← Акыда

Акыда · id 9063

الكشف المبدي

محمد بن حسين الفقيه

Полный текст (406 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تلك الأقوال؛ فتأمّل. وغاية ما يُقال في ابن الصّلاح: أنّه ـ وإن كان إمامًا في الحديث ـ لكنّه كان يَغْلِب عليه التّعصّب للمذاهب كغيره ممّن اعتنى بهذا الشّأن، ولم يقدّمه على أقوال الرّجال! والحال أنّنا نقول: إنّ التّقليد في أمثالهم حرام؛ لأنّهم أعلى قدرًا من أن يُقَلِّدوا أحدًا غير رسول الله ﷺ ، وهم عالمون بصحيح السُّنّة وسقيمها، لايختلف في هذا اثنان، ولكن كما قيل: «حُبّك الشّيء يعمي ويصمّ» ! فنسأل الله أن يرحمهم ويُجازيهم على حسن نيّاتهم. وقد علمتَ مما مرّ أنّ السّبكيّ لا دليل [له] في القرآن ولا في السُّنّة ولا في القياس ولا في الإجماع على جواز شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة القبور، من غير قصد شيء آخر يكون السّفر مشروعًا له، فضلًا عن استحبابه! وأنّ شيخ الإسلام أسعد بصحّة الحُجّة على ما ذهب إليه من تحريم شدّ الرّحل والسّفر لزيارة القبور المُجرّدة عن كل قصد سواها، وأنّ زيارة القبور مشروعة من غير شدّ رحل وسفر؛ فهما مسألتان؛ فاحذر من جعلهما مسألة واحدة ـ كما بيّنّاه فيما سبق ـ. والله وليّ التّوفيق. فصل ثم ذكر السّبكيّ بعد الإجماع أصلًا خامسًا؛ أشار [إليه] بقوله: «الخامس: وسيلة القُربة قُربة» ، وأطال الكلام جدًّا في تقرير هذا الأصل؛ مستدلًّا عليه بأحاديث نبويّة ومباحث أصوليّة لا تحتاج إلى مناقشة؛ لأنّه لا حاجة بنا إلى ردّ شبهته؛ لوجهين: أحدهما: أنّنا قد أبطلنا حُجّته من الأصول الأربعة على ما ذهب إليه، وهو ما بنى هذا الأصل الخامس إلَّا على تصحيح ما ادّعاه بالأصول الأربعة، وإذا تبيّن لك بطلان ما ادّعاه، وأنّ الأصول الأربعة شاهده على سقوط دعواه؛ علمتَ قطعًا سقوط احتجاجه بالأصل الخامس. الثاني: أن يُقال: وسيلة القُربة قُربة إذا كانت الوسيلة إليها مشروعة، وبحيث يتوقّف فعل القُربة على هذه الوسيلة، وأمّا إذا كانت هذه الوسيلة غير مشروعة، أو أنّ فعل القُربة لا يتوقّف عليها؛ فليست مشروعة. فإذا تقرّر هذا الأصل؛ فنقول: إنّ مسألتنا هذه ليست من هذا الباب؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الزّيارة مشروعة، ولكنّ شدّ الرّحل والسّفر

стр. 142

إليها منهيّ عنه؛ فتكون ـ حينئذ ـ مشروعة في حقّ القريب، وفعلها لا يتوقّف على هذه الوسيلة؛ لأنّه ما من بلد إلَّا وفيها قبور؛ فالفائدة التي تحصل من الزّيارة المقصودة بالسّفر وشدّ الرّحل تحصل بزيارة قبور البلدة. وأعني بالفائدة: تذكّر الآخرة بزيارتها، والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها. وهذا هو الذي صحّ في السُّنّة من قوله وفعله ﷺ . ومَن ادّعى شيئًا آخر زائدًا على هذه الفائدة الحاصلة من زيارة القبور؛ فعليه الدّليل. وأيضًا يُقال في الجواب: ليست كلّ قُربة يُشرع إليها السّفر وشدّ الرّحل؛ فهذه الصّلاة من أعظم القُربات وأفضلها، ولكن لم يُشرَع لها شدّ رحل ولا سفر لغير المساجد الثّلاثة، وهذا النّذر أصله قُربة ـ وهو: الإنفاق في أوجه الخير ـ، ولكن لم يُشرَع؛ بل نُهي عنه. وما أجاب به السّبكيّ لا يكفي في رَدّه؛ بل الحُجّة قائمة لمخالفيه، ولو أخذنا نناقشه في جميع ما أورده؛ لطال بنا الكلام، وردّه ظاهر من الأصل الذي قرّرناه في أوّل الفصل. والله الهادي. واعلم أنّ السّبكيّ قد أسهب جدًّا في تقرير هذه القاعدة بكلام لا طائل تحته، ويُورِد على نفسه إشكالات ويجاوب عنها بأجوبة ضعيفة، وحيث أنّنا ما وضعنا كتابنا هذا إلَّا لردّ ما ظنّه دليلًا من الكتاب والسُّنّة والإجماع والقياس؛ فلا تحتاج لردّ ما أورده من هذه المباحث؛ لأنّ الحُجّة في قول الله ورسوله، وحيث أنّنا قد بيّنّا ردّ ما استدلّ به منهما؛ فلا نحتاج لردّ ما بناه على ذلك؛ فإنّه بناه على باطل، وما بُني على باطل فهو باطل؛ فتدبّرها. ثم إنّ هذه الشُّبه والمباحث التي أوردها السّبكيّ في هذا الباب والذي بعده؛ قد ناقشه فيها كثير من العلماء؛ فمنهم: الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم في «نونيّته» وغيرها، ومنهم: الإمام الحافظ شاه ولي الله المحدّث الدهلويّ، ومنهم: العلّامة الشّيخ عبد اللّطيف النّجديّ في كتابه المُسمّى «منهاج

стр. 143

التّأسيس في الرّدّ على داود بن جرجيس» ، ومنهم: الإمام المفضال السّيد صدّيق حسن ملك بهوبال في كتابه المُسمّى بـ «رحلة الصّديق إلى البيت العتيق» ، وفي كتابه «عون الباري شرح أدلّة البخاريّ» ، وفي كتابه المُسمّى «السّراج الوهّاج بشرح مختصر [مطالب] بن الحجاج» ، وفي كتابه المُسمّى «الدّين الخالص» ، وغير ذلك من كتبه؛ فلقد أجاد وأفاد. ومنهم: الإمام السّيد محمود شكري الألوسيّ في كتابه المُسمّى بـ «غاية الأماني في الرّدّ على النبهانيّ» ، ومنهم: الإمام مفتي بغداد السيد نعمان في كتابه المُسمّى بـ «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» ، وغيرهم من أئمّة الدّين قديمًا وحديثًا. وحيث أنّ هذه الكتب قد طبع أكثرها، بعضها بمصر وبعضها بالهند؛ فلا حاجة بنا إلى نقل ما فيها؛ لأنّ ذلك يفضي إلى التّطويل المُمِلّ، وحسبنا أنّنا أشرنا إليها، وهي متيسرة لمن أراد الرّجوع. ثم إنّ الإمام نعمان أفندي الألوسيّ ـ صاحب كتاب «جلاء العينين» ـ بعد أن ذكر أقوال العلماء وما رَدُّوا به على السّبكيّ وأضرابه؛ قال ما حاصله: «والذي أختاره: جواز شدّ الرّحل والسّفر إلى مرقده الشريف ﷺ ، وهذا خاصّ به؛ لا يجوز السّفر إلى زيارة قبر غيره» . والذي ذكر هذا الإمام هو

стр. 144

وجيه؛ إلَّا أنّنا نقول: الذي ندين الله به أنّ الأحوط والأولى: شدّ الرّحل والسّفر بنيّة الزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة ومَن وافقه من علماء المذاهب ـ؛ وذلك لوجهَين: أحدهما: أنّ المسافر إذا قصد بشدّ رحله الزّيارة والصّلاة في المسجد؛ حصل له ثواب النيّتين، بخلاف ما إذا قصد الزّيارة فقط. الثاني: أنّ قصد الزّيارة المُجرّدة فيه تعطيل للحديث الصّحيح ـ وهو قوله ﷺ : «لا تُشَدّ الرِّحال ... » الحديث ـ؛ فإنّه لو كان كلّ مَن سافر إلى المدينة لم يقصد بشدّ رحله إلَّا الزّيارة فقط؛ للزم منه ألا يكون أحد قد عمل بهذا الحديث. فإن قلتَ: الصّلاة في مسجده ﷺ حاصلة لكلّ أحد نوى الزّيارة فقط؛ لأنّه [إذا] وصل المدينة قدّم الصّلاة في مسجده ﷺ ثم زار قبره الشّريف. قلنا: هذه دعوى مقابلة بمثلها؛ فإنّا نقول: مَن نوى الصّلاة في المسجد والزيارة معًا، أو نوى الصّلاة في المسجد فقط؛ فلا بُدّ من فعل ما ذكرتُ في هذا الإشكال. وأمّا قصد الزّيارة الخالية عن قصد الصّلاة في مسجده ﷺ ؛ فالذي يظهر لي: أنّه قول ما قاله أحد، ولا دلّ عليه أثر يُعتمَد عليه. فإن قلتَ: يدلّ على هذا القول: ما رواه الطّبرانيّ من قوله ﷺ : «مَن أتاني زائرًا لا تُعمِله حاجة إلَّا زيارتي؛ كان حقًّا عليّ أكون له شفيعًا يوم القيامة» ؛ فهذا الحديث صريج في الجواز، بل استحباب السّفر إلى الزّيارة، من غير قصد عبادة سواها. أقول: هذا الحديث قد تقدّم الكلام عليه من الحافظ ابن عبد الهادي في أوّل كتابه «الصّارم المُنكي في الرّدّ على السّبكيّ» ، وقد تكلّمنا عليه أيضًا في أوّل هذا الباب عند ذكر السّبكيّ له، وبيّنّا أقوال العلماء على ما يدور عليه إسناده، وأنّه لا يصلح للاحتجاج في محلّ النّزاع، وعلى تقدير صلاحيته؛ فيكون معناه ـ

стр. 145

والله أعلم ـ: لا تُعمِله حاجة من حوائج الدُّنيا ـ كالتّجارة ونحوها ـ ممّا هو ليس عبادة؛ فلا يتناول قصد الصّلاة في مسجده ﷺ . وهذا الذي اخترناه هو الأحوط في هذه المسألة؛ جمعًا بين الأدلّة وخروجًا من الخلاف الوارد فيها، ولا تقيس قبور غيره من الأنبياء والصّالحين على قبره ﷺ ؛ لأنّ الفرق ظاهر؛ فإنّ زيارة قبره ﷺ متضمّنة للصّلاة في مسجده، وأمّا قبور غيره فلا تقصد بشدّ رحل ولا سفر، ولا هناك شيء آخر قد شُرِعَ له ذلك، سيّما وقد آل الأمر بالنّاس إلى أمور منكرة مُبتدعة في زيارة القبور، وقد تركوا ما هو الحكمة في زيارة القبور، وعمدوا إلى طلب حوائج الدُّنيا والآخرة من أهلها، حتى عُبِدَت من دون الله ! فما لهذا شُرِعَة زيارة القبور؛ بل من أجله نهى رسول الله ﷺ عن زيارتها في أوّل الأمر، ثم أَذِنَ فيه بعد أن وقر الإيمان والتّوحيد في قلوب أصحابه. والعجب من السّبكيّ كيف جزم بتخطئة الإمام النّوويّ في نقله الخلاف في هذه المسألة ـ عند شرحه حديث: «لا تُشَدّ الرِّحال ... » ، الوارد في صحيح مسلم ـ، وحكم بتغليطه! وقد غفل ـ رحمه الله تعالى ـ عمّا ذكره غيره من نقل الخلاف فيها قديمًا وحديثًا؛ فمِمّن ذكر الخلاف فيها، واختار القول بتحريم شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة: القاضي عياض ـ في شرحه لصحيح مسلم ـ، ومنهم: الإمام ابن عقيل الحنبليّ، ومنهم: ابن الجوينيّ، والقاضي حسين ـ من الشّافعيّة ـ، واختار المنع وإليه أشار: الإمام الغزاليّ ـ في كتابه «الإحياء» ـ. فقد تبيّن بما ذكرناه عن هؤلاء الأئمّة من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الإمام النّوويّ ـ رحمه الله تعالى ـ لم ينفَرِد بذكر الخلاف في هذه المسألة؛ بل هو مسبوق به، كما أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم ينفَرِد

стр. 146

باختياره للقول بالمنع من شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة؛ بل اختاره غيره من المالكيّة والشّافعيةّ والحنابلة المُعاصرين له ـ رحمه الله تعالى ـ. فإن شئتَ الوقوف على هذا؛ فارجع إلى ما ذكره الشّيخ مرعي في كتابه «الكواكب الدّريّة في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيميّة» ، [وإلى كتاب «القول الجليّ في ترجمة الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة الحنبليّ» ] للإمام صفيّ الدّين الحنفيّ ـ نزيل نابلس ـ، والكتابان مطبوعان بمصر. وكنتُ عزمتُ على ترك الكلام على ما أورده السّبكيّ في الباب السّابع من الشّبهات والحطّ على أئمّة الدّين الذين نقلوا الخلاف في هذه المسألة، واختاروا القول بالمنع ـ كما تقدّم ـ؛ اتّكالًا على ما ردّ عليه غيري في كتبهم المتقدّم ذكرها، ثم رأيتُ من الواجب عليّ بيان ما ذكره في هذا الباب من الجور والميل عن سبيل العدل، وتغليط الأئمّة والحطّ عليهم بغير حقّ؛ فأقول ـ ومن الله أستمدّ [العون]ـ: قال المعترض السّبكيّ ـ رحمه الله تعالى ـ: «الباب السّابع: في دفع شُبه الخصم وتتبّع كلماته. وفيه فصلان: الأول: في شُبَهه. وله ثلاث شُبه» ، وأخذ يُبيّن الثّلاث الشّبه، وأطال الكلام في ذلك. وأنا لا أناقشه إلَّا فيما هو محلّ الفائدة؛ فأقول: قد سلّم المعترض ـ السّبكيّ ـ لشيخ الإسلام: أنّ الحديث دالٌّ على منع السّفر إلى أيّ بقعة من بقاع الأرض غير المساجد الثّلاثة بقصد إيقاع عبادة فيها، وإنّما نازعه في كون شدّ الرّحل إلى زيارته ﷺ ليس داخلًا في هذا النّهي؛ لأنّه لم يقصد البقعة بعينها؛ وإنّما قصد الذي حلّ فيها! وأنا أقول: قد علمتَ مما سبق أنّ زيارة القبور مشروعة من غير شدّ رحل ولا سفر ـ كما استُفيد من الحديث الصّحيح ـ، وحيث أنّ السّبكيّ صحّح الاستدلال بهذا الحديث على منع شدّ

стр. 147

الرّحل إلى أيّ بقعة من الأرض غير المساجد الثّلاثة؛ فيلزمه القول بما قاله شيخ [الإسلام] وغيره؛ فإنّ شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة القبور المُجرّدة عن كلّ قصد سواها لم يرد به دليل صحيح يصلُح للاحتجاج في محلّ النّزاع؛ فوجب أن يكون هذا الحديث عامًّا في منع شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة. وأمّا ما استدلّ به من قياس زيارة الميّت على الحيّ؛ ففيه نظر بيِّن، سنذكره ـ إن شاء الله تعالى ـ عند الكلام على الشُّبَه التي تعلّق بها السّبكيّ. وإليك عبارة من كلام شيخ الإسلام تبيِّن لك ما ذكرناه؛ قال ـ رحمه الله تعالى ـ بعد كلام طويل: «ومَن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرّسول ﷺ ؛ فصَلّى في مسجده، وصلَّى في مسجد قباء، وزار القبور؛ كما مَضَت به سُنّة رسول الله ﷺ ؛ فهذا هو الذي عمل العمل الصالح. ومَن أنكر هذا السّفر؛ فهو كافر يُستتاب فإن تاب وإلَّا قُتِلَ. وأمّا مَن قصد السّفر لمجرد زيارة القبر، ولم يقصد الصّلاة في مسجده، وسافر إلى مدينته فلم يُصَلِّ في مسجده ﷺ ، ولا سَلَّم عليه في الصّلاة؛ بل أتى القبر ثم رجع؛ فهذا مُبتدع ضالّ مخالف لسُنّة رسول الله ﷺ ولإجماع أصحابه ولعلماء أُمّته، وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما أنّه محرّم والثّاني [أنّه] لا شيء عليه ولا أجر له. والذي يفعله علماء المسلمين هو الزّيارة الشّرعيّة: يُصَلّون في مسجده ﷺ ، ويُسَلّمون عليه في الدُّخول للمسجد وفي الصّلاة، وهذا مشروع باتّفاق المسلمين. وقد ذكرتُ هذا في المناسك وفي الفُتيا، وذكرتُ أنه يسلِّم على النّبيّ ﷺ وعلى صاحبيه، وهذا هو الذي لم أذكر فيه نزاعًا في الفتيا، مع أنّ فيه نزاعًا؛ إذ من العلماء مَن لا يستحبّ زيارة القبور مطلقًا، ومنهم مَن يكرهها مطلقًا؛

стр. 148

كما نُقِلَ ذلك عن إبراهيم النّخعيّ، والشّعبيّ، ومحمد بن سيرين، وهؤلاء من أجِلّة التّابعين، ونُقِلَ ذلك عن مالك، وعنه: أنّها مباحة ليست مستحبّة ... وأمّا إذا قُدِّر [أن] مَن أتى المسجد فلم يُصَلِّ فيه، ولكن أتى القبر ثم رجع؛ فهذا هو الذي أنكره الأئمّة ـ كمالك وغيره ـ، وليس هذا مستحبًّا عند أحد من العلماء، وهو محلّ النّزاع: هل هو حرام أو مباح؟ وما علمنا أنّ أحدًا من علماء المسلمين استحبّ مثل هذا» ، ثم ذكر ـ عليه الرّحمة ـ حكم السّفر إلى القبور، ومن كلامه في «الجواب الباهر» قال: «وأما السّفر إلى قبور الأنبياء والصّالحين؛ فهذا لم يكن موجودًا في الإسلام في زمن مالك؛ وإنّما حدث هذا بعد القرون الثّلاثة ـ قرن الصّحابة والتّابعين وتابعيهم ـ، فأمّا هذه القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ؛ فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشّرك. ولهذا لما سأل سائل مالكًا عن رجل نذر أن يأتي قبر النّبيّ ﷺ ؛ فقال: إن كان أراد المسجد فليأتِه وليُصَلّ فيه، وإن كان أراد القبر؛ فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» . وكذلك مَن يزور قبور الأنبياء والصّالحين ليدعوهم، أو يطلب منهم الدُّعاء، أو يقصد الدُّعاء عندهم لكونه أقرب إجابة في ظنّه؛ فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النّبيّ ﷺ ولا غيره. وإذا كان مالك يكره أن يطيل [الرجل] الوقوف عنده [ ﷺ ] للدُّعاء؛ فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له؛ وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه ويرفع صوته [عنده] ؛ فيؤذي الرسول ويشرك بالله ويظلم نفسه، ولم يعتمد الأئمّة [لا] الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها بعض الناس في ذلك؛ مثل ما يروون أنّه قال: «مَن زارني في مماتي فكأنّما زارني في حياتي» ، ومن قوله: «مَن زارني وزار أبي إبراهيم في سنة واحدة؛ ضمنت له [على الله] الجنة» ، ونحو ذلك؛ فإنّ هذا لم يروه أحد من أئمّة المسلمين، ولم يعتمدوا عليها، ولم يرووها، لا أهل الصّحاح ولا أهل السُّنَن التي يُعتمَد عليها ـ كأبي داود والنّسائي ـ؛ لأنّها ضعيفة بل موضوعة،

стр. 149

كما قد بيّن العلماء الكلام عليها. ومَن زاره في حياته [ ﷺ ] كان من المهاجرين إليه، والواحد بعدهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم و [لا] نصيفه، وهو إذا أتى بالفرائض لا يكون مثل الصّحابة؛ فكيف يكون مثلهم في النّوافل، أو بما ليس قُربة، أو بما هو منهيّ عنه» ، وقد أطال الكلام في هذا المقام ـ عليه الرّحمة والرِّضوان ـ بما يقطع شُبه المعاندين ويجعلها هباء وسرابًا في أعين النّاظرين. والحاصل أنّ السّبكيّ قد اعترف بأنّ حديث: «لا تُشدّ الرِّحال ... » عامّ في النّهي عن شدّ الرّحل إلى أيّ بقعة ما عدا المساجد الثّلاثة ـ كما قال شيخ الإسلام وغيره ـ؛ فهذا القدر يكفينا منه للإذعان للحقّ. وأمّا ما حاول به في إخراج شدّ الرّحل إلى زيارة القبور من هذا النّهي؛ فقد بناه على الأحاديث التي استدلّ بها على استحبابه، وقد بيّنّا حالها؛ وأنّها ساقطة عن درجة الحسن والصّحّة معا، بل عن درجة الضّعيف المنجبر؛ فلا تقوم بها حُجّة، ولا تقوى بها دعوى؛ فلزمه القول بما قاله مخالفوه. وأمّا قياسه زيارة الميّت على الحيّ؛ فهذا قياس فاسد الاعتبار، والفرق بينهما ظاهر ببادئ الرأي؛ فشتان بين مَن يزور الحيّ لأخذ العلم والإيمان منه، ويفوز برؤيته، ويحظى بصحبته وسماع كلامه والجلوس بين يديه، وغير ذلك من المنافع والمصالح التي كانت تحصل للوافدين إليه ﷺ ، وبين مَن يزور الميّت فلا يرى شيئًا من هذا كلّه؛ فمن ادّعى غير ذلك؛ فعليه بيانه بالنّقل والعقل، ونحن نعلم أنّ زيارة القبور لم تُشرَع إلَّا لتذكّر الآخرة والدُّعاء لأهلها والتّرحّم والسّلام عليهم، ليس إلَّا، ومَن ادّعى مشروعيّتها لغير ذلك؛ فعليه أن يثبت ما ادّعاه بالكتاب والسُّنّة وإجماع الأُمّة، وهذه الزّيارة لا تحتاج إلى سفر وشدّ رحل، وليست هذه الزّيارة مشروعة باتّفاق العلماء؛ بل منهم مَن استحبّها ـ وهم الأكثرون ـ إذا خلت عن شدّ رحل وسفر،

стр. 150

ومنهم مَن كرهها مطلقًا، ومنهم مَن أباحها إذا عريت عمّا تقدّم: فحُجّة الفريق الأول: قوله ﷺ : «زوروا القبور؛ فإنّها تذكّركم الآخرة» ، وقوله: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور؛ فزوروها» ، وفعله ﷺ من زيارة قبور أهل البقيع والشّهداء، والدُّعاء لهم والتّرحّم والسّلام عليهم. وعلى هذا؛ فمعلوم أنّ الزّيارة إذا خلت عن تذكّر الآخرة والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهل القبور؛ فغير مشروعة اتّفاقًا؛ لأنّ العلّة تدور مع الحكم نفيًا وإثباتًا. وأمّا حُجّة مَن كرهها: فلعلّ النّاسخ لم يبلغهم. وأمّا حُجّة مَن أباحها: ورود الإذن بعد النّهي؛ لأنّ صيغة (افعل) بعد الحظر لا تفيد إلَّا الإباحة عند كثير من أهل الأصول. وحيث أنّ قياس زيارة الميّت على الحيّ هو الذي اغترّ به السّبكيّ، وأطال في تقريره؛ أردتُ أن أورد لك عبارة من كلام شيخ الإسلام في تفنيده وردّه؛ قال ـ رحمه الله تعالى ـ في «الجواب الباهر» ما نصّه، وقبل نقل عبارته أذكر لك فائدة؛ وهي: أنّ جميع ما أورده السّبكيّ في كتابه هذا قد أخذه عن القاضي المالكيّ الذي ردّ ـ بزعمه ـ على شيخ الإسلام؛ حيث أفتى بمنع شدّ الرّحل إلى مجرّد زيارة القبور؛ فقد وقع ردّه في يد شيخ الإسلام، وردّ عليه بكتاب حافل سمّاه «الجواب الباهر لمن سأل عن شدّ الرّحل إلى زيارة المقابر» ؛ فما ترك فيه للمعاند مجالًا؛ بل سدّ عليه الأبواب، وألقمه الأحجار، وألزمه السّكوت؛ فلا أدري هل السّبكيّ رأى هذا الكتاب أم [لا] ؟ فإن كان رآه؛ فكيف ساغ له الإتيان بالشّبه المردود عليها والمقطوع أصولها؟! وإن كان لم يره؛ فنحن قد نقلنا لك شيئًا منه ـ والكتاب موجود ـ. وقد قلتُ: إنّ السّبكيّ أخذ كتابه عن القاضي المالكيّ الذي رَدّ عليه شيخ الإسلام؛ لعلمي أنّ السّبكيّ لم يؤلّف

стр. 151

كتابه هذا إلَّا بعد وفاة شيخ الإسلام؛ دلّني على ذلك قوله كثيرًا: «قال ابن تيميّة ـ رحمه الله تعالى ـ كذا وكذا» ؛ فلو كان حيًّا إذ ذاك ما ساغ له قول ذلك؛ لأنّ هذه الجملة الدُّعائيّة لا تُستعمل ـ غالبًا ـ إلَّا في حقّ الميّت. ولنرجع إلى المقصود؛ لنقل كلام شيخ الإسلام في هذا الكتاب؛ قال ـ رحمه الله تعالى ـ، بعد أن ذكر المعترض المالكيّ هذا القياس الذي ذكره السّبكيّ هنا، غير أنّ المالكيّ قد استدلّ له بما أخرجه مسلم في صحيحه (في فضل الذي زار أخًا له في الله) ، قال الشيخ ابن تيميّة: «والجواب: أمّا زيارة الأخ الحيّ في الله ـ كما في الحديث ـ؛ فهذا نظير زيارته في حياته؛ يكون الإنسان بذلك من أصحابه، وهم خير القرون، وأمّا جعل زيارة القبر كزيارته حيًّا ـ كما قاسه هذا المعترض ـ؛ فهذا قياس ما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمتُ أحدًا منهم احتجّ في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحيّ المحبوب في الله، وهذا من أفسد القياس؛ فإنّه من المعلوم أنّ مَن زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمَن لم يشاهده ولم يسمع كلامه. وليس رؤية قبره أو رؤية الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه؛ ولو كان هذا مثل هذا؛ لكان مَن زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أنّ هذا من أباطل الباطل. وأيضًا؛ فالسّفر إليه في حياته إمّا أن يكون لمّا كانت الهجرة إليه واجبة ـ كالسّفر قبل الفتح ـ؛ فيكون المسافر إليه مسافرًا للمقام عنده بالمدينة، مهاجرًا من المهاجرين إليه، وهذا السّفر انقطع بفتح مكّة؛ فقال: «لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية» ؛ ولهذا لمّا جاء صفوان بن أميّة مهاجرًا أمره أن يرجع إلى مكّة، وكذلك سائر الطّلقاء كانوا بمكّة لم يهاجروا. وإمّا أن يكون المسافر إليه وافدًا إليه ليسلم أو يتعلّم منه ما يبلغه قومه؛ كالوفود الذين كانوا يفدون عليه، لا سيّما سنة عشر سنة الوفود، وقد أوصى

стр. 152

في مرضه بثلاث؛ فقال: «أخرجوا [اليهود] والنّصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم» ، ومن الوفود: وفد عبد القيس ... » وذكر قصّتهم، إلى أن قال: «وكان السّفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدّين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خير محضًا، ولم يكن أحد من الأنبياء والصّالحين عُبد في حياته بحضرته؛ فإنّه كان ينهى مَن يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي؛ فكيف بالشّرك؟! كما نهى الذين سجدوا له ... » ، إلى أن قال: «ومعلوم أنّه لو كان حيًّا في المسجد؛ لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي اتّخذ مسجدًا ممّا نهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله. وأيضًا؛ فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدّين وقربة إلى ربّ العالمين إلَّا وهي مشروعة في جميع البقاع؛ فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرّسول ﷺ التّعظيم التّامّ والمحبّة التّامّة إلَّا عند قبره؛ بل هو مأمور بهذا في كلّ وقت. وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسّفر إلى القبر بمجرّده بالعكس: مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السّفر إلى مسجده؛ فإنّه مصلحة راجحة، وهنا يفعل من حقوقه ما يفعل في سائر المساجد، وهذا ممّا يتبيّن به كذب الحديث الذي يٌقال فيه: «مَن زارني بعد مماتي؛ فكأنّما زارني في حياتي» ، وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضريّ ـ صاحب عاصم ـ، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن حجّ فزار قبري بعد موتي؛ كان كمَن زارني في حياتي» ، وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى

стр. 153

الغاية، حُجّة في القراءة، وقال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة، وقال البخاريّ: تركوه ... » ، ثم سرد الشّيخ كلام الأئمّة فيه، وقال: «وقد رواه الطّبرانيّ في «المعجم» من حديث اللّيث بن أبي سليم عن زوجة جدّه عائشة عن ليث، وهذا اللّيث وزوجة جدّه مجهولان، ونفس المتن باطل؛ فإنّ الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرّجل بها مثل الواحد من الصّحابة؛ بل في «الصّحيحين» عنه أنّه قال: «لو أنفق أحدكم ... » الحديث؛ فالجهاد والحجّ ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتّفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمَن سافر إليه في حياته ورآه؛ كيف وذلك إمّا أن يكون مهاجرًا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلّمون الإسلام ويبلغونه عنهم إلى قومهم، وهذا لا يمكن لأحد بعدهم أن يفعل مثلهم. ومن شبّه مَن زار قبر شخص بمَن كان يزوره في حياته؛ فهو مصاب في عقله ودينه، والزّيارة الشّرعيّة لقبر الميّت مقصودها الدُّعاء له والاستغفار كالصّلاة على جنازته، والدُّعاء المشروع المأمور به في حقّ نبيّنا ـ كالصّلاة عليه والسّلام عليه وطلب الوسيلة له ـ مشروع في جميع الأمكنة؛ لا يختصّ بقبره؛ فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة؛ بل كلّ عمل صالح يمكن فعله في سائر البقاع، لكنّ مسجده أفضل من غيره؛ فالعبادة فيه فضيلة؛ لكونها في مسجده؛ كما قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلَّا المسجد الحرام» ، والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النّبيّ ﷺ في حجرته، وقبل أن تُدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدّد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النّبيّ ﷺ وغير ما شرعه هو لأُمّته ورغّبهم فيه

стр. 154

ودعاهم إليه، وما يشرع للزّائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه؛ كلّ ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في سائر المساجد، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصّلاة، ومَن ظنّ أنّ زيارة القبر تختصّ بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد وإنّما شُرعت لأجل القبر؛ فقد أخطأ؛ لم يقل هذا أحد من الصّحابة والتّابعين، وإنّما غلط في هذا بعض المتأخّرين، وغاية ما نقل عن بعض الصّحابة كابن عمر أنّه كان إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلّم، وجنس السّلام مشروع في المسجد وغير المسجد قبل السّفر وبعده» . ثم قال بعد كلام طويل: «وأمّا السّفر لأجل القبور؛ فلا يُعرف عن أحد من الصّحابة؛ بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس ولا يزور قبل الخليل ﷺ وكذلك أبوه عمر ﵁ ومَن معه من المهاجرين والأنصار؛ قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ﵇، وكذلك سائر الصّحابة الذين كانوا ببيت المقدس وسائر أهل الشام؛ لم يُعرف عن أحد منهم أنّه سافر إلى قبر الخليل ﵇ ولا غيره؛ كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة، [وما] لم يكن قربة [لأهل المدينة؛ لم] يكن قربة لغيرهم، كاتّخاذ بيته عيدًا، واتّخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا، وكالصّلاة إلى الحجرة والتّمسّح بها وإلصاق البطن بها والطّواف، وغير ذلك ممّا يفعله جهّال القادمين؛ فإنّ هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء، كما ينه عنه أهل المدينة؛ يُنهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين. وبالجملة؛ فجنس الصّلاة والسّلام عليه والثّناء عليه ﷺ ، ونحو ذلك مما استحبّه بعض العلماء عند القبر للواردين والصّادرين؛ هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وأمّا ما كان سؤالًا له؛ فهذا لم يستحبّه أحد من

стр. 155

السّلف، لا الأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ثم بعض مَن يستحبّ هذا من المتأخّرين يدعونه من البعد؛ فلا يختصّ هذا عندهم بالقبر، وأمّا نفس [داخل] بيته عند قبره؛ فلا يمكن أحد الوصول إليه، ولا يُشرع هناك عمل يكون هناك [أفضل] منه في غيره؛ ولو شُرع لفُتح باب الحجرة للأُمّة؛ بل قد قال: «لا تتّخذوا بيتي عيدًا، وصلّوا عليّ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» ، صلاة الله وسلامه عليه. وقد تقدّم ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» ، عن عبد العزيز الدّراورديّ، عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب؛ فناداني فقال: رأيتُك عند القبر؟ فقلتُ: سلّمتُ على النّبيّ ﷺ ؛ فقال: إذا دخلتَ المسجد؛ فسلّم على النّبيّ ﷺ ، ثم قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تتّخذوا بيتي عيدًا، وصلّوا عليّ حيثما كنتُم؛ فإنّ صلاتكم تبلغني» ، ما أنتم ومَن بالأندلس إلَّا سواء. وكذلك سائر الصّحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشّام ـ مثل: معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجرّاح،

стр. 156

وعبادة بن الصّامت، وأبي الدّرداء، وغيرهم ـ؛ لم يُعرف عن أحد منهم أنّه سافر لقبر من القبور التي بالشّام، لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصّحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد ـ كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ـ. فإن قيل: الزّائر في الحياة إنّما أحبّه لله لكونه يحبّه في الله، والمؤمنون يحبّون الرّسول ﷺ أعظم، وكذلك يحبّون سائر الأنبياء والصّالحين؛ فإذا زارهم أثيبوا على هذه المحبّة. قيل: حبّ الرّسول من أعظم واجبات الدّين ... » ، ثم ذكر الآيات القرآنيّة والأحاديث الصّحيحة النّبويّة؛ الموجبة لتعظيمه ومحبّته ﷺ ؛ حذفناها لأجل طولها، إلى أن قال: «لكن حبّه وطاعته وتعزيره وتوقيره وسائر ما أمر الله به من حقوقه؛ مأمور به في كلّ مكان؛ لا يختصّ بمكان دون مكان، وليس مَن كان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممّن كان في موضع آخر. ومعلوم أنّ مجرّد زيارة قبره كالزّيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة، ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأُمّة؛ لفُتح باب الحجرة، ومكّنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكّنوا إلَّا من الدّخول إلى مسجده، والذي يُشرع في مسجده يُشرع في سائر المساجد، لكنّ مسجده أفضل من سائرها، غير المسجد الحرام ـ على نزاع في ذلك ـ. وما يجده مسلم في قلبه من محبّته والشّوق إليه والأنس بذكره وذكر أحواله؛ فهو مشروع له في كلّ مكان، وليس في مجرّد زيارة ظاهرة الحجرة ما يوجب عبادة لا تُفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتّخذ ذلك المكان عيدًا، وأمر أن يصلّى عليه حيث يكون العبد ويسلّم عليه؛ فلا يخصّ بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بتسليم عليه؛ فكيف بما ليس كذلك؟! وإذا خصّ قبره بذلك؛ صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره ينقص حبّه وتعظيمه وتعزيه وموالاته والثّناء عليه عند غير قبره، عمّا يفعل عند قبره، كما يجد النّاس في قلوبهم إذا رأوا مَن يحبّونه ويعظّمونه؛ يجدون

стр. 157

في قلوبهم عند قبره مودّة له ورحمة ومحبّة أعظم ممّا يكون بخلاف ذلك، والرّسول ﷺ هو الواسطة بينهم وبين الله في كلّ مكان وزمان؛ فلا يؤمرون بما يوجب نقصّ محبّتهم وإيمانهم في عامّة البقاع والأزمنة، مع أنّ ذلك لو شُرع لهم؛ لاشتغلوا بحقوقهم عن حقّه، واشتغلوا بطلب الحوائج منه ـ كما هو الواقع ـ؛ فيدخلون في الشّرك بالخالق، وفي ترك حق المخلوقّ؛ فينقص تحقيق الشّهادتين: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله. وأمّا ما شرعه لهم من الصّلاة والسّلام عليه في كلّ مكان، وأن لا يتّخذوا بيته عيدًا ولا مسجدًا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تُزار القبور؛ فهذا يوجب كمال توحيدهم للرّبّ ﵎، وكمال إيمانهم بالرّسول ﷺ ومحبّته وتعظيمه، حيث كانوا لاهتمامهم بما أُمروا به من طاعته؛ فإنّ طاعته هي مدار السّعادة، وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنّة وأهل النّار؛ فأهل طاعته هم أولياء الله المتّقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك. والذين يقصدون الحجّ إلى قبره وغبر غيره، ويدعونهم ويتّخذونهم أندادًا من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته؛ فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنّوا أنّ هذا من موالاته ومحبّته، كما يظنّ النّصارى أنّ ما هم عليه من الغُلُوّ في المسيح والشّرك به من جنس محبّته وموالاته، وكذلك دعائهم للأنبياء الموتى ـ كإبراهيم وموسى وغيرهما ﵈ ـ، ويظنّون أنّ هذا من محبّتهم وموالاتهم؛ وإنّما هو من جنس معاداتهم؛ ولهذا يتبرّؤون منهم يوم القيامة، وكذلك الرّسول ﷺ يتبرّأ ممّن عصاه، وإن قصد تعظيمه والغُلُوّ فيه؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك لمَن اتّبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إنّي بريء ممّا تعملون﴾ ؛ فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرّؤوا من كلّ معبود غير الله ـ تعالى ـ ومن كلّ مَن عبده. قال ـ تعالى ـ: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا براء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحدَه﴾ ، وكذلك سائر الموتى؛ ليس في مجرّد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبّة إلَّا لمَن عرف أحوالهم بدون ذلك؛ فيتذكر أحوالهم فيحبّهم،

стр. 158

والرّسول ﷺ يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما منّ الله به عليه [ومنّ] به على أُمّته؛ فبذلك يزداد حبّهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر؛ ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصّالحين من أبعد النّاس عن سيرتهم ومتابعتهم؛ وإنّما قصد جمهورهم التّأكل والتّرأس بهم؛ فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رياسة ومأكلة، لا ليزدادوا لهم حبًّا وخيرًا. وفي «مسند الإمام أحمد» و «صحيح ابن حبّان» ، عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ من شرار النّاس مَن تدركهم السّاعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد» . وما ذكره هذا من فضائله فبعضّ ما يستحقّه ﷺ ، والأمر فوق ما ذكره أضعافًا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به، وطاعتنا له، واتّباع سُنّته، والتّأسي به، والاقتداء به، ومحبّتنا له، وتعظيمنا له، موالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه؛ فإنّ هذا هو طريق النّجاة والسّعادة، وهو سبيل الحقّ ووسيلتهم إلى الله ـ تعالى ـ، ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره والشّرك بالله واتّباع غير سبيل المؤمنين السّابقين الأوّلين والتّابعين لهم بإحسان، وهو ﷺ قد قال: «لا تُشدّ الرّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» ، وقال: لعن الله اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ؛ يحذّر ما فعلوا، وقال: «لا تتّخذوا قبري عيدًا، وصلّوا [عليّ] ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني» ، وقال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» ، وقال: «إنّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسُنّتي وسُنّة

стр. 159

الخلفاء الرّاشدين من بعد؛ تمسّكوا بها وعَضّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنّ كلّ بدعة ضلالة» ، إلى غير ذلك من الأدِلّة التي تبيّن أنّ الحجّاج إلى القبور هم من المخالفين للرّسول ﷺ ، الخارجين عن شريعته وسُنّته، لا من الموافقين له المطيعين ـ كما قد بُسِطَ في غير هذا الموضع ـ» . انتهى ما أردنا نقله من كلام شيخ الإسلام، وقد نقلناه بطوله؛ لتعلم منه دحض ما أورده السّبكيّ في هذا الباب من الشُّبهات والمشاغبات التي نقلها عن القاضي المالكيّ المتقدّم ذكره، وقد رَدّ عليه شيخ الإسلام بكتاب ضخم، نقلنا منه هذا الأنموذج. والله الموفّق. ثم إنّ السّبكيّ أخذ يذكر المذاهب في جواز شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة وعدمه، وهذا لا حاجة بنا إليه في هذا الموضع؛ لأنّ المقصود شدّ الرّحل إلى زيارة قبر من القبور جائز أم لا؟ وقد علمتَ أنّ مَن قال بجوازه لم يأتِ بحُجّة لا صحيحة ولا ضعيفة، ومَن قال بعدم جوازه فحُجّته ظاهرة من حديث: «لا تُشَدّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» ، وأمّا تغليطه للإمام النّوويّ في نقله في هذه المسألة التي نحن بصددها في «شرحه لصحيح مسلم» ، وذكره التّحريم عن أبي محمد وغيره؛ أقول: إنّ السّبكيّ قد اتّبع هواه في تغليط هذا الإمام الجليل نصرة لرأيه، وقد علمتَ مما مرّ أنّ الإمام النّوويّ لم ينفرد بنقل الخلاف في هذه المسألة؛ بل سبقه إلى ذلك الإمام ابن عقيل ـ من الحنابلة ـ، وأبو عبد الله بن بطّة ـ من الحنابلة أيضًا ـ، والقاضي عياض ـ من المالكيّة ـ، والقاضي حسين ـ من الشّافعيّة ـ؛ فأيّ لوم يلحق الإمام النّوويّ على نقله

стр. 160

الخلاف كغيره ممّن تقدّمه، وقد رَدّ على السّبكيّ في تغليطه للنّوويّ الحافظُ ابن عبد الهادي في أوّل كتابه «الصّارم المنكي» ؛ فارجع إليه. وقوله: «لم أجد هذا ـ يعني: تحريم شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة ـ في كلام ابن عقيل، ولا في كلام الموفّق ابن قدامة» : فيُقال له في الجواب: قد علم غيرك وجهلتَ، وحفظ غيرك ونسيتَ، ومَن حفظ حُجّة على مَن لم يحفظ، وشيخ الإسلام أعلم بكلام أهل مذهبه منك؛ لأنّك لم تعانِ كتب الحنابلة كما عاناها هو؛ فغاية الأمر أنّك لم تطّلع على كلامهما؛ فجزمتَ برأيك أنّهما لم يقولا ذلك، ولو رأيتَ أقوالهم لغلطتهما كما غلطتَ الإمام النّوويّ؛ فأيّ فائدة للمسلمين في اطّلاعك وعدمه إذا كنتَ ملتزمًا هذه الطّريقة؟! وأمّا قوله: «لو فُرِضَ أنّ ابن عقيل قال ذلك؛ فكلامه يخصّص كما تخصّص الكتاب والسُّنّة» : فأقول: مَن كان يُعَمِّم ويُخَصّص بهواه ورأيه؛ فكلامه أحقر من أن يُشتغل بالرّدّ عليه، ومَن يُخَصّص بأدلّة شرعية؛ فهذا ـ لعمري ـ هو العلم، ومن أين للسّبكيّ دليل شرعيّ يُخَصّص به كلام ابن عقيل؟! وأمّا تحسين ظَنّه به؛ فهذا لا

стр. 161

يُخَصّص كلامه، ومتى كان ابن عقيل مخالفًا للنّصوص الشّرعيّة في هذه المسألة حتى تحتاج إلى تحسين الظّنّ به، اللهمّ إلَّا أن يكون السّبكيّ وأضرابه ممن يرى البِدعة سُنّة، ولم يميّز بين صحيح الأدلّة وسقيمها. وأمّا تكذيبه لفتيا علماء بغداد الذين أفتوا بصحّة ما قاله شيخ الإسلام، وقوله: «إنّها مختلفة» ؛ فهذا لا يثبت بالظّنّ والتّخمين، ولو جاز رَدّ أقوال العلماء بمثل هذا؛ لكان كلّ أحد لم يعجز عنه، وكيف يُظَنّ الاختلاف على علماء موجودين في ذلك الزّمان تبلغهم الكتابة؟! وأيضًا فإنّ الإمام ابن عبد الهادي قد قال في أوّل «الصّارم المنكي» : «قد اطّلعتُ على إفتاء علماء بغداد أنا وغيري، ورأينا خطوطهم عليها» ، ولكن مَن حمله تعصّبه إلى مثل هذا الهذيان؛ فلا بدع به أن يقول ما هو أعظم من ذلك، وقد ذكر فتيا أهل بغداد الشّيخ مرعي في كتابه «الكواكب الدّريّة في ترجمة ابن تيميّة» ـ المطبوع في مصر ـ؛ فلا نطيل بذكرها. وأمّا قوله: «إنّ ابن تيميّة لم يُنازع في شدّ الرّحل للزّيارة فقط؛ بل مقصود منع الزّيارة أيضًا» : أقول: هذا افتراء محض على شيخ الإسلام؛ لأنّ كلّ مَن طالع كتبه يجد فيها استحبابه زيارة قبر النّبيّ ﷺ ، وكذا زيارة غيره من المسلمين، وإنّما قسّم الزّيارة إلى شرعيّة وبدعيّة ـ كما ذكره السّبكيّ نفسه عنه في هذه الجمل ـ. وأمّا قوله: «وقد بقي عليه قسم ثالث؛ وهو: زيارتها للتبرّك بها» : فيقال له: هذا القسم لم يُعَرّج عليه شيخ الإسلام ولا غيره من العلماء الأعلام الذين جعلهم الله هداة للأنام؛ فإنّ هذا القسم قد دخل في فسم الزّيارة البدعيّة الشّركيّة؛ كما يعلمه مَن تتبّع النّصوص الشّرعيّة الواردة في زيارة القبور، فليس فيها استحباب زيارة القبور للتبرّك بأهلها؛ وإنّما فيها الزّيارة لأجل تذكّر الآخرة والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها، ليس إلَّا، وإن كان السّبكيّ يقول: «هناك قسم آخر» ؛ فعليه الدليل، وأنّى له

стр. 162

ذلك؟! وقد رَكِبَ الصّعب من تأويل الآية القرآنية بتأويل لم يسبقه به أحد، وإيراد الأحاديث الضّعيفة والموضوعة ـ وقد مرّ بيان ذلك ـ. وقوله: «إنّ ابن تيميّة حكم عليها بالضّعف والوضع» ؛ فهذا قول ساقط؛ لأنّ شيخ الإسلام لم يحكم على هذه الأحاديث الواردة في الزّيارة بالضّعف والوضع من عند نفسه؛ بل ذكر أقوال العلماء أهل الجرح والتعديل في حال رجال إسنادها، وإذا رجعتَ إلى كتاب «الصّارم المنكي» للحافظ ابن عبد الهادي وإلى ما ذكرناه؛ علمتَ سقوط ما اعترض به السّبكيّ على شيخ الإسلام. وأمّا قوله: «ومن المعلوم من الدّين وسير السّلف الصّالحين التبرّك ببعض الموتى من المسلمين؛ فكيف بالأنبياء والمرسلين ... » إلى آخره: أقول: هذه دعوى ما عليها أثارة من علم؛ بل هي أصل ضلال المُضلّين وشرك المشركين، ويقال له: أوجد لنا دليلًا من الكتاب العزيز أو من سُنّة صحيحة أو أثر صحابيّ يدلّ على ما قلتَه؛ وإلّا فكيف يكون هذا الشّرك معلومًا من الدّين وسير السّلف، وهم كانوا أشدّ النّاس تحريًا وتباعدًا عن الشّرك؟! ولو كان ما قلتَه صحيحًا ومعلوم أنّ قبره ﷺ أفضل القبور وأعظمها؛ فكيف نهاهم عن اتخاذه عيدًا، ولعن مَن يبني المساجد على قبور الصّالحين؟! فهل كان ﷺ يعلم أنّ التبرّك بقبور الصّالحين خيرًا أم لا؟! فإن كان يعلم أنّه خير؛ فكيف ينهى أُمّته عن اكتساب هذا الخير وهو حريص على هداية أُمّته وعلى جلب الخيرات لها؟! وإن كان لا يعلم؛ فكيف اهتدى لهذا الخير السّبكيّ وأضرابه ممّن حسّنوا للنّاس العكوف على القبور، وطلب الحوائج من أهلها، وجوّزوا لهم التمسّح بها، والطواف حولها، وتقبيلها، والسّجود لها؟! فهل هذا معلوم عند السّبكيّ من الدّين؟ فسبحانك هذا بهتان عظيم!

стр. 163

وأيضًا؛ فقد نقلنا فيما سبق معنى التبرّك عند أهل اللّغة؛ وأنّ معناه طلب البركة منه؛ فأيّ عاقل ذاق طعم الإيمان يقول: إنّ الميت يُعطِي مَن يشاء ويمنع مَن يشاء؟! فما هذا إلَّا فتح باب شرّ على الإسلام وأهله، وهذا هو السّبب في منعه ﷺ عن اتّخاذ القبور مساجد، وعن اتخاذ قبره عيدًا، ولعن مَن يفعل ذلك، كما لعن المُتّخذين عليها السُّرج، ومَن يذبح لغير الله، وهذا كلّه سدّ لباب الشّرك بالله العظيم، وجميع ما حذر منه ﷺ قد وقع في زماننا وقبله بقرون عديدة؛ وما ذلك إلَّا بسبب فتيا من السّبكيّ وأضرابه، وما زال هذا الشّرّ يتفاقم شيئًا فشيئًا حتى وصل إلى ما يُرى من العكوف على القبور، والاستنجاد بالمقبور، والذّبح لأهلها، والهتاف بأسمائها، والخشوع والتّضَرّع والتّذلّل والتّملّق عندها، والسُّجود لها، حتى أخبرني بعض النّاس أنّه رأى مَن يأتي بالكبش فيذبحه عند القبر، ورأى آخر مَن يأتي لإناء فيه سمن فيهريقه على القبر! ... وغير ذلك من المنكرات التي ما فعل المشركون مِعْشار عُشْرها، وما هذا إلَّا بسبب تحسين بعض علماء السّوء لذلك؛ فإنّ العوام لا علم عندهم يُمَيِّزون به بين ما هو من الدّين وما هو شرك برب العالمين؛ بل تَبعوا علماء السّوء على أقوالهم وأفعالهم، واغتروا بسكوتهم وإقرارهم على ما يرونه منهم، فوالله لو كان شدّ الرّحل إلى القبور والتّبرّك بها جائزًا؛ لكان بهذه المثابة التي وصفناها حرامًا؛ لأنّ القاعدة المقرّرة وهي: أنّ «درء المفاسد مُقدّم على جلب المصالح» ، فكيف والأمر فوق ما وصفنا بأضعاف مضاعفة؟! ولم أعلم أنّ السّبكيّ قد أجاز فعل جميع ما ذُكِرَ ... ؛ ولكن أعلم أنّه استحبّ التّبرّك ـ بمعنى: طلب البركة ـ من قبور الصّالحين؛ فجاء غيره بعده فزاد في الطنبور نغمة والطّين بلّة؛ فجوّز السُّجود للقبور ـ انظر كتاب: «الجوهر المنظم» للهيتمي ـ. وأجاز بعضهم تقبيل أعتابها وتقبيلها ـ انظر: الرسالة المطبوعة مع «شفاء السّقام» ، المطبوع بالمطبعة الأميرية بمصر ـ. وأجاز بعضهم طلب الحوائج من أهلها؛ وقال:

стр. 164

إنّ عند كلّ قبر من قبور الصّالحين ملَك وُكّل بهذا القبر يقضي حوائح السّائلين من صاحب القبور! ـ انظر: «حاشية الباجوري على جوهرة اللقانيّ» ـ. وغير ذلك مما يطول ذكره ويُعْيين حصره؛ فإلى الله المشتكى والمفزع مما ألصقه هؤلاء بالدّين، وشوّهوا به وجه المسلمين، حتى ضاهوا بفعلهم هذا فعل المشركين من قبل، ﴿قاتلهم الله أنّى يؤفَكون﴾ . وقد فهم كثير من النّاس أنّ إنكار هذا المنكر وردّ هذا الشّرك خاصّ بشيخ الإسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم؛ كلَّا بل ردّه كثير من أهل المذاهب؛ وإليك ما قاله الإمام البركويّ الحنفيّ ـ صاحب «الطّريقة المحمّديّة» ـ في رسالته في زيارة القبور؛ قال ـ رحمه الله تعالى ـ: «وأمّا الزّيارة الشّرعيّة التي أَذِنَ رسول الله ﷺ فيها؛ فالمقصود منها شيئان: أحدهما: راجع إلى الزّائر؛ وهي: الاعتبار والاتّعاظ، والثاني: راجع إلى الميّت؛ وهو: أن يُسَلِّم عليه الزّائر، ويدعو له، ولا يطول عهده به؛ فيهجره وينساه، كما أنّه إذا ترك أحدًا من الأحياء تناسه، وإذا زاره فرح بزيارته وسُرَّ بذلك؛ فالميّت أولى به؛ لأنّه قد صار في دار هجر أهلها إخوانهم ومعارفهم؛ فإذا زاره أحد وأهدى إليه هبة من سلام ودعاء؛ ازداد بذلك سروره وفرحه. وأمّا الزّيارة البدعيّة: فزيارة القبور لأجل الصّلاة عندها، والطّواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود عليها وأخذ تُرابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النّصر والرّزق والعافية والولد وقضاء الدّيون، وتفريج الكُربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من الحاجات التي كان عُبَّاد الأوثان يسألونها من أوثانهم؛ فليس شيء من ذلك مشروعًا باتّفاق أئمّة المسلمين؛ إذ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من الصّحابة والتّابعين وسائر أئمّة الدّين؛ بل أصل هذه الزّيارة البدعيّة الشّركيّة مأخوذة من عبادة الأصنام؛ فإنّهم قالوا:

стр. 165

الميّت المعظّم على هذا الوجه قربة ومزية عند الله ـ تعالى ـ، لا يزال تأتيته الألطاف من الله ـ تعالى ـ، وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علّق الزّائر روحه به وأدناه منه؛ فاض من روح المزور على روح الزّائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشّعاع من المرآة الصّافية والماء الصّافي ونحوهما على الجسم المقابل له! ثم قالوا: فتمام الزّيارة أن يتوجّه الزّائر بروحه إلى الميّت ويعكف بهمّته عليه، ويوجه قصده وإقباله إليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره! وكلّما كان جمع الهمّة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به! وقد ذكر هذه الزّيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرّح به عُبّاد الكواكب، وقالوا: إذا تعلّقت النّفس النّاطقة بالأرواح العلويّة فاض عليها منها نور؛ ولهذا السّر عُبِدَت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصُنّفت لها الدعوات واتخذت لها الأصنام» انتهى ما أردتُ نقله من

стр. 166

الرّسالة المذكورة. والرسالة مطبوعة في مصر، وقد أطال فيها الكلام على الزّيارة البدعيّة؛ فارجع إليها؛ لأنّها مفيدة جدًّا في هذا الباب، وحيث إنّها قد نُشِرَت في البلدان؛ اكتفيتُ بذكر القليل منها؛ فرحمة الله على مؤلّفها. الحاصل: أنّ العلماء قديمًا وحديثًا قد قسّموا زيارة القبور إلى: شرعيّة، وبدعيّة؛ فالشّرعيّة: ما كانت لأجل تذكّر الآخرة والدُّعاء لأهلها والتّرحّم والسّلام عليهم، وهذا القدر لا يفتقر إلى شدّ رحل؛ إذ ما من بلدة إلَّا وفيها قبور، وأمّا قبره ﷺ فهو أفضلها وأحقّ بالزّيارة، ولكن لا يُقصد بشدّ رحل استقلالًا؛ بل إذا نوى المسافر الصّلاة في مسجده ﷺ ؛ سُنّ له أن يزور قبره الشّريف، وله أن ينوي الزّيارة مع نيّة شدّ الرّحل لأجل الصّلاة في المسجد ـ كما تقدّم تقريره ـ، وهذا هو الذي قاله شيخ الإسلام، ولم يأتِ في كلامه قط ما ينفي الزّيارة الشّرعيّة؛ عملًا بالحديث المرويّ: «لا تُشَدّ الرّحال ... » ، وتأويل السّبكيّ لهذا الحديث بالتّأويلات البعيدة لا يُخرجه عن المقصود منه؛ لأنّنا نقول: معنى قوله «لا تُشَدّ الرّحال» : خبر، ومعناه النّهي، «إلَّا إلى ثلاثة مساجد» : هذا استثناء مفرغ، والاستثناء منقطع؛ لعدم تقدّم مادة عليه يُستثنى منها، فمَن خَصّه بعدم جواز شدّ الرّحل إلى مسجد غير المساجد الثّلاثة فقد أخطأ؛ لأنّ المساجد ما تقدّم لها ذكر؛ فيبقى النّهي على عمومه؛ فإذا قلنا ـ مثلًا ـ: «لا يُسافَر إلَّا لمكة» ؛ فُهِمَ من هذا عدم جواز السّفر إلى غيرها مما جرت العادة بالسّفر إليه، ولا يُقال: هذا خاصّ بالبلدان دون الأشخاص؛ لأنّ البلدان والأشخاص من النّاس جرت العادة بالسّفر إليها؛ فلا يكون أحدهما هو المتعيّن بالنّهي عن السّفر إليهم. فإن قلتَ: يلزم على قولك هذا: عدم جواز السّفر إلى غير المساجد الثّلاثة، والحال: قد جاءت الأدلّة باستحباب السّفر إلى طلب العلم، وزيارة الإخوان، والتّجارة، وغير ذلك. فالجواب أن يقال: هذا الإشكال مدفوع من وجهين: أحدهما: أنّ حديث:

стр. 167

«لا تُشَدّ الرّحال ... » عامّ مخصوص بهذه الأدلة المجوّزة لشدّ الرّحل والسّفر إلى ما ذكر، وقد بقي حكمه في منع شدّ الرّحل إلى زيارة أيّ قبر من القبور؛ حيث لم يأتِ دليل يجوّز السّفر إلى زيارة القبور. فإن قلتَ: قد وردت أحاديث تفيد استحباب زيارة قبره ﷺ والسّفر إليه؛ فهي مُخَصصة لهذا الحديث. فالجواب: هذه الأحاديث بعضها ضعيف، وبعضها موضوع، وحديث: «لا تُشَدّ الرّحال ... » صحيح متّفق على صحّته، ولا يُخصص الصّحيح بالضّعيف؛ بل بصحيح مثله. وأيضًا؛ إنّ الأحاديث الواردة في زيارة قبره ﷺ الثابت منها لا يفيد إلَّا استحباب الزّيارة فقط، وهذا لا ينكره شيخ الإسلام ولا غيره من العلماء إذا خلا عن شدّ رحل، وما يُفيد استحباب شدّ الرّحل للزّيارة منها فهو مُختلق موضوع، ومما يدلّ على أنّ شدّ الرّحل لزيارة القبور غير جائزة: عدم ورود دليل عنه ﷺ ، لا من قوله ولا من فعله، ولا من قول أصحابه ولا من فعلهم، ومعلوم أنّ قبور الأنبياء والصّالحين كانت في زمانه وفي زمان أصحابه، ولم يبلغنا أنّه ﷺ شدّ رحله إلى زيارة قبر من القبور، ولا أمر به، ولا فعله أصحابه، مع أنّه ﷺ سافر للتّجارة والغزو، وسافر موسى ـ عليه وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام ـ لطلب العلم، وسافر الصّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لطلب العلم، والتّجارة، وزيارة الإخوان في الدّين؛ فعُلِمَ بهذا أنّ حديث: «لا تُشَدّ الرّحال ... » لم يُخَصّ بهذه المذكورات؛ بل باقٍ على حكمه من المنع عن شدّ الرّحل إلى زيارة القبور. الوجه الثاني: أن يقال: معنى قوله ﷺ : «لا تُشَدّ الرّحال» : إلى أي بُقعة تُلتَمس منها بركة، أو تفعل فيها عبادة أو قُربة، «إلَّا إلى المساجد الثّلاثة» ، ومعلوم أنّ كلّ قبر من القبور في بقعة من البقاع، وهي غير المساجد الثّلاثة؛ فقد تبيّن بما قرّرناه أنّ تأويل السّبكيّ وأضرابه لهذا الحديث ساقط عن درجة الاعتبار، وأنّ ما ذهب إليه شيخ الإسلام وغيره هو الحقّ الذي لا غبار عليه عند كلّ مَن أنصف من نفسه وحكّم الدّليل، والله الهادي إلى سواء السّبيل. تتمة البحث في هذه المسألة: فإن قال قائل: يُفهم من شرحك لحديث: «لا تُشَدّ

стр. 168

الرّحال ... » أنّ السّفر ينقسم إلى: محرّم ومستحبّ فقط، والحال: أنّه قد يكون مباحًا. فالجواب أن يقال: نعم؛ قد قسَّم العلماء السّفر إلى ثلاثة أقسام: محرّم، ومستحبّ، ومباح. فالمحرّم: إذا كان سفر معصية ـ كسفر الآبق وقاطع الطّريق، وغير ذلك مما فيه معصية ـ. والمستحبّ: ما كان فيه خير دينيّ أو دنيويّ. ومباح: إذا كان خاليًا عن هذا كلّه. والذي يظهر لي: أنّه لا يكون مباحًا؛ بل أقلّ درجاته أن يكون مستحبًّا؛ لأنّه إن كان سفرًا لأجل طلب علم أو زيارة والد أو ذي رحم وغير ذلك من الأمور المندوب إليها شرعًا؛ فهو مطلوب، وإن كان سفرًا لأجل تحصيل رزق من وجه حلال ـ كالتّجارة ونحوها ـ؛ فهو مطلوب أيضًا؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ ... وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدّالّة على طلب الكسب من وجه الحِلّ، وأمّا كونه مباحًا: فلا يظهر لي؛ لأنّه إن خلا عن هذه الأمور كلّها؛ فهو عبث، وإضاعة مال، وتحمّل مشقّة فيما لا فائدة فيه. ولا يرد علينا: جواز السّفر بقصد السّياحة؛ فإنّا نقول: هذا السّفر من أهمّ أمور الدّين والدُّنيا معًا؛ فأمّا كونه من أهمّ أمور الدّين: فإنّه إذا رأى في سفره هذا ما فعله الله بالمكذّبين للرّسل من قبل ـ كقوم ثمود، وأصحاب الرّسّ، وغيرهم ممن قصّ الله علينا نبأهم في كتابه ـ؛ زاده هذا إيمانًا بربّه وتصديقًا بنبيّه؛ فعليه أن يقصد بسفره مثل هذا؛ لقوله ـ تعالى ـ محتجًّا على الكفّار: ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين﴾ ، ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ ... إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالسّير في الأرض لأجل العظة والاعتبار بأحوال الذين مضوا. وإن كان المقصود من السّفر: الاطّلاع على أحوال النّاس اليوم الذين تقدّموا وترقُّوا في المعارف والصّنائع والعمران؛ فهذا من أهمّ أمور الدّين والدُّنيا، ولا

стр. 169

يَجعل هذا مُباحًا إلَّا مَن لم يتدبّر معاني القرآن والسُّنّة وسير السّلف. وإن تجرّد قصده بالسّفر عن هذا كلّه؛ فهو إلى التّحريم أقرب؛ لأنّنا منهيّون عن إضاعة المال، وعن الاشتغال بما لا يعني. فإن قلتَ: السّفر إلى زيارة قبره ﷺ فيه خير دينيّ؛ فيكون من باب السّفر المطلوب. فالجواب: زيارة قبره ﷺ هي من أعظم القربات، ولكن لم يأمرنا ﵊ إلَّا بشدّ الرّحال للصّلاة في المساجد الثّلاثة؛ فلو كانت زيارته ﷺ كالصّلاة في مسجده لعطفها على المساجد، ولكن لمّا لم يذكر معها؛ علمنا أن حكمها غير حكم المساجد الثّلاثة، وأنّ الذي يُقصَد بشدّ الرّحل إنّما هو الصّلاة في مسجده والزّيارة معًا، وإن أخّر نيّة الزّيارة حتى وصل فلا بأس. فإن قال قائل: يلزم على قولك هذا: أنّ الزّيارة تابعة لا متبوعة، والنّبيّ ﷺ متبوع لا تابع؛ فزيارته كذلك! فجوابه أن يقال: هل المقصود من زيارة القبر الشّريف انتفاع الزّائر أو انتفاع النّبيّ ﷺ ؟ فإن كان الأول: فمعلوم أنّ الصّلاة خير موضوع، وأنّها أفضل الأعمال ـ كما جاء ذلك في الأحاديث الصّحيحة ـ، وأنّها في مسجده أفضل من غيرها سوى المسجد الحرام؛ فهي أحقّ بالقصد من الزّيارة. وإن كان الثاني: فمعلوم أنّ الصّلاة حق لله والزّيارة حق للمخلوق، وحقّ الله أولى بالتّقدّم على حقّ المخلوق. وأمّا قول السّبكيّ: «ولو طُولب ابن تيميّة بالدّليل على هذا النّفي العام؛ لم يجد إليه سبيلًا» ! فجوابه: أمّا هذه الآثار التي أوردتَها؛ فقد تقدّم الكلام عليها مستوفى، وأمّا جوابنا على هذه الجملة فهو: لو كان السّفر لمجرد الزّيارة شائعًا ذائعًا بين الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم؛ ما كان يختصّ بفعله بلال وعمر بن عبد العزيز؛ بل كان يكون مما استفيض واشتهر، ولكان أئمّة الدّين من المتقدّمين ذكروه في كتبهم، وهذا مالك في «الموطأ»

стр. 170

والشّافعيّ في «الأُمّ» وأهل الكتب السّتّة وغيرهم؛ لم يذكر أحد منهم هذا السّفر؛ بل اقتصروا على ذكر: فضل المدينة، وفضل الصّلاة في مسجده، وذكروا حديث: «لا تُشَدّ الرّحال ... » ، ولما لم يذكروا شيئًا من ذلك؛ عُلِمَ أنّ السّفر لمجرد الزّيارة لم يكن معروفًا عندهم؛ وإنّما المعروف عندهم وصرّحوا به في كتبهم: السّفر إلى مسجده، وإذا صلّى فيه انثنى للسّلام عليه ﷺ كما فعل ابن عمر ـ، وأيّ دليل لابن تيميّة على ما ذهب إليه أعظم من هذا؟! ثم أطال الكلام بعد ذلك، وتركنا الكلام عليه؛ لأنّه بعينه قد ذكره القاضي المالكيّ الذي اعترض على شيخ الإسلام؛ فردّ عليه شيخ الإسلام بكتاب سمّاه «الجواب الباهر» ، وقد نقلنا منه شيئًا يُبطل كلام السّبكيّ الذي ذكره في هذا المقام ـ فيما سبق ـ؛ فلا حاجة بنا إلى إعادته. وأما قوله في الفصل الثاني: «إنّه رأى ورقة صورة فُتيا لشيخ الإسلام ابن تيميّة في هذه المسألة، وعليها عليها خطّ القاضي جمال الدّين. وحاصله أنّ ابن تيميّة يحرّم زيارة قبر النّبيّ ﷺ ، وزيارة غيره من الأنبياء والصّالحين ... » إلخ: فالجواب: هذا ـ والله العظيم ـ افتراء وكذب محض، ما قاله ابن تيميّة معتقدًا، ولا كتبه في كتبه محتجًّا، وقد بيّن الحافظ ابن عبد الهادي في «الصّارم» تكذيب نسبة هذا له، وذكر قوله في الزّيارة، ونحن أيضًا قدمنا ما هو واضح ومصرّح بسنيّة زيارة النّبيّ ﷺ وغيره من الأنبياء وجميع المسلمين وحتى الكافرين من كلام شيخ الإسلام، وإذا تأمّلتَ صورة الفُتيا التي نقلها السّبكيّ عن شيخ الإسلام تبيّن لك أنّ هذا القول الذي ذكره عنه كذب وزور؛ أوقعهم فيه عدم فهم كلام هذا الإمام. نعم؛ حرّم شدّ الرّحال إلى الزّيارة المجرّدة عن قصد آخر يبيح السّفر، وشتان بين شدّ الرّحل والسّفر إلى الزّيارة، وبين زيارة القبور الخالية من ذلك؛ وقد أسلفنا أنّهما مسألتان؛ فمَن جعلهما مسألة واحدة وحكم

стр. 171

عليهما بحكم واحد، وطفق يُشنّع على مَن خالفه وينسبه للجهل والزّيغ والابتداع؛ فهو الأجدر بذلك؛ لأنّه ملوم بتقصيره في الفهم، مذموم على وقوعه في أعراض العلماء بغير حقّ ولا مسوّغ شرعيّ؛ بل حمله على ذلك التّعصّب والحسد وقلة الخوف من الله ؛ فنعوذ بالله ممن هذا حاله. وأمّا قوله في الرّد على الفُتيا: «إنّ ابن تيميّة جعل ابن عقيل من المتقدّمين والغزاليّ من المتأخّرين؛ ليوهم على العوام» : فجوابه: أنّ شيخ الإسلام قد عطف ابن عقيل على ابن بطّة القائلين بمنع شدّ الرّحل إلى زيارة القبور، ومعلوم أنّ ابن بطّة من المتقدّمين بلا خلاف؛ لأنه مات سنة ثلاثمائة وسبع وثمانين، وأمّا ابن عقيل فهو كان معاصرًا للغزاليّ ومات بعده؛ فمراده أنّ ابن عقيل وافق على ما قال ابن بطّة، ولم يتعرّض للتّاريخ، وأمّا جعله الغزاليّ من أصحاب الشّافعيّ المتأخّرين فهو الصّحيح؛ لأنّه مات سنة خمسمائة وخمس؛ فلا إيهام حينئذ. وأمّا ردّه على شيخ الإسلام في نقله الخلاف: فهو ساقط؛ وقد بُيّن فساده فيما سبق. وأمّا قوله عن شيخ الإسلام: «إنّه عزا حديث: «مَن زارني في مماتي كان كمَن زارني في حياتي» للدّارقطنيّ وابن ماجه» : فجوابه: أنّ هذه الفُتيا التي نقلها السّبكيّ في هذا الموضوع هي بعينها التي نقلها عن شيخ الإسلام الشّيخ مرعي الحنبليّ في كتاب «الكواكب الدّريّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيميّة» ، وعليها توقيعات من علماء بغداد من أهل المذاهب الأربعة، وكلّهم قد شهدوا أنّ ما قاله شيخ الإسلام في هذا الجواب هو حقّ لا مرية فيه، وأنا قد قرأتُ الجواب من أوّله إلى آخره؛ فلم أجد فيه أنّ شيخ الإسلام عزا هذا الحديث لابن ماجه؛ بل اقتصر على عزوه للدّارقطنيّ فقط. وقول السّبكيّ: «إنّه لم يرَ هذا الحديث في سنن ابن ماجه» : فهو حقّ؛ وهذا يدلّ على

стр. 172

أنّه ساقط لا يصلح للاحتجاج في محلّ النّزاع؛ إذ لو كان هذا الحديث ثابتًا عند أهل الفنّ الشّريف لما أخلوا منه كتبهم؛ إذ هي الأصول السّتّة، وإذا كان ابن ماجه ـ مع تساهله في إيراد بعض الأحاديث الواهية ـ لم يخرّجه؛ فكيف غيره من أهل الصّحيح والسّنن. وأما إخراج الدّارقطنيّ له؛ فهو جريٌ على عادته في «سُننه» من إخراج غرائب السُّنن، وكم أودعها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، وتارة ينبّه عليها، وقد لا ينبّه. وقد بيّن حال الأحاديث التي فيها الحافظ شمس الحقّ الدّهلويّ في كتابه «التّعليق المغني على سُنن الدّارقطنيّ» . ثم إنّ السّبكيّ بعد أن نقل جواب شيخ الإسلام على وجهه؛ أخذ يُحرّفه عند الرّدّ عليه؛ فمن ذلك قوله عنه: «إنّ العلماء قد حرّموا شدّ الرّحل إلى أيّ مسجد غير المساجد الثّلاثة، ولو نذره» ؛ فهذا تحريف بيّن من السّبكيّ؛ لأنّ شيخ الإسلام نقل الخلاف فيمَن نذر الصّلاة في مسجد غير الثّلاثة، وذكر وجوب الوفاء به عن مالك والشّافعيّ وأحمد ـ في الرّوايتين ـ، وذكر عن أبي حنيفة أنّه لا يجب الوفاء به؛ لأنّ قاعدة النّذر عنده: أنّه ما كان من جنسه واجبًا فالوفاء به واجب. واحتجّ شيخ الإسلام للجمهور بقوله ﷺ : «مَن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومَن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ، أخرجه البخاريّ. وإذا كان حال السّبكيّ هكذا من تحريف كلام العلماء من أجل مخالفتهم له؛ فلا ثقة بنقله في شيء؛ لأنّ هذا قادح فيه، سيّما والمسألة قريبة. وأمّا حطّه على ابن بطّة الحنبليّ، وذكره كلام الخطيب فيه؛ فهذا لا يقدح فيه؛ لأنّ المسألة من أبواب الفقه، والرجل فهو ـ وإن كان ضعيفًا في الحديث ـ فهو فقيه باتّفاق ـ كما سنبيّنه ـ. فإن

стр. 173

قلتَ: إذا كان ضعيفًا في الحديث؛ يلزم منه أن يكون ضعيفًا في الفقه. فالجواب: لا يلزم من كونه ضعيفًا في الحديث ضعفه في الفقه؛ لأنّ الرجل قد يغلب عليه فن فيُشغله عن إتقان غيره ـ كما وقع ذلك للكثير من الفقهاء ـ؛ وهذا حُجّة الإسلام أبو حامد الغزاليّ كان متبحرًا في الفقه وأصوله، وفي الحديث بضاعته مزجاة؛ حتى شحن كتبه بالأحاديث الضّعيفة والموضوعة، ومع هذا؛ لم يحط [من] قدره؛ لأنّ الله يقول: ﴿وفوق كلّ ذي علم عليم﴾ . وإليك ترجمة الإمام أبي عبد الله بن بطّة أثبتناها ليتبيّن صدق ما قلناه: ابن بطّة العُكبري الحنبلي، مصنّف «الإبانة» ، كُنيته أبو عبد الله، واسمه: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، تكلّموا فيه، سمع عبد الله بن سليمان ابن الأشعث، والبغويّ، وطبقته، وعنه: أبو القاسم بن البُسريّ، وغيره، توفي سنة ثلاثمائة وسبع وثمانين. انتهى من «القاموس» و «شرحه» للزّبيدي. وقال في «الميزان» : «عبيد الله بن محمد بن بطّة العُكبريّ، الفقيه، إمام، لكنّه ذو أوهام، لحق البغويّ وابن صاعد. قال ابن أبي الفوارس: روى ابن بطّة عن البغويّ عن مصعب عن مالك عن الزّهريّ عن أنس مرفوعًا: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» ،

стр. 174

وهذا باطل. العتيقيّ: حدثنا ابن بطّة، أنبأنا البغويّ، أنبأنا مصعب، حدثنا مالك عن هشام عن أبيه ... فذكر حديث قبض العلم، وهو بهذا الإسناد باطل. وقد روى ابن بطّة عن النّجاد عن العطاردي؛ فأنكر عليه ابن ينال وأساء القول فيه؛ حتى همّت العامّة بابن نيال؛ فاختفى! وقال أبو القاسم الأزهريّ: ابن بطّة ضعيف. قلتُ: ومع قلّة إتقان ابن بطّة في الرواية؛ كان إمامًا في السُّنّة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابة دعوة، ﵁» اهـ. ومع هذا كلّه؛ فلم ينفرد ابن بطّة بذكر هذا الخلاف؛ بل ذكره أيضًا ابن عقيل والغزاليّ والقاضي عياض

стр. 175

والنّوويّ؛ فأيّ لوم يلحق بشيخ الإسلام على نقله الخلاف في هذه المسألة؟! وكيف يقول هذا من عند نفسه؟! وقد تقدّم نصوص هؤلاء الذين نقلوا الخلاف، ولا التفات لتغليط السّبكيّ النّوويَّ؛ فإنّه لم يسبقه لتغليطه النّوويَّ أحدٌ قبله. ثم إنّ السّبكيّ ـ رحمه الله تعالى ـ قد أطال الكلام بعد ذلك بذكر أشياء لا تدلّ على مقصوده؛ بل خارجة عن الموضوع؛ فغاية أمرها أنّها تفيد استحباب الزّيارة، ونحن ـ ولله الحمد ـ وشيخ الإسلام وكافّة المسلمين لا ننكر ذلك، ولكنّ الخلاف في مسألة: شدّ الرّحل، وقد عرفتَ أنّهما مسألتان، وعرفتَ أيضًا الفرق بينهما. وهنا أمر يجب التّنبيه عليه؛ وهو: أنّ شيخ الإسلام قد استحبّ زيارة قبر النّبيّ ﷺ ؛ وذكر ذلك في «مناسكه» و «فتاويه» ؛ فمَن نسب له أنه كره الزّيارة أو حرّمها؛ فهو كاذب عليه. نعم؛ أنكر شدّ الرّحل للزّيارة المجرّدة؛ محتجًّا بالحديث الصّحيح؛ وهو: «لا تُشَدّ الرّحال ... » ، ونقل فيه الخلاف، واختار القول بالمنع؛ وقال: يشدّ الرّحال بنيّة الصّلاة في مسجده ﷺ ، وإذا وصل زار القبر الأعطر، وكذا قبور الشّهداء وغيرهم، وإذا نوى بشدّ الرّحل الصّلاة في المسجد والزّيارة معًا؛ فلا بأس. فقط يمنع شدّ الرّحل بقصد الزّيارة من غير قصد الصّلاة في المسجد ـ كما تقدّم بيان ذلك بأدلّته مستوفاة. والله الموفّق. فصل واعلم أنّ هذه المسألة ليست من المسائل المنفصلة، والخلاف فيها شديد الخطر حتى يُتعمّق في تحريرها، وعند التأمّل يظهر أنّ الخلاف فيها قريب التّوفيق؛ إذ لا بُدّ من زيارته ﷺ على كلّ قول من هذه الأقوال، سواء قصد بشدّ الرّحل الصّلاة في المسجد، أو الصّلاة والزّيارة معًا، ولم يقل أحد بشدّ الرّحل إلى الزّيارة من غير قصد الصّلاة في المسجد، كما لم يقل أحد بمنع الزّيارة؛ فالحاصل أنّ الخلاف يرجع إلى شيء واحد؛ وهو: الصّلاة في مسجده ﷺ وزيارة قبره المعظّم. فإن قلتَ: إذا كان

стр. 176

الأمر على ما وصفتَ؛ فكيف قام العلماء على ابن تيميّة من أجل هذه المسألة، وصنّفوا فيها كتبًا عديدة؟! فالجواب: أنّ العلماء الذين قاموا على شيخ الإسلام ما كان سبب قيامهم عليه هذه المسألة؛ ولكنّ السّبب فيه: أنّ شيخ الإسلام قد صنّف كتبًا كثيرة في التّوحيد ردّ فيها على مشائخهم وساداتهم، وبيّن فيها ميلهم عن الكتاب والسُّنّة، وسلوكهم طريق الابتداع، والقول على الله بغير علم، وغير ذلك من البدع المنكرة التي ابتدعوها في أصول الدّين وفروعه؛ فشتّت شملهم، وسفّه أحلامهم، وضلّل سعيهم، وخطّأ رأيهم بالحُجج الدّامغة والبراهين السّاطعة، وقد تتبّع جميع شبهاتهم وأقوالهم؛ فضى عليها بالطّرد والرّدّ، وهذا كتابه المسمّى بـ «التّسعينيّة» ، وكتاب «السّبعينيّة» ، وكتاب «العقل والنّقل» ، وكتاب «منهاج السُّنّة» ، وكتاب «الرّدّ على الفلاسفة» ... وغير ذلك من الكتب التي صنّفها في الرّدّ على مَن خالف كتاب الله وسنّة رسوله؛ فلما رأى علماء زمانه ما حلّ بأسلافهم من هذا الإمام؛ أخذوا يشنّعون عليه بأشياء، منها ما هو بريء من نسبتها إليه، ومنها ما قاله بدليل ولكنّه لم يتقيّد فيها برأي أحد، وحيث إنّهم قد علموا أنّ ما قاله شيخ الإسلام في أسلافهم حقّ لا مرية فيه ـ لأنّه ما نقله إلا عن كُتبهم ـ، ورأوا أنّ دفع ذلك غير ميسور لهم؛ فعمدوا إلى مسألتين هما في الحقيقة من مسائل الفروع، المصيب فيها بأجرين والمخطئ فيها بأجر ـ أعني بها: مسألتي الطّلاق والزّيارة ـ، وقد ردّ الله كيدهم في نحورهم لما شنّعوا عليه

стр. 177

وأغروا به الحكّام بسببها، وقد انتصر له في كلّ زمان أئمّة من علماء الحديث والفقه، فأمّا مسألة الزّيارة: فقد استبان مذهبه فيها، وأمّا مسألة الطّلاق: فقد حقّقها كثير من أئمّة الإسلام قديمًا وحديثًا، حتى في زماننا، وبيّنوا أنّ شيخ الإسلام هو أسعد النّاس بإصابة القول فيها. وأمّا قوله: «ويلزم على قول ابن تيميّة: أنّ الأُمّة كلّهم مخطئون في سفرهم إلى الزّيارة، وأنّها عثرة لا تُقال، ومصيبة عظيمة ... » إلخ: فالجواب: قد تقدّم غير مرّة بيان استحباب شيخ الإسلام زيارة النّبيّ ﷺ ، ودعوى السّبكيّ أنّ الأُمّة لم يزالوا يسافرون إليها قديمًا وحديثًا؛ هذه دعوى منه، وتحكّم بحت على مقاصد النّاس، وكيف يُظَنّ بصفوة النّاس ـ وهم العلماء ـ أنّهم لم يسافروا إلا للزّيارة فقط من غير قصد الصّلاة في المسجد الشّريف. فإن قال السّبكيّ: كانوا يسافرون بقصد الصّلاة والزّيارة معًا. قلنا: هذا المراد ـ وهو الذي يقول به شيخ الإسلام ـ. وإن قال: كانوا لا يقصدون بسفرهم إلَّا الزّيارة فقط من غير قصد الصّلاة [في] المسجد. قلنا: معاذ الله أنّ الأُمّة كلّها قد أجمعت على ترك سُنّة عظيمة ـ وهي: شدّ الرّحل إلى مسجده الشّريف ـ، وهم يروون ذلك في جميع كتبهم؛ فما أحد حكم عليها بالخطإ إلَّا الذي قال: لا يُسافرون إلَّا للزّيارة فقط! وأمّا قوله: «إنّها عثرة لا تُقال ... » إلى آخره: فجوابه: أنّ شيخ الإسلام ما قال إلَّا عن دليل استبان له، وقد وافق غيره ممّن ذكرنا أسماءهم، وحيث إنّ المسألة محلّ اجتهاد؛ فالمصيب فيها له أجران والمخطئ له أجر؛ فهو مأجور على كلّ حال بشهادة النّبيّ ﷺ ؛ فهب أنّه أخطأ فيها ـ على رأي السّبكيّ ـ؛ فهو مأجور؛ فكيف يُقال: «إنّها عثرة لا تُقال» ، سيّما والإنسان ومحلّ للنّسيان، والبشر يجوز عليهم الصّواب والخطأ؟! وعقد علمتَ ـ بما مرّ ـ أنّ شيخ الإسلام لم يتكلّم في المسألة بالتّشهي وهوى النّفس؛ بل تكلّم فيها بالأدِلّة النّقليّة والعقليّة، والرّجل من أئمّة الاجتهاد ـ كما شهد له بذلك سبعون مجتهدًا في زمانه؛ نقل ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر

стр. 178

العسقلانيّ وغيره ممّن يقدّرون للعلماء قدرهم، ولا يبخسون النّاس أشياءهم؛ فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلَّا أُولو الفضل ـ. وأمّا قوله: «مصيبة عظيمة» : فجوابه أن يُقال: ما أردتَ بقولك هذا؟! فإن أردتَ: أنّ ما أتى به شيخ الإسلام من الأدِلّة والبراهين الدّالّة على ما ذهب إليه في هذه المسألة وغيرها من المسائل مصيبة؛ فإن كانت على مَن لم يألف الدّليل، وألزم نفسه التّقليد واتّباع كلّ قال وقيل؛ فهو حقّ؛ فإنّ هؤلاء عندهم أنّ إيراد الأدِلّة والاشتغال بها مصيبة عظيمة؛ لأنّ ذلك مما يُخَرّب قواعدهم وأصولهم ويُحقّرهم في أعين العامّة، بعد أن كانوا رؤساء عظماء، ومن أجل ذلك؛ سدّوا باب الاجتهاد، وحرّموا على النّاس الاستهداء بالكتاب والسُّنّة، مهما بلغ أحدهم في العلم ما بلغ، وهذا شأن الغاشّين والمدلّسين في شريعة سيد المرسلين، وأنّهم ضدّ ما كان عليه أئمّة الدّين ـ كأبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد ... وغيرهم (رضوان الله عليهم) ـ؛ فكلّ هؤلاء كان مقصدهم إصابة الحقّ وظهوره على يد أيّ أحد من النّاس؛ ولذلك كانوا لا يأمرون النّاس بتقليدهم وأخذ أقوالهم، ما لم يعلموا من أين أخذوها، وكلّ واحد منهم يقول: «إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي» ؛ فبإخلاصهم لله في علمهم أبقى الله ذكرهم إلى يوم القيامة، وأمّا هؤلاء المنتسبون إليهم بالتّسمية ـ لا بالقول والفعل ـ؛ فالأئمّة بُراء منهم ومن أفعالهم؛ فإنّ المنتسبين مقصدهم بالعلم على ضدّ مقصد الأئمّة؛ يعلم ذلك من سبر سير هؤلاء وهؤلاء. وإن أراد السّبكيّ بقوله هذا: أنّ ذلك مصيبة على الإسلام والمسلمين؛ فكلّا ثمّ كلّا! وهل يقول عاقل: إنّ الذي يستدلّ على مسائل الدّين بالأدِلّة الصّحيحة، لا يقلّد فيها أحدًا من النّاس كائنًا مَن كان [أنّ فعله مصيبة] ؟! هذه ليست مُصيبة، إلَّا على مَن حُرِمَ التّوفيق وضلّ عن الطّريق. وكيف يكون ما أتى به شيخ الإسلام مصيبة على

стр. 179

الإسلام والمسلمين، وهو الذي حمى الإسلام والمسلمين، وذبّ عنه وقام لنصرته قيام مخلص متجرّد لله، ممتثلًا أمره، فارًّا من وعيده، كمَن لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه كتبه في الرّدّ على اليهود والنّصارى والدّهريّين والفلاسفة والرّافضة والباطنية وأهل الكلام، وغيرهم من الطوّائف التي حادت عن طريق القرآن والسُّنّة، وكلّها تشهد بعلوّ همّته وقوّة جنانه وصدق عزمه؛ فقد نصر الإسلام بيده ولسانه وقلبه، ما عُلِمَ عليه يومًا أنّه هاب في ذلك سلطانًا أو كثرة جموع، أو قدّم قول أحد على آية أو سُنّة، أو حاب أحدًا أو جاراه على معتقده إذا كان على غير اعتقاد السّلف الصّالح؛ بل هجر في نصرة دين الله الأهل والوطن والخلّان والأصحاب، والدّنيا بزخرفها، ورضي بالقليل منها، وأضاع عمره ما بين تعلّم وتعليم وتصنيف، ومكابدة أهوال، ومشقة لحقته من أجل قيامه لربه في نصرة دينه؛ فكم هُدّد بالحبس والإخراج عن وطنه، وكم تحدّثوا بقتله ولم يصدّه ذلك كلّه عن الامتثال لأمر ربّه، حتى أتاه اليقين ـ وهو الموت ـ في غيابات السّجن؛ فأيّ مصيبة بعد هذا كلّه أتى بها للإسلام؟! فطيّب الله ثراه، ونصر مَن والاه، وخذل عدوه وأقصاه. وهب أنّه أخطأ في مسألة أو مسألتين أدّاه إلى ذاك اجتهاده؛ فذلك مغمور في بحر علمه وحسناته ـ أي: شيخ الإسلام ـ، وأمّا السّبكيّ وأضرابه: فهم على الضّدّ مما وصفنا من حال شيخ الإسلام؛ فجنايتهم على الله وعلى كتابه ـ وهو: القرآن ـ وعلى رسوله وعلى سُنّته وعلى المسلمين أشهر من أن تُشهر: فأمّا جنايتهم على الله: فإنّهم أنكروا جميع صفاته الخبريّة التي جاء بها القرآن العزيز والسُّنّة ـ من: العلو، والفوقيّة،

стр. 180

والإتيان، والمجيء، والنّفس، والوجه، واليدين، والعين، والسّاق، والحبّ، والرّضا، والسّخط، والتّعجّب، والاستهزاء، والضّحك، والنّزول، والاستواء على العرش، وغير ذلك مما وصف الله به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله؛ فعمدوا إلى جميع ذلك فأوّلوه بحسب ما أدّته إليه عقولهم، وسوّلت لهم به نفوسهم، وأوحته إليهم شياطينهم؛ فلم يقفوا عند ما أخبر الله عن نفسه، وأجروه على ظاهره من غير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل، ولم يَدْرُجوا على نهج السّلف في مثل ذلك؛ بل ابتدعوا للنّاس عِلمًا محدثًا مولدًا في الدّين، مأخوذًا عن اليهود والجعد بن درهم وبشر المريسيّ، وسمّوه: علم المنطق وعلم الكلام، ولما اغتروا بما أُوتوه من هذا العلم المذموم الملعون، الذي خرّب عقائد المسلمين؛ قالوا: هما طريقتان: طريقة السّلف وطريقة الخلف، ولكنّ طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السّلف أسلم، لكنّها ليست بأعلم ولا أحكم! وقد علمتَ أنّ طريقة السّلف في العقائد هي طريقة الكتاب والسُّنّة وطريقة الرّسول وأصحابه والتّابعين وسائر أئمّة الدّين، أمّا طريقة الخلف فهي تنقل عن بشر المريسيّ والجعد بن درهم، ويتصل سندها إلى اليهوديّ الذي سحر النّبيّ ﷺ . فإذا عرفتَ هذا؛ فأيّ الطّريقتين أعلم وأحكم وأسلم؟! فعلى طريقة الخلف هذه: يلزم عليها أنّهم أعلم من الرّسول ﷺ ومن أصحابه ومن تابعيهم، وأنّهم أفضل منهم؛ لأنّهم أتقنوا وأحكموا علم التّوحيد ـ الذي هو أشرف العلوم، ولأجله أُرسلت الرّسل، وأُنزلت الكُتب ـ! فسبحانك هذا بهتان عظيم! فهل
следующие страницы →