Полный текст (406 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأمر على ما وصفتَ؛ فكيف قام العلماء على ابن تيميّة من أجل هذه المسألة، وصنّفوا فيها كتبًا عديدة؟!
فالجواب: أنّ العلماء الذين قاموا على شيخ الإسلام ما كان سبب قيامهم عليه هذه المسألة؛ ولكنّ السّبب فيه: أنّ شيخ الإسلام قد صنّف كتبًا كثيرة في التّوحيد ردّ فيها على مشائخهم وساداتهم، وبيّن فيها ميلهم عن الكتاب والسُّنّة، وسلوكهم طريق الابتداع، والقول على الله بغير علم، وغير ذلك من البدع المنكرة التي ابتدعوها في أصول الدّين وفروعه؛ فشتّت شملهم، وسفّه أحلامهم، وضلّل سعيهم، وخطّأ رأيهم بالحُجج الدّامغة والبراهين السّاطعة، وقد تتبّع جميع شبهاتهم وأقوالهم؛ فضى عليها بالطّرد والرّدّ، وهذا كتابه المسمّى بـ «التّسعينيّة» ، وكتاب «السّبعينيّة» ، وكتاب «العقل والنّقل» ، وكتاب «منهاج السُّنّة» ، وكتاب «الرّدّ على الفلاسفة» ...
وغير ذلك من الكتب التي صنّفها في الرّدّ على مَن خالف كتاب الله وسنّة رسوله؛ فلما رأى علماء زمانه ما حلّ بأسلافهم من هذا الإمام؛ أخذوا يشنّعون عليه بأشياء، منها ما هو بريء من نسبتها إليه، ومنها ما قاله بدليل ولكنّه لم يتقيّد فيها برأي أحد، وحيث إنّهم قد علموا أنّ ما قاله شيخ الإسلام في أسلافهم حقّ لا مرية فيه ـ لأنّه ما نقله إلا عن كُتبهم ـ، ورأوا أنّ دفع ذلك غير ميسور لهم؛ فعمدوا إلى مسألتين هما في الحقيقة من مسائل الفروع، المصيب فيها بأجرين والمخطئ فيها بأجر ـ أعني بها: مسألتي الطّلاق والزّيارة ـ، وقد ردّ الله كيدهم في نحورهم لما شنّعوا عليه
стр. 177
وأغروا به الحكّام بسببها، وقد انتصر له في كلّ زمان أئمّة من علماء الحديث والفقه، فأمّا مسألة الزّيارة: فقد استبان مذهبه فيها، وأمّا مسألة الطّلاق: فقد حقّقها كثير من أئمّة الإسلام قديمًا وحديثًا، حتى في زماننا، وبيّنوا أنّ شيخ الإسلام هو أسعد النّاس بإصابة القول فيها.
وأمّا قوله: «ويلزم على قول ابن تيميّة: أنّ الأُمّة كلّهم مخطئون في سفرهم إلى الزّيارة، وأنّها عثرة لا تُقال، ومصيبة عظيمة ... » إلخ:
فالجواب: قد تقدّم غير مرّة بيان استحباب شيخ الإسلام زيارة النّبيّ ﷺ ، ودعوى السّبكيّ أنّ الأُمّة لم يزالوا يسافرون إليها قديمًا وحديثًا؛ هذه دعوى منه، وتحكّم بحت على مقاصد النّاس، وكيف يُظَنّ بصفوة النّاس ـ وهم العلماء ـ أنّهم لم يسافروا إلا للزّيارة فقط من غير قصد الصّلاة في المسجد الشّريف.
فإن قال السّبكيّ: كانوا يسافرون بقصد الصّلاة والزّيارة معًا.
قلنا: هذا المراد ـ وهو الذي يقول به شيخ الإسلام ـ.
وإن قال: كانوا لا يقصدون بسفرهم إلَّا الزّيارة فقط من غير قصد الصّلاة [في] المسجد.
قلنا: معاذ الله أنّ الأُمّة كلّها قد أجمعت على ترك سُنّة عظيمة ـ وهي: شدّ الرّحل إلى مسجده الشّريف ـ، وهم يروون ذلك في جميع كتبهم؛ فما أحد حكم عليها بالخطإ إلَّا الذي قال: لا يُسافرون إلَّا للزّيارة فقط!
وأمّا قوله: «إنّها عثرة لا تُقال ... » إلى آخره:
فجوابه: أنّ شيخ الإسلام ما قال إلَّا عن دليل استبان له، وقد وافق غيره ممّن ذكرنا أسماءهم، وحيث إنّ المسألة محلّ اجتهاد؛ فالمصيب فيها له أجران والمخطئ له أجر؛ فهو مأجور على كلّ حال بشهادة النّبيّ ﷺ ؛ فهب أنّه أخطأ فيها ـ على رأي السّبكيّ ـ؛ فهو مأجور؛ فكيف يُقال: «إنّها عثرة لا تُقال» ، سيّما والإنسان ومحلّ للنّسيان، والبشر يجوز عليهم الصّواب والخطأ؟! وعقد علمتَ ـ بما مرّ ـ أنّ شيخ الإسلام لم يتكلّم في المسألة بالتّشهي وهوى النّفس؛ بل تكلّم فيها بالأدِلّة النّقليّة والعقليّة، والرّجل من أئمّة الاجتهاد ـ كما شهد له بذلك سبعون مجتهدًا في زمانه؛ نقل ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر
стр. 178
العسقلانيّ وغيره ممّن يقدّرون للعلماء قدرهم، ولا يبخسون النّاس أشياءهم؛ فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلَّا أُولو الفضل ـ.
وأمّا قوله: «مصيبة عظيمة» :
فجوابه أن يُقال: ما أردتَ بقولك هذا؟! فإن أردتَ: أنّ ما أتى به شيخ الإسلام من الأدِلّة والبراهين الدّالّة على ما ذهب إليه في هذه المسألة وغيرها من المسائل مصيبة؛ فإن كانت على مَن لم يألف الدّليل، وألزم نفسه التّقليد واتّباع كلّ قال وقيل؛ فهو حقّ؛ فإنّ هؤلاء عندهم أنّ إيراد الأدِلّة والاشتغال بها مصيبة عظيمة؛ لأنّ ذلك مما يُخَرّب قواعدهم وأصولهم ويُحقّرهم في أعين العامّة، بعد أن كانوا رؤساء عظماء، ومن أجل ذلك؛ سدّوا باب الاجتهاد، وحرّموا على النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة، مهما بلغ أحدهم في العلم ما بلغ، وهذا شأن الغاشّين والمدلّسين في شريعة سيد المرسلين، وأنّهم ضدّ ما كان عليه أئمّة الدّين ـ كأبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد ... وغيرهم (رضوان الله عليهم) ـ؛ فكلّ هؤلاء كان مقصدهم إصابة الحقّ وظهوره على يد أيّ أحد من النّاس؛ ولذلك كانوا لا يأمرون النّاس بتقليدهم وأخذ أقوالهم، ما لم يعلموا من أين أخذوها، وكلّ واحد منهم يقول: «إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي» ؛ فبإخلاصهم لله في علمهم أبقى الله ذكرهم إلى يوم القيامة، وأمّا هؤلاء المنتسبون إليهم بالتّسمية ـ لا بالقول والفعل ـ؛ فالأئمّة بُراء منهم ومن أفعالهم؛ فإنّ المنتسبين مقصدهم بالعلم على ضدّ مقصد الأئمّة؛ يعلم ذلك من سبر سير هؤلاء وهؤلاء.
وإن أراد السّبكيّ بقوله هذا: أنّ ذلك مصيبة على الإسلام والمسلمين؛ فكلّا ثمّ كلّا! وهل يقول عاقل: إنّ الذي يستدلّ على مسائل الدّين بالأدِلّة الصّحيحة، لا يقلّد فيها أحدًا من النّاس كائنًا مَن كان [أنّ فعله مصيبة] ؟! هذه ليست مُصيبة، إلَّا على مَن حُرِمَ التّوفيق وضلّ عن الطّريق. وكيف يكون ما أتى به شيخ الإسلام مصيبة على
стр. 179
الإسلام والمسلمين، وهو الذي حمى الإسلام والمسلمين، وذبّ عنه وقام لنصرته قيام مخلص متجرّد لله، ممتثلًا أمره، فارًّا من وعيده، كمَن لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه كتبه في الرّدّ على اليهود والنّصارى والدّهريّين والفلاسفة والرّافضة والباطنية وأهل الكلام، وغيرهم من الطوّائف التي حادت عن طريق القرآن والسُّنّة، وكلّها تشهد بعلوّ همّته وقوّة جنانه وصدق عزمه؛ فقد نصر الإسلام بيده ولسانه وقلبه، ما عُلِمَ عليه يومًا أنّه هاب في ذلك سلطانًا أو كثرة جموع، أو قدّم قول أحد على آية أو سُنّة، أو حاب أحدًا أو جاراه على معتقده إذا كان على غير اعتقاد السّلف الصّالح؛ بل هجر في نصرة دين الله الأهل والوطن والخلّان والأصحاب، والدّنيا بزخرفها، ورضي بالقليل منها، وأضاع عمره ما بين تعلّم وتعليم وتصنيف، ومكابدة أهوال، ومشقة لحقته من أجل قيامه لربه في نصرة دينه؛ فكم هُدّد بالحبس والإخراج عن وطنه، وكم تحدّثوا بقتله ولم يصدّه ذلك كلّه عن الامتثال لأمر ربّه، حتى أتاه اليقين ـ وهو الموت ـ في غيابات السّجن؛ فأيّ مصيبة بعد هذا كلّه أتى بها للإسلام؟! فطيّب الله ثراه، ونصر مَن والاه، وخذل عدوه وأقصاه.
وهب أنّه أخطأ في مسألة أو مسألتين أدّاه إلى ذاك اجتهاده؛ فذلك مغمور في بحر علمه وحسناته ـ أي: شيخ الإسلام ـ، وأمّا السّبكيّ وأضرابه: فهم على الضّدّ مما وصفنا من حال شيخ الإسلام؛ فجنايتهم على الله وعلى كتابه ـ وهو: القرآن ـ وعلى رسوله وعلى سُنّته وعلى المسلمين أشهر من أن تُشهر:
فأمّا جنايتهم على الله: فإنّهم أنكروا جميع صفاته الخبريّة التي جاء بها القرآن العزيز والسُّنّة ـ من: العلو، والفوقيّة،
стр. 180
والإتيان، والمجيء، والنّفس، والوجه، واليدين، والعين، والسّاق، والحبّ، والرّضا، والسّخط، والتّعجّب، والاستهزاء، والضّحك، والنّزول، والاستواء على العرش، وغير ذلك مما وصف الله به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله؛ فعمدوا إلى جميع ذلك فأوّلوه بحسب ما أدّته إليه عقولهم، وسوّلت لهم به نفوسهم، وأوحته إليهم شياطينهم؛ فلم يقفوا عند ما أخبر الله عن نفسه، وأجروه على ظاهره من غير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل، ولم يَدْرُجوا على نهج السّلف في مثل ذلك؛ بل ابتدعوا للنّاس عِلمًا محدثًا مولدًا في الدّين، مأخوذًا عن اليهود والجعد بن درهم وبشر المريسيّ، وسمّوه: علم المنطق وعلم الكلام، ولما اغتروا بما أُوتوه من هذا العلم المذموم الملعون، الذي خرّب عقائد المسلمين؛ قالوا: هما طريقتان: طريقة السّلف وطريقة الخلف، ولكنّ طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السّلف أسلم، لكنّها ليست بأعلم ولا أحكم! وقد علمتَ أنّ طريقة السّلف في العقائد هي طريقة الكتاب والسُّنّة وطريقة الرّسول وأصحابه والتّابعين وسائر أئمّة الدّين، أمّا طريقة الخلف فهي تنقل عن بشر المريسيّ والجعد بن درهم، ويتصل سندها إلى اليهوديّ الذي سحر النّبيّ ﷺ .
فإذا عرفتَ هذا؛ فأيّ الطّريقتين أعلم وأحكم وأسلم؟! فعلى طريقة الخلف هذه: يلزم عليها أنّهم أعلم من الرّسول ﷺ ومن أصحابه ومن تابعيهم، وأنّهم أفضل منهم؛ لأنّهم أتقنوا وأحكموا علم التّوحيد ـ الذي هو أشرف العلوم، ولأجله أُرسلت الرّسل، وأُنزلت الكُتب ـ! فسبحانك هذا بهتان عظيم! فهل
стр. 181
يقول هذا عاقل أو مسلم أو كافر؟! فالإله عندهم عبارة عن العمى المحض؛ لأنّهم وصفوه بأنّه: لا فوق العرش ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا يُشار إليه من أيّ جهة من الجهات السّتّ، ولا داخل العالم ولا خارجه! ولا يوصف بحركة ولا سكون، ولا جوهر ولا عرض، ولا استوى على العرش! ولا يأتي ولا يجيء يوم القيامة والملَك صفًّا صفًّا! ولا له يدان ولا نفس ولا وجه ولا عين! ولا يضحك ولا يرضى ولا يغضب ولا يتعجّب ولا يفرح، ولا يُوصف بصفة يجوز وصف المخلوق بها؛ فرارًا من التّجسيم والتّمثيل؛ فأوّلوا هذه الصّفات بتأويلات لا تنطبق على النّقل ولا على العقل، وجهلوا أن يكون لها معانٍ تليق بجلاله ؛ فكما أنّ ذاته ليست كالذّوات؛ فصفاته ـ تعالى ـ ليست كالصّفات. وهل العدم كلّ العدم إلَّا ما وصفوه به؟!
وأمّا جنايتهم على القرآن: فمثل قولهم: إنّه ليس بكلام الله على الحقيقة؛ بل هو عبارة عن كلام الله، أو مدلول أو حكاية عن كلام الله، وأنّ هذه الحروف التي في المصاحف ونقرؤها بألسنتنا ونحفظها في صدورنا مخلوقة! وصرّح
стр. 182
بعضهم أنّه ليس لله كلام في الأرض. ومثل قولهم: إنّ نصوص القرآن لا تكفي وحدها في أدِلّة التّوحيد؛ بل لا بُدّ من دليل عقليّ معها! وكقولهم: إنّ القرآن والسُّنّة فيهما نصوص مَن اعتقدها على ظاهرها يكفر! ومثل قولهم: لا يُعمل بنصوص الكتاب والسُّنّة بعد الأئمّة الأربعة؛ بل يحرم على كلّ أحد أن يستدلّ على أيّ مسألة ما بآية أو سُنّة، ولا يُقرأ القرآن إلَّا للتّعبّد، ولأجل الحسنات التي تحصل للقارئ، ولأجل الموتى، واستخراج الأسرار من الحروف!
وأمّا جنايتهم على النّبيّ ﷺ : فمثل قولهم: إنّ النّبيّ ﷺ تكلّم بهذه الألفاظ الواردة في الصّفات ـ من: نزول الرّبّ كلّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وأنّه فوق العرش وعرشه فوق سبع سماوات، وأنّه يصعد إليه الكلم الطّيب، وأنّ الملائكة يعرجون إليه وكذا روح المؤمن، ومثل قوله للجارية: «أين الله؟» فقالت له: في السّماء، وشهادته لها بأنّها مؤمنة ـ؛ قالوا في جميع ذلك وغيره: إنّ الرّسول تكلّم بهذه الألفاظ ـ ولم يبيّن معناها ـ على سبيل التّمثيل والتّقريب لعقول النّاس! فلمّا رسخت أقدامهم في الدّين؛ عرفوا الحقّ بأنفسهم؛ فصرفوا هذه الألفاظ عن ظواهرها! وأنّ الله ـ تعالى ـ ليس
стр. 183
موصوفًا بها؛ فهذا يلزم عليه: أنّ النّبيّ ﷺ لم يُدْخِل النّاس في الدّين إلَّا بالكذب المحض ـ والعياذ بالله ـ! وأنّهم عرفوا الحقّ من عند أنفسهم، لا من الرسول، وأنّ الرسول ﷺ لم يُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم؛ بل غشّهم وكتم عنهم ما فيه هدى ونور لهم! فأيّ كفر أعظم، وأيّ مصيبة أطمّ، وأيّ ذنب أقبح، وأيّ بلاء على الإسلام والمسلمين أعمّ من هذا؟! فالويل كلّ الويل لمن حاد عن طريقة القرآن والسُّنّة؛ ﴿فبعدًا لقوم لا يؤمنون﴾ . ومثل قولهم: إنّ الرّسول أقرّ الجارية على قولها موافقة لها على عقلها؛ لأنّ عقلها يقصر عن معرفة أدِلّة النّظر! فيُقال لهم: هل أقرّها ﷺ على حقّ أم باطل؟ فإن كان الأوّل: فقد ارتفع النّزاع، ولزم أن تُجيبوا مَن سألكم بـ «أين الله؟» بقولكم: في السّماء، وتشهدون له بالإيمان، ونحن نراكم تُضلّلون وتكفّرون مَن سأل عن الله بـ «أين؟» ، والمجيب له بأنّ: الله في السّماء.
وإن كان الثّاني: لزمكم القول بما ألزمنا سابقًا من أنّه ﷺ كان يقرّ النّاس على الكفر! بل يتكلّم بما ظاهره كفر صراح من غير أن يؤوّله لهم! وهل الكفر الذي ما فوقه كفر إلَّا مثل هذا؟! وهل ثَمّ تنقيص لرتبة النّبيّ ﷺ أعظم ولا أحطّ قدرًا من هذا؟! ومع هذا كلّه تقولون لمن أدّاه الدّليل إلى مسألة: أنّه لم يعظّم النّبيّ؛ بل نقصه عن رتبته؛ حيث لم يجوّز السّفر إلى زيارته من غير قصد الصّلاة في مسجده! فهل هذا إلَّا كما قيل: «رمتني بدائها وانسلّت» ؟! وهل هتك ستركم، وكشف عورتكم، وأظهر للنّاس سوء معتقدكم وما انتقصتم به ربّكم ونبيّه، وإعراضكم عن الكتاب الذي جاء به؛ إلَّا شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيميّة؛ فروّح الله روحه، ونوّر ضريحه.
وأمّا جنايتهم على السُّنّة:
فمنها: ما تقدّم في القرآن العزيز.
ومنها: ردّ السُّنَن
стр. 184
الصّحيحة الواردة في الصّفات بقولهم: هذه أخبار آحاد! فلا يجوز وصف الباري ـ تعالى ـ بمثلها، ولا يُقبل في الصّفات إلَّا الأخبار المتواترة! وإذا جاءهم الخبر المتواتر أوّلوه بآرائهم. فالحاصل: أنّهم لا يقبلون الأحاديث الواردة في الصّفات، وإذا كانوا قد أوّلوا آيات الكتاب العزيز الواردة في صفات الله ؛ فالسُّنّة بطريق الأولى!
ومنها: تقديمهم آراء متبوعهم عليها؛ حتى قال بعضهم: «إنّ كلام أصحابنا هو الأصل، وما جاء من السُّنّة إن كان موافقًا لهم قُبِل، وإلَّا فيؤوّل أو يهمل» . وبعضهم ممّن اشتغل بعلم الحديث، لكنّه لم يرفع به رأسًا؛ لغلبة التّقليد عليه؛ فترى هذا المسكين يتعصّب للمذهب بكل ما يقدر عليه؛ فتارة يضعّف الصّحيح، أو يؤوّله بما يوافق المذهب، وتارة يصحّح الضّعيف؛ فإذا اطّلعتَ على شرح «صحيح البخاريّ» ـ مثلًا ـ لعالم حنفيّ؛ قلتَ: كتاب البخاريّ كلّه أدِلّة لمذهب أبي حنيفة! وإن قرأتَه بشرح مالكيّ أو شافعيّ أو حنبليّ؛ قلتَ: هذا الكتاب كلّه لمذهب إمام الشّارِح!
ومنها: قولهم: إنّ السُّنّة قد انقطع الاستدلال بها مِن سنة أربعمائة أو بعدها بيسير ـ على اختلاف بينهم في الزّمن الذي انسدّ فيه باب الاجتهاد ـ؛ فيحرم على النّاس استنباط حكم من آية أو سُنّة؛ ويجب عليهم تقليد مذهب معيّن، ولا يجوز لهم قراءة كتب السُّنّة ـ كـ «صحيح البخاريّ» وغيره ـ إلَّا لأجل التّبرّك وإنزال المطر ورفع الوباء والغلاء ودفع الشّدائد! ويقتنون الكتاب من كتب السُّنّة لأجل تكثير الدّراهم، وحفظًا للبيت من الاحتراق والسّرقة، وغير ذلك من الأشياء التي لم تُعهد في زمان السّلف! وليت شعري؛ مع هكذا كلّه؛ أمروا النّاس بالاستهداء بها وفهم معانيها، وأوجبوا عليهم العمل بما فيها، والرجوع إليها عند التّنازع والاختلاف، بل تراهم يقولون للنّاس: أنتم لا تفهمون معاني الكتاب والسُّنّة ـ كأنّهما لم يكون باللّسان العربيّ الفصيح العاري عن التّعقيد والغرابة ـ، وأنتم لا تعرفون المتواتر من الآحاد، ولا النّاسخ من المنسوخ، وغفلوا أنّ السُّنّة معظمها بل كلها ـ ما عدا حديث: «من
стр. 185
كذب عليّ متعمّدًا» ـ آحاد؛ كما قال ابن الصّلاح، وأنّ المنسوخ منها لم يزد على واحد وعشرين حديثًا؛ جمعها: أبو الفرج ابن الجوزيّ في جزء.
ومنها: إذا رأوا رجلًا يستهدي بالكتاب والسُّنّة في جميع أصول الدّين وفروعه؛ رموه عن قوس واحدة بقولهم: هذا مجسّم حشويّ! وفي زماننا هذا يقولون له: أنتَ رجل وهابي! وغير ذلك من الألفاظ المنفّرة للنّاس عنه، سيّما إذا سمعوه يقول: إنّ الإمام الفلانيّ أو العالم الفلانيّ أخطأ في كذا؛ لمخالفته حديث كذا وكذا؛ شنّوا عليه الغارة؛ وقالوا: هذا رجل يستحقر الأئمّة وأتباعهم، وقد غفل المغرّرون عن قول عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر للنّاس: لا تتغالوا في مهور النّساء؛ فقامت إليه امرأة وقالت له: يا أمير المؤمنين؛ أين أنتَ من قوله ـ تعالى ـ: «وآتيتُم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا» ، ومَن فيكم يعطينا قنطارًا؟! فوقف عند قولها أمير المؤمنين، وقال: «كلّ النّاس أعلم منك يا عمر، حتى المرأة» ! وكان أبو بكر يقول في كلّ مسألة يفتي فيها باجتهاده: «إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشّيطان؛ والله ورسوله منه بريء» ، وكان
стр. 186
الشّافعيّ يقول: «أنا راجع عن كلّ مسألة تخالف آية أو سُنّة، وإذا رأيتموني أروي حديثًا ولا آخذ به؛ فأشهدكم أنّ عقلي قد ذهب» ! والآثار في مثل ذلك عن الأئمّة كثيرة مستفيضة.
وأمّا جنايتهم على المسلمين: فمنها: صدّهم لهم عن كتاب ربّهم وسُنّة نبيّهم، وتكثيرهم لهم من كتب الفقه والخلاف، وإلزامهم النّاس بقراءتها ودراستها، وأن يضيعوا فيها عمرهم، ويا حبذا لو كانت هذه الكتب التي سمّوها كتب الفقه خالية من المسائل التي لا يشهد لها نقل ولا يستحسنها عقل؛ بل هي مشتملة على ما هو حقّ وعلى ما هو باطل مخالف للشّرع؛ فلم يراعوا فيها حكمة التّشريع ولا علل الأحكام؛ ولذلك تراهم يجوّزون الحيل على إسقاط فرائض الله وعلى حقوق الآدميّين، وعلى التّعرّض للعنة سيد المرسلين لمن يفعل ذلك.
فمنها: مسألة إسقاط الصّلاة التي ما جاء [بها] كتاب ولا سُنّة، ويقولون: إنّ فعل ذلك يسقط الصّلاة عن ذمّة الميّت! فصادموا بقولهم هذا ما ورد في الصّحيح من قوله ﷺ : «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها؛ فلا كفارة لها إلَّا ذلك» .
ومنها: تحايلهم على إسقاط الزّكاة بقولهم: إذا ملك الرّجل نصاب الزّكاة من ذهب أو وَرِق، وخشي أن يحول عليه الحول؛ فبدّله بذهب آخر أو وَرِق أو يوهبه لأحد من النّاس، ثم يسترده منه بعد قبضه له، أو يجعل النّصاب في شيء من المتاع أو الحنطة، أو يوهبه لأحد ثم يشتريه منه بعد ذلك! فإذا فعل شيئًا من هذه الحيل ـ ولو قبل الحول بيوم ـ؛ سقطت عنه الزّكاة، فقط في ذلك كراهة
стр. 187
تنزيهيّة؛ يعني: أنّها خلاف الأولى، ولا حرمة عليه في ذلك! والحيل على إسقاط الزّكاة لها ضروب عندهم كثيرة؛ فانظر ـ رحمك الله ـ إن كنتَ ممّن نوّر الله قلبه؛ هل هذا موافق لشرع ربّنا وسُنّة نبيّنا؟! وهل هذا يرضاه الله منّا أم مصادم للدّين مناقض له أعظم تناقض؟! وأين حكمة التّشريع في ذلك؛ حيث يقول في غير ما آية: «وآتوا الزّكاة» ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطّهرهم وتزكّيهم بها﴾ ، وغير ذلك من الآيات المحرّضة على إيتاء الزّكاة، وقوله ﷺ : «أمرني ربي أن آخذ صدقة من أغنيائهم فأجعلها في فقرائهم» ؟! فبالله عليك؛ هذا المحتال المنافق المخادع ـ لله ورسوله ـ هل فعل شيئًا من حكمة التّشريع أو أتى بما أُمِرَ به.
ومثل: تحيّلهم على إسقاط الشّفعة، ولهم فيها حيل مختلفة.
ومنها: تحيّلهم للمطلّقة من زوجها ثلاثًا؛ بأن يأتوا لها بالتّيس المستعار ـ الذي لعنه رسول الله ﷺ (وهو: المحلّل) ؛ ويقولون: إنّ هذا يُحلّها للأوّل.
وغير ذلك من المسائل التي يستهجن ويستقبح ذكرها؛ مثل: قولهم في الإمامة وصاحب
стр. 188
الزوجة الحسناء يقدّم على مَن ليس كذلك، وصغر الذّكر يقدّم على الأكبر ذكرًا!!! فأنشدك بالله أيها المنصف الذي شمّ رائحة العلم؛ هل شرعنا يأمرنا بالتّجسّس على مَن زوجته حسناء أو قبيحة، وهل شرعنا يأمرنا أن نجسّ عورات بعضنا بعضًا لأجل أن نعرف مَن ذكره قصير أو طويل؟!! فهل هذا كلّه جناية على المسلمين أم لا؟! خصوصًا في التحيّل على إسقاط الزّكاة التي هي أحد أركان الدّين بعد الصّلاة، وأنّ منفعتها للمسلمين أعمّ من غيرها؛ فإذا كان كلّ غنيّ قرأ هذه الكتب، وعلم كيف يتحيّل على إسقاط الزّكاة؛ فماذا يصنع الفقراء والأصناف الثّمانية الذين تُصرف لهم الزّكاة؟! فهل يموتون جوعًا، أو يسرقون؟! بل يبتهلون إلى الله ـ تعالى ـ أن يعامل أرباب هذه الكتب بعدله، ويجازيهم على صنيعهم هذا بما هم أهله. فهل بعد هذا كلّه يُقال: إنّهم أهل السُّنّة والجماعة، وهم النّاجون والمعظّمون للنّبيّ ﷺ ولشريعته؟! وأمّا ابن تيميّة فقد أتى بعثرة لا تُقال ومصيبة عظمى! فكلَّا؛ ومعلوم لكلّ مَن قرأ كتب ابن تيميّة أنّه ما قصد في كتبه إلَّا محاربة هؤلاء الذين وصفنا حالهم، وأتى بالأدِلّة القاطعة لحججهم، والمُزيلة لشبههم، والمشتّتة لجمعهم، وأفنى عمره ﵁ في نصرة دين الله وكتابه وسُنّة نبيّه؛ ﴿فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ ؟
ومن حيلهم القبيحة والمذمومة: حيلتهم على أكل الرّبا باسم العينة،
стр. 189
ومسألة أخرى مشهورة بدرهم عجوى، والخرقة، والسّبحة، وغير ذلك من الحيل التي كادت أن تهدم أصل الدّين. ولولا ما يلحقهم من لوم العامّة لتحيّلوا على إسقاط الصوم والحجّ والصّلاة وسائر العبادات!
والحاصل: أنّهم أضرّ على الإسلام والمسلمين من اليهود والنّصارى الذين بدّلوا وغيّروا؛ فنسوا جميع قبائحهم هذه وأخذوا يشنّعون على أئمّة الدّين الذين أظهروا للنّاس مصائبهم؛ فكانوا ـ كما قيل في المثل السّائر على ألسنة العوام ـ: «تعبر الباغية تدهيك والذي فيها تجعله فيك» ! فالله يجازيهم بما يستحقّون!
فصل
ووصيّتي لك أيّها السُّنّيّ المريد سعادته في العاجل والآجل: أن تترك كتبهم هذه التي وضعوها في أصول الدّين وفروعه، وتعكف على القرآن العزيز وسُنّة النّبيّ الكريم، وتستعين على فهم ذلك بالتّفاسير المعتبرة ـ كتفسير ابن جرير وابن كثير ـ، وبأقوال الأئمّة المتقدّمين ـ كأبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد ـ، وسائر أئمّة الحديث الذين لم يخلطوا الحقّ بالباطل، لا في الأصول ولا في الفروع. وإذا صار لك قدم راسخ في علم الكتاب والسُّنّة وأقوال سلف الأُمّة؛ فلك ـ حينئذ ـ أن تنظر في كتب هؤلاء المتأخّري؛ لتميّز بعلمك ما فيها من الحقّ والباطل، وعليك أن تتبع الحقّ أينما كان، ومع مَن كان، لا تتعصّب ولا تنتصر ولا تتشيّع إلَّا لله ورسوله. وإذا كان لم يكن عندك شيء من علم الكتاب والسُّنّة ولا أقوال السّلف في الأصول والفروع؛ فابكِ على نفسك! واحذر أن تخوض في أعراض العلماء تقليدًا للذين خاضوا؛ فتهلك كالذين هلكوا. ونحن لم تكن بيننا وبين شيخ الإسلام ابن تيميّة قرابة ولا نسب ولا غير ذلك مما تظنّ بسببه تهمة؛ ولكن رأينا الرّجل لا يتكلّم على مسألة من مسائل الدّين ـ أصوليّة أو
стр. 190
فرعيّة ـ إلَّا وأيّدها بالأدِلّة النّقليّة والعقليّة، ورأينا المُشنّعين عليه بخلاف ذلك؛ فتراهم يقلّد بعضهم بعضًا في التّشنيع والسّبّ والتّكفير ونقل الكذب الصّراح من غير تحاشي ولا نظر، وسمعنا الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾ ، وفي قراءة: (فتثبتوا) ...
الآية، ونحن ـ بفضل الله ـ قد تبيّنّا وتثبّتنا في أمر ابن تيميّة وأمر مُخالفيه؛ فوجدنا الفرق أظهر من الشّمس في رابعة النّهار؛ فشتان بين مَن يتكلّم بالدّليل وبين مَن يتكلّم بقال وقيل! وأيضًا رأينا الذين أثنوا على شيخ الإسلام ابن تيميّة ومدحوه وشهدوا به بالعلم ـ على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ـ أعظم قدرًا وأجلّ معرفة من الذين طعنوا فيه. وهذا السّبكيّ مع كونه من ألدّ الخصوم للشّيخ؛ فقد اعترف بعلمه وبفضله! والفضل ما شهدت به الأعداء. وهذه كتب شيخ الإسلام قد انتشرت في جميع بقاع الأرض، شرقًا وغربًا، وانتفع بها المسلمون على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وأجناسهم، وكلّ منهم أثنى عليها وعلى مؤلفها، وحطّ على مَن طعن عليه وشانه بما هو منه بريء؛ كما شهدت له بذلك مصنّفاته التي يلوح النّور في كلّ ورقة منها.
стр. 191
فصل
وأمّا ما عوى به ابن حجر المكيّ في كتابه «الجوهر المنظم» وشرحه لـ «مناسك النّووي» وكتابه «الفتاوى الحديثيّة» ؛ من التّشنيع والحطّ على شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ فقد رأينا ـ أولًا ـ أن نطوي الكشح ونلوي عنان القلم عمّا نبح به؛ لأنّه أشبه بكلام الرّافضة في حقّ الشّيخين أبي بكر وعمر. وأين ابن حجر من شيخ الإسلام حتى يُقبل طعنه فيه؟! فلو وزنّا بينه وبين شيخ الإسلام؛ وجدنا الفرق كما بين السّماء والأرض، وكما بين الثّريا والثّرى، وكما بين حبّ اللؤلؤ والذّرة، ولكن لما رأينا بعض النّاس الجاهلين الأغبياء قد قلّدوا ابن حجر في هذيانه؛ رأينا أن نتكلّم على بعض ما قاله في حقّ هذا الإمام؛ فنقول:
أولًا: أمّا طعن ابن حجر على شيخ الإسلام؛ فهو معارض بمدح الأئمّة الأعلام الذين عاصروا شيخ الإسلام؛ مثل: الإمام الحافظ أبي الحجاج المزّيّ، والإمام الذّهبيّ، وغيرهما ممّن ذكر أسماءهم الإمام ابن ناصر الدّين الدّمشقيّ الشّافعيّ في كتابه «الرّد الوافر» ؛ فارجع إليه؛ فقد ذكر جمعًا كثيرًا يقارب مائتي إمام، وكلّهم أثنوا على ابن تيميّة، وسمّوه شيخ الإسلام، وبعدهم بقليل؛ مثل: الحافظ شيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن حجر العسقلانيّ، والحافظ بدر الدين محمود العينيّ الحنفيّ، ومفتي المالكيّة الإمام البساطيّ، والقاضي جلال الدّين البلقينيّ، وخلق سواهم، وكلّهم أثنوا على شيخ الإسلام، وبرّأوه مما نسبه إليه
стр. 192
أعداؤه الجاهليّون. وإذا أردتَ الوقوف على مَن أثنى على شيخ الإسلام ورثاه بعد موته بقصائد عديدة؛ فعليك بكتاب «الكواكب الدّريّة في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة» للشّيخ مرعي الحنبليّ، وكتاب «القول الجليّ في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة الحنبليّ» للشّيخ صفيّ الدّين الحنفي ـ نزيل نابلس ـ، والكتابان مطبوعان في مصر. وممّن ترجم لاشيخ الإسلام وأطال: الإمام شمس الدّين الذّهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» و «التّاريخ الإسلاميّ» ، والإمام ابن شاكر، والصّلاح الكتبيّ في «فوات الوفيات» ، والإمام ابن الورديّ في «تاريخه» ـ وله مرثيّة فيه تقطّع القلوب ـ وغيرهم من المتقدّمين قبل ابن حجر المكيّ. وأمّا في زمننا وقبله فخلق لا يُحصون. فإذا رجعتَ إلى هذه الكتب التي أشرنا؛ تبيّن لك ما قاله ابن حجر من الكذب والزّور والبهتان في حقّ هذا الإمام.
ثانيًا: إنّ ابن حجر لم يعزُ ما قاله إلى كتاب من كتب شيخ الإسلام. والذي يظهر لي: أنّه ما رأى منها كتابًا واحدًا؛ وإلَّا لو رأى لاستحيا من الله أن يقول ما
стр. 193
قال؛ اللهمّ إلَّا أن يكون قد غلب عليه التّعصّب والعناد، وهل يليق برجل ينتسب إلى العلم يستحلّ الخوض في أعراض أئمّة الهدى من غير أن يعزي ما قاله إلى كتاب من كتبهم، بل كتبهم على خلاف ما قال هذا المفتري.
ثالثًا: إنّ ابن حجر وأمثاله ممّن طعن في شيخ الإسلام لا يُقبل طعنهم فيه؛ لأنّهم جاهلون؛ بشهادتهم على أنفسهم أنّهم مُقلِّدون، مُحَرِّمون على أنفسهم وعلى النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة، مُقِرّون على أنفسهم أنّهم لا يفهمون معاني الكتاب والسُّنّة، ولا قدرة لهم على استنباط الأحكام من الأدِلّة! وأمّا شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد المطلق، وأنّ شروط الاجتهاد قد توفرت فيه واستجمعها: سبعون مجتهدًا في زمانه؛ فكيف يليق بالجاهل العاجز عن فهم النّصوص أن يطعن في عِرض إمام مجتهد، كتبه تشهد له بالفضل الذي لم يشاركه فيه إلَّا القليل من النّاس؟! وما لك يا ابن حجر وما لهذا الإمام؟! أشفِق على نفسك وأرِحها من العناء؛ فشيخ الإسلام لا يحطّ من قدره ما هذيتَ به، وما أدري طعنك هذا إلَّا كما قال الشّاعر:
كناطِحٍ صخرةً يومًا ليكلِمَها ... أشفِق على الرّأسِ لا تُشفِقْ على الحجرِ
وكما قيل:
لقد هَزلَتْ حتى بدا مِن هزالها ... كلاها وحتى سامها كلّ مفلِسِ
وما مثل ابن حجر ومثل شيخ الإسلام في الفرق والبعد إلَّا كما قال أمير المؤمنين أبو الحسنين سيدنا عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ورضي عنه ـ، حين قسّم النّاس إلى ثلاثة أقسام؛ فقال: «النّاس ثلاث: عالم ربانيّ ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لا يستضيئون بنور العلم، مفتونة قلوبهم وقلوب مَن يعجبهم شأنهم ... » إلى آخر ما قال. فأمّا شيخ الإسلام فهو من القسم الأوّل والثّاني ـ بلا نزاع ـ؛ فإنّه كان عالمًا بالكتاب والسُّنّة، مقدمًا لهما على قول كلّ
стр. 194
أحد، زاهدًا في الدُّنيا معرضًا عن المناصب والوظائف، مختارًا للدّار الآخرة الباقية على الدّار الفانية؛ فصدق عليه أنّه عالم ربانيّ ومتعلّم على سبيل نجاة. وأمّا ابن حجر فكان على خلاف ذلك من حبّ الدُّنيا والشّهرة والتّفاخر، مقلدًا في دينه غيره من الأصول والفروع، إن أصاب مقلّده أصاب، وإن أخطأ أخطأ؛ فصدق عليه ما قاله أمير المؤمنين في وصف أهل القسم الثّالث.
فصل
وهذا أوان الشّروع في الرّد على ما قاله ـ وبالله التّوفيق ـ.
وهنا تنبيه؛ وهو: أنّي إذا عبتُ المتأخّرين وكتبهم؛ فلا أقصد عامّتهم؛ بل أعني: الذين لم يعيروا الدّليل نظرهم ولا ينتصرون له؛ بل جمدوا على التّعصّب للمذهب، ولو أورد عليه مخالفه عشرين دليلًا لم يلتفت لشيء من ذلك! بل يقول: المذهب هكذا! ومعاذ الله أن أعيب على كافّة المتأخّرين وكتبهم؛ بل أقول: وكم من المتأخّرين مَن فاق بعض المتقدّمين بأضعاف مضاعفة، كما أنّي لا أمدح كافّة المتقدّمين ومصنّفاتهم؛ بل أقول: وكم في المتقدّمين مَن هو أصل بلاء الأُمّة.
فالحاصل: أنّي إذا مدحتُ أو عبتُ؛ فإنّما مُرادي: الذين نصروا الدّليل وتشيّعوا لله ورسوله، ولم يُهملوا شيئًا من الأدِلّة الصّحيحة، لا في أصول الدّين ولا في فروعه، سواء كان من المتقدّمين أو من المتأخّرين، وكلّ مَن قدّم عقله وآراء الرّجال على الأدِلّة الشّرعيّة؛ فهو المعنيّ بالقدح والذمّ، سواء كان من المتقدّمين أو من المتأخّرين؛ فاحفظ هذا، والله يؤيّدك.
قول ابن حجر: «فإن قلتَ: كيف تحكي الإجماع السّابق على مشروعيّة الزّيارة والسّفر إليها وطلبها، وابن تيميّة ـ من متأخّري الحنابلة ـ منكر لمشروعيّة ذلك كلّه، كما رآه
стр. 195
السّبكيّ في خطّه» .
فجوابه أن يقال: في أيّ كتاب وفي أي فتوى لابن تيميّة حرّم فيها زيارة قبرة النّبيّ ﷺ ؟! وهذه كتبه بأيدينا مطبوعة منتشرة في جميع أنحاء الأرض، وكلّها مصرّحة بمشروعيّة زيارة قبر النّبيّ ﷺ وقبور غيره من الأنبياء وكافّة المسلمين؛ وإنّما ذكر الخلاف في مسألة: شدّ الرّحل. فبالله عليك؛ إذا كان رجل قد قصر فهمه عن فهم كلام الأئمّة؛ فهل يليق به أن يطعن عليهم، وينسب إليهم أشياء لم يقولوها بل قالوا بخلافها؟! أمّا يستحي مَن هذا صنيعه، ويتذكّر موقفه بين يدي أحكم الحاكمين؟! وهل يجوز لهذا المعترض ـ بعد هذا البيان ـ التّشدّق بما أتى به من الهذيان من جهلة النّاس الطّغام الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؛ بل وجدوا مشائخهم على هذا الضّلال المبين؛ فقالوا: إنّا وجدنا أشياخنا على هذا قائلين، وإنّا على آثارهم مقتدون! فتبًّا لهاتيك العقول! وكيف ينتسب ابن حجر هذا لأهل العلم، وهذا حاله؛ مِن ترك التّثبّت في النّقل، والتّبصّر في النّقد. وكان دأب العلماء ﵏ التّثبّت في مسألة الجرح والتعّديل؛ فكانوا لا يحكمون بجرح الرّجل إلَّا إذا عرفوا حال الجارح، وبشرط أن يذكر ما جرحه به؛ ليُنظر فيه؛ فقد يكون ذلك جرحًا في الحقيقة، وقد لا يكون؛ مثل مسألتنا هذه؛ فالسّبكيّ التبس عليه وعسر عليه فهم فتوى ابن تيميّة؛ فظنّ أنّه حرّم الزّيارة وشدّ الرّحال معًا؛ فأخطأ؛ فجاء العلماء فبيّنوا مقصود ابن تيميّة من هذا الكلام؛ وأنّ مقصوده من هذا تحريم شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة ـ كما قال رسول الله ﷺ ، فإذا شدّ الرّحل بنيّة الصّلاة في مسجده؛ استُحب له أن يزور قبر النّبيّ ﷺ ، وإذا نواها مع الصّلاة؛ فلا بأس.
فهذا ملخّص ما قال ابن تيميّة؛ فهل يقول أحد: إنّ هذا يفيد تحريم الزّيارة إلَّا مَن أعمى الله بصره وقلبه واتّبع الشّيطان وحزبه؟!
وأمّا قوله: «كما رآه السّبكيّ في فُتيا له بخطّه» ؛ فجوابه: أنّ الفُتيا التي رآها السّبكيّ قد ذكرها بالحرف الواحد في كتابه «شفاء السّقام» ، ومذكورة أيضًا في عدّة كتب لشيخ الإسلام، وعليها خطوط علماء بغداد من أهل المذاهب الأربعة، وليس فيها ـ
стр. 196
ولله الحمد ـ حرف يوهم تحريم الزّيارة ـ كما زعمتَ ـ، ولولا طولها لأثبتُها هنا؛ ولكن حيث أنّ الكتب التي توجد فيها مطبوعة منتشرة؛ فلا حاجة بي لذكرها. نعم؛ قد توهّم السّبكيّ هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ فشيخ الإسلام تمثّل بهذا البيت:
عليك في العلم أن تبدي غوامضه ... غَلَطَ في فهم كلامه فأخذ يُغلّط غيره
فأمّا شيخ الإسلام فلا ملامة عليه، ومَن لامه فهو المخطئ؛ لأنّه بيّن الحقّ بأوضح عبارة؛ وإنّما اللّوم على مَن لم يفهم كلام أهل العلم؛ فيغلّط ويخطّئ ويأخذ يشنّع عليهم، وابن حجر هذا قد نقل عبارات السّبكيّ كلّها من غير تصرّف، ونسبها إلى نفسه ـ والله أعلم بقصده ـ؛ فاتبّع غيره في خطيئته فضلّ وأضلّ، وهذا جاءه من شؤم التّقليد الأعمى؛ فنسأل الله ـ تعالى ـ السّلامة من الضّلال بعد الهدى، آمين.
وقوله: «ومَن هو ابن تيميّة؟» فيُقال له: ومَن أنتَ يا ابن حجر؟! وهذه كتب طبقات الرّجال قد أوضحت لنا رتبته ورتبتك؛ فعلمنا أنّ الفرق بينك وبين ابن تيميّة كبعد المشرقين! وهذه مصنّفاته شاهدة بعظم فضله، وكلّها مؤيّدة ومقرّرة لهذا الدّين. وأمّا أنتَ فأين مصنّفاتك؟ وكلّها لم تبلغ معشار عشر مصنّفاته، لا في العلم ولا في الحجم، وأحسن ما في كتبك: كتاب «الزّواجر عن اقتراف الكبائر» ، إن صحّت نسبته لك؛ وقد رأيتُ أنا في كتاب «عقود الجوهر في تراجم مَن له خمسون مؤلّف فأكثر» ، ذكر فيه اسم هذا الكتاب ونسبه للحافظ شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلانيّ، شارح البخاريّ، ذكر ذلك في ترجمته. وإن صحّت نسبته لك؛ فأنتَ مسبوق به؛ فقد ألّف النّاس قبلك كتبًا في عدّ الكبائر؛ كالحافظ الذّهبيّ، والإمام
стр. 197
شمس الدّين ابن القيّم، وغيرهما.
وأمّا ما أطال به من السّبّ والشّتم لشيخ الإسلام؛ فإنّي أتركه له؛ لأنّه هو الأجد والأحرى به. ولما أفلس من الجواب؛ أخذ يُشَنّع بالشّتم والسّباب، وهذا شأن سفلة النّاس لا شأن أهل العلم، والسّبّ لا يظهر علمًا ولا يبني حقًّا؛ ولذلك لم نشتغل بمكافأته عليه.
وأمّا تعريضه ـ في أثناء سبّه ـ بقوله: «وجاء بعده من الحنابلة ممّن هو على مذهبه» ؛ يعني به: الحافظ شمس الدّين ابن عبد الهادي، صاحب كتاب «الصّارم المنكي في الرّد على السّبكيّ» ، وهو كتاب ليس له نظير في بابه؛ بيّن فيه حال الأحاديث التي أوردها السّبكيّ في الزّيارة شاهدًا لها بالصّحّة؛ فبيّن ضعفها ووضعها، كما بيّن ما افتراه السّبكيّ على شيخ الإسلام. فكان يلزم هذا المعترض بدل أن يشتغل بالسّبّ يشتغل بالرّدّ على هذا الكتاب، إن كان عنده علم؛ وإلَّا فكان يسعه السّكوت، ومن أين لك ذلك، والحافظ ابن عبد الهادي لم يتكلّم على هذه الأحاديث إلَّا بكلام أهل الفنّ فيها؛ فما ذنبه؟!
وقوله: «وأطال الكلام بما تَمُجّه الأسماع» ـ يعني: ابن تيميّة ـ!
وجوابه: نعم؛ أمثالكم الذين لم يألفوا الدّليل، وحرّموا عىل أنفسهم وعلى النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة؛ فلا يستطيعون سماع الأدِلّة إذا تواردت عليهم؛ لأنّها مخرّبة لبنيانهم، وهادمة لقواعدهم، مزعزعة لأصولهم، وأمّا المقتدون المتّبعون للدّليل؛ فإنّهم يجدون حلاوة واطمئنانًا في أنفسهم عند سماع الدّليل، وتنقبض نفوسهم عند سماع قال وقيل، ومِن المعلوم أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم يتكلّم في هذا الكتاب الذي ردّ به على القاضي المالكيّ في مسألتنا هذه ـ بل وفي سائر كتبه ـ إلَّا بصريح الأدِلّة النّقليّة والعقليّة، مع استفراغ الوسع في استنباط الأحكام منها.
стр. 198
فأيّ لوم يلحقه في ذلك، وهو مأجور على كلّ حال، أصاب أو أخطأ، وأمّا ابن حجر فلا حظّ له من ذلك؛ لأنّه حرّم على نفسه العمل بالدّليل وألزمها التّقليد، وشتّان بين الرّجلين؛ فإنّ المجتهد هو الذي يكون مأجورًا في الحالين ـ أصاب أم أخطأ ـ، وأمّا مَن قلّده فليس له ذلك؛ لأنّ الله يقول ـ وهو أصدق القائلين ـ: ﴿واتّقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ .
وأمّا قوله: «وسوّلت له نفسه حتى ضرب مع المجتهدين بسهم صائب ... » إلخ:
فجوابه أن يُقال: أمّا شيخ الإسلام فقد شهد له بالاجتهاد في زمانه سبعون مجتهدًا؛ أنّ شروط الاجتهاد قد استجمعها وزيادة؛ كما دلّت على ذلك مصنّفاته التي ملأت الآفاق، وشهد بحسن جودتها المخالف والموافق؛ فلا غرو بعد هذا أن يدّعي الاجتهاد.
ويقال أيضًا لابن حجر: هذا باب الاجتهاد الذي سددتموه؛ من الذي أمركم بسدّه؟ وفي أي زمان كان سدّه؟ أمّا تستحون من هذا المقال الذي لا يصدر إلَّا عن جاهل محتال؟! فكم من خير عن الأُمّة بمقالكم هذا منعتموه، وكم من بدع وخرافات وترهات ألصقتموها بالدّين بسبب هذا الافتراء العظيم، منعتم الناس أن يستهدوا بكتاب ربّهم وسُنّة نبيّهم وأقوال سلفهم؛ لتروج عليهم بضاعتكم المزجاة، وتنفقوا عليهم سلعتكم؛ توسلًا لحبّ المال والجاه! فلمّا رأى شيخ الإسلام ما حلّ بالدّين وأهله من سوء صنيعكم هذا؛ قام لله بصدق عزم، وقوة حزم، ومعه تلميذه الإمام شمس الدّين ابن القيّم، وفي أثرهم الحافظ ابن عبد الهادي، والحافظ ابن كثير والحافظ ابن الوزير اليمانيّ، وتبعهم الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر السعقلاني، والحافظ السّخاوي، والحافظ جلال الدّين السّيوطيّ، وفي أثرهم جاء الحافظ شيخ الإسلام محمد بن إسماعيل الأمير الصّنعاني، والحافظ شاه ولي الله المحدّث الدّهلويّ، والحافظ شيخ الإسلام قاضي اليمن محمد عليّ الشّوكانيّ، والإمام المحدّث السّيد صدّيق حسن خان، وخلق سواهم؛ وهجموا بأجمعهم وقوة عزمهم وجنانهم على باب الاجتهاد الذي سدّه أهل البغي والعناد؛ ففتحوه، وصار النّاس يدخلون في دين الله أفواجًا، حتّى النّصاري واليهود وأهل المِلل المختلفة، الذين كان لا يمنعهم عن الدّخول فيه إلَّا تشعّب الفرق والأحزاب والبدع والخرافات؛ فكانوا يحسبون أنّ هذا كلّه دين؛ فلمّا جاء هؤلاء الأئمّة الذين وصفنا حالهم، وبيّنوا للنّاس ما هو من الدّين وما هو بريء منه ـ بل يشتكي إلى الله من
стр. 199
نسبة هذا إليه ـ؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ فقد سنّوا للنّاس سُنّة حسنة، يلحقهم ثوابها في قبورهم، وأمّا مخالفوهم الذين منعوا النّاس عن الاستدلال
بالكتاب والسُّنّة، وأوجبوا عليهم قبول أقوالهم وإن كانت مصادمة للقرآن العزيز؛ فقد سنّوا للنّاس سُنّة سيّئة يلحقهم وزرها إلى قبورهم؛ ﴿فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ : الذين آمنوا بالله ورسوله، واتّبعوا ما أُنزل عليه وما بيّنه من قوله وفعله، وتمسّكوا بهديه، وأوجبوا على النّاس ذلك كلّه، وحرّموا عليهم أن يقدّموا عليه قول أحد من النّاس كائنًا مَن كان، أم الذين قالوا: يحرم على كلّ أحد بعد الأئمّة الأربعة أن يأخذ أو يستدلّ على مسألة ما بآية أو سُنّة؟! فنعوذ بالله من الخذلان، ونسأله السّلامة إلى دار السّلام.؟
وأمّا قوله: «هذا ما وقع من ابن تيميّة مما ذكروا ـ وإن كان عثرة لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمرّ عليه شؤمها دوامًا سرمدًا ـ ليس بعجيب» !
أقول له في الجواب: هذا قد تقدّم الجواب عنه عند قول السّبكيّ له؛ وبيّنّا أنّ شيخ الإسلام ما قال ذلك عن هوى وتشهي؛ بل قاله عن اجتهاد وتفحّص [للأدِلّة] الشّرعيّة العقليّة؛ ولذلك حكمنا له بأنّه مأجور ـ أصاب أم أخطأ ـ؛ بشهادة الرّسول ﷺ ؛ فلا يحلقه لوم ولا شؤم، وأمّا أنتم فأهل اللّوم والذّمّ؛ لأنّكم ما حكّمتم الدّليل في شرع الملك الجليل؛ بل قلّد بعضكم بعضًا في أصول الدّين وفروعه؛ فجنايتكم على الدّين وأهله أشهر من أن تُشهر، وأوضح من أن تُذكر ـ وقد سبق منّا بيان بعض ذلك ـ.
وقوله: «إنّه خالف إجماعهم في مسائل كثيرة» .
وجوابه أن يُقال: أوجد لنا مسألة من مسائله التي خالف فيها إجماع الأُمّة حتى ننظر فيها! وأمّا هذا القول المجمل فلا يُطالب بالجواب عنه. ومن أين لك معرفة بالأجماع؟! والدّليل على جهلك به: نقلك مثل هذا عن شيخ الإسلام؛ فإن كان قد قلتَ هذا مقلّدًا لغيرك؛ فهو جهل على جهل! وإن كان قلتَه بعد اطّلاعك على مسائله التي خالف فيها غيره؛ فهو أعظم دليل لنا على أنّك لا تعرف الإجماع ولا مواقعه، وأنّى يُسلّم لك هذا الافتراء؛ وما من مسألة خالف فيها شيخ الإسلام إلَّا هو مسبوق بها، وهب أنّه لم يُسبق بمَن قال مثل قوله؛ ولكن ما قال ذلك إلَّا بدليل صحيح؛ فأيّ لوم عليه ونحن مطالبون بالعمل بالحديث الصّحيح، سواء عمل به الكثير أو القليل، أو لم يُعرف أحد عمل به، والإجماع لا ينسخ
стр. 200
ولا ينسخ به ـ على فرض تسليم وقوعه؛ ودون ذلك خرط القتاد ـ!
وأمّا قوله: «وتدارك على أئمّتهم، سيّما الأئمّة الرّاشدين» .
فجوابه أن يُقال له:
أولًا: إنّ تدارك العلماء بعضهم على بعض لم يزل بين الأُمّة معروفًا مشهورًا، قديمًا وحديثًا، لم ينفرد به شيخ الإسلام؛ فهذا الشّافعيّ ﵁ قد ردّ على أهل العراق وردُّوا عليه، وردّ على مالك في بعض المسائل وردّوا عليه، ولم يزل الردّ من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم مستعملًا إلى يومنا هذا؛ فلِمَ تركتَ كلّ هؤلاء وأخذتَ تشنّع على شيخ الإسلام؟!
وقوله: «سيّما الخلفاء الرّاشدين» ؛ أقول: هذه المقالة كذب محض؛ لا تُعرَف في شيء من كتب شيخ الإسلام؛ بل الموجود في كتبه الذّبّ عن الصّحابة أجمعين، خصوصًا الخلفاء الهادين المهديّين، وهذا كتابه في الرّدّ على الرّافضة شاهد بذلك. وهب أنّه أستدرك عليهم بعض المسائل؛ فلا بدع؛ لأنّهم ما كانوا معصومين؛ بل يجوز أن يخطئ كلّ أحد منهم؛ كما يعرف هذا مَن تتبّع سيرهم وأقوالهم؛ فقد ثبت عن الخليفة أبي بكر الصّديق أنّه كان يقول أذا أفتى في مسألة ليس لها نصّ صريح: «إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشّيطان؛ والله ورسوله منه بريء» ، وقد رجع أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب عن بعض المسائل ـ وهذا معروف في كتب الحديث والفقه ـ، وكثير من المسائل التي كان يفتي بها بعض الصّحابة لم يعمل بها في المذاهب الأربعة، وهي ثابتة عنهم بالنّقل الصّحيح؛ مثل: ما ثبت عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ من جواز نكاح الرّجل ابنة زوجته إذا لم تكن في حجره؛ عملًا بظاهر القرآن، ومثل: ما ثبت ع نابن عباس وغيره من جواز نكاح المُتعة، وأنّه لم
стр. 201
يُنسَخ، وغير ذلك من المسائل التي يكول ذكرها؛ فلو خالف أحد شيئًا من هذه المسائل بدليل ظهر له؛ لم يكن منتقصًا لأحد من أصحاب النّبيّ ﷺ ولا غيرهم؛ لأنّ الدّليل كما هو حجّة علينا؛ فهو حجّة على الصّحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ.
ولعلّ ابن حجر يومئ بكلامه هذا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميّة من أنّ الطّلاق الثّلاث إذا كان مجموعًا في كلمة واحدة؛ فلا يقع إلَّا طلقة واحدة، كما جاء ذلك في صحيح مسلم؛ ولفظه: كان الطّلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر: الثّلاث واحدة، حتى قال عمر: «إنّ النّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة؛ فلو أمضيناه عليهم؛ فأمضاه عليهم» ؛ فقال شيخ الإسلام ابن تيميّة عند هذا: إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب فعل ذلك قبل أن يُفتح على النّاس باب التّحليل ـ الذي لعنه رسول الله ﷺ ، ولعن فاعله، وسمّاه بالتّيس المستعار ـ، ولو كان يعلم ابن الخطّاب أنّ النّاس سيفعلون ذلك؛ ما أمرهم بوقوع الطّلاق ثلاثًا؛ وهذا مصداق ما قال بعض الصّحابة: «ما ضُيّعت سُنّة إلَّا وظهرت بدعة» ، وما زال أمر التّحليل يتفاقم حتى بلغ ما بلغ، وأقلّ مفاسده: التّعرّض للعنة الرّسول ﷺ ، وإفساد الزّوجة، وتغيير حكمة الشّرع التي شرع لها الزّواج، ومفاسد كثيرة جدًّا لا تحصى ـ ذكر بعضها الإمام ابن القيّم ـ؛ فلو بقي النّاس على ما كانوا في عهد نبيّهم ﷺ وعهد أبي بكر؛ لكان خيرًا لهم وأقوم، ولانسدّ عليهم باب مفاسد الحيل، التي كادت أن تُضيّع الدّين جملة، وقد أدخلوها في النّكاح، والصّلاة، والزّكاة، والصّوم، وفي أكل الرّبا والحقوق، وغير ذلك.
والحاصل: أنّ قول الله ورسوله مقدّم على رأي كلّ أحد من النّاس كائنًا مَن كان.
وأمّا من قوله: «حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس عن كلّ نقص، والمستحقّ لكلّ كمال ـ؛ فنسب إليه العظائم والكبائر، وخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته؛
стр. 202
بما أظهره للعامّة على المنابر من دعوى الجهة والتّجسيم، وتضليل مَن لم يعتقد ذلك من المتقدّمين والمتأخّرين؛ حتى قام علماء عصره وألزموا السّلطان قتله أو حبسه وقهره، إلى أن مات؛ وخمدت تلك البدع وزالت تلك الظّلمات» ! انتهى كلامه بحروفه.
وجوابه أن يُقال:
أولًا: سبحانك هذا بهتان عظيم! ومَن قرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة في التّوحيد وغيره؛ علم قطعًا براءته مما نَسب إليه هذا الكذّاب المعتدي ـ وهو ابن حجر ـ؛ فقد ردّ فيها على المجسّمة والمشبّهة، وليس فيها حرف واحد يشعر بما قاله وافتراه هذا الرّجل. نعم؛ قد أثبت لله أسمائه وصفاته التي ورد بها القرآن والسُّنّة من غير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل، فإن كان هذا تجسيمًا وإثبات جهة عند ابن حجر؛ فلا يختصّ به شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ لأنّه ليس أوّل مَن قال به؛ بل هذه الصّفات نزل بها القرآن العربيّ، وتكلّم بها النّبيّ الأُمّيّ في وسط أصحابه ـ الذين هم أعلم العرب باللّغة الفصيحة ـ، ونقلها عنهم خلف عن خلف، ولم يثبت عن أحد منهم أنّه أوّل شيئًا من ذلك؛ فهل كانوا في ذلك مجسّمين ومثبتين للجهة ومنتقصين ربّهم؟! فإن اعتقد ابن حجر فيهم ما اعتقده في شيخ الإسلام فهو أصل الضّلال وأجهل الجهّال، وإن كان يقول: ما كانوا يعتقدون ذلك؛ فقد خالف ما يشهد به النّقل والعقل وإجماع الأُمّة.
والحاصل: أنّ ردّه على شيخ الإسلام متضمن الرّدّ على النّبيّ ﷺ وعلى أصحابه وتابعيهم والأئمّة المجتهدين ـ عرف ذلك أو جهله ـ، بل ردّ على الله : فأمّا ردّه على النّبيّ ﷺ ؛ فلأنّه هو السّائل للجارية بقوله: «أين الله؟» ؛ فقالت: في السّماء؛ فقال لسيّدها ـ أي: مالكها ـ: «أعتقها؛ فإنّها مؤمنة» ، وهو القائل: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا ... » الحديث ... وغير ذلك من الأحاديث الواردة في الصّفات؛ المفيدة أنّ الله في السّماء، وأنّه فوق العرش، وأنّه موصوف بكل ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، والكيف في جميع ذلك غير
стр. 203
معقول. فهذا هو الذي كان عليه أئمّة سلفنا، وشيخ الإسلام لم يزد عليه؛ بل انتصر له، وردّ على مَن يخالفه ويتأوّله حتى وصف ربّه بصفات العدم المحض ـ فرارًا من التّجسيم بزعمه ـ! وألزمه أيضًا التّجسيم فيما أثبته لله ـ تعالى ـ من الصّفات ـ كالعلم والحياة والإرادة والسّمع والبصر والكلام (الذي ليس بحرف ولا صوت) ـ؛ لأنّ هذه الصّفات كما هي ثابتة لله فهي ثابتة للمخلوقين.
فإن قال: علم الله ـ تعالى ـ ليس كعلمنا، ولا حياته كحياتنا، ولا إرادته ولا سمعه ولا بصره ولا كلامه ...
الجواب: قلنا له: كذلك استواؤه على عرشه ليس كاستوائنا، ولا نزوله، ولا وجهه، ولا عينه، ولا نفسه، ولا يداه، ولا قدمه، ولا ساقه، ولا إتيانه، ولا ضحكه، ولا رضاه، ولا غضبه، ولا فرحه، ولا تعجّبه، وأيّ فرق بين ما أثبته له وبين ما نقيته عنه من الصّفات التي ذكرناها، والثّابتة له ـ تعالى ـ بنصّ القرآن والسُّنّة الصّحيحة؛ فما هذه إلَّا مكابرة وتفريق من غير فرق.
والحاصل: أنّ الرّدّ على هؤلاء في مثل هذه المسائل يطول جدًّا، وقد أراحنا فيه أئمّتنا المتقدّمون والمتأخّرون ـ كأبي حنيفة في «الفقه الأكبر» ، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد، وغيرهم؛ مثل: البخاريّ، وأهل الحديث كلّهم (رضوان الله تعالى عليهم) ، فمن بعدهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، والحافظ ابن القيّم، وغيرهما من المتأخّرين ـ؛ جزاهم الله خيرًا.
ولشيخ الإسلام أن يتمثّل بقول بعضهم:
إن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاتِهِ ... فإنّي بحمد الله عبدٌ مجسّم
وما ضرّه أن يقول فيه ابن حجر ما قال إذا كان قد اقتفى فيما ذهب إليه سلفه الصّالح، فإن كان إثبات هذه الصّفات خرقًا لسياج عظمة الله ـ تعالى ـ وكبريائه، وأنّ ذلك من نسبة العظائم والكبائر ـ كما قاله هذا الجاهل بربّه ـ؛ فهو هو الذي وصف نفسه بنفسه؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ـ في سورة طه ـ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ ـ في سورة تبارك ـ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿إليه يصعد الكلم
стр. 204
الطّيّب﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿تعرج الملائكة والرّوح إليه﴾ ، وقال: ﴿هل ينظرون إلَّا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ ، وقال: ﴿واصطنعتُك لنفسي﴾ ، ﴿ولتصنع على عيني﴾ ، ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ ، ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ ، ﴿الله يستهزئ بهم﴾ ، ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ ، ﴿لما خلقتُ بيديّ﴾ ، وغير ذلك من آيات الصّفات؛ فهل كلّ ذلك قاله الله ـ تعالى ـ أو ابن تيميّة؟! فإن كان الله ـ تعالى ـ هو الذي قاله؛ فأيّ لوم يلحق ابن تيميّة؟!
وأمّا قوله: «كان يقول ذلك على المنابر» .
فجوابه: إذا كان يقوله على الوجه الذي ذكرنا؛ فلا لوم عليه؛ فإنّه مأمور بتعليم العامّة دينهم ـ سيّما التّوحيد ـ، وإن كان يقوله على الوجه الذي ذكره ابن بطوطة في «رحلته» لما دخل دمشق؛ فهو كذب
стр. 205
وافتراء على الشّيخ؛ وكتبه على خلاف ذلك، وقد ردّ هذا وأنكر نسبته إلى الشّيخ ابن تيميّة الحافظ العينيّ ـ شارح البخاريّ ـ، وهو أعلم بمصنّفات شيخ الإسلام من ابن حجر بأضعاف، ولقرب عهده منه. وهذه الحكاية السّخيفة من نقل كذّاب عن كذّاب؛ فنعوذ بالله من حال مَن يخلق ما يقول.
والحاصل: أنّ هؤلاء الذين عطّلوا الله عن صفاته الخبريّة، وأوّلوها بآرائهم؛ فإنّهم أولًا شبّهوا ثم عطّلوا؛ لأنّهم ما عقلوا من هذه الصّفات إلَّا صفات المخلوفين؛ فلذلك نزّهوا الله عنها زعمًا منهم أنّ إثبات ذلك يُفضي إلى التّجسيم، وما دروا أنّ الله كما أنّ ذاته مخالفة للذّوات؛ فصفاته مخالفة للصّفات؛ فقالوا: إنّ إثبات صفة الكلام له ـ تعالى ـ يقضي أنّ له جارحة يتكلّم بها؛ لأنّه ما عهد كلام من غير جارحة، وغفلوا أنّ بعض المخلوقات قد تكلّمت من غير جارحة، كما أخبر الله عن السّماوات والأرض؛ إذ قال لها: ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا﴾ ؛ قالتا ـ السّماوات والأرض ـ: ﴿أتينا طائعين﴾ ، ومثل: تسبيح الحصى في كفّه ﷺ ، ومثل: شهادة الأعضاء على العباد يوم القيامة، وإخبار الأرض بما وقع عليها يوم القيامة أيضًا؛ فهل جميع ذلك كان لها لسان وفهم؟! كلَّا؛ فكيف بمَن هو على
стр. 206
كلّ شيء قدير؟! فيتكلّم كيف شاء ومتى شاء، وقد أرانا الله في الدُّنيا مثالًا؛ وهو الفوتوغراف؛ يتكلّم ويقرأ من غير لسان، وهو صنعة لبعض المخلوقين؛ فلله المثل الأعلى.
فلمّا لم يعقلوا كلامًا من غير جارحة؛ قالوا بالكلام النّفسيّ، ومنعوا أنّ الله يكون قد أسمع موسى كلامه؛ بل خلق الكلام في الشّجرة! وأنّه لم يتكلّم بهذا القرآن العربيّ الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه بأيدينا في مصاحفنا؛ وقالوا: هذا القرآن مدلول كلام الله أو عبارة أو حكاية! وأنّه يُطلق عليه كلام الله مجازًا لا حقيقة! ومنعوا أنّ الله ـ تعالى ـ يُسمِع كلامه بعض خلقه؛ كما روى ذلك البخاريّ في «صحيحه» ؛ عند تفسير قوله ـ تعالى ـ في سورة سبأ: ﴿حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم﴾ ، وكذلك سائر الصّفات منعوا إثباتها له ـ تعالى ـ؛ خوفًا من التّشبيه، وخفي عليهم ما قاله ابن عبّاس من أنّه: ليس شيء في الدّنيا يشبه ما في الجنة مما أعدّه الله لأوليائه المتّقين الصّالحين، إلَّا مجرّد الاشتراك في التّسمية. والحال: أنّ الله يقول ـ وهو أصدق القائلين ـ في وصف الجنّة: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمّان﴾ ، ومن المعلوم أنّ الدّنيا فيها نخل ورمّان، ولكن لما كان النّخل ليس كالنّخل الذي في الجنّة ولا الرّمّان كالرّمان؛ عُلم منه أنّه محض اشتراك في التّسمية فقط. والمقصود: أنّ هؤلاء لمّا حكّموا عقولهم في النّصوص الشّرعيّة وأوّلوها بأهوائهم؛ ضلّوا وأضلّوا، ولم ينفعهم قولهم: «إنّ خصومنا لا يمكن ردّهم إلَّا بأدِلّة العقل، وأمّا النّصوص السّمعيّة فلا تجدي معهم نفعًا» ؛ لأنّهم ـ في الحقيقة ـ لا للإسلام نصروا ولا لعدوهم كسروا؛ بل أوقعوا النّاس في الشّك والحيرة، ولو التزموا طريقة القرآن والسُّنّة؛ لكانوا هادين مهديّين، ناصرين للإسلام وأهله. فنسأله ـ تعالى ـ التّوفيق والعصمة.
وأمّا قول ابن حجر: «حتّى قام عليه بعض علماء زمانه؛ فكلّموا السّلطان في حبسه وقتله» .
فجوابه: هذا صحيح؛ وهذه سُنّة الله في حقّ كلّ مَن قام لله منتصرًا؛ لأجل أن يجعل له أسوة بالأنبياء والرّسل ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ـ؛ لأنّ
стр. 207
العلماء ورثة الأنبياء، وقد قال : ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين﴾ . والحاصل: أنّ عداوة أهل الجهل للعلماء معروفة، لا ينكرها أحد؛ فلو أقنعوه بالحُجج والبراهين النّقليّة والعقليّة؛ لأرضوا بفعلهم ربّهم والنّاس أجمعين، ولكن من أين لهم علم يقاومون به هذا الطّود العظيم؛ فلما عجزوا عن مناظرته أمام السّلطان في مصر؛ أخذوا يسعون في أذاه، ويُغرون به الملوك والأمراء؛ فكان له في ذلك أجر وعليهم وزر، وعند الله تجتمع الخصوم.
وأمّا كونه مات في السّجن؛ فلا عجب، وكم من إمام حُبس في السّجن حتى مات، وهل أحد أُوذي في الله مثل أهل العلم؟! تأمّل في التّاريخ؛ تجد ما وقع للأئمّة المجتهدين وأهل البيت وغيرهم. فالشّيخ أراد الله ـ تعالى ـ له أن ينظمه في سلك الذين أُوذوا فيه وصبروا؛ ليوفيهم أجرهم بغير حساب.
وأمّا قوله: «ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسًا، ولم يُظهر لهم جاهًا ولا بأسًا؛ بل ضربت عليهم الذّلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» !
فجوابه أن يُقال: قد ردّ الله ـ تعالى ـ هذا الكلام على قائله. وأمّا أتباع شيخ الإسلام؛ فقد أعلى الله ـ تعالى ـ قدرهم، ورفع ذكرهم، وانقاد النّاس لهم؛ حتى صاروا يهتفون ويترنمون في المجالس بذكرهم، ويفتخرون بالانتساب إليهم، وحقّق الله لهم ما قاله فيهم، وأنجز لهم وعده؛ حيث قال: ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾ ، وقوله: ﴿فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين﴾ ؛ فكانت العاقبة لهم؛ بأن نشر كتبهم في الآفاق، وانتفع بها الخاصّ والعامّ من كلّ جنس، حتى النّصارى واليهود على اختلاف مللهم؛ فطُبعت في بلادهم، فضلًا عن بلدان أهل الإسلام من كلّ جنس ومذهب، وعكف النّاس عليها قراءة وتدريسًا وكتابة، وتبيّن لهم أنّها هي كتب الدّين الصّحيح، وشواهد الحال تشهد بما قلناه؛ فليخسأ هذا المعترض!
ومن طالع كتاب «سجل أم القرى» الذي
стр. 208
ألّفه السّيد عبد الرحمن الكواكبيّ؛ يعلم صدق ما قلناه، ولله الحمد في الأولى والآخرة.
فصل
ولا يظنّ ظانّ أنّ ما عليه أهل النّفي والتّعطيل هو ما كان عليه الإمام أبو الحسن الأشعريّ ـ رحمه الله تعالى ـ، كما يقولونه. نعم؛ كان عليه في أوّل أمره، ثم رجع عنه؛ وألّف كتابه «الإبانة عن أصول الدّيانة» ؛ أثبت فيها جميع الصّفات التي ورد بها القرآن والسُّنّة، ووافق فيها أهل الحديث؛ حتى قال فيها: إنّ فرعون كان أحسن معرفة بربّه من هؤلاء النّفاة؛ فقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا﴾ الآية؛ وهذا دليل على أنّ موسى ـ صلوات الله عليه ـ كان يقول: إنّ إلهي في السّماء. وقد طُبِعَ هذا الكتاب بالهند مع «الفقه الأكبر» للإمام أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه ـ.
والحاصل: أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم يأتِ منكرًا من القول وزورًا؛ بل وافق في معتقده ما كان عليه سلفنا الصّالح، ومَن طالع مصنّفاته في التّوحيد وغيره، وطالع كتاب «العُلُوّ» لشمس الدّين الذّهبيّ، وكتاب «خلق أفعال العباد» للإمام البخاريّ، و «شرح السُّنّة» للإمام البغويّ، و «الأسماء والصّفات» للإمام البيهقيّ؛ علم قطعًا أنّه لم
стр. 209
يخرج عن اعتقاد السّلف قيد شبر، وأمّا مخالفوه؛ فهم شاهدون على أنفسهم بأنّهم لم يتبعوا فيما اعتقدوه الكتاب والسُّنّة؛ بل قالوا: إنّ فيهما ما ظاهره كفر! ولهذا ذهبوا يؤوّلون ويحرّفون كلّ صفة أثبتها الله ـ تعالى ـ لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ؛ بما أدّتهم إليه عقولهم؛ فمَن أحقّ بالتّضليل والابتداع: الذي يُحكّم الدّليل السّمعيّ في أصول الدّين وفروعه، أم الذي يعتقد أنّ نصوص الكتاب والسُّنّة منها ما ظاهره كفر! ويأخذ يبتدع له عقائد على حسب رأيه وهواه؟! فنعوذ بالله ـ تعالى ـ من اتّباع الهوى ودرك الشّقاء، ونسأله ـ تعالى ـ أن يرزقنا التّقوى، ويجنبن طرق الردى، آمين.
стр. 210
ادّعاء السّبكيّ أنّ الاستغاثة والتّوسل من الأمور الحسنة
قال السّبكيّ:
«الباب الثامن:
في التّوسّل والاستغاثة والتّشفّع بالنّبيّ ﷺ :
اعلم أنّه يجوز ويحسن التّوسّل والاستغاثة والتّشفّع بالنّبيّ ﷺ إلى ربّه ؛ وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكلّ ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السّلف الصّالحين والعلماء، والعوامّ من المسلمين، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيميّة؛ فتكلّم في ذلك ... » إلى آخره!
وجوابه أن يُقال: إنّ التّجويز والتّحسين ليسا من خصائص البشر؛ وإنّما ذلك من خصائص الله ورسوله؛ فما لم يشرعه الله ورسوله لا يُقال فيه: هذا جائز أو حسن.
وقوله: «هذه المسألة مُجمع عليها، ومعروفة من سير الأنبياء والسّلف، إلى حدّ زمانه» ؛ فهذا قول تردّه الأدِلّة الصّحيحة الثّابتة في الكتاب والسُّنّة وسيرة السّلف:
فأمّا القرآن: فمن أوّله إلى آخره ليس فيه آية تدلّ على ما قاله، ولا تومئ إليه؛ بل فيه ما يردّ ذلك؛ مثل: قوله ـ تعالى ـ في ردّه على المشركين حيث يقول: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء﴾ الآية، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ .
وأمّا السُّنّة: فلم يأتِ فيها حديث واحد يدلّ على طلب التّوسّل بالمعنى الذي أراده السّبكيّ، أو أنّه أفضل من سؤال الله ـ تعالى ـ والإقسام عليه بأسمائه وصفاته. وأدعيته ﷺ الواردة في الصّحيح والضّعيف ليس فيها حرف يدلّ على استحسان ذلك أو جوازه.
وأمّا الإجماع: فإليك ما ورد في «الصّحيح» من توسّل أمير المؤمنين عمر بن
стр. 211
الخطّاب بالعباس عمّ النّبيّ ﷺ ؛ حين أجدبوا، مع وجود قبر النّبيّ ﵊، والقصة مشهورة؛ فلا حاجة لنا بذكرها، وقد أقرّه الصّحابة على ذلك؛ فلو كانوا يعلمون أنّ في القرآن أو السُّنّة دليلًا على استحسان التّوسّل بالنّبيّ ﷺ والاستغاثة به بعد وفاته؛ لما ساغ لهم أن يتركوه ويعدلوا عنه، ويقرّوا أمير المؤمنين سيدنا عمر على قوله: «اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل [إليك] بنبيّنا فتسقينا؛ والآن نتوسّل إليك بالعباس عمّ نبيّنا؛ فاسقنا» ؛ فصحّ بهذا أنّ التّوسّل والاستغاثة [به ﷺ ] كانا معروفين عند الصّحابة في حياته ﷺ ، وأنّهما بمعنى: طلب الدُّعاء منه ﷺ ، فلمّا قُبِضَ ﵊ فليس لنا أن نزيد في الدّين ونشرع فيه ما لم يأذن به الله؛ بل علينا أن نسأل الله ونقسم عليه بأسمائه وصفاته، ونتوسل إليه ـ تعالى ـ بصالح الأعمال؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ، ولحديث الثّلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة وهم بالغار؛ فتوسّلوا إلى الله ـ تعالى ـ بصالح أعمالهم؛ فانفرجت عنهم. رواه مسلم.
стр. 212
واعلم أنّه لم يأتِ حديث في جواز التّوسّل يصلح للاستدلال، إلَّا حديث الأعمى، الذي رواه التّرمذيّ وغيره، من طريق أبي جعفر الخطمي، وقال فيه: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلَّا من طريق أبي جعفر» .
وقد تكلّم العلماء على هذا الحديث؛ فمنهم مَن خصّه بحياته ﷺ ، ومنهم مَن جعله خصوصيّة له. وسنتكلّم عليه عند إيراد السّبكيّ له ـ إن شاء الله تعالى ـ.
واعلم أنّني أسلك في طريق التّوسّل والاستغاثة والتّشفّع مسلك التّرجيح بين الأدِلّة؛ بمعنى: ما ورد منها ثابتًا صحيحًا يقبل، وإلَّا فلا.
وأمّا من جهة الاعتقاد؛ فأقول: إنّ التّوسّل المجرّد ليس فيه بأس إذا كان بلفظ ما ورد في حديث الأعمى؛ لأنّ المسؤول هو الله ـ تعالى ـ، سواء سألناه ـ تعالى ـ بأسمائه وصفاته، أو
стр. 213
توسّلنا إليه بأنبيائه والصّالحين من عباده، غير أنّ الوقوف عند ما ورد هو خير وأحسن تأويلًا؛ فنحن لا نكون أعلم بالله ولا أورع ولا أتقى له من أصحاب النّبيّ ﷺ ؛ ولو كان هذا معروفًا في زمانهم؛ لنقل إلينا نقلًا مستفيضًا، ولم يروهِ الآحاد فقط؛ إذ ما من أحد منهم إلَّا كان يدعو الله ـ تعالى ـ ويسأله حوائجه؛ فالخير في الاتّباع، والشّر في الابتداع.
والحاصل: أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم ينكر شيئًا معروفًا في القرآن أو السُّنّة أو إجماع الصّحابة ـ كما قاله هذا المعترض ـ؛ بل سلك مسلك الموحّدين الواقفين عند ما شرعه الله ورسوله، ولم يتعدّوه إلى استحسانهم، وهذا هو تعظيم النّبيّ ﷺ ، وأمّا الذي يجوّز ويستحسن شيئًا في الدّين برأيه وهواه؛ فهو منازع لله في شرعه، منتقص لرسوله ﷺ باستدراكه عليه بعض الأحكام؛ فكأنّه لم يرضَ بحكمه ولم يكتفِ بشرعه، وقد ضمن الله محبّته لمن اتّبع نبيّه؛ فقال (تعالى) ـ وهو أصدق القائلين ـ: ﴿قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله﴾ الآية.
وأمّا ما أورده السّبكيّ في هذا الباب من الأحاديث التي ظنّها أدِلّة وبراهين قاطعة، وأخذ يشنّع على شيخ الإسلام من أجل مخالفته لها؛ فسنتكلّم عليها ـ إن شاء الله تعالى ـ حديثًا حديثًا. وبالله التّوفيق.
стр. 214
فصل
الكلام على الحديث الأوّل
حديث الحاكم: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النّبيّ ﷺ : «لما اقترف آدم الخطيئة ... » إلخ.
стр. 215
أقول: هذا حديث ضعيف باتّفاق، انفرد بتصحيحه الحاكم؛ جريًا على عادته في التّساهل؛ وكم صحّح أحاديث ضعيفة بل موضوعة. وإليك ما قاله أهل العلم في الحاكم هذا: لا يلتفت إلى تصحيحه ما لم يوافقه أحد من أئمّة الحديث. وكيف ساغ للحاكم تصحيحه وإلزام الشّيخين بإخراجه؛ وفيه عبد الرحمن بن زيد؟!
قال في «تهذيب التّهذيب» : عبد الرحمن بن زيد ... وذكر تضعيفه عن مالك وأحمد وأبي زرعة وأبي طالب. وناهيك بهم.
وقوله: «اعتمدنا فيه على تصحيح الحاكم» ؛ فكأنّه لا يدري ما قاله العلماء في تصحيح الحاكم، وإذا كان لا يدري؛ فما له وما للحديث ورجاله!
وقوله: «ولعلّ ابن تيميّة إذا بلغه الحديث؛ يطعن فيه بعبد الرحمن بن زيد، [وعبد الرحمن] لم يبلغ به الضّعف إلى الحدّ الذي ادّعاه» .
أقول: قد عرفتَ من تكلّم في عبد الرحمن بن زيد، ولم يأتِ السّبكيّ برجل واحد
следующие страницы →