَمَحِلُّ قَبُولِ الْحُكْمِ الشَّاةَ وَلِهَذَا قَالَ ﵇ «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وَمَا ذُبِحَا حَقِيقَةً بَلْ فُدِيَا بِالْقُرْبَانِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقُرْبَانُ قَائِمًا مَقَامَ الْوَلَدِ صَارَ الْوَلَدُ بِذَبْحِهِ مَذْبُوحًا حُكْمًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ

стр. 887

وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فِي آخِرِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى مِنْهُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِنِسْبَةِ حُسْنِ الْحُكْمِ إلَيْهِ مُكْرَمًا بِالْفِدَاءِ الْحَاصِلِ لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ مُبْتَلًى بِالصَّبْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ إلَى حَالِ الْمُكَاشَفَةِ وَإِنَّمَا النَّسْخُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمُرَادِ بِالْأَمْرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَدْ سُمِّيَ فِدَاءً فِي الْكِتَابِ لَا نَسْخًا فَيَثْبُتُ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ــ [كشف الأسرار] بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ كَانَ هُوَ مُمْتَثِلًا لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى النَّهْيِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْأَمْرِ وَلَا تَصَوُّرَ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَمْ يَجْتَمِعَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ لِانْتِفَاءِ النَّهْيِ الْمُوجِبِ لِلْقُبْحِ النَّاسِخِ لِلْأَمْرِ بَلْ نَفَى الْأَمْرَ كَمَا كَانَ مُوجِبًا لِلْحُسْنِ إلَّا أَنَّ الْفِعْلَ انْتَقَلَ إلَى الشَّاةِ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ. (وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْحِكْمَةُ فِي إضَافَةِ إيجَابِ الذَّبْحِ إلَى الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِعْلُ الذَّبْحِ فِيهِ فَقَالَ كَانَ ذَلِكَ ابْتِلَاءً فِي حَقِّ الْخَلِيلِ ﵇ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ الِانْقِيَادُ وَالِاسْتِسْلَامُ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا بِهِ مِنْ حُرْقَةِ الْقَلْبِ عَلَى وَلَدِهِ وَفِي حَقِّ الْوَلَدِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَعَرَّةِ الذَّبْحِ إلَى حَالِ الْمُكَاشَفَةِ وَاسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ ﵇ فِي آخِرِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى أَيْ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْأَمْرِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِهَذِهِ الْجِهَةِ وَهِيَ نِسْبَةُ الذَّبْحِ إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ ذَبِيحُ اللَّهِ لَا أَنْ يَصِيرَ قُرْبَانًا بِحَقِيقَةِ الْقَتْلِ مُكْرَمًا خَبَرٌ آخَرُ لِيَصِيرَ أَيْ وَأَنْ يَصِيرَ مُكْرَمًا بِالْفِدَاءِ الْحَاصِلِ لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَاصِلِ وَضَمَّنَ الْحَاصِلَ مَعْنَى الدَّافِعِ أَيْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي حَصَلَ دَافِعًا لِمَعَرَّةِ الذَّبْحِ أَيْ لِشِدَّتِهِ أَوْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي حَصَلَ لِأَجْلِ دَفْعِ مَعَرَّتِهِ مُبْتَلًى خَبَرُ آخَرُ لَهُ أَيْضًا أَيْ وَأَنْ يَصِيرَ مُبْتَلًى بِالصَّبْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ إلَى حَالَةِ الْمُكَاشَفَةِ وَهِيَ حَالَةُ الْفِدَاءِ فَإِنَّهُ صَبَرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَقَدْ سُمِّيَ أَيْ ذَبْحُ الشَّاةِ فِدَاءً فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَالْفِدَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ وَاجِبًا بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْأَصْلِ فَثَبَتَ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ وُجُوبُ الذَّبْحِ بَاقٍ بَعْدَ صَيْرُورَةِ الشَّاةِ فِدَاءً وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْخًا لَمْ يَلْزَمْ اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لِمَا ذَكَرْنَا. (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَبْحَ الشَّاةِ وَجَبَ بِحُكْمِ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَفْهَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ذَبْحَ الشَّاةِ بَلْ نُسِخَ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ مُضَافٍ إلَى الشَّاةِ وَانْتَهَى نِهَايَتَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ وَتُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ وَهُوَ قَدْرُ مَا أَتَى بِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا ائْتَمَرَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُحَقِّقًا لِلرُّؤْيَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وَهَذَا يُنْبِئُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَةِ الذَّبْحِ لَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِحَقِيقَتِهِ إذْ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِحَقِيقَتِهِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي ذَبَحْتُك إلَّا أَنَّ الشَّاةَ سُمِّيَتْ فِدَاءً لِتَصَوُّرِهَا بِصُورَةِ الْفِدَاءِ وَهُوَ أَنَّ ذَبْحَهَا كَانَ عَقِيبَ الذَّبْحِ الْمُضَافِ إلَى الْوَلَدِ قُلْنَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ أَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَوْ جَعَلْنَا الشَّاةَ مَذْبُوحَةً بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ لَا يَكُونُ فِدَاءً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِدَاءَ مَا يَقْبَلُ مَكْرُوهًا مُتَوَجِّهًا عَلَى غَيْرِهِ فَمَتَى أُقِيمَ حُكْمُ الْأَمْرِ فِي الْوَلَدِ وَحَصَلَ الِائْتِمَارُ لَا تَكُونُ الشَّاةُ قَابِلَةً مَكْرُوهًا مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ فِدَاءً وَلِأَنَّهُ إنَّمَا رَأَى فِي الْمَنَامِ ذَبْحَ الْوَلَدِ مُقَدِّمَةَ الذَّبْحِ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِمُقَدِّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّصِّ وَنِسْبَةُ إبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ ﵉ إلَى أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا وُجُوبَ مَا لَا يَحِلُّ وَهُوَ ذَبْحُ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَبَحْتُك؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ

стр. 888

بَابُ بَيَانِ الشَّرْطِ) : وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ فَأَمَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الْفِعْلِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ شَرْطٌ وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ بَيَانُ الْمُدَّةِ لِعَمَلِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا أَوْ لِعَمَلِ الْقَلْبِ بِانْفِرَادِهِ وَعَمَلُ الْقَلْبِ هُوَ الْمُحَكَّمُ فِي هَذَا عِنْدَنَا وَالْآخَرُ مِنْ الزَّوَائِدِ وَعِنْدَهُمْ هُوَ بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ ــ [كشف الأسرار] قَدْ تَمَّ وَوَقَعَ الْفَرَاغُ عَنْهُ وَمَا رَأَى فِي الْمَنَامِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَأَى مُبَاشَرَةَ فِعْلِ الذَّبْحِ فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ أَذْبَحُك؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يُنْبِئُ عَنْ الْحَالِ. ، فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ مُصَدِّقًا لِلرُّؤْيَا فَلِأَنَّهُ بَاشَرَ فِيمَا وَسِعَهُ مِنْ أَسْبَابِ الذَّبْحِ وَإِمْرَارِ السِّكِّينِ عَلَى مَحِلِّ الذَّبْحِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ مِرَارًا وَهَذَا هُوَ مُبَاشَرَةُ فِعْلِ الذَّبْحِ مِنْ الْعَبْدِ فَصَارَ بِهِ ذَابِحًا مُحَقِّقًا لِمَا أُمِرَ بِهِ فَلِذَلِكَ صَحَّ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] ، فَأَمَّا حُصُولُ حَقِيقَةِ الذَّبْحِ فَلَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ إذْ الْمُتَوَلِّدَاتُ تَحْدُثُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّا نُسَلِّمُ نَسْخَ مَحَلِّيَّةِ الذَّبْحِ فِي الْوَلَدِ بِصَيْرُورَةِ الشَّاةِ فِدَاءً عَنْهُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْتِسَاخَ الْأَمْرِ وَالْإِضَافَةِ بَلْ نَقُولُ بَعْدَ صَيْرُورَةِ الشَّاةِ فِدَاءً بَقِيَ الْأَمْرُ مُضَافًا إلَى وَلَدٍ حَرَامٍ ذَبْحُهُ وَحُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ وُجُوبُ ذَبْحِ الشَّاةِ وَبَقِيَ الْوَلَدُ مَحِلًّا لِإِضَافَةِ الْإِيجَابِ إلَيْهِ وَقَدْ انْتَسَخَتْ مَحَلِّيَّةُ الْفِعْلِ لَا مَحَلِّيَّةُ الْإِضَافَةِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ بَيَانِ شُرُوطِ النَّسْخ] بَابُ بَيَانِ الشَّرْطِ: اعْلَمْ أَنَّ لِلنَّسْخِ شُرُوطًا بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَكَوْنُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ حُكْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ فَإِنَّ الْعَجْزَ وَالْمَوْتَ كُلُّ وَاحِدٍ يُزِيلُ التَّعَبُّدَ الشَّرْعِيَّ وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا وَكَذَا إزَالَةُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا يُسَمَّى نَسْخًا وَكَوْنُ النَّاسِخِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالْغَايَةَ لَا يُسَمَّيَانِ نَسْخًا وَقَدْ تَضَمَّنَ التَّعْرِيفَاتُ الْمَذْكُورَةُ لِلنَّسْخِ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَاشْتِرَاطُ كَوْنِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَاشْتِرَاطُ الْبَدَلِ لِلْمَنْسُوخِ. وَاشْتِرَاطُ كَوْنِهِ أَخَفَّ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ النَّسْخِ عِنْدَ قَوْمٍ عَلَى مَا سَيَأْتِيك بَيَانُهَا بَعْدُ وَمِنْ الشُّرُوطِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا التَّمَكُّنُ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ هَذَا الْبَابُ فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ شَرْطٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَعْنَى التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَمَا وَصَلَ الْأَمْرُ إلَى الْمُكَلَّفِ زَمَانٌ يَسَعُ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ. قَوْلُهُ (وَحَاصِلُ الْأَمْرِ) أَيْ حَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ عِنْدَنَا بَيَانٌ لِمُدَّةِ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ تَارَةً وَلِعَمَلِ الْقَلْبِ بِانْفِرَادِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ أُخْرَى وَعَمَلُ الْقَلْبِ هُوَ الْمُحَكَّمُ فِي هَذَا أَيْ اشْتِرَاطُ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَكَوْنُ النَّسْخِ بَيَانًا لِمُدَّتِهِ هُوَ الْأَمْرُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَالتَّغَيُّرَ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ التَّقَادِيرِ وَالْآخَرُ أَيْ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ مِنْ الزَّوَائِدِ أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بَيَانًا لِلْمُدَّةِ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ دَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ وَالثَّانِيَ رُكْنٌ زَائِدٌ لَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ وَيَسْقُطُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَعِنْدَهُمْ هُوَ أَيْ النَّسْخُ بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ أَيْ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْفِعْلِ أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّرْكَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ تَفْرِيطٌ مِنْ الْعَبْدِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى بَيَانِ مُدَّةِ حُكْمِ الْعَمَلِ بِالنَّسْخِ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَرِدَ النَّاسِخُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْوَاجِبِ كَمَا إذَا قِيلَ فِي رَمَضَانَ حُجُّوا هَذِهِ السَّنَةَ ثُمَّ قِيلَ فِي آخِرِهِ لَا تَحُجُّوا أَوْ قِيلَ صُومُوا

стр. 889

قَالُوا: لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ نَهْيٍ وَبِكُلِّ أَمْرٍ نَصًّا يُقَالُ: افْعَلُوا كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلُوا فَيَقْتَضِي حُسْنَهُ بِالْأَمْرِ لَا مَحَالَةَ وَقُبْحَهُ بِالنَّهْيِ وَإِذَا وَقَعَ النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ صَارَ بِمَعْنَى الْبَدَاءِ وَالْغَلَطِ وَالْحُجَّةُ لَنَا أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِخَمْسِينَ صَلَاةً لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ» ثُمَّ نُسِخَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ ــ [كشف الأسرار] ثُمَّ قِيلَ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ لَا تَصُومُوا وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ زَمَانٍ يَسَعُ الْوَاجِبَ كَمَا إذَا قِيلَ لِإِنْسَانٍ اذْبَحْ وَلَدَك فَبَادَرَ إلَى أَسْبَابِهِ فَقَبْلَ إحْضَارِ الْكُلِّ قِيلَ لَهُ لَا تَذْبَحْهُ أَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي قَوْلِهِ صُمْ غَدًا فَقِيلَ لَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ لَا تَصُمْ هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ وَعَامَّةِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ. قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ وَدَلَائِلُ الْخُصُومِ ظَاهِرَةٌ لَوْ بُنِيَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ وُجُوبُ الْفِعْلِ إذْ وُجُوبُ الْفِعْلِ فِي زَمَانٍ لَا يُتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَكَذَا لَوْ بُنِيَتْ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِ وَاجِبٍ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِيجَابُ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاجِبًا مُحَالٌ مِنْ الشَّرْعِ وَكَذَا إيجَابُ اعْتِقَادِ فِعْلٍ غَيْرِ وَاجِبٍ مُحَالٌ أَيْضًا وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ الْفِعْلِ وَلَا وُجُوبُ الِاعْتِقَادِ حَقِيقَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ عِنْدَنَا وَتَعَلُّقُهُ بِالْمَأْمُورِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَائِدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِمَا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا لِفَائِدَةِ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ فَكَذَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْوُجُوبَ أَيْضًا لَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ فَائِدَةٍ يَصِحُّ الْأَمْرُ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِحُدُوثِ النَّسْخِ وَيَبْنِي الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعَمَلِ يَعْتَقِدُهُ ظَاهِرًا وَيَعْزِمُ عَلَى الْأَدَاءِ وَيُهَيِّئُ أَسْبَابَهُ وَيُظْهِرُ الطَّاعَةَ مِنْ نَفْسِهِ فَيَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ إنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَهَذَا فِي الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ أَظْهَرُ فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الذَّبْحِ وَانْقَادَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الثَّابِتِ ظَاهِرًا تَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ يَظْهَرُ مِنْهُ الطَّاعَةُ فَكَانَ النَّسْخُ مُفِيدًا فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ وَصِحَّةُ الْأَمْرِ لِفَائِدَةِ الْمَأْمُورِ لَا غَيْرُ أَوْ لَمَّا حَسُنَ مِنْهُ الْعَزْمُ وَالِاعْتِقَادُ وَاشْتَغَلَ بِأَسْبَابِهِ اُجْتُزِئَ بِذَلِكَ مِنْهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَجُعِلَ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ فِي حَقِّ الثَّوَابِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ النَّسْخَ وَرَدَ بَعْدَ وُجُودِ الْفِعْلِ تَقْدِيرًا هَذَا طَرِيقُ تَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ (قَالُوا) أَيْ الْخُصُومُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ نَصًّا أَيْ الْعَمَلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ أَمْرٍ وَالْمَنْعُ مِنْ الْعَمَلِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِكُلِّ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِصَرِيحِهِمَا تَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ وَالْمَنْعِ عَنْهُ لِدَلَالَتِهِمَا عَلَى الْمَصْدَرِ لَا عَلَى الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَقْتَضِي كَوْنَ الْفِعْلِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْهُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي حُسْنَ الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ وَقُبْحَهُ بِالنَّهْيِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْفِعْلُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْفِعْلِ حَسَنًا إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ وَذَاتُهُ قَبِيحًا إذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ وَالنَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُمِرَ بِشَيْءٍ فِي وَقْتٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِذَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَلَّ عَلَى قُبْحِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكَوْنِ الْحُسْنِ وَالنَّسْخِ مِنْ ضَرُورَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ مُحَالٌ فَكَانَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ النَّسْخِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ فَاسِدًا. وَكَانَ هَذَا النَّسْخُ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ وَالْغَلَطِ الَّذِي هُوَ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ مُحَالٌ نُبَيِّنُهُ أَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَمَرَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ بِأَدَاءِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِ

стр. 890

فَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَصْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَصَحَّ النَّسْخُ بَعْدَ وُجُودِ عَقْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تَمَكُّنٌ مِنْ الْفِعْلِ ــ [كشف الأسرار] الشَّمْسِ بِطَهَارَةٍ ثُمَّ عِنْدَ الزَّوَالِ نَهَى عَنْ أَدَائِهِمَا عِنْدَ الْغُرُوبِ بِطَهَارَةٍ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مُتَنَاوِلًا فِعْلًا وَاحِدًا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَقَدْ صَدَرَ عَنْ مُكَلِّفٍ وَاحِدٍ إلَى مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ وَفِي تَنَاوُلِ النَّهْيِ لِمَا تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي تَنَاوَلَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْبَدَاءِ وَالْغَلَطِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْهَى عَمَّا أَمَرَ بِفِعْلِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ حَالِ الْمَأْمُورِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ حِينَ أَمَرَ بِهِ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ بِالْأَمْرِ إنَّمَا طَلَبَ مِنْ الْمَأْمُورِ اتِّحَادَ الْفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لَا قَبْلَهُ إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَالْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ قَالُوا وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ إنَّ صِحَّةَ الْأَمْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِفَادَةِ وَقَدْ أَفَادَ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ وَالْعَزِيمَةِ عَلَى الْفِعْلِ فَيَجُوزُ نَسْخُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ بَدَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ النَّهْيُ تَنَاوَلَ عَيْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْأَمْرُ تَنَاوَلَ الْفِعْلَ فَلَوْ جَوَّزْنَا نَسْخَهُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ لَمْ يَبْقَ لِلْأَمْرِ فَائِدَةٌ فِيمَا وُضِعَ الْأَمْرُ لَهُ، فَأَمَّا اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِمَوْضُوعٍ لَهُمَا فَلَا يَدُلُّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: افْعَلُوا لَا يَصْلُحُ عِبَارَةً عَنْ اعْزِمُوا وَاعْتَقِدُوا بِوَجْهٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرٌ بِالْفِعْلِ لَا غَيْرُ فَكَانَ النَّسْخُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ مُؤَدِّيًا إلَى سُقُوطِ الْفَائِدَةِ عَنْ الْأَمْرِ وَإِلَى الْبَدَاءِ وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ السُّنَّةُ، وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَمَّا السُّنَّةُ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِخَمْسِينَ صَلَاةً لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ثُمَّ نُسِخَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ» وَكَانَ ذَلِكَ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ عَقْدِ الْقَلْبِ عَلَيْهِ فَدَلَّ وُقُوعُهُ عَلَى الْجَوَازِ وَزِيَادَةٍ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا خَبَرٌ غَيْرُ ثَابِتٍ وَالْمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ الْمِعْرَاجَ أَصْلًا وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ يَقُولُونَ لَمْ يُرْوَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ ذِكْرُ نَسْخِ خَمْسِينَ صَلَاةً بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ وَذَلِكَ شَيْءٌ زَادَهُ الْقُصَّاصُ فِيهِ كَمَا زَادُوا غَيْرَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَكَانَ الْأَمْرُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى مَا زَعَمْتُمْ لِلْأُمَّةِ لَا لِلنَّبِيِّ ﵇ خَاصَّةً وَلَمْ يُوجَدْ التَّمَكُّنُ مِنْ الِاعْتِقَادِ لِلْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي بَيَّنَّا وَمِنْ شَرْطِ قَبُولِ الْخَبَرِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لَهُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا بِطَرِيقِ الْعَزْمِ بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ رَسُولِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْخَمْسَ تَقَرَّرَ الْفَرْضُ قُلْنَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَهُوَ فِي مَعْنَى التَّوَاتُرِ فَلَا وَجْهَ إلَى إنْكَارِهِ وَأَهْلُ النَّقْلِ وَنَاقِدُوا الْحَدِيثِ كَمَا رَوَوْا أَصْلَ الْمِعْرَاجِ رَوَوْا فَرْضَ خَمْسِينَ صَلَاةً وَنَسْخَهَا بِخَمْسٍ وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ كَمَا وَجَبَ قَبُولُ أَصْلِ الْمِعْرَاجِ وَلَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْقُصَّاصِ قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَلَيْسَ إنْكَارُ الْقَدَرِيَّةِ الْمِعْرَاجَ إلَّا كَإِنْكَارِهِمْ خَبَرَ الرُّؤْيَةِ وَالْقَدَرِ وَأَخْبَارِ الشَّفَاعَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ وَالْخَبَرُ صَحِيحٌ لَا يُرَدُّ بِطَعْنِ مُخَالَفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَمَا لَمْ يُرَدَّ خَبَرُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِطَعْنِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ فِيهِ وَكَمَا لَمْ يُرَدَّ خَبَرُ الرَّجْمِ بِإِنْكَارِ الْخَوَارِجِ الرَّجْمَ وَهُوَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. وَقَوْلُهُمْ لَمْ يُوجَدْ التَّمَكُّنُ مِنْ الِاعْتِقَادِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْأَصْلُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ ظَهَرَ فِي الِانْتِهَاءِ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِالْقَبُولِ

стр. 891

وَلِأَنَّ النَّسْخَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ وُجُودِ جُزْءٍ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ مُدَّةٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ جُزْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى يَصْلُحُ مَقْصُودًا بِالِابْتِلَاءِ فَكَذَلِكَ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى جِنْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَعَلَى حَقِّيَّتِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مُنْفَصِلًا عَنْ الْفِعْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَانَا بِمَا هُوَ مُتَشَابِهٌ لَا يَلْزَمُنَا فِيهِ إلَّا اعْتِقَادُ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْقَلْبِ يَصْلُحُ أَصْلًا ــ [كشف الأسرار] وَالِاعْتِقَادِ كَانَ النَّبِيَّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، وَإِنَّهُ كَانَ مُبْتَلًى بِالْقَبُولِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ ﵇ يَجُوزُ أَنْ يُبْتَلَى بِأُمَّتِهِ كَمَا يُبْتَلَى بِنَفْسِهِ لِتَوَفُّرِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ كَشَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى الْوَلَدِ وَالْأَبُ يُبْتَلَى بِالْوَلَدِ كَمَا يُبْتَلَى بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عَزْمًا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَأَلَ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَكَانَ مُوسَى ﵉ يَحُثُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَمَا زَالَ يَسْأَلُ ذَلِكَ وَيُجِيبُهُ رَبُّهُ إلَيْهِ حَتَّى انْتَهَى لِخَمْسٍ فَقِيلَ لَهُ لَوْ سَأَلَتْ التَّخْفِيفَ أَيْضًا فَقَالَ أَنَا أَسْتَحِي فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُفَوَّضًا إلَى اخْتِيَارِهِ بَلْ كَانَ نَسْخًا عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ بِسُؤَالِهِ بَعْدَ الْفَرْضِيَّةِ وَقَدْ تَمَسَّكَ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ قَدْ نُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ التَّحْوِيلِ إلَى الشَّاةِ كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ النَّسْخَ) بَيَانٌ لِلدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ النَّسْخَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ وُجُودِ جُزْءٍ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ مُدَّةٍ تَصْلُحُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ جُزْءٍ مِنْهُ يَعْنِي إذَا أُمِرَ بِالْفِعْلِ مُطْلَقًا بِأَنْ قِيلَ: افْعَلُوا كَذَا فِي مُسْتَقْبَلِ أَعْمَارِكُمْ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ بَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِمَّا تَنَاوَلَهُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ يَسَعُ أَصْلَ الْفِعْلِ وَلَوْلَا النَّسْخُ لَكَانَ الْأَمْرُ مُتَنَاوِلًا جَمِيعَ الْعُمُرِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا وَرَدَ بِفِعْلٍ مِثْلِ أَنْ يُقَالَ صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ أَوْ صُومُوا غَدًا فَبَعْدَ أَدَاءِ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ الصَّوْمِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ يَسَعُ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يُوهِمُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا بَلْ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى يَصْلُحُ مَقْصُودًا يَعْنِي إنَّمَا صَحَّ النَّسْخُ بَعْدَ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى أَيْ أَدْنَى مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالِابْتِلَاءِ وَلَا يُؤَدِّي ذَلِكَ النَّسْخُ إلَى الْبَدَاءِ وَالْجَهْلِ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَكَذَا عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى حُسْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَحَقِّيَّتِهِ أَيْ وُجُوبِهِ وَثُبُوتِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالِابْتِلَاءِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْفِعْلِ أَيْ بِدُونِ الْفِعْلِ وَكَانَ النَّسْخُ بَعْدَ عَقْدِ الْقَلْبِ عَلَى الْحُكْمِ وَحَقِّيَّتِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بَيَانًا أَنَّ الْمُرَادَ كَانَ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ وَاعْتِقَادُ الْفَرْضِيَّةِ فِيهِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْلَالٌ بِجَوَازِ أَصْلِ النَّسْخِ عَلَى جَوَازِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِيهِ أَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا قَامَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ أَوْ بَعْدَ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ إذَا حَضَرَ وَقْتُهُ. وَيَكُونُ الِابْتِلَاءُ بِهَذَا الْقَدْرِ وَهَذَا ابْتِلَاءٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ رَأْسُ الطَّاعَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِقَبُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ إيمَانًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْبَدَاءُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِنَسْخِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ الْفِعْلِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا أَنْ يُؤْمَرَ بِالشَّيْءِ ثُمَّ لَا يَصِلُ إلَى فِعْلِهِ بِعَارِضٍ مِنْ عَجْزٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ مَوْتٍ يَقْطَعُهُ عَنْهُ وَقَدْ يُؤْمَرُ الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ فَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِ بِسَيْفِهِ ثُمَّ يُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ أَوْ يُصِيبَهُ آفَةٌ تَحُولُ دُونَ قَصْدِهِ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَصِلَ إلَى فِعْلِهِ بِعَارِضِ النَّسْخِ أَيْضًا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَرَنَ الْبَيَانَ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ بِأَنْ قَالَ: افْعَلْ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا إنْ لَمْ أَنْسَخْهُ

стр. 892

وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً إلَّا بِعَزِيمَةِ الْقَلْبِ وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ قَدْ تَصِيرُ قُرْبَةً بِلَا فِعْلٍ وَالْفِعْلُ فِي احْتِمَالِ السُّقُوطِ فَوْقَ الْعَزِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا دُونَ الْفِعْلِ أَلَا يَرَى أَنَّ عَيْنَ الْحَسَنِ لَا يَثْبُتُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ افْعَلُوا عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ أَمْرٌ بِعَقْدِ الْقَلْبِ لَا مَحَالَةَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مَقْصُودًا لَازِمًا وَالْآخَرُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] عَنْك صَحَّ ذَلِكَ وَاسْتَقَامَ كَمَا لَوْ قَالَ: افْعَلْ فِي وَقْتِ كَذَا إنْ تَمَكَّنْت مِنْهُ وَتَكُونُ الْفَائِدَةُ فِي الْحَالِ هِيَ الْقَبُولَ بِالْقَلْبِ وَاعْتِقَادَ الْحَقِّيَّةِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ بَعْدَ الْأَمْرِ بِطَرِيقِ النَّسْخِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى صَلَاحِيَّةِ الِاعْتِقَادِ مَقْصُودًا بِدُونِ الْفِعْلِ وَهُوَ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ قَوْلِ الْخَصْمِ أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ لَا غَيْرُ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً أَيْ سَبَبَ نَيْلِ الثَّوَابِ إلَّا بِعَزِيمَةِ الْقَلْبِ بِالِاتِّفَاقِ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ قَدْ تَصِيرُ قُرْبَةً بِدُونِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» الْحَدِيثَ وَالْفِعْلُ فِي احْتِمَالِ السُّقُوطِ فَوْقَ الْعَزِيمَةِ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَكَذَا الطَّاعَاتُ الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ مَعَ كَوْنِهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ عِنْدَ قَوْمٍ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِعَوَارِضَ وَالتَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ وَلِهَذَا كَانَ تَرْكُ الْعَزِيمَةِ أَيْ تَرْكُ الِاعْتِقَادِ كُفْرًا وَتَرْكُ الْعَمَلِ فِسْقًا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الشَّأْنُ كَمَا ذَكَرْنَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْقَلْبِ مَقْصُودًا بِالِابْتِلَاءِ دُونَ الْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَهَمَّ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بَدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ وَمَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُظْهِرَ عِنْدَ النَّاسِ حُسْنَ طَاعَتِهِ وَانْقِيَادِهِ لَهُ ثُمَّ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ دَلِيلَ الْبَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْبَدَاءُ فَلَأَنْ لَا يُجْعَلُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ عَزْمِ الْقَلْبِ وَاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ مُوهِمًا لِلْبَدَاءِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْبَدَاءُ أَوْلَى قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ الْحَسَنِ لَا يَثْبُتُ) تَوْضِيحٌ لِصَلَاحِيَّةِ الِاعْتِقَادِ مَقْصُودًا وَجَوَابٌ عَنْ لُزُومِ اجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ يَعْنِي لَا يَثْبُتُ حَقِيقَةُ الْحُسْنِ لِلْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ قَبْلَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا بُدَّ لِلنَّسْخِ مِنْ تَحَقُّقِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِيَكُونَ النَّاسِخُ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ حُسْنِهِ وَمُثْبِتًا لِقُبْحِ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ثُمَّ لَمَّا جَازَ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ قَبْلَ حُصُولِ حَقِيقَتِهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِحَّتُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى كَوْنِ الِاعْتِقَادِ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ كَالْفِعْلِ لِيَصْلُحَ النَّاسِخُ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ حُسْنِهِ إذْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ حُسْنِ الْفِعْلِ لِاسْتِحَالَةِ انْتِهَاءِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَمَّا جَازَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ بَدَاءٌ وَاجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ جَازَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أَيْضًا لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ الْقَائِلِ كَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ الْفِعْلُ هُوَ الْمَقْصُودُ أَيْ إذَا قَالَ افْعَلُوا عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِعَقْدِ الْقَلْبِ كَمَا هُوَ أَمْرٌ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ عَقْدِ الْقَلْبِ عَلَى حَقِّيَّةَ الْمَأْمُورِ بِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ مُوجِبًا لِلْعَقْدِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْعَقْدُ مَقْصُودًا لَازِمًا لِكَوْنِهِ أَهَمَّ وَالْآخَرُ وَهُوَ الْفِعْلُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِعْلَ بِعَيْنِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الِابْتِلَاءُ وَلَا يَحْصُلُ الِابْتِلَاءُ إلَّا بِكَوْنِ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ مِنْ مَوَاجِبِ الْأَمْرِ وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَلَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ فَكَانَ هُوَ مَقْصُودًا لَازِمًا بِخِلَافِ أَوَامِرِ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا طَلَبُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ

стр. 893

﴿بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ﴾ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ الْحُجَجُ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ أَمَّا الْقِيَاسُ فَلَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ــ [كشف الأسرار] بِطَرِيقِ الِابْتِلَاءِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ لِجَرِّ النَّفْعِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِعَقْدِ الْقَلْبِ فَإِنْ قِيلَ: الِابْتِلَاءُ كَمَا يَحْصُلُ بِوُجُوبِ الْعَقْدِ يَحْصُلُ بِوُجُوبِ الْفِعْلِ فَكَانَ كِلَاهُمَا مَقْصُودًا قُلْنَا نَعَمْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ كِلَاهُمَا مَقْصُودٌ وَلَكِنْ تَبَيَّنَ بِالنَّسْخِ الْمُرَادُ كَانَ هُوَ الِابْتِلَاءَ بِالِاعْتِقَادِ كَمَا إذَا نُسِخَ بَعْدَ الْفِعْلِ مَرَّةً وَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِابْتِلَاءَ كَانَ بِالْفِعْلِ مَرَّةً أَوْ مُدَّةُ الْفِعْلِ كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى هَذَا الزَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمِنَةَ كُلَّهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ النَّسْخُ وَجَبَ الْفِعْلُ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا بِقَضِيَّةِ الْأَمْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ] اعْلَمْ أَنَّ النَّاسِخَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يُقَالُ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] وَعَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ كَمَا يُقَالُ وُجُوبُ صَوْمِ رَمَضَانَ نَسَخَ وُجُوبَ صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ نَسْخَ الْحُكْمِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ أَيْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفِ لِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ مِنْ الْآيَةِ وَخَبَرِ الرَّسُولِ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ النَّسْخَ بِغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِينَ مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الطَّرَفَيْنِ فَعِنْدَنَا إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةٌ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفِ مَجَازٌ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْعَكْسِ وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ الْحُجَجُ أَرْبَعٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَرْبَعَةٌ عَلَى تَأْوِيلِ الدَّلَائِلِ قَوْلُهُ (أَمَّا الْقِيَاسُ فَلَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمَا نُبَيِّنُ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِمَا نُبَيِّنُ مَا ذُكِرَ فِي بَابِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ لَا نَصَّ فِيهِ إذْ التَّعَدِّيَةُ بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ مُنَاقِضَةٌ حُكْمَ النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَظْنُونَ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِشَيْءٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵏ أَنَّ النَّسْخَ يَجُوزُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ كَالتَّخْصِيصِ فَمَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَ النَّسْخُ بِهِ أَيْضًا. وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِقِيَاسِ الشِّبْهِ وَيَجُوزُ بِقِيَاسٍ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ الْأُصُولِ وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ قِيَاسٍ هُوَ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الْقُرْآنِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ وَكُلُّ قِيَاسٍ هُوَ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ السُّنَّةِ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ فَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ يَكُونُ مُحَالًا بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذْ الْقِيَاسُ بِكَثِيرٍ مُحَالُ النَّصِّ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ النَّسْخَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ لَفْظُ الْجَلِيِّ مُبْهَمٌ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَقْطُوعَ بِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَأَمَّا الْمَظْنُونُ فَلَا. تَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى تَرْكِ الرَّأْيِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مِنْ الْآحَادِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي حَدِيثِ الْجَنِينِ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِيهِ بِرَأْيِنَا وَفِيهِ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِنْ ظَاهِرِهِ وَلَكِنِّي «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ» وَبِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ الَّذِي يُنْسَخُ

стр. 894

وَالْإِجْمَاعُ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّسْخَ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ دُونَ رَأْيِهِ، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ فَرْضٌ وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ الْبَيَانُ كَانَ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ لَا مَحَالَةَ وَإِذَا صَارَ الْإِجْمَاعُ وَاجِبَ الْعَمَلِ بِهِ لَمْ يَبْقَ النَّسْخُ مَشْرُوعًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسَّنَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا ــ [كشف الأسرار] بِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا فَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِهِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ وَتَرْكِ الْأَضْعَفِ بِالْأَقْوَى، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَلَا نَسْخَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَظْنُونِ الْمُتَقَدِّمِ إنَّمَا يَثْبُتُ مَشْرُوطًا بِرُجْحَانِهِ عَلَى مَا يُعَارِضُهُ وَيُنَافِيهِ إذْ لَوْ تَرَجَّحَ عَلَيْهِ قِيَاسٌ آخَرُ يَبْطُلُ شَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ فَتَبَيَّنَ مِنْ الْقِيَاسِ الرَّاجِحِ أَنَّ حُكْمَ الْمَظْنُونِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَإِذْ لَا ثُبُوتَ لَهُ فَلَا دَفْعَ وَلَا نَسْخَ وَأَمَّا اعْتِبَارُ النَّسْخِ بِالتَّخْصِيصِ فَمَنْقُوضٌ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِهَا جَائِزٌ دُونَ النَّسْخِ وَكَيْفَ يَتَسَاوَيَانِ وَالتَّخْصِيصُ بَيَانٌ وَالنَّسْخُ رَفْعٌ وَإِبْطَالٌ. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَنْمَاطِيُّ ضَعِيفٌ أَيْضًا فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ يُرَدُّ الْفَرْعُ إلَى الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِهِ بِأَنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جَازَ النَّسْخُ فِيهِ أَيْضًا كَالنَّصِّ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَوَازِ كَوْنِ الْقِيَاسِ مَنْسُوخًا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَالْحَنَابِلَةِ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ مَصِيرٍ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ أَصْلٍ فَالْقِيَاسُ بَاقٍ بِبَقَاءِ الْأَصْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ حُكْمِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ دُونَ مَا وُجِدَ بَعْدَهُ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَاخْتِيَارُ الْعَامَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْسُوخًا كَمَا لَا يَكُونُ نَاسِخًا؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْقِيَاسِ قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا يُبَيِّنُ زَوَالَ شَرْطِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ وَهُوَ رُجْحَانُهُ لِرُجْحَانِ الْقَاطِعِ وَالظَّنِّيِّ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ وَإِلَّا لَمَا صَلَحَ لِنَسْخِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِذَا زَالَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ فَلَا رَفْعَ وَلَا نَسْخَ. وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ نَسْخُ الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّسْخَ انْتِهَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَبِالدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ إذَا كَانَ فَوْقَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْقِيَاسَ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْأَوَّلِ وَيَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِالثَّانِي إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ نَسْخُ الْقِيَاسِ فِي الْمَعْنَى يَجُوزُ بِنَصٍّ مُتَقَدِّمٍ وَبِإِجْمَاعٍ وَبِقِيَاسٍ نَحْوُ أَنْ يَجْتَهِدَ بَعْضُ النَّاسِ فَيُحَرِّمُ شَيْئًا بِقِيَاسٍ بَعْدَمَا اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ النُّصُوصِ ثُمَّ يَظْفَرُ بِنَصٍّ بِخِلَافِ قِيَاسِهِ أَوْ تُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِهِ أَوْ يَظْفَرُ هُوَ بِقِيَاسٍ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ تَرْكُ قِيَاسِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ إنَّمَا عُمِلَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ قِيَاسٌ أَوْلَى مِنْهُ وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ. هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقِيَاسَ قَدْ تُعُبِّدَ بِهِ ثُمَّ رُفِعَ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ قَدْ تُعُبِّدَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ نَسْخُ التَّعَبُّدِ بِهِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ) فَكَذَا الْإِجْمَاعُ يَجُوزُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ تَمَسَّكُوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمَّا حَجَبَ الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَيْفَ تَحْجُبُهَا بِأَخَوَيْنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ فَقَالَ حَجَبَهَا قَوْمُك يَا غُلَامُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِأَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ سَقَطَ نَصِيبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ

стр. 895

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِفَسَادِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالسُّنَّتَيْنِ فَأَمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَلَا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] فَثَبَتَ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ ــ [كشف الأسرار] حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ بِهِ كَالنُّصُوصِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ وَالنَّسْخُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ جَائِزٌ حَيْثُ جَازَ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ الَّتِي هِيَ نَسْخٌ فَبِالْإِجْمَاعِ أَوْلَى وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ الْآرَاءِ فِي شَيْءٍ وَلَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ نِهَايَةِ وَقْتِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الشَّيْءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ أَوَانِ النَّسْخِ حَالَ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِاتِّفَاقِنَا عَلَى أَنْ لَا نَسْخَ بَعْدَهُ وَفِي حَالِ حَيَاتِهِ مَا كَانَ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ رَأْيِهِ وَكَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فَرْضًا، وَإِذَا وُجِدَ الْبَيَانُ مِنْهُ فَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ قَطْعًا هُوَ الْبَيَانُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ. ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بَعْدَهُ وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ النَّسْخَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ لَا يَجُوزُ وَهَذَا الدَّلِيلُ، وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ نَاسِخًا لِلْإِجْمَاعِ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ ذَكَرَ فِي آخِرِ بَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ نَسْخَ الْإِجْمَاعِ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ جَائِزٌ فَيَكُونُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا مَحْمُولًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ وَالْفَرْقُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُمَا وَلَوْ وُجِدَ الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِمَا لَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى نَصٍّ آخَرَ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ آخَرُ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ أَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا لِشَيْءٍ أَوْ مَنْسُوخًا بِشَيْءٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مَنْسُوخًا بِهِمَا أَيْضًا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ حُدُوثِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇ وَكَذَا لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا مَنْسُوخًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الثَّانِيَ إنْ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إذْ الْإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ بَاطِلًا. وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ الثَّانِيَ حَرَّمَ الْعَمَلَ بِهِ مِنْ بَعْدِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَجَدِّدٍ وَقَعَ لِأَجْلِهِ الْإِجْمَاعُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ لِدَلِيلٍ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِاسْتِحَالَةِ حُدُوثِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵇ وَلِعَدَمِ جَوَازِ خَفَاءِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ عَلَى الْكُلِّ لِاسْتِلْزَامِهِ إجْمَاعَهُمْ عَلَى الْخَطَأِ وَكَذَا لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْقِيَاسِ وَلَا مَنْسُوخًا بِهِ لِمَا مَرَّ وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ ﵁ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْمَفْهُومِ حُجَّةً قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَةٌ فَلَا يَكُونُ لِأُمِّهِ السُّدُسُ بَلْ الثُّلُثُ وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ لَفْظَ الْإِخْوَةِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَخَوَيْنِ قَطْعًا وَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ النَّسْخُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِمَا أَيْضًا لِإِمْكَانِ تَقْدِيرِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى الْحَجْبِ إذْ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْحَجْبِ خَطَأً وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّاسِخُ هُوَ النَّصَّ لَا الْإِجْمَاعَ وَكَذَا تَمَسُّكُهُمْ بِسُقُوطِ نَصِيبِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ مُوجِبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. [النَّسْخُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ] [نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ] قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِفَسَادِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ) هُمَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا نَسْخُ الْكِتَابِ

стр. 896

وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ وَافَقَ الْكِتَابَ فَاقْبَلُوهُ وَإِلَّا فَرُدُّوهُ» وَقَالَ وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ صِيَانَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ شُبْهَةِ الطَّعْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِخَ الْقُرْآنُ بِهِ أَوْ سُنَنِهِ كَمَا نُسِخَتْ بِالْكِتَابِ لَكَانَ مَدْرَجَةً إلَى الطَّعْنِ فَكَانَ التَّعَاوُنُ بِهِ أَوْلَى ــ [كشف الأسرار] بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَالْقَلَانِسِيُّ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا وَلَكِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ وَلَوْ وَرَدَ بِهِ كَانَ جَائِزًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الإِسْفِرايِينِي. وَالثَّانِيَةُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعِنْدَ بَعْضِ مَنْ أَنْكَرَ الْجَوَازَ فِيهَا مِنْهُمْ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ وَذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ وَلَوَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَوْلَى بِالْحَقِّ كَذَا ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَنْكَرَ الْجَوَازَ عَقْلًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْمَنْسُوخَ مَا كَانَ مَنْسُوخًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﵇ وَالْخَبَرُ يَصِيرُ مُتَوَاتِرًا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ إذْ لَوْ جَازَ بِهِ النَّسْخُ لَصَارَتْ الْمَعْرِفَةُ بِنَسْخِهِ مَوْقُوفَةً عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى نَسْخِهِ. وَرُبَّمَا بَنَوْا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﵇ فَقَالُوا لَمَّا جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لَمْ نَأْمَنْ فِي تَجْوِيزِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ النَّاسِخَةُ صَادِرَةً عَنْ الِاجْتِهَادِ فَيَقَعُ حِينَئِذٍ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. قَالُوا: وَلِهَذَا أَخَّرْنَا التَّخْصِيصَ بِالسُّنَّةِ لِجَوَازِهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَنَا وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ شَرْعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَا تُنْسَخُ إلَّا بِآيَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَدَلَ خَيْرٌ أَوْ مِثْلٌ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لَا آخُذُ مِنْك دِرْهَمًا إلَّا آتِيك بِخَيْرٍ مِنْهُ يُفِيدُ أَنَّهُ يَأْتِي بِدِرْهَمٍ خَيْرٍ مِنْ الدِّرْهَمِ الْمَأْخُوذِ وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا مِثْلًا لَهُ وَلَا مِنْ جِنْسِهِ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُعْجِزٌ وَالسُّنَّةُ كَلَامُ الرَّسُولِ ﵇ وَهِيَ غَيْرُ مُعْجِزَةٍ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِهَا. وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ نَأْتِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآتِيَ بِالْخَيْرِ أَوْ الْمِثْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا وَالنَّاسِخُ قُرْآنٌ لَا سُنَّةٌ وَيُؤَكِّدُهُ سِيَاقُ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْآتِيَ بِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالُوا: لَمَّا دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُجَانَسَةِ فِي النَّسْخِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِعَدَمِ الشَّرْطَيْنِ لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ لِفَوَاتِ الشَّرْطَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْخَيْرِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَوْ السُّنَّتَيْنِ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ النَّسْخِ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَلَا أَيْ

стр. 897

وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فِي الْآيَةِ فَرْضُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ــ [كشف الأسرار] فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وَلَكِنَّ هَذَا التَّمَسُّكَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي الْإِتْيَانَ بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْخَيْرِ فِي نَسْخِ الْآيَةِ لَا فِي مُطْلَقِ النَّسْخِ إذْ لَمْ يَقُلْ مَا نَنْسَخْ مِنْ شَيْءٍ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا التَّمَسُّكَ فِي كُتُبِهِمْ بَلْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا غَيْرُ. ١ - وَاسْتَدَلُّوا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . أَخْبَرَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَيْسَ إلَيْهِ وِلَايَةُ التَّبْدِيلِ وَأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ لَا مُبَدِّلٌ لَهُ وَالتَّبْدِيلُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ تَبْدِيلَ اللَّفْظِ وَتَبْدِيلَ الْحُكْمِ فَيَنْتَفِي الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَلَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ تَبْدِيلِ الْحُكْمِ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ تَبْدِيلِ اللَّفْظِ وَبِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَاقْبَلُوهُ وَمَا خَالَفَ فَرُدُّوهُ» أَمَرَ بِالرَّدِّ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ وَلَا بُدَّ لِلنَّسْخِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ النَّسْخُ بِهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] جَعَلَ قَوْلَ الرَّسُولِ ﵇ بَيَانًا لِلْمُنَزَّلِ فَلَوْ نُسِخَتْ السُّنَّةُ بِهِ لَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا بَيَانًا لِانْعِدَامِهَا وَبِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَالسُّنَّةُ شَيْءٌ فَيَكُونُ الْكِتَابُ بَيَانًا لِحُكْمِهِ لَا رَافِعًا لَهُ وَذَلِكَ فِي أَنْ يَكُونَ مُؤَيِّدًا لَهَا إنْ كَانَ مُوَافِقًا وَمُبَيِّنًا لِلْغَلَطِ فِيهَا إنْ كَانَ مُخَالِفًا ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ لَهُمْ مِنْ الْمَعْقُولِ دَلِيلًا يَشْمَلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ وَلِأَنَّ فِي هَذَا أَيْ فِي عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ صِيَانَةَ الرَّسُولِ ﵇ عَنْ شُبْهَةِ الطَّعْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِخَ الْكِتَابُ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ يَقُولُ الطَّاعِنُ هُوَ أَوَّلُ قَائِلٍ وَأَوَّلُ عَامِلٍ بِخِلَافِ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ فَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ نُسِخَتْ سُنَّةٌ بِالْكِتَابِ يَقُولُ الطَّاعِنُ قَدْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ فِيمَا قَالَ فَكَيْفَ نُصَدِّقُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَكَانَ مَدْرَجَةً إلَى الطَّعْنِ أَيْ طَرِيقًا وَوَسِيلَةً إلَيْهِ فَكَانَ التَّعَاوُنُ بِهِ أَيْ بِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ الْمُخَالَفَةِ يَعْنِي جَعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعِينًا لِلْآخَرِ وَمُؤَيِّدًا لَهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ رَافِعًا وَمُبْطِلًا لِصَاحِبِهِ سَدًّا لِبَابِ الطَّعْنِ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ مَصُونٌ عَمَّا يُوهِمُ الطَّعْنَ. وَلَا يُقَالُ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ مِثْلُ هَذِهِ الْمَدْرَجَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ الطَّاعِنَ يَقُولُ كَيْفَ نَعْتَمِدُ قَوْلَهُ فِي أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ عَنْ هَذَا الطَّعْنِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] فَلَا يَكُونُ فِي تَجْوِيزِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ تَعْرِيضُهُ لِلطَّعْنِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. ١ - قَوْلُهُ (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ كَانَتْ فَرْضًا بِمُوجَبِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي قُوَّةِ الْمُتَوَاتِرِ إذْ الْمُتَوَاتِرُ نَوْعَانِ مُتَوَاتِرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَمُتَوَاتِرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِنَّ ظُهُورَهُ يُغْنِي النَّاسَ عَنْ رِوَايَتِهِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ ظَهَرَ بِهِ مَعَ الْقَوْلِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِلَا تَنَازُعٍ فَيَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِمِثْلِ خَبَرِ الْمَسِيحِ لِشُهْرَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ

стр. 898

وَهَذَا الِاسْتِدْلَال غَيْرُ صَحِيحٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا ثَبَتَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ فَرَتَّبَ الْمِيرَاثَ عَلَى وَصِيَّةٍ نَكِرَةٍ وَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ مَعْهُودَةً فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ بَاقِيَةً مَعَ الْمِيرَاثِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالسُّنَّةِ لَوَجَبَ تَرْتِيبُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ فَصَارَ الْإِطْلَاقُ نَسْخًا لِلْقَيْدِ كَمَا يَكُونُ الْقَيْدُ نَسْخًا لِلْإِطْلَاقِ وَالثَّانِي أَنَّ النَّسْخَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءٌ بَعْدَ انْتِهَاءٍ مَحْضٍ وَالثَّانِي بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ كَمَا نُسِخَتْ الْقِبْلَةُ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ إلَى الْكَعْبَةِ ــ [كشف الأسرار] يُقَالَ: إنَّمَا ثَبَتَ النَّسْخُ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إيجَابَ حَقٍّ آخَرَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ وَثُبُوتَ حَقٍّ بِطَرِيقٍ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ حَقٍّ آخَرَ لِطَرِيقٍ آخَرَ كَمَا فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ وَبِدُونِ الْمُنَافَاةِ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَعَلَّ نَاسِخَهُ مِمَّا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنْ لَمْ يَبْلُغْنَا لِانْتِسَاخِ تِلَاوَتِهِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إذْ مَا مِنْ حُكْمٍ إلَّا وَيُتَوَهَّمُ فِيهِ أَنَّ نَاسِخَهُ نَزَلَ وَلَمْ يَبْلُغْنَا لِانْتِسَاخِ تِلَاوَتِهِ. وَإِلَى الِامْتِنَاعِ تَعْيِينُ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ أَبَدًا إذْ مَا مِنْ نَاسِخٍ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّرَ أَنْ يَكُونُ النَّاسِخُ غَيْرَهُ وَمَا مِنْ مَنْسُوخٍ حُكْمُهُ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّرَ إسْنَادُ ذَلِكَ الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ لِانْعِقَادِهِ عَلَى أَنَّ مَا وُجِدَ صَالِحًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ هُوَ الْمُثْبَتُ وَمَا وُجِدَ صَالِحًا لِنَسْخِ الْحُكْمِ هُوَ النَّاسِخُ، وَإِنْ احْتَمَلَ إضَافَةَ الْحُكْمِ وَالنَّسْخِ إلَى غَيْرِ مَا ظَهَرَ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ: ﵀ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال غَيْرُ صَحِيحٍ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَسْخَ الْوَصِيَّةِ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَلْ ثَبَتَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ ثُبُوتِ النَّسْخِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ الْإِرْثَ عَلَى وَصِيَّةٍ مُنَكَّرَةٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] . وَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ مَعْهُودَةً مُعَرَّفَةً بِاللَّامِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ الْمَفْرُوضَةُ بَاقِيَةً مَعَ الْمِيرَاثِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْحَدِيثِ كَمَا زَعَمُوا لَوَجَبَ تَرْتِيبُ الْمِيرَاثِ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ الْمَفْرُوضَةِ ثُمَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ النَّافِلَةِ بِأَنْ قَالَ مِنْ بَعْدِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أَوْصَيْتُمْ بِهَا لِلْأَجَانِبِ فَلَمَّا رَتَّبَ الْإِرْثَ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ النَّافِلَةِ دَلَّ عَلَى نَسْخِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ نَسْخٌ كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ نَسْخٌ لِتَغَايُرِ الْمَعْنَيَيْنِ وَلَا يُقَالُ الْمَعْرِفَةُ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَكُونُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ عَيْنَ الْأُولَى فَلَا يَكُونُ فِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى نَسْخِهَا فَيَتَحَقَّقُ النَّسْخُ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ الْأَصْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ صَدْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا ذُكِرَ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ بَعْدَمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ كَانَتْ النَّكِرَةُ غَيْرَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ رَأَيْت الرَّجُلُ ثُمَّ قَالَ رَأَيْت رَجُلًا يَكُونُ الْمَذْكُورُ آخِرًا غَيْرَ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَلَئِنْ سُلِّمَ فَذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمَانِعُ هَاهُنَا، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لِلْأَجَانِبِ وَمُسْتَنِدُ الْإِجْمَاعِ هَذَا النَّصُّ فَلَوْ صُرِفَتْ الْوَصِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ إلَى الْمَعْهُودَةِ وَقَدْ نُسِخَتْ الْمَعْهُودَةُ بِلَا خِلَافٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَأَخُّرِ الْمِيرَاثِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالثَّانِي أَيْ الْوَجْهُ الثَّانِي لِبَيَانِ فَسَادِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّسْخَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءٌ بَعْدَ انْتِهَاءٍ مَحْضٍ أَيْ إثْبَاتُ حُكْمٍ ابْتِدَاءً عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى انْتِهَاءِ حُكْمٍ كَانَ قَبْلَهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَنَسْخِ الْمُسَالَمَةِ بِالْمُقَابَلَةِ وَنَسْخِ إبَاحَةِ الْخَمْرِ بِحُرْمَتِهَا. وَالثَّانِي نَسْخٌ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ وَهُوَ أَنَّ تَحَوُّلَ الْحُكْمِ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ بِالْكُلِّيَّةِ كَنَسْخِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ أَصْلَ فَرْضِ التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ وَلَكِنْ حُوِّلَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ

стр. 899

وَهَذَا النَّسْخُ مِنْ الْقَبِيلِ الثَّانِي وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ الْإِيصَاءَ فِي الْأَقْرَبِينَ إلَى الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] ثُمَّ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ بَيَانَ ذَلِكَ الْحَقِّ وَقَصَرَهُ عَلَى حُدُودٍ لَازِمَةٍ تَعَيَّنَ بِهَا ذَلِكَ الْحَقُّ بِعَيْنِهِ فَتَحَوَّلَ مِنْ جِهَةِ الْإِيصَاءِ إلَى الْمِيرَاثِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أَيْ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْكُمْ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ إذْ عَجَزْتُمْ عَنْ مَقَادِيرِهِ الْإِيصَاءَ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» أَيْ بِهَذَا الْفَرْضِ نُسِخَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَانْتَهَى وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نُسِخَ بِإِثْبَاتِ الرَّجْمِ بِالسُّنَّةِ إلَّا أَنَّا قَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّ الرَّجْمَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى وَلِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] مُجْمَلٌ فَسَرَّتْهُ السُّنَّةُ ــ [كشف الأسرار] وَكَنَسْخِ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ إلَى الشَّاةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَهَذَا النَّسْخُ أَيْ نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي. وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ كَوْنِهِ نَسْخًا بِطَرِيقِ التَّحْوِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ الْإِيصَاءَ فِي الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إلَى الْعِبَادِ بِشَرْطِ أَنْ يُرَاعُوا الْحُدُودَ وَبَيَّنُوا حِصَّةَ كُلِّ قَرِيبٍ بِحَسَبِ قَرَابَتِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمُوصِي لَا يُحْسِنُ التَّدْبِيرَ فِي مِقْدَارِ مَا يُوصِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجَهْلِهِ وَرُبَّمَا كَانَ يَقْصِدُ إلَى الْمُضَارَّةِ فِي ذَلِكَ تَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ بَيَانَ ذَلِكَ الْحَقِّ عَلَى وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ بِهِ بِأَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ فِيهِ الْحِكْمَةَ الْبَالِغَةَ وَقَصَرَهُ عَلَى حُدُودٍ لَازِمَةٍ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا نَحْوُ السُّدُسِ وَالثُّلُثِ وَالثُّمُنِ وَغَيْرِهَا تَغَيَّرَ بِهَا الْحَقُّ أَيْ تَحَوَّلَ مِنْ جِهَةِ الْإِيصَاءِ إلَى الْمِيرَاثِ وَقَوْلُهُ فَتَحَوَّلَ تَفْسِيرُ التَّغْيِيرِ وَإِلَى هَذَا أَيْ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ نَسْخٌ بِطَرِيقِ التَّحْوِيلِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] حَيْثُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِيصَاءِ أَيْ الْإِيصَاءُ الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكُمْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ إذْ عَجَزْتُمْ عَنْ مَقَادِيرِهِ لِجَهْلِكُمْ. وَبِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] أَيْ لَا تَعْلَمُونَ مَنْ أَنْفَعُ لَكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَتَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ بَيْنَكُمْ كَمَا يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ وَلَمْ يَكِلْهَا إلَيْكُمْ أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا بِالْحِكْمَةِ حَكِيمًا فِي الْقِسْمَةِ وَلَمَّا بَيَّنَ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ الْحَقَّ بِعَيْنِهِ انْتَهَى حُكْمُ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِأَقْوَى الطُّرُقِ كَمَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ يَنْتَهِي بِهِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِمُبَاشَرَةِ الْمُوَكِّلِ الْإِعْتَاقَ بِنَفْسِهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، فَإِنَّ الْفَاءَ يَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ كَقَوْلِك زَارَنِي فَأَكْرَمْتُهُ يَعْنِي انْتِفَاءَ الْوَصِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِتَبَيُّنِ حَقِّ الْقَرِيبِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَقُّهُ بِبَيَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَمْ تَبْقَ الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِهَذَا الْفَرْضِ أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ نُسِخَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ وُجُوبُ الْوَصِيَّةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ انْتِهَاءُ حُكْمِ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَأَمَّا انْتِفَاءُ حُكْمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَلَا يَثْبُتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَلَا تَرَى أَنَّ بِالْحَوَالَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى فَقَدْ بَقِيَتْ الذِّمَّةُ مَحِلًّا صَالِحًا لِوُجُوبِ الدَّيْنِ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ انْتِفَاءُ الْجَوَازِ كَالْوَصِيَّةِ لِلْأَجَانِبِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا انْتَسَخَ وُجُوبُ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ لِضَرُورَةِ نَفْيِ أَصْلِ الْوَصِيَّةِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَتَقَرَّرُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ. (وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ) يَعْنِي فِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ بِأَنَّ حُكْمَ الْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ فِي حَقِّ الزَّوَانِي الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نُسِخَ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇ «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» إذْ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَا يُمْكِنُ إضَافَةُ إيجَابِ الرَّجْمِ وَنَسْخُ الْإِمْسَاكِ إلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا نُسَلِّمُ نَسْخَهُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ نَاسِخَةً بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْآحَادِ بَلْ النَّسْخُ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الرَّجْمَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ

стр. 900

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الْآيَةَ هَذَا حُكْمٌ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِيمَنْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ يُعْطَى مَا غَرِمَ فِيهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ مَعُونَةً لَهُ وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِعَانَةَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] أَيْ غَنِمْتُمْ ــ [كشف الأسرار] لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْت عَلَى حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَكَانَ هَذَا نَسْخَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ تِلَاوَةُ النَّاسِخِ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَقِيلَ نُسِخَ حُكْمُ الْإِمْسَاكِ بِآيَةِ الْجَلْدِ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ ثُمَّ خُصَّتْ الثَّيِّبُ بِحَدِيثِ الرَّجْمِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا عِنْدَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ نَاسِخًا أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا مُجْمَلٌ فَسَرَّتْهُ السُّنَّةُ يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الرَّجْمَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَذَلِكَ بِطَرِيقِ تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ لَا بِطَرِيقِ النَّسْخِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ كَانَ مُوَقَّتًا بِمَا هُوَ مُجْمَلٌ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] ، فَإِنَّ أَوْ هَذِهِ بِمَعْنَى إلَى أَنْ ثُمَّ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْمُجْمَلَ بِقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» الْحَدِيثَ، وَتَفْسِيرُ الْمُجْمَلِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ فَانْتَهَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِهَذَا الْبَيَانِ كَانْتِهَاءِ الصَّوْمِ بِاللَّيْلِ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ قَوْلُهُ (وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ إيتَاءُ الزَّوْجِ مِثْلَ مَا أَنْفَقَ حُكْمٌ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ إذْ لَا يُتْلَى نَاسِخُهُ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَال غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ [الممتحنة: ١١] الْآيَةَ فِيمَنْ أَيْ فِي شَأْنِ مَنْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ يُعْطَى زَوْجُهَا بَدَلًا مِنْ مَالٍ أَيْ فِي إعْطَاءِ مَنْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مَا غَرِمَ فِيهَا مِنْ الصَّدَاقِ مَعُونَةً لَهُ فِي دَفْعِ الْخُسْرَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَلَا يَكُونُ مَنْسُوخًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَلَكِنْ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ لَا مِنْ كُلِّ مَالٍ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَعَاقَبْتُمْ أَصَبْتُمُوهُمْ فِي الْقِتَالِ بِعُقُوبَةٍ حَتَّى غَنِمْتُمْ كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ أَوْ أَصَبْتُمْ عُقْبَى مِنْهُمْ أَيْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لَكُمْ حَتَّى غَنِمْتُمْ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قِيلَ هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ أَيْضًا وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخُهُ آيَةُ الْقِتَالِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ وَقِيلَ نَاسِخُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ وَذُكِرَ فِي الْمَطْلَعِ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أَدَّى الْمُؤْمِنُونَ مُهُورَ الْمُهَاجِرَاتِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُؤَدُّوا شَيْئًا مِنْ مُهُورِ الْمُرْتَدَّاتِ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ خَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ الْقَوْمُ هَذِهِ عَقَبَتُكُمْ قَدْ أَتَتْكُمْ فَنَزَلَتْ وَالْمَعْنَى، وَإِنْ سَبَقَكُمْ وَانْفَلَتَ مِنْكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ أَيْ أَحَدٌ مِنْهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ مِنْ الْعُقْبَةِ وَهِيَ النَّوْبَةُ شَبَّهَ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنْ أَدَاءِ هَؤُلَاءِ مُهُورَ نِسَاءِ أُولَئِكَ تَارَةً وَأُولَئِكَ مُهُورَ نِسَاءِ هَؤُلَاءِ أُخْرَى بِأَمْرٍ يَتَعَاقَبُونَ فِيهِ أَيْ يَتَنَاوَبُونَ كَمَا يُتَعَاقَبُ فِي الرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ وَمَعْنَاهُ فَجَاءَتْ عَقَبَتُكُمْ مِنْ أَدَائِكُمْ فَآتُوا مَنْ فَاتَتْهُ امْرَأَتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ مُرْتَدَّةً مِثْلَ مَهْرِهَا مِنْ مَهْرِ مُهَاجِرَةٍ جَاءَتْكُمْ وَلَا تُؤْتُوهُ زَوْجَهَا الْكَافِرَ لِيَكُونَ قِصَاصًا. قَالُوا وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ الِامْتِحَانِ وَرَدِّ الْمَهْرِ وَأَخْذِهِ مِنْ الْكُفَّارِ

стр. 901

وَمِنْ الْحُجَّةِ الدَّالَّةِ أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْكَعْبَةِ فِي الِابْتِدَاءِ إنْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ فَقَدْ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ نُسِخَ بِالْكِتَابِ، وَالشَّرَائِعُ الثَّابِتَةُ بِالْكُتُبِ السَّالِفَةِ نُسِخَتْ بِشَرِيعَتِنَا وَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ إلَّا بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ ﵇ «وَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ آيَةً فِي قِرَاءَتِهِ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِهِ قَالَ أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ أُبَيٌّ فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي ظَنَنْت أَنَّهَا نُسِخَتْ فَقَالَ ﵇ لَوْ نُسِخَتْ لَأَخْبَرْتُكُمْ» وَإِنَّمَا ظَنَّ النَّسْخَ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ يُتْلَى وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ «مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ» فَكَانَ نَسْخًا لِلْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى رَدِّ نِسَائِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ــ [كشف الأسرار] وَتَعْرِيضِ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ صَدَاقٍ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ كُلُّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلُهُ. (وَمِنْ الْحُجَّةِ) كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ وَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ يَتَوَجَّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشْرَ شَهْرًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀ إنْ كَانَ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يَعْنِي كَانَ بِمَكَّةَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ فَقَدْ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ فَيَكُونُ دَلِيلَ جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الثَّابِتَ بِالسُّنَّةِ ظَاهِرًا قَدْ نُسِخَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِسَاخِهِ وَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . قُلْنَا عِنْدَك شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا بِطَرِيقِ أَنَّهَا تَصِيرُ شَرِيعَةً لَنَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا فَلَا يَخْرُجُ بِهَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مَعَ أَنَّ نَاسِخَ مَا كَانَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا قَدْ ثَبَتَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ بَعْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمَّا صَلَّى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ انْتَسَخَتْ السُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ فَرْضِيَّةُ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ انْتَسَخَتْ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ وَالشَّرَائِعُ الثَّابِتَةُ بِالْكُتُبِ السَّالِفَةِ نُسِخَتْ بِشَرِيعَتِنَا بِلَا خِلَافٍ وَمَا ثَبَتَتْ هِيَ إلَّا بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ ﵇ وَتَبْلِيغُهُ قَدْ يَكُونُ بِالْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ وَغَيْرِ الْمَتْلُوِّ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَا كَانَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا ثَبَتَ انْتِسَاخُهُ فِي حَقِّنَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِهِ وَهَذَا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا ظَنَّ النَّسْخَ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ يُتْلَى، فَإِنَّهُ كَانَ كَاتِبَ الْوَحْيِ وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهِ ظَنَّهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِعْلَهُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ بِغَيْرِ الْكِتَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ نَسْخِ التِّلَاوَةِ ثَبَتَ جَوَازُ نَسْخِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التِّلَاوَةِ وَالْعَمَلَ بِحُكْمِ الْمُتَوَكِّلِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ ﵀ هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِآيَةٍ أُخْرَى قُبَيْلَ هَذَا الزَّمَانِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ فَلَا يَتَعَيَّنُ النَّسْخُ بِالْحَدِيثِ وَلَعَلَّهُ ظَنَّ النَّسْخَ بِالْإِنْسَاءِ. وَكَانَ نَسْخًا لِلْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] أَيْ لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ سِوَى هَؤُلَاءِ اللَّاتِي اخْتَرْنَك مِنْ بَعْدُ أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ إخْبَارُ النَّبِيِّ ﵇ إيَّاهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ وَأَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ إلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى كَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَنَاسِخُهُ لَا يُتْلَى فِي الْكِتَابِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا جَوَازَ نَسْخِ الْكِتَابِ بِغَيْرِهِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَهَذَا لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْحِلَّ لَمْ يَثْبُتْ يَعْنِي حِلَّ مَا زَادَ عَلَى التِّسْعِ بَعْدَمَا حَرُمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] لَمْ يَثْبُتْ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ مَا زَادَ عَلَى التِّسْعِ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ بَعْدُ

стр. 902

وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَنَّ النَّسْخَ لِبَيَانِ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَجَائِزٌ لِلرَّسُولِ بَيَانُ حُكْمِ الْكِتَابِ فَقَدْ بُعِثَ مُبَيِّنًا وَجَائِزٌ أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ مَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَلِأَنَّ الْكِتَابَ يَزِيدُ بِنَظْمِهِ عَلَى السُّنَّةِ فَلَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَصْلُحُ نَاسِخًا وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِهَا حُكْمُ الْكِتَابِ دُونَ نَظْمِهِ وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَحْيٌ مُطْلَقٌ يُوجِبُ مَا يُوجِبُهُ الْكِتَابُ، فَإِذَا بَقِيَ النَّظْمُ مِنْ الْكِتَابِ وَانْتَسَخَ الْحُكْمُ مِنْهُ بِالسُّنَّةِ كَانَ الْمَنْسُوخُ مِثْلَ النَّاسِخِ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ وَقَعَ الطَّعْنُ بِمِثْلِهِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ بَلْ فِي ذَلِكَ إعْلَاءُ مَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [كشف الأسرار] فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيدِ إذْ الْبَعْدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ تَتَنَاوَلُ الْأَبَدَ يُوَضِّحُهُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ جَزَاءً لِحُسْنِ عَمَلِهِنَّ وَهُوَ اخْتِيَارُهُنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَمُصَابَرَتُهُنَّ عَلَى الْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ ذَلِكَ بِالنَّسْخِ مَعَ بَقَائِهِنَّ عَلَى ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا نَسْخَهُ فَذَلِكَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] عَلَى مَا قِيلَ لَا بِالسُّنَّةِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاحْتِجَاجُ «وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ وَمَنْ لَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ رَدُّوهُ وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمَّا خُتِمَ كِتَابُ الصُّلْحِ جَاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً فَأَقْبَلَ زَوْجُهَا مُسَافِرٌ الْمَخْزُومِيُّ وَقِيلَ صَيْفِيُّ بْنُ الرَّاهِبِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اُرْدُدْ عَلَيَّ امْرَأَتِي كَمَا هُوَ الشَّرْطُ وَهَذِهِ طِينَةُ الْكِتَابِ لَمْ تَجِفَّ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» وَنُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَهَذَا السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ. قَوْلُهُ (وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ) وَهُوَ مُعْتَمَدُ الْجُمْهُورِ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا أَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِالْآخَرِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَمْ يَرِدْ مِنْهُ مَنْعٌ سَمْعًا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ أَمَّا بَيَانُ عَدَمِ امْتِنَاعِهِ عَقْلًا فَلِأَنَّ النَّسْخَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ كَمَا بَيَّنَّا، فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِالْكِتَابِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُبَيِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُدَّةَ بَقَائِهِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُبَيِّنَهَا بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ وَكَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُبَيِّنَ مُجْمَلَ الْكِتَابِ بِعِبَارَتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُبَيِّنَ مُدَّةَ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ بِعِبَارَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّسْخَ إسْقَاطُ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعُمُومِ كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ إسْقَاطُ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعُمُومِ، فَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ نَسْخُهُ بِهَا أَيْضًا، وَإِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِالسُّنَّةِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَيْضًا أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ مُدَّتِهِ لِعِلْمِهِ بِتَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا لَوْ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ ﵇ بِنَفْسِهِ وَكَمَا لَوْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُدَّةَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ﵇ أَيْ الثَّابِتَ بِعِبَارَتِهِ هُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَمْ يَرِدْ السَّمْعُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا تَلَوْا مِنْ الْآيَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَثَبَتَ أَنَّهُ جَائِزٌ. وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ نَسْخُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لَكَانَ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] إلَّا أَنَّ الْكِتَابَ مَتْلُوٌّ وَالسُّنَّةَ غَيْرُ مَتْلُوَّةٍ وَنَسْخُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِالْآخَرِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِذَاتِهِ وَلِهَذَا فَرْضُ خِطَابِ الشَّارِعِ بِجَعْلِ الْقُرْآنِ نَاسِخًا لِلسُّنَّةِ أَوْ بِجَعْلِ السُّنَّةِ نَاسِخَةً لِلْقُرْآنِ لِمَا لَزِمَ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا فَإِذًا لَوْ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ إذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵇ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ نُسِخَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْلُوَ قُرْآنًا أَيُقْبَلُ خَبَرُهُ أَمْ لَا، فَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ لَا يُقْبَلُ فَقَدْ انْسَلَخَ عَنْ الدِّينِ، وَإِنْ قَالَ يُقْبَلُ فَقَدْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إذْ هُوَ تَفْسِيرُ جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْكِتَابَ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْجَوَازِ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَمَّا قَالُوا: إنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ لَا يَجُوزُ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَشْرُوطَةِ بِالنَّصِّ فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَزِيدُ بِنَظْمِهِ لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا عَلَى السُّنَّةِ فَيَصْلُحُ نَاسِخًا لَهَا لِكَوْنِهِ

стр. 903

وَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ السُّنَّةَ ــ [كشف الأسرار] خَيْرًا مِنْهَا كَمَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ لِكَوْنِهِ مَثَلًا لَهُ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ الْكِتَابِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَإِيجَابِ الْعِلْمِ كَمَا قُرِّرَ فِي الْكِتَابِ فَيَصِحُّ نَسْخُهُ بِهَا أَيْضًا. (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُهُ: فَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِهَا حُكْمُ الْكِتَابِ دُونَ نَظْمِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ أَنَّ أُبَيًّا ظَنَّ نَسْخَ النَّظْمِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ يُتْلَى، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ النَّظْمِ بِالسُّنَّةِ قُلْنَا الْمُرَادُ هَاهُنَا بَيَانُ الْوُقُوعِ أَيْ لَمْ يَقَعْ نَسْخُ النَّظْمِ بِالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ نَسْخُ الْحُكْمِ بِهَا وَفِيمَا سَبَقَ بَيَانُ الْجَوَازِ أَيْ ظَنُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ النَّظْمِ بِدُونِ الْكِتَابِ فَلَا يَكُونُ تَنَاقُضًا أَوْ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِهَا حُكْمُ الْكِتَابِ دُونَ نَظْمِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ النَّظْمِ بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهٍ تَقُومُ السُّنَّةُ مَقَامَهُ فِي جَوَازِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيٍّ ﵁ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ النَّظْمِ بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ بَيَانًا لِانْتِهَاءِ حُكْمِهِ فَقَطْ فَيَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَ الطَّعْنُ جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا نَسْخُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مَدْرَجَةٌ إلَى الطَّعْنِ فَقَالَ لَوْ وَقَعَ الطَّعْنُ بِمِثْلِهِ أَيْ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَامْتَنَعَ بِهِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ أَيْ النَّسْخُ فِي الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّاعِنَ يَقُولُ: إنَّهُ يُنَاقِضُ فِي كَلَامِهِ وَيَنْقُلُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَلَامًا مُتَنَاقِضًا فَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] قَالُوا: إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ثُمَّ لَمْ يَنْدَفِعْ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ بِهَذَا الطَّعْنِ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ وَصِحَّةِ رِسَالَتِهِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ وَأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَبْقَ لِلطَّعْنِ مَجَالٌ بَلْ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَعَكْسِهِ إعْلَاءُ مَنْزِلَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ بَيَانَ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وَحْيٌ فِي الْأَصْلِ إلَيْهِ لِيُبَيِّنَهُ بِعِبَارَتِهِ وَجَعَلَ لِعِبَارَتِهِ مِنْ الدَّرَجَةِ مَا يُثْبِتُ بِهِ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِهِ انْتِسَاخُهُ. وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ سُنَّتَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ مِثْلَ كَلَامِهِ وَتَوَلَّى بَيَانَ مُدَّتِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا تَوَلَّى بَيَانَ مُدَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ بِكَلَامِهِ قَوْلُهُ (وَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] فَقَالَ ظَهَرَ بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَمَا زَعَمُوا بَلْ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَلَا يُقَالُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ لِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْإِذْنُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا، وَإِنَّهُ فِي اجْتِهَادِهِ لَا يُقِرُّ الْخَطَأَ فَكَانَ اجْتِهَادُهُ مَعَ التَّقَرُّرِ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ أَيْضًا وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ أَنَّ النَّاسِخَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ وَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ يُنْسَخَ حُكْمُ الْقُرْآنِ بَلْ بِوَحْيٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ وَهُوَ النَّاسِخُ بِاعْتِبَارٍ وَهُوَ الْمَنْسُوخُ بِاعْتِبَارٍ وَلَيْسَ لَهُ كَلَامَانِ أَحَدُهُمَا قُرْآنٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بِالْعِبَارَاتِ فَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى كَلَامِهِ بِلَفْظٍ مَنْظُومٍ يَأْمُرُ بِتِلَاوَتِهِ وَيُسَمَّى قُرْآنًا وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وَيُسَمَّى سُنَّةً وَالْكُلُّ مَسْمُوعٌ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ حَالٍ قَوْلُهُ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ

стр. 904

وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْكِتَابِ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا أَشْكَلَ تَارِيخُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصِّحَّةِ بِحَيْثُ يُنْسَخُ بِهِ الْكِتَابُ فَكَانَ تَقْدِيمُ الْكِتَابِ أَوْلَى فَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِيَّةِ مَا يَرْجِعُ إلَى الْعِبَادِ دُونَ النَّظْمِ بِمَعْنَاهُ فَكَذَلِكَ الْمُمَاثَلَةُ عَلَى أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ــ [كشف الأسرار] قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَكَادُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ فِي الْكِتَابِ فَرْضِيَّةَ اتِّبَاعِهِ مُطْلَقًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرْضِيَّةُ اتِّبَاعِهِ مُقَيَّدًا بِأَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا يُتْلَى فِي الْكِتَابِ ظَاهِرًا وَلَئِنْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ اخْتِبَارُ الْآحَادِ لَا الْمَسْمُوعِ عَنْهُ بِعَيْنِهِ أَوْ الثَّابِتِ عَنْهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَفِي اللَّفْظِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ. قَوْلُهُ ﵇ إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ وَلَمْ يَقُلْ: إذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مَسْمُوعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطْعًا وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِ عِلْمُ الْيَقِينِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ وَمَا خَالَفَ فَرُدُّوهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ إذَا جُهِلَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَا يُوقَفَ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَصًّا عِنْدَ التَّعَارُضِ وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُرِفَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ: فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَرَافِقِ الْعِبَادِ دُونَ النَّظْمِ بِمَعْنَاهُ أَيْ مَعَ مَعْنَاهُ أَوْ مُلْتَبِسًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بَلْ الْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْإِعْجَازِ وَفِي كَوْنِهِ قُرْآنًا فَكَذَلِكَ الْمُمَاثَلَةُ أَيْ فَكَالْخَيْرِيَّةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى مَرَافِقِ الْعِبَادِ لَا إلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي النَّظْمِ فَكَانَ الْمَعْنَى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالثَّوَابِ وَنَحْوِهَا لَا بِلَفْظَةٍ خَيْرٍ مِنْ لَفْظِهَا أَوْ مِثْلِهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ وَالْمِثْلِيَّةَ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ لَا بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَقَدْ يَكُونُ حُكْمُ السُّنَّةِ النَّاسِخَةِ خَيْرًا أَوْ مِثْلًا لِحُكْمِ الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ وَغَيْرِهِ وَالْمُجَانَسَةُ حَاصِلَةٌ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ جِنْسٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُجَانَسَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ مَنْ لَقِيَنِي بِحَمْدٍ وَثَنَاءٍ لَقِيتُهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ يُرَادُ بِهِ الْمِنْحَةُ وَالْعَطَاءُ لَا الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ. وَأُجِيبَ عَنْ الْآيَةِ أَيْضًا بِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ أَنَّ الْخَيْرَ أَوْ الْمِثْلَ هُوَ النَّاسِخُ؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى نَسْخِ الْآيَةِ فَلَوْ كَانَ الْخَيْرُ أَوْ الْمِثْلُ هُوَ النَّاسِخَ لَتَرَتَّبَ نَسْخُ الْآيَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ دَوْرٌ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ غَايَةَ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْخَيْرَ أَوْ الْمِثْلَ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ نَاسِخًا بَلْ شَيْئًا آخَرَ مُغَايِرًا لِلنَّاسِخِ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ وَهَذَا إنَّمَا كَانَ يُفِيدُ لَوْ كَانَ مُدَّعَى الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الْخَيْرَ أَوْ الْمِثْلَ هُوَ النَّاسِخُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُدَّعَاهُ أَنَّ النَّاسِخَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ بَدَلٌ عَنْ الْمَنْسُوخِ وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَدَلَ الْمَنْسُوخِ خَيْرٌ أَوْ مِثْلٌ خَارِجٌ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ عَلَى وِفَاقِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّنَّةَ مِثْلُ الْكِتَابِ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ النَّسْخُ وَهُوَ الْحُكْمُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ يُنْسَخُ بِالْكِتَابِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى كَوْنِ السُّنَّةِ بَيَانًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِتُبَيِّنَ لِتُبَلِّغَ إذْ حَمْلُ الْبَيَانِ عَلَى التَّبْلِيغِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَيَانِ الْمُرَادِ تَفَادِيًا عَنْ لُزُومِ الْإِجْمَالِ وَالتَّخْصِيصِ فِيمَا أُنْزِلَ؛ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ عَامٌّ فِيهِ بِخِلَافِ بَيَانِ الْمُرَادِ لِاخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِهِ كَالْعَامِّ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُطْلَقِ وَالْمَنْسُوخِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ لِتُبَيِّنَ الْعَامَّ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُطْلَقَ وَالْمَنْسُوخَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ بِبَيَانٍ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ.

стр. 905

وَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ تُمْسِكُوهَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَمْسِكُوهَا مَا بَدَا لَكُمْ وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، فَإِنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ» وَنَسْخُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِثْلُهُ جَائِزٌ أَيْضًا. ــ [كشف الأسرار] [نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ] أَيْضًا قَوْلُهُ (وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ) كَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ أَمْثِلَةَ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ كَمَا ذَكَرَهَا غَيْرُهُ لِظُهُورِهَا وَكَثْرَتِهَا مِثْلَ نَسْخِ آيَاتِ الْمُسَالَمَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ بِآيَاتِ الْقِتَالِ وَنَسْخِ وُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشْرَةِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] بِوُجُوبِ ثَبَاتِهِ لِلِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ وَهَذَا النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ طَرِيقَ الْخَبَرِ لَكِنَّهُ أَمْرٌ فِي الْحَقِيقَةِ رُوِيَ عَنْ بَرِيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ الثَّلَاثِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا وَعَنْ لَحْمِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ تُمْسِكُوهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَمْسِكُوهُ مَا بَدَا لَكُمْ وَتَزَوَّدُوا، فَإِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِيَتَّسِعَ بِهِ مُوسِرُكُمْ عَلَى مُعْسِرِكُمْ وَعَنْ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ ظَرْفٍ، فَإِنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ «وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ فَاشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» فَهَذَا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسَّنَةِ لِانْتِهَاءِ حُكْمِ النَّهْيِ بِالْإِذْنِ ثُمَّ قِيلَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ الزِّيَارَةِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ مَا مُنِعُوا عَنْ زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ قَطُّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ وَكَانَتْ مُشْرِكَةً وَرُوِيَ أَنَّهُ زَارَ قَبْرَهَا فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ فَوَقَفُوا بِالْبُعْدِ وَدَنَا هُوَ مِنْ قَبْرِهَا فَبَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ. وَقِيلَ إنَّمَا نُهُوا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْدُبُونَ الْمَوْتَى عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَرُبَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا هُوَ كَذِبٌ أَوْ مُحَالٌ وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا أَيْ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمَمْنُوعَ كَانَ هُوَ التَّكَلُّمَ بِاللَّغْوِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَذَلِكَ مَوْضِعٌ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَّعِظَ بِهِ وَيَتَأَمَّلَ فِي حَالِ نَفْسِهِ وَهَذَا قَائِمٌ لَمْ يَنْتَسِخْ إلَّا أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ نَهَاهُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِتَحْقِيقِ الزَّجْرِ عَنْ الْهُجْرِ مِنْ الْكَلَامِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الزِّيَارَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقُولُوا هُجْرًا وَقِيلَ الْإِذْنُ ثَبَتَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَالنِّسَاءُ يُمْنَعْنَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَقَابِرِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ خَرَجَتْ فِي تَعْزِيَةٍ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَجَعَتْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّك أَتَيْت الْمَقَابِرَ قَالَتْ لَا قَالَ لَوْ أَتَيْت مَا فَارَقْت جَدَّك يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ كُنْت مَعَهُ فِي النَّارِ» وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ ثَابِتَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَزُورُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَنَّهَا لَمَّا خَرَجَتْ حَاجَّةً زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَنْشَدَتْ عِنْدَ الْقَبْرِ قَوْلَ الْقَائِلِ: وَكُنَّا كَنَدْمَى فِي حَزِيمَةِ حِقْبَةٍ ... مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ تَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا وَالنَّهْيُ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ لِلضِّيقِ وَالشِّدَّةِ فَنَهَاهُمْ عَنْ الْإِمْسَاكِ لِيَتَّسِعَ تَوَسُّعُهُمْ عَلَى مُعْسِرِهِمْ وَلَمَّا عُدِمَ ذَلِكَ الضِّيقُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْإِمْسَاكِ. فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ فِي الْأَوَانِي الْمُغْتَلِمَةِ فَقَدْ كَانَ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ شُرْبِ الْمُسْكِرِ الْحَرَامِ فَقَدْ كَانُوا أَلِفُوا شُرْبَهَا وَقَدْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الِانْزِجَارُ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ وَشَقِّ الزَّوَايَا وَلَمَّا حَصَلَ الِانْزِجَارُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الشُّرْبِ فِي الْأَوَانِي وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ شُرْبُ الْمُسْكِرِ وَأَنَّ الظَّرْفَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ كَذَا

стр. 906

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ النَّاسِخِ أَشُقَّ مِنْ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ نَسَخَ التَّخْيِيرَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ بِعَزِيمَةِ الصِّيَامِ وَنَسَخَ الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ عَنْ الْكُفَّارِ بِقِتَالِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ نَسَخَهُ بِقِتَالِهِمْ كَافَّةً بِقَوْلِهِ ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَالنَّاسِخُ أَشُقُّ هَهُنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَخَفَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَرَافِقِ الْعِبَادِ وَفِي الْأَشَقِّ فَضْلُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] فِي أَشْرِبَةِ الْمَبْسُوطِ عَنْ النَّبِيذِ أَيْ عَنْ أَخْذِ النَّبِيذِ أَوْ شُرْبِ النَّبِيذِ وَالنَّبِيذُ التَّمْرُ يُنْبَذُ فِي جَرَّةِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهَا أَيْ يُلْقَى فِيهَا حَتَّى يَغْلِيَ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالدُّبَّاءُ الْقَرْعُ وَالْحَنْتَمُ جِرَارٌ حُمْرٌ وَقِيلَ خُضْرٌ تُحْمَلُ فِيهِ الْخَمْرُ إلَى الْمَدِينَةِ الْوَاحِدُ حَنْتَمَةٌ وَالنَّقِيرُ الْخَشَبَةُ الْمُقَوَّرَةُ وَالْمُزَفَّتُ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقَارُ وَهَذِهِ أَوْعِيَةٌ ضَارِيَةٌ تُسْرِعُ بِالشِّدَّةِ فِي الشَّرَابِ وَتُحْدِثُ فِيهِ التَّغَيُّرَ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ صَاحِبُهُ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنْ شُرْبِ الْمُحَرَّمِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ النَّاسِخِ أَشُقُّ مِنْ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّسْخِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِبَدَلٍ أَخَفَّ كَنَسْخِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي لَيَالِيِ رَمَضَانَ بِحِلِّهِ وَبِبَدَلٍ مُمَاثِلٍ كَنَسْخِ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي جَوَازِ النَّسْخِ إلَى بَدَلٍ أَثْقَلَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى جَوَازِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد إلَى امْتِنَاعِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ أَثْبَتَهَا وَأُخْرَى نَسَخَهَا رَحْمَةً وَتَخْفِيفًا لِعِبَادِهِ فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي النَّسْخِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ النَّاسِخَ أَخَفُّ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَكَانَ لَا يُجَوِّزُ نَسْخَ الْأَخَفِّ بِالْأَثْقَلِ تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أَخْبَرَ أَنَّ النَّاسِخَ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلُهُ. وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ أَوْ الْمِثْلِيَّةِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ أَوْ الْمِثْلِيَّةُ فِي حَقِّنَا وَإِلَّا فَالْقُرْآنُ خَيْرٌ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلٍ فِيهِ وَالْأَشَقُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ وَلَا مِثْلٍ فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ، فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى إرَادَةِ الْيُسْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ إلَى الْأَشَقِّ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْعُسْرِ وَالتَّثْقِيلِ فَيَكُونُ خِلَافَ النَّصِّ فَلَا يَجُوزُ وَبِأَنَّ النَّقْلَ إلَى الْأَشَقِّ أَبْعَدُ فِي الْمَصْلَحَةِ لِكَوْنِهِ إضْرَارًا فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا الْتَزَمُوا الْمَشَقَّةَ الزَّائِدَةَ. وَإِنْ تَرَكُوا تَضَرَّرُوا بِالْعُقُوبَةِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الشَّارِعِ وَرَأْفَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ عَلَى الْجَوَازِ أَمَّا دَلَالَةُ الْعَقْلِ فَلِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ قَدْ تَكُونُ فِي التَّرَقِّي مِنْ الْأَخَفِّ إلَى الْأَثْقَلِ كَمَا يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ وَرَفْعِ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا يَكُونُ فِي النَّقْلِ مِنْ الْأَثْقَلِ إلَى الْأَخَفِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّبِيبَ يَنْقُلُ الْمَرِيضَ مِنْ الْغِذَاءِ إلَى الدَّوَاءِ تَارَةً وَمِنْ الدَّوَاءِ إلَى الْغِذَاءِ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فِيهِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الشَّرْعِ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ عَنْهُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَمُعَاذٌ ﵃ ذَلِكَ فَعَزِيمَةُ الصِّيَامِ أَيْ بِالصَّوْمِ حَتْمًا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّوْمَ حَتْمًا أَشُقُّ مِنْ التَّخْيِيرِ وَنَسَخَ الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ عَنْ الْكُفَّارِ الثَّابِتِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] بِآيَاتِ الْقِتَالِ وَنَسَخَ الْحَبْسَ وَالْإِيذَاءَ بِاللِّسَانِ فِي حَدِّ الزِّنَا بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَنَسَخَ إبَاحَةَ الْخَمْرِ وَنِكَاحَ الْمُتْعَةِ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِتَحْرِيمِهَا وَنَسَخَ صَوْمَ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَكَوْنَ الْحَجِّ مَنْدُوبًا بِكَوْنِهِ فَرْضًا وَإِبَاحَةَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْخَوْفِ بِوُجُوبِ أَدَائِهَا فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ نَسْخٌ بِالْأَشَقِّ وَالْأَثْقَلِ وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ

стр. 907

(بَابُ تَفْصِيلِ) (الْمَنْسُوخِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ الْمَنْسُوخُ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ وَالْحُكْمُ دُونَ التِّلَاوَةِ وَالتِّلَاوَةُ بِلَا حُكْمٍ وَنَسْخُ وَصْفِهِ فِي الْحُكْمِ أَمَّا نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا فَمِثْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهَا نُسِخَتْ أَصْلًا إمَّا بِصَرْفِهَا عَنْ الْقُلُوبِ أَوْ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ هَذَا جَائِزًا فِي الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] وَقَالَ ﷻ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أَيْ نَحْفَظُهُ مُنَزَّلًا لَا يَلْحَقُهُ تَبْدِيلٌ صِيَانَةً لِلدِّينِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ ــ [كشف الأسرار] الْأُولَى فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَشَقَّ لَيْسَ بِخَيْرٍ بَلْ هُوَ خَيْرٌ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا أَنَّ الْأَخَفَّ خَيْرٌ بِاعْتِبَارِ السُّهُولَةِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْأَشَقَّ أَكْثَرُ ثَوَابًا عَلَى مَا «قَالَ ﵇ لِعَائِشَةَ ﵂ أَجْرُك عَلَى قَدْرِ تَعَبِك وَقَالَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا عَلَى الْبَدَنِ» وَكَذَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ لَا تَدُلَّانِ عَلَى الْيُسْرِ وَالتَّخْفِيفِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ فِي صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ. وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَعْقُولِ فَهُوَ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ فِي نَقْلِ الْخَلْقِ عَنْ الْإِبَاحَةِ وَالْإِطْلَاقِ إلَى مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ وَعَنْ الصِّحَّةِ إلَى الْمَرَضِ وَعَنْ الْقُوَّةِ إلَى الضَّعْفِ وَعَنْ الْغِنَى إلَى الْفَقْرِ فَمَا هُوَ الْجَوَابُ لَهُمْ عَنْ صُوَرِ الْإِلْزَامِ فَهُوَ جَوَابُنَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ تَفْصِيلِ الْمَنْسُوخِ] [أَنْوَاعٌ الْمَنْسُوخُ] بَابُ تَفْصِيلِ الْمَنْسُوخِ الْمَنْسُوخُ: اسْمٌ لِلْحُكْمِ الْمُرْتَفِعِ أَوْ اسْمٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي انْتَهَى بِالدَّلِيلِ الْمُتَأَخِّرِ وَقَدْ يُسَمَّى الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مَنْسُوخًا وَهُوَ أَنْوَاعٌ: نَسْخُ الدَّلِيلِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، وَنَسْخُ الشَّرْطِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: نَسْخُ كُلِّ الْحُكْمِ، وَنَسْخُ بَعْضِ الْحُكْمِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَالنُّقْصَانُ عَنْهُ أَمَّا نَسْخُ الدَّلِيلِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ نَسْخُ وَحْيٍ مَتْلُوٍّ وَنَسْخُ وَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وَهُوَ خَبَرُ الرَّسُولِ ﵇ أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ فَأَنْوَاعٌ نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَعَكْسُهُ كَذَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ مِنْ تَفْصِيلِ الْمَنْسُوخِ فِي هَذَا الْبَابِ تَفْصِيلُ الْمَنْسُوخِ مِنْ الْكِتَابِ لَا تَفْصِيلَ مُطْلَقِ الْمَنْسُوخِ. الْمَنْسُوخُ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ أَيْ اللَّفْظُ وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَعْنَاهُ جَمِيعًا وَالْحُكْمُ دُونَ اللَّفْظِ وَعَكْسُهُ وَنَسْخُ وَصْفِهِ نَحْوُ نَسْخِ فَرْضِيَّةِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَمِثْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا حَقِيقَةً أَنَّهَا كَانَتْ نَازِلَةً تُقْرَأُ وَيُعْمَلُ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٩] ثُمَّ نُسِخَتْ أَصْلًا وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَلْقِ تِلَاوَةً وَلَا عَمَلًا بِهِ فَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ سِوَى الْقَوْلِ بِانْتِسَاخِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ فِيمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ بِصَرْفِهَا عَنْ الْقُلُوبِ أَيْ بِرَفْعِهَا عَنْهَا أَوْ هُوَ مِنْ مَغْلُوبِ الْكَلَامِ أَيْ تُصْرَفُ الْقُلُوبُ عَنْهَا أَيْ عَنْ حِفْظِهَا وَكَانَ هَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ وَهُوَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا بِصَرْفِ الْقُلُوبِ عَنْهُمَا جَائِزًا فِي الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] إذْ لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ النِّسْيَانُ لَخَلَا ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ الْفَائِدَةِ. وقَوْله تَعَالَى أَوْ نُنْسِهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا وَذَلِكَ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ وَرُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ ﵀ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُوتِيَ قُرْآنًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَلْبِهِ ذَلِكَ فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا أَيْ فَلَا يَجُوزُ قَالَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ وَالْمُلْحِدَةِ مِمَّنْ يَتَسَتَّرُ بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَاصِدٌ إلَى إفْسَادِهِ هَذَا جَائِزٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ كَانَتْ آيَاتٌ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ وَفِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ فَكَتَمَهَا الصَّحَابَةُ فَلَمْ تَبْقَ بِانْدِرَاسِ زَمَانِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ

стр. 908

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَصَحِيحَانِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّ النَّصَّ لِحُكْمِهِ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ وَالْحُكْمُ بِالنَّصِّ ثَبَتَ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِيذَاءَ بِاللِّسَانِ وَإِمْسَاكَ الزَّوَانِي فِي الْبُيُوتِ ــ [كشف الأسرار] يَقْرَأُ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ وَأَنَسٌ ﵁ كَانَ يَقُولُ قَرَأْنَا فِي الْقُرْآنِ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. وَقَالَ عُمَرُ ﵁ قَرَأْنَا آيَةَ الرَّجْمِ وَعَيَّنَّاهَا وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْحِفْظَ لَدَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَعَالَى مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِالنِّسْيَانِ وَالْغَفْلَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْحِفْظُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الضَّيَاعَ مُحْتَمَلٌ مِنَّا قَصْدًا كَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْغَفْلَةَ وَالنِّسْيَانَ مُتَوَهَّمٌ مِنَّا وَبِهِ يَنْعَدِمُ الْحِفْظُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْ يَحْفَظُهُ مُنَزَّلًا لَا يَلْحَقُهُ تَبْدِيلٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَوْقَاتِ بَقَاءِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ فِيمَا اُبْتُلُوا بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا إذْ الْعَقْلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ كِفَايَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَاسِخَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِوَحْيٍ يَنْزِلُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ جَوَّزْنَا هَذَا فِي بَعْضِ مَا أُوحِيَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِ فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ بَيْنَ النَّاسِ فِي حَالِ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا قَبِيحٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لِصِيَانَةِ الدِّينِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ أَخْبَرَ ﷻ أَنَّهُ هُوَ الْحَافِظُ لِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ عَنْ التَّغْيِيرِ وَالْمَحْوِ عَنْ الْقُلُوبِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِطَرِيقِ الِانْدِرَاسِ وَذَهَابِ حِفْظِهِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ وَمَا نَقَلُوا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَبَعْضُهَا شَاذٌّ لَا يَكَادُ يَصِحُّ وَمَا ثَبَتَ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْوَ عَنْ قُلُوبِ الصَّحَابَةِ سِوَى قَلْبِ الرَّاوِي كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ لَا بَعْدَهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَكَانَتْ الصَّحِيفَةُ تَحْتَ السَّرِيرِ فَاشْتَغَلْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَدَخَلَ دَاجِنُ الْبَيْتِ فَأَكَلَهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِهَذَا لَا يَنْعَدِمُ حِفْظُهُ عَنْ الْقُلُوبِ وَلَا يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُهُ فِي صَحِيفَةٍ أُخْرَى فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ صَحِيحَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَمِنْ النَّاسِ وَهُمْ فِرْقَةٌ شَاذَّةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ الْجَوَازَ فِي الْقِسْمَيْنِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّصِّ حُكْمُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَعْنَاهُ إذْ الِابْتِلَاءُ يَحْصُلُ بِهِ وَالنَّصُّ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ فَلَا يَبْقَى النَّصُّ بِدُونِ حُكْمِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْوَسِيلَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ لَا يَبْقَى بَعْدَ سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالْحَيْضِ، وَالْحُكْمُ بِالنَّصِّ يَثْبُتُ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ كَالْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الْبَيْعِ بِأَنْ انْفَسَخَ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ أَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ مَعَ الْمَنْطُوقِ وَكَمَا لَا يَنْفَكُّ الْعِلْمُ مِنْ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْطُوقِ فَكَذَلِكَ التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ لَا يَنْفَكَّانِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ نَسْخَ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ دُونَ عَكْسِهِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ وَاجِبٌ فِي الْمَتْلُوِّ أَنَّهُ قُرْآنٌ وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ خِلَافُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ يُؤَدِّي إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ وَتَمَسَّكَتْ الْعَامَّةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا بَيَانُ الْمَنْقُولِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ فَهُوَ أَنَّ الْإِيذَاءَ بِاللِّسَانِ لِلزَّانِيَيْنِ الثَّابِتَ

стр. 909

نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ وَلِأَنَّ لِلنَّظْمِ حُكْمَيْنِ: جَوَازُ الصَّلَاةِ وَمَا هُوَ قَائِمٌ بِمَعْنَى صِيغَتِهِ، وَجَوَازُ الصَّلَاةِ حُكْمٌ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْإِعْجَازُ الثَّابِتُ بِنَظْمِهِ حُكْمٌ مَقْصُودٌ فَبَقِيَ النَّصُّ لِهَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَدَلَالَةُ أَنَّهُمَا يَصْلُحَانِ مَقْصُودَيْنِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ النُّصُوصِ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِعْجَازِ وَجَوَازِ الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ اسْتَقَامَ الْبَقَاءُ بِهِمَا وَانْتَهَى الْآخَرُ. وَأَمَّا نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ فَمِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَكِنَّهُ لَمَّا صَحَّ عَنْهُ إلْحَاقُهُ عِنْدَهُ بِالْمُصْحَفِ وَلَا تُهْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ نَظْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَهَذَا لِأَنَّ لِلنَّظْمِ حُكْمًا يَتَفَرَّدُ بِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ مُتَنَاهِيًا أَيْضًا وَيَبْقَى الْحُكْمُ بِلَا نَظْمٍ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي أَجْنَاسِ الْوَحْيِ ــ [كشف الأسرار] بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وَإِمْسَاكُ الزَّوَانِي أَيْ الزَّانِيَاتُ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نُسِخَا بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ مَعَ بَقَاءِ تِلَاوَةِ النَّصَّيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: نُسِخَ حُكْمُهُ أَيْ نَفْسُ هَذَا الْحُكْمِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ أَيْ تِلَاوَةُ النَّصِّ الْمُثْبِتِ لَهُ وَلَوْ قِيلَ: إنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلْإِيذَاءِ وَالْإِمْسَاكِ نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ لَكَانَ أَحْسَنَ وَكَذَلِكَ الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ أَيْ وَكَالْإِيذَاءِ بِاللِّسَانِ، وَالْإِمْسَاكِ الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ نُسِخَ مَعَ بَقَاءِ تِلَاوَةِ هَذَا النَّصِّ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ مِثْلُ نَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى نَجْوَى الرَّسُولِ ﵇ وَنَسْخِ التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ وَنَسْخِ الْمُسَالَمَةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ مَعَ بَقَاءِ تِلَاوَةِ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لَهَا. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ لِلنَّظْمِ حُكْمَيْنِ إلَى آخِرِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّصِّ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ مِثْلُ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالْإِعْجَازِ وَغَيْرِهِمَا وَقِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَصْلَحَةً دُونَ الْآخَرِ، فَإِذَا انْتَسَخَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى جَازَ أَنْ يَبْقَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ يَصْلُحُ مَقْصُودًا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالْإِعْجَازِ فَإِذَا حَسُنَ ابْتِدَاءُ إنْزَالِ النَّظْمِ لَهُ فَالْبَقَاءُ أَوْلَى فَلِذَلِكَ أَيْ فَلِصَلَاحِ الْحُكْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مَقْصُودَيْنِ اسْتَقَامَ الْبَقَاءُ بِهِمَا أَيْ بَقَاءُ النَّصِّ بِبَقَائِهِمَا وَانْتَهَى الْآخَرُ أَيْ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْنَى كَالصَّلَاةِ مَعَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا جَازَ بَقَاءُ أَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْآخَرِ وَبِهِ خُرِّجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا الْمَقْصُودُ مِنْ النَّصِّ حُكْمُهُ فَلَا يَبْقَى النَّصُّ بِدُونِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالنَّظْمِ لَمَّا كَانَ مَقْصُودًا جَازَ أَنْ يَبْقَى النَّظْمُ بِبَقَائِهِ فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ فَتَمَسَّكُوا بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَيْضًا أَمَّا الْمَنْقُولُ فَمِثْلُ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ قِرَاءَةً مَشْهُورَةً إلَى زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَكِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْقُرْآنُ. وَمِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَمِثْلُ قِرَاءَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ وَكَرِوَايَةِ عُمَرَ ﵁ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ لَا يُظَنُّ بِهَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ اخْتَرَعُوا مَا رَوَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِمَّا يُتْلَى ثُمَّ انْتَسَخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصَرْفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ عَنْ حِفْظِهَا إلَّا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ لِيَبْقَى الْحُكْمُ بِنَقْلِهِمْ فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ بِهِ فَكَانَ بَقَاءُ الْحُكْمِ بَعْدَ نَسْخِ التِّلَاوَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا أَنْ يَكُونَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَإِنْ قِيلَ لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ مَا رَوَوْا كَانَ قُرْآنًا ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ الْبَاقِيَ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَلَوْ كَانَ حُكْمَ الْقُرْآنِ لَكَانَ قَطْعِيًّا قُلْنَا

стр. 910

وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَمِثْلُ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ فَإِنَّهَا نَسْخٌ عِنْدَنَا ــ [كشف الأسرار] الْقُرْآنِيَّةُ تَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِخْبَارِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ وَغَيْرِهِمْ إلَّا أَنَّ بِصَرْفِ قُلُوبِ غَيْرِهِمْ عَنْهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُرْآنِيَّةُ فِي حَقِّنَا فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ قُرْآنًا حَقِيقَةً غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ قُرْآنًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي بِالظَّنِّ وَهُوَ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ مَشْرُوطَةٌ فِيمَا بَقِيَ بَيْنَ الْخَلْقِ مِنْ الْقُرْآنِ لَا فِيمَا نُسِخَ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَبْقَى الْحُكْمُ بِلَا نَظْمٍ أَيْ بِلَا نَظْمِ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ أَيْ الْحُكْمُ بِلَا نَظْمٍ مَتْلُوٍّ صَحِيحٌ فِي أَجْنَاسِ الْوَحْيِ مِثْلُ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِالْإِلْهَامِ وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْوَحْيِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ فَلَأَنْ يَجُوزَ بَقَاءُ الْحُكْمِ بَعْدَمَا انْتَسَخَ حُكْمُ التِّلَاوَةِ مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ كَانَ أَوْلَى وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ فَاسِدٌ لِأَنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ بِبَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ فَانْتِسَاخُ التِّلَاوَةِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْحُكْمِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ إذْ لَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ قِيَامِ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ وَبَيْنَ الْعَالَمِيَّةِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ هِيَ قِيَامُ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ وَإِذْ لَا تَغَايُرَ فَلَا تَلَازُمَ وَلَا يُقَالُ الْكَلَامُ فِي تَلَازُمِ الْعِلْمِ وَالْعَالَمِيَّةِ لَا فِي تَلَازُمِ الْعَالَمِيَّةِ وَقِيَامِ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ لِأَنَّا نَقُولُ نَفْسُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيَامِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَالَمِيَّةَ تِلْكَ الذَّاتِ وَكَذَا لَا نُسَلِّمُ مُلَازَمَةَ الْمَفْهُومِ لِلْمَنْطُوقِ وَلَوْ سَلِمَ عَدَمُ الِانْفِكَاكِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَالَمِيَّةِ وَبَيْنَ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ فَلَا نُسَلِّمُ التَّسَاوِيَ فِي الشَّبَهِ إذْ الْعِلْمُ وَالْمَنْطُوقُ عِلَّةُ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ بِخِلَافِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهَا أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ انْتِفَاءِ مَدْلُولِهَا انْتِفَاؤُهَا قَوْلُهُ. (وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ) وَهُوَ نَسْخُ الْوَصْفِ فَمِثْلُ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ إنْ كَانَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا كَزِيَادَةِ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَوْ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حُكْمٍ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِلْأَوَّلِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ زِيَادَةَ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ نَسْخٌ فَقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا تُزِيلُ وُجُوبَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى الْمَأْمُورِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِأَنَّ السَّادِسَةَ تُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا وُسْطَى وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا وُسْطَى أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَنْهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَوْ أَوْجَبَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ أَوْجَبَ صَلَاةً خَامِسَةً أَوْ صَوْمًا أَوْ زَكَاةً أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نَسْخًا لِإِخْرَاجِ الْعِبَادَةِ الْأَخِيرَةِ عَنْ كَوْنِهَا أَخِيرَةً وَإِخْرَاجِ الْعِبَادَاتِ السَّابِقَةِ عَنْ كَوْنِهَا أَرْبَعًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ إذَا وَرَدَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ تَأَخُّرًا يُجَوِّزُ الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الزَّمَانِ كَزِيَادَةِ شَرْطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ وَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ فِي جَلْدِ الزَّانِي بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَوْ وَرَدَتْ مُقَارِنَةً لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ نَسْخًا كَوُرُودِ رَدِّ الشَّهَادَةِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ مُقَارِنًا لِلْجَلْدِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لَهُ لِلْقُرْآنِ فَقَالَ عَامَّةُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِ دِيَارِنَا إنَّهَا تَكُونُ نَسْخًا مَعْنًى وَإِنْ

стр. 911

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ وَذَلِكَ زِيَادَةُ النَّفْيِ عَلَى الْجَلْدِ وَزِيَادَةُ قَيْدِ الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ قَالَ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ عَامَّةٌ فِي الْكَافِرَةِ وَالْمُؤْمِنَةِ فَاسْتَقَامَ فِيهَا الْخُصُوصُ وَإِنَّمَا النَّسْخُ تَبْدِيلٌ وَفِي قَيْدِ الْإِيمَانِ تَقْرِيرٌ لَا تَبْدِيلٌ، وَكَذَلِكَ فِي شَرْطِ النَّفْيِ تَقْرِيرٌ لِلْجَلْدِ لَا تَبْدِيلٌ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا وَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ تَخْصِيصًا لَا مَحَالَةَ بَلْ لَيْسَ نَسْخًا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَنَا أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَابْتِدَاءُ حُكْمٍ آخَرَ، وَالنَّصُّ الْمُطْلَقُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِإِطْلَاقِهِ، فَإِذَا صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ وَالْإِطْلَاقَ ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْقَوْلِ بِانْتِهَاءِ الْأَوَّلِ وَابْتِدَاءِ الثَّانِي ــ [كشف الأسرار] كَانَ بَيَانًا صُورَةً وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ فِي الْكِتَابِ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَهُ كَمَا قَدْ كَانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ يَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ كَانَ نَسْخًا كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزَّانِي وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى الثَّمَانِينَ فِي حَدِّ الْقَاذِفِ لَوْ فَرَضْنَا وُرُودَ الشَّرْعِ بِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً حُكْمَ الْمَزِيدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَتْ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ إذَا وَرَدَتْ مُتَأَخِّرَةً وَكَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْبَعْضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغَيِّرَةً لَا يَكُونُ نَسْخًا كَزِيَادَةِ وُجُوبِ سَتْرِ الرُّكْبَةِ بَعْدَ وُجُوبِ سَتْرِ الْفَخِذِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ سَتْرِ كُلِّ الْفَخِذِ لِأَنَّ سَتْرَ الْفَخِذِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ سَتْرِ بَعْضِ الرُّكْبَةِ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ تَكُونُ مُقَرِّرَةً لَهُ، وَمُخْتَارُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ فَهِيَ نَسْخٌ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ النَّسْخِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَيَانِ حَدِّهِ وَمَا خَالَفَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَرْفُوعُ شَرْعِيًّا أَوْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ أَوْ لَا يَكُونَ إثْبَاتُهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ كُلٍّ مِنْهَا. تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ أَصْلًا بِوُجُوهٍ مِنْ الْكَلَامِ أَحَدُهَا أَنَّهُمْ بَنَوْا عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ وَأَنَّ الْعَامَّ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ قَطْعًا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ وَبِالْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ بِوُرُودِ الزِّيَادَةِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْمُطْلَقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ الْبَعْضُ وَمِنْ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا وَبَيَانًا لَا نَسْخًا، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّهَا اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ وَالزَّمِنَةَ وَغَيْرَهَا فَإِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِزِيَادَةِ قَيْدِ الْإِيمَانِ يَكُونُ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا، كَإِخْرَاجِ الزَّمِنَةِ وَالْعَمْيَاءِ مِنْهَا وَكَإِخْرَاجِ أَصْلِ الذِّمَّةِ مِنْ لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقِيقَةَ النَّسْخِ لَمْ تُوجَدْ فِي الزِّيَادَةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَبْدِيلٌ وَرَفْعٌ لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ، وَالزِّيَادَةُ تَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ وَضَمُّ حُكْمٍ آخَرَ إلَيْهِ وَالتَّقْرِيرُ ضِدُّ الرَّفْعِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا أَلَا تَرَى أَنَّ إلْحَاقَ صِفَةِ الْإِيمَانِ بِالرَّقَبَةِ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحِقَّةً لِلْإِعْتَاقِ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِلْحَاقُ النَّفْيِ بِالْجَلْدِ لَا يُخْرِجُ الْجَلْدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بَعْدَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ وُجُوبُ التَّغْرِيبِ ضَمَّ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ وَذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ كَوُجُوبِ عِبَادَةٍ بَعْدَ عِبَادَةٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَآخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ حَتَّى قُضِيَ لَهُ بِالْمَالِ كُلِّهِ كَانَ مِقْدَارُ الْأَلْفِ مَقْضِيًّا بِهِ بِشَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا وَإِلْحَاقُ الزِّيَادَةِ بِالْأَلْفِ بِشَهَادَةِ الْآخَرِ يُوجِبُ تَقْرِيرَ الْأَصْلِ فِي كَوْنِهِ مَشْهُودًا بِهِ لَا رَفْعَهُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِأَصْلِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ فَيَكُونُ فِيهَا مَعْنَى النَّسْخِ بِوَجْهٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ مُنَافٍ لِلْأَوَّلِ بِحَيْثُ لَوْ وَرَدَا مَعًا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَنَافِيهِمَا وَهَاهُنَا

стр. 912

وَهَذَا لِأَنَّهُ مَتَى صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ الْمُطْلَقُ بَعْضَهُ وَمَا لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْوُجُودِ كَبَعْضِ الْعِلَّةِ وَبَعْضِ الْحَدِّ حَتَّى أَنَّ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ لَا تَبْطُلُ بِبَعْضِ الْحَدِّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا نَسْخٌ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ جُمْلَتِهِ، فَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَتَصَرُّفٌ فِي النَّظْمِ بِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَ الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالنَّظْمِ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ النَّظْمُ ــ [كشف الأسرار] إنْ وَرَدَتْ الزِّيَادَةُ مُقَارِنَةً لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَجَبَ الْجَمْعُ وَلَا تَكُونُ مُنَافِيَةً لَهُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا النَّسْخُ إذَا وَرَدَتْ مُتَأَخِّرَةً بَلْ يَكُونُ بَيَانًا وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ تَخْصِيصًا اعْتِذَارٌ عَنْ. قَوْلِهِ: إنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ بِأَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا يَسْتَقِيمُ فِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ فِي إيجَابِ النَّفْيِ فَقَالَ: لَيْسَ الشَّرْطُ أَيْ شَرْطُ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ تَخْصِيصًا يَعْنِي لَا نَدَّعِي أَنَّهَا تَخْصِيصٌ لَا مَحَالَةَ بَلْ تَكُونُ تَخْصِيصًا وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخٍ بِوَجْهٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَوْ كَانَ نَسْخًا لَكَانَ الْقِيَاسَ بَاطِلًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ وَزِيَادَةُ حُكْمٍ لَمْ يُوجِبْهُ النَّصُّ بِصِيغَتِهِ وَحِينَ كَانَ الْقِيَاسُ جَائِزًا وَدَلِيلًا شَرْعِيًّا عُلِمَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ وَالرَّابِعُ: أَنَّ النَّسْخَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ هُوَ الْبَقَاءُ، وَالْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْكَلَامِ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَمِنْ الظَّاهِرِ إلَى خِلَافِهِ لَكِنَّهُ مُتَعَارَفٌ فِي اللُّغَةِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ مَعْنًى بِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ حُكْمٍ بِابْتِدَاءِ حُكْمٍ آخَرَ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ شَرَطَ الْبَدَلَ فِي النَّسْخِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ بِابْتِدَاءِ حُكْمٍ آخَرَ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ فَيَكُونُ نَسْخًا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِطْلَاقَ مَعْنًى مَقْصُودٌ مِنْ الْكَلَامِ وَلَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قَيْدٍ وَالتَّقْيِيدُ مَعْنًى آخَرُ مَقْصُودٌ عَلَى مُضَادَّةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ إثْبَاتُ الْقَيْدِ وَالْإِطْلَاقَ رَفْعُهُ وَلَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُبَاشَرَةِ مَا وُجِدَ فِيهِ الْقَيْدُ دُونَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ، فَإِذَا صَارَ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ بِثُبُوتِ حُكْمِ التَّقْيِيدِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتَّنَافِي فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ بِدُونِ الْقَيْدِ، وَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِهِ. وَإِذَا انْتَهَى الْحُكْمُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لَهُ ضَرُورَةً وَقَوْلُهُ: وَهَذَا لِأَنَّهُ كَذَا تَوْضِيحٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ انْعِقَادِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَجَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا نُسَلِّمُ انْتِهَاءَ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ بَاقٍ وَلَكِنْ ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ يَعْنِي إنَّمَا قُلْنَا بِانْتِهَاءِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَتَى صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ الْمُطْلَقُ بَعْضَهُ أَيْ صَارَ مَا كَانَ مُطْلَقًا قَبْلَ التَّقْيِيدِ بَعْضَ الْمُقَيَّدِ لِاشْتِمَالِ الْمُقَيَّدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:. أَحَدُهُمَا: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ وَالثَّانِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُقَيَّدُ وَمَا لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْوُجُودِ أَيْ لَيْسَ لِبَعْضِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ أَوْ عُقُوبَةً أَوْ كَفَّارَةً حُكْمُ وُجُودِ الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ وَلَا حُكْمُ وُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ انْضِمَامِ الْبَاقِي إلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَكُونُ فَجْرًا وَلَا بَعْضَ الْفَجْرِ بِدُونِ انْضِمَامِ الْأُخْرَى إلَيْهَا، وَالرَّكْعَتَانِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ كَذَلِكَ وَكَذَا الْمُظَاهِرُ إذَا صَامَ شَهْرًا ثُمَّ عَجَزَ فَاطْعَمْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا لَا يَكُونُ مُكَفِّرًا بِالْإِطْعَامِ وَلَا بِالصَّوْمِ كَبَعْضِ الْعِلَّةِ وَبَعْضِ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْوُجُودِ وَلِبَعْضِ الْحَدِّ حُكْمُ الْحَدِّ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْعِلَّةِ وَبَعْضَ الْحَدِّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَدِّ مِنْ طُهْرَةِ الْمَحْدُودِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ عَنْ عُهْدَةِ إقَامَةِ الْوَاجِبِ وَسُقُوطِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ إذَا كَانَ الْحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَدِّ عِنْدَنَا وَبَعْضُ

стр. 913

وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ وَالتَّقْيِيدَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ نَصٍّ بِالْمُقَايَسَةِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّ الْمَخْصُوصَ إذَا لَمْ يَبْقَ مُرَادًا بَقِيَ الْبَاقِي ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّظْمِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَإِذَا ثَبَتَ قَيْدُ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنَةُ ثَابِتَةً بِذَلِكَ النَّصِّ الْأَوَّلِ بِنَظْمِهِ بَلْ بِهَذَا الْقَيْدِ فَيَكُونُ لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ لِلْإِخْرَاجِ لَا لِلْإِثْبَاتِ. ــ [كشف الأسرار] الْحَدِّ لَيْسَ بِحَدٍّ. وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَذْفِ الَّذِي هُوَ فِسْقٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوْلَى قَدْ انْتَهَى وَإِنَّ هَذَا أَيْ التَّقْيِيدَ فِي الْمُطْلَقِ نَسْخٌ لِوَصْفِ الْإِطْلَاقِ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ جُمْلَتِهِ أَيْ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ أَصْلِهِ ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ عَلَى مَا زَعَمَ الْخَصْمُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ بِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ النَّظْمُ بِظَاهِرِهِ لَوْلَا دَلِيلُ التَّخْصِيصِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ. وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ أَيْ لَا دَلَالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْقَيْدِ بِوَجْهٍ كَاسْمِ الرَّقَبَةِ لَا يَتَنَاوَلُ صِفَةَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ فَكَانَ التَّقْيِيدُ تَصَرُّفًا فِيمَا لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لَهُ فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا أَلَا تَرَى تَوْضِيحَ قَوْلِهِ: وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ يَعْنِي الْإِطْلَاقُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ أَيْ عَدَمِ الْقَيْدِ، وَالتَّقْيِيدُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ أَيْ وُجُودُ الْقَيْدِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُ الْإِطْلَاقُ التَّقْيِيدَ مَعَ تَنَافِيهِمَا، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَا يَكُونُ التَّقْيِيدُ تَخْصِيصًا بَلْ يَكُونُ إثْبَاتَ نَصٍّ نَاسِخٍ لِلْإِطْلَاقِ بِالْمُقَايَسَةِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَصْمَ لَمَّا أَثْبَتَ التَّقْيِيدَ فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الظِّهَارِ بِالْقِيَاسِ بِأَنْ قَالَ: تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ فَكَانَ الْإِيمَانُ مِنْ شَرْطِهِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ «مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ جَاءَ بِجَارِيَةٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: عَلِيٌّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَامْتِحَانُهَا بِالْإِيمَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْمُؤْمِنَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ كَانَ هَذَا مِنْهُ إثْبَاتَ نَصٍّ مُقَيِّدٍ لِلرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَةِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْكَفَّارَتَيْنِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] كَمَا قَالَ كَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ وَخَرَجَ الْمَخْصُوصُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ بَقِيَ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَهُ ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّظْمِ بِعَيْنِهِ كَلَفْظِ الْمُشْرِكِينَ إذَا خُصَّ مِنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُمْ بَقِيَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِمْ ثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ حَتَّى وَجَبَ قَتْلُ مَنْ لَا أَمَانَ لَهُ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ فَلَمْ يَكُنْ أَيْ التَّخْصِيصُ نَسْخًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ الثَّابِتِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَإِذَا ثَبَتَ قَيْدُ إيمَانٍ فِي الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الظِّهَارِ وَخَرَجَتْ الْكَافِرَةُ مِنْ الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ فِي الْمُؤْمِنَةِ ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّصِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ بِنَظْمِهِ أَيْ بِصِيغَتِهِ لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِوَجْهٍ بَلْ يَكُونُ ثَابِتًا بِهَذَا الْقَيْدِ فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ لِإِثْبَاتِ ابْتِدَاءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُطْلَقِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ ثَابِتًا لَوْلَا التَّخْصِيصُ لَا لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً وَلَا تَشَابُهَ بَيْنَ إخْرَاجِ مَا كَانَ دَاخِلًا فِي الْجُمْلَةِ وَبَيْنَ إثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ نَسْخٌ وَلَيْسَ بِتَخْصِيصٍ. وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْإِمَامِ ﵀ هِيَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِتَخْصِيصٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الْعُمُومِ إذَا أُخِصَّ مِنْهُ بَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ بِالنَّصِّ الْعَامِّ نَفْسِهِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا إذَا بَقِيَ مِنْ الْحُكْمِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ وَمَتَى زِيدَتْ لَمْ يَبْقَ لِلنَّصِّ الْأَوَّلِ حُكْمٌ، فَإِنَّ نَصَّ الزِّنَا جَعَلَ الْجَلْدَ حَدًّا وَلَا يَبْقَى حَدٌّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ النَّفْيِ حَدًّا مَعَهُ وَآيَةُ الْكَفَّارَةِ

стр. 914

وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ النَّفْيَ إذَا أُلْحِقَ بِالْجَلْدِ لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ حَدًّا ــ [كشف الأسرار] جَعَلَتْ الرَّقَبَةَ بِدُونِ صِفَةِ الْإِيمَانِ كَفَّارَةً وَلَا تَبْقَى بَعْدَ قَيْدِ الْإِيمَانِ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَالْمُؤْمِنَةَ تَجُوزُ لَا لِأَنَّهَا رَقَبَةٌ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ لِلْوَصْفِ الزَّائِدِ الَّذِي لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَبِدُونِهِ لَا يَكُونُ مَا يَبْقَى كَفَّارَةً وَلَا بَعْضُهَا فَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ مَعْنًى. وَبَيَانُ صُورَةِ قَوْلِهِ (وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ النَّفْيَ) كَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: النَّفْيُ تَقْرِيرٌ لِلْجَلْدِ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا فَقَالَ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّهُ نَسْخٌ لِنَفْسِ الْجَلْدِ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِكَوْنِهِ حَدًّا لِصَيْرُورَتِهِ بَعْضَ الْحَدِّ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْحَدِّ حُكْمُ الْحَدِّ وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ تَقْتَضِي زَوَالَ شَيْءٍ لَا مَحَالَةَ، وَأَقَلُّهُ زَوَالُ عَدَمِهَا الَّذِي كَانَ ثَابِتًا وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُزَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَكَانَ الزِّيَادَةُ مُتَرَاخِيًا سُمِّيَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ حُكْمًا عَقْلِيًّا وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَا تُسَمَّى نَسْخًا وَثَالِثُهَا أَنَّ الزَّائِلَ بِالزِّيَادَةِ إنْ كَانَ حُكْمَ الْعَقْلِ يُجَوِّزُ الزِّيَادَةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ الزَّائِلُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الزِّيَادَةِ بِحَيْثُ يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِدَلِيلِ الْحُكْمِ الزَّائِلِ جَازَ إثْبَاتُ الزِّيَادَةِ وَإِلَّا فَلَا وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْفُرُوعَ فَقَالَ: زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ لَا تُزِيلُ إلَّا نَفْيَ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَهَذَا النَّفْيُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ بِالْفِعْلِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَمَّا كَوْنُ الْمِائَةِ وَحْدَهَا مُجْزِئَةً وَكَوْنُهَا كَمَالَ الْحَدِّ وَحُصُولُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ لِلْإِمَامِ بِإِقَامَتِهَا فَكُلُّهَا تَابِعٌ لِنَفْيِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ وَلَمَّا كَانَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ جَازَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ كَمَا أَنَّ الْفُرُوضَ لَوْ كَانَتْ خَمْسَةً لَتَوَقَّفَ عَلَى أَدَائِهَا الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ فَلَوْ زِيدَ فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ لَتَوَقَّفَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ فَكَذَا هَاهُنَا، فَأَمَّا لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِائَةُ وَحْدَهَا كَمَالُ الْحَدِّ وَإِنَّهَا وَحْدَهَا مُجْزِئَةٌ فَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّيَادَةِ هَاهُنَا خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الزِّيَادَةِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلِّيَّةَ الْحَدِّ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهَا نَسْخًا وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَتَقْدِيرُ الْحَدِّ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَكَانَ شَرْعِيًّا وَلِأَنَّ الْحَدَّ مَتَى كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ جَاءَ نَصُّ التَّغْرِيبِ مُتَرَاخِيًا فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﵇ سَاكِتًا عَنْ حُكْمِ التَّغْرِيبِ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بَيَانٌ فَصَارَ وُجُوبُ انْتِفَاءِ التَّغْرِيبِ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِدَلَالَةِ السُّكُوتِ، فَإِذَا جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِإِيجَابِ التَّغْرِيبِ كَانَ نَسْخًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ وُجُوبُ انْتِفَاءِ التَّغْرِيبِ بِسُكُوتِهِ وَلَوْ أَمَرَ صَاحِبُ الشَّرْعِ نَصًّا فَقَالَ: اجْلِدُوا وَلَا تُغَرِّبُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي إيجَابِ التَّغْرِيبِ أَلَيْسَ يَكُونُ نَسْخًا فَكَذَا هَذَا وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إيجَابُ عِبَادَةٍ بَعْدَ أُخْرَى، فَإِنَّ سُكُوتَهُ ﵇ بَعْدَ إيجَابِ عِبَادَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهَا ثُمَّ جَازَ إيجَابُ عِبَادَةٍ بَعْدَهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ هَاهُنَا أَيْضًا وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ زِيَادَةَ النَّفْيِ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ ثُبُوتُهُ فِي الشَّرْعِ

стр. 915

وَلِهَذَا لَمْ نَجْعَلْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلَمْ نَجْعَلْ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمُثَلَّثِ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُسْكِرِ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْعِلَّةِ بِوَجْهٍ ــ [كشف الأسرار] بِطَرِيقِهِ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَإِنَّهَا نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ فِي الْفَرَائِضِ الْمُقَدَّرَةِ تَحْرِيمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَقَادِيرِهَا بِخِلَافِ زِيَادَةِ عِبَادَةٍ، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَغْيِيرَ حُكْمٍ مَقْصُودٍ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ زِيَادَةَ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ إنْ كَانَ نَسْخًا لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ إدْخَالُ نَبِيذِ التَّمْرِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ نَسْخًا؛ لِآيَةِ الْوُضُوءُ وَأَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ نَسْخًا لِمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلطَّهَارَةِ. وَإِذَا أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ فَكَأَنَّكُمْ أَجَزْتُمْ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بِأَخْبَارٍ ضِعَافٍ وَلَمْ تُجِيزُوا بِأَخْبَارٍ صِحَاحٍ قَالَ: وَمَنْ زَادَ الْخَلْوَةَ عَلَى آيَتَيْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ وَتَكْمِيلِ الْمَهْرِ بِخَبَرِ عُمَرَ ﵁ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ وَامْتَنَعَ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ كَانَ حَاكِمًا فِي دِينِ اللَّهِ بِرَأْيِهِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّبِيذَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ إلَى أَنَّ الْمَائِيَّةَ لَمْ تَزُلْ بِإِلْقَاءِ التَّمْرِ فِيهِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فَلَا يَكُونُ نَسْخًا وَأَمَّا جَعْلُ الْقَهْقَهَةِ مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ مِنْ النَّوَاقِضِ فَنَظِيرُ إيجَابِ عِبَادَةٍ بَعْدَ عِبَادَةٍ فَلَا يَكُونُ مِنْ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ وَأَمَّا تَكْمِيلُ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ فَثَبَتَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وَبِدَلَائِلَ أُخَرَ عُرِفَتْ فِي مَوْضِعِهَا فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ لَمْ يَجْعَلْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَعُمُومَهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ بِدُونِ الْفَاتِحَةِ فَكَانَ تَقْيِيدُ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ نَسْخًا لِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْنِي وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ الشَّيْءِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْ الْمُثْلَثِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ ثُمَّ صَارَ مُسْكِرًا لَا يَحْرُمُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ هُوَ السُّكْرُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِشُرْبِ الْكَثِيرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ فَكَانَ شُرْبُ الْقَلِيلِ مُبَاشَرَةً بَعْضَ عِلَّةِ السُّكْرِ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّحْرِيمِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي رِوَايَةٍ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا أَسْكَرَ الْجَرَّةُ مِنْهُ فَالْجَرُّ مِنْهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّ الْمُثْلَثَ بَعْدَمَا اشْتَدَّ خَمْرٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْلَ لَا لِكَوْنِهَا نِيًّا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَلَوْ سَمَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ لَكَانَ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الِاسْمِ، فَإِذَا سَمَّاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِهِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ كَانَ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا أَمْكَنَ بَيْنَ الْآثَارِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِبَعْضِهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْبَعْضِ وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الشُّرْبِ عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ، فَإِنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ حَرَامٌ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ
следующие страницы →