Полный текст (1 522 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
لِأَنَّ رُكْنَ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَقُومُ بِهِ أَصْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي نَوْعَيْ الْإِجْمَاعِ مَا قُلْنَا.
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا شَرْعِيًّا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ انْطِبَاقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ وَغَيْرَ مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ وَالْمُجْتَهِدِينَ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ كَانَ إجْمَاعًا مَعَ خُرُوجِهِمَا عَنْ هَذَا الْحَدِّ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ دِينِيَّيْنِ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُجْتَهِدُونَ الْمَوْجُودُونَ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ كَوْنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ إجْمَاعًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ وَقِيلَ هُوَ اجْتِمَاعُ جَمِيعِ آرَاءِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ.
وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَأُرِيدَ بِالِاتِّفَاقِ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ. وَإِذَا أَطْبَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالَيْنِ عَلَى الِاعْتِقَادِ، وَاحْتَرَزَ بِلَفْظِ الْمُجْتَهِدِينَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ بِالْجَمِيعِ عَنْ اتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ كَالْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ بَعْضِهِمْ وَبِقَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ وَبِقَوْلِهِ فِي عَصْرٍ عَنْ إيهَامِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ إلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعَهُمْ، وَإِنَّمَا قِيلَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ لِيَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ وَالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مُتَصَوَّرٌ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ وَالنَّظَّامُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تَصَوُّرَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ انْتِشَارَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إلَيْهِمْ عَادَةً، فَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ الِاتِّفَاقُ الَّذِي هُوَ فَرْعُ تَسَاوِيهِمْ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ إلَيْهِمْ وَبِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَاطِعٍ أَوْ ظَنٍّ إذْ لَا ثَالِثَ وَلَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنَدٍ، فَإِنْ كَانَ عَنْ قَاطِعٍ فَالْعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ وَتَوَاطُؤِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى إخْفَائِهِ وَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ فَالِاتِّفَاقُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا كَانَ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ يَكُونُ مُتَصَوَّرًا فِي الْأَحْكَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُوجَدُ سَبَبٌ يَدْعُو إلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمُسْتَفِيضَةِ لَوُجِدَ أَيْضًا سَبَبٌ يَدْعُو إلَى إجْمَاعِهِمْ بِاعْتِقَادِ الْأَحْكَامِ، وَالِانْتِشَارُ إنَّمَا يَمْنَعُ عَنْ النَّقْلِ عَادَةً إذَا لَمْ يَكُونُوا مُجِدِّينَ وَبَاحِثِينَ فَأَمَّا إذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَلَا وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ أَيْضًا عَدَمَ نَقْلِ الْقَاطِعِ إذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْ نَقْلِهِ بِدَلَالَةِ غَيْرِهِ عَلَى حُكْمِهِ كَالْإِجْمَاعِ فِي مِثَالِنَا، فَإِنَّهُ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ.
وَكَذَا اخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ إنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ الِاتِّفَاقِ فِيمَا هُوَ خَفِيٌّ مِنْ الظَّنِّ لَا فِيمَا هُوَ جَلِيٌّ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَلْ يُؤَدِّي اجْتِهَادُ الْكُلِّ بِالنَّظَرِ فِيهِ إلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَيَبْطُلُ جَمِيعُ مَا ذَكَرُوا بِالْوُقُوعِ، وَإِنَّا نَعْلَمُ عِلْمًا لَا مِرَاءَ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَبِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ إخْفَاءِ التَّسْمِيَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ وَزِيَادَةٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ بَلْ وَاقِعٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ رُكْنِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَأَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِهِ أَيْ بِرَأْيِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ إذْ لَا بُدَّ لِكَوْنِ الشَّيْءِ مُعْتَبَرًا مِنْ صُدُورِ رُكْنِهِ مِنْ الْأَهْلِ وَشَرْطُهُ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ
стр. 947
وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَأَنْ يَتَكَلَّمَ الْبَعْضُ وَيَسْكُتَ سَائِرُهُمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ فِي الْحَادِثَةِ وَكَذَلِكَ فِي الْفِعْلِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنْ الْأَهْلِ وَحُكْمُهُ أَيْ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ وَسَبَبُهُ وَهُوَ الْمَعْنَى الدَّاعِي إلَى الْإِجْمَاعِ الْجَامِعِ لِلْآرَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِمُسْتَنِدِ الْإِجْمَاعِ، عَزِيمَةٌ وَهِيَ مَا كَانَ أَصْلًا فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ إذْ الْعَزِيمَةُ هِيَ الْأَمْرُ الْأَصْلِيُّ وَرُخْصَةٌ وَهِيَ مَا جُعِلَ إجْمَاعًا لِضَرُورَةٍ إذْ مَبْنَى الرُّخْصَةِ عَلَى الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّكَلُّمُ بِمَا يُوجِبُ الِاتِّفَاقَ مِنْهُمْ أَوْ شُرُوعُهُمْ فِي الْفِعْلِ فِيمَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فِيمَا يَسْتَوِي الْكُلُّ فِي الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى الْعَامِّ فِيهِ كَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا أَوْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ الْعَامُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِعَدَمِ الْبَلْوَى الْعَامِّ لَهُمْ فِيهِ كَحُرْمَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَفَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ مِمَّا يَجِبُ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﵇ مَخْرَجَ الشَّرْعِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الشَّرْعُ.
وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ فَيَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الشَّرْعَ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ ﵇ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ إذَا وُجِدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ مَا فَعَلُوا وَكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ عَلَى مَا رُوِيَ مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا فَرْضٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرُّخْصَةُ) فَكَذَا سُمِّيَ هَذَا الْقِسْمُ رُخْصَةً؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ إجْمَاعًا ضَرُورَةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلَى الْفِسْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي عَصْرٍ إلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ وَمَضَى مُدَّةُ التَّأَمُّلِ فِيهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَعْنِي إذَا فَعَلَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِعْلًا وَعَلِمَ بِهِ أَهْلُ زَمَانِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَيُسَمَّى هَذَا إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ إجْمَاعٌ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا كَانَ تَرْكُ الرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّقِيَّةِ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ الرِّضَاءِ وَتَرْكَ النَّكِيرِ فِي حَالَةِ التَّقِيَّةِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ بَلْ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ رُخْصَةً فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الرِّضَا وَكَذَا السُّكُوتُ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الرَّدِّ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ حَلَالٌ شَرْعًا فَلَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَاءِ فَلِهَذَا شَرَطْنَا مَعَ السُّكُوتِ وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ زَوَالَ التَّقِيَّةِ وَمُضِيَّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ ثُمَّ قَالَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَتِهَا تَكْلِيفٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَتِهَا تَكْلِيفٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَفْضَلُ أَمْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ فِيهَا بِقَوْلٍ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفٌ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ النَّظَرُ فِيهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ صَوَابًا أَوْ خَطَأً فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْإِنْكَارُ إذْ ذَلِكَ الْإِنْكَارُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ عِنْدَ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ خَطَأً.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَنْ يَبْعُدَ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْكَارَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ خَطَأً فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ التَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفٌ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ يَكُونُ سُكُوتُهُمْ تَصْوِيبًا وَرِضَاءً بِذَلِكَ الْحُكْمِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مِنْهُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ مِنْ
стр. 948
وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ حَتَّى قَالَ لَهُ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَوَى لَهُ حَدِيثًا فِي قِسْمَةِ الْفَضْلِ فَلَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا وَشَاوَرَهُمْ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ فَرَأَوْا بِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةَ وَلِأَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ مَهَابَةً كَمَا قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا مَنَعَك أَنْ تُخْبِرَ عُمَرَ بِقَوْلِك فِي الْعَوْلِ فَقَالَ دِرَّتُهُ وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً
ــ
[كشف الأسرار]
النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُحَالِ وَهُوَ الْخَلْفُ فِي إخْبَار اللَّهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَدَحَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَشَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ فَاسِدٌ.
١ -
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ سَوَاءٌ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَصَاحِبِ الْقَوَاطِعِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَقِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُخَالَفْ فَهُوَ حُجَّةٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ نَسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَيُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ ظَهَرَ الْقَوْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالسَّاكِتُونَ نَفَرٌ يَسِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ انْتَشَرَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَالسَّاكِتُونَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَنُقِلَ عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إنْ كَانَ ذَلِكَ فَتْوَى وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ مُخَالِفٌ يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنْ كَانَ حُكْمًا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فَتْوَى لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَقَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ أَيْ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ الْكُلِّ لِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ إنْ كَانَ قَوْلِيًّا وَمِنْ شُرُوعِهِمْ جَمِيعًا فِي الْفِعْلِ إنْ كَانَ فِعْلِيًّا وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ أَيْ لَا يَثْبُتُ التَّنْصِيصُ بِالسُّكُوتِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ قَوْلٌ إلَى سَاكِتٍ أَوْ وَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِالسُّكُوتِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا بِالْآثَارِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْآثَارُ فَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُهُ ذُو الْيَدَيْنِ» وَلَوْ كَانَ تَرْكُ النَّكِيرِ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ لَاكْتَفَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمَا اسْتَنْطَقَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا شَاوَرَ الصَّحَابِيَّ فِي مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْغَنَائِمِ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ وَالْإِمْسَاكِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَعَلِيٌّ ﵁ فِي الْقَوْمِ سَاكِتٌ فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَالَ لَمْ نَجْعَلْ يَقِينَك شَكًّا وَعِلْمَك جَهْلًا أَرَى أَنْ تُقَسِّمَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا فَعُمَرُ لَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا وَدَلِيلًا عَلَى الْمُوَافَقَةِ حَتَّى سَأَلَهُ وَاسْتَجَازَ عَلِيٌّ ﵁ السُّكُوتَ مَعَ كَوْنِ الْحَقِّ عِنْدَهُ فِي خِلَافِهِمْ وَمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَبَلَغَ عُمَرُ ﵁ أَنَّهَا تُجَالِسُ الرِّجَالَ وَتُحَدِّثُهُمْ فَأَشْخَصَ إلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَمْصَلَتْ مِنْ هَيْبَتِهِ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا لَا غُرْمَ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ وَمَا أَرَدْت إلَّا الْخَيْرَ وَعَلِيٌّ ﵁ سَاكِتٌ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَقَالَ إنْ كَانَ هَذَا جَهْدُ رَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَئُوا، وَإِنْ قَارَبُوك أَيْ طَلَبُوا قُرْبَتَك
стр. 949
وَلَنَا شَرْطُ النُّطْقِ مِنْهُمْ جَمِيعًا مُتَعَذِّرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ بَلْ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ عَصْرٍ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِبَارُ الْفَتْوَى وَيُسَلِّمُ سَائِرُهُمْ
ــ
[كشف الأسرار]
فَقَدْ غَشُّوك أَيْ خَانُوك أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةُ فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي فَقَدْ اسْتَجَازَ عَلِيٌّ السُّكُوتَ مَعَ إضْمَارِ الْخِلَافِ وَلَمْ يَجْعَلْ عُمَرُ ﵄ سُكُوتَهُ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ حَتَّى اسْتَنْطَقَهُ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ السُّكُوتَ كَمَا يَكُونُ لِلْمُوَافَقَةِ يَكُونُ لِلْمَهَابَةِ وَالتَّقِيَّةِ مَعَ إضْمَارِ الْخِلَافِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا أَظْهَرَ قَوْلَهُ فِي الْعَوْلِ وَقَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ هَلَّا قُلْت هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْعَوْلِ فَقَالَ كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْتُهُ وَفِي رِوَايَةٍ مَنَعَنِي عَنْ ذَلِكَ دِرَّتُهُ وَقَدْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَأَمَّلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ أَيْ لَمْ يَجْتَهِدُوا لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْجِهَادِ أَوْ سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ أَوْ اجْتَهَدُوا فَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ فَتَوَقَّفُوا.
وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَمْ يَرَوْا الْإِنْكَارَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ مَعْنًى لِكَوْنِ هَذَا الْقَوْلِ صَوَابًا فِي حَقِّ قَائِلِهِ عِنْدَهُمْ كَالْقَاضِي إذَا قَضَى فِي مَسْأَلَةٍ مُجْتَهِدًا فِيهَا بِرَأْيِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَكَتَ الْمُخَالِفُونَ لَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ الرِّضَاءِ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ الْعَامِلِ أَكْبَرَ سِنًّا وَأَعْظَمَ حُرْمَةً وَأَقْوَى فِي الِاجْتِهَادِ فَلَا يَزُولُ التَّدَارُكُ وَالْإِنْكَارُ مَصْلَحَةً احْتِرَامًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَكُونُ حُجَّةً خُصُوصًا فِيمَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ قَطْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكُوتَ فِيمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ لِكَوْنِهِ مُحْتَمِلًا فَكَذَا فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ خِلَافٌ.
١ -
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ بِأَنَّ سُكُوتَهُمْ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى الْمُوَافَقَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِالْقَوْلِ الْمُنْتَشِرِ فِي الصَّحَابَةِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فَدَلَّ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوهُ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ أَنْ يَجْعَلَ الْأَقَلَّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ، فَإِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ سُكُوتًا يَجْعَلُ ذَلِكَ كَسُكُوتِ الْكُلِّ، وَإِذَا ظَهَرَ الْقَوْلُ مِنْ الْأَكْثَرِ يَجْعَلُ ذَلِكَ كَظُهُورٍ مِنْ الْكُلِّ.
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِأَنَّ الْمَوْجُودَ إذَا كَانَ حُكْمًا مِنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ لَا يَدُلُّ السُّكُوتُ مِنْ الْبَاقِينَ عَلَى الرِّضَاءِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُسْقِطُ الِاعْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِنْكَارِ اقْتِيَاتًا عَلَيْهِ قَالَ وَنَحْنُ نَحْضُرُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَنَرَاهُمْ يَقْضُونَ بِخِلَافِ مَذْهَبِنَا وَلَا نُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ سُكُوتُنَا رِضَاءً مِنَّا بِذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُفْتِي، فَإِنَّ فَتْوَاهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَلَا مَانِعَةٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَوَافَقَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَالَ: إنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الصَّادِرَ مِنْ الْحَاكِمِ يَكُونُ عَنْ مَشُورَةٍ وَالصَّادِرَ عَنْ فَتْوَى يَكُونُ عَنْ اسْتِبْدَادٍ، فَإِذَا صَدَرَ الْقَوْلُ عَنْ مُشَاوَرَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَإِذَا صَدَرَ عَنْ اسْتِبْدَادِهِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْجُبَّائِيُّ فَقَالَ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ يُضْعِفُ احْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ سُكُوتُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي مَسْأَلَةٍ ظَنِّيَّةٍ لَكِنَّ اسْتِمْرَارَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَطَوِّرِ يَبْعُدُ وَيُخَالِفُ الْعَادَةَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَكَرَّرُ تَذَاكِيرُ الْوَاقِعَةِ وَالْخَوْضُ فِيهَا لَمْ يُتَصَوَّرْ دَوَامُ السُّكُوتِ مِنْ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ وَلِهَذَا أَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ خِلَافًا فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ مِنْ بَعْدُ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لِصَيْرُورَتِهِ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ: (إنَّ شَرْطَ النُّطْقِ مِنْهُمْ جَمِيعًا مُتَعَذِّرٌ) إلَى آخِرِهِ وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ التَّنْصِيصُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِهِ وَإِظْهَارُ الْمُوَافَقَةِ مَعَ الْأَخْرَسِ قَوْلًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ كُلِّهِمْ عَلَى قَوْلٍ يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إلَّا
стр. 950
وَلِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ السُّكُوتَ تَسْلِيمًا بَعْدَ الْعَرْضِ وَذَلِكَ مَوْضِعُ وُجُوبِ الْفَتْوَى وَحُرْمَةِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ تَسْلِيمًا كَانَ فِسْقًا أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ وَالْإِشْهَارُ يُنَافِي الْخَفَاءَ فَكَانَ كَالْعَرْضِ وَذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ وَذَلِكَ يُنَافِي الشُّبْهَةَ فَتَعَيَّنَ وَجْهُ التَّسْلِيمِ.
وَأَمَّا سُكُوتُ عَلِيٍّ فَإِنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِإِمْسَاكِ الْمَالِ وَبِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ كَانَ حَسَنًا
ــ
[كشف الأسرار]
وَفِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْتِشَارِ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ وَفِي اتِّفَاقِنَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَطَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ كَالْمُمْتَنِعِ ثُمَّ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِشَرْطٍ هُوَ مُمْتَنِعٌ يَكُونُ نَفْيًا فَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ هُوَ مُتَعَذِّرٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ عَنَّا الْحَرَجَ كَمَا لَمْ يُكَلِّفْنَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِنَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ السَّمَاعُ مِنْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ بِقُرُونٍ فَكَانَ ذَلِكَ سَاقِطًا عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ يَتَعَذَّرُ السَّمَاعُ مِنْ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ اشْتِهَارُ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَالسُّكُوتُ مِنْ الْبَاقِينَ كَافِيًا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ) دَلِيلٌ آخَرُ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَ الْخَصْمُ مِنْ تَحَقُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ سُكُوتَ الْبَاقِينَ تَسْلِيمًا لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ بَعْدَ عَرْضِ الْحَادِثَةِ وَجَوَابِ هَذَا الْقَائِلِ فِيهَا عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ أَيْ الْعَرْضُ مَوْضِعُ وُجُوبِ الْفَتْوَى وَحُرْمَةِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ السَّاكِتُ مُخَالِفًا إذْ السَّاكِتُ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ السُّكُوتُ تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ كَانَ فِسْقًا؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنْ إظْهَارِ الْحَقِّ وَتَرْكٌ لِلْوَاجِبِ احْتِشَامًا لِلْغَيْرِ، وَالْعَدَالَةُ مَانِعَةٌ عَنْهُ فَلَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ خُصُوصًا بِالصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ مِنْ صِغَارِهِمْ الرَّدُّ عَلَى الْكِبَارِ وَقَبُولُ الْكِبَارِ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَرْضِ أَيْ يُجْعَلُ السُّكُوتُ تَسْلِيمًا بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ بَعْدَ الِاشْتِهَارِ إذْ الِاشْتِهَارُ يُنَافِي الْخَطَأَ فَكَانَ كَالْعَرْضِ، وَذَلِكَ أَيْضًا أَيْ جَعْلُ السُّكُوتِ تَسْلِيمًا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ الِاشْتِهَارِ فَيَنْدَفِعُ بِإِسْقَاطِهِمَا احْتِمَالُ السُّكُوتِ لِلْخَفَاءِ وَالتَّأَمُّلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْ مُضِيُّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ بَعْدَ الْعَرْضِ أَوْ الِاشْتِهَارِ بِاشْتِرَاطِهِمَا يُنَافِي الشُّبْهَةَ أَيْ شُبْهَةَ عَدَمِ التَّسْلِيم فِي السُّكُوتِ فَتَعَيَّنَ وَجْهُ التَّسْلِيمِ فِيهِ يُبَيِّنُهُ أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَعْصُومُونَ عَنْ الْخَطَأِ وَالْعِصْمَةُ وَاجِبَةٌ لَهُمْ كَمَا لِلنَّبِيِّ ﵇، وَإِذَا رَأَى النَّبِيُّ ﵇ مُكَلَّفًا يَقُولُ قَوْلًا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَسَكَتَ كَانَ سُكُوتُهُ تَقْرِيرًا مِنْهُ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ وَنَزَلَ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالتَّصْدِيقِ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ سُكُوتُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالْمُوَافَقَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ مَعَ السُّكُوتِ مِنْ الْبَاقِينَ إجْمَاعًا صَحِيحًا فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الِاعْتِقَادِ كَانَ إجْمَاعًا فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا لِمَعْنًى جَامِعٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ.
فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ عِنْدَهُمْ خَطَأً لَا يَحِلُّ لَهُمْ السُّكُوتُ وَتَرْكُ الرَّدِّ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فِيمَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ لَا يَرْضَى بِقَوْلِ صَاحِبِهِ قَوْلًا لِنَفْسِهِ بَلْ يَعْتَقِدُ فِيهِ خِلَافَهُ وَيَدْعُو النَّاسَ إلَى مُعْتَقَدِهِ وَيُنَاظِرُ مَعَ خَصْمِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ الْمُنْتَشِرُ مُعْتَقَدَ الْبَاقِينَ لَظَهَرَ وَانْتَشَرَ إلَّا عَنْ خَوْفٍ وَتَقِيَّةٍ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ سَبَبُ التَّقِيَّةِ لَا مَحَالَةَ فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ سَبَبُ التَّقِيَّةِ وَلَا الْخِلَافُ مِنْهُمْ لِذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُنْتَشِرِ دَلَّ أَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ قَوْلًا؛ لِأَنْفُسِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْعُلَمَاءَ الْحَنَفِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ فَقَامَ سَائِلٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فَأَجَابَ بِمَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ وَسَكَتَ الْحَاضِرُونَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ عَنْ الرَّدِّ لَا يُحْمَلُ سُكُوتُهُمْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ بِقَوْلِهِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
قُلْنَا قَدْ احْتَرَزْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ فِي بَيَانِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا
стр. 951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَدُلُّ سُكُوتُهُمْ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ مَذَاهِبَ الْكُلِّ قَدْ تَقَرَّرَتْ وَصَارَتْ مَعْلُومَةً فَلَا يَدُلُّ السُّكُوتُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي حَادِثَةٍ تَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا قَوْلٌ فَيَذْكُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا فِيهِ وَيَنْتَشِرُ فِي الْبَاقِينَ وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ إنْكَارٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الْمَذَاهِبَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً وَالْإِنْكَارُ مِنْ الْبَاقِينَ لِذَلِكَ مَعْلُومٌ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَانَ سُكُوتُهُمْ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَبْلُ لَا عَلَى إظْهَارِ الْمُوَافَقَةِ أَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ السُّكُوتِ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ قَبْلُ خِلَافٌ مِنْهُمْ لِذَلِكَ وَالسُّكُوتُ عَلَى مِثْلِ هَذَا بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أَنَّهُ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ فَدَلَّ أَنَّ سُكُوتَهُمْ كَانَ مَحْضَ الْمُوَافَقَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ إثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ وَعَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، فَإِذَا ظَهَرَ قَوْلٌ مِنْ وَاحِدٍ فَسُكُوتُ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ إمَّا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَهِدُوا أَوْ اجْتَهَدُوا فَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ أَوْ أَدَّى إلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوْ صِحَّتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتَهَدُوا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تُخَالِفُهُ، فَإِنَّ تَرْكَ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي حَادِثَةٍ نَزَلَتْ خِلَافَ الْعَادَةِ وَمُؤَدٍّ إلَى إهْمَالِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا حَدَثَ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُجْتَهِدِينَ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ ارْتِكَابِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُتَدَيِّنِ وَمُؤَدٍّ إلَى خُرُوجِ الْحَقِّ عَنْ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُدُولِ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ حَقًّا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى خَفَاءِ الْحَقِّ مَعَ ظُهُورِ طُرُقِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَهُوَ مُحَالٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا اجْتَهَدُوا فَأَدَّى اجْتِهَادُهُمْ إلَى خِلَافِهِ إلَّا أَنَّهُمْ كَتَمُوا؛ لِأَنَّ إظْهَارَ الْحَقِّ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا مَعَ ظُهُورِ قَوْلٍ هُوَ بَاطِلٌ عِنْدَهُمْ وَالتَّعْلِيقُ بِالْهَيْبَةِ وَالتَّقِيَّةِ تَعْلِيقٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْحَقَّ وَلَا يَهَابُونَ أَحَدًا، وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الْأَخِيرُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا لِرِضَاهُمْ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْقَوْلِ فَصَارَ كَالنُّطْقِ، فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُمْ سَكَتُوا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ مُبَاحَثَتِهِ وَطَلَبِ الْكَشْفِ عَنْ مَأْخَذِهِ لَا بِطَرِيقِ الْإِنْكَارِ كَالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِمُنَاظَرَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ كَمُنَاظَرَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَالْعَوْلِ وَدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى أَنَّ فِي الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ شُبْهَةٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْخُصُومُ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مُسْتَدَلًّا عَلَيْهِ وَيَكُونُ دُونَ الْقَوَاطِعِ مِنْ وُجُوهِ الْإِجْمَاعِ لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ
قُلْت فَعَلَى هَذَا لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ إجْمَاعٌ وَكَانَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ فَيَظْهَرُ الْفَرْقُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ ثَابِتٌ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ إجْمَاعٌ أَرَادَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَكِنَّهُ دُونَ الْإِجْمَاعِ قَوْلًا كَالنَّصِّ. وَالْمُفَسَّرُ دُونَ الْمُحْكَمِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ قَطْعِيًّا وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ أَرَادَ أَنَّهُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ فَيَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا يَلْزَمُ أَنْ يَكْفُرَ جَاحِدُهُ أَوْ يُضَلَّلَ كَجَاحِدِ سَائِرِ الْحُجَجِ الْقَطْعِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا لَمْ يَكْفُرْ لِكَوْنِهِ
стр. 952
إلَّا أَنَّ تَعْجِيلَ الْإِمْضَاءِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْتِزَامَ الْغُرْمِ مِنْ عُمَرَ صِيَانَةٌ عَنْ الْقِيلِ وَالْقَالَ وَرِعَايَةٌ لِحُسْنِ الثَّنَاءِ وَبَسْطِ الْعَدْلِ كَانَ أَحْسَنَ فَحَلَّ السُّكُوتُ عَنْ مِثْلِهِ، وَبَعُدَ فَإِنَّ السُّكُوتَ بِشَرْطِ الصِّيَانَةِ عَنْ الْفَوْتِ جَائِزٌ تَعْظِيمًا لِلْفُتْيَا وَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَكَلَامُنَا فِي السُّكُوتِ الْمُطْلَقِ، فَأَمَّا حَدِيثُ الدِّرَّةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ وَالْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُمْ أَشْهُرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَلْيَنَ لِلْحَقِّ وَأَشَدَّ انْقِيَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ إيلَاءُ الْعُذْرِ فِي الْكَفِّ عَنْ مُنَاظَرَتِهِ بَعْدَ ثَبَاتِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُتَمَسِّكًا بِدَلِيلٍ يَصْلُحُ شُبْهَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ قَطْعِيٌّ عِنْدَنَا ثُمَّ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِتَمَسُّكِهِ بِمَا يَصْلُحُ شُبْهَةً ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ ﵀ عَمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ فَقَالَ سُكُوتُ عَلِيٍّ ﵁ فِي حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَالْإِمْلَاصِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ لَا مِنْ بَابِ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ، فَإِنَّ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِإِمْسَاكِ الْمَالِ فِي حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَبِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى عُمَرَ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ الْفَاضِلِ لِيُصْرَفَ إلَى نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ نُزُولِهَا حَسَنٌ وَكَذَا الْحُكْمُ بِعَدَمِ لُزُومِ الْغُرَّةِ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ خِيَانَةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ إلَّا أَنَّ أَيْ لَكِنَّ تَعْجِيلَ الْإِمْضَاءِ فِي الصَّدَقَةِ أَيْ تَعْجِيلَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَسَمَّاهَا صَدَقَةً مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تَجِبُ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ وَيَتَوَلَّى الْإِمَامُ قِسْمَتَهَا كَالصَّدَقَاتِ وَأَكْثَرُ مَصَارِفِهَا مَصَارِفُ الصَّدَقَاتِ.
وَالْتِزَامُ الْغُرْمِ أَيْ غُرْمِ الْغُرَّةِ مِنْ عُمَرَ ﵁ صِيَانَةً عَنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ أَيْ لِأَجْلِ صِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ أَلْسُنِ النَّاسِ فَيَقُولُوا: إنَّهُ أَمْسَكَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنَعَهَا عَنْ مُسْتَحَقِّهَا لِمَوْهُومٍ عَسَى لَا يَقَعُ وَخَوْفُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ تَحَقَّقَتْ مِنْهَا حَتَّى أَمْلَصَتْ وَتَلِفَتْ نَفْسٌ بِذَلِكَ وَدُعَائِهِ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ أَيْ بِحُسْنِهِ وَبَسْطِ الْعَدْلِ كَانَ أَحْسَنَ وَأَقْرَبَ إلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا تَحَمَّلَ مِنْ الْعُهْدَةِ وَهُوَ كَتَأْخِيرِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَى انْقِضَاءِ الْحَوْلِ يَكُونُ حَسَنًا وَتَعْجِيلُهُ قَبْلَ انْقِضَائِهِ يَكُونُ أَحْسَنَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَلَّ السُّكُوتُ عَنْ مِثْلِهِ وَلَا يَجِبُ إظْهَارُ الْخِلَافِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنْهُ بِحَالٍ إذَا كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَبَعُدَ أَيْ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْجَوَابَ أَوْ بَعْدَمَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ وَكَانَ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ لَا يَدُلُّ هَذَا السُّكُوتُ عَلَى الرِّضَاءِ أَيْضًا، فَإِنَّ السُّكُوتَ بِشَرْطِ الصِّيَانَةِ عَنْ الْفَوَاتِ أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَ الْحَقُّ جَائِزٌ تَعْظِيمًا لِلْفُتْيَا، فَإِنَّ تَرْكَ التَّعْجِيلِ فِي الْفُتْيَا وَالتَّأَمُّلَ فِيهَا وَالسُّكُوتَ إلَى أَنْ يُبْرِزَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا فِي ضَمِيرِهِ ثُمَّ إنَّهُ يُظْهِرُ الْحَقَّ الَّذِي وَضَحَ لَهُ تَعْظِيمٌ لَهَا وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا يَرْجِعُونَ إلَى الْحَقِّ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إظْهَارِ مُخَالَفَتِهِمْ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ مُجَرَّدَ السُّكُوتِ عَنْ إظْهَارِ الْخِلَافِ لَا يَكُونُ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ عِنْدَنَا مَا بَقِيَ مَجْلِسُ الْمُشَاوَرَةِ وَلَمْ يُفْصَلْ الْحُكْمُ بَعْدُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا حُجَّةً أَنْ لَوْ فَصَلَ عُمَرُ ﵁ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِمْ أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ تَوَقُّفٌ فِي الْجَوَابِ وَيَكُونُ عَلِيٌّ ﵁ سَاكِتًا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ سُكُوتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى أَنَّهُ لِتَجْرِبَةِ أَفْهَامِهِمْ أَوْ لِتَعْظِيمِ الْفَتْوَى الَّتِي يُرِيدُ إظْهَارَهَا بِاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَا يَزْدَرِيَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ السَّامِعِينَ أَوْ لِيُرَوِّيَ النَّظَرَ فِي الْحَادِثَةِ وَيُمَيِّزَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ مَا هُوَ الصَّوَابُ فَيُظْهِرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَنْطِقْهُ عُمَرُ ﵁ لَكَانَ هُوَ ذَكَرَ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ مِنْ الْجَوَابِ قَبْلَ إبْرَامِ الْحُكْمِ وَانْقِضَاءِ مَجْلِسِ الْمُشَاوَرَةِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا حَدِيثُ الدِّرَّةِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنَعَنِي دِرَّتُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنَاظِرُونَ وَلَا يَهَابُونَ أَحَدًا مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ قَبُولَ الْحَقِّ وَيُقَدِّرُونَ إظْهَارَهُ نُصْحًا وَالسُّكُوتَ عَنْهُ غِشًّا فِي الدِّينِ، وَالْمُنَاظَرَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ كَانَتْ مَشْهُورَةً بَيْنَهُمْ فَمِنْ الْبَعِيدِ أَنَّ
стр. 953
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُخَرَّجُ أَيْضًا أَنَّهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ كَانَ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فَبَاطِلٌ وَكُلُّ عَصْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ هَذَا سُكُوتٌ أَيْضًا بَلْ اخْتِلَافُهُمْ يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ
ــ
[كشف الأسرار]
ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْبِرْ بِقَوْلِهِ عُمَرَ ﵃ مَهَابَةً لَهُ مَعَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُهُ وَيَدْعُوهُ فِي الشُّورَى مَعَ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ لِمَا عَرَفَ مِنْ فِطْنَتِهِ وَقُوَّةِ ذِهْنِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِأَشْيَاءَ فَقَبِلَهَا مِنْهُ وَاسْتَحْسَنَهَا وَكَانَ يَقُولُ لَهُ غُصْ يَا غَوَّاصُ شَنْشَنَةً أَعْرِفُهَا مِنْ أَحْزَمَ يَعْنِي أَنَّهُ شَبَّهَ ابْنَ الْعَبَّاسِ فِي رِوَايَتِهِ وَدَهَائِهِ وَمَعَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ أَلْيَنَ لِلْحَقِّ وَأَشَدَّ انْقِيَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى كَانَ يَقُولُ لَا خَيْرَ فِيكُمْ مَا لَمْ تَقُولُوا وَلَا خَيْرَ فِي مَا لَمْ أَسْمَعْ، وَكَانَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إلَيَّ عُيُوبِي، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي بَيْنَ قَوْمٍ إذَا رَغِبْت عَنْ الْحَقِّ قَوَّمُونِي وَلَمَّا نَهَى عَنْ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُهُورِ فِي خُطْبَتِهِ قَالَتْ امْرَأَةٌ: أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فَتَمْنَعُنَا عَمَّا أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ رَجُلًا فَخَصَمَتْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ قِيلَ وَقَالَ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى النِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ وَلَمَّا عَزَمَ عَلَى جَلْدِ الْحَامِلِ قَالَ لَهُ مُعَاذٌ إنْ جَعَلَ اللَّهُ لَك عَلَى ظَهْرِهَا سَبِيلًا فَلَمْ يَجْعَلْ لَك عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا فَقَالَ لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ وَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] بِالْوَاوِ وَهُوَ كَانَ يَقْرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ فَقَالَ مَنْ أَقْرَأَك فَقَالَ أُبَيٌّ فَدَعَاهُ فَقَالَ أَقْرَأَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّك لَتَبْتَعُ الْقُرْطَ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ صَدَقْت، وَإِنْ شِئْت قُلْت شَهِدْنَا وَغِبْتُمْ وَنَصَرْنَا وَخَذَلْتُمْ وَآوَيْنَا وَطَرَدْتُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ إظْهَارِ قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ مَهَابَةً لَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَئِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ فَتَأْوِيلُهُ إبْلَاءُ الْعُذْرِ أَيْ إظْهَارُهُ فِي الِامْتِنَاعِ عَنْ مُنَاظَرَتِهِ يَعْنِي لَمَّا عَرَفَ فَضْلَ رَأْيِ عُمَرَ ﵄ وَفِقْهِهِ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُ كَمَا يَكُونُ مِنْ حَالِ الشُّبَّانِ مَعَ ذَوِي الْأَسْنَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، فَإِنَّهُمْ يَهَابُونَ الْكِبَارَ فَلَا يَسْتَقْصُونَ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُمْ حَسَبَ مَا يَفْعَلُونَ مَعَ الْأَقْرَانِ بَعْدَ ثَبَاتِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَيْ بَعْدَ ثَبَاتِ عُمَرَ عَلَى مَذْهَبِهِ يَعْنِي لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَرَكَ مُنَاظَرَتَهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ بَعْدَ ثَبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَذْهَبِهِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ هُوَ ثَابِتًا عَلَى مَذْهَبِهِ لَا يَضُرُّهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ مُنَاظَرَةِ مَنْ فَوْقَهُ فِي الدَّرَجَةِ احْتِشَامًا لَهُ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ السُّكُوتَ يَدُلُّ عَلَى الْوِفَاقِ وَيَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ يُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا فِي حَادِثَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ أَقَاوِيلَ مَحْصُورَةٍ كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا قَوْلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ سِوَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا بَاطِلٌ فَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ قَوْلٍ آخَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ قَوْلَهُ: إنَّهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا بِقَوْلِهِ أَعْنِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَعَطَفَ قَوْلَهُ وَكُلُّ عَصْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَفِي اخْتِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ اخْتِلَافٌ كَمَا ذَكَرْنَا فِي آخِرِ الْبَابِ وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ هَذَا سُكُوتٌ أَيْضًا يَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ سُكُوتٌ عَمَّا وَرَاءَهَا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ آخَرَ كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَة الْأُولَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بَلْ اخْتِلَافُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي الْحَادِثَةِ وَالْمَصِيرِ إلَى مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِيهَا فَجَازَ إحْدَاثُ قَوْلٍ
стр. 954
وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ لَا يَعْدُوهُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ بِيَقِينٍ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَصْرِ الْأَقْوَالِ فِي الْحَادِثَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ الْجَهْلُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى أَقْوَالٍ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَقَدْ قِيلَ إنَّ هَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ إنَّمَا ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ خَاصَّةً ﵃ أَجْمَعِينَ - أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ مَا خَطَبَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ فَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فَهُوَ إجْمَاعٌ لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
آخَرَ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ الْخِلَافُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَيْ لَا يُعَيِّنُ سُكُوتُهُمْ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَقْوَالِ هُوَ الثَّابِتُ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْغَيْرِ نَوْعُ تَعْيِينٍ لَهَا، وَالتَّعَيُّنُ لَا يَثْبُتُ بِالْمُحْتَمَلِ وَفَصَلَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فَقَالَ إنْ كَانَ الْقَوْلُ الْحَادِثُ رَافِعًا لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ يَكُونُ مَرْدُودًا أَيْ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأَخِ عَلَى قَوْلَيْنِ اسْتِحْقَاقُ كُلِّ الْمَالِ وَالْمُقَاسَمَةُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَهُ قِسْطًا مِنْ الْمَالِ فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا يَكُونُ مَرْدُودًا لِاسْتِلْزَامِهِ خِلَافَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَافِعًا لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بَلْ وَافَقَ كُلَّ قَوْلٍ مِنْ وَجْهٍ وَخَالَفَهُ مِنْ وَجْهٍ لَا يَكُونُ مَرْدُودًا مِثْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أُمٍّ وَزَوْجٍ أَبٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبٍ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ لَهَا ثُلُثُ الْكُلِّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَقِيلَ ثُلُثُ مَا يَبْقَى فِي الصُّورَتَيْنِ.
فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثُلُثُ الْكُلِّ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ وَهِيَ امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ وَثُلُثُ الْبَاقِي فِي الْأُخْرَى لَا يَكُونُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ وَلَا إبْطَالَ الْقَوْلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْمَانِعُ مِنْ إحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَيْسَ إلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ، فَإِذَا انْتَفَيَا لَزِمَ الْجَوَازُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الِاجْتِهَادُ كَمَا لَوْ حَكَمَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ بِحُكْمَيْنِ وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ بِنَقِيضِهَا فِيهِمَا وَالثَّالِثُ وَافَقَ كُلًّا فِي إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ وَبُطْلَانَ الْقَوْلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَذَا هَذَا وَلَكِنَّنَا نَقُولُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَا نَعُدُّهُ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ لِمَا سَنُبَيِّنُ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى حَصْرِ الْأَقْوَالِ فِي الْحَادِثَةِ إذْ لَوْ كَانَ وَرَاءَ أَقْوَالِهِمْ قَوْلٌ آخَرُ مُحْتَمِلٌ لِلصَّوَابِ لَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ إجْمَاعًا عَلَى الْخَطَأِ وَلَوَجَبَ نِسْبَةُ الْأُمَّةِ إلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ إذْ لَا بُدَّ لِلْقَوْلِ الْخَارِجِ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا بُدَّ مِنْ نِسْبَةِ الْأُمَّةِ إلَى تَضْيِيعِهِ وَالْغَفْلَةِ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ أَيْ بِجَمِيعِ الْأُمَّةِ الْجَهْلُ بِالْحَقِّ وَالْعُدُولُ عَنْهُ فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْأُمَّةَ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَدْ اجْتَمَعَتْ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُحَرِّمُ الْأَخْذَ إلَّا بِمَا قَالَتْهُ أَوْ قَالَهُ مُخَالِفُهَا فَقَطْ فَجَوَازُ إحْدَاثِ قَوْلٍ آخَرَ يَقْتَضِي جَوَازَ الْأَخْذِ بِهِ وَقَدْ مَنَعُوا مِنْهُ.
وَلَا يُقَالُ إنَّمَا حَظَرُوا الْأَخْذَ إلَّا بِمَا قَالُوهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ اجْتِهَادُ غَيْرِهِمْ إلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ جَوَّزْنَا هَذَا الِاحْتِمَالَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبُوا التَّمَسُّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَوْلِ الْوَاحِدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْهَرَ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا يُقَالُ أَيْضًا إنَّمَا جَوَّزْنَا الْقَوْلَ الْحَادِثَ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَ إنْ كَانَ وَاحِدًا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ الْقَوْلِ بِهِ حَقِيقَةٌ إذْ الِاجْتِهَادُ الْخَطَأُ قَدْ يُعْمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَا يَلْزَمُ مِنْ حَقِيقَتِهِ بُطْلَانُ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ صَحَّ هَذَا لَصَحَّ مُخَالَفَةُ أَيِّ إجْمَاعٍ كَانَ وَهُوَ بَاطِلٌ وَقَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ يُوجِبُ تَسْوِيغَ الِاجْتِهَادِ قُلْنَا إنَّهُ يُوجِبُ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَأَمَّا فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ فَلَا لِتَأْدِيَتِهِ إلَى إبْطَالِ إجْمَاعِهِمْ أَوْ أَنَّهُ يُوجِبُ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا وَلَكِنْ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْخِلَافِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ الْحَادِثِ فَأَمَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْخِلَافِ
стр. 955
(بَابُ الْأَهْلِيَّةِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ أَهْلِيَّةُ الْإِجْمَاعِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِأَهْلِيَّةِ الْكَرَامَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا وَالْقَوْلُ بِالتَّفْضِيلِ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ لَمْ يُفَضِّلْ وَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْطِئَةَ كُلِّ الْأُمَّةِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَخْطِئَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي بَعْضِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَيَكُونُ فَاسِدًا.
، فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَسْرُوقًا أَحْدَثَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ قَوْلًا آخَرَ بَعْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيهَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ لَا أُبَالِي أُحَرِّمُ امْرَأَتِي أَوْ قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَأَحْدَثَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي أُمٍّ وَزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبٍ قَوْلًا ثَالِثًا بَعْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا اسْتِحْقَاقُهَا ثُلُثَ كُلِّ الْمَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي الصُّورَتَيْنِ فَقَالَ لَهَا ثُلُثُ الْكُلِّ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ وَثُلُثُ الْبَاقِي فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَأَقَرَّهُمَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمَا مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ فَدَلَّ أَنَّ إحْدَاثَ قَوْلٍ آخَرَ جَائِزٌ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إحْدَاثُ الْقَوْلِ مِنْهُمَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَيَجُوزُ إحْدَاثُ قَوْلٍ آخَرَ مَعَ أَنَّهُمَا كَانَا مُعَاصِرَيْنِ لِلصَّحَابَةِ وَكَانَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِهِمْ فَلَا يَنْعَقِدُ لَهُمْ إجْمَاعٌ بِدُونِ رَأْيِهِمَا وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِمَا الصَّحَابَةَ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ أَنَّهُمَا مَحْجُوجَانِ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّ قَوْلَهُمَا مَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِمَا الْإِجْمَاعَ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى أَقْوَالٍ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ رَدَّ الْقَوْلِ الْحَادِثِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَا لَا يَفْصِلُ بَيْنَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِلَافِ غَيْرِهِمْ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا إنَّ هَذَا أَيْ اخْتِلَافَ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ يُخَالِفُ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا إنَّمَا ذَلِكَ أَيْ رَدُّ الْقَوْلِ الْحَادِثِ مُخْتَصٌّ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لِمَا لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ وَالسَّابِقِيَّةِ فِي الدَّيْنِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةً دُونَ إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ وَسَيَظْهَرُ لَك فَسَادُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَتَنْصِيصِ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ مَا خَطَبَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَيْ بَيَّنَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِي خُطْبَتِهِ فَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فَهُوَ إجْمَاعٌ لِمَا قُلْنَا مِنْ وُجُوبِ إظْهَارِ الْحَقِّ وَحُرْمَةِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ سُكُوتُهُمْ تَسْلِيمًا كَانَ فِسْقًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِعُمَرَ ﵄ فِي خُطْبَتِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُك؛ لِأَنَّك خَالَفْت النَّبِيَّ وَأَبَا بَكْرٍ فَإِنِّي مَرَرْت عَلَى بَابِك فَرَأَيْت قِدْرَيْنِ يَغْلِيَانِ وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ إلَّا قِدْرٌ وَاحِدٌ فَاعْتَذَرَ عُمَرُ وَقَالَ إنَّ فِي أَحَدَيْهِمَا دَوَاءً وَفِي الْأُخْرَى طَعَامًا وَقَسَمَ عُمَرُ ﵁ حُلَلًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَأَعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ حُلَّةً ثُمَّ خَطَبَ فِي حِلَّتَيْنِ وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ اسْمَعُوا فَقَالَ سَلْمَانُ ﵁ لَا نَسْمَعُ؛ لِأَنَّ فِعْلَك يُخَالِفُ قَوْلَك، فَإِنَّك قَدْ جُرْت فِي الْقِسْمَةِ وَأَخَذْت حُلَّتَيْنِ وَأَعْطَيْت غَيْرَك حُلَّةً حُلَّةً فَقَالَ قَدْ اسْتَعَرْت أَحَدَيْهِمَا مِنْ ابْنِي وَلَيْسَ لِي إلَّا حُلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ الْآنَ نَسْمَعُ قَوْلَك فَلَمَّا لَمْ يَسْكُتُوا عَمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي حَدِّ الْإِبَاحَةِ وَلَكِنَّهُ مُخِلٌّ بِدَقَائِقِ التَّقْوَى فَكَيْف يُظَنُّ بِهِمْ السُّكُوتُ فِيمَا كَانَ الْحَقُّ بِخِلَافِهِ عِنْدَهُمْ وَقَوْلُهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ لَيْسَ بِقَيْدٍ لَازِمٍ بَلْ لَوْ خَطَبَ غَيْرُهُمْ وَسَكَتُوا كَانَ إجْمَاعًا إلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ يَخْطُبُ إلَّا الْخُلَفَاءُ وَالْأُمَرَاءُ فَلِذَلِكَ قَالَ مِنْ الْخُلَفَاءِ
[بَابُ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاع]
(بَابُ الْأَهْلِيَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ الْأُمَّةِ مِثْلُ
стр. 956
وَذَلِكَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ فِيهِ هَوًى وَلَا فِسْقٌ أَمَّا الْفِسْقُ فَيُورِثُ التُّهْمَةَ وَيُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَبِأَهْلِيَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَصِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» وَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْكُفَّارَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَيَتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ كُلَّ مُسْلِمٍ لَكِنْ لَهُ طَرَفَانِ وَاضِحَانِ وَالنَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَأَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ أَمَّا الْوَاضِحُ فِي النَّفْيِ فَالْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ وَالْأَجِنَّةُ فَإِنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأُمَّةِ فَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِالْأُمَّةِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» وَأَمْثَالِهِ إلَّا مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِفَاقُ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ فَهْمِهَا وَلَا مَدْخَلَ فِيهِ مَنْ لَا يَفْهَمُهَا وَكَذَا كُلُّ مَنْ سَيُوجَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً دَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الْكُلِّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِعَدَمِ كَمَالِ الْمُجْمِعِينَ وَلَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا الْوَاضِحُ فِي الْإِثْبَاتِ فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مَقْبُولُ الْفَتْوَى؛ إذْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ قَطْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْأَوْسَاطُ الْمُتَشَابِهَةُ فَالْعَوَامُّ الْمُكَلَّفُونَ، وَالْفَقِيهُ الَّذِي لَيْسَ بِأُصُولِيٍّ، وَالْأُصُولِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَالْمُجْتَهِدُ الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ وَأَمْثَالُهُمْ ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ اشْتَرَطَ مُوَافَقَةَ الْأَوْسَاطِ أَيْضًا فَقَالَ: إنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُوجِبَ لِلْعِلْمِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاتِّبَاعِ فِرَقِ الْأُمَّةِ خَوَاصِّهِمْ وَعَوَامِّهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَمُطْلَقُ اسْمِ الْأُمَّةِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ لَكِنْ خُصَّ مِنْهُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ
وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ لِعَدَمِ الْفَهْمِ التَّامِّ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ مِنْهُمْ فَيَبْقَى الْبَاقِي بِحَالِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى كَذَا» تَنَاوَلَ الْكُلَّ فَكَذَا هَا هُنَا وَلِأَنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِعِصْمَتِهَا عَنْ الْخَطَأِ وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ الْعِصْمَةُ مِنْ صِفَاتِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَالشَّيْخُ لَمْ يَعْتَبِرْ إلَّا اتِّفَاقَ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْمَوْصُوفِينَ بِالْعَدَالَةِ وَمُجَانَبَةِ الْبِدْعَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فَقَالَ: أَهْلِيَّةُ الْإِجْمَاعِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَهْلِيَّةِ الْكَرَامَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَةِ فِيهِمْ وَذَلِكَ أَيْ ثُبُوتُ الْأَهْلِيَّةِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ فِيهِ هَوًى أَيْ بِدْعَةٌ وَلَا فِسْقٌ أَيْ فِسْقٌ ظَاهِرٌ يَعْنِي أَهْلِيَّةَ الْإِجْمَاعِ تَثْبُتُ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ فِي الدِّينِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَالْحُجَجَ الَّتِي جَعَلَتْ الْإِجْمَاعَ حُجَّةً تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذِهِ الْمَعَانِي أَمَّا اشْتِرَاطُ الِاسْتِقَامَةِ عَمَلًا وَهِيَ الْعَدَالَةُ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُلْزِمًا إنَّمَا ثَبَتَ بِأَهْلِيَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَبِصِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا قَالَ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ تَثْبُتُ بِصِفَةِ الْعَدَالَةِ وَكَذَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّهُمَا يُوجِبَانِ اتِّبَاعَ الْآمِرِ وَالنَّاهِي فِيمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى؛ إذْ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الِاتِّبَاعُ لَا يَكُونُ فِيهِمَا فَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُ الْعَدْلِ الْمَرْضِيِّ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْكَرَامَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالْفِسْقُ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ فَلَمْ يَبْقَ بِهِ أَهْلًا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلَا يُوجِبُ اتِّبَاعَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي قَوْلِهِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يُنَافِي وُجُوبَ الِاتِّبَاعِ وَيُورِثُ التُّهْمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَحَرَّزْ مِنْ إظْهَارِ
стр. 957
وَأَمَّا الْهَوَى فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهِ فَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ بِالتَّعَصُّبِ الْبَاطِلِ وَبِالسَّفَهِ وَكَذَلِكَ إنْ مَجَنَ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ غَلَا حَتَّى كَفَرَ بِهِ مِثْلُ خِلَافِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْعَصَبِيَّةِ وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَشْهُورُ بِهِ لَيْسَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِعْلِ مَا يَعْتَقِدُهُ بَاطِلًا لَا يَتَحَرَّزُ عَنْ إظْهَارِ قَوْلٍ يَعْتَقِدُهُ بَاطِلًا أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِقَوْلِهِ وَافَقَ أَمْ خَالَفَ
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ بَلْ يَتْبَعُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ، وَاجْتِهَادُهُ يُخَالِفُ اجْتِهَادَ مَنْ سِوَاهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْفَاسِقَ يَدْخُلُ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْرُجُ مِنْ وَجْهٍ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ إذَا أَظْهَرَ خِلَافَهُ يُسْأَلُ عَنْ دَلِيلِهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ فِسْقُهُ عَلَى اعْتِقَادِ شَرْعٍ لِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإِذَا أَظْهَرَ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ دَلِيلًا صَالِحًا عَلَى خِلَافِهِ يَرْتَفِعُ الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ وَصَارَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ دَلِيلًا صَالِحًا عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ وَيُفَارِقُ الْعَدْلَ الْفَاسِقَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَظْهَرَ خِلَافَهُ جَازَ الْإِمْسَاكُ عَنْ اسْتِعْلَامِ دَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ مَانِعَةٌ مِنْ اعْتِقَادِ شَرْعٍ لِغَيْرِ دَلِيلٍ
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِنَاءً عَلَى صِفَةٍ وَهُوَ الْوَسَاطَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ كَافِرًا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَذَكَرَ دَلِيلًا صَالِحًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ فَكَذَا الْفَاسِقُ قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْهَوَى) فَكَذَا يَعْنِي اتِّبَاعَ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ مَانِعٌ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ دَاعِيًا إلَيْهِ أَوْ مَاجِنًا بِهِ، أَوْ يَكُونَ غَالِبًا فِيهِ بِحَيْثُ يَكْفُرُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَدْعُو النَّاسَ إلَى مُعْتَقَدِهِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَصَّبُ لِذَلِكَ حِينَئِذٍ تَعَصُّبًا بَاطِلًا حَتَّى يُوصَفَ بِالسَّفَهِ فَيَصِيرَ مُتَّهَمًا فِي أَمْرِ الدِّينِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ وَالتَّعَصُّبُ تَفَعُّلٌ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ، وَهِيَ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْعُصْبَةِ، وَهِيَ التَّقْوِيَةُ وَالنُّصْرَةُ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّ الْمُتَعَصِّبَ مَنْ يَكُونُ عَقِيدَتُهُ مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَجَنَ بِالْهَوَى أَيْ لَمْ يُبَالِ بِمَا قَالَ وَمَا صَنَعَ وَمَا قِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمُبَالَاةِ مُسْقِطٌ لِلْعَدَالَةِ أَيْضًا وَمَصْدَرُهُ الْمُجُونُ وَالْمَجَانَةُ اسْمٌ مِنْهُ، وَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَكَذَلِكَ إنْ غَلَا فِيهِ حَتَّى وَجَبَ إكْفَارُهُ بِهِ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ وَوِفَاقُهُ أَيْضًا لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْعِصْمَةِ وَإِنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ وَاعْتَقَدَ نَفْسَهُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ بَلْ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ كَافِرٌ
وَقَوْلُهُ: مِثْلُ خِلَافِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ فِي الْإِمَامَةِ أَيْ خِلَافِ الرَّوَافِضِ فِي إمَامَةِ الشَّيْخَيْنِ وَخِلَافِ الْخَوَارِجِ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ نَظِيرِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْعَصَبِيَّةِ وَنَظِيرُ الْقِسْمِ الثَّانِي مَا نُقِلَ عَنْ الرَّوَافِضِ مِنْ الْهَذَيَانَاتِ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي افْتَرَوْهَا عَلَيْهِمْ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ تُحَابِيهِمْ وَتَعَصُّبُهُمْ فِي هَوَاهُمْ وَنَظِيرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُجَسِّمَةِ مِنْ الْغُلُوِّ فِي التَّشْبِيهِ وَعَنْ بَعْضِ الرَّوَافِضَةِ مِنْ الْغُلُوِّ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ حَتَّى قَالُوا: غَلِطَ جِبْرِيلُ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ إلَى مُحَمَّدٍ وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْمَعْدُومِ حَتَّى قَالُوا: لَمْ يَعْلَمْ اللَّهُ شَيْئًا حَتَّى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ
قَوْلُهُ: (وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَشْهُورُ) بِهِ أَيْ الَّذِي غَلَا فِي هَوَاهُ حَتَّى خَرَجَ عَنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» فَيُشْتَرَطُ
стр. 958
فَأَمَّا صِفَةُ الِاجْتِهَادِ فَشَرْطٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ أَمَّا فِي أُصُولِ الدِّينِ الْمُمَهَّدَةِ مِثْلُ نَقْلِ الْقُرْآنِ، وَمِثْلُ أُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ فَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ دَاخِلُونَ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالرَّأْيِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ إلَّا فِيمَا يُسْتَغْنَى عَنْ الرَّأْيِ
ــ
[كشف الأسرار]
وِفَاقُهُ لِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ لَا مِنْ أُمَّةِ الْمُتَابَعَةِ، وَمُطْلَقُ الْأُمَّةِ تَتَنَاوَلُ أُمَّةَ الْمُتَابَعَةِ دُونَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: وَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو النَّاسَ إلَى هَوَاهُ وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ بِهِ فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِيمَا يُضَلَّلُ هُوَ فِيهِ: لَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُضَلِّلُ لِمُخَالَفَتِهِ نَصًّا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ، وَكُلُّ قَوْلٍ كَانَ بِخِلَافِ النَّصِّ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: وَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الْأَحْكَامِ.
قَالَ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْهَوَى، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُظْهِرٍ لَهُ فَالْجَوَابُ هَكَذَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُظْهِرًا لِهَوَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَا يُوجَدُ هَا هُنَا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ عَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ قَوْمٌ عَظَّمُوا الذُّنُوبَ حَتَّى جَعَلُوهَا كُفْرًا لَا يَهْتَمُّونَ بِالْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِيهِ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ الذَّنْبُ نَفْسُهُ كُفْرٌ، وَقَدْ كَفَّرُوا أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهَا بِنَقْلِهِمْ فَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَأَدْنَى مَا فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ ذَلِكَ إذَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ النَّاقِلِينَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِ الْجُهَّالِ فِي الْإِجْمَاعِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: لَوْ خَالَفَ الْمُبْتَدِعُ فِي مَسْأَلَةٍ بَعْدَ مَا حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى خِلَافِهِ، فَإِنْ تَابَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَيْهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى خِلَافِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ كُلِّ الْأُمَّةِ، وَكَانَ الْمُجْمِعُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُلَّ الْأُمَّةِ دُونَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَفَ كَافِرٌ جَمِيعَ كَافَّةِ الْأُمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَشَرْطٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ) إنَّ الشَّرِيعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَشْتَرِكُ فِي دَرْكِهِ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيٍ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمِثْلُ أُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ أَيْ أُصُولِهَا، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ اتِّفَاقُهُمْ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ فُرِضَ خِلَافُ بَعْضِ الْعَوَامّ فِيهِ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ
وَإِلَى مَا يَخْتَصُّ بِدَرْكِهِ الْخَوَاصُّ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْخَوَاصُّ فَالْعَوَامُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَا يُضْمِرُونَ فِيهِ خِلَافًا فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الشَّرْطَ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ دُونَ غَيْرِهِمْ حَتَّى لَوْ خَالَفَ بَعْضُ الْعَوَامّ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِطَلَبِ الصَّوَابِ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ آلَةُ هَذَا الشَّأْنِ فَهُوَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي نُقْصَانِ الْآلَةِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عِصْمَةِ الْأُمَّةِ مِنْ الْخِطَابِ إلَّا عِصْمَةُ مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِصَابَةُ لِأَهْلِيَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْعَصْرَ الْأَوَّلَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَوَامِّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا عُلِمَ أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ جَهْلٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ فِيهِ، وَعَنْ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ عَامِّيٍّ عَاقِلٍ؛ لِأَنَّهُ يُفَوَّضُ مَا لَا يَدْرِي إلَى مَنْ يَدْرِي وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فُرِضَتْ، وَلَا وُقُوعَ لَهَا أَصْلًا كَذَا ذَكَرَهُ
стр. 959
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَادَ فِي هَذَا، وَقَالَ: لَا إجْمَاعَ إلَّا لِلصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْأُصُولُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْغَزَالِيُّ ﵀
وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مَا أَيْ مَا يَجْرِي مَجْرَى مَا يَخْتَصُّ بِالرَّأْيِ مِثْلُ الْمَقَادِيرِ، فَإِنَّ الرَّأْيَ وَإِنْ كَانَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا، وَلَكِنْ أَجْرَوْا بَعْضَهَا مَجْرَى مَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّأْيُ كَتَقْدِيرِ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ أَيْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَوَامُّ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ الْعَوَامّ فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالْمُتَكَلِّمِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ إلَّا عِلْمَ الْكَلَامِ وَالْمُفَسِّرِ الَّذِي لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُحَدِّثِ الَّذِي لَا بَصَرَ لَهُ فِي وُجُوهِ الرَّأْيِ وَطُرُقِ الْمَقَايِيسِ وَالنَّحْوِيِّ الَّذِي لَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ آلَاتِهِمْ فِي دَرْكِ الْأَحْكَامِ بِمَنْزِلَةِ الْعَوَامّ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَحْفَظُ أَحْكَامَ الْفُرُوعِ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفُرُوعِيِّ وَفِيمَنْ تَفَرَّدَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَلَمْ يَحْفَظْ الْفُرُوعَ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْأُصُولِيِّ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْأُصُولِيَّ دُونَ الْفُرُوعِيِّ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى مَقْصُودِ الِاجْتِهَادِ لِعِلْمِهِ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَأَقْسَامِهَا وَكَيْفِيَّةِ دَلَالَاتِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْ مَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَعْقُولِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْفُرُوعِيِّ
وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْفُرُوعِيَّ دُونَ الْأُصُولِيِّ لِعِلْمِهِ بِتَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُمَا نَظَرًا إلَى وُجُودِ نَوْعٍ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ الَّذِي عُدِمَ ذَلِكَ فِي الْعَامَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُمَا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الشَّيْخِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَئِمَّةِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَفْظُ الْأُمَّةِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ فَيُشْتَرَطُ اشْتِرَاطُ الْكُلِّ فَيَقُولُ: إنَّهُ عَامٌّ قَدْ خُصَّ مِنْهُ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الْفُقَهَاءِ الْعَارِفِينَ بِطُرُقِ الْأَحْكَامِ، وَنَقُولُ أَيْضًا: إنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْأُمَّةِ حُجَّةً إذَا قَالُوهُ عَنْ اسْتِدْلَالٍ، وَهِيَ إنَّمَا عُصِمَتْ عَنْ الْخَطَأِ فِي اسْتِدْلَالِهَا، وَالْعَامَّةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِيُعْصَمُوا مِنْ الْخَطَأِ فَصَارَ وُجُودُهُمْ وَعَدَمُهُمْ بِمَنْزِلَةٍ إلَّا فِيمَا يُسْتَغْنَى عَنْ الرَّأْيِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِيهِ كَمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْعَامَّةِ
وَكَذَا إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةٍ تَتَبَنَّى عَلَى عُلُومِهِمْ مِثْلُ النَّحْوِ أَوْ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَوْلُ كُلِّ عَالِمٍ فِيمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاجْتِهَادِ فِي الْإِجْمَاعِ كَوْنَ الْمُجْمِعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: لَا إجْمَاعَ إلَّا لِلصَّحَابَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَشِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِصِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا قُلْنَا وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْأُصُولُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا هُمْ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَبِقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] دُونَ غَيْرِهِمْ إذْ الْخِطَابُ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ دُونَ الْمَعْدُومِ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ إذْ هُمْ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ لَا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْإِيمَانِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْأُمَّةِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ اتِّفَاقِ الْكُلِّ، وَالْعِلْمُ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ سِوَاهُمْ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي إلَّا فِي الْجَمْعِ الْمَحْصُورِ كَمَا فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ أَمَّا فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ فَيَسْتَحِيلُ مَعْرِفَةُ اتِّفَاقِ جَمِيعِ
стр. 960
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ ﵈ فَهُمْ الْمَخْصُوصُونَ بِالْعِرْقِ الطَّيِّبِ الْمَجْبُولُونَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شَيْءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ تَكُونُ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ بِإِجْمَاعِهِمْ فَلَوْ اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ غَيْرِهِمْ لَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَنَاقُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) وَهُمْ الزَّيْدِيَّةُ وَالْإِمَامِيَّةُ مِنْ الرَّوَافِضِ: لَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ إلَّا مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ ﵇ أَيْ قَرَابَتِهِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أَخْبَرَ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ بِكَلِمَةِ إنَّمَا الْحَاصِرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْهُمْ فَقَطْ، وَالْخَطَأُ مِنْ الرِّجْسِ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُمْ فَقَطْ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇ «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ فَإِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» حَصَرَ التَّمَسُّكَ بِهِمَا فَلَا يَقِفُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّهُمْ اخْتَصُّوا بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ الرِّسَالَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ وَوَقَفُوا عَلَى أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ وَأَقْوَالِهِ بِكَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ فَكَانُوا أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ لَا إجْمَاعَ إلَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»
وَالْخَطَأُ مِنْ الْخَبَثِ فَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِذَا انْتَفَى عَنْهُمْ وَجَبَ مُتَابَعَتُهُمْ ضَرُورَةً، وَقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ يَنْضَمُّ إلَيْهَا وَيَجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِيهَا، وَقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَكِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَّا امَّاعَ كَمَا يَمَّاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ خَطَرِهَا وَكَثْرَةِ شَرَفِهَا وَبِأَنَّ الْمَدِينَةَ دَارُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَمَجْمَعُ الصَّحَابَةِ وَمُسْتَقَرُّ الْإِسْلَامِ وَمُتَبَوَّأُ الْإِيمَانِ، وَفِيهَا ظَهَرَ الْعِلْمُ، وَمِنْهَا صَدَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ الْحَقُّ عَنْ قَوْلِ أَهْلِهَا، وَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَسَمِعُوا التَّأْوِيلَ، وَكَانُوا أَعْرَفَ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ ﵇ مِنْ غَيْرِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمْ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ هَذِهِ) جَوَابٌ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَيْ لَكِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهِيَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أُمُورٌ زَائِدَةٌ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِصِفَةِ الْوَسَاطَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانٍ وَلَا بِقَوْمٍ وَمَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» وَغَيْرُهَا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أَيْ مِمَّا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَعِتْرَةَ الرَّسُولِ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ كَمَا كَانُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﵇ كَانَ عِتْرَتُهُمْ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ كَذَلِكَ
أَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا فَنَقُولُ: مَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ وُرُودِ تِلْكَ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ وَقْتَ وُرُودِهَا
стр. 961
فَهُمْ أَهْلُ حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ وَمَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ لَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا هَذَا كَرَامَةُ الْأُمَّةِ وَلَا اخْتِصَاصَ لِلْأُمَّةِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِ مَنْ يَبْقَى مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﵇ وَبَعْدَ مَنْ مَاتَ بَعْدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَمَا أَنَّ الْآتِيَ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ
وَقَوْلُهُمْ: الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَذُّرِ حُصُولِ الْإِجْمَاعِ فِي غَيْرِ زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ كَانَ حُجَّةً وَكَذَا شُبْهَتُهُمْ الثَّالِثَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا قَالُوا لَزِمَ امْتِنَاعُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ بِعَيْنِ مَا ذَكَرُوا، وَهُوَ بَاطِلٌ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا إجْمَاعَهُمْ عَلَى تَجْوِيزِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ التَّعَارُضُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا وُجِدَ عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ زَالَ شِرْكُ الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّجْوِيزِ فَيَزُولُ بِزَوَالِ شَرْطُهُ وَكَذَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْفَرِيقُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﵇ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ قَرَابَةُ الرَّسُولِ ﵇ فَالْمُرَادُ مِنْ الرِّجْسِ الشِّرْكُ أَوْ الْإِثْمُ أَوْ الشَّيْطَانُ أَوْ الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ أَوْ الْبُخْلُ وَالطَّمَعُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ فَلَا يَصِحُّ الِاجْتِمَاعُ بِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ «تَرَكْت فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ» مِنْ الْآحَادِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالْعِتْرَةِ لَا بِالْعِتْرَةِ وَحْدَهَا مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَحْوِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَوْنِ الْمُتَمَسِّكِ بِهِ مُهْتَدِيًا، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ أَهْلَ الْبَيْتِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ.
وَكَذَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ فَضْلِهَا لَا عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ يَجِبُ مُتَابَعَتُهُ ضَرُورَةً بَلْ مُوَافَقَةُ الْغَيْرِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ، وَلِأَنَّ الْخَبَثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْمُقَامَ بِهَا؛ إذْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ مَعَ جِوَارِ الرَّسُولِ ﵇ وَمَسْجِدِهِ وَمَا وَرَدَهُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُقِيمِينَ بِهَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الدِّينِ أَوْ؛ لِأَنَّ نَفْيَهَا الْخَبَثَ مَخْصُوصٌ بِزَمَانِ الرَّسُولِ ﵇ وَقَوْلُهُ «الْمَدِينَةُ دَارُ الْهِجْرَةِ» إلَى آخِرِهِ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِهَا فَإِنَّ مَكَّةَ مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ وَالزَّمْزَمِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ وَكَوْنِهَا مَوْلِدَ النَّبِيِّ وَمَنْشَأَ إسْمَاعِيلَ وَمَنْزِلَ إبْرَاهِيمَ ﵉ لَا يَكُونُ إجْمَاعُ أَهْلِهَا حُجَّةً، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْبِقَاعِ فِي ذَلِكَ بَلْ الِاعْتِبَارُ لِعِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مَثَلًا قَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَكَمَا أَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مَجْمَعَ الصَّحَابَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ فَقَدْ كَانَتْ دَارَ الْمُنَافِقِينَ وَمَجْمَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَفِيهِمْ مَنْ قَالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] ، وَمَنْ قَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وَمِنْهَا الْمَارِدُونَ عَلَى النِّفَاقِ وَفِيهَا طُعِنَ عُمَرُ وَحُوصِرَ عُثْمَانُ ﵄ حَتَّى قُتِلَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ الْعِلْمُ فَقَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ
قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: إنْ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الْجَامِعَةُ لِلصَّحَابَةِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لَهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجْمَعْ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ لَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَا بَعْدَهَا بَلْ لَا يَزَالُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي الْأَسْفَارِ وَالْغَزَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَدْ ارْتَحَلَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ إلَى الشَّامِ وَنَيِّفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ إلَى الْعِرَاقِ وَفِرْقَةٌ جَمَّةٌ إلَى خُرَاسَانَ وَسَائِرِ
стр. 962
بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الشَّرْطُ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ لَكِنَّا نَقُولُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً لَا فَصْلَ فِيهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ مُطْلَقًا فَلَا يَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُو الْإِجْمَاعَ كَرَامَةً لَهُ لَا لِمَعْنًى يُعْقَلُ فَوَجَبَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْبِلَادِ، وَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِمَا سَيُذْكَرُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا إلَى سَمَاعٍ قَاطِعٍ فَإِنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ فِيهِمْ فَلَا يَشِذُّ عَنْهُمْ مَدَارِكُ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ تَحَكُّمٌ؛ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْمَعَ غَيْرُهُمْ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ نَقْلِهِ فَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ.
[بَابُ شُرُوطِ الْإِجْمَاعِ]
الِانْقِرَاضُ الِانْقِطَاعُ وَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ أَيْ أَهْلِهِ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِ جَمِيعِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُكْمٍ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِهِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَلَا لِصَيْرُورَتِهِ حُجَّةً، وَهُوَ أَصَحُّ مَذَاهِبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ إلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ قَوْلًا وَفِعْلًا لَا يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ بِنَصِّ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ يُشْتَرَطُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ عَنْ قِيَاسٍ كَانَ شَرْطًا، وَإِلَّا فَلَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا فِي فَائِدَتِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: إنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَا دُخُولُ مَنْ سَيَحْدُثُ فِي إجْمَاعِهِمْ وَاعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ أَجْمَعُوا وَانْقَرَضُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَا قَالُوا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ خَالَفَهُمْ الْمُجْتَهِدُ اللَّاحِقُ فِي زَمَانِهِمْ، وَقِيَاسُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخَالِفُ عَارِفًا لِلْإِجْمَاعِ أَيْضًا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إذْ اتِّفَاقُهُمْ لَيْسَ إجْمَاعًا بَعْدُ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِذَا انْقَرَضُوا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْخِلَافُ مُعْتَبَرًا وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ إذْ ذَاكَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ.
وَذَهَبَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ وَإِدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي إجْمَاعِهِمْ أَيْضًا وَاعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِمْ لَا إدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَلَّا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا.
احْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الِانْقِرَاضَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِنَاءً عَلَى وَصْفِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَثْبُتُ الِاجْتِمَاعُ إلَّا بِاسْتِقْرَارِ الْآرَاءِ وَاسْتِقْرَارُهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ يَكُونُ النَّاسُ فِي حَالِ تَأَمُّلٍ وَتَفَحُّصٍ، وَكَانَ رُجُوعُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ مُحْتَمَلًا وَمَعَ احْتِمَالِ الرُّجُوعِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِقْرَارُ فَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ نَهَى التَّسْوِيَةَ فِي الْقِسْمَةِ وَلَا يَفْضُلُ مَنْ كَانَ لَهُ فَضِيلَةٌ مِنْ سَبْقِ الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَقِدَمِ الْعَهْدِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى عُمَرَ ﵁ خَالَفَهُ فِيهِ وَفَضَّلَ فِي الْقِسْمَةِ بِالسَّبْقِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا صَحَّتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَصْرَ لَمْ يَنْقَرِضْ وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَرَى عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ إنَّ عَلِيًّا ﵁ خَالَفَهُ مِنْ بَعْدُ، حَتَّى قَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ بِأَنَّك فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك
стр. 963
فَإِذَا رَجَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْدُ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْعَقِدُ إجْمَاعُهُمْ إلَّا بِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى إلَّا بِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ لَمْ يَسَعْهُ الْخِلَافُ وَصَارَ يَقِينًا كَرَامَةً وَفِي الِابْتِدَاءِ كَانَ خِلَافُهُ مَانِعًا عِنْدَنَا.
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ لَمْ يَنْقَرِضْ فَعَرَفْنَا أَنَّ بِدُونِ الِانْقِرَاضِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ. لَكِنَّا نَقُولُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً مِنْ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ مَا إذَا انْقَرَضَ الْعَصْرُ وَلَمْ يَنْقَرِضْ أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ بَعْدَ الِانْقِرَاضِ، فَلَا يَصِحُّ الزِّيَادَةُ أَيْ زِيَادَةُ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ شَيْءٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَوْ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَجْرِي مَجْرَى النَّسْخِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِمَا ذَكَرُوا مِنْ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُو الْإِجْمَاعَ أَيْ لَا يُجَاوِزُهُ كَرَامَةً أَيْ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا لِمَعْنًى يُعْقَلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَوْ كَانَ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِأُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَثْبُتُ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ الْحَقِّ عَنْهُمْ بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأُمَّةُ حِينَ اتَّفَقَتْ أَجْمَعَتْ عَلَى الْخَطَأِ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَقَوْلُهُمْ الِاسْتِقْرَارُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ حَالَ تَأَمُّلٍ وَتَفَحُّصٍ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّأَمُّلِ وَقَطَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُعْتَقِدُونَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُهُ بِلَا حَاجَةٍ فَيَكُونُ فَاسِدًا.
وَكَذَا تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ التَّسْوِيَةِ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي زَمَانِهِ وَنَاظَرَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ طَوْعًا كَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ فَأَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ أَيْ بُلْغَةُ الْعَيْشِ وَهُمْ فِي الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَلَمْ يُرْوَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ رَأْيِهِ مُنْعَقِدًا، فَلَمَّا آلَ الْأَمْرُ إلَيْهِ عَمِلَ بِرَأْيِهِ فِي حَالِ إمَامَتِهِ وَكَذَا مُخَالَفَةُ عَلِيٍّ ﵁ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي زَمَانِ عُمَرَ ﵁ مِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا أَيْضًا. وَقَوْلُ عُبَيْدَةَ: رَأْيُك فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعَ عُمَرَ جَمَاعَةً لَا أَنَّ مَعَهُ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ. وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَلِيٍّ مُنْضَمًّا إلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵄ لِأَنَّهُ كَانَ يُرَجِّحُ قَوْلَ الْأَكْثَرِ عَلَى قَوْلِ الْأَقَلِّ وَعَلِيٌّ لَا يَرَى التَّرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ بَلْ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا رَجَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْدُ) أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى حُكْمٍ تَقْرِيرٌ وَبَيَانٌ لِثَمَرَةِ الِاخْتِلَافِ، وَلِهَذَا قَالَ بِالْفَاءِ يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُ الْبَعْضِ عَمَّا اتَّفَقَ الْكُلُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَمَنْ شَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ يَصِحُّ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَمْ يُوجَدْ الِاجْتِمَاعُ مِنْ الْكُلِّ عَلَيْهِ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ، فَكَذَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ مَا لَمْ يُوجَدْ الِاجْتِمَاعُ مِنْ الْكُلِّ لَا يَبْقَى إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِوَصْفِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِذَا رَجَعَ الْبَعْضُ لَمْ يَبْقَ وَصْفُ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الْكَرَامَةِ وَلَا يَبْقَى حُجَّةً بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِانْقِرَاضِ لِبَقَاءِ الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِ تَصَوُّرِ الرُّجُوعِ وَهَذِهِ النُّكْتَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّ عِنْدَهُمْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ لَكِنْ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ الرُّجُوعِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ
стр. 964
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُهُمْ بَلْ خِلَافُ الْوَاحِدِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا خِلَافُ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ أَحَقُّ بِالْإِصَابَةِ وَأَوْلَى بِالْحُجَّةِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» .
وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَعَلَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ حُجَّةً فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَصْلُحُ لِلِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ مُخَالِفًا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا هَذَا كَرَامَةٌ ثَبَتَتْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ بِهِ دَلِيلُ الْإِصَابَةِ فَلَا يَصْلُحُ إبْطَالُ حُكْمِ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﵇ وَرُبَّمَا كَانَ الْمُخَالِفُ وَاحِدًا وَرُبَّمَا قَلَّ عَدَدُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ
ــ
[كشف الأسرار]
احْتِمَالِ الرُّجُوعِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بَعْدَمَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ الِانْقِرَاضُ؛ لِأَنَّ بِاتِّفَاقِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَصَارَ اتِّفَاقُهُمْ دَلِيلًا قَطْعِيًّا كَرَامَةً لَهُمْ فَكَانَ الرُّجُوعُ مُخَالَفَةً لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَمُبَيِّنًا أَنَّ إجْمَاعَهُمْ انْعَقَدَ عَلَى الْخَطَأِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ؛ فَإِنَّ خِلَافَ الْبَعْضِ كَانَ مَانِعًا مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ بِيَقِينٍ فَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لِاحْتِمَالِ الصَّوَابِ فَظَهَرَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ مُخَالِفٌ لِلْبَقَاءِ فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ حَالَةِ الْبَقَاءِ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ وَلَمْ يَسَعْهُ وَخِلَافُهُ رَاجِعٌ إلَى الْبَعْضِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُهُمْ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بَعْدَمَا أَجَابَ عَنْهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، يَعْنِي مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَا كَانَ يَنْعَقِدُ إجْمَاعُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ إلَّا بِهِ مَمْنُوعٌ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقَ الْجَمِيعِ بَعْدَمَا أَجَبْنَا عَنْهُ وَفَرَّقْنَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ وَيَجُوزُ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الدَّرَجِ وَالِاسْتِطْرَادِ؛ فَإِنَّ كَلَامَهُ لَمَّا آلَ إلَى أَنَّ خِلَافَ الْبَعْضِ فِي الِابْتِدَاءِ مَانِعٌ ذَكَرَ الْخِلَافَ الَّذِي فِيهِ، وَقَالَ هَذَا عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَيْضًا.
، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أُسْتَاذِ الْكَعْبِيِّ: لَا يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ بَلْ يَنْعَقِدُ بِاتِّفَاقِ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الْأَقَلُّ قَدْ بَلَغَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ مَنَعَ خِلَافُهُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنْ سَوَّغَتْ الِاجْتِهَادَ لِلْمُخَالِفِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَانَ خِلَافُهُ مُعْتَدًّا بِهِ مِثْلُ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَوْرِيثِ الْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ مَعَ الزَّوْجِ وَالْأَبِ أَوْ مَعَ الْمَرْأَةِ وَالْأَبِ وَخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، مِثْلُ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ وَخِلَافِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي أَنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀. وَقِيلَ يَكُونُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً وَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ خِلَافَ الْأَقَلِّ بِقَوْلِهِ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ الْمُنْفَرِدَ بِقَوْلِهِ مُخْطِئٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الْأَقَلِّ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ وَبِقَوْلِهِ ﵇ «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» كَانَ لَفْظُ الْأُمَّةِ الْوَارِدُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ وَإِنْ شَذَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ اثْنَانِ كَمَا يُقَالُ: بَنُو تَمِيمٍ يَحْمُونَ الْجَارَ، وَيُرَادُ أَكْثَرُهُمْ. وَيُقَالُ: رَأَيْت بَقَرَةً سَوْدَاءَ وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا شَعَرَاتٌ بِيضٌ وَبِأَنَّ الْأُمَّةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ اعْتَمَدَتْ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ خَالَفَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعَلِيٌّ وَسُلَيْمَانُ ﵃ وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِمْ وَبِأَنَّ خَبَرَ الْجَمَاعَةِ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكَذَا فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ فِي رِبَا الْفَضْلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّفَاقُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً لَمَا جَازَ لَهُمْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا.
وَمُتَمَسَّكُ الْجُمْهُورِ مَا أَشَارَ
стр. 965
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» هُوَ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّهُمْ مَنْ هُوَ أُمَّةٌ مُطْلَقًا.
ــ
[كشف الأسرار]
إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عُرِفَ حُجَّةً بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» وَهَذِهِ النُّصُوصُ بِحَقِيقَتِهَا تَتَنَاوَلُ كُلَّ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَمَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مُخَالِفًا لَهُمْ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ.
وَإِنَّمَا هَذَا كَرَامَةٌ أَيْ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ بِهِ أَيْ بِاتِّفَاقِهِمْ أَوْ بِإِجْمَاعِهِمْ دَلِيلُ إصَابَةِ الْحَقِّ يَعْنِي ثَبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ فِي عَصْرٍ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَاتَّفَقُوا عَلَى حُكْمٍ يَثْبُتُ بِهِ الْإِجْمَاعُ مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْخَطَأِ كَمَا لَا يُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ إذَا أَخْبَرُوا بِخَبَرٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إبْطَالُ حُكْمِ الْأَفْرَادِ أَيْ عَدَمُ اعْتِبَارِ مُخَالَفَتِهِمْ وَإِثْبَاتُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ بِدُونِ رَأْيِهِمْ؛ لِأَنَّ فِيمَا ثَبَتَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى وَجَبَ رِعَايَةُ جَمِيعِ أَوْصَافِ النَّصِّ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ فِي الْأَحْكَامِ وَرُبَّمَا كَانَ الْمُخَالِفُ وَاحِدًا كَمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي الْعَوْلِ وَفِي اشْتِرَاطِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ لِحَجْبِ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ وَمِثْلُ مُخَالَفَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ وَرُبَّمَا قَلَّ عَدَدُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ كَخِلَافِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي جَوَازِ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَكَانُوا يَعُدُّونَ الْكُلَّ اخْتِلَافًا لَا إجْمَاعًا، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى خِلَافِ الْوَاحِدِ الْجَمِيعَ وَالْأَقَلِّ الْأَكْثَرَ وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ إجْمَاعًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ لَأَحَالَتْ الْعَادَةُ عَدَمَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُخَالِفِ مِنْ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَفَرَّدَ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِأَشْيَاءَ، وَقَدْ أَثْبَتُّمْ الْإِجْمَاعَ مَعَ خِلَافِهِمْ مِثْلُ خِلَافِ حُذَيْفَةَ فِي وَقْتِ السُّحُورِ وَخِلَافِ أَبِي طَلْحَةَ فِي أَكْلِ الْبَرَدِ فِي حَالِ الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِبَا الْفَضْلِ قُلْنَا: إنَّمَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ فَأَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَخِلَافِ حُذَيْفَةَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَكَذَا خِلَافُ أَبِي طَلْحَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَالصِّيَامُ هُوَ الْإِمْسَاكُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِمْسَاكُ مَعَ أَكْلِ الْبَرَدِ، وَكَذَا خِلَافُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرِّبَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» ، وَلِهَذَا أَنْكَرَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ بَعْدَمَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ لَا لِأَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
قَوْلُهُ (وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﵇) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِ الْخَصْمِ فَقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ جَمِيعُهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ وَكُلُّهُمْ تَفْسِيرًا وَتَأْكِيدًا لِلْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِمَّنْ هُوَ أُمَّةٌ مُطْلَقَةٌ أَيْ مِمَّنْ هُوَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَهْوَاءٌ وَبِدَعٌ؛ فَإِنَّ الْكُفَّارَ وَأَهْلَ الْأَهْوَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُمْ أُمَّةُ دَعْوَةٍ لَا أُمَّةُ مُتَابَعَةٍ.
وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ هُوَ الْكُلُّ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا دُونَ الْكُلِّ وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ كُلِّهَا أَوْ الْمُرَادُ مِنْ مُتَابَعَةِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ مُتَابَعَةُ الْأَكْثَرِ، وَلَكِنْ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ، ثُمَّ خَالَفَ الْبَعْضُ بِشُبْهَةٍ اعْتَرَضَتْ لَهُمْ
стр. 966
وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي السَّلَفِ، فَقَدْ صَحَّ الْقَوْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّ إجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ فِيمَا سَبَقَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ السَّلَفِ عَلَى بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ وَفِيمَا لَمْ يَسْبِقْ الْخِلَافُ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَانْعِقَادِهِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّ الشَّاذَّ مَنْ خَالَفَ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ يُقَالُ: شَذَّ الْبَعِيرُ وَنَدَّ إذَا تَوَحَّشَ بَعْدَمَا كَانَ أَهْلِيًّا فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ إذْ الْمُخَاطَبُ لَا يَدْخُلُ فِيمَنْ أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفٌ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ حُجَّةً.
قُلْنَا: يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ إجْمَاعٍ مُخَالِفٌ شَاذٌّ لِيَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً بِدُونِ الْمُخَالِفِ وَبُطْلَانُهُ ظَاهِرٌ ثُمَّ نَقُولُ: يَكُونُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ الْأَوَّلِ فَسُمِّيَ الْأَوَّلُ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَنْعِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْكُمْ خِطَابًا لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ بِمُوجِبِهِ كَالنُّصُوصِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَفْظَةُ الْأَمَةِ تُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَلِهَذَا إذَا شَذَّ عَنْ الْأُمَّةِ وَاحِدٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْبَاقِي لَيْسَ كُلَّ الْأُمَّةِ وَالْأَصْلُ هُوَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا إمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً قَبْلَ مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَسَلْمَانَ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بِالْبَيْعَةِ مِنْ الْأَكْثَرِ وَهِيَ كَافِيَةٌ لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ رَجَعَ هَؤُلَاءِ إلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَتَقَرَّرَ الْإِجْمَاعُ وَتَأَكَّدَتْ الْإِمَامَةُ إذْ ذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ وَاعْتِبَارُهُمْ الْإِجْمَاعَ بِالتَّوَاتُرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالْأَكْثَرُ لَيْسَ كُلَّ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّوَاتُرِ فَافْتَرَقَا
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطٍ آخَرَ) إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ وَاسْتَقَرَّ خِلَافُهُمْ بِأَنْ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ حَقِّيَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ خِلَافُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَحَدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ حَقِّيَّةَ شَيْءٍ مِنْ طَرَفَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَذَلِكَ هَلْ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ فِي الْعَصْرِ الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَهَلْ يَكُونُ عَدَمُ الِاخْتِلَافِ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ؟ وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ يَمْنَعُ وَتَبْقَى الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً كَمَا كَانَتْ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ السَّابِقُ بِهِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَابْنُ أَبِي خَيْرَانَ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَمْنَعُ مِنْ الِانْعِقَادِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَمْنَعُ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا يُخَرَّجُ قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا إلَى آخِرِهِ إلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ صَحَّ الْقَوْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ عَدَمَ الِاخْتِلَافِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَهُمْ
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ الِاخْتِلَافِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ أَوْ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَهُمْ فَقَدْ صَحَّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى اشْتِرَاطِهِ
стр. 967
فَقَدْ صَحَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بَاطِلٌ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُنْقَضُ، فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ جَعَلَ الِاخْتِلَافَ الْأَوَّلَ مَانِعًا مِنْ إجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مُجْتَهَدٌ وَفِيهِ شُبْهَةٌ فَيَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَلَا يُنْقَضُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ أَمَّا مَنْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمُخَالِفَ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، وَهُوَ مِنْ الْأُمَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ وَجْهٍ وَلَا يَصْلُحُ مِنْ وَجْهٍ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الِاخْتِلَافُ مُتَحَقِّقًا بَيْنَهُمْ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا يَكُونُ، فَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ عَلَى الِاتِّفَاقِ أَوْ عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفِي بَعْضِهَا مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ يَنْعَقِدُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
قَوْلُهُ (فَقَدْ صَحَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ فِيهِ الْخِلَافُ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوهُ حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁ كَيْفَ تَبِيعُونَهُنَّ، وَقَدْ اخْتَلَطَتْ لُحُومُكُمْ بِلُحُومِهِنَّ وَدِمَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِنَّ. وَجَوَّزَهُ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَالْآنَ رَأَيْت بَيْعَهُنَّ، وَقَالَ جَابِرٌ ﵁ كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ التَّابِعُونَ أَجْمَعُوا قَاطِبَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَضَى قَاضٍ بِجِوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ يَكُونُ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَى خِلَافِهِ فَدَلَّ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ قَدْ ارْتَفَعَ الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمْ تَبْقَ اجْتِهَادِيَّةً.
وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَهُمْ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الِاخْتِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ. هَذَا أَيْ هَذَا الْجَوَابُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَرْتَفِعْ الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ وَأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ انْعِقَادِ إجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ حَيْثُ صَحَّ الْقَضَاءُ وَلَمْ يُنْقَضْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا يَعْنِي لَا يَدُلُّ هَذَا الْجَوَابُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مَنَعَ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ إنَّ هَذَا أَيْ الْإِجْمَاعَ الَّذِي تَقَدَّمَهُ خِلَافٌ إجْمَاعٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ أَيْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ هُوَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَفِيهِ شُبْهَةٌ أَيْ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ إجْمَاعًا هُوَ إجْمَاعٌ فِيهِ شُبْهَةٌ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُضَلَّلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ أَيْ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَكَانَ هَذَا قَضَاءً فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا قَضَى الْقَاضِي فِي فَصْلٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ يَصِيرُ لَازِمًا وَمُجْمَعًا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَضَى قَاضٍ آخَرُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى خِلَافِ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بِأَنْ اُسْتُقْضِيَ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ فَقُضِيَ بِقَضِيَّةٍ أَوْ اُسْتُقْضِيَتْ امْرَأَةٌ فَقُضِيَتْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَرُفِعَ إلَى آخَرَ فَأَبْطَلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ لَمَّا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَانَ الْقَضَاءُ الثَّانِي فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ لَا فِي أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَيَنْفُذُ كَذَا هَاهُنَا.
وَذُكِرَ فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ فِي الْقَضَاءِ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ رِوَايَاتٌ وَأَظْهَرُهَا أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، وَفِي قَضَاءِ الْجَامِعِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ إنْ أَمْضَى ذَلِكَ الْقَضَاءَ نَفَذَ وَإِنْ أَبْطَلَ بَطَلَ وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَقَاوِيلِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ)
стр. 968
أَلَا تَرَى أَنَّ خِلَافَهُ اُعْتُبِرَ بِدَلِيلِهِ لَا لِعَيْنِهِ.
وَدَلِيلُهُ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْإِجْمَاعِ تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِثْلُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ، وَقَدْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَتَّةٌ بَائِنٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ لَا يُحَدُّ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: إنَّهَا رَجْعِيَّةٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ عِنْدَ نِيَّةِ الثَّلَاثِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ دَلِيلَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً هُوَ اخْتِصَاصُ الْأُمَّةِ بِالْكَرَامَةِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْأَحْيَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الدَّلِيلَ بَاقٍ فَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ نُسِخَ كَنَصٍّ يُتْرَكُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْخِلَافَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُرْتَفِعًا بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ وَجَعَلَ عَدَمَ الِاخْتِلَافِ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْحُجَّةَ اتِّفَاقُ كُلِّ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَحْصُلْ اتِّفَاقُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ الْأَوَّلَ مِنْ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَخْرُجْ بِمَوْتِهِ عَنْ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَبْطُلْ قَوْلُهُ بِهِ إذْ لَوْ بَطَلَ لَمْ يَبْقَ الْمَذَاهِبُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَلَصَارَ قَوْلُ الْبَاقِينَ مِنْ الْأُمَّةِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ وَمَاتَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ إجْمَاعًا لِكَوْنِهِمْ كُلَّ الْأُمَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ اتِّفَاقُ كُلِّ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا، ثُمَّ اسْتَوْضَحَ هَذَا الْكَلَامَ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ خِلَافَهُ أَيْ خِلَافَ الْمُخَالِفِ اُعْتُبِرَ لِدَلِيلِهِ لَا لِعَيْنِهِ أَيْ لَا لِذَاتِ الْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِالدَّلِيلِ وَدَلِيلُ الْمُخَالِفِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَانَ كَبَقَاءِ نَفْسِهِ مُخَالِفًا؛ وَلِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَهُوَ الَّذِي سَبَقَهُ اخْتِلَافٌ تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَيْ يَلْزَمُ مِنْ تَصْحِيحِهِ نِسْبَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إلَى الضَّلَالِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ لَوْ انْعَقَدَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ الْمُجْمِعُونَ إلَيْهِ وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ خَطَأٌ بِيَقِينٍ فَكَانَ فِيهِ نِسْبَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إلَى الضَّلَالِ إذْ الْخَطَأُ بِيَقِينٍ هُوَ الضَّلَالُ وَأَحَدٌ لَا يَظُنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ضَلَّ فِي إنْكَارِهِ الْعَوْلَ وَفِي تَوْرِيثِهِ الْأُمَّ ثُلُثَ كُلِّ الْمَالِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَإِنْ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا بِابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ فِي تَقْدِيمِهِ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَإِنْ أَجْمَعُوا بَعْدَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀) لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا جَمِيعًا لَكِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْأَصْلِ فَأَسْنَدَهُ إلَيْهِ فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ أَوْ حَرَامٌ، وَقَالَ: أَرَدْت بِذَلِكَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، ثُمَّ جَامَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا اخْتِلَافًا ظَاهِرًا. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: إنَّهَا أَيْ الطَّلْقَةُ الْوَاقِعَةُ بِهَذَا اللَّفْظِ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ: إنَّ الْوَاقِعَ بِالْكِنَايَةِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ عِنْدَ نِيَّةِ الثَّلَاثِ أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الْوَاقِعَ بِالْكِنَايَاتِ بَوَائِنُ فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلِأَنَّ الْوَاقِعَ بِالْكِتَابَةِ وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا إلَّا أَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ تَصِحُّ وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَوَطْءُ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِالِاتِّفَاقِ إذَا قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَمْ يُوجَبْ الْحَدُّ هَاهُنَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ السَّابِقَ مَنَعَ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ السَّابِقَ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الدَّلَائِلَ الَّتِي عَرَفْنَا بِهَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ إجْمَاعٍ سَبَقَهُ وَبَيْنَ إجْمَاعٍ لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافٌ فَصَرْفُهَا إلَى إجْمَاعٍ لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافٌ تَقْيِيدٌ لَهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ فَكَانَ بَاطِلًا.
، أَلَا تَرَى أَنَّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِهَذِهِ الْكَرَامَةِ ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْأَحْيَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ دُونَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُمْ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَوَهُّمُ قَوْلٍ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، فَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي عَصْرِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ. يُبَيِّنُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَحَدِهِمَا لَسَقَطَ الِاخْتِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرُ، فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ
стр. 969
وَأَمَّا التَّضْلِيلُ فَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ يَوْمَئِذٍ كَانَ حُجَّةً لِفَقْدِ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا حَدَثَ الْإِجْمَاعُ انْقَطَعَ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ لِلْحَالِ وَذَلِكَ كَالصَّحَابَةِ إذَا اخْتَلَفُوا بِالرَّأْيِ فَلَمَّا عَرَضُوا ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ فَرَدَّ قَوْلَ الْبَعْضِ لَمْ يَنْسُبْ صَاحِبَهُ إلَى الضَّلَالِ وَكَصَلَاةِ أَهْلِ قُبَاءَ بَعْدَ نُزُولِ النَّصِّ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ وَمِنْ شَرْطِهِ اجْتِمَاعُ مَنْ هُوَ دَاخِلٌ فِي أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا شَرَطَ الْأَكْثَرَ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً كَرَامَةً تَثْبُتُ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ فَلَا تَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ..
ــ
[كشف الأسرار]
فِي إجْمَاعِ التَّابِعِينَ مِثْلُ الْحُجَّةِ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَلَمَّا سَقَطَ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ بِإِجْمَاعِهِمْ سَقَطَ بِإِجْمَاعِ الْبَاقِينَ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ حُجَّةً لَتَعَارَضَ الْإِجْمَاعَاتُ؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ خِلَافِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَعْلِيلٍ، وَهُوَ يُعَارِضُ إجْمَاعَ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى امْتِنَاعِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّعَارُضِ تَخْطِئَةُ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ سَمْعًا قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ اتِّفَاقُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلَيْنِ دَلِيلًا عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَطَأً إذْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِالْخَطَأِ خَطَأٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا إجْمَاعَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّا نَقُولُ: وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَمَا أَنْ نَسُوغَهُمْ بِالْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ الْقَاطِعِ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ تَقْدِيرُ الِاشْتِرَاطِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ لَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ ثَانٍ عَلَى خِلَافِ إجْمَاعٍ أَوَّلٍ وَلَجَازَ أَنْ يُخَالِفَ وَاحِدٌ الْإِجْمَاعَ وَيُقَدِّرَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الثَّانِي أَوْ بِعَدَمِ الْوَاحِدِ الْمُخَالِفِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
قُلْنَا: فِيهِ إبْطَالُ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ فِيمَا ذَكَرْنَا الْجَوَازُ هَاهُنَا وَلَوْ سُلِّمَ فَالْإِجْمَاعُ يَمْنَعُ مِنْهُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الصُّورَتَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلَافُهُمْ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ كَلَامِ الْخَصْمِ فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ الْخَصْمِ أَنَّ الدَّلِيلَ بَاقٍ فَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ هُوَ كَمَا قَالَ لَكِنَّهُ نُسِخَ أَيْ لَمْ يَبْقَ مُعْتَبَرًا مَعْمُولًا بِهِ بَعْدَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ كَنَصٍّ يَنْزِلُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ يَخْرُجُ الْقِيَاسُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مَعْمُولًا بِهِ.
قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ بِوَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ خَرَجَ الْأَحْكَامُ عَنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ الَّذِي تَوَقَّفَ النَّسْخُ عَلَيْهِ بِوَفَاتِهِ بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا بَلْ كَانَ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَظْهَرُ خَطَأً أَبَدًا بَلْ يَتَقَرَّرُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَأَمَّا الشُّبْهَةُ فَتَزُولُ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْبُطْلَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ شُبْهَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ بِوَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعِيَّةُ النَّسْخِ بِالْوَحْيِ وَبَقِيَتْ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا كَانَتْ، فَأَمَّا الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ فَيَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمٍ بِإِجْمَاعِ أَوْ بِاجْتِهَادِ أَهْلَ عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى خِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادٍ نُسِخَ لَهُمْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَكُونُ هَذَا بَيَانًا لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي النُّصُوصِ وَلَا يُقَالُ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الْحُكْمِ بِآرَائِهِمْ بَلْ نَقُولُ لَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَبَدَّلَ بِتَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ تَبَدُّلَ الْمَصْلَحَةِ وَمُدَّةَ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا التَّضْلِيلُ فَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ كَانَ حُجَّةً يَوْمَئِذٍ) إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِأَنَّ التَّضْلِيلَ هُوَ الْخَطَأُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ، فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الْعَمَلِ فَلَا بَلْ هُوَ خَطَأٌ مَعْذُورٌ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 970
بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ حُكْمُهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَثْبُتَ الْمُرَادُ بِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَى سَبِيلِ الْيَقِينِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُجْتَهِدِينَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِقَادُ بِحَقِّيَّةِ قَوْلِهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِقَادُ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ حَقٌّ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ حَقِّيَّةَ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ لَا يَكُونُ ضَلَالًا وَلَا يَكُونُ تَخْطِئَتُهُ تَضْلِيلًا لِلْحَالِ أَيْ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ وَذَلِكَ أَيْ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَحُدُوثُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ بِالرَّأْيِ وَرَدُّ الرَّسُولِ ﵇ قَوْلَ الْبَعْضِ وَكَصَلَاةِ أَهْلِ قُبَاءَ؛ فَإِنَّهُمْ صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَمَا نَزَلَتْ فَرْضِيَّةُ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى أُخْبِرُوا بِأَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَلَالًا وَإِنْ ظَهْر خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالنَّصِّ النَّاسِخِ، فَكَذَا هَذَا وَقُبَاءُ بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ يُنَوَّنُ وَلَا يُنَوَّنُ.
، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِرُجُوعِهِ لَا مَحَالَةَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا تَضْلِيلَهُ فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ قَبْلَ الرُّجُوعِ، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا أَسْقَطَ مُحَمَّدٌ بِالشُّبْهَةِ) أَيْ بِالشُّبْهَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ إجْمَاعًا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ الْأَوَّلُ بَاقِيًا فَيُورِثُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ شُبْهَةَ بَقَاءِ الِاخْتِلَافِ الْأَوَّلِ وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ.
، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ نَفَّذَ قَضَاءَ الْقَاضِي بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ الْحَدُّ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ مِنْ شَرْطِ الْإِجْمَاعِ كَذَا إنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَهَا مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا هُنَاكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ وَهَاهُنَا ذَكَرَهَا قَصْدًا وَلِيُبَيِّنَ أَنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا وَلِيُبَيِّنَ اخْتِيَارَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
[بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَمَحِلّه]
(بَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ)
حُكْمُ الشَّيْءِ، وَهُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ رُكْنِهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ وَبَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ فَلِذَلِكَ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا حُكْمُ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَصْلِ أَيْ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِجَمِيعِ شَرَائِطِهِ أَنْ يَثْبُتَ الْمُرَادُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْيَقِينِ يَعْنِي الْأَصْلُ فِي الْإِجْمَاعِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ قَطْعًا كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْيَقِينُ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَذَلِكَ بِسَبَبِ الْعَوَارِضِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمُؤَوَّلَةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَوْلُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمُرَادِ وَيَصِحُّ لِلْحَالِ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُرْآنًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَيْ أَمْرًا دِينِيًّا إشَارَةً إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ الْأُمُورُ الدِّينِيَّةُ لَا غَيْرَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَوُجُودِ الْبَارِي ﷻ وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ لِاسْتِلْزَامِهِ الدَّوْرَ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النُّصُوصِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ وَصِحَّةِ النُّبُوَّةِ فَلَوْ تَوَقَّفَا عَلَيْهِ لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَأَمَّا مَا لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا دِينِيًّا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً اتِّفَاقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْفُرُوعِ أَوْ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ كَرُؤْيَةِ الْبَارِي لَا فِي جِهَةٍ وَنَفْيِ الشَّرِيكِ وَغُفْرَانِ الْمُذْنِبِينَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا كَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَالْعِمَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ
стр. 971
وَمِنْ أَهْلِ الْهَوَى مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْإِجْمَاعَ حُجَّةً قَاطِعَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اعْتَمَدَ مَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ الْإِجْمَاعُ فِيهِ حُجَّةً حَتَّى لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الدَّالَّةَ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ مِنْ الْخَطَإِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﵇، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَصَالِحِ الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي قِصَّةِ التَّلْقِيحِ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» وَكَانَ إذَا رَأَى رَأْيًا فِي الْحَرْبِ رَاجَعَهُ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَرُبَّمَا كَانَ يَتْرُكُ رَأْيَهُ بِرَأْيِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُرَاجِعُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ.
وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِجْمَاعَ حُجَّةً فِيهِ هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي كَمَا فِي الْإِجْمَاعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحَالُ يَجِبُ وَإِنْ تَغَيَّرَ لَا يَجِبُ وَيَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الدُّنْيَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَاجِلَةِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ سَاعَةً فَسَاعَةً وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُجَّةً مِثْلُ إبْرَاهِيمَ النَّظَّامِ وَالْقَاشَانِيِّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَأَكْثَرِ الرَّوَافِضِ، وَقَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ مِنْهُمْ: إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَاعُ وَلَكِنَّهُ حُجَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِمَامَ دَاخِلٌ فِيهِمْ، وَقَوْلُهُ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ فَالْحُجَّةُ قَوْلُ الْإِمَامِ عِنْدَهُمْ دُونَ الْإِجْمَاعِ.
وَقَوْلُهُ وَمِنْ أَهْلِ الْهَوَى مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْإِجْمَاعَ حُجَّةً قَاطِعَةً يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُمْ غَيْرَ قَاطِعَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ رَأَى الِاجْتِهَادَ مِنْهُمْ حُجَّةً؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ حُجَّةً فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ كَانَ اجْتِهَادُ الْجَمِيعِ حُجَّةً فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا إذَا تَبَدَّلَ الِاجْتِهَادُ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا تَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُجَّةً بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ وُقُوعَهُ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَبَاعُدِ دِيَارِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ لَا يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْمَغْرِبِ وَلَا بِالْمَشْرِقِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْرِفُوا أَقَاوِيلَهُمْ فِي الْحَوَادِثِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْرِفَةَ قَوْلِ الْأُمَّةِ بِإِجْمَاعِهِمْ فِي الْحَوَادِثِ مُتَعَذِّرٌ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُ آرَائِهِمْ فِي الْحَادِثَةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْفِطَنِ وَالْقَرَائِحِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَالْمَطَالِبِ وَأَخْذِ كُلِّ قَوْمٍ صَوْتًا مِنْ أَسَالِيبِ الطُّيُورِ فَيَكُونُ تَصْوِيرُ إجْمَاعِهِمْ فِي الْحُكْمِ الْمَظْنُونِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ تَصْوِيرِ الْعَالَمِينَ فِي صُبْحِيَّةِ يَوْمٍ عَلَى قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ وَأَكْلِ نَوْعٍ مِنْ الطَّعَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ إمَّا أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ نَصٍّ أَوْ إمَّا لَا إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُسْتَنَدٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ نَصٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ عَنْ نَصٍّ وَجَبَ نَقْلُهُ عَلَيْهِمْ إذَا تَعَلَّقَ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَيَكُونُ هُوَ الْحُجَّةُ دُونَ الْإِجْمَاعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَنْ أَمَارَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاخْتِلَافِ هِمَمِهِمْ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ مَظْنُونٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ انْعَقَدَ عَنْ أَمَارَةٍ يَكُونُ الْأَمَارَةُ هِيَ الْحُجَّةُ دُونَ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا.
١ -
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَهُمْ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْخَطَأُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اعْتَمَدَ مَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَيَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَجُوزَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخَطَأُ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ كَمَا يَسْتَحِيلُ عَكْسُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا وَلَا يَكُونُ جَمِيعُهُمْ عَلَى الصَّوَابِ وَكَمَا يَسْتَحِيلُ
стр. 972
أَمَّا الْكِتَابُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] فَأَوْجَبَ هَذَا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا بِيَقِينٍ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ وَلَا يَكُونُ الْجَمِيعُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً كَقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ (لَكِنَّ هَذَا) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ تُوجِبُ أَنَّهُ حُجَّةٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
١ -
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تَعَالَى تَوَعَّدَ عَلَى مُتَابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَوَعَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَالسَّبِيلُ مَا يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَمَّا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ وَلَمَا حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُشَاقِّ الرَّسُولِ فِي الْوَعِيدِ كَمَا لَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ الْمُبَاحِ فِي الْوَعِيدِ، وَإِذَا حَرُمَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَبَ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ سَبِيلُهُمْ وَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مُتَابَعَةَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَنْزِلَةِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ فِي اسْتِيجَابِ النَّارِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فَكَانَ تَرْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا قَطْعًا.
ثُمَّ تَرْكُ الْمُشَاقَّةِ إنَّمَا وَجَبَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ حَقٌّ بِيَقِينٍ فَكَذَلِكَ تَرْكُ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا وَجَبَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ سَبِيلَهُمْ حَقٌّ بِيَقِينٍ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِشَرْطِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ فَلَا يَثْبُتُ التَّوَعُّدُ بِدُونِهَا إذْ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِهَا الِاشْتِرَاطَ اللَّفْظِيَّ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ الِاتِّبَاعِ بِالْمُشَاقَّةِ فِي صِحَّةِ تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْوَعِيدَ تَرَتَّبَ عَلَى الْمُشَاقَّةِ وَالِاتِّبَاعِ الْمَذْكُورَيْنِ مَجْمُوعًا فَلَا يَثْبُتُ تَرَتُّبُ الْوَعِيدِ عَلَى الِاتِّبَاعِ بِانْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَكَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَذَلِكَ فَاسِدٌ أَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُشَاقَّةَ بِانْفِرَادِهَا سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣] .
، وَقَدْ سَاعَدَنَا الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ شَرْطًا وَسَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُشَاقَّةُ بِانْفِرَادِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُشَاقَّةُ بِانْفِرَادِهَا سَبَبًا لِذَلِكَ كَانَ الِاتِّبَاعُ بِانْفِرَادِهِ سَبَبًا لَهُ أَيْضًا إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ سَبَبًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ وَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبَبٌ لِلْإِثْمِ فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الِاتِّبَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يُقَالَ الْمُسْلِمُونَ أَتْبَاعُ الْيَهُودِ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَنُبُوَّةِ مُوسَى ﵇ بَلْ مُتَابَعَةُ الْغَيْرِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ، فَأَمَّا الْآتِي بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ لَا لِأَجْلِ أَنَّ الْغَيْرَ فَعَلَهُ بَلْ لِأَنَّ الدَّلِيلَ سَاقَهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلْغَيْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَصَلَ بَيْنَ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ مُتَابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَاسِطَةٌ وَهِيَ أَنْ لَا يُتَّبَعَ أَحَدٌ أَصْلًا بَلْ يُتَوَقَّفُ إلَى ظُهُورِ الدَّلِيلِ، وَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْوَاسِطَةُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وُجُوبُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْقُطُ
стр. 973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِدْلَال قُلْنَا: الِاسْتِدْلَال تَامٌّ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاتِّبَاعِ فِي الْآيَةِ نَفْسُ الْمُوَافَقَةِ وَالسُّلُوكِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ فُلَانٌ يَتَّبِعُ السَّبِيلَ الْفُلَانِيَّ يُفْهَمُ مِنْهُ نَفْسُ السُّلُوكِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَكَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى اتِّبَاعِ أَحَدٍ بَلْ لِشُبْهَةٍ صَرَفَتْهُ إلَيْهِ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْوَعِيدِ بِلَا خِلَافٍ.
وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَيَسْلُكُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاتِّبَاعِ هَاهُنَا نَفْسُ السُّلُوكِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ انْتَفَتْ الْوَاسِطَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَصْمُ وَلَزِمَ مِنْ حُرْمَةِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لُزُومُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ضَرُورَةً يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَتَرْكَ الصَّلَاةِ مَثَلًا غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَتَرْكُ الصَّلَاة لَزِمَ عَلَيْهِ تَرْكُ الشُّرْب وَالتَّحَرُّزُ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَهُمَا غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ لَا مَحَالَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَفْظُ السَّبِيلِ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الْمَشْيُ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْهُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ وَتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﵇؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ لَا تَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ فُهِمَ مِنْهُ سَبِيلُهُمْ الَّذِي صَارُوا صَالِحِينَ لَا سَبِيلُهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقَ؛ فَإِنَّهُ سَرَقَ دِرْعًا وَالْتَحَقَ بِالْمُشْرِكِينَ مُرْتَدًّا فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] أَيْ يُخَالِفُهُ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى أَيْ ظَهَرَ لَهُ الدِّينُ الْحَقُّ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] أَيْ غَيْرَ طَرِيقِهِمْ بِالِارْتِدَادِ كَمَا فَعَلَهُ طُعْمَةُ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] نَتْرُكُهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ وَقِيلَ: نَدَعْهُ وَمَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ مِنْ الدِّينِ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] نُدْخِلْهُ فِيهَا كَذَا ذُكِرَ فِي التَّفَاسِيرِ، وَإِذَا حُمِلَ السَّبِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ تَبْقَ حُجَّةٌ فِي الْإِجْمَاعِ قُلْنَا.
الْأَصْلُ إجْرَاءُ الْكَلَامِ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَالسَّبِيلُ مُطْلَقٌ أَوْ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ الْإِضَافَةُ بِمَنْزِلَةِ لَامِ التَّعْرِيفِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْمِيمِ فَتَقْتَضِي النَّصُّ بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ لُحُوقَ الْوَعِيدِ عِنْدَ تَرْكِ اتِّبَاعِ سَبِيلِهِمْ فِيمَا صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وَفِيمَا لَمْ يَصِيرُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ اتَّبِعْ سَبِيلَ الْعُلَمَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَتَّبِعَ سَبِيلَهُمْ فِيمَا صَارُوا بِهِ عُلَمَاءَ وَفِيمَا لَمْ يَصِيرُوا بِهِ عُلَمَاءَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِمُشَاقَّةِ الرَّسُولِ إلَّا تَرْكُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ فَلَوْ حَمَلْنَا السَّبِيلَ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ التَّكْرَارُ وَلَا يُعْتَنَى لِقَوْلِهِمْ نَزَلَ فِي رَجُلٍ مُرْتَدٍّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِقَاطِعَةٍ فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﵇ أَوْ مُنَاصَرَتِهِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَوْ فِي الْإِيمَانِ بِهِ لَا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهِ فَيَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهَا لِمَا يُرَى الْإِجْمَاعُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً لَا يَكْفُرُ وَلَا يُفَسَّقُ مُخَالِفُهَا كَمَا هُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا لِمَنْ يَرَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ مُخَالِفُهَا؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْمُحْتَمَلِ الظَّنِّيِّ فِي مَقَامِ الْقَطْعِ غَيْرُ مُفِيدٍ وَأُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ احْتِمَالٍ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الدَّلِيلِ قَطْعِيًّا؛ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَ قَدْ تَطَرَّقَ إلَى جَمِيعِ الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَوْ اُعْتُبِرَ
стр. 974
وَقَالَ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَالْخَيْرِيَّةُ تُوجِبُ الْحَقِّيَّةَ فِيمَا أَجْمَعُوا
ــ
[كشف الأسرار]
كُلُّ احْتِمَالٍ لَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الظَّوَاهِرَ وَالْعُمُومَاتِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ تَمَسَّكُوا فِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِشُبْهَةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ خِلَافَ الظَّاهِرِ لَمْ تَقْدَحْ فِي قَطْعِيَّةِ النُّصُوصِ حَتَّى وَجَبَ تَضْلِيلُهُمْ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِاحْتِمَالٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ.
١ -
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِخِطَابِ الشَّارِعِ إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَ ظَاهِرِهِ أَوْ مَا يَقْتَضِيهِ مَعَ قَرِينَةٍ إنْ وُجِدَتْ مَعَهُ قَرِينَةٌ إذْ لَوْ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ غَيْرُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ لَمَا حَصَلَ الْوُثُوقُ بِخِطَابِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْهُ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ.، أَلَا تَرَى أَنَّا نَعْلَمُ الشَّيْءَ جَائِزَ الْوُقُوعِ قَطْعًا، ثُمَّ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْقِلَابُ مَاءِ جَيْحُونَ دَمًا وَانْقِلَابُ الْجُدْرَانِ ذَهَبًا وَظُهُورُ الْإِنْسَانِ الشَّيْخِ لَا مِنْ الْأَبَوَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَمَعَ ذَلِكَ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ، فَكَذَا هَاهُنَا وَإِنْ جَوَّزْنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ شَيْءٍ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِينَا عِلْمًا بَدِيهِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْنِي لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا ظَوَاهِرَهَا فَكَذَلِكَ أَمِنَّا عَنْ الِالْتِبَاسِ وَعَرَفْنَا أَنَّ الظَّوَاهِرَ قَاطِعَةٌ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ الْقَطْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] كَانَ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي زَمَانٍ مَاضٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا عَلَى انْقِطَاعٍ طَارِئٍ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] كَأَنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ وَخُلِقْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وَقِيلَ: كُنْتُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ وَقِيلَ كُنْتُمْ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مَذْكُورِينَ بِأَنَّكُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ مَوْصُوفِينَ بِهِ، أُخْرِجَتْ أُظْهِرَتْ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ النَّاسَ وَيَكْسُوهُمْ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ خَيْرِيَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَامُ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَوْا عَنْ كُلِّ مُنْكِرٍ فَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَى خَطَإٍ قَوْلًا لَكَانُوا أَجْمَعُوا عَلَى مُنْكَرٍ قَوْلًا فَكَانُوا آمِرِينَ بِالْمُنْكَرِ نَاهِينَ عَنْ الْمَعْرُوفِ هُوَ يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْآيَةِ.
وَعَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ خَيْرِيَّتِهِمْ بِكَلِمَةِ التَّفْضِيلِ؛ فَإِنَّ كَلِمَةَ " خَيْرَ " هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ فَتَدُلُّ عَلَى النِّهَايَةِ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ حَقِّيَّةَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَكَانُوا آمِرِينَ بِالْمُنْكَرِ نَاهِينَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَكُونُ خَيِّرًا مُطْلَقًا فَيَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ النَّصِّ.
وَعِبَارَةُ التَّقْوِيمِ أَنَّ كَلِمَةَ " خَيْرَ " بِمَعْنَى أَفْعَلَ فَتَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ الْخَيْرِيَّةِ وَنَفْسُ الْخَيْرِيَّةِ فِي كَيْنُونَةِ الْعَبْدِ مَعَ الْحَقِّ وَالنِّهَايَةُ فِي كَيْنُونَتِهِ مَعَ الْحَقِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَدَلَّ لَفْظُ الْخَيْرِ، وَهُوَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ عَلَى أَنَّهُمْ يُصِيبُونَ لَا مَحَالَةَ الْحَقَّ الَّذِي هُوَ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ وَإِنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا.
فَإِنْ قِيلَ: الْآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي اتِّصَافَ كُلِّ وَاحِدٍ بِوَصْفِ الْخَيْرِيَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْلُومُ خِلَافُهُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إجْرَاؤُهَا عَلَى الظَّاهِرِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ عِنْدَنَا.
قُلْنَا: لَيْسَ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ
стр. 975
وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ وَذَلِكَ يُضَادُّ الْجَوْرَ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّاسِ تَقْتَضِي الْإِصَابَةَ وَالْحَقِّيَّةَ إذَا كَانَتْ شَهَادَةً جَامِعَةً لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ وَصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ خَيْرُ أُمَّةٍ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أُمَّةٌ حَقِيقَةً وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ خَيْرًا مِنْ صَاحِبِهِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فَكَانَ الْمُخَاطَبُ بِهِ مَجْمُوعَ الْأُمَّةِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَلِكِ لِعَسْكَرِهِ أَنْتُمْ خَيْرُ عَسْكَرٍ فِي الدُّنْيَا تَفْتَحُونَ الْقِلَاعَ وَتَكْسِرُونَ الْجُيُوشَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَلِكَ وَصَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَسْكَرِ بِذَلِكَ بَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ وَصَفَ الْمَجْمُوعَ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ فِي الْعَسْكَرِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، فَكَذَا هَاهُنَا وَصْفُ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ بِالْخَيْرِيَّةِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَعْنَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ مَوْصُوفُونَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ بَنُو هَاشِمٍ حُلَمَاءُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ فُقَهَاءُ أَيْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مَوْصُوفٌ بِهَا.
١ -
قَوْلُهُ: وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْجَعْلِ الْعَجِيبِ، وَهُوَ جَعْلُ الْكَعْبَةِ قِبْلَةً جَعَلْنَاكُمْ أَيْ صَيَّرْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أَيْ خِيَارًا وَهِيَ صِفَةٌ بِالِاسْمِ الَّذِي هُوَ وَسَطُ الشَّيْءِ وَلِذَلِكَ اسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَقِيلَ لِلْخِيَارِ وَسَطٌ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْخَلَلُ وَالْأَوْسَاطُ مَحْمِيَّةٌ.
وَقِيلَ عُدُولًا لِأَنَّ الْوَسَطَ عَدْلٌ بَيْنَ الْأَطْرَافِ لَيْسَتْ إلَى بَعْضِهَا أَقْرَبَ مِنْ بَعْضٍ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِكَوْنِهِمْ وَسَطًا وَالْوَسَطُ هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي يُرْتَضَى بِقَوْلِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أَيْ أَعْدَلُهُمْ وَأَرْضَاهُمْ قَوْلًا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نَزَلَتْ إحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ
فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الْأُمَّةِ مَوْصُوفًا بِالْعَدَالَةِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مَوْصُوفًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ خِلَافُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا كَانَ بَاطِلًا وَكَذِبًا وَالْكَاذِبُ الْمُبْطِلُ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ فَلَا يَكُونُ عَدْلًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُمْ وَسَطًا يُضَادُّ الْجَوْرَ أَيْ الْمَيْلَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الْوَسَطُ فِي اللُّغَةِ مَنْ يُرْتَضَى بِقَوْلِهِ وَمُطْلَقُ الِارْتِضَاءِ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْأَصْلِ مَرْدُودٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الْمُخْطِئَ رُبَّمَا يُعْذَرُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ وَيُؤْجَرُ عَلَى قَدْرِ طَلَبِهِ لِلْحَقِّ بِطَرِيقِهِ لَا أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ .
فَإِنْ قِيلَ: وَصْفُهُمْ بِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ عُدُولًا فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا زَيْدٌ عَالِمٌ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَالِمًا بِشَيْءٍ وَلَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَالِمًا بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ عُدُولًا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ مُحِقِّينَ فِي الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ إنْ كَانَ مَعْصِيَةً فَهُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ لَا مِنْ الْكَبَائِرِ فَلَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ.
قُلْنَا: إنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَالَةِ أَحَدٍ إلَّا وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ يَكُونُ عَدْلًا حَقِيقَةً كَالْمُزَكِّي إذَا أَخْبَرَ بِعَدَالَةِ شَاهِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ظَاهِرًا وَهَاهُنَا قَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِعَدَالَتِهِمْ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَنْ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْكَذِبِ، وَهُوَ يُنَافِي الْعَدَالَةَ الْمُطْلَقَةَ الْحَقِيقَةِ. بِخِلَافِ شُهُودِ الْحَاكِمِ حَيْثُ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمْ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ جَوَازِ
стр. 976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الصَّغِيرَةِ عَلَيْهِمْ وَاحْتِمَالِ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ فِي شَهَادَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْبَاطِنِ فَلَا جَرَمَ اكْتَفَى بِالظَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ، وَالشَّاهِدُ اسْمٌ لِمَنْ يُخْبِرُ بِالصِّدْقِ حَقِيقَةً وَيَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً وَالْكَاذِبُ لَا يُسَمَّى شَاهِدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ صَدَقَةٌ فِيمَا أَخْبَرُوا وَإِنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ؛ فَإِنَّ الْحَكِيمَ لَا يَحْكُمُ بِخَيْرِيَّةِ قَوْمٍ لِيَشْهَدُوا، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ كُلَّهُمْ يُقْدِمُونَ عَلَى الْكَذِبِ فِيمَا يَشْهَدُونَ فَدَلَّ أَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُقْدِمُونَ إلَّا عَلَى الْحَقِّ حَيْثُ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ شَهَادَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْأُمَمِ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَلَّغَتْ إلَيْهِمْ الرِّسَالَةَ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْخَبَرُ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونُوا صَدَقَةً فِي شَهَادَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ لَا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونُوا عُدُولًا فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الشُّهُودِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ.
قُلْنَا: لَا تَفْصِيلَ فِي الْآيَةِ فَتَتَنَاوَلُ شَهَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَذَا لَمْ يُذْكَرْ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَتَرْكُ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ بِهِ يُوجِبُ التَّعْمِيمَ كَمَا فِي قَوْلِك: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ؛ فَيَكُونُ الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةً شَهَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ شَهَادَتِهِمْ حُكْمُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى النَّاسِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ صَيْرُورَتَهُمْ عُدُولًا فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالُوا لَقَالَ سَنَجْعَلُكُمْ أُمَّةً وَسَطًا كَيْفَ وَجَمِيعُ الْأُمَمِ عُدُولٌ فِي الْآخِرَةِ لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ تَخْصِيصٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَتْ شَهَادَةً جَامِعَةً لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مُعْتَبَرَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَوَابًا وَحَقًّا لَا مَحَالَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعَالَى كَمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ جَعَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ قُلْ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] ، ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً، فَكَذَا إجْمَاعُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ حُجَّةً حِينَ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْكِتَابِ شُهَدَاءَ بِهِ وَلَمْ يَبْقَ الْيَوْمَ حُجَّةً لِكُفْرِهِمْ، عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ بِمَا فِيهِ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ فَلِمَ لَا تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ جَمِيعَ مَنْ صَدَّقَ النَّبِيَّ ﵇ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إحَاطَةُ عِلْمِنَا بِإِجْمَاعِ كُلِّ مَنْ صَدَّقَ النَّبِيَّ ﵇ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ وُجِدَ فِي زَمَانِ نُزُولِ الْآيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إجْمَاعٌ حُجَّةً حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ قَدْ قَالَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
قُلْنَا: لِمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَدَالَةِ وَالشَّهَادَةِ فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْنَا قَبُولَ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسِّمَ تَقْسِيمًا يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْوُصُولِ إلَى شَهَادَتِهِمْ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَاعْتَمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْكَوْنِ مَعَ الصَّادِقِينَ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الصَّادِقِ هُوَ الصَّادِقُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الصَّادِقُ فِي الْبَعْضِ لَزِمَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِمُوَافَقَةِ كِلَا الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَادِقٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا بِالْمُتَابَعَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَيِّنٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ وَالتَّعْطِيلُ، ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ الصَّادِقُ فِي
стр. 977
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» وَعُمُومُ النَّصِّ يَنْفِيَ جَمِيعَ وُجُوهِ الضَّلَالَةِ فِي الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ جَمِيعًا «، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، فَمُرْ عُمَرَ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ» ، وَسُئِلَ عَنْ الْخَمِيرَةِ يَتَعَاطَاهَا الْجِيرَانُ، فَقَالَ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» .
ــ
[كشف الأسرار]
كُلِّ الْأُمُورِ الَّذِي يَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ إمَّا مَجْمُوعُ الْأُمَّةِ أَوْ بَعْضُهُمْ وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْكَوْنِ مَعَهُمْ يَسْتَلْزِمُ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ وَلَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَعْيَانِهِمْ.
وَقَدْ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّا لَا نَعْرِفُ وَاحِدًا نَقْطَعُ فِيهِ بِأَنَّهُ مِنْ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالْكَوْنِ مَعَهُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ مَجْمُوعُ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ) هَذَا مِنْ الْحُجَجِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسُّنَّةِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى الْغَرَضِ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَتْ دُونَهَا مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ تَظَاهَرَتْ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ بِعِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى لِسَانِ الثِّقَاتِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ أَوْ عَلَى ضَلَالَةٍ» سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهِ وَرُوِيَ عَلَى خَطَإٍ يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ، وَرُوِيَ وَلَا عَلَى خَطَأٍ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالِي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ» «مَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ عَنْ عُنُقِهِ» «مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ» «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» «ثَلَاثٌ لَا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَائِهِمْ» «مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» «لَنْ يَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ نَاوَأَهُمْ أَيْ عَادَاهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَرُوِيَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي كَذَا وَكَذَا فِرْقَةٍ كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ قِيلَ: وَمَنْ تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ: هِيَ الْجَمَاعَةُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً وَلَمْ تَزَلْ كَانَتْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى زَمَانِنَا هَذَا لَمْ يَدْفَعْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا مِنْ مُوَافِقِي الْأُمَّةِ وَمُخَالِفِيهَا وَلَمْ تَزَلْ الْأُمَّةُ تَحْتَجُّ بِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الدَّلِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُصُولُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّ قَصْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ آحَادُهَا تَعْظِيمُ شَأْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْإِخْبَارُ بِعِصْمَتِهَا عَنْ الْخَطَإِ كَمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ شَجَاعَةُ عَلِيٍّ وُجُودُ حَاتِمٍ وَخَطَابَةُ حَجَّاجٍ مِنْ آحَادِ وَقَائِعَ نُقِلَتْ عَنْهُمْ وَثَانِيهِمَا حُصُولُ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ تَزَلْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُتَمَسَّكًا بِهَا فِي إثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهَا وَلَا نَكِيرٍ إلَى زَمَانِ الْمُخَالِفِ وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِإِحَالَةِ اتِّفَاقِ مِثْلِ هَذَا الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ مَعَ تَكَرُّرِ الْأَزْمَانِ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ وَهِمَمِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ مَعَ كَوْنِهَا مَجْبُولَةً عَلَى الْخِلَافِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ
стр. 978
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فِي إثْبَاتِ أَصْلٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَبِّهَ أَحَدٌ عَلَى فَسَادِهِ وَإِبْطَالِهِ وَإِظْهَارِ النَّكِيرِ فِيهِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا خَالَفَ وَاحِدٌ وَلَمْ يُنْقَلْ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِمَّا تُحِيلُهُ الْعَادَةُ إذْ الْإِجْمَاعُ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ فَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مُخَالِفٌ اُشْتُهِرَ إذْ لَمْ يَنْدَرِسْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ وَحَدِّ الشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا فَكَيْفَ انْدَرَسَ فِي أَصْلٍ عَظِيمٍ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ لِمَنْ أَخْطَأَ فِي نَفْيِهِ أَوْ إثْبَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اشْتَهَرَ خِلَافُ النَّظَّامِ مَعَ سُقُوطِ قَدْرِهِ فَكَيْفَ اخْتَفَى خِلَافُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؟ ،
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّكُمْ اسْتَدْلَلْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ وَبِالْخَبَرِ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى الْإِجْمَاعِ بِالْخَبَرِ وَعَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ بِخُلُوِّ الْأَعْصَارِ عَنْ الْمُدَافَعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي إنْكَارَ إثْبَاتِ أَصْلٍ قَاطِعٍ بِحُكْمٍ عَلَى الْقَوَاطِعِ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ فَعَلِمْنَا بِالْعَادَةِ كَوْنَ الْخَبَرِ مَقْطُوعًا بِهِ لَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَادَةُ أَصْلٌ يُسْتَفَادُ مِنْهَا مَعَارِفُ بِهَا يُعْرَفُ بُطْلَانُ دَعْوَى مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ وَبُطْلَانُ دَعْوَى نَصِّ الْإِمَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: لَعَلَّهُمْ أَثْبَتُوا الْإِجْمَاعَ بِغَيْرِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَمَسُّكَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ بِهَا فِي مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ لِمُخَالِفِ الْجَمَاعَةِ دَلِيلٌ أَنَّ الْإِثْبَاتَ إنَّمَا كَانَ بِهَا.
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّحَّةِ لَعَرَّفَتْ الصَّحَابَةُ التَّابِعِينَ طُرُقَ صِحَّتِهَا دَفْعًا لِلشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ التَّعْرِيفِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِ تِلْكَ الطُّرُقِ قَرَائِنَ أَحْوَالٍ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحِكَايَةِ دَلَّتْ ضَرُورَةً عَلَى قَصْدِهِ إلَى بَيَانِ نَفْيِ الْخَطَأِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتِلْكَ الْقَرَائِنُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحِكَايَةِ وَلَوْ حَكَوْهَا لَتَطَرَّقَ إلَى آحَادِهَا احْتِمَالَاتٌ فَاكْتَفَوْا بِعِلْمِ التَّابِعِينَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ.
الْخَامِسُ: حَمْلُهُمْ الضَّلَالَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ عَلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ» وَقَوْلُهُ عَلَى الْخَطَإِ لَمْ يَتَوَاتَرْ وَإِنْ صَحَّ فَالْخَطَأُ عَامٌّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْكُفْرِ وَدُفِعَ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] ، وَقَدْ فُهِمَ عَلَى الضَّرُورَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَعْظِيمُ شَأْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَخْصِيصُهَا بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَمَّا الْعِصْمَةُ عَنْ الْكُفْرِ فَقَدْ أَنْعَمَ بِهَا فِي حَقِّ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ وَزَيْدٍ عَلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ؛ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْحَقِّ وَكَمْ مِنْ آحَادٍ عُصِمُوا عَنْ الْكُفْرِ حَتَّى مَاتُوا فَأَيُّ خَاصَّةٍ لِلْأُمَّةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا لَا تُعْصَمُ عَنْهُ الْآحَادُ مِنْ سَهْوٍ وَخَطَأٍ وَكَذِبٍ وَيُعْصَمُ عَنْهُ الْأُمَّةُ تَنْزِيلًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَنْزِلَةَ النَّبِيِّ فِي الْعِصْمَةِ عَنْ الْخَطَإِ فِي الدِّينِ وَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ عُمُومُ النَّصِّ، وَهُوَ نَفْيُ الضَّلَالَةِ مُحَلَّاةً فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ إنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِاللَّامِ، وَكَوْنُهَا نَكِرَةً فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ إنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِغَيْرِ لَامٍ يَنْفِي جَمِيعَ وُجُوهِ الضَّلَالَةِ فِي الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ ضِدُّ الْهُدَى وَالْهُدَى اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْعَامِّ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ فَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الْكُفْرِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
السَّادِسُ: حَمْلُهُمْ الْخَطَأَ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي الْآخِرَةِ أَوْ مِمَّا يُوَافِقُ النَّصَّ الْمُتَوَاتِرَ أَوْ دَلِيلَ الْعَقْلِ دُونَ مَا يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ لَمْ يَذْهَبْ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ
стр. 979
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ رَسُولَنَا ﵇ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَشَرِيعَتَهُ بَاقِيَةٌ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَأُمَّتُهُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْحَقِّ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَقَالَ حَتَّى تُقَاتِلَ آخِرُ عِصَابَةٍ مِنْ أُمَّتِي الدَّجَّالَ»
ــ
[كشف الأسرار]
الدَّلِيلُ عَلَى تَجْوِيزِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ دَلَّ عَلَى تَجْوِيزِهِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَارِقٌ لَمْ يَثْبُتْ تَخْصِيصٌ بِالتَّحَكُّمِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَخْبَارُ إنَّمَا وَرَدَتْ لِإِيجَابِ مُتَابَعَةِ الْأُمَّةِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا وَالزَّجْرِ عَنْ الْمُخَالَفَةِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ مَحْمُولًا عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ بَلْ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَامْتَنَعَ إيجَابُ الْمُتَابَعَةِ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَلَبَطَلَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ ﵇ قَصْدُ تَعْظِيمِهَا لِمُشَارَكَةِ آحَادِ النَّاسِ إيَّاهُمْ فِي الْعِصْمَةِ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ إذْ مَا مِنْ شَخْصٍ يُخْطِئُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ يُعْصَمُ عَنْ الْخَطَإِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنْ قَوْلِهِمْ الْأُمَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ لَيْسَ كُلَّ الْأُمَّةِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْخَطَأُ وَالضَّلَالُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَمَّا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، هُوَ الزَّجْرُ عَنْ مُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ وَالْحَثُّ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ لَا يُتَصَوَّرُ حَمْلُ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إذْ لَا زَجْرَ وَلَا حَثَّ فِيهَا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَكَذَا) وَتَقْرِيرُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَطْعِيِّ أَنَّ نَبِيَّنَا ﵇ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَشَرِيعَتَهُ دَائِمَةٌ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فَمَتَى وَقَعَتْ حَوَادِثُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُكْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ إجْمَاعُهُمْ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَخَرَجَ الْحَقُّ عَنْهُمْ وَوَقَعُوا فِي الْخَطَأِ أَوْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا وَخَرَجَ الْحَقُّ عَنْ أَقْوَالِهِمْ؛ فَقَدْ انْقَطَعَتْ شَرِيعَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فَلَا تَكُونُ شَرِيعَتُهُ كُلُّهَا دَائِمَةً فَيُؤَدِّي إلَى الْخُلْفِ فِي أَخْبَارِ الشَّارِعِ وَذَلِكَ مُحَالٌ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً لِتَدُومَ الشَّرِيعَةُ بِوُجُودِهِ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْمُحَالِ وَلَا يُقَالَ: إنَّ الْإِجْمَاعَ يَكُونُ فِي حَقِّ الْعَمَلِ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يُعْمَلُ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى اعْتِبَارِ إصَابَةِ الْحَقِّ ظَاهِرًا وَعَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَخْرُجُ الْحَقُّ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَمَتَى جَوَّزْتُمْ خُرُوجَ الْحَقِّ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَفِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ بَاطِلٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ لَمْ يَكُنْ شَرِيعَةَ النَّبِيِّ ﵇ بَلْ يَكُونُ عَمَلًا بِخِلَافِ شَرِيعَتِهِ فَتَنْقَطِعُ شَرِيعَتُهُ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَبَدًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْقِطَاعُ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الشَّرْعِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ بِنَصٍّ مِثْلُ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَبْقَى بِبَقَاءِ ذَلِكَ النَّصِّ وَلَا أَثَرَ لِلْإِجْمَاعِ فِي إثْبَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ النَّصُّ الْمُوجِبُ لِبَقَاءِ الشَّرِيعَةِ مُتَنَاوِلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ الْمَوْجُودَةَ فِي الشَّرِيعَةِ وَقْتَ وُرُودِهِ لَا مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْقِطَاعِهِ انْقِطَاعُهَا. عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ هَذَا النَّصِّ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْقِطَاعِهِ انْقِطَاعُ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ لِبَقَاءِ أُمَّهَاتِ الْأَحْكَامِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ عَدَمُ الشَّرِيعَةِ.
قُلْنَا: جَمِيعُ الْأَحْكَامِ ثَابِتَةٌ مَشْرُوعَةٌ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ حَقِيقَةً بَعْضُهَا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَبَعْضُهَا بِمَعَانِيهَا الْخَفِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْبَعْضَ كَانَ خَفِيًّا يَظْهَرُ بِالِاجْتِهَادِ لَا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْجَمِيعُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ الْمُوجِبِ بَقَاءَ الشَّرِيعَةِ فَيَلْزَمُ مِنْ انْقِطَاعِ الْبَعْضِ خِلَافُ النَّصِّ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْبَعْضِ انْتِفَاءُ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 980
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ مَنْ لَا يَتَمَسَّكُ بِالْهَوَى وَالْبِدْعَةِ وَلَوْ جَازَ الْخَطَأُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ، وَقَدْ انْقَطَعَ الْوَحْيُ بَطَلَ وَعْدُ الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ صَوَابٌ بِيَقِينٍ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صِيَانَةً لِهَذَا الدِّينِ وَهَذَا حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِإِجْمَاعِهِمْ صِيَانَةً لِلدِّينِ وَذَلِكَ جَائِزٌ، مِثْلُ الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْمُجْتَهَدِ بِرَأْيِهِ فَيَصِيرُ لَازِمًا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ نَقْضٌ وَذَلِكَ فَوْقَ دَلِيلِ الِاجْتِهَادِ صِيَانَةً لِلْقَضَاءِ الَّذِي هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الدِّينِ وَلَا يُنْكَرُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَشْرُوعِ أَنْ يَحْدُثَ بِاجْتِمَاعِ الْأَفْرَادِ مَا لَا يَقُومُ بِهِ الْأَفْرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَصَارَ الْإِجْمَاعُ كَآيَةٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ حَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ بِهِ.
فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ فِي الْأَصْلِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ثُمَّ هَذَا عَلَى مَرَاتِبَ فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَإِذَا صَارَ الْإِجْمَاعُ مُجْتَهَدًا فِي السَّلَفِ كَانَ كَالصَّحِيحِ مِنْ الْآحَادِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ الْمَاضِيَةَ نُسِخَتْ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا نَسْخُ بَعْضِ أَحْكَامِهَا فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ بَعْضِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بَاطِلًا فَكَانَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً قَاطِعَةً ضَرُورَةً.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ مَنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالْهَوَى وَالْبِدْعَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا يُقَالُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمُحِقَّةِ مُنْكِرُو الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْأُمَّةِ فَقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ الْأُمَّةِ مَنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالْهَوَى وَالْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأُمَّةِ يَتَنَاوَلُ أُمَّةَ الْمُتَابَعَةِ دُونَ أُمَّةِ الْبِدْعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ مُنْكِرُو الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ كَالْكُفَّارِ دُونَ أُمَّةِ الْمُتَابَعَةِ وَهَذَا حُكْمٌ أَيْ إصَابَةُ الْحَقِّ بِيَقِينٍ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِإِجْمَاعِهِمْ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَثْبُتَ حَالَةَ الِانْفِرَادِ وَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْيَقِينِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ يَصِيرُ مُوجِبًا لَهُ مِثْلُ الْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قَضَاءُ الْقَاضِي يَصِيرُ لَازِمًا بِحَيْثُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ نَقْضٌ، وَذَلِكَ أَيْ قَضَاءُ الْقَاضِي إنَّمَا جُعِلَ فَوْقَ دَلِيلِ الِاجْتِهَادِ لِأَجْلِ صِيَانَةِ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الدِّينِ عَنْ الْبُطْلَانِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً لِأَجَلِ صِيَانَةِ أَصْلِ الدِّينِ كَانَ أَوْلَى، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَإِنَّ نَسْخَهَا لَمَّا كَانَ جَائِزًا لَمْ يَقَعْ الْحَاجَةُ فِيهَا إلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ فَأَمَّا شَرِيعَتُنَا هَذِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ بَلْ هِيَ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ فَعُصِمَتْ أُمَّتُهَا مِنْ الْخَطَأِ لِيَبْقَى الشَّرْعُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَحْفُوظًا، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ كَلَامِهِمْ فَقَالَ وَلَا يُنْكَرُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَشْرُوعِ أَنْ يَحْدُثَ بِاجْتِمَاعِ الْأَفْرَادِ مَا لَا يَقُومُ بِهِ الْأَفْرَادُ؛ فَإِنَّ الْأَفْرَادَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ خَشَبَةٍ ثَقِيلَةٍ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا قَدَرُوا عَلَيْهِ.
وَاللُّقْمَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَكُونُ مُشْبِعَةً، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ اللُّقُمَاتُ تَصِيرُ مُشْبِعَةً وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْمُخْبِرِينَ عَلَى نَقْلِهِ يَصِيرُ مُوجِبًا لَهُ، وَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ بَلْ الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْقُرْآنِ لَا تَكُونُ مُعْجِزَةً وَإِذْ اجْتَمَعَتْ الْآيَاتُ صَارَتْ مُعْجِزَةً.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي جَوَابِهِمْ: الْمُسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا فِي الْقَوْلِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَجَمَاعَتُهُمْ غَيْرُ مُخْطِئِينَ فِيهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا نَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ خَطَأً إذَا انْفَرَدَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ كَافَّةِ الْأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ خَطَأً وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يُفَارِقَ الْوَاحِدُ الْجَمَاعَةَ وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا أَنْ يُقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ فَإِذَا اجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُونُوا سُودًا بَلْ بِيضًا، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ بَقِيَّةِ كَلَامِهِمْ فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِجْمَاعِ.
[إنْكَار الْإِجْمَاع]
قَوْلُهُ (فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ فِي الْأَصْلِ) أَيْ يُحْكَمُ بِكُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ الْإِجْمَاعُ بِحُجَّةٍ أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ تَحَقُّقَ الْإِجْمَاعِ فِي حُكْمٍ بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ إجْمَاعٌ وَأَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ بَعْدَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إنْكَارَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ كَالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَالْمَنْقُولِ بِلِسَانِ الْآحَادِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْكُفْرِ اخْتَلَفُوا فِي إنْكَارِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مَثَلًا فَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَمْ يَجْعَلْهُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ فَإِنْكَارُ حُكْمِهِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَإِنْكَارِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسِ.
وَذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَثْبَتُوا الْإِجْمَاعَ بِعُمُومَاتِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُنْكِرَ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعُمُومَاتُ لَا يَكْفُرُ إذَا كَانَ الْإِنْكَارُ لِتَأْوِيلٍ، ثُمَّ يَقُولُونَ الْحُكْمُ
стр. 981
وَالنَّسْخُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ بِمِثْلِهِ حَتَّى إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِإِجْمَاعِ عَصْرِهِ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ أُولَئِكَ عَلَى خِلَافِهِ فَيَنْفَسِخُ بِهِ الْأَوَّلُ وَيَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي عَصْرَيْنِ أَوْ عَصْرٍ وَاحِدٍ أَعْنِي بِهِ فِي جَوَازِ النَّسْخِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَمُخَالِفُهُ كَافِرٌ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا الْفَرْعَ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلُوهُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كَآيَةٍ مِنْ الْكِتَابِ قَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ أَوْ خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ فَإِنْكَارُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ لَا مَحَالَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِمَّا يَشْتَرِكُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ فِي مَعْرِفَتِهِ مِثْلُ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَفَرْضِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَزَمَانِهِمَا وَمِثْلُ تَحْرِيمِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا كَفَرَ مُنْكِرُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِإِنْكَارِهِ جَاحِدًا لِمَا هُوَ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ قَطْعًا فَصَارَ كَالْجَاحِدِ لِصِدْقِ الرَّسُولِ ﵇.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَرِدُ الْخَاصَّةُ بِمَعْرِفَتِهِ كَتَحْرِيمِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتهَا وَخَالَتِهَا وَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَتَوْرِيثِ الْجَدَّةِ السُّدُسَ وَحَجْبِ بَنِي الْأُمِّ بِالْجَدِّ وَمَنْعِ تَوْرِيثِ الْقَاتِلِ لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ وَلَكِنْ يُحْكَمُ بِضَلَالِهِ وَخَطَئِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْمُنْكِرَ مُتَأَوِّلٌ حَيْثُ جَعَلَ الْمُرَادَ مِنْ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَهُمْ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالتَّأْوِيلُ مَانِعٌ مِنْ الْإِكْفَارِ كَتَأْوِيلِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ النُّصُوصَ الْقَاطِعَةَ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ تَعَجُّبَ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ فَإِنَّهُمْ مَا حَكَمُوا بِكُفْرِ مُنْكِرِ كُلِّ إجْمَاعٍ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْفَرْعَ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ وَلَمْ يَغْفُلُوا عَنْهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ فِي الْأَصْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَيْ يَكْفُرُ جَاحِدُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْإِجْمَاعُ الدَّاخِلُ تَحْتَ أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ بِلَا شُبْهَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَيْ يَكْفُرُ جَاحِدُ الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ لِاشْتِمَالِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعِتْرَةِ الرَّسُولِ وَيُضَلَّلُ جَاحِدُ إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَإِذَا صَارَ الْإِجْمَاعُ مُجْتَهَدًا أَيْ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَانَ كَالصَّحِيحِ مِنْ الْآحَادِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا بَلَغَ إلَيْنَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ فَأَمَّا إذَا بَلَغَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ (وَالنَّسْخُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِجْمَاعِ جَائِزٌ بِمِثْلِهِ حَتَّى جَازَ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ بِالْقَطْعِيِّ وَلَا يَجُوزُ بِالظَّنِّيِّ وَجَازَ نَسْخُ الظَّنِّيِّ بِالظَّنِّيِّ وَالْقَطْعِيِّ جَمِيعًا فَلَوْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يَجُوزُ وَيَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ مِثْلَهُ، وَلَوْ أَجْمَعَ الْقَرْنُ الثَّانِي عَلَى خِلَافِهِمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ دُونَهُ وَلَوْ أَجْمَعَ الْقَرْنُ الثَّانِي عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ أَجْمَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَيَصْلُحُ نَاسِخًا لَهُ، وَإِنَّمَا جَازَ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْتَهِيَ مُدَّةُ حُكْمٍ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى أَهْلَ الِاجْتِهَادِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا وَرَدَ نَصٌّ بِخِلَافِ النَّصِّ الْأَوَّلِ ظَهَرَ بِهِ أَنَّ مُدَّةَ ذَلِكَ الْحُكْمِ قَدْ انْتَهَتْ وَلَا يُقَالُ زَمَانُ الْوَحْيِ قَدْ انْقَطَعَ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَهُ نَسْخُ شَيْءٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: زَمَانُ نَسْخِ مَا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ قَدْ انْقَطَعَ بِوَفَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى نُزُولِ الْوَحْيِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ بَعْدُ فَأَمَّا زَمَانُ نَسْخِ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَغَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِبَقَاءِ زَمَانِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَحُدُوثِهِ، وَهَذَا مُخْتَارُ الشَّيْخِ فَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ
стр. 982
(بَابُ بَيَانِ سَبَبِهِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: وَهُوَ نَوْعَانِ الدَّاعِي وَالنَّاقِلُ أَمَّا الدَّاعِي فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ أَوْ الْقِيَاسِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ جَامِعٍ آخَرَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْحُكْمِ بِهِ قَطْعًا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ قِبَلِ دَلِيلِهِ بَلْ مِنْ قِبَلِ عَيْنِهِ كَرَامَةً لِلْأُمَّةِ وَإِدَامَةً لِلْحُجَّةِ وَصِيَانَةً وَتَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَقَدْ أَنْكَرُوا جَوَازَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ تَقْسِيمِ النَّاسِخِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ بَيَانِ سَبَب الْإِجْمَاعُ]
(بَابُ بَيَانِ سَبَبِهِ)
أَيْ سَبَبِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: الدَّاعِي: أَيْ السَّبَبُ الَّذِي يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِجْمَاعِ وَيَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ. وَالنَّاقِلُ: أَيْ السَّبَبُ النَّاقِلُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْخَبَرَ أَيْ الْخَبَرَ الَّذِي يَنْقُلُ الْإِجْمَاعَ إلَيْنَا وَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّقْلَ وَمِنْ النَّاقِلِ الْمُعَرِّفُ أَيْ النَّقْلُ الَّذِي يُعَرِّفُنَا الْإِجْمَاعَ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ سَبَبًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَثْبُتُ فِي حَقِّنَا بِوَاسِطَتِهِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَكُونُ النَّقْلُ طَرِيقًا إلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ إلَّا عَنْ مَأْخَذٍ وَمُسْتَنَدٍ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْآرَاءِ وَالْهِمَمِ يَمْنَعُ عَادَةً مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى شَيْءٍ إلَّا عَنْ سَبَبٍ يُوجِبُهُ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ إذْ الدَّلِيلُ هُوَ الْمُوصِلُ إلَى الْحَقِّ فَإِذَا فُقِدَ لَا يَتَحَقَّقُ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَكَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الْخَطَأِ وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي الْإِجْمَاعِ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ لَا عَنْ دَلِيلٍ بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ وَيُلْهِمَهُمْ إلَى الرُّشْدِ بِأَنْ يَخْلُقَ فِيهِمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ الْعِلْمَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ بَلْ هُوَ مِنْ الْجَائِزَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ الْإِجْمَاعُ عَنْهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ دَلِيلٍ وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ لَكَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ هُوَ الْحُجَّةُ وَلَمْ يَبْقَ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فَائِدَةٌ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا عَنْ دَلِيلٍ قَدْ وَقَعَ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى بَيْعِ الْمُرَاضَاةِ أَيْ التَّعَاطِي وَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَالَ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الرَّسُولِ ﵇، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا عَنْ وَحْيٍ ظَاهِرٍ أَوْ خَفِيٍّ أَوْ عَنْ اسْتِنْبَاطٍ مِنْ النُّصُوصِ عَلَيْهِ فَالْأُمَّةُ أَوْلَى أَنْ لَا يَقُولُوا إلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَهْلُ الدِّيَانَةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الِاجْتِمَاعُ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ جُزَافًا بَلْ بِنَاءً عَلَى حَدِيثٍ سَمِعُوهُ وَمَعْنًى مِنْ النُّصُوصِ رَأَوْهُ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ فَأَمَّا الْحُكْمُ جُزَافًا أَوْ بِالْهَوَى وَالطَّبِيعَةِ فَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْإِلْحَادِ، وَقَوْلُهُمْ لَوْ انْعَقَدَ عَنْ دَلِيلٍ لَمْ يَبْقَ فِي الْإِجْمَاعِ فَائِدَةٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصْدُرَ الْإِجْمَاعُ عَنْ دَلِيلٍ وَاحِدٍ لَا نَقُولُ بِهِ، إذْ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَا أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ شَرْطٌ. عَلَى أَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ وَهِيَ سُقُوطُ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَكَيْفِيَّةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَحُرْمَةُ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْجَائِزَةِ قَبْلَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ بَيْعِ الْمُرَاضَاةِ وَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ فَالْإِجْمَاعُ فِيهِمَا مَا وَقَعَ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا اسْتِغْنَاءً بِالْإِجْمَاعِ عَنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنِدٍ فَذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا ظَنِّيًّا كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا صَلُحَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا مِثْلُ نَصِّ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَذَهَبَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَالشِّيعَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَالْقَاشَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ إلَّا دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ لَا يُوجِبَانِ
стр. 983
وَلَوْ جَمَعَهُمْ دَلِيلٌ مُوجِبٌ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ لَصَارَ الْإِجْمَاعُ لَغْوًا فَثَبَتَ أَنَّ مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ حَشْوٌ مِنْ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا السَّبَبُ النَّاقِلُ إلَيْنَا فَعَلَى مِثَالِ نَقْلِ السُّنَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ نَقْلُ السُّنَّةِ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَكَذَا هَذَا إذَا انْتَقَلَ إلَيْنَا إجْمَاعُ السَّلَفِ بِإِجْمَاعِ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى نَقْلِهِ كَانَ فِي مَعْنَى نَقْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْعِلْمَ قَطْعًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمَا مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ قَطْعًا إذْ الْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ، كَذَا ذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمِيزَانِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّيْخِ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُمْ وَافَقُونَا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهِ عَنْ الْقِيَاسِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّاسَ خُلِقُوا عَلَى هِمَمٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَآرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى شَيْءٍ إلَّا لِجَامِعٍ جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ وَكَلَامُ مَنْ الْتَزَمُوا طَاعَتَهُ وَانْقَادُوا لِحُكْمِهِ يَصْلُحُ جَامِعًا، فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ بِالرَّأْيِ مَعَ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي فَلَا يَصْلُحُ جَامِعًا وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا اجْتَهَدَ فَلَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَنْ اجْتِهَادٍ لَحَرُمَتْ الْمُخَالَفَةُ الْجَائِزَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَصْرِ وَلَا عَصْرَ إلَّا، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مُسْنَدًا إلَى الْقِيَاسِ حُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ أَمْرٌ لَا يَسْتَحِيلُهُ الْعَقْلُ كَانْعِقَادِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَالنُّصُوصُ الَّتِي تُوجِبُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً لَا تَفْصِلُ وَبَيْنَهُمَا إذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْيِيدًا لَهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهُوَ فَاسِدٌ. كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ مِثْلُ إجْمَاعِهِمْ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مُسْنَدًا إلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُسْنَدًا إلَى مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَمِثْلُ إجْمَاعِهِمْ عَلَى إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ مُسْنَدًا إلَى الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا وَإِجْمَاعِهِمْ فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ اسْتِدْلَالًا بِحَدِّ الْقَذْفِ حَيْثُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ هَذَا حَدٌّ وَأَقَلُّ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، وَقَالَ عَلِيٌّ إذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَأَرَى أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِينَ. ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ كَلَامِهِمْ فَقَالَ: وَهَذَا أَيْ اشْتِرَاطُ جَامِعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَكَوْنَهُ حُجَّةً لَمْ يَثْبُتْ مِنْ قِبَلِ دَلِيلِهِ أَيْ مُسْتَنَدِهِ لِيَشْتَرِطَ قَطْعِيَّةً بَلْ ثَبَتَ مِنْ قِبَلِ ذَاتِهِ لِأَجْلِ تَكْرِيمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلِاسْتِدَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَحْكَامِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَلِأَجْلِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَحَجَّةِ أَيْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ قَطْعِيًّا أَوْ غَيْرَ قَطْعِيٍّ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ جَمَعَهُمْ دَلِيلٌ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ) لَصَارَ الْإِجْمَاعُ لَغْوًا يُوهِمُ بِظَاهِرِهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ الشَّيْخِ لَا يَنْعَقِدُ عَنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَبْقَ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَالْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ يَثْبُتَانِ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْإِجْمَاعِ تَأْثِيرٌ فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ فَيَكُونُ لَغْوًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْجَامِعُ دَلِيلًا ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ إنْ ثَبَتَ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ تَأَيَّدَ بِآيَةٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ بِالْعَرْضِ عَلَى الرَّسُولِ ﵇ وَالتَّقْرِيرِ مِنْهُ عَلَى مُوجِبِهِ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً لِلْحَاجَةِ؛ فَإِنَّهُ مَتَى وَقَعَتْ حَادِثَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ اُضْطُرُّوا إلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلٍ مُحْتَمِلٍ لِلْخَطَأِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ خُرُوجُ الْحَقِّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ، وَالْحَاجَةُ
стр. 984
وَإِذَا انْتَقَلَ إلَيْنَا بِالْأَفْرَادِ مِثْلُ قَوْلِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ: مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى مُحَافَظَةِ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَعَلَى إسْفَارِ الصُّبْحِ وَعَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ.
وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ إلَّا أَنِّي رَأَيْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ يُكَبِّرُونَ أَرْبَعًا وَكَمَا رُوِيَ فِي تَوْكِيدِ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ وَكَانَ هَذَا كَنَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ، وَهُوَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا انْتَقَلَ إلَيْنَا بِالْآحَادِ أَوْجَبَ الْعَمَلَ دُونَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَبَى النَّقْلَ بِالْآحَادِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ وَمَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ فَقَدْ أَبْطَلَ دِينَهُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَ أُصُولِ الدِّينِ كُلِّهَا وَمَرْجِعَهَا إلَى إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ.
ــ
[كشف الأسرار]
إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا إذَا كَانَ دَلِيلُهُ ظَنِّيًّا دُونَ مَا كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا فَلَا يَنْعَقِدُ فِيمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ كَمَذْهَبِ الْعَامَّةِ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْ أَيِّ دَلِيلٍ كَانَ ظَنِّيٍّ أَوْ قَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْعَقَدَ عَلَى مُسْتَنَدٍ ظَنِّيٍّ فَعَنْ مُسْتَنَدٍ قَطْعِيٍّ أَوْلَى أَنْ يَنْعَقِدَ؛ لِأَنَّهُ أَدْعَى إلَى الِاتِّفَاقِ الَّذِي هُوَ رُكْنُهُ وَبَعْدَمَا انْعَقَدَ بِهِ كَانَ مُؤَكِّدًا لِمُوجِبِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وُجِدَ فِي حُكْمٍ نَصَّانِ قَطْعِيَّانِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ وَخَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَوْ جَمَعَهُمْ دَلِيلٌ مُوجِبٌ عِلْمِ الْيَقِينِ لَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ كَانَ الْإِجْمَاعُ لَغْوًا لِعَدَمِ إفَادَتِهِ أَمْرًا مَقْصُودًا فِي صُورَةٍ، إذْ التَّأْكِيدُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلِيٍّ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ إنْ صَدَرَ عَنْ ظَنِّيٍّ وَالتَّأْكِيدَ إنْ صَدَرَ عَنْ قَطْعِيٍّ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: فَمَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَادِرًا إلَّا عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْإِجْمَاعَ لَغْوًا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ فَهُوَ وَمَنْ يُنْكِرُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً أَصْلًا سَوَاءٌ.
وَقَوْلُهُمْ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْمُجْتَهِدِ مُسَلَّمٌ إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ مُجْتَهِدُو عَصْرِهِ أَمَّا إذَا وَافَقُوهُ فَلَا. وَقَوْلُهُمْ وُجُودُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقِيَاسِ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ حَادِثٌ فَإِذَنْ لَا يَمْنَعُ عَنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا بَلْ بَعْدَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ اتِّفَاقٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ وَكَوْنِهِ حُجَّةً وَإِنَّمَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ مِمَّنْ لَا بَصَرَ لَهُ فِي الْفِقْهِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا عِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْأَحْكَامِ وَأُولَئِكَ لَا يُقْتَدَى بِهِمْ وَلَا يُؤْنَسُ بِوِفَاقِهِمْ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا انْعَقَدَ بِدَلِيلٍ يَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَى الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ يَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَى الْحُكْمِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَطْلُوبُ وَلِأَجْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فَيَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَيْهِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُنْعَقِدَ عَلَى مُوجِبِ خَبَرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ طَرِيقًا مَخْصُوصًا فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ النَّقْلُ فَيُطْلَبُ صِحَّتُهُ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا انْتَقَلَ) أَيْ الْإِجْمَاعُ إلَيْنَا بِالْأَفْرَادِ أَيْ بِنَقْلِ الْآحَادِ وَجَوَابُ إذَا قَوْلُهُ كَانَ هَذَا أَيْ انْتِقَالُهُ بِالْأَفْرَادِ كَنَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَكَانَ بَالِغًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِلِسَانِ الْآحَادِ بَعْدَمَا اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّهُ هَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَمْ لَا فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كَقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ ، ثُمَّ إذَا نُقِلَتْ السُّنَّةُ إلَيْنَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْعَمَلِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْقِيَاسِ، فَكَذَا الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ بِالْآحَادِ.
وَذَكَرَ الضَّمَائِرَ الرَّاجِعَةَ إلَى السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ يَقِينٌ إلَى آخِرِهِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ أَوْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ فَهَذَا أَيْ الْإِجْمَاعُ أَوْ انْتِقَالُ الْإِجْمَاعِ مِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ الْحَدِيثِ أَوْ مِثْلُ انْتِقَالِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَنَقْلُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ قَاطِعٌ.
وَالْجَوَابُ
стр. 985
(بَابُ الْقِيَاسِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَوَّلُهَا الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ وَالثَّانِي فِي شَرْطِهِ وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ وَالرَّابِعُ فِي حُكْمِهِ وَالْخَامِسُ فِي دَفْعِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَاهُ وَلَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَ شَرْطِهِ وَلَا يَقُومُ إلَّا بِرُكْنِهِ وَلَمْ يُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهِ ثُمَّ لَا يَبْقَى إلَّا الدَّفْعُ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّا لَا نُثْبِتُ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ إجْمَاعًا قَاطِعًا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ لِيَمْتَنِعَ ثُبُوتُهُ بِهِ بَلْ نُثْبِتُ بِهِ إجْمَاعًا ظَنِّيًّا مُوجِبًا لِلْعَمَلِ وَثُبُوتُ مِثْلِهِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَبَتَ بِدَلَائِلَ قَاطِعَةٍ وَهِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَدَلَالَاتُ النُّصُوصِ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي إثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ نَصِيبٌ شُرِعَ بِالرَّأْيِ وَلَا مَدْفَعَ لِهَذَا إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِأَنْ يُقَالَ: نَقْلُ الْوَاحِدِ لِلدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ قَطْعًا كَالْخَبَرِ الَّذِي تَخَلَّلَتْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ نَاقِلِهِ وَالرَّسُولِ فَنَقْلُ الْوَاحِدِ لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاقِلِهِ وَاسِطَةٌ أَوْلَى بِأَنْ يُوجِبَ الْعَمَلَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَظْنُونِ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَثْبُتُ فِيمَا إذَا تَخَلَّلَ فِي نَقْلِهِ وَاسِطَةٌ أَوْ وَسَائِطُ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ.
قَوْلُهُ (مِثْلُ قَوْلِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ عَبِيدَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ سَلْمٍ أَوْ عَمْرٍو مَنْسُوبٌ إلَى سَلْمَانَ حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَ اللَّامَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرَهُ وَسَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ فَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ يَعْنِي وَسُئِلَ عَنْهُ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَصْلِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ أَيْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ حُجَّةً فَقَدْ أَبْطَلَ دِينَهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى الْإِجْمَاعِ إذْ الْمَعْرِفَةُ بِالْقُرْآنِ وَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَالرَّكَعَاتِ وَأَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرِهَا حَصَلَتْ لَنَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نَقْلِهَا فَكَانَ إنْكَارُ الْإِجْمَاعِ مُؤَدِّيًا إلَى إبْطَالِهَا إلَّا أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَمْ يَثْبُتْ أُصُولُ الدِّينِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَالْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ النَّقْلَ يُوصِلُ إلَيْنَا مَا كَانَ ثَابِتًا وَالْإِجْمَاعَ يُثْبِتُ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِهِ إبْطَالُ أُصُولِ الدِّينِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ ثُبُوتِهَا بِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذْ قَدْ فَرَغْنَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَإِنْعَامِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِكْرَامِهِ عَنْ بَيَانِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَتَحْقِيقِ مَعَانِيهَا وَتَأْسِيسِ قَوَاعِدِهَا وَتَمْهِيدِ مَبَانِيهَا وَتَوْضِيحِ مَسَائِلِهَا الْمُشْكِلَةِ وَتَنْقِيحِ دَلَائِلِهَا الْمُعْضِلَةِ، فَلْنَشْرَعْ فِي شَرْحِ الْأَصْلِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ مِيزَانُ عُقُولِ أُولِي النُّهَى وَمَيْدَانُ الْفُحُولِ ذَوِي الْحِجَا بِهِ نَعْرِفُ قَدْرَ الْحَذَاقَةِ وَالْفَطَانَةِ وَيُسْبَرُ غَوْرُ الْفَقَاهَةِ وَالرَّزَانَةِ، وَفِيهِ تَحَارُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ وَيَفْرُطُ الْإِغْلَاقُ وَالْأَوْهَامُ كَاشِفِينَ النِّقَابَ عَنْ اللَّهِ وَحَقَائِقِهِ رَافِعِينَ الْحِجَابَ عَنْ أَسْرَارِ لَطَائِفِهِ وَدَقَائِقِهِ حَامِدِينَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَفْضَالِهِ وَمُصَلِّينَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
[بَابُ الْقِيَاسِ]
[بَابُ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ]
(بَابُ الْقِيَاسِ) (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ) لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَاهُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّفْظِ مَعْنًى
следующие страницы →