← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ وَذَلِكَ زِيَادَةُ النَّفْيِ عَلَى الْجَلْدِ وَزِيَادَةُ قَيْدِ الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ قَالَ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ عَامَّةٌ فِي الْكَافِرَةِ وَالْمُؤْمِنَةِ فَاسْتَقَامَ فِيهَا الْخُصُوصُ وَإِنَّمَا النَّسْخُ تَبْدِيلٌ وَفِي قَيْدِ الْإِيمَانِ تَقْرِيرٌ لَا تَبْدِيلٌ، وَكَذَلِكَ فِي شَرْطِ النَّفْيِ تَقْرِيرٌ لِلْجَلْدِ لَا تَبْدِيلٌ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا وَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ تَخْصِيصًا لَا مَحَالَةَ بَلْ لَيْسَ نَسْخًا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَنَا أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَابْتِدَاءُ حُكْمٍ آخَرَ، وَالنَّصُّ الْمُطْلَقُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِإِطْلَاقِهِ، فَإِذَا صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ وَالْإِطْلَاقَ ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْقَوْلِ بِانْتِهَاءِ الْأَوَّلِ وَابْتِدَاءِ الثَّانِي ــ [كشف الأسرار] كَانَ بَيَانًا صُورَةً وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ فِي الْكِتَابِ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَهُ كَمَا قَدْ كَانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ يَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ كَانَ نَسْخًا كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزَّانِي وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى الثَّمَانِينَ فِي حَدِّ الْقَاذِفِ لَوْ فَرَضْنَا وُرُودَ الشَّرْعِ بِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً حُكْمَ الْمَزِيدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَتْ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ إذَا وَرَدَتْ مُتَأَخِّرَةً وَكَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْبَعْضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغَيِّرَةً لَا يَكُونُ نَسْخًا كَزِيَادَةِ وُجُوبِ سَتْرِ الرُّكْبَةِ بَعْدَ وُجُوبِ سَتْرِ الْفَخِذِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ سَتْرِ كُلِّ الْفَخِذِ لِأَنَّ سَتْرَ الْفَخِذِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ سَتْرِ بَعْضِ الرُّكْبَةِ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ تَكُونُ مُقَرِّرَةً لَهُ، وَمُخْتَارُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ فَهِيَ نَسْخٌ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ النَّسْخِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَيَانِ حَدِّهِ وَمَا خَالَفَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَرْفُوعُ شَرْعِيًّا أَوْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ أَوْ لَا يَكُونَ إثْبَاتُهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ كُلٍّ مِنْهَا. تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ أَصْلًا بِوُجُوهٍ مِنْ الْكَلَامِ أَحَدُهَا أَنَّهُمْ بَنَوْا عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ وَأَنَّ الْعَامَّ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ قَطْعًا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ وَبِالْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ بِوُرُودِ الزِّيَادَةِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْمُطْلَقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ الْبَعْضُ وَمِنْ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا وَبَيَانًا لَا نَسْخًا، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّهَا اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ وَالزَّمِنَةَ وَغَيْرَهَا فَإِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِزِيَادَةِ قَيْدِ الْإِيمَانِ يَكُونُ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا، كَإِخْرَاجِ الزَّمِنَةِ وَالْعَمْيَاءِ مِنْهَا وَكَإِخْرَاجِ أَصْلِ الذِّمَّةِ مِنْ لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقِيقَةَ النَّسْخِ لَمْ تُوجَدْ فِي الزِّيَادَةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ تَبْدِيلٌ وَرَفْعٌ لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ، وَالزِّيَادَةُ تَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ وَضَمُّ حُكْمٍ آخَرَ إلَيْهِ وَالتَّقْرِيرُ ضِدُّ الرَّفْعِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا أَلَا تَرَى أَنَّ إلْحَاقَ صِفَةِ الْإِيمَانِ بِالرَّقَبَةِ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحِقَّةً لِلْإِعْتَاقِ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِلْحَاقُ النَّفْيِ بِالْجَلْدِ لَا يُخْرِجُ الْجَلْدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بَعْدَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ وُجُوبُ التَّغْرِيبِ ضَمَّ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ وَذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ كَوُجُوبِ عِبَادَةٍ بَعْدَ عِبَادَةٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَآخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ حَتَّى قُضِيَ لَهُ بِالْمَالِ كُلِّهِ كَانَ مِقْدَارُ الْأَلْفِ مَقْضِيًّا بِهِ بِشَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا وَإِلْحَاقُ الزِّيَادَةِ بِالْأَلْفِ بِشَهَادَةِ الْآخَرِ يُوجِبُ تَقْرِيرَ الْأَصْلِ فِي كَوْنِهِ مَشْهُودًا بِهِ لَا رَفْعَهُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِأَصْلِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ فَيَكُونُ فِيهَا مَعْنَى النَّسْخِ بِوَجْهٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ مُنَافٍ لِلْأَوَّلِ بِحَيْثُ لَوْ وَرَدَا مَعًا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَنَافِيهِمَا وَهَاهُنَا

стр. 912

وَهَذَا لِأَنَّهُ مَتَى صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ الْمُطْلَقُ بَعْضَهُ وَمَا لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْوُجُودِ كَبَعْضِ الْعِلَّةِ وَبَعْضِ الْحَدِّ حَتَّى أَنَّ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ لَا تَبْطُلُ بِبَعْضِ الْحَدِّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا نَسْخٌ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ جُمْلَتِهِ، فَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَتَصَرُّفٌ فِي النَّظْمِ بِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَ الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالنَّظْمِ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ النَّظْمُ ــ [كشف الأسرار] إنْ وَرَدَتْ الزِّيَادَةُ مُقَارِنَةً لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَجَبَ الْجَمْعُ وَلَا تَكُونُ مُنَافِيَةً لَهُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا النَّسْخُ إذَا وَرَدَتْ مُتَأَخِّرَةً بَلْ يَكُونُ بَيَانًا وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ الشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ تَخْصِيصًا اعْتِذَارٌ عَنْ. قَوْلِهِ: إنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ بِأَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا يَسْتَقِيمُ فِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ فِي إيجَابِ النَّفْيِ فَقَالَ: لَيْسَ الشَّرْطُ أَيْ شَرْطُ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ تَخْصِيصًا يَعْنِي لَا نَدَّعِي أَنَّهَا تَخْصِيصٌ لَا مَحَالَةَ بَلْ تَكُونُ تَخْصِيصًا وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخٍ بِوَجْهٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَوْ كَانَ نَسْخًا لَكَانَ الْقِيَاسَ بَاطِلًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ وَزِيَادَةُ حُكْمٍ لَمْ يُوجِبْهُ النَّصُّ بِصِيغَتِهِ وَحِينَ كَانَ الْقِيَاسُ جَائِزًا وَدَلِيلًا شَرْعِيًّا عُلِمَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ وَالرَّابِعُ: أَنَّ النَّسْخَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ هُوَ الْبَقَاءُ، وَالْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْكَلَامِ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَمِنْ الظَّاهِرِ إلَى خِلَافِهِ لَكِنَّهُ مُتَعَارَفٌ فِي اللُّغَةِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ مَعْنًى بِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ حُكْمٍ بِابْتِدَاءِ حُكْمٍ آخَرَ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ شَرَطَ الْبَدَلَ فِي النَّسْخِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ بِابْتِدَاءِ حُكْمٍ آخَرَ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ فَيَكُونُ نَسْخًا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِطْلَاقَ مَعْنًى مَقْصُودٌ مِنْ الْكَلَامِ وَلَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قَيْدٍ وَالتَّقْيِيدُ مَعْنًى آخَرُ مَقْصُودٌ عَلَى مُضَادَّةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ إثْبَاتُ الْقَيْدِ وَالْإِطْلَاقَ رَفْعُهُ وَلَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُبَاشَرَةِ مَا وُجِدَ فِيهِ الْقَيْدُ دُونَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ، فَإِذَا صَارَ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا لَا بُدَّ مِنْ انْتِهَاءِ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ بِثُبُوتِ حُكْمِ التَّقْيِيدِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتَّنَافِي فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ بِدُونِ الْقَيْدِ، وَالثَّانِي يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِهِ. وَإِذَا انْتَهَى الْحُكْمُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لَهُ ضَرُورَةً وَقَوْلُهُ: وَهَذَا لِأَنَّهُ كَذَا تَوْضِيحٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ انْعِقَادِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَجَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا نُسَلِّمُ انْتِهَاءَ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ بَاقٍ وَلَكِنْ ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ يَعْنِي إنَّمَا قُلْنَا بِانْتِهَاءِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَتَى صَارَ مُقَيَّدًا صَارَ الْمُطْلَقُ بَعْضَهُ أَيْ صَارَ مَا كَانَ مُطْلَقًا قَبْلَ التَّقْيِيدِ بَعْضَ الْمُقَيَّدِ لِاشْتِمَالِ الْمُقَيَّدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:. أَحَدُهُمَا: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ وَالثَّانِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُقَيَّدُ وَمَا لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْوُجُودِ أَيْ لَيْسَ لِبَعْضِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ أَوْ عُقُوبَةً أَوْ كَفَّارَةً حُكْمُ وُجُودِ الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ وَلَا حُكْمُ وُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ انْضِمَامِ الْبَاقِي إلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَكُونُ فَجْرًا وَلَا بَعْضَ الْفَجْرِ بِدُونِ انْضِمَامِ الْأُخْرَى إلَيْهَا، وَالرَّكْعَتَانِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ كَذَلِكَ وَكَذَا الْمُظَاهِرُ إذَا صَامَ شَهْرًا ثُمَّ عَجَزَ فَاطْعَمْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا لَا يَكُونُ مُكَفِّرًا بِالْإِطْعَامِ وَلَا بِالصَّوْمِ كَبَعْضِ الْعِلَّةِ وَبَعْضِ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْوُجُودِ وَلِبَعْضِ الْحَدِّ حُكْمُ الْحَدِّ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْعِلَّةِ وَبَعْضَ الْحَدِّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَدِّ مِنْ طُهْرَةِ الْمَحْدُودِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ عَنْ عُهْدَةِ إقَامَةِ الْوَاجِبِ وَسُقُوطِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ إذَا كَانَ الْحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَدِّ عِنْدَنَا وَبَعْضُ

стр. 913

وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ وَالتَّقْيِيدَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ نَصٍّ بِالْمُقَايَسَةِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّ الْمَخْصُوصَ إذَا لَمْ يَبْقَ مُرَادًا بَقِيَ الْبَاقِي ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّظْمِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَإِذَا ثَبَتَ قَيْدُ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنَةُ ثَابِتَةً بِذَلِكَ النَّصِّ الْأَوَّلِ بِنَظْمِهِ بَلْ بِهَذَا الْقَيْدِ فَيَكُونُ لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ لِلْإِخْرَاجِ لَا لِلْإِثْبَاتِ. ــ [كشف الأسرار] الْحَدِّ لَيْسَ بِحَدٍّ. وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَذْفِ الَّذِي هُوَ فِسْقٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوْلَى قَدْ انْتَهَى وَإِنَّ هَذَا أَيْ التَّقْيِيدَ فِي الْمُطْلَقِ نَسْخٌ لِوَصْفِ الْإِطْلَاقِ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ جُمْلَتِهِ أَيْ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِ أَصْلِهِ ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ عَلَى مَا زَعَمَ الْخَصْمُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ بِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ النَّظْمُ بِظَاهِرِهِ لَوْلَا دَلِيلُ التَّخْصِيصِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ. وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ أَيْ لَا دَلَالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْقَيْدِ بِوَجْهٍ كَاسْمِ الرَّقَبَةِ لَا يَتَنَاوَلُ صِفَةَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ فَكَانَ التَّقْيِيدُ تَصَرُّفًا فِيمَا لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لَهُ فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا أَلَا تَرَى تَوْضِيحَ قَوْلِهِ: وَالْقَيْدُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِطْلَاقُ يَعْنِي الْإِطْلَاقُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ أَيْ عَدَمِ الْقَيْدِ، وَالتَّقْيِيدُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ أَيْ وُجُودُ الْقَيْدِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُ الْإِطْلَاقُ التَّقْيِيدَ مَعَ تَنَافِيهِمَا، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَا يَكُونُ التَّقْيِيدُ تَخْصِيصًا بَلْ يَكُونُ إثْبَاتَ نَصٍّ نَاسِخٍ لِلْإِطْلَاقِ بِالْمُقَايَسَةِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَصْمَ لَمَّا أَثْبَتَ التَّقْيِيدَ فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الظِّهَارِ بِالْقِيَاسِ بِأَنْ قَالَ: تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ فَكَانَ الْإِيمَانُ مِنْ شَرْطِهِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ «مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ جَاءَ بِجَارِيَةٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: عَلِيٌّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَامْتِحَانُهَا بِالْإِيمَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْمُؤْمِنَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدُ كَانَ هَذَا مِنْهُ إثْبَاتَ نَصٍّ مُقَيِّدٍ لِلرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَةِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْكَفَّارَتَيْنِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] كَمَا قَالَ كَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ وَخَرَجَ الْمَخْصُوصُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ بَقِيَ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَهُ ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّظْمِ بِعَيْنِهِ كَلَفْظِ الْمُشْرِكِينَ إذَا خُصَّ مِنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُمْ بَقِيَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِمْ ثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ حَتَّى وَجَبَ قَتْلُ مَنْ لَا أَمَانَ لَهُ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ فَلَمْ يَكُنْ أَيْ التَّخْصِيصُ نَسْخًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ الثَّابِتِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا، وَإِذَا ثَبَتَ قَيْدُ إيمَانٍ فِي الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الظِّهَارِ وَخَرَجَتْ الْكَافِرَةُ مِنْ الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ فِي الْمُؤْمِنَةِ ثَابِتًا بِذَلِكَ النَّصِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ بِنَظْمِهِ أَيْ بِصِيغَتِهِ لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِوَجْهٍ بَلْ يَكُونُ ثَابِتًا بِهَذَا الْقَيْدِ فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ لِإِثْبَاتِ ابْتِدَاءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُطْلَقِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ ثَابِتًا لَوْلَا التَّخْصِيصُ لَا لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً وَلَا تَشَابُهَ بَيْنَ إخْرَاجِ مَا كَانَ دَاخِلًا فِي الْجُمْلَةِ وَبَيْنَ إثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ نَسْخٌ وَلَيْسَ بِتَخْصِيصٍ. وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْإِمَامِ ﵀ هِيَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِتَخْصِيصٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الْعُمُومِ إذَا أُخِصَّ مِنْهُ بَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ بِالنَّصِّ الْعَامِّ نَفْسِهِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا إذَا بَقِيَ مِنْ الْحُكْمِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ وَمَتَى زِيدَتْ لَمْ يَبْقَ لِلنَّصِّ الْأَوَّلِ حُكْمٌ، فَإِنَّ نَصَّ الزِّنَا جَعَلَ الْجَلْدَ حَدًّا وَلَا يَبْقَى حَدٌّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ النَّفْيِ حَدًّا مَعَهُ وَآيَةُ الْكَفَّارَةِ

стр. 914

وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ النَّفْيَ إذَا أُلْحِقَ بِالْجَلْدِ لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ حَدًّا ــ [كشف الأسرار] جَعَلَتْ الرَّقَبَةَ بِدُونِ صِفَةِ الْإِيمَانِ كَفَّارَةً وَلَا تَبْقَى بَعْدَ قَيْدِ الْإِيمَانِ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَالْمُؤْمِنَةَ تَجُوزُ لَا لِأَنَّهَا رَقَبَةٌ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ لِلْوَصْفِ الزَّائِدِ الَّذِي لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَبِدُونِهِ لَا يَكُونُ مَا يَبْقَى كَفَّارَةً وَلَا بَعْضُهَا فَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ مَعْنًى. وَبَيَانُ صُورَةِ قَوْلِهِ (وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ النَّفْيَ) كَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: النَّفْيُ تَقْرِيرٌ لِلْجَلْدِ فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا فَقَالَ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّهُ نَسْخٌ لِنَفْسِ الْجَلْدِ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِكَوْنِهِ حَدًّا لِصَيْرُورَتِهِ بَعْضَ الْحَدِّ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْحَدِّ حُكْمُ الْحَدِّ وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ تَقْتَضِي زَوَالَ شَيْءٍ لَا مَحَالَةَ، وَأَقَلُّهُ زَوَالُ عَدَمِهَا الَّذِي كَانَ ثَابِتًا وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُزَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَكَانَ الزِّيَادَةُ مُتَرَاخِيًا سُمِّيَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ حُكْمًا عَقْلِيًّا وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَا تُسَمَّى نَسْخًا وَثَالِثُهَا أَنَّ الزَّائِلَ بِالزِّيَادَةِ إنْ كَانَ حُكْمَ الْعَقْلِ يُجَوِّزُ الزِّيَادَةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ الزَّائِلُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الزِّيَادَةِ بِحَيْثُ يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِدَلِيلِ الْحُكْمِ الزَّائِلِ جَازَ إثْبَاتُ الزِّيَادَةِ وَإِلَّا فَلَا وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْفُرُوعَ فَقَالَ: زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ لَا تُزِيلُ إلَّا نَفْيَ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَهَذَا النَّفْيُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ بِالْفِعْلِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَمَّا كَوْنُ الْمِائَةِ وَحْدَهَا مُجْزِئَةً وَكَوْنُهَا كَمَالَ الْحَدِّ وَحُصُولُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ لِلْإِمَامِ بِإِقَامَتِهَا فَكُلُّهَا تَابِعٌ لِنَفْيِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ وَلَمَّا كَانَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ جَازَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ كَمَا أَنَّ الْفُرُوضَ لَوْ كَانَتْ خَمْسَةً لَتَوَقَّفَ عَلَى أَدَائِهَا الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ فَلَوْ زِيدَ فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ لَتَوَقَّفَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ فَكَذَا هَاهُنَا، فَأَمَّا لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِائَةُ وَحْدَهَا كَمَالُ الْحَدِّ وَإِنَّهَا وَحْدَهَا مُجْزِئَةٌ فَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّيَادَةِ هَاهُنَا خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الزِّيَادَةِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلِّيَّةَ الْحَدِّ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهَا نَسْخًا وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَتَقْدِيرُ الْحَدِّ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَكَانَ شَرْعِيًّا وَلِأَنَّ الْحَدَّ مَتَى كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ جَاءَ نَصُّ التَّغْرِيبِ مُتَرَاخِيًا فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﵇ سَاكِتًا عَنْ حُكْمِ التَّغْرِيبِ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بَيَانٌ فَصَارَ وُجُوبُ انْتِفَاءِ التَّغْرِيبِ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِدَلَالَةِ السُّكُوتِ، فَإِذَا جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِإِيجَابِ التَّغْرِيبِ كَانَ نَسْخًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ وُجُوبُ انْتِفَاءِ التَّغْرِيبِ بِسُكُوتِهِ وَلَوْ أَمَرَ صَاحِبُ الشَّرْعِ نَصًّا فَقَالَ: اجْلِدُوا وَلَا تُغَرِّبُوا وَعُرِفَ ذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي إيجَابِ التَّغْرِيبِ أَلَيْسَ يَكُونُ نَسْخًا فَكَذَا هَذَا وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إيجَابُ عِبَادَةٍ بَعْدَ أُخْرَى، فَإِنَّ سُكُوتَهُ ﵇ بَعْدَ إيجَابِ عِبَادَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهَا ثُمَّ جَازَ إيجَابُ عِبَادَةٍ بَعْدَهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ هَاهُنَا أَيْضًا وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ زِيَادَةَ النَّفْيِ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ ثُبُوتُهُ فِي الشَّرْعِ

стр. 915

وَلِهَذَا لَمْ نَجْعَلْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلَمْ نَجْعَلْ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمُثَلَّثِ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُسْكِرِ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْعِلَّةِ بِوَجْهٍ ــ [كشف الأسرار] بِطَرِيقِهِ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَإِنَّهَا نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ فِي الْفَرَائِضِ الْمُقَدَّرَةِ تَحْرِيمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَقَادِيرِهَا بِخِلَافِ زِيَادَةِ عِبَادَةٍ، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَغْيِيرَ حُكْمٍ مَقْصُودٍ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ زِيَادَةَ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ إنْ كَانَ نَسْخًا لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ إدْخَالُ نَبِيذِ التَّمْرِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ نَسْخًا؛ لِآيَةِ الْوُضُوءُ وَأَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ نَسْخًا لِمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلطَّهَارَةِ. وَإِذَا أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ فَكَأَنَّكُمْ أَجَزْتُمْ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بِأَخْبَارٍ ضِعَافٍ وَلَمْ تُجِيزُوا بِأَخْبَارٍ صِحَاحٍ قَالَ: وَمَنْ زَادَ الْخَلْوَةَ عَلَى آيَتَيْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ وَتَكْمِيلِ الْمَهْرِ بِخَبَرِ عُمَرَ ﵁ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ وَامْتَنَعَ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ كَانَ حَاكِمًا فِي دِينِ اللَّهِ بِرَأْيِهِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّبِيذَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ إلَى أَنَّ الْمَائِيَّةَ لَمْ تَزُلْ بِإِلْقَاءِ التَّمْرِ فِيهِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فَلَا يَكُونُ نَسْخًا وَأَمَّا جَعْلُ الْقَهْقَهَةِ مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ مِنْ النَّوَاقِضِ فَنَظِيرُ إيجَابِ عِبَادَةٍ بَعْدَ عِبَادَةٍ فَلَا يَكُونُ مِنْ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ وَأَمَّا تَكْمِيلُ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ فَثَبَتَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وَبِدَلَائِلَ أُخَرَ عُرِفَتْ فِي مَوْضِعِهَا فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ لَمْ يَجْعَلْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَعُمُومَهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ بِدُونِ الْفَاتِحَةِ فَكَانَ تَقْيِيدُ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَةِ نَسْخًا لِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْنِي وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ الشَّيْءِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْ الْمُثْلَثِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ ثُمَّ صَارَ مُسْكِرًا لَا يَحْرُمُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ هُوَ السُّكْرُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِشُرْبِ الْكَثِيرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ فَكَانَ شُرْبُ الْقَلِيلِ مُبَاشَرَةً بَعْضَ عِلَّةِ السُّكْرِ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْعِلَّةِ حُكْمُ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّحْرِيمِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي رِوَايَةٍ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا أَسْكَرَ الْجَرَّةُ مِنْهُ فَالْجَرُّ مِنْهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّ الْمُثْلَثَ بَعْدَمَا اشْتَدَّ خَمْرٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْلَ لَا لِكَوْنِهَا نِيًّا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَلَوْ سَمَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ لَكَانَ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الِاسْمِ، فَإِذَا سَمَّاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِهِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ كَانَ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا أَمْكَنَ بَيْنَ الْآثَارِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِبَعْضِهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْبَعْضِ وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الشُّرْبِ عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ، فَإِنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ حَرَامٌ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ

стр. 916

وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ لَا يَسْتَعْمِلَانِ الْمَاءَ الْقَلِيلَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُطَهِّرِ فَلَمْ يَكُنْ مُطَهِّرًا كَامِلًا. ــ [كشف الأسرار] عَلَى الشُّرْبِ لِاسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ بِهَذَا الْقَصْدِ حَرَامٌ وَبِدُونِهِ لَا يَحْرُمُ كَالْمَشْيِ عَلَى قَصْدِ الزِّنَا يَكُونُ حَرَامًا وَعَلَى قَصْدِ الطَّاعَةِ يَكُونُ طَاعَةً أَوْ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ لِتَحْقِيقِ الزَّجْرِ كَتَحْرِيمِ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ ثُمَّ ثَبَتَ الرُّخْصَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي شُرْبِ الْقَلِيلِ مِنْهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» تَشْبِيهٌ بِالْخَمْرِ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْحَدُّ فَقَدْ بُعِثَ مُبَيِّنًا لِلْأَحْكَامِ دُونَ الْأَسَامِي وَالْمَعْقُولُ الَّذِي ذَكَرُوهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ ﵀ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ أَبَاحَ مِثْلَ هَذَا الشَّرَابِ وَلَمْ يَسْلُكْ فِيهِ طَرِيقَةَ الِاحْتِيَاطِ فَهَذَا مِنْ الْقَائِلِ سَفَهٌ وَقِلَّةُ دَيَّانَةٍ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُمَا وَمَتَى لَمْ يَقُمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ وَبَلَغَتْهُ الْآثَارُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَهُ وَيَسْقُونَ الْأَضْيَافَ وَيَجْلِدُونَ عَلَى السُّكْرِ مِنْهُ كَيْفَ يَسُوغُ لَهُ فِي الشَّرْعِ الْفَتْوَى بِالْحُرْمَةِ وَفِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُدُودِ الدِّينِ مِنْ تَحْرِيمِ شَيْءٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَأَمْرُ التَّقْوَى وَالْأَخْذُ بِالثِّقَةِ يَرْجِعُ إلَى الْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْفَتْوَى الَّتِي هِيَ بَيَانُ حُدُودِ الدِّينِ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ لَوْ أُعْطِيت الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا مَا شَرِبْتُهُ وَلَوْ أُعْطِيت الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا مَا أَفْتَيْت بِأَنَّهُ حَرَامٌ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنْ الْمُثْلَثِ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْعِلَّةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَصُورَتُهُ إذَا وَجَدَ الْمُحْدِثُ مَاءً لَا يَكْفِي الْوُضُوءَ أَوْ الْجُنُبُ مَاءً لَا يَكْفِي الِاغْتِسَالَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَنَا وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] . ذَكَرَهُ مُنَكَّرًا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَدْرٍ مِنْهُ فَيَكُونُ عَدَمُهُ شَرْطًا لِجَوَازِهِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لَا يَكُونُ التُّرَابُ طَهُورًا ثُمَّ اسْتِعْمَالُ هَذَا الْقَدْرِ مُفِيدٌ لِلطَّهَارَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ أَصَابَ مَاءً آخَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْأَوَّلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِي إذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ عَوْرَتِهِ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ بِقَدْرِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ بِهِ نَجَاسَةٌ حَقِيقَةً فَوَجَدَ مَا يُزِيلُ بَعْضَهَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ كَذَا هَاهُنَا وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ الطَّهُورِ قَدْ تَحَقَّقَ فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا طَهُورٌ لَا يُرَادُ بِهِ طَهَارَةً حِسِّيَّةً بَلْ الْمُرَادُ بِهِ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً أَيْ مُحَلِّلَةً لِلصَّلَاةِ وَبِاسْتِعْمَالِ هَذَا الْمَاءِ لَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ الْحِلِّ يَقِينًا بَلْ الْحِلُّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْكَمَالِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ وَالْعِلَّةُ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الْعِلَّةِ كَبَعْضِ النِّصَابِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَبَعْضِ عِلَّةِ الرِّبَا فِي حَقِّ الرِّبَا وَهَذَا كَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ الرَّقَبَةِ فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ دُونَ الْكَمَالِ حَلَّ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ كَمَا لَوْ عَدِمَ الرَّقَبَةَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ رَقَبَةٌ تَكُونُ كَفَّارَةً، وَهَذَا الْبَعْضُ لَا يَصْلُحُ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ كَحُكْمِ الطَّهَارَةِ هَاهُنَا وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] مَاءٌ طَهُورٌ أَيْ مُحَلِّلٌ لِلصَّلَاةِ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ أَوْ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ عَنْهَا، فَإِنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ لَا غَيْرُ، وَالْمَاءُ الْمُحَلِّلُ مَاءٌ مُقَدَّرٌ لَا نَفْسُ الْمَاءِ. وَهَذَا بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ

стр. 917

وَلِأَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ مَا لَوْ جَاءَ مُقَارِنًا كَانَ مُعَارَضًا وَالْقَيْدُ بِعَارِضِ الْإِطْلَاقِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ وُجُوهِ النَّسْخِ وَنَظِيرُ هَذَا الْأَصْلِ اخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَنِ يَجْعَلُ الْأَوَّلَ بَعْضَهُ وَقَدْ صَارَ كُلًّا مِنْ وَجْهٍ فَصَارَا غَيْرَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْوُجُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] مِمَّا يُزَالُ فِيهِمَا أَمْرٌ حِسِّيٌّ عَوْرَةٌ ظَاهِرَةٌ وَنَجَاسَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَ حِسِّيًّا اُعْتُبِرَ الزَّوَالُ حِسِّيًّا لَا حُكْمًا وَالزَّوَالُ حِسًّا ثَابِتٌ بِقَدْرِ الْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ، وَكَذَا زَوَالُ الِانْكِشَافِ ثَابِتٌ بِقَدْرِ الثَّوْبِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. [الْفُرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ] قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْقَيْدَ نَسْخٌ لِلْإِطْلَاقِ وَجَوَابٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لَهُ بِدَلِيلِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَا مُقَارِنَيْنِ بِأَنْ جُهِلَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ لَوْ جُهِلَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا كَانَ الْقَيْدُ مُعَارِضًا لِلْإِطْلَاقِ وَمَانِعًا عَنْ الْعَمَلِ يَعْنِي إذًا كَانَا فِي الْحُكْمِ كَسَائِرِ دَلَائِلِ النَّسْخِ فَعِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ يَكُونُ التَّقْيِيدُ نَسْخًا لِلْإِطْلَاقِ أَيْضًا. قَوْلُهُ (وَنَظِيرُ هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ مَعْنًى اخْتِلَافِ الشُّهُودِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ جَوَابٌ عَنْ اعْتِبَارِهِمْ الزِّيَادَةَ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا لَا تُوجِبُ تَغْيِيرَ مَا كَانَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى أَلْفٍ وَشَهَادَةِ الْآخَرِينَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَقَالَ الشَّيْخُ لَيْسَ ذَلِكَ الْفَرْعُ نَظِيرَ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَا تُوجِبُ تَغْيِيرًا بَلْ نَظِيرُهُ اخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي إثْبَاتِ الْعَقْدِ بِأَلْفٍ، وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قَدْ جَعَلَ الْأَلْفَ بَعْضَ الثَّمَنِ. وَانْعِقَادُ الْبَيْعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى لَا بِبَعْضِهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَعْنَى شَاهِدٌ بِعَقْدٍ آخَرَ وَالْأَلْفُ الْمَذْكُورُ فِي شَهَادَةِ الْآخَرِ كَانَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ بِهِ الْعَقْدُ لَوْلَا وَصْلُ شَيْءٍ آخَرَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَيَصِيرُ شَيْئًا آخَرَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَحُكْمُ الزِّيَادَةِ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ١ - (فَصْلٌ) ذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ فُرُوقًا بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀ فُرُوقٌ أَيْضًا بَيْنَ التَّقْيِيدِ وَالنَّسْخِ وَالتَّعْلِيقِ وَغَيْرِهَا فَأَلْحَقْتهَا بِهَذَا الْبَابِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ ثُمَّ النَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ وَإِنْ اشْتَرَكَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيَانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَامَّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَخْصُوصَ وَالنَّسْخَ يُرْفَعُ بَعْدَ الثُّبُوتِ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الْعَامِّ وَالنَّسْخَ يَرِدُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عِنْدَنَا، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَرَاخِيًا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ وَالنَّسْخُ يَجُوزُ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَدِلَّةِ السَّمْعِ وَغَيْرِهَا وَالنَّسْخُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالسَّمْعِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعْلُومًا وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ مِنْ كَوْنِهِ مَعْمُولًا بِهِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَالنَّسْخُ يُخْرِجُ الْمَنْسُوخَ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَرِدُ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَالنَّسْخُ لَا يَرِدُ إلَّا فِي الْأَحْكَامِ وَأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ وَدَلِيلَ النَّسْخِ لَا يَقْبَلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ أَنَّ التَّقْيِيدَ تَصَرُّفٌ فِيمَا كَانَ الْأَوَّلُ سَاكِتًا عَنْهُ وَالتَّخْصِيصَ تَصَرُّفٌ فِيمَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ظَاهِرًا وَأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفْرَدٌ وَالتَّخْصِيصَ جُمْلَةٌ وَأَنَّ فِي التَّقْيِيدِ يُعْمَلُ بِالْقَيْدِ لَا بِالْأَصْلِ وَفِي التَّخْصِيصِ يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ التَّخْصِيصَ مُسْتَبِدٌّ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَنَّ لِدَلِيلِ الْخُصُوصِ حُكْمًا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَرِدُ

стр. 918

(بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ) ﷺ : وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مُبَاحٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَوَاجِبٌ، وَفَرْضٌ، وَفِيهَا قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ الزَّلَّةُ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاقْتِدَاءِ وَلَا يَخْلُو عَنْ بَيَانِ مَقْرُونٍ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَاعِلِ أَوْ مِنْ اللَّهِ ﵎ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَعَصَى آدَمُ﴾ [طه: ١٢١] وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى مِنْ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] ــ [كشف الأسرار] فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَّصِلًا بِخِلَافِ النَّسْخِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ كُلِّهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْيِيدِ وَالنَّسْخِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَنَّ التَّقْيِيدَ مُفْرَدٌ وَالنَّسْخَ جُمْلَةٌ وَأَنَّهُ وَصْفٌ لِلْأَوَّلِ وَالنَّسْخُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَعْمَلُ فِي جَمِيعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَلْ يَعْمَلُ فِي بَعْضِهِ بِالْإِبْطَالِ، وَالتَّعْلِيقَ يَعْمَلُ فِي جَمِيعِ الْمُعَلَّقِ بِالتَّغْيِيرِ وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ بَلْ هُوَ إيجَابٌ، وَالتَّعْلِيقُ يَمِينٌ وَأَنَّ التَّعْلِيقَ يَصِحُّ فِي الْإِيجَابِ دُونَ الْخَبَرِ وَالِاسْتِثْنَاءَ يَصِحُّ فِيهِمَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالتَّقْيِيدِ أَنَّ التَّعْلِيقَ تَبْدِيلٌ مِنْ الْإِيجَابِ إلَى الْيَمِينِ وَالتَّقْيِيدَ لَيْسَ بِتَبْدِيلِ صُورَةٍ بَلْ زِيَادَةُ أَمْرٍ آخَرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْيِيدِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ التَّقْيِيدَ يُثْبِتُ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالْأَوَّلِ وَالِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ عَنْ الْأَوَّلِ مَا كَانَ ثَابِتًا صُورَةً وَأَنَّ التَّقْيِيدَ لَا يُخْرِجُ الْأَوَّلَ عَنْ حَقِيقَتِهِ صُورَةً، فَإِنَّ الرَّقَبَةَ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا رَقَبَةً بَلْ تَبْقَى رَقَبَةً لَكِنْ لَمْ يَبْقَ الْجَوَازُ بِهَا وَالِاسْتِثْنَاءَ قَدْ يُخْرِجُ الْأَوَّلَ عَنْ حَقِيقَتِهِ كَمَا لَوْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْأَلْفِ شَيْءٌ لَا يَبْقَى أَلْفًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّعْلِيقِ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَصِحُّ إلَّا مُقَارِنًا وَالنَّسْخُ عَلَى عَكْسِهِ. وَأَنَّ الشَّرْطَ مَعَ الْمَشْرُوطِ يَمِينٌ وَالنَّاسِخَ مَعَ الْمَنْسُوخِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ إيجَابًا وَالْمَنْسُوخُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْلِيقِ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الْعَامِّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّعْلِيقِ ذَلِكَ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ لَهُ حُكْمٌ عَلَى ضِدِّ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي التَّعْلِيقِ ذَلِكَ وَأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ مُسْتَقِلٌّ وَالشَّرْطُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ وَالتَّعْلِيقَ لَا يَقْبَلُهُ وَقِسْ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ] [أَقْسَام أَفْعَالِ النَّبِيِّ] (بَابُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ: ﵇) وَالْأَفْعَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَا لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى وُجُودِهِ كَبَعْضِ أَفْعَالِ النَّائِمِ وَالسَّاهِي، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، وَمَالَهُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى وُجُودِهِ كَسَائِرِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ وَالْحَسَنُ مِنْهَا يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَمُبَاحٍ وَالْقَبِيحُ مِنْهَا يَنْقَسِمُ إلَى مَحْظُورٍ وَمَكْرُوهٍ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ سِوَى الْقِسْمِ الْأَخِيرِ يَصِحُّ وُقُوعُهَا عَنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ فَيَصِحُّ وُقُوعُهُ عَنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ وُقُوعُ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَإِنَّهُمْ عُصِمُوا عَنْ الْكَبَائِرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الصَّغَائِرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُعْصَمُوا عَنْ الزَّلَّاتِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَفْعَالِ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَقَعُ عَنْ قَصْدٍ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الزَّلَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِبَيَانِ الِاقْتِدَاءِ وَمَا وَقَعَ بِطَرِيقِ الزَّلَّةِ أَوْ وَقَعَ لَا عَنْ قَصْدٍ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ لَا يَصْلُحُ لِلِاقْتِدَاءِ. وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْبَيَانُ بِالزَّلَّةِ لَا مَحَالَةَ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى ﵇ حِينَ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] أَيْ هَيَّجَ غَضَبِي حَتَّى ضَرَبْته فَوَقَعَ قَتْلًا فَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَسَبُّبًا وَإِنَّمَا جُعِلَ قَتْلُ الْكَافِرِ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ كَانَ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَتْلِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ قَتْلُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَهُوَ

стр. 919

وَالزَّلَّةُ اسْمٌ لِفِعْلٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِي عَيْنِهِ لَكِنَّهُ اتَّصَلَ الْفَاعِلُ بِهِ عَنْ فِعْلِ مُبَاحٍ قَصَدَهُ فَزَلَّ بِشُغْلِهِ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ حَرَامٌ وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِفِعْلٍ حَرَامٍ مَقْصُودٍ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا لَيْسَ بِسَهْوٍ وَلَا طَبْعٍ ــ [كشف الأسرار] لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ فَكَانَ زَلَّةً أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] أَيْ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا وَالْعِصْيَانُ تَرْكُ الْأَمْرِ أَوْ ارْتِكَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا كَانَ ذَنْبًا وَإِنْ كَانَ خَطَأً كَانَ زَلَّةً فَغَوَى أَيْ فَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ فِعْلَهُ وَقِيلَ أَخْطَأَ حَيْثُ طَلَبَ الْمُلْكَ وَالْخُلْدَ بِأَكْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْبَيَانُ مُقْتَرِنًا بِهِ لَا مَحَالَةَ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ ثُمَّ الشَّيْخُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَسَّمَا أَفْعَالَهُ ﵇ سِوَى الزَّلَّةِ وَمَا لَيْسَ عَنْ قَصْدٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمُبَاحٌ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ وَسَائِرُ الْأُصُولِيِّينَ قَسَّمُوهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَاجِبٌ مُسْتَحَبٌّ وَمُبَاحٌ وَأَرَادُوا بِالْوَاجِبِ الْفَرْضَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الِاصْطِلَاحِيَّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ﵇؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمُوجِبَةَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ قَطْعِيَّةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَقْسِيمُ أَفْعَالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي آخِرِ الْبَابِ وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْوَاجِبُ الِاصْطِلَاحِيُّ لِتَصَوُّرِ ثُبُوتِ وُجُوبِ بَعْضِ أَفْعَالِهِ فِي حَقِّنَا بِدَلِيلٍ مُضْطَرِبٍ قَوْلُهُ (وَالزَّلَّةُ اسْمٌ) لِكَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَمَّا الزَّلَّةُ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْقَصْدُ إلَى عَيْنِهَا وَلَكِنْ يُوجَدُ الْقَصْدُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ. قَالَ وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الزَّلَّةَ أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ زَلَّ الرَّجُلُ فِي الطِّينِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَصْدُ إلَى الْوُقُوعِ وَلَا إلَى الثَّبَاتِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَكِنْ وُجِدَ الْقَصْدُ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ الزَّلَّةَ مَا يَتَّصِلُ بِالْفَاعِلِ عِنْدَ فِعْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِعَيْنِهِ وَلَكِنَّهُ زَلَّ فَاشْتَغَلَ بِهِ عَمَّا قَصَدَهُ بِعَيْنِهِ وَالْمَعْصِيَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا يَقْصِدُهُ الْمُبَاشِرُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ الشَّرْعُ ذَلِكَ عَلَى الزَّلَّةِ مَجَازًا، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ الْحَرَامُ مَقْصُودًا فِي الزَّلَّةِ فَفِيمَ الْعِتَابُ قُلْنَا: إنَّ الزَّلَّةَ لَا تَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَقْصِيرٍ يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ فَاسْتِحْقَاقُ الْعِتَابِ بِنَاءً عَلَيْهِ كَمَنْ زَلَّ فِي الطَّرِيقِ يَسْتَحِقُّ اللُّوَّمَ لِتَرْكِ التَّثَبُّتِ وَالتَّقْصِيرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵀ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ مَعْنَى الزَّلَّةِ أَنَّهُمْ زَلُّوا عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَعَنْ الطَّاعَةِ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَكِنْ مَعْنَاهَا الزَّلَلُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْفَاضِلِ وَالْأَصْوَبِ إلَى الصَّوَابِ وَكَانُوا يُعَاقَبُونَ لِجَلَالِ قَدْرِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (بِشُغْلِهِ عَنْهُ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْفِعْلِ الْمُبَاحِ أَيْ زَلَّ الْفَاعِلُ بِسَبَبِ شُغْلِهِ عَنْ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ الَّذِي قَصَدَهُ أَيْ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ حَرَامٌ لَمْ يُقْصَدْ أَصْلًا، فَإِنَّهَا أَيْ الْمَعْصِيَةُ اسْمٌ لِفِعْلٍ حَرَامٍ مَقْصُودٍ بِعَيْنِهِ أَيْ نَفْسُ الْفِعْلِ مَقْصُودٌ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ دُونَ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لَكَانَ كُفْرًا. قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ) أَيْ بَاقِي أَفْعَالِهِ ﷺ بَعْدَ الزَّلَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِسَهْوٍ مِثْلُ تَسْلِيمِهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ حَتَّى قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت وَلَا طَبْعٍ مِثْلُ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يَخْلُو ذُو الرُّوحِ عَنْهَا كَالتَّنَفُّسِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِلَى أُمَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا بُدَّ لِتَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مِنْ قُيُودٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَابِعًا لِلْمُبَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ امْتِثَالًا وَتَنْفِيذًا لِأَمْرٍ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ تَابِعٌ

стр. 920

لِأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَخْلُو عَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ فِيهَا وَقَالَ الْكَرْخِيُّ نَعْتَقِدُ فِيهَا الْإِبَاحَةَ فَلَا يَثْبُتُ الْفَضْلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا يَثْبُتُ الْمُتَابَعَةُ مِنَّا إيَّاهُ فِيهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَالَ الْجَصَّاصُ مِثْلَ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ ــ [كشف الأسرار] لِلْأَمْرِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ كَوُجُوبِ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي النِّكَاحِ وَصَفِيِّ الْمَغْنَمِ وَخُمُسِ الْخُمُسِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّشْرِيكِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا أَنْ عُلِمَتْ صِفَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ ﵇ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ، فَإِنْ عُلِمَتْ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِمْ مُتَعَبَّدِينَ فِي التَّأَسِّي بِهِ بِإِتْيَانِ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَذَهَبَ شِرْذِمَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عُلِمَتْ صِفَتُهُ كَحُكْمِ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ ﵀: وَأَمَّا إذَا قَامَ دَلِيلُ صِفَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَأَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَخْصُوصٌ بِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِأُمَّتِهِ ﵇ شَرِكَةٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلَاتِ فَفِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرَبِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُعْرَفْ صِفَتُهَا فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا بِوُجُوبٍ وَلَا نَدْبٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَلَا يَثْبُتُ لَنَا فِيهَا مُتَابَعَةٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ الْوَصْفَ وَيُثْبِتُ الشَّرِكَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالْغَزَالِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ كَجٍّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ أَيْ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ فِيهَا أَيْ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ وَتَكُونُ وَاجِبَةً فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَالْحَنَابِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يُعْتَقَدُ الْإِبَاحَةُ فِيهَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَثْبُتُ الْفَضْلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ فِي حَقِّهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. قَوْلُهُ (وَلَا يَثْبُتُ الْمُتَابَعَةُ) ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ﵀ يُعْتَقَدُ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ بَيَانِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ، وَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وَصْفٍ زَائِدٍ نَحْوُ الْوُجُوبِ مَثَلًا كَانَ النَّبِيُّ ﵇ مَخْصُوصًا بِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمُشَارَكَةِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنْ عُلِمَ صِفَةُ فِعْلِهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَاجِبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ مُبَاحًا، فَإِنَّهُ يُتَّبَعُ فِيهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ صِفَةُ الْإِبَاحَةِ ثُمَّ لَا يَكُونُ الِاتِّبَاعُ فِيهِ ثَابِتًا إلَّا بِقِيَامِ الدَّلِيلِ. فَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَثْبُتُ الْمُتَابَعَةُ مِنَّا إيَّاهُ لَا يَصِحُّ مُتَابَعَتُنَا لِلنَّبِيِّ ﵇ فِي أَفْعَالِهِ سَوَاءٌ عُلِمَتْ صِفَاتُهَا أَوْ لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْمُشَارَكَةَ وَعَلَى مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَا يَثْبُتُ الْمُتَابَعَةُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ صِفَاتُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَمَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ يُؤَيِّدُ الْمَذْكُورَ فِي التَّقْوِيمِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ قَوْلُهُ (وَقَالَ الْجَصَّاصُ) ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يُعْتَقَدُ الْإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْبَيَانِ عَلَى صِفَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ ثُمَّ يَلْزَمُنَا يَعْنِي بَعْدَ الْبَيَانِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ اخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ الْجَصَّاصُ يَقُولُ بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ

стр. 921

إلَّا أَنَّهُ قَالَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ لَا نَتْرُكُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا أَمَّا الْوَاقِفُونَ فَقَدْ قَالُوا إنَّ صِفَةَ الْفِعْلِ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً امْتَنَعَ الِاقْتِدَاءُ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي أَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، فَإِذَا خَالَفَهُ فِي الْوَصْفِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا فَوَجَبَ الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ. وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَدْ احْتَجُّوا بِالنَّصِّ الْمُوجِبِ لِطَاعَةِ الرَّسُولِ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا الْكَرْخِيُّ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ هِيَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَوَجَبَ إثْبَاتُ الْيَقِينِ كَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِمَالِهِ يَثْبُتُ الْحِفْظُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقِينٌ وَقَدْ وَجَدْنَا اخْتِصَاصَ الرَّسُولِ بِبَعْضِ مَا فَعَلَهُ وَوَجَدْنَا الِاشْتِرَاكَ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ فَالِاتِّبَاعُ لَهُ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا فَمَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ الِاتِّبَاعُ عِنْدَهُ إذَا عُرِفَ وَصْفُ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْيُسْرِ وَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ مَعْنَاهُ لَنَا جَوَازُ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ لَا يُتْرَكُ ذَلِكَ أَيْ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْ مَعْنَاهُ وَجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ إبَاحَتِهِ فِي حَقِّنَا لَا يُتْرَكُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْجَصَّاصِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّنَا، وَالِاتِّبَاعُ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ثَابِتٌ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّنَا كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالتَّنْصِيصِ إبَاحَةُ فِعْلٍ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَجْهُ قَوْلِ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الِاتِّبَاعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي أَفْعَالِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَلَيْسَ يَجِبُ اشْتِرَاكُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْمَصَالِحِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلٌ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ شَخْصٍ وَلَا يَكُونُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ آخَرَ فَإِذًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا يَكُونُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ مَا لَمْ يُبَحْ لَنَا مِنْ الْعَدَدِ فِي النِّكَاحِ وَالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ أُوجِبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجَبْ عَلَيْنَا مِثْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَنَحْوِهِمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُنَا مُتَابَعَتُهُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرِكَةِ. لَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي الْفِعْلِ عِبَارَةٌ عَنْ إتْيَانِ مِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْفِعْلُ مِثْلَ الْأَوَّلِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا وَالْآخَرُ نَفْلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِأَنْ صَلَّى رَجُلَانِ الظُّهْرَ مُنْفَرِدَيْنِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ لَا يَكُونُ مُتَابَعَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ الْمُتَابَعَةُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَةِ الْفِعْلِ وَلَا وَجْهَ إلَى الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ وَصْفُ الْفِعْلِ بِالدَّلِيلِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَذَا الْكَلَامُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ إنْ كَانَ يَمْنَعُ الْأُمَّةَ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَيَلُومُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَثْبَتَ صِفَةَ الْحَظْرِ فِي الِاتِّبَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَلُومُهُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أَثْبَتَ صِفَةَ الْإِبَاحَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوَقْفِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الِاتِّبَاعِ فَقَدْ احْتَجُّوا بِالنُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لِطَاعَةِ الرَّسُولِ ﵇ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أَيْ عَنْ شَأْنِ الرَّسُولِ وَسَمْتِهِ وَطَرِيقَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ شَأْنُهُ وَطَرِيقَتُهُ وَمَذْهَبُهُ قَالُوا وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الشَّأْنِ هَاهُنَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْقَوْلِ لِانْتِظَامِ الشَّأْنِ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ. وَالنُّصُوصُ فِيهَا أَيْ فِي طَاعَةِ الرَّسُولِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، فَإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا تُوجِبُ اتِّبَاعَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَمِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ خَلَعَ نَعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعُوا اسْتِدْلَالًا بِفِعْلِهِ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ بَلْ بَيَّنَ الْعِلَّةَ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ أَنَّ فِيهَا قَذَرًا وَأَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَتَرَبَّصُوا وَتَوَقَّفُوا فَلَمَّا فَعَلَ بِنَفْسِهِ تَبَادَرُوا إلَى الْحَلْقِ فَدَلَّ أَنَّ لِلْفِعْلِ مِنْ الْمَكَانَةِ فِي الْقُلُوبِ مَا لَيْسَ لِلْقَوْلِ

стр. 922

فَوَجَبَ الْوَقْفُ فِيهِ أَيْضًا، وَوَجْهُ قَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْإِتْبَاعَ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فَوَجَبَ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا تَقْسِيمُ السُّنَنِ فِي حَقِّنَا وَهَذَا ــ [كشف الأسرار] وَلَمَّا «قَبَّلَ عُمَرُ ﵁ الْحَجَرَ قَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُك» فَرَأَى أَنَّ مُتَابَعَتَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ فِعْلِهِ وَاجِبَةٌ وَالصَّحَابَةُ ﵃ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُبَادَرَةَ إلَى مُتَابَعَةِ أَفْعَالِهِ مِثْلَ الْمُبَادَرَةِ إلَى مُتَابَعَةِ أَقْوَالِهِ وَأَمَّا الْكَرْخِيُّ فَقَدْ زَعَمَ أَيْ قَالَ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهِيَ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ هِيَ الثَّابِتَةُ فِي حَقِّهِ ﵇ بِيَقِينٍ لِتَحَقُّقِهَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ فَوَجَبَ إثْبَاتُهَا وَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ غَيْرِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِيهِ ثُمَّ لِمَا ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَوْ قَامَ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ صِفَةَ الْفِعْلِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ لَمْ يَجُزْ مُتَابَعَةٌ فِيهِ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا اخْتِصَاصَ الرَّسُولِ ﵇ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ كَمَا ذَكَرْنَا وَوَجَدْنَا الِاشْتِرَاكَ أَيْ اشْتَرَاكَ النَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ فِي الْبَعْضِ وَهَذَا الْفِعْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا اخْتَصَّ هُوَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِ فَعِنْدَ احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ لِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ. قَوْلُهُ (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخِرِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ الْجَصَّاصُ أَنَّ الِاتِّبَاعَ أَصْلٌ إلَى آخِرِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجَصَّاصُ؛ لِأَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] تَنْصِيصٌ عَلَى جَوَازِ التَّأَسِّي بِهِ فِي أَفْعَالِهِ فَيَكُونُ هَذَا النَّصُّ مَعْمُولًا بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ الْمَانِعُ وَهُوَ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ ثُبُوتَ الْحِلِّ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا دَلِيلُ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَصَّ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِيمَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَهُوَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقُ فِعْلِهِ دَلِيلًا لِلْأُمَّةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى مِثْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَائِدَةً، فَإِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ ثَابِتَةٌ بِدُونِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا «قَالَ ﵇ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ فِي يَوْمٍ قَدْ مُطِرُوا فِي السَّفَرِ أَلَمْ يَكُنْ لَك فِي أُسْوَةٌ فَقَالَ أَنْتَ تَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّتْ وَأَنَا أَسْعَى فِي رَقَبَةٍ لَمْ يُعْرَفْ فِكَاكُهَا فَقَالَ: إنِّي مَعَ هَذَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ» وَلَمَّا «سَأَلَتْ امْرَأَةٌ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَتْ لَسْنَا كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ثُمَّ سَأَلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُؤَالِهَا فَقَالَ هَلَّا أَخْبَرْتِهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ كَذَا فَقَالَ: إنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِحُدُودِهِ» فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ اتِّبَاعَهُ فِيمَا يَثْبُتُ مِنْ أَفْعَالِهِ أَصْلٌ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِفِعْلٍ. وَهَذَا لِأَنَّ الرُّسُلَ ﵈ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فَالْأَصْلُ فِي كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُمْ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ إلَّا مَا يَثْبُتُ فِيهِ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ وَعُلُوِّ مَنَازِلِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا فَفِي كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُمْ بِصِفَةِ الْخُصُوصِ يَجِبُ بَيَانُ الْخُصُوصِيَّةِ مُقَارِنًا بِهِ إذْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ مَاسَّةٌ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ حُكْمُهُ بِخِلَافِ هَذَا الْأَصْلِ وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ دَلِيلُ النَّفْيِ فَتَرْكُ بَيَانِ الْخُصُوصِيَّةِ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ

стр. 923

(بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ) فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْلَا جَهْلُ بَعْضِ النَّاسِ وَالطَّعْنُ بِالْبَاطِلِ فِي هَذَا الْبَابِ لَكَانَ الْأَوْلَى مِنَّا الْكَفَّ عَنْ تَقْسِيمِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَالْوَحْيُ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. مَا ثَبَتَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ فَوَقَعَ فِي سَمْعِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْمُبَلِّغِ بِآيَةٍ قَاطِعَةٍ وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِلِسَانِ الرُّوحِ الْأَمِينِ ﵇ وَالثَّانِي مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَوَضَحَ لَهُ بِإِشَارَةِ الْمَلَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْكَلَامِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» وَالثَّالِثُ مَا تَبَدَّى لِقَلْبِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا مُزَاحِمٍ وَلَا مُعَارِضٍ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ أَرَاهُ بِنُورٍ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فَهَذَا وَحْيٌ ظَاهِرٌ كُلُّهُ مَقْرُونٌ بِمَا هُوَ ابْتِلَاءٌ أَعْنِي بِهِ الِابْتِلَاءَ فِي دَرْكِ حَقِّيَّتِهِ بِالتَّأَمُّلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ طَرِيقُ الظُّهُورِ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى كَانَ حُجَّةً بَالِغَةً وَإِنَّمَا يُكْرَمُ غَيْرُهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا لِحَقِّهِ عَلَى مِثَالِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ــ [كشف الأسرار] مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا قُدْوَةُ أُمَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَصْلَ هُوَ الِاخْتِصَاصُ وَالِاشْتِرَاكُ لِعَارِضٍ وَعِنْدَ الْجَصَّاصِ الْأَصْلُ هُوَ الِاتِّبَاعُ وَالْخُصُوصِيَّةُ بِعَارِضٍ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ بِعَارِضٍ وَالْعَارِضُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ. قَوْلُهُ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا تَقْسِيمُ السُّنَنِ فِي حَقِّنَا) أَيْ هَذَا الْبَابُ لِتَقْسِيمِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ فِي حَقِّنَا، فَإِنَّهُ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ رَاجِعٌ إلَيْنَا وَلِهَذَا أُدْخِلَ فِيهِ الْوَاجِبُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَوَّلِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ إلَى مَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ تَقْسِيمُ السُّنَّةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَهَذَا الْبَابُ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ. [بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ] [أَنْوَاع الوحى] (بَابُ تَقْسِيمِ السُّنَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ بَيَانُ طَرِيقَتِهِ فِي إظْهَارِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ قَوْلُهُ (وَلَوْلَا جَهْلُ بَعْضِ النَّاسِ وَالطَّعْنُ بِالْبَاطِلِ) بِأَنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﵇ أَنْ يَحْكُمَ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَى غَيْرِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُؤَدٍّ إلَى انْحِطَاطِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ لَكَانَ الْأَوْلَى مِنَّا الْكَفُّ عَنْ تَقْسِيمِهِ أَيْ تَقْسِيمِ سُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ فِي إظْهَارِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّعْظِيمِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ دُونَهُ عَدَمُ اشْتِغَالِهِ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْسِيمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ وَفِي الِاشْتِغَالِ بِالتَّقْسِيمِ نَوْعُ إحَاطَةٍ وَفِيهِ أَيْضًا نِسْبَةُ الْخَطَأِ فِي بَعْضِ الصُّدُورِ إلَيْهِ ﵇ مَعَ عَدَمِ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ وَفِيهِ سُوءُ أَدَبٍ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ وَلَكِنَّ طَعْنَ الْجَاهِلِ وَتَعَنُّتَهُ بِأَنْ قَالَ: كَيْفَ سَاغَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ تَوَصُّلِهِ إلَى مَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَهُوَ الْوَحْيُ حَمَلَ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ وَرَخَّصَ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ دَفْعًا لِعَنَتِهِمْ وَكَشْفًا عَنْ شُبْهَتِهِمْ قَوْلُهُ (وَالْوَحْيُ نَوْعَانِ) يَعْنِي أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُعْتَمِدًا عَلَى الْوَحْيِ فِي إظْهَارِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إلَّا أَنَّ الْوَحْيَ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ. وَقَسَّمَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إلَى وَحْيٍ ظَاهِرٍ وَإِلَى وَحْيٍ بَاطِنٍ وَإِلَى مَا يُشْبِهُ الْوَحْيَ وَجَعَلَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَالْقِسْمَ الثَّالِثَ مِنْ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ وَعَمَلُهُ بِالِاجْتِهَادِ مِمَّا يُشْبِهُ الْوَحْيَ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ وَبَعْدَ عِلْمِهِ أَيْ عِلْمِ النَّبِيِّ ﵇ بِالْمُبَلِّغِ وَهُوَ الْمَلَكُ بِآيَةٍ قَاطِعَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ تُوجِبُ عَلَى الْيَقِينِ بِأَنَّهُ مَلَكٌ يُبَلِّغُهُ عَنْ اللَّهِ كَمَا ظَهَرَتْ لَنَا الْآيَاتُ الْقَاطِعَةُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ ﷻ وَالْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَهُوَ أَيْ مَا ثَبَتَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِلِسَانِ الرُّوحِ الْأَمِينِ وَهُوَ جَبْرَائِيلُ ﵇ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ٤٠ - ١٩٤] . قَوْلُهُ (كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي) أَيْ أَوْقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَيْ تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا بِكَمَالِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيْ اجْهَدُوا فِي طَلَبِ التَّقْوَى وَجِدُّوا فِي تَحْصِيلِهَا كُلَّ الْجُهْدِ وَالْجَدِّ، فَإِنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالسَّعْيِ لَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ أَحَدًا بَلْ أَجْمِلُوا فِي طَلَبِهِ بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ وَتَرْكِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 924

وَأَمَّا الْوَحْيُ الْبَاطِنُ فَهُوَ مَا يُنَالُ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ بِالتَّأَمُّلِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَأَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ حَظِّ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا لَهُ الْوَحْيُ الْخَالِصُ لَا غَيْرُ وَإِنَّمَا الرَّأْيُ وَالِاجْتِهَادُ لِأُمَّتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ الْعَمَلُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالْوَحْيِ وَالرَّأْيِ جَمِيعًا وَالْقَوْلُ الْأَصَحُّ عِنْدَنَا وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ ثُمَّ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ ــ [كشف الأسرار] لَا مِنْ الْكَسْبِ بَلْ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِلِامْتِثَالِ بِالْأَمْرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاتَّقُوا اللَّهَ مُتَعَلِّقًا بِ أَجْمِلُوا أَيْ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ بِالْإِجْمَالِ فِي طَلَبِهِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْأَسْبَابِ الْمَحْظُورَةِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَالثَّالِثُ مَا تَبَدَّى أَيْ ظَهَرَ لِقَلْبِهِ يَعْنِي مِنْ الْحَقِّ بِلَا شُبْهَةٍ وَقَوْلُهُ بِلَا مُعَارِضٍ وَلَا مُزَاحِمٍ تَأْكِيدٌ وَالْإِلْهَامُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَحْيِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] أَيْ بِطَرِيقِ الْإِلْهَامِ وَهُوَ الْقَذْفُ فِي الْقَلْبِ كَمَا قَذَفَ فِي قَلْبِ أُمِّ مُوسَى ﵇ إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا عَرَفَ قَطْعًا أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً قَاطِعَةً فَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَحْيٌ ظَاهِرٌ كُلُّهُ لِظُهُورِهِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَرْكِ حَقِّيَّتِهِ أَيْ النَّبِيُّ ﵇ مُبْتَلًى بِدَرْكِ حَقِّيَّتِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِّيَّتِهِ وَنَحْنُ مُبْتَلَوْنَ بَدْرِك حَقِّيَّتِهِ أَيْضًا بَعْدَ تَبْلِيغِهِ إلَيْنَا بِالتَّأَمُّلِ فِي الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ طَرِيقُ الظُّهُورِ بِأَنْ ظَهَرَ الْبَعْضُ بِتَبْلِيغِ الْمَلَكِ وَالْبَعْضُ بِإِشَارَتِهِ وَالْبَعْضُ بِإِظْهَارِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَهَذِهِ أَيْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِيهَا إذْ الْوَحْيُ مِنْ خَصَائِصِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَكَذَا الْإِلْهَامُ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شُبْهَةٌ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَوْ وُجِدَ وَأُكْرِمَ غَيْرُهُ بِذَلِكَ كَانَ ثُبُوتُهُ لَهُ لِحَقِّ النَّبِيِّ ﵇ أَيْ لِحُرْمَتِهِ عَلَى مِثَالِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِحُرْمَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَإِتْمَامًا لِمُعْجِزَتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ بِثُبُوتِهِ لِلْغَيْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ عَلَى أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ لِلْغَيْرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَ الْإِلْهَامِ حُجَّةً مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﵇ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْوَحْيُ الْبَاطِنُ) فَكَذَا جُعِلَ الِاجْتِهَادُ مِنْهُ ﵇ وَحْيًا بَاطِنًا بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ ﵇ عَلَى اجْتِهَادِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً كَمَا إذَا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ ابْتِدَاءً وَجَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مُشَابِهًا لِلْوَحْيِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا فَقَالَ: وَأَمَّا مَا يُشْبِهُ الْوَحْيَ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْ النُّصُوصِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْوَحْيِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ صَوَابًا لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ الْأُمَّةِ لَا يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﵇ مِنْ الْكَمَالِ مَا لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيه فِي إعْمَالِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ. [جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ] قَوْلُهُ (وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَصْلِ) أَيْ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَفِي كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِهِ فَأَبَى بَعْضُهُمْ وَهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَ الِاجْتِهَادُ حَظَّ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالُوا: إنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ عَقْلًا وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَبَعْضِهِمْ قَالُوا: إنَّهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ عَقْلًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يُتَعَبَّدْ بِهِ شَرْعًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ الْأُصُولِ كَانَ لَهُ الْعَمَلُ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالْوَحْيِ وَالرَّأْيِ جَمِيعًا أَيْ بِالْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ

стр. 925

احْتَجَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ وَلَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِلَيْهِ نَصْبُهُ بِخِلَافِ أَمْرِ الْحُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعِبَادِ بِدَفْعٍ أَوْ جَرٍّ فَصَحَّ إثْبَاتُهُ بِالرَّأْيِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ عَامًّا بِقَوْلِهِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَهُوَ ﵇ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْوَصْفِ، وَقَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] جَوَابٌ بِالرَّأْيِ ــ [كشف الأسرار] فِيهَا وَحْيٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ الْوَحْيُ بَعْدَ الِانْتِظَارِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً لِلْإِذْنِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ قِيلَ: مُدَّةُ الِانْتِظَارِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ بِخَوْفِ فَوْتِ الْغَرَضِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْحَوَادِثِ كَانْتِظَارِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ فِي النِّكَاحِ مُقَدَّرٌ بِفَوْتِ الْخَاطِبِ الْكُفْءِ. وَكُلُّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ الْعَمَلَ يَجُوزُ لَهُ بِالرَّأْيِ فِي الْحُرُوبِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا احْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ إلَّا عَنْ وَحْيٍ وَالْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يَكُونُ وَحْيًا فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّفْيِ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَنْصِبُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً وَالِاجْتِهَادُ دَلِيلٌ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ رَأْيُ الْعِبَادِ فَلَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ نَصْبَ الشَّرْعِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إلَيْهِ نَصْبُهُ لَا إلَى الْعِبَادِ بِخِلَافِ أُمُورِ الْحَرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ إذْ الْمَطْلُوبُ إمَّا دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهُمْ أَوْ جَرُّ نَفْعٍ إلَيْهِمْ مِمَّا يَقُومُ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَاسْتِعْمَالُ الرَّأْيِ جَائِزٌ فِي مِثْلِهِ لِحَاجَةِ الْعِبَادِ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَمَّا يُوصَفُ بِهِ الْعِبَادُ مِنْ الْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ فَمَا هُوَ حَقُّهُ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً إلَّا بِمَا يَكُونُ مُوجِبًا عِلْمَ الْيَقِينِ يُبَيِّنُهُ، أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الرَّأْيِ الَّذِي هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ الِاشْتِغَالُ بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ لَا فِي حَقِّهِ ﵇ إذْ الْوَحْيُ يَأْتِيه فِي كُلِّ وَقْتٍ فَكَانَ اشْتِغَالُهُ بِالرَّأْيِ كَاشْتِغَالِنَا بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَهَذَا كَتَحَرِّي الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْ الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ لَا لِمَنْ كَانَ مُشَاهِدًا لِلْكَعْبَةِ وَلَا لِمَنْ يَجِدُ سَبِيلًا إلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى التَّحَرِّي وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُخَالَفَةِ مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ وَبِالِاتِّفَاقِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي حُكْمِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ غَيْرُ سَائِغٍ لَهُ لِانْتِفَاءِ مُوجِبِهِ فِي حَقِّهِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ لَمَّا جَازَ لَهُ الرَّأْيُ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ حَتَّى خَالَفَهُ السَّعْدَانِ فِي إعْطَاءِ شَطْرِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فِي النُّزُولِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مِنْهُ ﵇ سَبَبٌ لِتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ مَتَى سَمِعُوا أَنَّهُ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِي شَرِيعَتِهِ يَسْبِقُ إلَى أَوْهَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتَأَمَّلُوا حَقَّ التَّأَمُّلِ أَنَّهُ يَنْصِبُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلنُّفْرَةِ إذْ الطَّبْعُ يَنْفِرُ عَنْ اتِّبَاعِ مَيْلِهِ وَمَا يُؤَدِّي إلَى النُّفْرَةِ لَا يَكُونُ هُوَ مَأْذُونًا فِيهِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الْمُنَاقَشَةِ لِكَوْنِهِ مَبْعُوثًا لِلدَّعْوَةِ إلَيْهِ لَا لِلنَّفْرَةِ عَنْهُ ١ - وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ عَامًّا لِأُولِي الْبَصَائِرِ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الْبَصَرِ الْبَصِيرَةُ وَكَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] تَعْلِيلٌ لِلِاعْتِبَارِ أَيْ اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ لِاتِّصَافِكُمْ بِالْبَصِيرَةِ وَالنَّبِيُّ ﵇ أَعْظَمُ النَّاسِ بَصِيرَةً وَأَصْفَاهُمْ سَرِيرَةً وَأَصْوَبُهُمْ اجْتِهَادًا وَأَحْسَنُهُمْ اسْتِنْبَاطًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْوَصْفِ أَيْ بِوَصْفِ الْبَصِيرَةِ فَكَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ وَبِالدُّخُولِ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَحَاكَمَا إلَى دَاوُد وَعِنْدَهُ سُلَيْمَانُ ﵉ أَحَدُهُمَا صَاحِبُ حَرْثٍ وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ: إنَّ هَذَا انْفَلَتَتْ غَنَمُهُ لَيْلًا فَوَقَعَتْ فِي حَرْثِي فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا

стр. 926

«وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته أَمَا كَانَ يُقْبَلُ مِنْك قَالَتْ نَعَمْ قَالَ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» وَقَالَ لِعُمَرَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْته أَكَانَ تَضُرُّك وَهَذَا قِيَاسٌ ظَاهِرٌ ــ [كشف الأسرار] فَقَالَ لَك رِقَابُ الْغَنَمِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَنْطَلِقُ أَصْحَابُ الْحَرْثِ بِالْغَنَمِ فَيُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَمَنَافِعِهَا وَيَقُومُ أَصْحَابُ الْغَنَمِ عَلَى الْحَرْثِ حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةٌ نَفَشَتْ فِيهِ دَفَعَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ غَنَمَهُمْ وَدَفَعَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ حَرْثَهُمْ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْحَرْثَ كَانَ كَرْمًا قَدْ تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُهُمْ فَقَالَ دَاوُد ﵇ الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت وَحَكَمَ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلَى أَنْ قَالَ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] الْهَاءُ ضَمِيرُ الْحُكُومَةِ الْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ وَذَلِكَ أَيْ ذَلِكَ التَّفْهِيمُ عِبَارَةٌ عَنْ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ أَيْ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الرَّأْيِ لَا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ فَدَاوُد وَسُلَيْمَانُ ﵉ فِيهِ سَوَاءٌ وَحَيْثُ خَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَهْمُ بِطَرِيقِ الرَّأْيِ وَلِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الَّتِي قَضَاهَا دَاوُد أَوَّلًا لَوْ كَانَتْ بِالْوَحْيِ لَمَا وَسِعَ سُلَيْمَانَ خِلَافُهُ وَلَمَّا خَالَفَ وَمُدِحَ عَلَى ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِالرَّأْيِ. وَذَكَرَ فِي الْمَطْلَعِ قِيلَ: إنَّهُمَا اجْتَهَدَا جَمِيعًا فَجَاءَ اجْتِهَادُ سُلَيْمَانَ ﵇ أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ فَرَجَعَ دَاوُد إلَى اجْتِهَادِ سُلَيْمَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا وَقَعَ بِالِاجْتِهَادِ لَا يَنْتَقِضُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ دَاوُد ﵇ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] جَوَابٌ مِنْ دَاوُد ﵇ بِالرَّأْيِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ إذَا فَوَّضَ الْحُكْمَ إلَى رَأْيِهِ وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَوْضَحُ، فَإِنَّهُ قَالَ وَقَدْ حَكَمَ دَاوُد بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، فَإِنَّهُ قَالَ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] وَهَذَا بَيَانٌ بِالْقِيَاسِ الظَّاهِرِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ، فَإِنَّهُ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْحُكْمَ بِالنَّصِّ وَبِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ إذْ الْحُكْمُ لِكُلٍّ مِنْهَا حُكْمٌ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أَرَاك مِمَّا أَنْزَلَهُ إلَيْك لِدَلَالَةِ السَّابِقِ عَلَيْهِ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَفَذْت إلَيْك ذَلِكَ الْكِتَابَ لِتَحْكُمَ بِغَيْرِهِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي اُسْتُنْبِطَ مِنْ الْمُنَزَّلِ حُكْمٌ بِالْمُنَزَّلِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمَعْنَاهُ وَبِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُنَزَّلِ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَقَرَّرَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ هَذَا التَّمَسُّكَ فَقَالَ الْإِرَاءَةُ هَاهُنَا لَا تَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ لِإِرَاءَةِ الْعَيْنِ لِاسْتِحَالَتِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا لِمَعْنَى الْإِعْلَامِ لِوُجُوبِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ كَذِكْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا أَرَاكَهُ اللَّهُ لِتَتِمَّ الصِّلَةُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَعْنَى لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَك رَأْيًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِرَاءَةَ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ لِتَحْتَاجَ إلَى ضَمِيرٍ وَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ الْمَفْعُولَانِ وَهُوَ جَائِزٌ. ١ - وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ، فَإِنَّهُ ﵇ اعْتَبَرَ فِيهِ دَيْنَ اللَّهِ بِدَيْنِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ بَيَانٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَحَدِيثُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ «عُمَرَ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﵇ فَقَالَ: إنِّي أَتَيْت الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ فَقَالَ هَشَشْت إلَى امْرَأَتِي فَقَبَّلْتُهَا فَقَالَ: رَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْته أَكَانَ يَضُرُّك قَالَ لَا قَالَ فَفِيمَ إذًا» أَيْ فَفِيمَ تَشُكُّ إذْ قَدْ عَرَفْت ذَلِكَ فَاعْتَبَرَ فِيهِ مُقَدَّمَةَ الْجِمَاعِ وَهِيَ الْقُبْلَةُ بِمُقَدَّمَةِ الشُّرْبِ وَهِيَ الْمَضْمَضَةُ فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ وَهُوَ قِيَاسٌ ظَاهِرٌ بَلْ عَدَمُ الْفَسَادِ فِي الْقُبْلَةِ

стр. 927

وَقِيلَ فِيمَنْ أَتَى أَهْلَهُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ فَقِيلَ أَيُؤْجَرُ أَحَدُنَا فِي شَهْوَتِهِ فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي حَرَامٍ أَمَا كَانَ بِإِثْمٍ وَقَالَ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْته أَكُنْت شَارِبَهُ وَهَذَا قِيَاسٌ وَاضِحٌ فِي تَحْرِيمِ الْأَوْسَاخِ لِحُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ وَلِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَسْبَقُ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ حَتَّى وُضِعَ لَهُ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فَمُحَالٌ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَعَانِي النَّصِّ ــ [كشف الأسرار] أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهَا تُهَيِّجُ الشَّهْوَةَ وَلَا تُسَكِّنُهَا وَالتَّمَضْمُضُ تُسَكِّنُ شَيْئًا مِنْ الْعَطَشِ وَقَالَ فِيمَنْ أَتَى أَهْلَهُ إنَّهُ يُؤْجَرُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» اعْتَبَرَ مُبَاشَرَةَ الْحَلَالِ فِي اسْتِحْقَاقِ مُوجِبِهَا وَهُوَ الْأَجْرُ بِضِدِّهَا وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَرَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ مُوجِبِهَا وَهُوَ الْوِزْرُ، وَهَذَا بَيَانُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَالْمَجُّ رَمْيُ الْمَاءِ مِنْ الْفَمِ مِمَّا يُطْلَبُ. ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِلْمِ بِمَعَانِي النُّصُوصِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْبَقُ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ أَيْ أَكْمَلُهُمْ فِيهِ حَتَّى كَانَ يَعْلَمُ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ وَكَانَ عَالِمًا بِمَعْنَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْمَالِ لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ مَعَ اطِّلَاعِ غَيْرِهِ فِيهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ لِلْعِبَادِ وَأَكْثَرُ صَوَابًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَجَازَ لِأُمَّتِهِ ذَلِكَ لَكَانَتْ الْأُمَّةُ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا يُقَالُ: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْصِبٌ أَعْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَدْرِكُ الْأَحْكَامَ وَحْيًا وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْوَحْيُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْ الِاجْتِهَادِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ فِي اسْتِدْرَاكِ الْحُكْمِ فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ جُودَةِ الْخَاطِرِ وَقُوَّةِ الْقَرِيحَةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا نَوْعًا مُفْرَدًا مِنْ الْفَضِيلَةِ لَمْ يَخْلُ الرَّسُولُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ الشَّيْخُ ﵀ ذَكَرَ هَاهُنَا أَنَّ الْمُتَشَابِهَ وَضَحَ لِلرَّسُولِ ﵇ دُونَ غَيْرِهِ وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهُوَ يُتَرَاءَى مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إنْ وَجَبَ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] كَمَا هُوَ مُخْتَارُ السَّلَفِ وَالشَّيْخَيْنِ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْلَمَهُ الرَّسُولُ كَمَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الْخَلَفِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّسُولُ ﵇ مَخْصُوصًا بِعِلْمِهِ بَلْ الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَهُ أَيْضًا، فَأَمَّا أَنْ يَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَلَا يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ فَمُخَالِفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُقُوفِ عَلَى إلَّا اللَّهُ وَمَا يَعْلَمُ أَحَدٌ تَأْوِيلَهُ بِدُونِ تَعَلُّمِ اللَّهِ إلَّا اللَّهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] أَيْ لَا يَعْلَمُ بِدُونِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إلَّا اللَّهُ فَيَكُونُ إلَّا حِينَئِذٍ بِمَعْنَى غَيْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَخْصُوصًا بِالتَّعْلِيمِ بِدُونِ إذْنٍ بِالْبَيَانِ لِغَيْرِهِ فَيَبْقَى غَيْرَ مَعْلُومٍ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي حَصْرَ الْعِلْمِ عَلَى اللَّهِ ، وَإِذَا صَارَ الرَّسُولُ ﵇ عَالِمًا بِالْمُتَشَابِهَاتِ النَّازِلَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِالتَّعْلِيمِ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيمُ حَاصِلًا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ ﵇ عَالِمًا بِالْمُتَشَابِهِ قَبْلَ نُزُولِهَا فَيَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَبِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى حَصْرِ الْعِلْمِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي ذُكِرَ أَلَا تَرَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ تُوجِبُ حَصْرَ عِلْمِ الْغَيْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَعْلَمَ غَيْرُ اللَّهِ بِتَعْلِيمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى

стр. 928

وَإِذَا وَضَحَ لَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لِلْعَمَلِ شُرِعَتْ إلَّا أَنَّ اجْتِهَادَ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَاجْتِهَادَهُ لَا يَحْتَمِلُ وَلَا يَحْتَمِلُ الْقَرَارَ عَلَى الْخَطَأِ، فَإِذَا أَقَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُصِيبٌ بِيَقِينٍ وَذَلِكَ مِثْلُ مُشَاوَرَتِهِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشَاوِرُ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ مِثْلُ مُشَاوَرَتِهِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ شَاوَرَهُمْ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَأَخَذَ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الرَّأْيَ عِنْدَهُ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ــ [كشف الأسرار] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] فَكَذَا هَاهُنَا قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ اجْتِهَادَ غَيْرِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَا جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْزِلَتَهُ دُونَ النَّصِّ فَيَكُونَ ظَنِّيًّا كَاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ إذْ ذَاكَ فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَالْقَرَارَ عَلَيْهِ وَاجْتِهَادُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ فِي الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْآيَاتِ فَلَوْ جَازَ الْخَطَأُ عَلَيْهِ لَكُنَّا مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ احْتَمَلَ الْخَطَأَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﵇ أَخْطَأَ فِي الْإِذْنِ لَهُمْ وَبِدَلِيلِ نُزُولِ الْعِتَابِ فِي أُسَارَى بَدْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الدَّلَائِلِ فَلَا يُحْتَمَلُ الْقَرَارُ عَلَى الْخَطَأِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ، فَإِذَا أَقَرَّهُ اللَّهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ دَلَّ أَنَّهُ كَانَ هُوَ الصَّوَابَ فَيُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ كَالنَّصِّ فَيَكُونُ مُخَالَفَتُهُ حَرَامًا وَكُفْرًا وَهُوَ نَظِيرُ الْإِلْهَامِ، فَإِنَّ إلْهَامَ النَّبِيِّ ﵇ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لَا يَسَعُ مُخَالَفَتُهُ بِوَجْهٍ، وَإِلْهَامُ غَيْرِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ أُمُورِ الْحَرْبِ) أَيْ الِاجْتِهَادُ وَالْعَمَلُ بِالرَّأْيِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إبْطَالُ الْفَرْقِ الَّذِي ادَّعَتْهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ شَاوَرَهُمْ فِي أُسَارَى بَدْرٍ وَهُوَ مُشَاوَرَةٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ جَوَازُهَا وَفَسَادُهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَمِمَّا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ كَمَا فِي الْحُرُوبِ. وَقِصَّةُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأُسَارَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ هَؤُلَاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ وَأَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدْيَةَ فَيَكُونُ مَا أَخَذْنَا قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ وَعَسَى أَنْ يَهْدِيَهُمْ اللَّهُ فَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: ﵁ مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنَّهُمْ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوك وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَقَادَةُ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ قَرِيبٍ لِعُمَرَ وَعَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ وَحَمْزَةَ مِنْ الْعَبَّاسِ فَلْنَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا مَوَدَّةٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ﵇ مَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَمَثَلُك يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَهَوِيَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ فَأَخَذَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيْ لَوْلَا حُكْمٌ سَبَقَ إثْبَاتُهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِخِطَاءٍ وَهَذَا خَطَأٌ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي أَنَّ اسْتِبْقَاءَهُمْ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى إسْلَامِهِمْ وَتَدَيُّنِهِمْ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ قَتْلَهُمْ أَعَزُّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْيَبُ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ وَقِيلَ كِنَايَةٌ أَنَّهُ يَسْتَحِلُّ لَهُمْ الْفِدْيَةُ الَّتِي أَخَذُوهَا وَقِيلَ: إنَّ أَهْلَ بَدْرٍ مَغْفُورٌ لَهُمْ وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ قَوْمًا إلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ وَتَقْدِيمِ النَّهْيِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنْ الْفِدَاءِ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَقَالَ ﷺ «لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرَ» وَإِنَّمَا أَمْضَى ذَلِكَ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ نَزَلَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ وَظَهَرَ خَطَؤُهُ عُمِلَ بِهِ فِي

стр. 929

وَكَمَا شَاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فِي بَذْلِ شَطْرِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَخَذَ بِرَأْيِهِمَا وَكَذَلِكَ أَخَذَ بِرَأْيِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ فِي النُّزُولِ عَلَى الْمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ يَقْطَعُ الْأَمْرَ دُونَهُمْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ، وَالْجِهَادُ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ وَكَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قُولَا فَإِنِّي فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيَّ مِثْلُكُمَا وَلَا يَحِلُّ الْمَشُورَةُ مَعَ قِيَامِ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا الشُّورَى فِي الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ خَاصَّةً أَلَا يُرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَرَارِ عَلَى الْخَطَأِ أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُعْصَمُ عَنْ الْقَرَارِ عَلَى الْخَطَأِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ صَوَابًا بِلَا شُبْهَةٍ ــ [كشف الأسرار] الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِيمَا مَضَى كَذَا قِيلَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمْضَى ذَلِكَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْعِتَابِ بِقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . قَوْلُهُ (وَكَمَا شَاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) رُوِيَ أَنَّ الْأَمْرَ لَمَّا ضَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبِ الْأَحْزَابِ وَكَانَ فِي الْكُفَّارِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَوْنًا لَهُمْ رَئِيسُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى عُيَيْنَةَ وَقَالَ: ارْجِعْ أَنْتَ وَقَوْمُك وَلَك ثُلُثُ ثِمَارِ مَدِينَةٍ فَأَبَى إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَهَا فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ الْأَنْصَارَ وَفِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَحَدُهُمَا رَئِيسُ الْأَوْسِ وَالْآخَرُ رَئِيسُ الْخَزْرَجِ فَقَالَا هَذَا شَيْءٌ أَمَرَك اللَّهُ بِهِ أَمْ شَيْءٌ رَأَيْته مِنْ نَفْسِك فَقَالَ لَا بَلْ رَأْيٌ رَأَيْته مِنْ عِنْدِ نَفْسِي فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ إلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ بِقِرًى، فَإِذَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ لَا نُعْطِيهِمْ الدَّنِيَّةَ فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إلَّا السَّيْفُ وَفَرِحَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَأَرَدْت أَنْ أَصْرِفَهُمْ عَنْكُمْ، فَإِذَا ثَبَتُّمْ فَذَاكَ ثُمَّ قَالَ لِلَّذِينَ جَاءُوا بِالصُّلْحِ اذْهَبُوا فَلَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ وَكَذَلِكَ أَخَذَ بِرَأْيِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ النُّزُولَ فَقَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَوْ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ إنْ كَانَ عَنْ وَحْيٍ فَسَمْعًا وَطَاعَةً وَإِنْ كَانَ عَنْ رَأْيٍ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى الْمَاءِ وَنَأْخُذَ الْحِيَاضَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِهِ وَنَزَلَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ الْمُشَاوَرَةُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ» نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ شَاوَرَهُمْ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ لِمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُشَاوَرَةٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَأَمَّا الْمُشَاوَرَةُ فِي بَذْلِ شَطْرِ الثِّمَارِ وَالنُّزُولِ عَلَى الْمَاءِ فَلَا يَصِحُّ نَظِيرًا لَهُ؛ لِأَنَّهَا مُشَاوَرَةٌ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ فَلَا تَصْلُحُ إلْزَامًا عَلَى الْخَصْمِ وَظَنِّي أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَكَمَا شَاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَقَعَتْ زَائِدَةً مِنْ النَّاسِخِ فَبِدُونِهَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ فَيَصِيرُ الْمُشَاوَرَةُ فِي الْأُسَارَى نَظِيرًا لِقَوْلِهِ شَاوَرَ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ وَمُشَاوَرَةُ السَّعْدَيْنِ وَالْأَخْذُ بِرَأْيِ أُسَيْدَ نَظِيرَيْنِ لِقَوْلِهِ: مِثْلُ مُشَاوِرَتِهِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ، وَكَذَا رَأَيْت مَكْتُوبًا بِدُونِ الْوَاوِ فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكُرْدِيِّ ﵀ وَعَلَى مَنْ قَبْلَهُ أَيْضًا. (قَوْلُهُ وَقَدْ كَانَ يَقْطَعُ الْأَمْرَ) أَيْ الشَّأْنَ دُونَهُمْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ مِثْلُ مُشَاوَرَتِهِ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ يَعْنِي كَانَ يَحْكُمُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ الْأَمْرَ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ إذَا كَانَ فِيهِ وَحْيٌ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَبْطَلَ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ بِإِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ أُمُورِ الْحَرْبِ وَسَائِرِ الْحَوَادِثِ فِيمَا إذَا وُجِدَ فِيهَا الْوَحْيُ وَفِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ فَقَالَ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْوَحْيُ كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا وُجِدَ الْوَحْيُ يَقْطَعُ الْأَمْرَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ وَالْتِفَاتٍ إلَى رَأْيِ أَحَدٍ فَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ إبْطَالُ الْفَرْقِ بِقَوْلِهِ وَالْجِهَادُ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ، فَإِذَا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ جَازَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: وَلَا تَحِلُّ الْمَشُورَةُ مَعَ قِيَامِ الْوَحْيِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ شَاوَرَ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ يَعْنِي وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَاوَرَهُمْ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ وَلَا تَحِلُّ الْمَشُورَةُ مَعَ قِيَامِ الْوَحْيِ بَلْ تَحِلُّ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا شَاوَرَهُمْ لِلْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَفِي قَوْلِهِ خَاصَّةً إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَشُورَةُ لِتَطْبِيبِ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لِلْعَمَلِ بِالرَّأْيِ خَاصَّةً قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ -

стр. 930

إلَّا أَنَّا اخْتَرْنَا تَقْدِيمَ انْتِظَارِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّهُ مُكَرَّمٌ بِالْوَحْيِ الَّذِي يُغْنِيه عَنْ الرَّأْيِ وَعَلَى ذَلِكَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ فِي أَنْ لَا يُخْلَى عَنْ الْوَحْيِ، وَالرَّأْيُ ضَرُورِيٌّ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ لِاحْتِمَالِ الْإِصَابَةِ غَالِبًا كَالتَّيَمُّمِ لَا يَجُوزُ فِي مَوْضِعِ وُجُودِ الْمَاءِ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ وَصَارَ ذَلِكَ كَطَلَبِ النَّصِّ النَّازِلِ الْخَفِيِّ بَيْنَ النُّصُوصِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمُدَّةِ الِانْتِظَارِ عَلَى مَا يَرْجُو نُزُولَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْفَوْتَ فِي الْحَادِثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [كشف الأسرار] وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ فِيمَا كَانَ الْوَحْيُ ظَاهِرًا مَعْلُومًا مَا كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ وَفِيمَا كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ يَعْمَلُ بِرَأْيِهِمْ أَوْ لَا يَعْمَلُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْمَلُ بِرَأْيِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الِاسْتِشَارَةِ تَطْيِيبُ النَّفْسِ بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِهْزَاءِ وَظَنُّ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَالٌ وَإِنْ كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ لِيَعْمَلَ بِرَأْيِهِمْ فَلَا شَكَّ أَنَّ رَأْيَهُ كَانَ أَقْوَى مِنْ رَأْيِهِمْ. وَإِذَا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ فَجَوَازُ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ أَوْلَى وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَشِيرُهُمْ لِتَقْرِيبِ الْوُجُوهِ وَتَخْمِيرِ الرَّأْيِ عَلَى مَا كَانَ يُقَالُ الْمَشُورَةُ تَلْقِيحُ الْعُقُولِ وَيُقَالُ مِنْ الْحَزْمِ أَنْ تَسْتَشِيرَ ذَا رَأْيٍ ثُمَّ تُطِيعَهُ ثُمَّ إنَّمَا أَعَادَ قَوْلَهُ إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَرَارِ عَلَى الْخَطَأِ وَبَعْدَهُ مَا ذَكَرَهُ مَرَّةً رَدًّا لِكَلَامِ الْخَصْمِ وَجَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمْ الِاجْتِهَادُ يَحْتَمِلُ لِلْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْنَا: إنَّهُ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَرَارِ عَلَى الْخَطَأِ كَانَ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ بَعْدَمَا قُرِّرَ عَلَيْهِ صَوَابًا بِلَا شُبْهَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ الْحُكْمُ عَنْ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِالصِّحَّةِ وَيَنْضَمَّ تَحْرِيمُ الْمُخَالَفَةِ كَالْإِجْمَاعِ الصَّادِرِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّا اخْتَرْنَا تَقْدِيمَ انْتِظَارِ الْوَحْيِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْقَوْلِ الثَّانِي وَبَيَانٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْحَقَّ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَاحِدًا فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ غَيْرِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ فَاجْتِهَادُهُ أَوْلَى فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ أَيْ طَلَبُ النَّصِّ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ لِاحْتِمَالِ الْإِصَابَةِ أَيْ إصَابَةُ النَّصِّ بِنُزُولِ الْوَحْيِ وَصَارَ ذَلِكَ أَيْ انْتِظَارُ الْوَحْيِ فِي حَقِّهِ ﵇ كَطَلَبِ النَّصِّ النَّازِلِ الْخَفِيِّ بَيْنَ النُّصُوصِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ يَعْنِي النَّصَّ الَّذِي اخْتَفَى بَيْنَ النُّصُوصِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْمُجْتَهِدِ إذْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ طَلَبِهِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَكَانَ تَرَبُّصُهُ ﵇ لِنُزُولِ الْوَحْيِ بِمَنْزِلَةِ تَرَبُّصِنَا لِلتَّأَمُّلِ فِي الْمُنْزَلِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ الِانْتِظَارُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ التَّأَمُّلِ فِي النَّصِّ الْمُؤَوَّلِ وَالْخَفِيِّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَمُدَّةُ الِانْتِظَارِ عَلَى مَا نَرْجُو نُزُولَهُ أَيْ نُزُولَ الْوَحْيِ يَعْنِي هِيَ مَا فِيهِ مَا دَامَ رَجَاءُ نُزُولِ الْوَحْيِ بَاقِيًا إلَّا أَنْ يُخَافَ الْفَوْتُ أَيْ فَوْتُ الْغَرَضِ أَوْ فَوْتُ الْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ يَعْنِي يُخَافُ أَنْ يَفُوتَ الْحَادِثَةُ بِلَا حُكْمٍ وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْ الْوَحْيِ فَيُحْكَمُ بِالرَّأْيِ. قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ يَعْنِي اشْتِرَاطَ الِانْتِظَارِ مَا دَامَ يُرْجَى نُزُولُ الْوَحْيِ أَحْسَنَ لَكِنَّ قَوْلَ الْعَامَّةِ أَحَقُّ وَكَانَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ وَالتَّبْلِيغُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالِانْتِظَارُ لِلْوَحْيِ الظَّاهِرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ. ١ - وَأَمَّا تَمَسُّكُ الْخَصْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] فَفَاسِدٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى مَوْضِعِ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ فِي شَأْنِ الْقُرْآنِ رَدًّا لِمَا زَعَمَ الْكُفَّارُ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِهِ فَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ قُرْآنًا فَهُوَ وَحْيٌ لَا عَنْ هَوًى لَا أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعْمِيمُ؛ لِأَنَّ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا يُتَخَصَّصُ عُمُومُ اللَّفْظِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ مَعَ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِوَحْيٍ بَلْ هُوَ وَحْيٌ بَانَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَلِأَنَّهُ إذَا تَعَبَّدَنَا بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ يَكُونُ نُطْقُهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ وَحْيٍ لَا عَنْ هَوًى وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْهَوَى هُوَ النَّفْسُ الْبَاطِلُ لَا الرَّأْيُ الصَّوَابُ

стр. 931

وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ شَرِيعَةً لَهُ وَهَذَا. (بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَلْزَمُنَا شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ بِمَنْزِلَةِ شَرَائِعِنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَلْزَمُنَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَتُنَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ أَوْ قَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةُ رَسُولِنَا ﵇ ــ [كشف الأسرار] الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَنَظَرٍ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ وَانْدَرَجَ فِيمَا ذَكَرْنَا الْجَوَابُ عَنْ بَقِيَّةِ كَلِمَاتِهِمْ فَلَا نُعِيدُهُ. قَوْلُهُ (وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا بَقِيَتْ إلَى مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﵇ وَصَارَتْ شَرِيعَةً لَهُ لِمَا سَنُبَيِّنُ كَانَتْ مِنْ سُنَنِهِ وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا ﵇ وَذِكْرُ الضَّمَائِرِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَاخِرِ مَعَ كَوْنِهَا رَاجِعَةً إلَى الشَّرَائِعِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِكَوْنِ الشَّرَائِعِ مُضَافَةً إلَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَنْ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا. [بَابُ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا] أَيْ بَابُ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَذَا فَهُوَ مَعْنَى إيرَادِ الْفَاءِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﵇ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَيَأْمُرَهُ بِاتِّبَاعِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِهَا وَلَيْسَ فِي دِينٍ اسْتِبْعَادٌ وَلَا اسْتِنْكَارٌ وَإِنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ قَدْ تَتَّفِقُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَصْلَحَةً فِي زَمَانِ النَّبِيِّ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَيَجُوزُ عَكْسُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً فِي زَمَانِ النَّبِيِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَيَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ الشَّرَائِعُ وَتَتَّفِقُ. وَلَا يُقَالُ: إذَا جَاءَ الثَّانِي بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ لِبِعْثَتِهِ وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِهِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ مَعْلُومَةٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُمَا وَإِنْ اتَّفَقَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي بَعْضِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مَبْعُوثًا إلَى قَوْمٍ وَالثَّانِي إلَى غَيْرِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةُ الْأَوَّلِ قَدْ انْدَرَسَتْ فَلَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الثَّانِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ فِي الْأُولَى بِدَعٌ فَيُزِيلُهَا الثَّانِيَةُ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ﵇ هَلْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ الْبَعْثِ فَأَبَى بَعْضُهُمْ ذَلِكَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ أَيْضًا فَقِيلَ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ نُوحٍ وَقِيلَ بِشَرْعِ إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ بِشَرْعِ مُوسَى وَقِيلَ بِشَرْعِ عِيسَى وَقِيلَ بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ كَالْغَزَالِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمَا وَمَحَلُّ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ. وَالثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعْدَ الْبَعْثِ وَأُمَّتَهُ هَلْ كَانُوا مُتَعَبَّدِينَ بِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي عُقِدَ الْبَابُ لِبَيَانِهَا فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرَائِعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَأَنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ ثَبَتَتْ لِنَبِيٍّ فَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الِانْتِسَاخِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُنَا شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى أَنَّهَا شَرِيعَةُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ نَسْخُهَا وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبَّدًا بِشَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا وَأَنَّ شَرِيعَةَ كُلِّ نَبِيٍّ يَنْتَهِي بِوَفَاتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَوْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ آخَرُ عَلَى مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَيَتَجَدَّدُ لِلثَّانِي شَرِيعَةٌ أُخْرَى إلَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ وَالِانْتِسَاخَ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا بِمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بَقَائِهِ بِبَيَانِ الرَّسُولِ الْمَبْعُوثِ بَعْدَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِمَا نُقِلَ مِنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ انْتِسَاخُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ شَرِيعَةٌ لِنَبِيِّنَا وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مَا يَصِيرُ مَعْلُومًا مِنْهَا بِنَقْلِ أَهْلِ

стр. 932

احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَالْهُدَى اسْمٌ يَقَعُ عَنْ الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ حَقِيقَتُهُ دِينًا لِلَّهِ ﵎ وَدَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ مَرْضِيٌّ عِنْدَهُ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَقَالَ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] فَصَارَ الْأَصْلُ هُوَ الْمُوَافَقَةَ وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ الْخُصُوصُ فِي الْمَكَانِ ــ [كشف الأسرار] الْكِتَابِ أَوْ بِرِوَايَةِ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْكِتَابِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ بِبَيَانٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخَانِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ ﵏ إلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا أَوْ بِبَيَانٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مَا لَمْ يَظْهَرْ نَاسِخُهُ، فَأَمَّا مَا عُلِمَ بِنَقْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ بِفَهْمِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُتُبِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ لِقِيَامِ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُمْ حَرَّفُوا الْكُتُبَ فَلَا يُعْتَبَرُ نَقْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا فَهْمُ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْكُتُبِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمَنْقُولَ أَوْ الْمَفْهُومَ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَرَفَ ذَلِكَ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ أَوْ بِقَوْلِ جَمَاعَتِهِمْ وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا احْتَجَّ الْأَوَّلُ أَيْ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ أَوْ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ بِالنُّصُوصِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ ذُكِرُوا فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ أَيْ فَاخْتَصَّ هَدْيَهُمْ بِالِاقْتِدَاءِ وَلَا تَقْتَدِ إلَّا بِهِمْ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ يُوقَفُ عَلَيْهَا فِي الْوَقْفِ وَتَسْقُطُ فِي الْوَصْلِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ جَاعِلًا الْهَاءَ كِنَايَةً عَنْ الْمَصْدَرِ أَيْ اقْتَدِ الِاقْتِدَاءِ كَمَا فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، أَمَرَ النَّبِيَّ ﵇ بِالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْهَدْيُ اسْمٌ لِلْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الِاهْتِدَاءَ يَقَعُ بِالْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ شَرْعِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ شَامِلٌ الْإِيمَانَ وَالشَّرَائِعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْمُتَّقِينَ بِالْإِيمَانِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ثُمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وقَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَالنَّبِيُّ ﵇ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِهَا وَقَوْلُهُ ﷻ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وَالدِّينُ اسْمٌ لِمَا يُدَانُ اللَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي كَانَتْ الشَّرِيعَةُ مَنْسُوبَةً إلَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا بِبَعْثِ رَسُولٍ آخَرَ بَعْدَهُ فَكَذَا شَرِيعَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهَا بِبَعْثِ رَسُولٍ آخَرَ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ النَّسْخِ فِيهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَا يَثْبُتُ شَرِيعَةً لِرَسُولٍ فَقَدْ ثَبَتَتْ حَقِّيَّتُهُ وَكَوْنُهُ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ وَبُعِثَ الرَّسُولُ لِبَيَانِ مَا هُوَ مَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا عُلِمَ كَوْنُهُ مَرَضِيًّا بِبَعْثِ رَسُولٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَرَضِيًّا بِبَعْثِ رَسُولٍ آخَرَ. وَإِذَا بَقِيَ مَرْضِيًّا كَانَ مَعْمُولًا بِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ الثَّانِي وَكَانَ بَعْثُ الثَّانِي مُؤَيِّدًا لَهَا وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ يَدْعُونَ الْخَلْقَ إلَى دِينٍ اللَّهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٤٨] أَيْ الْقُرْآنَ ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] أَيْ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ جِنْسِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أَيْ أَمِينًا وَشَاهِدًا عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي شَرَائِعِ الرُّسُلِ ﵈ الْمُوَافَقَةُ إلَّا إذَا ظَهَرَ تَغْيِيرُ حُكْمٍ بِدَلِيلِ النَّسْخِ. وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ مَا يُنْسَبُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ شَرِيعَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ الشَّارِعُ لِلشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ قَالَ اللَّهُ

стр. 933

أَلَا تَرَى أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصُ فِي الْمَكَانِ كَرَسُولَيْنِ بُعِثَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَكَمَا كَانَ هَارُونُ لِمُوسَى ﵉ فَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ أَيْضًا فَصَارَ الِاخْتِصَاصُ فِي شَرَائِعِهِمْ أَصْلًا إلَّا بِدَلِيلٍ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَصْلًا فِي الشَّرَائِعِ وَكَانَتْ شَرِيعَتُهُ عَامَّةً لِكَافَّةِ النَّاسِ وَكَانَ وَارِثًا لِمَا مَضَى مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ قَالَ اللَّهُ ﵎ ــ [كشف الأسرار] ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] أَضَافَ الشَّرْعَ إلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ الدُّعَاءُ إلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْلِيغُهَا إلَى عِبَادِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ الِانْتِسَاخُ فَيُعْلَمُ بِهِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَبَدَّلَتْ بِتَبَدُّلِ الزَّمَانِ فَيَنْتَهِي الْأَوَّلُ إلَى الثَّانِي فَأَمَّا مَعَ بَقَائِهَا شَرِيعَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَمَعَ قِيَامِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي الْبَقَاءِ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِانْتِهَائِهَا بِوَفَاةِ الرَّسُولِ الْمَبْعُوثِ الْآتِي بِهَا فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا بِاخْتِصَاصِ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِنَبِيِّهَا وَانْتِهَائِهَا بِوَفَاتِهِ أَوْ بِبَعْثِ رَسُولٍ آخَرَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ أَيْ جَعَلْنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ شِرْعَةً بِبَعْثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْ شَرِيعَةً وَهِيَ الطَّرِيقُ الظَّاهِرُ وَمِنْهَاجًا طَرِيقًا وَاضِحًا يَجْرُونَ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ نَبِيٍّ دَاعِيًا إلَى شَرِيعَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ أُمَّةٍ مُخْتَصَّةً بِشَرِيعَةٍ جَاءَ بِهَا نَبِيُّهُمْ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرِيعَةِ الْمَاضِيَةِ الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ بَعْثَ الرَّسُولِ لَيْسَ إلَّا لِبَيَانِ مَا بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى بَيَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ شَرِيعَةَ رَسُولٍ مُنْتَهِيَةً بِبَعْثِ رَسُولٍ آخَرَ وَلَمْ يَأْتِ الثَّانِي بِشَرْعٍ مُسْتَأْنِفٍ لَمْ يَكُنْ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى الْبَيَانِ عِنْدَ بَعْثِ الثَّانِي لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا عِنْدَهُمْ بِالطَّرِيقِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي بَعْثِهِ فَائِدَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُرْسِلُ رَسُولًا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ هُوَ الْأَصْلُ أَلَا تَرَى أَنَّهَا أَيْ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي الْمَكَانِ أَيْ قَدْ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِمَكَانٍ حِينَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ مَكَان آخَرَ كَرَسُولَيْنِ بُعِثَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ مِثْلُ شُعَيْبٍ وَمُوسَى ﵉، فَإِنَّ شَرِيعَةَ شُعَيْبٍ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِأَهْلِ مَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَشَرِيعَةَ مُوسَى ﵉ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِبَنِي إسْرَائِيلَ وَمَنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّسُولَيْنِ تَبَعًا لِلْآخَرِ فَحِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ الْخُصُوصُ. وَكَانَ التَّبَعُ دَاعِيًا إلَى شَرَائِعِ الْأَصْلِ كَإِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ، فَإِنَّ لُوطًا وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ كَانَ تَبَعًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵉ وَدَاعِيًّا إلَى شَرِيعَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وَكَذَلِكَ هَارُونُ كَانَ تَابِعًا لِمُوسَى ﵉ فِي الشَّرِيعَةِ وَرِدْءًا لَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ إخْبَارًا عَنْ مُوسَى ﵇ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٣٠] فَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ أَيْضًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي الْمَكَانِ يَعْنِي كَمَا احْتَمَلَتْ الْخُصُوصَ فِي الْمَكَانِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي الزَّمَانِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﵈ أَكْثَرَهُمْ إنَّمَا بُعِثُوا إلَى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وَرَسُولُنَا ﵇ هُوَ الْمَبْعُوثُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً عَلَى مَا قَالَ «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْت إلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ قَبْلِي يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ» الْحَدِيثَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْمُرْسَلِينَ مَنْ يَكُونُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ عَلَى أَهْلِ مَكَان دُونَ أَهْلِ مَكَان آخَرَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلِمْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا عَلَى أَهْلِ زَمَانٍ دُونَ أَهْلِ زَمَانٍ آخَرَ وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ يَكُونُ مُنْتَهِيًا بِبَعْثِ نَبِيٍّ آخَرَ فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النَّبِيَّيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي مَكَانَيْنِ عَلَى أَنْ يَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى شَرِيعَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانَيْنِ وَأَنَّ الْمَبْعُوثَ آخِرًا يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ وَلَا يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ

стр. 934

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِ عُمَرَ ﵁ صَحِيفَةً فَقَالَ مَا هِيَ فَقَالَ التَّوْرَاةُ فَقَالَ أَتُهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» فَصَارَ الْأَصْلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْأُلْفَة لَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَا وَمَعْرُوفٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْعَمَلُ بِمَا وَجَدَهُ صَحِيحًا فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْكُتُبِ غَيْرَ مُحَرَّفٍ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ وَحْيٌ بِخِلَافِهِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ــ [كشف الأسرار] وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّهَا يَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهَا شَرِيعَتُنَا مُطْلَقًا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَصْلًا فِي الشَّرَائِعِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ بِالتَّصْدِيقِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران: ٨١] مِنْ أَبْيَنِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أُمَّةِ مَنْ بُعِثَ آخِرًا فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ وَلِهَذَا ظَهَرَ شَرَفُ نَبِيِّنَا ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ فَكَانَ الْكُلُّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَمِمَّنْ تَأَخَّرَ فِي حُكْمِ الْمُتَّبِعِ لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْبِ يُطِيعُهُ الرَّأْسُ وَيَتْبَعُهُ الرِّجْلُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَبَّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ سَلَفَ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَعْلَ الرَّسُولِ كَوَاحِدٍ مِنْ أُمَّةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَهَذَا غَضٌّ مِنْ دَرَجَتِهِ وَحَطٌّ مِنْ رُتْبَتِهِ وَاعْتِقَادٌ أَنَّهُ تَبَعٌ لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَهُ وَلَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ بَلْ فِيهِ التَّنْفِيرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَابِعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَتْبُوعًا وَمَدْعُوًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ دَاعِيًا، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ كَانُوا قَبْلَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ أَصْلًا فِي شَرَائِعِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ تَقَدُّمُهُمْ فِي الزَّمَانِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ وَلَا يَمْنَعُ عَنْ كَوْنِهِ أَصْلًا فَالْأَنْبِيَاءُ مَعَ تَقَدُّمِهِمْ مُؤَسَّسُونَ بِقَاعِدَتِهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فِطْرَةِ الْخَلْقِ إدْرَاكُهُمْ سَعَادَةَ الْقُرْبِ مِنْ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْرِيفِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَكَانَتْ النُّبُوَّةُ مَقْصُودَةً بِالْإِيجَابِ وَالْمَقْصُودُ كَمَالُهَا لَا أَوَّلُهَا، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ بِحَسَبِ سُنَّةِ اللَّهِ ﷻ بِالتَّدْرِيجِ فَتَمَهَّدَ أَصْلُ النُّبُوَّةِ بِآدَمَ وَلَمْ يَزَلْ تَنْمُو وَتَكْمُلُ حَتَّى بَلَغَتْ الْكَمَالَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَانَ تَمْهِيدُ أَوَائِلِهَا وَسِيلَةً إلَى الْكَمَالِ كَتَأْسِيسِ الْبِنَاءِ، وَتَمْهِيدُ أُصُولِ الْحِيطَانِ وَسِيلَةً إلَى كَمَالِ صُورَةِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ غَرَضُ الْمُهَنْدِسِينَ وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكَمَالِ نُقْصَانٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّبُوَّةِ وَالشَّرِيعَةِ، وَغَيْرُهُ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ لَهُ وَكَانَتْ شَرِيعَتُهُ عَامَّةً لِكَافَّةِ النَّاسِ عَلَى مَا قَالَ بِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وَغَرَضُ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ اتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ فَكَانَ الْكُلُّ تَابِعًا لَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عِيسَى ﵇ حِينَ يَنْزِلُ إلَى الدُّنْيَا يَدْعُو النَّاسَ إلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﵇ لَا إلَى شَرِيعَةِ نَفْسِهِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَاتِلُ الدَّجَّالَ وَالْقِتَالُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَتِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَصْلًا فِي الشَّرَائِعِ ثُمَّ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَكَانَ وَارِثًا لِمَا مَضَى مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ مُسْتَدِلًّا بِإِشَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] أَشَارَ إلَى أَنَّ شَرَائِعَ مَنْ قَبْلَنَا إنَّمَا تَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهَا شَرِيعَةٌ لِنَبِيِّنَا لَا أَنَّهَا بَقِيَتْ شَرَائِعَ لَهُمْ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْمُوَرِّثِ إلَى الْوَارِثِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ وَمُضَافًا إلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُوَرِّثِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَمَحَاسِنُ الشَّرِيعَةِ مِثْلُ إيجَابِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَنَحْوِهَا وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ مِثْلُ الْعَفْوِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْمُسِيءِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى مَا تَضَمَّنَ بَيَانَهُمَا كِتَابُ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَكِتَابُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَقِيلَ: مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ فِي ثَلَاثَةٍ: إعْطَاءُ مَنْ يَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ يَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّنْ اعْتَدَى عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ حَكِيمُ الْعَجَمِ مَوْدُودُ بْنُ آدَمَ النَّسَائِيّ إنَّك سَمَّيْت

стр. 935

إلَّا أَنَّ التَّحْرِيفَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ ظَاهِرًا وَكَذَلِكَ الْحَسَدُ وَالْعَدَاوَةُ وَالتَّلْبِيسُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَوَقَعَتْ الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِمْ فَشَرَطْنَا فِي هَذَا أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ احْتِيَاطًا فِي بَابِ الدِّينِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مِنْ الْأَقْوَالِ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَالَ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَجْرِي هَذَا، وَقَدْ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي تَصْحِيحِ الْمُهَايَأَةِ وَالْقِسْمَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] . وَقَالَ ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] فَاحْتَجَّ بِهَذَا النَّصِّ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ نَظِيرُهُ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا يَقَعُ بِهِ خَتْمُ بَابِ السُّنَّةِ. ــ [كشف الأسرار] نِدَاد ذَرْ بخشش، وَإِنَّك بايت بِرَنْدِ سِرّ بخشش، وَإِنَّك زَهِرَتْ دهد بِدُودِهِ فَتِدْ، وَإِنَّك أزتوبر دند وبيوند تاشوي درجهان وَصَلِّ وَفِرَاق دفترى أَزّ مَكَارِم أَخْلَاق ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ أَصْلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ الْمُتَقَدِّمَةَ صَارُوا بِبَعْثِ نَبِيِّنَا بِمَنْزِلَةِ أُمَّتِهِ فِي لُزُومِ اتِّبَاعِ شَرِيعَتِهِ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً وَأَنَّ شَرَائِعَهُمْ قَدْ انْتَهَتْ بِشَرِيعَتِهِ وَصَارَتْ مِيرَاثًا لَهُ وَالتَّهَوُّكُ التَّحَيُّرُ وَالتَّحَوُّكُ أَيْضًا مِثْلُ التَّهَوُّرِ وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الشَّيْءِ لِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ وَرَوِيَّةٍ فَصَارَ الْأَصْلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْأُلْفَةَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَكَانَ وَارِثًا يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ وَارِثٌ لِمَا مَضَى مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ صَارَ الْأَصْلُ فِي الشَّرَائِعِ الْمُوَافَقَةَ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْمِيرَاثَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْمُوَرِّثِ إلَى الْوَارِثِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَا وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا ﵇ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِرْثِ وَمَعْرُوفٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْعَمَلُ بِمَا وَجَدَهُ صَحِيحًا فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْكُتُبِ غَيْرَ مُحَرَّفٍ كَرَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَنَصَّهُ بِقَوْلِهِ أَنَا أَحَقُّ بِإِحْيَاءِ سُنَّةٍ أَمَاتُوهَا عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَى أَنَّ ذَلِكَ صَارَ شَرِيعَةً لَهُ إلَّا أَنَّهُ زِيدَ فِي شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ لِإِيجَابِ الرَّجْمِ الْإِسْلَامُ وَلِمِثْلِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ حُكْمُ النَّسْخِ عِنْدَنَا فَبِبَيَانِ هَذَا أَيْ مَا قُلْنَا مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَالْأُلْفَةِ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْأَصْلُ. وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ التَّحْرِيفَ أَيْ التَّغْيِيرَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ بِمَعْنَى لَكِنْ وَبَيَانٌ لِلْمُخْتَارِ مِنْ الْأَقْوَالِ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أَيْ اتَّبِعُوهَا وَاحْفَظُوهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٥] يَتَّصِلَانِ بِقَوْلِهِ فَصَارَ الْأَصْلُ الْمُوَافَقَةَ وَالْأُلْفَةَ فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ وَقَدْ امْتَنَعَ ثُبُوتُهَا مِلَّةً لَهُ لِلْحَالِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فَثَبَتَ أَنَّهَا مِلَّتُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ فَبَقِيَتْ حَقًّا كَذَلِكَ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﵇ كَالْمَالِ الْمَوْرُوثِ مُضَافًا إلَى الْوَارِثِ لِلْحَالِ وَهُوَ عَيْنُ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ لَا مِلْكٌ آخَرُ لَكِنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْمَالِكِ يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ فَكَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّهُ احْتَجَّ فِي تَصْحِيحِ الْمُهَايَأَةِ وَالْقِسْمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ صَالِحٍ ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] وَقَوْلِهِ ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا احْتَجَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ اعْتِقَادِهِ بَقَاءَ ذَلِكَ الْحُكْمِ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنَا ﵇، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَحْكَامَ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا شَرَائِعَ مَنْ قَبْلَهُ ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الْمُهَايَأَةَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْقِسْمَةَ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ وَنَبِّئْهُمْ دَلِيلُ جَوَازِ الْقِسْمَةِ وَقَوْلَهُ إخْبَارًا ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُهَايَأَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفَيْنِ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ ذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدًا اسْتَدَلَّ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ أَيْ قِسْمَةِ الشُّرْبِ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَالْمُهَايَأَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْهَيْئَةِ وَهِيَ الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ لِلْمُتَهَيِّئِ لِلشَّيْءِ كَأَنَّ الْمُتَهَايِئَيْنِ لَمَّا تَوَاضَعَا عَلَى أَمْرٍ رَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ

стр. 936

(بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ) (النَّبِيِّ ﵇) (وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ قَالَ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: لَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ إلَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقَلَّدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فِي التَّقْلِيدِ فَقَلَّدَ الْخُلَفَاءَ ﵃ وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنَّ إعْلَامَ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ خِلَافُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْحَامِلِ: إنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ خِلَافُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ: إنَّهُ ضَامِنٌ وَرَوَيَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَخَالَفَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالرَّأْيِ. ــ [كشف الأسرار] بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَارَهَا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمُغْرِبِ. وَفِي الطِّلْبَةِ الْمُهَايَأَةُ مُقَاسَمَةُ الْمَنَافِعِ وَهِيَ أَنْ يَتَرَاضَى الشَّرِيكَانِ يَنْتَفِعُ هَذَا بِهَذَا النِّصْفِ الْمُفْرَزِ وَذَاكَ بِذَلِكَ النِّصْفِ وَهَذَا بِكُلِّهِ فِي كَذَا مِنْ الزَّمَانِ وَذَاكَ بِكُلِّهِ فِي كَذَا مِنْ الزَّمَانِ بِقَدْرِ الْأَوَّلِ بِمَا هُوَ نَظِيرُهُ أَيْ فِيمَا هُوَ نَظِيرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَالطَّاحُونَةِ وَالْبِئْرِ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ قَوْلُهُ وَمَا يَقَعُ بِهِ بَابُ السُّنَّةِ. [بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ] [تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ] (بَابُ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ) ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَمَّا كَانَتْ شُبْهَةُ السَّمَاعِ نَاسَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِآخِرِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ إذْ الشَّبَهُ بَعْدَ الْحَقِيقَةِ فِي الرُّتْبَةِ لَا خِلَافَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إمَامًا كَانَ أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا لَيْسَ بِحَجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ حُجَّةٌ وَتَقْلِيدُهُ وَاجِبٌ يُتْرَكُ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ أَوْ بِمَذْهَبِهِ الْقِيَاسُ وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي الْيُسْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ لِيُسْتَدْرَكَ بِهِ عِلْمٌ أَوْ لِيُسْتَنْبَطَ وَآرَاؤُهُمْ أَوْلَى مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا؛ لِأَنْفُسِنَا وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَوْلَى، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَوْلَى وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ وَالْأَكْبَرِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ عِلْمِهِ يُقَوِّي اجْتِهَادَهُ وَيُبْعِدُهُ عَنْ التَّقْصِيرِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ إلَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ عَلَى مَا يُشِيرُ تَقْرِيرُهُ فِي التَّقْوِيمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَيْ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ لَا يُقَلَّدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَيْ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَهَذَا اللَّفْظُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُشِيرُ إلَى عَدَمِ جَوَازِهِ أَيْضًا وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ التَّقْلِيدَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُهُ. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُجَّةُ فِي الْقِيَاسِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ أَوْ كَانَ مَعَ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ وَالْجَلِيُّ يُخَالِفُ قَوْلَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: الْقِيَاسُ أَوْلَى وَمِنْهُمْ أَيْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَصَّلَ فِي التَّقْلِيدَ أَيْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فَقَلَّدَ أَيْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَمْثَالِهِمْ أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ وَالتَّخْصِيصِ بِتَشْرِيفِ مِثْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃ وَمَنْ قَلَّدَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَلَّدَ الشَّيْخَيْنِ لَا غَيْرُ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ أَقْرَانِهِ خِلَافُ ذَلِكَ أَمَّا إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ وَلَكِنْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ. قَوْلُهُ (وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا) يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا ﵏ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْتَقِرَّ مَذْهَبُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ رِوَايَةٌ ظَاهِرَةٌ فِيهَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي إعْلَامِ

стр. 937

وَقَدْ اتَّفَقَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ فَقَدْ قَالُوا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ وَأَفْسَدُوا شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ عَمَلًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ ــ [كشف الأسرار] قَدْرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ أَيْ تَسْمِيَةِ مِقْدَارِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُشَارًا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلُغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْعِبَارَةِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَالْإِعْلَامُ بِالْعِبَارَةِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا بِالْإِشَارَةِ فَعَمِلَا بِالْقِيَاسِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ خِلَافُهُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ شَرَطَ الْإِعْلَامَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِجَوَازِ السَّلَمِ وَقَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْحَامِلِ أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهَا غَيْرُ مَرْجُوٍّ إلَى زَمَانِ وَضْعِ الْحَمْلِ كَمَا هُوَ غَيْرُ مَرْجُوٍّ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ إلَى زَمَانِ الْبُلُوغِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَامَ الشَّهْرُ فِي حَقِّهَا مَقَامَ الطُّهْرِ أَوْ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فِي كَوْنِهِ زَمَانَ تَجَدُّدِ آخَرَ عَنْهُ بِخِلَافِ مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهَا مَرْجُوٌّ سَاعَةً فَسَاعَةً فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الشَّهْرِ فِي حَقِّهَا مَقَامَ تَجَدُّدِ آخَرَ عَنْهُ فَعَمِلَا بِالْقِيَاسِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ﵀ لَا تَطْلُقُ لِلسُّنَّةِ إلَّا وَاحِدَةً بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵃ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا ضَاعَ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ الْهَلَاكُ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالْغَرَقِ الْغَالِبِ وَالْحَرْقِ الْغَالِبِ وَالْغَارَةِ الْعَامَّةِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ وَرَوَيَا ذَلِكَ أَيْ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، فَإِنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْخَيَّاطَ وَالْقَصَّارَ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ وَخَالَفَ ذَلِكَ أَيْ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِالرَّأْيِ فَقَالَ: إنَّهُ أَمِينٌ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا كَالْأَجِيرِ الْوَاحِدِ وَالْمُودِعِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ نَوْعَانِ: ضَمَانُ جَبْرٍ وَضَمَانُ شَرْطٍ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، وَضَمَانُ الْجَبْرِ يَجِبُ بِالتَّعَدِّي وَالتَّفْوِيتِ، وَضَمَانُ الشَّرْطِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّعَدِّي وَالتَّفْوِيتِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ الْمَالِكِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ وَالْحِفْظُ لَا يَكُونُ خِيَانَةً وَلَمْ يُوجَدْ عَقْدٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ أَيْضًا فَبَقِيَتْ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ فَلَا يَضْمَنُ بِالْهَلَاكِ كَالْوَدِيعَةِ. (قَوْلُهُ وَقَدْ اتَّفَقَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا) يَعْنِي الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ أَيْ بِالرَّأْيِ مِثْلُ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَقَدْ رَوَوْا أَكْثَرَ النِّفَاسِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِقَوْلِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إلَّا أَنَّ النِّفَاسَ لَمَّا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ لِكَوْنِهِ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ هَذَا الْقَائِل فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ وَرَوَوْا ذَلِكَ أَيْ تَعَدِّيَ الْحَيْضِ عَنْ أَنَسٍ وَعُثْمَانَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ إلَى عُثْمَانَ صَرِيحًا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵃ وَأَفْسَدُوا شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ يَعْنِي قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَنِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي جَوَازَهُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ قَدْ تَمَّ بِالْقَبْضِ لِلْمُشْتَرِي فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِمَا شَاءَ كَالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ وَكَالْبَيْعِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ مِنْهُ عَمَلًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَهُوَ مَا رَوَتْ أُمُّ يُونُسَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عَائِشَةَ ﵂ وَقَالَتْ: إنِّي بِعْت مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ خَادِمًا

стр. 938

أَمَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ حَمْلًا لِذَلِكَ عَلَى التَّوْقِيفِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرَ هَذَا إلَّا التَّكْذِيبُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لَا مَحَالَةَ فَأَمَّا فِيمَا يُعْقَلُ بِالْقِيَاسِ ــ [كشف الأسرار] بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ فَاحْتَاجَ إلَى ثَمَنِهِ فَاشْتَرَيْته مِنْهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِئْسَمَا شَرَيْت وَاشْتَرَيْت أَبْلَغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ جِهَادَهُ وَحَجَّهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ فَأَتَاهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مُعْتَذِرًا فَتَلَتْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَمَّا كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهَا تَعَيَّنَ جِهَةُ السَّمَاعِ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا جَعَلَتْ جَزَاءَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ هَذَا الْعَقْدِ بُطْلَانَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأَجْزِئَةُ الْجَرَائِمِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتِذَارُ زَيْدٍ إلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضًا فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَمَا كَانَ يَعْتَذِرُ إلَى صَاحِبِهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَقْوَالِ شَرَعَ فِي إقَامَةِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهَا وَبَدَأَ بِمَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهِ فَقَالَ: أَمَّا فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ نَحْوُ الْمَقَادِيرِ وَغَيْرِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِيهِ حَمْلًا لِقَوْلِهِ عَلَى التَّوْقِيفِ أَيْ السَّمَاعِ وَالتَّنْصِيصِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِمْ الْمُجَازَفَةَ فِي الْقَوْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَإِنَّ طَرِيقَ الدِّينِ مِنْ النُّصُوصِ إنَّمَا انْتَقَلَ إلَيْنَا بِرِوَايَتِهِمْ وَفِي حَمْلِ قَوْلِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ قَوْلٌ بِفِسْقِهِمْ وَذَلِكَ يُبْطِلُ رِوَايَتَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الرَّأْيُ وَالسَّمَاعُ مِمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي هَذَا الْبَابِ فَتَعَيَّنَ السَّمَاعُ وَصَارَ فَتْوَاهُ مُطْلَقَةً كَرِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ سَمَاعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ فَكَذَا إذَا أَفْتَى بِهِ وَلَا طَرِيقَ لِفَتْوَاهُ إلَّا السَّمَاعُ، فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُ إنَّمَا أَفْتَى لِخَبَرٍ ظَنَّهُ دَلِيلًا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَمَعَ جَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ كَالِاجْتِهَادِ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ كَالْمَسْمُوعِ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ. وَأَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي حَقِّ التَّابِعِيِّ وَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ إذْ لَا يُظَنُّ الْمُجَازَفَةُ فِي الْقَوْلِ بِالْمُجْتَهِدِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الْكَذِبِ ثُمَّ لَا يَكُونُ فَتْوَاهُ حُجَّةً فِيمَا لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ كَمَا لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ. قُلْنَا هَذَا مَحْمَلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَاحْتِيَاطَهُمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَدِقَّةَ نَظَرِهِمْ فِيهَا يَرُدُّ ذَلِكَ كَيْفَ وَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ رِوَايَتِهِمْ وَتَرْكِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ ظَنَّ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ دَلِيلًا وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ لِلْفَتْوَى مِنْ بَابِ الْمُسَاهَلَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَتَرْكِ الِاحْتِيَاطِ، وَرِوَايَةُ الْمُتَسَاهِلِ لَا تُقْبَلُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ بِهِمْ فَاسِدٌ لَا يُؤَدِّي إلَيْهِ كَذَلِكَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ لِلْقِيَاسِ مَدْخَلٌ فِيهِ لِاحْتِمَالِ السَّمَاعِ وَالرَّأْيِ فَأَمَّا فِيمَا لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ إلَّا جِهَةُ السَّمَاعِ فِيهِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْكُلِّ فَأَمَّا قَوْلُ التَّابِعِيِّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ اتِّصَالِ قَوْلِهِ بِالسَّمَاعِ يَكُونُ بِوَاسِطَةٍ وَتِلْكَ الْوَاسِطَةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَبِدُونِهَا لَا يَثْبُتُ السَّمَاعُ بِوَجْهٍ فَأَمَّا الصَّحَابِيُّ فَقَدْ كَانَ مُصَاحِبًا لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَكَانَ الْأَصْلُ فِي حَقِّهِ السَّمَاعَ فَلَا يُجْعَلُ قَوْلٌ مُنْقَطِعًا عَنْ السَّمَاعِ إلَّا إذَا ظَهَرَ دَلِيلٌ غَيْرُهُ وَهُوَ الرَّأْيُ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَثْبُتُ الِانْقِطَاعُ بِالِاحْتِمَالِ إلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي حَقِّ

стр. 939

فَوَجْهُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ مَشْهُورٌ وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي اجْتِهَادِهِمْ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَقَدْ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَكَانُوا لَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى أَقْوَالِهِمْ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ إنْ أَخْطَأْت فَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ ــ [كشف الأسرار] الصَّحَابِيِّ قَطْعِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ فِي حَقِّنَا لِسَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ وَفِي حَقِّ التَّابِعِيِّ وَمَنْ دُونَهُ ظَنِّيٌّ لِتَخَلُّلِ الْوَاسِطَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ لِتَخَلُّلِهَا أَثَرًا فِي الضَّعْفِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَتْوَى فِيمَا لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ قَدْ وُجِدَ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ نَصٍّ كَمَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ بَلْ إنَّمَا أَفْتَوْا بِنَصٍّ ظَهَرَ لَهُمْ أَيْ بِرَأْيٍ اسْتَنْبَطُوهُ مِنْ نَصٍّ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُمْ قَوْلٌ فِيمَا لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ لَقُلْنَا: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى نَقْلٍ وَلَجَعَلْنَاهُ حُجَّةً أَيْضًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ. ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ قُلْتُمْ فِي الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ فِيهِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَدَّرَ مُدَّةَ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ بِثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ بِسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِالرَّأْيِ وَقَدَّرَ مُدَّةَ وُجُوبِ مَنْعِ الْمَالِ مِنْ السَّفِيهِ الَّذِي لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِالرَّأْيِ وَقَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مُدَّةَ تَمَكُّنِ الرَّجُلِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِالرَّأْيِ وَقَدَّرَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا مَا يَطْهُرُ بِهِ الْبِئْرُ عِنْدَ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ فِيهَا بِعِشْرِينَ دَلْوًا فَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ، وَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ جِهَةُ السَّمَاعِ فِي ذَلِكَ إذَا قَالَهُ صَحَابِيٌّ قُلْنَا: إنَّمَا أَرَدْنَا بِمَا قُلْنَا الْمَقَادِيرَ الَّتِي تَثْبُتُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً دُونَ مِقْدَارٍ يَكُونُ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَإِنَّ الْمَقَادِيرَ فِي الْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ نَحْوُ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ مِمَّا لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِمَّا أَشَرْنَا إلَيْهِ فَأَمَّا مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ لَا يَكُونُ بَالِغًا وَأَنَّ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً يَكُونُ بَالِغًا ثُمَّ التَّرَدُّدُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي إزَالَةِ التَّرَدُّدِ وَهُوَ نَظِيرُ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ وَمَعْرِفَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالتَّقْدِيرِ فِي النَّفَقَةِ، فَإِنَّ لِلرَّأْيِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ دَفْعِ الْمَالِ إلَى السَّفِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . وَقَالَ ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ الْكِبَرِ عَلَى وَجْهٍ يُتَيَقَّنُ مَعَهُ بِنَوْعٍ مِنْ الرُّشْدِ وَذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ ذَلِكَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ جَدًّا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَمَنْ صَارَ فَرْعُهُ أَصْلًا فَقَدْ تَنَاهَى فِي الْأَصْلِيَّةِ نَتَيَقَّنُ لَهُ بِصِفَةِ الْكِبَرِ وَنَعْلَمُ إينَاسَ رُشْدٍ مَا مِنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَغَ أَشُدَّهُ، فَإِنَّهُ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْأَشُدِّ الْمَذْكُورِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ إنَّهُ هَذِهِ الْمُدَّةُ وَكَذَلِكَ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّفْيِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّفْيِ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّمَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيمَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الْمُدَّةِ فَاعْتُبِرَ الرَّأْيُ فِيهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ النِّفَاسِ فَأَمَّا حُكْمُ طَهَارَةِ الْبِئْرِ بِالنَّزْحِ، فَإِنَّمَا عَرَفْنَا بِآثَارِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ فَتْوَى عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنْ النَّزْحِ وَالْكَثِيرِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلرَّأْيِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَتِهِ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ (قَوْلُهُ) فَوَجْهُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ كَذَا تَمَسَّكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ فِيهِمْ الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ ظُهُورًا لَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي اجْتِهَادِهِمْ ثَابِتٌ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَعْصُومِينَ عَنْ الْخَطَأِ كَسَائِرِ

стр. 940

بَلْ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ مِثْلَ مَا عَمِلُوا، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» الْخَبَرَ. وَمَنْ ادَّعَى الْخُصُوصَ احْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اقْتَدُوا بِاَلَّذِينً مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبِمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ اخْتِصَاصِهِمْ مِمَّا دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا ــ [كشف الأسرار] الْمُجْتَهِدِينَ فَكَانَ قَوْلُهُمْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ كَقَوْلِ غَيْرِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَرْجِعُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ فَتْوَاهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ وَكَانُوا لَا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى أَقْوَالِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلْخَطَأِ لَمَا جَازَ لَهُمْ الْمُخَالَفَةُ بِآرَائِهِمْ وَلَوَجَبَ عَلَيْهِمْ دُعَاءُ النَّاسِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَمُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ حَرَامٌ وَالدَّعْوَةُ إلَيْهِ وَاجِبَةٌ كَالدَّعْوَةِ إلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ، فَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ فَثَبَتَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِيهِ ثَابِتٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مُحْتَمِلًا لِلْخَطَأِ لَمْ يَجُزْ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ أَيْ تَقْلِيدُ مِثْلِ الصَّحَابِيِّ وَتَرْكُ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ حَدِيثٍ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ الْأَصْلُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فَرْعُ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَيَتْبَعُونَهُ لَا فَرْعُ أَصْلٍ آخَرَ فَيُخَالِفُونَهُ. وَإِنْ كَانَ عَنْ حَدِيثٍ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَأَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْحَدِيثِ وَبِدُونِ الْبَاقِي يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ وَحُكْمُهُ فَلَا يَتْرُكُ الْحُجَّةَ بِالِاحْتِمَالِ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ لِكَوْنِهِمْ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِمُشَاهَدَتِهِمْ التَّنْزِيلَ وَسَمَاعِهِمْ التَّأْوِيلَ وَوُقُوفِهِمْ عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﵇ وَمُرَادِهِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ إذْ لَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ (بَلْ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ) جَوَابٌ عَمَّا تَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ ﵇: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ» فَقَالَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْجَرْيِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنْ أَخْذِهِمْ الْحُكْمَ مِنْ الْكِتَابِ أَوَّلًا ثُمَّ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ اسْتِعْمَالُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ لَا تَقْلِيدُهُمْ فِي أَقْوَالِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵇ شَبَّهَهُمْ بِالنُّجُومِ، وَإِنَّمَا يُهْتَدَى بِالنُّجُومِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا أَنَّ نَفْسَ النَّجْمِ يُوجِبُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَذَا النَّصُّ عَمَّ الصَّحَابَةَ وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَأَعْرَابٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَهْلَ الْبَصَرِ وَأَهْلُ الْبَصَرِ عَمِلُوا بِالرَّأْيِ بَعْدَ الْكِتَابِ فِي السُّنَّةِ فَيَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى الْخُصُوصَ) أَيْ وَمَنْ قَالَ بِتَقْلِيدِ الْخُلَفَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» وَبِمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّقْلِيدِ مِنْ اخْتِصَاصِهِمْ أَيْ اخْتِصَاصِ الْخُلَفَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ بِفَضَائِلَ مِمَّا دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ وُجُوبِ تَقْلِيدِهِمْ. وَكَلِمَةُ " مِنْ " فِي " مِمَّا " بَيَانٌ لِلِاخْتِصَاصِ وَفِي مِنْ اخْتِصَاصِهِمْ بَيَانٌ بِمَا رُوِيَ يَعْنِي لِلتَّمَسُّكِ وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي اخْتِصَاصِهِمْ بِالْفَضَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الِاقْتِدَاءَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي وَرَضِيت لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ»

стр. 941

وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الْعَمَلَ بِرَأْيِهِمْ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا احْتِمَالُ السَّمَاعِ وَالتَّوْقِيفِ وَذَلِكَ أَصْلٌ فِيهِمْ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّأْيِ ــ [كشف الأسرار] «وَلِكُلِّ شَيْءٍ فَارِسٌ وَفَارِسُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ» «وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» لَا الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُوجِبُ نَفْسَ الْفَضِيلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ بِلَالٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ إلَى سَلْمَانَ أَشْوَقُ مِنْ سَلْمَانَ إلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى زُهْدِ عِيسَى فَلْيَنْظُرْ إلَى زُهْدِ أَبِي ذَرٍّ» وَأَمْثَالُهَا. قَوْلُهُ (وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ) احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] مَدَحَ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ التَّابِعُونَ لَهُمْ هَذَا الْمَدْحَ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ إلَى رَأْيِهِمْ دُونَ الرُّجُوعِ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ الْمَدْحِ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا بِاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي قَوْلٍ وُجِدَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ بَعْضِهِمْ فِيهِ خِلَافٌ، فَأَمَّا الَّذِي فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يَكُونُ مَوْضِعَ اسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ بِاتِّبَاعِ الْبَعْضِ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ بِتَرْكِ اتِّبَاعِ الْبَعْضِ فَوَقَعَ التَّعَارُضُ فَكَانَ النَّصُّ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِهِمْ إذَا لَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ ظَاهِرٌ كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَذَكَرَ فِي الْمَطْلَعِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] اتَّبَعُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ وَقِيلَ: يَقْتَدُونَ بِأَعْمَالِهِمْ الْحَسَنَةِ وَلَا يَقْتَدُونَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ يَذْكُرُونَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالرَّحْمَةِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَيَذْكُرُونَ مَحَاسِنَهُمْ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ احْتِمَالَ السَّمَاعِ وَالتَّوْقِيفِ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ ثَابِتٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُفْتِي بِالْخَبَرِ، وَإِنَّمَا يُفْتِي بِالرَّأْيِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَيُشَاوِرُ مَعَ الْقُرَنَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ خَبَرٌ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ اشْتَغَلَ بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ أَيْ السَّمَاعُ أَصْلٌ فِيهِمْ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّأْيِ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَاحِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ فَكَانَ السَّمَاعُ أَصْلًا فِيهِمْ فَلَا يَجْعَلُ فَتْوَاهُمْ مُنْقَطِعَةً عَنْ السَّمَاعِ إلَّا بِدَلِيلٍ قَوْلُهُ (وَكَانُوا يَسْكُتُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُبِينًا عَلَى السَّمَاعِ لَأَسْنَدَهُ إلَى النَّبِيِّ وَقَالَ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ التَّبْلِيغُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ مِنْ عَادَتِهِمْ كِتْمَانُ مَا بُلِّغَ إلَيْهِمْ وَلَمَّا لَمْ يُسْنِدْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُتُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْفَتْوَى إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ خَبَرٌ يُوَافِقُ فَتْوَاهُمْ كَمَا كَانُوا يُسْنِدُونَهُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْكِتْمَانِ إذْ الْوَاجِبُ بَيَانُ الْحُكْمِ عِنْدَ السُّؤَالِ لَا غَيْرُ إلَّا إذَا سُئِلَ عَنْ مُسْتَنَدِ الْحُكْمِ فح يَجِبُ الْإِسْنَادُ، وَإِذَا ثَبَتَ احْتِمَالُ السَّمَاعِ فِي قَوْلِهِ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الرَّأْيِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ صَاحِبِهِ خَبَرٌ يُوَافِقُهُ وَيُقِرُّهُ فَكَانَ تَقْدِيمُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الرَّأْيِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالثَّانِي وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَلِاحْتِمَالِ فَضْلِ إصَابَتِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ كَانَ صَادِرًا عَنْ الرَّأْيِ فَرَأْيُ الصَّحَابَةِ أَقْوَى مِنْ رَأْيِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا طَرِيقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَشَاهَدُوا الْأَحْوَالَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا النُّصُوصُ وَالْمَحَالَّ

стр. 942

وَقَدْ كَانُوا يَسْكُتُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ وَلِاحْتِمَالِ فَضْلِ إصَابَتِهِمْ فِي نَفْسِ الرَّأْيِ فَكَانَ هَذَا الطَّرِيقُ هُوَ النِّهَايَةَ فِي الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ لِيَكُونَ السُّنَّةُ بِجَمِيعِ وُجُوهِهَا وَشِبْهِهَا مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ ثُمَّ الْقِيَاسُ بِأَقْوَى وُجُوهِهِ حُجَّةً وَهُوَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ بِأَثَرِهِ الثَّابِتِ شَرْعًا فَقَدْ ضَيَّعَ الشَّافِعِيُّ عَامَّةً وُجُوهَ السُّنَنِ ثُمَّ مَالَ إلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ قِيَاسُ الشَّبَهَ وَهُوَ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِإِضَافَةِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ فَمَا هُوَ إلَّا كَمَنْ تَرَكَ الْقِيَاسَ وَعَمِلَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَجَعَلَ الِاحْتِيَاطَ مَدْرَجَةً إلَى الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ ــ [كشف الأسرار] الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِاعْتِبَارِهَا الْأَحْكَامُ وَلِأَنَّ لَهُمْ زِيَادَةَ جِدٍّ وَحِرْصٍ فِي بَذْلِ مَجْهُودِهِمْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِمَا هُوَ تَثْبِيتُ قِوَامِ الدِّينِ وَزِيَادَةَ احْتِيَاطٍ فِي حِفْظِ الْأَحَادِيثِ وَضَبْطِهَا وَطَلَبِهَا وَالتَّأَمُّلِ فِيمَا لَا نَصَّ عِنْدَهُمْ غَايَةَ التَّأَمُّلِ وَفَضْلَ دَرَجَةٍ لَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ» . وَقَوْلِهِ «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» وَقَوْلِهِ ﵇ «أَنَا أَمَانٌ لِأَصْحَابِي وَأَصْحَابِي أَمَانٌ لِأُمَّتِي» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَلِمِثْلِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَثَرٌ فِي إصَابَةِ الرَّأْيِ وَكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنْ الْخَطَأِ فَبِهَذِهِ الْمَعَانِي تَرَجَّحَ رَأْيُهُمْ عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِمْ وَعِنْدَ تَعَارُضِ الرَّأْيَيْنِ إذَا ظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا نَوْعُ تَرْجِيحٍ وَجَبَ الْأَخْذُ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ رَأْيِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ وَرَأْيِ الْوَاحِدِ مِنَّا يَجِبُ تَقْدِيمُ رَأْيِهِ عَلَى رَأْيِنَا لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ فِي رَأْيِهِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ جِهَةَ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ لَظَهَرَ لِاتِّحَادِ مَكَانِهِمْ وَطَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَمُشَاوَرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ قُرَنَائَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ صَاحِبِهِ خَبَرٌ يَمْنَعُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ، وَلَوْ ظَهَرَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ لَوَصَلَ إلَيْنَا مِنْ جِهَةِ التَّابِعِينَ لِنَصْبِ أَنْفُسِهِمْ لِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَلَوْ تَحَقَّقَ الْإِجْمَاعُ يَجِبُ الْعَمَلُ قَطْعًا، فَإِذَا تَرَجَّحَ جِهَةُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِقِيَاسٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَبِمَا ذَكَرْنَا خُرِّجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَتْ الدَّلَائِلُ الْمُحْتَمَلَةُ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَعَ احْتِمَالِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ فَكَذَا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَذَلِكَ وَلَكِنَّ كَلَامَنَا وَقَعَ فِيمَا إذَا وُجِدَ مِنْ الصَّحَابِيِّ وَلَمْ يَظْهَرْ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا خِلَافُ غَيْرِهِ إيَّاهُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ. ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْ غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ لِمُسَاوَاتِهِ إيَّاهُ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ لِوُجُودِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي مَرَّتْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا كَانَ عِنْدَ مُجْتَهِدٍ أَنَّ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الرَّأْيِ أَعْلَمُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَدَعُ رَأْيَهُ لِرَأْيِ مَنْ عَرَفَ زِيَادَةَ قُوَّةٍ فِي اجْتِهَادِهِ كَمَا أَنَّ الْعَامِّيَّ يَدَعُ رَأْيَهُ لِرَأْيِ الْمَعْنِيِّ الْمُجْتَهِدِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَدَعُ الْمُجْتَهِدُ فِي زَمَانِنَا رَأْيَهُ لِرَأْيِ مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ وَفِي مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ مِنَّا وَالْمُجْتَهِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَةِ لَا يَخْفَى فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ فَهُمْ قَدْ شَاهَدُوا أَحْوَالَ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَسَمِعُوا مِنْهُ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَيْنَا بِخَبَرِهِمْ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ تَأْوِيلَ الصَّحَابِيِّ لِلنَّصِّ لَا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى تَأْوِيلِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَكَذَلِكَ فِي الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ قُلْنَا: إنَّ التَّأْوِيلَ يَكُونُ بِالتَّأَمُّلِ فِي وُجُوهِ اللُّغَةِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ وَلَا مِزْيَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْبَابِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُ مِنْ مَعَانِي اللِّسَانِ فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ التَّأَمُّلُ فِي النُّصُوصِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَلِأَجْلِهِ يَظْهَرُ لَهُمْ الْمِزْيَةُ

стр. 943

فَصَارَ الطَّرِيقُ الْمُتَنَاهِي فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعِهَا عَلَى الْكَمَالِ هُوَ طَرِيقَ أَصْحَابِنَا بِحَمْدِ اللَّهِ إلَيْهِمْ انْتَهَى الدِّينُ بِكَمَالِهِ وَبِفَتْوَاهُمْ قَامَ الشَّرْعُ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ بِخِصَالِهِ لَكِنَّهُ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا يَقْطَعُهُ كُلُّ سَانِحٍ وَالشُّرُوطُ كَثِيرَةٌ لَا يَجْمَعُهَا كُلُّ طَالِبٍ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي كُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ بَلَغَ غَيْرَ قَائِلِهِ فَسَكَتَ مُسَلِّمًا لَهُ، فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَإِنَّ الْحَقَّ فِي أَقْوَالِهِمْ لَا يَعْدُوهُمْ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَسْقُطُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ بِالتَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا وَلَمْ تَجْرِ الْمُحَاجَّةُ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ سَقَطَ احْتِمَالُ التَّوْقِيفِ وَتَعَيَّنَ وَجْهُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَصَارَ تَعَارُضُ أَقْوَالِهِمْ كَتَعَارُضِ وُجُوهِ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّرْجِيحَ فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِأَيِّهَا شَاءَ الْمُجْتَهِدُ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا غَيْرُ ثُمَّ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالثَّانِي مِنْ بَعْدُ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الْمُعَارَضَةِ وَأَمَّا التَّابِعِيُّ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْفَتْوَى فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُزَاحِمْهُمْ فِي الرَّأْيِ كَانَ أُسْوَةَ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنْ السَّلَفِ لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ ــ [كشف الأسرار] بِمُشَاهَدَةِ أَحْوَالِ الْخِطَابِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ أُمُورٌ بَاطِنَةٌ، وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ مُسْتَقِيمٌ عِنْدَنَا وَلَكِنْ فِي مَوْضِعٍ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْبَاطِنِ فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُمَا جَمِيعًا فَلَا شُبْهَةَ أَنَّ اعْتِبَارَهُمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى مُجَرَّدِ اعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَفِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ اعْتِبَارُهُمَا وَفِي الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ اعْتِبَارُ الظَّاهِرِ فَقَدْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى كَذَا قَرَّرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. قَوْلُهُ (فَكَانَ هَذَا الطَّرِيقُ) أَيْ إيجَابُ مُتَابَعَةِ الصَّحَابِيِّ وَتَقْلِيدِهِمْ أَوْ الطَّرِيقُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي بَابِ السُّنَّةِ مِنْ قَبُولِ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ رِوَايَةً وَالْمَعْرُوفِ وَالْمَجْهُولِ وَإِيجَابِ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ هُوَ النِّهَايَةُ فِي الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ لِيَكُونَ لِلسُّنَّةِ بِجَمِيعِ وُجُوهِهَا مِنْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْآحَادِ وَالْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ وَغَيْرِهَا وَشَبَهِهَا مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ ثُمَّ الْقِيَاسُ أَيْ ثُمَّ يَكُونُ الْقِيَاسُ بِأَقْوَى وُجُوهِهِ وَهِيَ الْإِحَالَةُ وَالسُّنَّةُ وَالطَّرْدُ وَالْقِيَاسُ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ حُجَّةً بَعْدَ جَمِيعِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ وَشَبَهِهَا فَقَدْ ضَيَّعَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَامَّةَ وُجُوهِ السُّنَنِ، فَإِنَّهُ رَدَّ الْمَرَاسِيلَ مَعَ كَثْرَتِهَا وَلَمْ يَقْبَلْ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ مِنْ الْقُرُونِ الْأُولَى مَعَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ ﵇ لَهُمْ بِالْخَيْرِيَّةِ وَفِيهِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَّةِ وَلَمْ يَرَ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ إعْرَاضٌ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةُ السَّمَاعِ لِإِضَافَةِ الْوُجُوبِ أَيْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إلَيْهِ كَمَنْ تَرَكَ الْقِيَاسَ أَيْ لَمْ يُجَوِّزْ الْعَمَلَ بِهِ وَعَمِلَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ مِثْلُ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيِّ الظَّاهِرِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فَجَعَلَ أَيْ الشَّافِعِيُّ الِاحْتِيَاطَ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْمَرَاسِيلَ وَرِوَايَةَ الْمَجْهُولِ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ احْتِيَاطًا مَدْرَجَةً أَيْ طَرِيقًا وَوَسِيلَةً إلَى الْوُقُوعِ فِي الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ وَهُوَ قِيَاسُ الشَّبَهِ وَفِي أَصْلِهِ شُبْهَةٌ أَيْ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ شُبْهَةٌ فَفِي قِيَاسِ الشَّبَهِ أَوْلَى أَوْ جَعْلِهِ وَسِيلَةً إلَى الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ وَهُوَ نَفْسُ الْقِيَاسِ، وَإِنَّهُ مُظْهِرٌ وَلَيْسَ بِمُثْبِتٍ وَفِي أَصْلِهِ شَبَهٌ أَنَّهُ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ إنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي طَرِيقِهَا قَامَ الشَّرْعُ بِخِصَالِهِ أَيْ مُلْتَبِسًا بِخِصَالِهِ وَهِيَ مَحَاسِنُهُ وَأَحْكَامُهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّكُمْ قَدَّمْتُمْ شُبْهَةَ السَّمَاعِ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ أَوْجَبْتُمْ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ ثُمَّ قَدَّمْتُمْ الْقِيَاسَ عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَاعِ فِي حَدِيثِ الْمُصِرَّاتِ وَأَمْثَالِهِ مَعَ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَالْعَدَالَةِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَجَلِّ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا الْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ تَقْلِيدُ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِ عَلَى الْقِيَاسِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ التَّقْلِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ تَقْلِيدُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ الْإِيمَانِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَلَكِنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَائِهِمْ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ وَفِي شَرْحِ الْبُيُوعِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ إعْلَامِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَوْلُ الْفَقِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَفِي بَابِ الْبَيْعِ إذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَنَا وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي

стр. 944

وَإِنْ ظَهَرَ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَانَ مِثْلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِتَسْلِيمِهِمْ مُزَاحَمَتَهُ إيَّاهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ وَهُوَ دُونَهُمْ لِعَدَمِ احْتِمَالِ التَّوْقِيفِ فِيهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ شُرَيْحًا خَالَفَ عَلِيًّا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْحَسَنِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ لَهُ فِي الْمَشُورَةِ قُلْ أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَبْظَرُ وَخَالَفَ مَسْرُوقٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي النَّذْرِ بِنَحْرِ الْوَلَدِ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى فَتْوَاهُ وَلِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِهِمْ دَخَلَ فِي جُمْلَتِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ -. ــ [كشف الأسرار] كَالنُّجُومِ» أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْهُمْ أَيْ أَهْلُ الرَّأْيِ وَهُمْ الْفُقَهَاءُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ فُقَهَاؤُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ انْدَفَعَ التَّنَاقُضُ فَكَانَ قَوْلُهُ عَلَى احْتِمَالِ السَّمَاعِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ كَمَا إذَا رُوِيَ خَبَرٌ أَوْ عَلَى احْتِمَالِ عَدَمِهِ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا كَانَ مُقَدَّمًا فِيمَا إذَا كَانَ الرَّاوِي غَيْرَ فَقِيهٍ إذَا انْسَدَّ بَابُ الرَّأْيِ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَهَاهُنَا لَمْ يَنْسَدَّ بِقَوْلِهِ بَابُ الرَّأْيِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنَّهُ قَالَهُ عَنْ رَأْيٍ كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَوْ لَزِمَ مِنْهُ انْسِدَادُ بَابِ الرَّأْيِ لَا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا إلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا الْعَلَامَةُ مَوْلَانَا حَافِظُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ مَحَلَّ النِّزَاعِ فَقَالَ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ أَيْ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي كَذَا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابِيِّ قَوْلٌ فِي حَادِثَةٍ لَمْ تَحْتَمِلْ الِاشْتِهَارَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَقَعُ بِهَا الْبَلْوَى وَالْحَاجَةُ لِلْكُلِّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ مَا اُشْتُهِرَ عَادَةً ثُمَّ ظَهَرَ نَقْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّابِعِينَ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي حَادِثَةٍ مِنْ حَقِّهَا الِاشْتِهَارُ لَا مَحَالَةَ وَلَا تَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ بِأَنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ وَالْبَلْوَى يَعُمُّ الْعَامَّةَ وَاشْتُهِرَ مِثْلُهَا فِيمَا بَيْنَ الْخَوَاصِّ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ مِنْ غَيْرِهِ فِيهِ فَهَذَا إجْمَاعٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْإِجْمَاعِ وَكَذَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَالْحَقُّ لَا يَعْدُو أَقَاوِيلَهُمْ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا وَرَدَ قَوْلٌ مِنْ صَحَابِيٍّ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَلَمْ يُنْقَلْ مِنْ غَيْرِهِ تَسْلِيمٌ وَلَا إنْكَارٌ وَرَدٌّ إذْ لَوْ كَانَ وُرُودُهُ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ كَانَ حُجَّةً بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَوْ نُقِلَ مِنْ غَيْرِهِ تَسْلِيمٌ كَانَ إجْمَاعًا فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ وَلَوْ نُقِلَ مِنْ غَيْرِهِ رَدٌّ، وَإِنْكَارٌ كَانَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّرْجِيحَ أَوْ الْعَمَلَ عِنْدَ تَعَذُّرِ التَّرْجِيحِ بِأَيِّهَا شَاءَ وَعَدَمُ جَوَازِ إحْدَاثِ قَوْلٍ آخَرَ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذَا عُمِلَ بِذَلِكَ أَيْ بِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ فَوَجَبَ نَقْضُ الْأَوَّلِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمٍ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ كَانَ أُسْوَةً أَيْ مِثْلُ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ يُقَالُ: هُمْ أُسْوَةٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَيْ مُتَسَاوُونَ وَذُكِرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْأُسْوَةَ بِمَعْنَى التَّبَعِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. [تَقْلِيد التَّابِعِينَ] قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ظَهَرَ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ) كَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ وَمَسْرُوقٍ وَعَلْقَمَةَ كَانَ مِثْلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ مِثْلَ الصَّحَابَةِ فِي وُجُوبِ التَّقْلِيدِ عَنْ الْبَعْضِ. ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ فِي تَقْلِيدِ التَّابِعِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَا أُقَلِّدُهُمْ هُمْ رِجَالٌ اجْتَهَدُوا وَنَحْنُ رِجَالٌ نَجْتَهِدُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِيَةُ مَا ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَأَفْتَى فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى وَسَوَّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ فَأَنَا أُقَلِّدُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَوَّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى صَارَ مِثْلَهُمْ بِتَسْلِيمِهِمْ مُزَاحَمَتَهُ إيَّاهُمْ أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا تَحَاكَمَ إلَى شُرَيْحٍ وَكَانَ عُمَرُ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ فَخَالَفَ عَلِيًّا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْحَسَنِ لَهُ لِلْقَرَابَةِ وَكَانَ مِنْ رَأْيِ

стр. 945

(بَابُ الْإِجْمَاعِ) الْكَلَامُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي رُكْنِهِ وَأَهْلِيَّةِ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ وَسَبَبِهِ وَأَمَّا رُكْنُهُ فَنَوْعَانِ عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّكَلُّمُ مِنْهَا بِمَا يُوجِبُ الِاتِّفَاقَ مِنْهُمْ أَوْ شُرُوعَهُمْ فِي الْفِعْلِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِهِ ــ [كشف الأسرار] عَلِيٍّ ﵁ جَوَازُ شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَخَالَفَ مَسْرُوقٌ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵃ فِي النَّذْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ فَأَوْجَبَ مَسْرُوقٌ فِيهِ شَاةً بَعْدَمَا أَوْجَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَرَجَعَ إلَى قَوْلِ مَسْرُوقٍ وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: سَلُوا عَنْهَا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: سَلُوا عَنْهَا مَوْلَانَا الْحَسَنَ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُسَوِّغُونَ الِاجْتِهَادَ لِلتَّابِعِينَ وَيَرْجِعُونَ إلَى أَقْوَالِهِمْ وَيَعُدُّونَهُمْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَقْلِيدُهُمْ كَتَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً لِاحْتِمَالِ السَّمَاعِ وَلِفَضْلِ إصَابَتِهِمْ فِي الرَّأْيِ بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَذَانِكَ مَفْقُودَانِ فِي حَقِّ التَّابِعِيِّ. وَإِنْ بَلَغَ الِاجْتِهَادَ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَمْثِلَةِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ صَارُوا مِثْلَهُمْ فِي الْفَتْوَى وَزَاحَمُوهُمْ فِيهَا وَأَنَّ الصَّحَابَةَ سَلَّمُوا لَهُمْ الِاجْتِهَادَ وَلَكِنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا وُجُوبُ التَّقْلِيدِ مِنْ احْتِمَالِ السَّمَاعِ وَمُشَاهَدَةِ أَحْوَالِ التَّنْزِيلِ وَبَرَكَةِ صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﵇ مَفْقُودَةٌ فِي حَقِّهِمْ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ بِحَالٍ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى وَجْهٍ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا جَاءَنَا عَنْ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُ يَعْنِي فِي الْفَتْوَى فَنُفْتِي بِخِلَافِ رَأْيِهِمْ بِاجْتِهَادِنَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ حَتَّى لَا يَتِمَّ إجْمَاعُهُمْ مَعَ خِلَافِهِ فَعِنْدَنَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَأَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَعْتَبِرْ رِوَايَةَ النَّوَادِرِ وَالشَّيْخُ اعْتَبَرَهَا وَأَثْبَتَ الْخِلَافَ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ أَبِي حَنِيفَةَ أَقْوَالَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ قُلْنَا: إنَّمَا ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ بِهَذَا الْقَوْلِ مُخْتَرِعًا بَلْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ فِيهِ وَأَنَّهُ وَافَقَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا لِبَيَانِ أَنَّهُ يُقَلِّدُهُمْ وَالْأَبْظَرُ هُوَ الَّذِي فِي شَفَتَيْهِ بُظَارَةٌ وَهِيَ هِنَّةٌ نَابِتَةٌ فِي وَسَطِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا وَلَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ وَقِيلَ الْأَبْظَرُ الصِّحَارُ الطَّوِيلُ اللِّسَانِ وَجَعَلَهُ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ سَبْيُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِجْمَاعِ] [أَرْكَان الْإِجْمَاع] (بَابُ الْإِجْمَاعِ) الْإِجْمَاعُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعَزْمُ يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أَيْ اعْزِمُوا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا صِيَامَ لَمَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» أَيْ لَمْ يَعْزِمْ، وَالِاتِّفَاقُ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا أَيْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مُتَصَوَّرٌ مِنْ وَاحِدٍ وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الِاثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا وَفِي الشَّرِيعَةِ قِيلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّفَاقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُوجَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﵇ جُمْلَةُ مَنْ اتَّبَعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ لَا كُلُّهَا وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبًا لِأَحَدٍ وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، فَإِنَّهُ لَوْ خَلَا عَصْرٌ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَاتَّفَقُوا

стр. 946

لِأَنَّ رُكْنَ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَقُومُ بِهِ أَصْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي نَوْعَيْ الْإِجْمَاعِ مَا قُلْنَا. ــ [كشف الأسرار] عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا شَرْعِيًّا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ انْطِبَاقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ وَغَيْرَ مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ وَالْمُجْتَهِدِينَ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ كَانَ إجْمَاعًا مَعَ خُرُوجِهِمَا عَنْ هَذَا الْحَدِّ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ دِينِيَّيْنِ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْجُودُونَ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ كَوْنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ إجْمَاعًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ وَقِيلَ هُوَ اجْتِمَاعُ جَمِيعِ آرَاءِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَأُرِيدَ بِالِاتِّفَاقِ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ. وَإِذَا أَطْبَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالَيْنِ عَلَى الِاعْتِقَادِ، وَاحْتَرَزَ بِلَفْظِ الْمُجْتَهِدِينَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ بِالْجَمِيعِ عَنْ اتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ كَالْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ بَعْضِهِمْ وَبِقَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ وَبِقَوْلِهِ فِي عَصْرٍ عَنْ إيهَامِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ إلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعَهُمْ، وَإِنَّمَا قِيلَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ لِيَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ وَالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مُتَصَوَّرٌ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ وَالنَّظَّامُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تَصَوُّرَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ انْتِشَارَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إلَيْهِمْ عَادَةً، فَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ الِاتِّفَاقُ الَّذِي هُوَ فَرْعُ تَسَاوِيهِمْ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ إلَيْهِمْ وَبِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَاطِعٍ أَوْ ظَنٍّ إذْ لَا ثَالِثَ وَلَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنَدٍ، فَإِنْ كَانَ عَنْ قَاطِعٍ فَالْعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ وَتَوَاطُؤِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى إخْفَائِهِ وَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ فَالِاتِّفَاقُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا كَانَ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ يَكُونُ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَحْكَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُوجَدُ سَبَبٌ يَدْعُو إلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ لَوُجِدَ أَيْضًا سَبَبٌ يَدْعُو إلَى إجْمَاعِهِمْ بِاعْتِقَادِ الْأَحْكَامِ، وَالِانْتِشَارُ إنَّمَا يَمْنَعُ عَنْ النَّقْلِ عَادَةً إذَا لَمْ يَكُونُوا مُجِدِّينَ وَبَاحِثِينَ فَأَمَّا إذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَلَا وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ أَيْضًا عَدَمَ نَقْلِ الْقَاطِعِ إذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلِهِ بِدَلَالَةِ غَيْرِهِ عَلَى حُكْمِهِ كَالْإِجْمَاعِ فِي مِثَالِنَا، فَإِنَّهُ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ. وَكَذَا اخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ إنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ الِاتِّفَاقِ فِيمَا هُوَ خَفِيٌّ مِنْ الظَّنِّ لَا فِيمَا هُوَ جَلِيٌّ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَلْ يُؤَدِّي اجْتِهَادُ الْكُلِّ بِالنَّظَرِ فِيهِ إلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَيَبْطُلُ جَمِيعُ مَا ذَكَرُوا بِالْوُقُوعِ، وَإِنَّا نَعْلَمُ عِلْمًا لَا مِرَاءَ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَبِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ إخْفَاءِ التَّسْمِيَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ وَزِيَادَةٌ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ بَلْ وَاقِعٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ رُكْنِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَأَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِهِ أَيْ بِرَأْيِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ إذْ لَا بُدَّ لِكَوْنِ الشَّيْءِ مُعْتَبَرًا مِنْ صُدُورِ رُكْنِهِ مِنْ الْأَهْلِ وَشَرْطُهُ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ

стр. 947

وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَأَنْ يَتَكَلَّمَ الْبَعْضُ وَيَسْكُتَ سَائِرُهُمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ فِي الْحَادِثَةِ وَكَذَلِكَ فِي الْفِعْلِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ ــ [كشف الأسرار] مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنْ الْأَهْلِ وَحُكْمُهُ أَيْ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ وَسَبَبُهُ وَهُوَ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَى الْإِجْمَاعِ الْجَامِعِ لِلْآرَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِمُسْتَنِدِ الْإِجْمَاعِ، عَزِيمَةٌ وَهِيَ مَا كَانَ أَصْلًا فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ إذْ الْعَزِيمَةُ هِيَ الْأَمْرُ الْأَصْلِيُّ وَرُخْصَةٌ وَهِيَ مَا جُعِلَ إجْمَاعًا لِضَرُورَةٍ إذْ مَبْنَى الرُّخْصَةِ عَلَى الضَّرُورَةِ. وَأَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّكَلُّمُ بِمَا يُوجِبُ الِاتِّفَاقَ مِنْهُمْ أَوْ شُرُوعُهُمْ فِي الْفِعْلِ فِيمَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فِيمَا يَسْتَوِي الْكُلُّ فِي الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى الْعَامِّ فِيهِ كَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا أَوْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ الْعَامُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِعَدَمِ الْبَلْوَى الْعَامِّ لَهُمْ فِيهِ كَحُرْمَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَفَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ مِمَّا يَجِبُ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﵇ مَخْرَجَ الشَّرْعِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الشَّرْعُ. وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ فَيَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الشَّرْعَ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ ﵇ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ إذَا وُجِدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ مَا فَعَلُوا وَكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ عَلَى مَا رُوِيَ مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا فَرْضٍ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرُّخْصَةُ) فَكَذَا سُمِّيَ هَذَا الْقِسْمُ رُخْصَةً؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ إجْمَاعًا ضَرُورَةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلَى الْفِسْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي عَصْرٍ إلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ وَمَضَى مُدَّةُ التَّأَمُّلِ فِيهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَعْنِي إذَا فَعَلَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِعْلًا وَعَلِمَ بِهِ أَهْلُ زَمَانِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَيُسَمَّى هَذَا إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ إجْمَاعٌ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا كَانَ تَرْكُ الرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّقِيَّةِ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ الرِّضَاءِ وَتَرْكَ النَّكِيرِ فِي حَالَةِ التَّقِيَّةِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ بَلْ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ رُخْصَةً فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الرِّضَا وَكَذَا السُّكُوتُ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الرَّدِّ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ حَلَالٌ شَرْعًا فَلَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَاءِ فَلِهَذَا شَرَطْنَا مَعَ السُّكُوتِ وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ زَوَالَ التَّقِيَّةِ وَمُضِيَّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ ثُمَّ قَالَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَتِهَا تَكْلِيفٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَتِهَا تَكْلِيفٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَفْضَلُ أَمْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ فِيهَا بِقَوْلٍ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفٌ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ النَّظَرُ فِيهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ صَوَابًا أَوْ خَطَأً فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْإِنْكَارُ إذْ ذَلِكَ الْإِنْكَارُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ عِنْدَ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ خَطَأً. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَنْ يَبْعُدَ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْكَارَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ خَطَأً فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ التَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفٌ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ يَكُونُ سُكُوتُهُمْ تَصْوِيبًا وَرِضَاءً بِذَلِكَ الْحُكْمِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مِنْهُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ مِنْ

стр. 948

وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ حَتَّى قَالَ لَهُ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَوَى لَهُ حَدِيثًا فِي قِسْمَةِ الْفَضْلِ فَلَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا وَشَاوَرَهُمْ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ فَرَأَوْا بِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةَ وَلِأَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ مَهَابَةً كَمَا قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا مَنَعَك أَنْ تُخْبِرَ عُمَرَ بِقَوْلِك فِي الْعَوْلِ فَقَالَ دِرَّتُهُ وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً ــ [كشف الأسرار] النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُحَالِ وَهُوَ الْخَلْفُ فِي إخْبَار اللَّهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَدَحَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَشَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ فَاسِدٌ. ١ - فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ سَوَاءٌ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَصَاحِبِ الْقَوَاطِعِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَقِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُخَالَفْ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ نَسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَيُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ ظَهَرَ الْقَوْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالسَّاكِتُونَ نَفَرٌ يَسِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ انْتَشَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَالسَّاكِتُونَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَنُقِلَ عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إنْ كَانَ ذَلِكَ فَتْوَى وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ مُخَالِفٌ يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنْ كَانَ حُكْمًا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فَتْوَى لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَقَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ أَيْ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ الْكُلِّ لِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ إنْ كَانَ قَوْلِيًّا وَمِنْ شُرُوعِهِمْ جَمِيعًا فِي الْفِعْلِ إنْ كَانَ فِعْلِيًّا وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ أَيْ لَا يَثْبُتُ التَّنْصِيصُ بِالسُّكُوتِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ قَوْلٌ إلَى سَاكِتٍ أَوْ وَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِالسُّكُوتِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا بِالْآثَارِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْآثَارُ فَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُهُ ذُو الْيَدَيْنِ» وَلَوْ كَانَ تَرْكُ النَّكِيرِ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ لَاكْتَفَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمَا اسْتَنْطَقَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا شَاوَرَ الصَّحَابِيَّ فِي مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْغَنَائِمِ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ وَالْإِمْسَاكِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَعَلِيٌّ ﵁ فِي الْقَوْمِ سَاكِتٌ فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَالَ لَمْ نَجْعَلْ يَقِينَك شَكًّا وَعِلْمَك جَهْلًا أَرَى أَنْ تُقَسِّمَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا فَعُمَرُ لَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا وَدَلِيلًا عَلَى الْمُوَافَقَةِ حَتَّى سَأَلَهُ وَاسْتَجَازَ عَلِيٌّ ﵁ السُّكُوتَ مَعَ كَوْنِ الْحَقِّ عِنْدَهُ فِي خِلَافِهِمْ وَمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَبَلَغَ عُمَرُ ﵁ أَنَّهَا تُجَالِسُ الرِّجَالَ وَتُحَدِّثُهُمْ فَأَشْخَصَ إلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَمْصَلَتْ مِنْ هَيْبَتِهِ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا لَا غُرْمَ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ وَمَا أَرَدْت إلَّا الْخَيْرَ وَعَلِيٌّ ﵁ سَاكِتٌ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَقَالَ إنْ كَانَ هَذَا جَهْدُ رَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَئُوا، وَإِنْ قَارَبُوك أَيْ طَلَبُوا قُرْبَتَك

стр. 949

وَلَنَا شَرْطُ النُّطْقِ مِنْهُمْ جَمِيعًا مُتَعَذِّرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ بَلْ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ عَصْرٍ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِبَارُ الْفَتْوَى وَيُسَلِّمُ سَائِرُهُمْ ــ [كشف الأسرار] فَقَدْ غَشُّوك أَيْ خَانُوك أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةُ فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي فَقَدْ اسْتَجَازَ عَلِيٌّ السُّكُوتَ مَعَ إضْمَارِ الْخِلَافِ وَلَمْ يَجْعَلْ عُمَرُ ﵄ سُكُوتَهُ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ حَتَّى اسْتَنْطَقَهُ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ السُّكُوتَ كَمَا يَكُونُ لِلْمُوَافَقَةِ يَكُونُ لِلْمَهَابَةِ وَالتَّقِيَّةِ مَعَ إضْمَارِ الْخِلَافِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا أَظْهَرَ قَوْلَهُ فِي الْعَوْلِ وَقَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ هَلَّا قُلْت هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْعَوْلِ فَقَالَ كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْتُهُ وَفِي رِوَايَةٍ مَنَعَنِي عَنْ ذَلِكَ دِرَّتُهُ وَقَدْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَأَمَّلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ أَيْ لَمْ يَجْتَهِدُوا لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْجِهَادِ أَوْ سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ أَوْ اجْتَهَدُوا فَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ فَتَوَقَّفُوا. وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَمْ يَرَوْا الْإِنْكَارَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ مَعْنًى لِكَوْنِ هَذَا الْقَوْلِ صَوَابًا فِي حَقِّ قَائِلِهِ عِنْدَهُمْ كَالْقَاضِي إذَا قَضَى فِي مَسْأَلَةٍ مُجْتَهِدًا فِيهَا بِرَأْيِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَكَتَ الْمُخَالِفُونَ لَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ الرِّضَاءِ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ الْعَامِلِ أَكْبَرَ سِنًّا وَأَعْظَمَ حُرْمَةً وَأَقْوَى فِي الِاجْتِهَادِ فَلَا يَزُولُ التَّدَارُكُ وَالْإِنْكَارُ مَصْلَحَةً احْتِرَامًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَكُونُ حُجَّةً خُصُوصًا فِيمَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ قَطْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكُوتَ فِيمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ لِكَوْنِهِ مُحْتَمِلًا فَكَذَا فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ خِلَافٌ. ١ - وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ بِأَنَّ سُكُوتَهُمْ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى الْمُوَافَقَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِالْقَوْلِ الْمُنْتَشِرِ فِي الصَّحَابَةِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فَدَلَّ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوهُ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ أَنْ يَجْعَلَ الْأَقَلَّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ، فَإِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ سُكُوتًا يَجْعَلُ ذَلِكَ كَسُكُوتِ الْكُلِّ، وَإِذَا ظَهَرَ الْقَوْلُ مِنْ الْأَكْثَرِ يَجْعَلُ ذَلِكَ كَظُهُورٍ مِنْ الْكُلِّ. وَأَمَّا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَنَّ الْمَوْجُودَ إذَا كَانَ حُكْمًا مِنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ لَا يَدُلُّ السُّكُوتُ مِنْ الْبَاقِينَ عَلَى الرِّضَاءِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُسْقِطُ الِاعْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِنْكَارِ اقْتِيَاتًا عَلَيْهِ قَالَ وَنَحْنُ نَحْضُرُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَنَرَاهُمْ يَقْضُونَ بِخِلَافِ مَذْهَبِنَا وَلَا نُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ سُكُوتُنَا رِضَاءً مِنَّا بِذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُفْتِي، فَإِنَّ فَتْوَاهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَلَا مَانِعَةٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَوَافَقَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَالَ: إنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الصَّادِرَ مِنْ الْحَاكِمِ يَكُونُ عَنْ مَشُورَةٍ وَالصَّادِرَ عَنْ فَتْوَى يَكُونُ عَنْ اسْتِبْدَادٍ، فَإِذَا صَدَرَ الْقَوْلُ عَنْ مُشَاوَرَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَإِذَا صَدَرَ عَنْ اسْتِبْدَادِهِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْجُبَّائِيُّ فَقَالَ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ يُضْعِفُ احْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ سُكُوتُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي مَسْأَلَةٍ ظَنِّيَّةٍ لَكِنَّ اسْتِمْرَارَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَطَوِّرِ يَبْعُدُ وَيُخَالِفُ الْعَادَةَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَكَرَّرُ تَذَاكِيرُ الْوَاقِعَةِ وَالْخَوْضُ فِيهَا لَمْ يُتَصَوَّرْ دَوَامُ السُّكُوتِ مِنْ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ وَلِهَذَا أَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ خِلَافًا فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ مِنْ بَعْدُ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لِصَيْرُورَتِهِ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ: (إنَّ شَرْطَ النُّطْقِ مِنْهُمْ جَمِيعًا مُتَعَذِّرٌ) إلَى آخِرِهِ وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ التَّنْصِيصُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِهِ وَإِظْهَارُ الْمُوَافَقَةِ مَعَ الْأَخْرَسِ قَوْلًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ كُلِّهِمْ عَلَى قَوْلٍ يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إلَّا

стр. 950

وَلِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ السُّكُوتَ تَسْلِيمًا بَعْدَ الْعَرْضِ وَذَلِكَ مَوْضِعُ وُجُوبِ الْفَتْوَى وَحُرْمَةِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ تَسْلِيمًا كَانَ فِسْقًا أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ وَالْإِشْهَارُ يُنَافِي الْخَفَاءَ فَكَانَ كَالْعَرْضِ وَذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ وَذَلِكَ يُنَافِي الشُّبْهَةَ فَتَعَيَّنَ وَجْهُ التَّسْلِيمِ. وَأَمَّا سُكُوتُ عَلِيٍّ فَإِنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِإِمْسَاكِ الْمَالِ وَبِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ كَانَ حَسَنًا ــ [كشف الأسرار] وَفِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْتِشَارِ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ وَفِي اتِّفَاقِنَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَطَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ كَالْمُمْتَنِعِ ثُمَّ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِشَرْطٍ هُوَ مُمْتَنِعٌ يَكُونُ نَفْيًا فَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ هُوَ مُتَعَذِّرٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ عَنَّا الْحَرَجَ كَمَا لَمْ يُكَلِّفْنَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِنَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ السَّمَاعُ مِنْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ بِقُرُونٍ فَكَانَ ذَلِكَ سَاقِطًا عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ يَتَعَذَّرُ السَّمَاعُ مِنْ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ اشْتِهَارُ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَالسُّكُوتُ مِنْ الْبَاقِينَ كَافِيًا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ) دَلِيلٌ آخَرُ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَ الْخَصْمُ مِنْ تَحَقُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ. وَبَيَانُهُ أَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ سُكُوتَ الْبَاقِينَ تَسْلِيمًا لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ بَعْدَ عَرْضِ الْحَادِثَةِ وَجَوَابِ هَذَا الْقَائِلِ فِيهَا عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ أَيْ الْعَرْضُ مَوْضِعُ وُجُوبِ الْفَتْوَى وَحُرْمَةِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ السَّاكِتُ مُخَالِفًا إذْ السَّاكِتُ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ السُّكُوتُ تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ كَانَ فِسْقًا؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنْ إظْهَارِ الْحَقِّ وَتَرْكٌ لِلْوَاجِبِ احْتِشَامًا لِلْغَيْرِ، وَالْعَدَالَةُ مَانِعَةٌ عَنْهُ فَلَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ خُصُوصًا بِالصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ مِنْ صِغَارِهِمْ الرَّدُّ عَلَى الْكِبَارِ وَقَبُولُ الْكِبَارِ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَرْضِ أَيْ يُجْعَلُ السُّكُوتُ تَسْلِيمًا بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ إذْ الِاشْتِهَارُ يُنَافِي الْخَطَأَ فَكَانَ كَالْعَرْضِ، وَذَلِكَ أَيْضًا أَيْ جَعْلُ السُّكُوتِ تَسْلِيمًا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ الِاشْتِهَارِ فَيَنْدَفِعُ بِإِسْقَاطِهِمَا احْتِمَالُ السُّكُوتِ لِلْخَفَاءِ وَالتَّأَمُّلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْ مُضِيُّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ الِاشْتِهَارِ بِاشْتِرَاطِهِمَا يُنَافِي الشُّبْهَةَ أَيْ شُبْهَةَ عَدَمِ التَّسْلِيم فِي السُّكُوتِ فَتَعَيَّنَ وَجْهُ التَّسْلِيمِ فِيهِ يُبَيِّنُهُ أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَعْصُومُونَ عَنْ الْخَطَأِ وَالْعِصْمَةُ وَاجِبَةٌ لَهُمْ كَمَا لِلنَّبِيِّ ﵇، وَإِذَا رَأَى النَّبِيُّ ﵇ مُكَلَّفًا يَقُولُ قَوْلًا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَسَكَتَ كَانَ سُكُوتُهُ تَقْرِيرًا مِنْهُ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ وَنَزَلَ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالتَّصْدِيقِ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ سُكُوتُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالْمُوَافَقَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ مَعَ السُّكُوتِ مِنْ الْبَاقِينَ إجْمَاعًا صَحِيحًا فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الِاعْتِقَادِ كَانَ إجْمَاعًا فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا لِمَعْنًى جَامِعٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ. فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ عِنْدَهُمْ خَطَأً لَا يَحِلُّ لَهُمْ السُّكُوتُ وَتَرْكُ الرَّدِّ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فِيمَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ لَا يَرْضَى بِقَوْلِ صَاحِبِهِ قَوْلًا لِنَفْسِهِ بَلْ يَعْتَقِدُ فِيهِ خِلَافَهُ وَيَدْعُو النَّاسَ إلَى مُعْتَقَدِهِ وَيُنَاظِرُ مَعَ خَصْمِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ مُعْتَقَدَ الْبَاقِينَ لَظَهَرَ وَانْتَشَرَ إلَّا عَنْ خَوْفٍ وَتَقِيَّةٍ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ سَبَبُ التَّقِيَّةِ لَا مَحَالَةَ فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ سَبَبُ التَّقِيَّةِ وَلَا الْخِلَافُ مِنْهُمْ لِذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُنْتَشِرِ دَلَّ أَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ قَوْلًا؛ لِأَنْفُسِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْعُلَمَاءَ الْحَنَفِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ فَقَامَ سَائِلٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فَأَجَابَ بِمَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ وَسَكَتَ الْحَاضِرُونَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ عَنْ الرَّدِّ لَا يُحْمَلُ سُكُوتُهُمْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ بِقَوْلِهِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. قُلْنَا قَدْ احْتَرَزْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ فِي بَيَانِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا
следующие страницы →