← Акыда

Акыда · id 9063

الكشف المبدي

محمد بن حسين الفقيه

Полный текст (406 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يوضّح هذا: أنّ العابد معظّم لمعبوده متألّه له، خاضع ذليل له، والرّبّ ﵎ وحده هو الذي يستحقّ كمال التّعظيم والإجلال والتّألّه والخضوع والذّلّ، وهذا في خالص حقّه، فمن أقبح الظّلم أن يعطي حقّه لغيره، ويشرك بينه وبينه فيه، ولا سيّما إذا كان الذي جُعل شريكه في حقّه هو عبده ومملوكه؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ضرب لكم مثلًا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ ؛ أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه؛ كيف تجعلون لي [من] عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به ـ وهو الإلهيّة التي لا تنبغي لغيري، ولا تصحّ لسواي ـ؛ فمَن زعم ذلك؛ فما قدرني حقّ قدري، ولا عظّمني حقّ تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي. فما قدر الله حقّ قدره مَن عبد معه غيره؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسّموات مطويّات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون﴾ ؛ فما قدر مَن هذا شأنه وعظمته حقّ قدره مَن أشرك معه في عبادته مَن ليس له شيء من ذلك ألبتة؛ بل هو أعجز شيء وأضعفه؛ فما قدر القويّ العزيز حقّ قدره مَن أشرك الضّعيف الذّليل، وكذلك ما قدره حقّ قدره مَن قال: إنّه لم يرسل إلى خلقه رسولًا ولا أنزل كتابًا؛ بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه؛ من إهمال خلقه وتركهم سدى وخلقهم باطلًا عبثًا، ولا قدره حقّ قدره مَن نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره، وعلوّه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمَن شاء من خلقه بما

стр. 247

يريد، أو نفى عموم قدرته وتعلّقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم؛ فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرّبّ ﵎؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله عن قول أشباه المجوس علوًّا كبيرًا. وكذلك ما قدره حقّ قدره مَن قال: إنّه يعاقب عبده على ما [لا] يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيها البتة؛ بل هو نفس فعل الرّبّ ﷻ ؛ فيعاقب عبده على فعله [هو] ، وهو الذي جبر العبد عليه، وجبرُه على الفعل أعظم من إكراه المخلوقِ المخلوقَ! فإذا كان من المستقرّ في الفطر اولعقول أنّ السّيّد لو أكره عبده على فعل وألجأه إليه ثم عاقبه عليه؛ لكان قبيحًا؛ فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الرّاحمين؛ كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثمّ يعاقب عليه عقوبة الأبد؟! تعالى الله علوًّا كبيرًا. وقول هؤلاء شرّ من أقوال المجوس، والطّائفتان ما قدروا الله حقّ قدره. وكذلك ما قدره [حقّ قدره] مَن لم يصنه عن بئر ولا حُشّ ولا مكان يُرغب عن ذكره؛ بل جعله في كلّ مكان، وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه الكلم الطّيّب والعمل الصّالح يرفعه، وتعرج الملائكة والرّوح إليه، وتنزل من عنده، ويدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثم يعرج إليه؛ فصانه عن استوائه على سرير المُلك، ثم جعله في كلّ مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه! وما قدره حقّ قدره مَن نفى حقيقة محبّته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا مَن نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا مَن نفى حقيقة فعله

стр. 248

ولم يجعل له فعلًا اختياريًّا يقوم به؛ بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه! فنفى حقيقة محبّته، وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى ﷺ من جانب الطّور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه ... إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها؛ وزعموا أنّهم بنفيها قدروا الله حقّ قدره! وكذلك لم يقدره حقّ قدره مَن جعل له صاحبة وولدًا، وجعله يحلّ في مخلوقاته، وجعله عين هذا الوجود! وكذلك لم يقدره حقّ قدره مَن قال: إنّه رفع أعداء رسله وأهل بيته وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم المُلك والخلافة والعزّة، ووضع أولياء رسوله وأهانهم وأذلّهم وضرب عليهم الذّلة أين ما ثُقفوا! وهذا يتضمّن غاية القدح في الرّبّ ﵎ عن قول الرّافضة علوًّا كبيرًا ـ. وهذا القول مشتقّ من قول اليهود والنّصارى في ربّ العالمين: أنّه أرسل ملكًا ظالمًا؛ فادّعى النّبوّة لنفسه وكذب على الله ـ تعالى ـ، ومكث زمنًا طويلًا يكذب عليه كلّ وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم [وأموالهم] وحريمهم، ويقول: الله ـ تعالى ـ أباح لي ذلك، والرّبّ ﵎ يُظهره ويؤيّده ويُعليه ويقوّيه ويجيب دعواته، ويمكّنه ممّن يخالفه، ويقيم الأدلّة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلَّا ظفر به؛ فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، ويحدث أدلّة تصديقه شيئًا بعد شيء! ومعلوم أنّ هذا يتضمّن أعظم القدح والطّعن في الرّبّ وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيّته ـ تعالى عن قول الجاحدين علوًّا كبيرًا ـ. فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرّافضة؛ تجد القولين: رضعا لبان ثدي أُمٍّ تقاسَما ... بأسحم داج عوض لا يتفرّق

стр. 249

وكذلك لم يقدره حقّ قدره مَن قال: إنّه يجوز أن يعذّب أولياءه، ومَن لم يعصه طرفة عين، ويدخلهم دار الجحيم، وينعّم أعداءه، ومَن لم يؤمن به طرفة عين، ويدخلهم دار النّعيم! وأنّ كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء؛ وإنّما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك؛ فمعناه: الخبر، لا مخالفة حكمته وعدله. وقد أنكر في كتابه على مَن يجوّز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوإ الأحكام. وكذلك لم يقدره حقّ قدره مَن زعم: أنّه لا يحيي الموتى، ولا يبعث مَن في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يُجازى [فيه] المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقّه من ظالمه، ويُكرم المتحمّلين المشاقّ في هذه الدّار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويُبيّن لخلقه الذين يختلفون فيه، وليعلم الذين كافروا أنّهم كانوا كافرين. وكذلك لم يقدره حقّ قدره مَن هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقّه فضيّعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعته المخلوقَ أهمّ عنده من طاعته؛ فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدّم في ذلك؛ لأنّه المهمّ عنده! يستخفّ بنظر الله إليه واطّلاعه عليه وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظّم نظر المخلوق إليه واطّلاعهم عليه بكلّ قلبه وجوارحه، يستحيي من النّاس ولا يستحيي من الله ، ويخشى النّاس ولا يخشى الله ، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجدّ والاجتهاد وبذل النّصيحة، قد فرّغ له قلبه وجوارحه وقدّمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حقّ ربّه ـ إن ساعده القدر ـ قام قيامًا لا يرضاه مقله لمخلوق من مخلوقاته، وبدا له ما يستحيي أن يواجه به مخلوقًا مثله!!! فهل قدر الله حقّ قدره مَن هذا وصفه؟! وهل قدره

стр. 250

حقّ قدره مَن شارك بينه وبين عدوّه في محض حقّه من الإجلال والتّعظيم والطّاعة والذّلّ والخضوع والخوف والرّجاء؟! فلو جعل من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك؛ لكان ذلك جرأة وتوثّبًا على محضّ حقّه، واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلَّا له ؛ فكيف وإنّما شرك بينه وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده؛ وهو عَدوّ على الحقيقة؛ فإنّه ما عُبد من دون الله إلَّا الشّيطان؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألَّا تعبدوا الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ ، ولما عبد المشركون الملائكة ـ بزعمهم ـ؛ وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشّيطان، وهم يظنون أنّهم يعبدون الملائكة؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون﴾ ؛ فالشّيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمه أنّه ملك، وكذلك عبّاد الشّمس والقمر والكواكب يزعمون أنّهم يعبدون روحانيّات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج! ولهذا إذا طلعت الشّمس قارنها الشّيطان ـ لعنه الله تعالى ـ؛ فيسجد لها الكفّار؛ فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها، وكذلك مَن عبد المسيح وأُمّه لم يعبدهما؛ وإنّما عبد الشّيطان؛ فإنّه يزعم أنّه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أُمّه ورضيها لهم وأمرهم بها؛ وهذا هو الشّيطان الرّجيم ـ لعنه الله تعالى ـ، لا عبد الله ورسوله. ونُزّل هذا كلّه على قوله ـ تعالى ـ: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين﴾ ؛ فما عبد أحد من

стр. 251

بني آدم غير الله كائنًا مَن كان إلَّا وقعت عبادته للشّيطان؛ فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشّيطان؛ ولهذا قال ـ تعالى ـ: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس﴾ ـ من إغوائهم وإضلالهم ـ ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلتَ لنا قال النّار مثواكم خالدين فيها إلَّا ما شاء الله إنّ ربّك حكيم عليم﴾ . فهذه إشارة لطيفة إلى السّرّ الذي لأجله كان الشّرك أكبر الكبائر عند الله ـ تعالى ـ، وأنّه لا يُغفر بغير التّوبة منه، وأنّه يوجب الخلود في النّار، وأنّه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النّهي عنه؛ بل يستحيل على الله أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظنّ بالمنفرد بالرّبوبيّة والإلهيّة والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟! تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا» . انتهى. وإنّما سقنا هذا المبحث العظيم الذي تُعقد عليه الخناصر ويُعضّ عليه بالنّواجذ؛ لما فيه من الفوائد التي لا يستغني عنها مَن نصح نفسه، وإنّما الغرض بيان ما في التّوسّل والاستغاثة بالأموات والغائبين من سوء الظّنّ بالله ربّ العالمين. الوجه التّاسع: أنّ الله ـ تعالى ـ حرّم القول عليه بغير علم، وجعله أعظم من الشّرك؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تُشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ الآية؛ فرتّب المحرّمات منتقلًا من الأدنى إلى الأعلى، وقال ـ تعالى ـ: ﴿ومَن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أولئك يُعرَضون على ربّهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربّهم ألا لعنة الله على الظّالمين * الذين يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة هم كافرون﴾ ، ومَن عرف الشّرك حقّ المعرفة؛ يعلم أنّ مَن قال: تجوز الاستغاثة والتّوسّل بالأنبياء والصّالحين والنّذر لهم والحلف وما أشبهه

стр. 252

من التّعظيم؛ له نصيب وافر من الكذب على الله وعلى رسله، ومن الصّدّ عن سبيل الله وابتغاء العوج، والله المستعان. وقال الله ـ تعالى ـ: ﴿قالوا اتّخذ الله ولدًا سبحانه هو الغنيّ له ما في السّموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدُّنيا ثمّ إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشّديد بما كانوا يكفرون﴾ . ويتبيّن كذب هذا العراقيّ على الله وعلى رسوله وعلى عباده الصّالحين؛ بالكلام على ما ساقه هذا العراقيّ من الأدِلّة التي يزعم أنّها تدلّ على دعواه وتنصر ما قاله وافتراه: فأمّا قوله: «اعلم أنّ المجوّزين للاستغاثة بالأنبياء والصّالحين مرادهم أنّها أسباب ووسائل بدعائهم، وأنّ الله يفعل لأجلهم، لا أنّهم الفاعلون استقلالًا من دون الله؛ فإنّ هذا كفر بالاتّفاق» : فجواب هذا: تقدّم في الوجه الثّاني؛ وذكرنا أنّ المشركين من عهد نوح إلى عهد خاتم النّبيّين ﷺ لم يقصدوا سوى هذا، ولم يدّعوا لآلهتهم غيره، وأنّهم ما زادوا حرفًا واحدًا على هذا العراقيّ وشيعته، وهو يظنّ أنّ النّزاع في: دعواه الاستقلال، وليس الأمر كذلك؛ فإنّ النّزاع بين الرّسل وقومهم إنّما هو في توحيد العبادة؛ فكل رسول أول ما يقرع أسماعه قومه بقوله: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ، وكان المشركون من الجاهليّة يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» ؛ فأثبتوا الشّركة في العبادة، واعتقدوا أنّ آلهتهم مملوكة لا مستقلّة. وهذا ظاهر في القرآن والسُّنّة، لا يجهله مَن عرف ما النّاس

стр. 253

فيه من أمر دينهم، وإنّما خفي ذلك على هذا المعترض لفرط جهله وكثافة فهمه، ولأنّه نشأ بين عبّاد القبور المتوسّلين بها وبأهلها؛ فظنّ أنّ هذا هو الإسلام! والمسكين لم يعرف ربّه وما يجب له من الحقوق على كافّة الأنام، ولم يتخرّج على إمام يعتمد في بيان الشّرائع والأحكام، مع أنّ عبّاد القبور في هذه الأزمان اعتقدوا التّدبير والتّصريف لمن يعتقدونه؛ فظائفة قالت: يتصرّف [في الكون سبعة، وطائفة قالت: يتصرّف أربعة، وطائفة قالت: يتصرّف] سبعون، واختلفوا في قُطبهم الذي إليه يرجعون! تعالى الله عما يقول الظّالمون: فأهل مصر يرون أنّه البدوي، وأهل العراق يرجّحون الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ، والرّافضة يرون ذلك للأئمّة من أهل البيت، وهذا مشتهر عنهم لا ينكره إلَّا مكابر. وقد حكم العراقيّ بأنّ دعوى الاستقلال كفر بالاتّفاق، وعلى قول غلاة عبّاد القبور: مصدر التّصريف عنهم يستقلّون به؛ لأنّ الوكيل يستقلّ بتدبير ما وُكّل إليه، وحينئذٍ فإذا لم يعرف العبادة ومسألة النّزاع؛ كيف يجادل عن قوم جزم بكفرهم وحكى عليه الاتّفاق؟! فالرّجل مخلّط لا يدري ما يقول! وأمّا قوله: «ولا يخطر ببال مسلم جاهل فضلًا عن عالم» ؛ فيقال: أين العَنقاء

стр. 254

لُتطلب، وأين السّمندل ليُجلب؟! إذا صحّ الإسلام لم يرغب أهله إلى دعاء غير الله من العبّاد والأوثان والأصنام. وأمّا قوله: «بل ليس هذا خاصًّا بنوع الأموات؛ فإنّ الأحياء وغيرهم من الأسباب العاديّة ـ كالقطع للسّكين، والشّبع للأكل، والرّي، والدفء ـ لو اعتقد أحد أنّها فاعلة [ذلك] بنفسها من غير استنادها إلى الله يكفر إجماعًا» : فيُقال: إذا كان إسناد الفعل إليها استقلالًا يكفر فاعله إجماعًا، وهي من الأسباب العاديّة التي أودع الله فيها قوّة فاعلة؛ فكيف لا يكفر مَن أسند ما لا يقدر عليه إلَّا الله ـ من إغاثة اللهفات وتفريج الكربات وإجابة الدّعوات ـ إلى غير الله من الصّالحين أو غيرهم، وزعم أنّها وسائل، وأنّ الله وكّل إليهم التّدبير كرامة لهم؟! هذ أولى بالكفر وأحقّ به ممن قبله. ويُقال للعراقيّ: أنتَ لا ترضى تكفير أهل القبور لاحتمال العذر والشّبهة، وأنّه شرك أصغر يثاب مَن أخطأ فيه؛ فكيف جزمتَ بكفر مَن أسند القطع للسّكين من غير إسناد إلى الله؟؟!! وما الفرق بين مَن عذرتَه وجزمتَ بإثابته، وبين مَن كفّرته وجزمتَ بعقابه؟؟؟! ليست إحدى المسالتين بأظهر من الأخرى، وما يُقال من الجواب فيما أثبتَه من الكفر يُقال فيما نفيتَه: يومًا بحُزوي ويومًا بالعقيق ... وبالعُذيب يومًا ويومًا بالخُليصاء

стр. 255

أيّ مذهب وافق هواك تمذهبتَ به؟! ويُقال: جمهور العقلاء على الفرق بين الأسباب العاديّة وغيرها؛ فالشّبع والرّي والدفء أسباب عاديّة فاعلة، وإنّما يكفر مَن أنكر خلق الله لهذه الأسباب وقال بفعلها دون مدبّر عليم حكيم، وهذا البحث يتعلّق بتوحيد الرّبوبيّة، وأمّا جعل الأموات أسبابً يُستغاث بها وتُدعى وترجى وتعظّم على أنّها وسائط؛ فهذا دين عبّاد الأصنام؛ يكفر فاعله بمجرّد اعتقاده وفعله، وإن لم يعتقد الاستقلال؛ كما نصّ عليه القرآن في غير موضع؛ فالعراقيّ معارض للقرآن مصادم لنصوصه! وأمّا قوله: «إنّ السّبكيّ والقسطلانيّ والسّمهوديّ وابن حجر في «الجوهر المنظم» قالوا: والاستغاثة به ﷺ وبغيره في معنى التّوسّل إلى الله بجاهه ... » إلى آخره؛ فمسألة الاستغاثة به وبجاهه ليست هي مسألة النّزاع، ومراد أهل العلم: أن يسأل الله بجاه عبده ورسوله، لا أن يسأل الرّسول نفسه؛ فإنّ هذا لا يطلق عليه (توسّل) ؛ بل هو دعاء واستغاثة؛ وتقدّم أنّ لفظ (التّوسّل) صار مشتركًا؛ فعبّاد القبور يطلقون (التّوسّل) على: الاستغاثة بغير الله ودعائه رغبًا ورهبًا، والذّبح والنّر والتّعظيم بما لم يشرع في حقّ مخلوق، وأهل العلم يطلقونه على: المتابعة والأخذ بالسُّنّة؛ [فيتوسّلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله ﷺ ، وهذا هو التّوسّل في عُرف القرآن والسُّنّة]ـ كما يأتيك مفصّلًا (إن شاء الله تعالى) ـ. ومنهم مَن يطلقه على: سؤال الله ودعائه بجاه نبيّه، أو بحقّ عبده الصّالح، أو

стр. 256

بعباده الصّالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخّرين ـ كالسّبكيّ والقسطلانيّ وابن حجر ـ. وبالجملة: فما نقله ـ هنا ـ عمّن ذكر؛ ليس من مسألة النّزاع في شيء، وإن كابر العراقيّ وزعم أنّهم قصدوا دعاء الأنبياء والصّالحين والاستغاثة بهم أنفسهم، وأنّ هذا يسمّى (توسّلًا) ؛ فهذا عين الدّعوى، والدّعوى يُحتجّ لها لا بها؛ فبطل كلامه على كلّ تقدير! وأمّا قوله: «أو بأن يدعو الله كما في حال الحياة؛ إذ هو غير ممتنع» ؛ فيُقال: هذا جرأة على الله وعلى رسوله، وتقدُّم إليه بما لم يشرعه ولم يأذن فيه، وأعلم الخلق به ـ أصحابه وأهل بيته وأئمّة الدّين من أُمّته ـ لم يفعل أحد منهم ذلك البتة، ولا نقله مَن يعتدّ به، وهم أعلم الخلق به وبدينه وشرعه وما يجوز وما يمتنع؛ فلا يخلو إمّا أن: تسلّم هذه المقامات؛ ويجزم بأنّ الخروج عن هديهم من أفضح الجهالات وأضلّ الضّلالات، أو: تسلّم تلك المقدّمات؛ ويُدّعى أنّ الخلف ـ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ـ أحقّ بالصّواب والعلم والمتابعة في تلك المسائل والمقالات. وهذا انحلال عن جملة الدّين، وقدح في القرون المفضلة بنصّ سيد المرسلين، وكفى بهذا فضيحة وجهلًا لو كانوا يعلمون! وأمّا قوله: «مع علمه [بسؤال مَن سأله] ، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن

стр. 257

يحصل له الغوث من غيره» : فيُقال: أمّا دعوى عموم العلم بسؤال السّائلين لمن يستغيث به جهلة القبوريّين؛ فالأخذ به وإطلاقه على غير الله كفر صريح باتّفاق أهل العلم؛ فإنّ مَن زعم إحاطة العلم وعمومه لغير الله، أو عموم القدرة أو الرّزق أوالخلق لغيره ـ سبحانه ـ يكفر كفرًا واضحًا ـ كما ذكره شرّاح الأسماء [الحسنى] وغيرهم من أهل العلم ـ. وأمّا دعوى تخصيص ذلك بالنّبيّ ﷺ ؛ فهي ـ وإن كانت من جنس ما قبلها في الرّدّ والمنع ـ تُبطل مذهب عبّاد القبور ودعائهم لغير الله من الغائبين والأموات؛ فإنّ دعاء الغافل الذي لا يعلم بحال الدّاعي ولا يدريها ضلال مستبين؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿ومَن أضلّ ممّن يدعو من دون الله مَن لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ . وأمّا قوله: «والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره ممّن هو أعلى منه، وليس لها في قلوب المسلمين غير ذلك ... » إلى آخره؛ فهذا يدلّ على جهل العراقيّ باللّغة والشّرع؛ فإنّ الدّاعي السّائل لغيره لا يسمى (مغيثًا) ، و (المغيث) : مَن يفعل الإغاثة ويحصل الغوث بفعله. قال شيخ الإسلام: مَن زعم أنّ مسألة الله بجاه عبده تقتضي أن يُسمى العبد (مغيثًا) ، أو يكون ذلك استغاثة بالعبد؛ فهذا جهل، ونسبته إلى اللّغة أو إلى أُمّة من الأُمم كذب ظاهر؛ فإنّ (المغيث) : هو فاعل الإغاثة ومحدثها، لا مَن تُطلب بجاهه وحقّه، ولم يقل أحد: إنّ (التّوسّل بشيء) هو الاستغاثة به؛ بل العامّة الذين يتوسّلون في أدعيتهم بأمور ـ كقول أحدهم: نتوسّل إليك بحقّ الشّيخ فلان أو بحرمته، أو باللّوح، أو بالقلم، أو بالكعبة ـ في أدعيتهم؛ يعلمون أنّهم لا يستغيثون بهذه الأمور، وأنّ المستغيث [بالشيء] طالب

стр. 258

منه سائل له، والمُتوسّل به لا يدعى ولا يُطلب منه ولا يُسأل؛ وإنّما يُطلَب به؛ فكلّ أحد يفرّق بين المدعو به والمدعو ـ وتقدّم ذلك ـ. وقول العراقيّ: «والنّبيّ مستغاث منه تسبّبًا وكسبًا» : فيُقال: نعم؛ هذا معتقد مَن يعبد الأنبياء والصّالحين ويستغيث بهم؛ يقول: هم سببي وواسطتي، يحصلون لي بكسبهم، والله هو الخالق، ولا أدعي غير ذلك! ولا نازع في الخلق والرّبوبيّة إلَّا فرعون والذي حاجّ إبراهيم في ربّه، وجمهور المشركين على الأوّل ـ كما تقدّم تقريره ـ؛ فبطل تعليله. وأمّا قوله: «ولا يعارض ذلك خبر أبي بكر ﵁: «قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ » ؛ لأنّ في سنده ابن لهيعة، [والكلام فيه مشهور] » : فيُقال: إنّ ابن لهيعة خرّج له البخاريّ ومسلم؛ فجاوز القنطرة، ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلَّا جاهل بالصّناعة والاصطلاح، وهو قاضي مصر وعالمها ومسندها، روى عن: عطاء بن أبي رباح، والأعرج، وعكرمة، وخلق، وعنه:

стр. 259

شعبة بن الحجّاج أمير المؤمنين في الحديث، وعمرو بن الحارث، واللّيث بن سعد، وابن وهبة، وخلق، ومَن طعن في ابن لهيعة بقول بعض النّاس فيه؛ لزمه الطّعن في كثير من الأكابر المحدّثين ـ كسعيد المقبريّ، وسعيد بن إياس الجريريّ، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن أبان، وأزهر بن سعد السّمّان البصريّ، وأحمد بن صالح المصريّ، وأبي اليمان، وأمثالهم ممّن خرّج لهم البخاريّ وغيره من الأئمّة ـ. ليس عُشَّك فادرُجي

стр. 260

فدع عنك الكتابةَ لستَ منها ... ولو سوّدتَ وجهكَ بالمدادِ وأمّا قوله: «وبفرض صحّته؛ فهو على حدّ قوله ـ تعالى ـ: ﴿وما رميتَ إذ رميتَ ولكنّ الله رمى﴾ ، وقوله ﷺ : «ما أنا حملتُكم؛ ولكنّ الله حملكم» » ؛ وهذا من نوادر جهل هؤلاء الضّلّال؛ فإنّ لفظ (الاستغاثة) : طلب الغوث ممّن هو بيده لمن أصابته شدّة ووقع في كرب، والأنجح والأولى لمن أصابه ذلك أن يستغيث بمَن يجيب المضطرّ إذا دعاه، الموصوف بأنّه غياث المستغيثين، مجيب المضطرّين، أرحم الرّاحمين؛ فلفظ (الاستغاثة) يستعمل في مخّ العبادة، وما لا يقدر عليه إلَّا الله عالم الغيب والشّهادة. فكَرِه ﷺ إطلاقَه عليه فيما يستطيعه ويقدر عليه؛ حماية لحمى التّوحيد، وسدًّا لذريعة الشّرك، وإن كان يجوز إطلاقه فيما يقدر عليه المخلوق؛ فحماية جانب التّوحيد من مقاصد الرّسول، ومن قواعد هذه الشّريعة المطهّرة؛ فأين هذا من قوله: ﴿وما رميتَ إذ رميتَ ولكنّ الله رمى﴾ ؛ فإنّ (الرّمي) المنفيّ: هو إيصال ما رمى به إلى أعين المشركين جملتهم وهزيمتهم بذلك، و (الرّمي) المثبت: ما فعله النّبيّ ﷺ من رمي ما أخذ بكفّه الشّريفة من التّراب واستقبال وجوه العدوّ به. وأمّا قوله: «وكثيرًا ما تجيء السُّنّة بنحو هذا من بيان حقيقة العلم، ويجيء القرآن من إضافة الفعل إلى مكتسبه؛ كقوله ﷺ : «لن يدخل أحد الجنّة بعمله» ، مع قوله ـ تعالى ـ: ﴿ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون﴾ » ؛ فالأمر ليس كما توهّمه العراقيّ؛ فإنّ (الباء) في الحديث: باء المعاوضة والمبادلة، و [ (الباء) في الآية] : هي بابء السّببيّة، لا باء المعاوضة؛ فالمنفي غير

стр. 261

المثبت ـ كما نصّ عليه أهل العلم وأهل التّفسير وكلّ فاضل وعارف بصير ـ، ونعوذ بالله من القول على الله وعلى كتابه بغير علم ولا سلطان منير. وأمّا قوله: «إنّ إطلاق لفظ (الاستغاثة) لمن يحصل منه غوث ولو تسبّبًا؛ أمر معلوم لا شكّ فيه لغة ولا شرعًا» ؛ فقد تقدّم كلام شيخ الإسلام في نفي الاستغاثة عمّن يسأل الله بجاهه وحقّه، وعمّن يدعو غيره، وأنّ مَن قال ذلك قد كذب على سائر اللّغات والأُمم، وأمّا مَن يسأل ويدعو وينادي ـ كما يفعله عبّاد القبور بمَن يدعونه ـ؛ فهذا [يسمّى] استغاثة، كما يسمّى عبادة لغير الله وشركًا بالله، وهذا النّوع ليس النّزاع في اسمه؛ وإنّما النّزاع في جوازه وحِلّه، وأمّا حديث الشّفاعة؛ فهو فيما يقدر عليه البشر من الدُّعاء، كما يُسأل الحيّ الحاضر أن يدعو الله وأن يستسقي. وأمّا كلام الشّيخ ابن تيميّة الذي نقله عن المصنّفين في أسماء الله؛ فهو حُجّة لنا على عبّاد القبور؛ فإنّهم استغاثوا بغير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله. وقوله: «وإن حصلت من غيره ـ تعالى ـ؛ فهو مجاز ... » ؛ جوابه: إنّ الاستغاثة التي هي من جنس الأسباب العاديّة التي يقدر عليها المخلوق وفي وسعه؛ فهذه ـ وإن حصلت من العبد ـ فهي حقيقة لا مجاز، ولا ينازع في هذا مَن عرف شيئًا من اللّغة، والعبد يفعل حقيقة؛ فيأكل حقيقة، ويشرب حقيقة، ويهب حقيقة، وينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا حقيقة، والله ـ سبحانه ـ خلق العبد وما يعمل، وهذا معروف من عقائد أهل السُّنّة والجماعة. وإنّما ينفي الفعل حقيقة عن فاعله وعمّن قام به: القدريّة المجبّرة الذين يزعمون أنّ العبد مجبور، وأنّه لا اختيار له ولا مشيئة ـ كما هو مبسوط في موضعه ـ، والعراقيّ صفر اليدين من هذه المباحث المهمّة! وكذلك قوله: «الاستغاثة بمعنى: أن يطلب منه ما هو اللّائق بمنصبه» ؛ لا ينازع فيها

стр. 262

مسلم؛ فاللائق بمنصبه الشّريف أن يطلب منه ما يستطيعه ويقدر عليه ـ كالدُّعاء وسائر الأسباب العاديّة ونحو ذلك ـ، وأمّا ما لا يقدر عليه إلَّا الله ـ كهداية القلوب، والمغفرة للذّنوب، والإنقاذ من النّار، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلَّا الله الواحد القهّار ـ؛ فهذا إنّما يليق بمقام الرّبوبيّة؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿إنّك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ الله يهدي مَن يشاء﴾ ، وقال: ﴿ومَن يغفر الذّنوب إلَّا الله﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿أفأنتَ تنقذ مَن في النّار﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿ليس لكَ من الأمر شيء﴾ ، وقال رجل: أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمّد؛ فقال ﷺ : «عرف الحقّ لأهله» . وأمّا قول العراقيّ: «وقد ذكر المجوّزون أنّ جعل النّبيّ ﷺ متسبّبًا لا مانع من ذلك شرعًا وعقلًا» ؛ فهذه العبارة ركيكة التّركيب! والمجوّزون للاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله هم خصومنا؛ فلا حُجّة في كلامهم؛ بل الشّرع والعقل يرد مذهبهم ويبطله ـ كما مرّ تقريره عن شمس الدّين ابن القيّم ـ، وأمّا الأسباب العاديّة؛ فإنّها قد تُستحبّ وقد تُباح وقد تُكره، وليس الكلام فيها. والمستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله لا ينجيه مجرّد اعتقاده أنّ ذلك بإذن الله؛ بل لا بُدّ من إخلاص الدُّعاء والاستغاثة، ودعاء المستغيث من أجلّ العبادات؛ فجيب إخلاصه لله. وقول العراقيّ: «ومَن أقرّ بالكرامة وأنّها بإذن الله؛ لم يجد بدًّا من اعترافه بجواز ذلك» ؛ يُقال له: بل البُدّ والسّعة واليسر في القول بأنّه: لا يُستغاث بالمخلوق فيما يختصّ بالخالق، ولو كان المخلوق قد ثبت له من الكرامة ما ثبت؛ فالكرامة فعل الله لا من فعل غيره، والمستغاث هو الله لا غيره، ولم يكن الصّحابة يستغيثون

стр. 263

ويسألون مَن ظهرت له كرامة أو حصلت له خارقة من الخوارق. فهذا الكلام الذي قاله العراقيّ جهل مركّب يليق بقائله؛ فإنّ كلّ إناء بالذي فيه ينضح! وأمّا قوله: «والأخبار النّبويّة قد عاضدته، والآثار قد ساعدته» ؛ فالبوقوف على ما مرّ من كلامنا؛ تعرف أنّ الأخبار النّبويّة قد عارضته وما عضدته ـ بل أبطلته ـ، والآثار السّلفيّة قد ردّته وما ساعدته! وأمّا قوله: «ومَن جعل اللهُ فيه قدرةً كاسبةً للفعل مع اعتقاده أنّ الله هو الخالق؛ كيف يمتنع عليه طلب ذلك الشّيء؟» : فجوابه: أنّ الله لم يجعل للعباد قدرة على ما يختصّ به من الإغاثة المطلقة، وأمّا الإغاثة بالأسباب اعلاديّة وما هو في طوق البشر وقدرتهم؛ فهذا ليس الكلام فيه، والأموات لا قدرة لهم على الأسباب العاديّة وما يطلب من الحيّ الحاضر؛ فما هنا ليس من ذلك القبيل؛ ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ ، وقد يجعل الله للعبد قدرة على بعض الأشياء ويمنع من سؤاله وطلبه؛ وفي الحديث: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على وجهه مزعة لحم» ، وفيه: «مَن يسأل النّاس وله ما يغنيه؛ جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا ـ أو خموشًا ـ في وجهه» ؛ فهذا له قدرة وقد مُنع السّائل الغني من سؤاله، بل والسّحرة جعل الله لهم قدرة على أنواع السّحر والشّعوذة، وسؤالهم ذلك من أكبر الكبائر؛ فبطل قول العراقيّ: «إنّ مَن جعل الله له قدرة لا مانع من سؤاله» ، وكون الله قد قرّر أنبياءه ورسله وأوجب على العباد برّهم وتعظيمهم؛ لا يفضي ذلك أن يُستغاث بهم أو يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلَّا الله؛ والتّعظيم اللّائق بمناصبهم ليس من هذا الجنس؛ بل تعظيمهم: محبّتهم وطاعتهم وتعزيرهم وتوقيرهم والاقتداء بهديهم والأخذ بما جاءوا به، وعبّاد القبور تركوا هذا التّعظيم الواجب وعظّموهم بالاستغاثة

стр. 264

والعبادة والذّبح والنّذر؛ من جنس تعظيم أهل الكتاب لأنبيائهم ورهبانهم وأحبارهم! وهذا العراقيّ من جهله يدعو النّاس إلى طريقة الغلاة من أهل الكتاب، ويعرض عما جاءت به الرّسل، ويصدّ عن السُّنّة والكتاب؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿إنّ شرّ الدّوابّ عند الله الصّمّ البكم الذين لا يعقلون﴾ . وأمّا قوله: «وقد خلق الله فيه قوة كاسبة» ؛ فإن أراد: القوّة العاديّة البشريّة الإنسانيّة؛ فليس النّزاع في هذا، وإن أراد: ما يعتقده عبّاد القبور في معبوداتهم من الصّالحين وغيرهم، وأنّ لهم قدرة على إجابة المضطر وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج السّائلين؛ فهذا شرك في الرّبوبيّة لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهليّة! بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرّفًا وتدبيرًا، وإن أراد: أنّهم يُدعَون ويُسألون ويُستغاث بهم والله يعطي لأجلهم؛ فهذا هو قول أهل الجاهليّة من الأُمّيين والكتابيّين؛ وتقدّمت الآيات الدّالّة على ذلك، وتقدّم ما حكام الشّيخ من قول النّصارى: «يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الله» ؛ فهم طلبوا منها الشّفاعة والجه ليس إلَّا، وهذا من كفرهم وشركهم، مع ما هم عليه من القول [الشّنيع] في عيسى وأُمّه ـ قاتلهم الله ـ. فإن كان العراقيّ أراد هذا الثّاني؛ فهو شرك غليظ، وقد تقدّم له التّصريح بذلك، وعبارته هنا توهم الأوّل، وهو الغالب على عبّاد القبور في هذه الأزمان، نسأل الله العفو والعافية. وأمّا كون الأولياء والصّالحين في حال مماتهم كحال حياتهم يَدعون لمَن قصدهم، ويتسبّبون في إنقاذه؛ فهذا جهل عظيم وقول على الله بلا علم، لم يرد به كتاب ولا سُنّة ولا قاله ولا فعله أحد يُعتدّ به ويقتدى به من أهل العلم والإيمان، وقد مضت القرون الثّلاثة المفضّلة ولم يعهد عن أحد منهم أنّه قال ذلك أو فعله، وعندهم أشرف القبور على الإطلاق ولم يعرف عن أحد منهم أنّه سأل الرّسول صىل الله عليه وسلم أو دعاه، ولا غيره من الصّالحين. وخبر العتبيّ

стр. 265

قد تقدّم الكلام فيه، وإنّ فاعل ذلك أعرابيّ ليس ممّن يُقتدى به ويُحتجّ بقوله، وإن كان بعض المتأخّرين احتجّ بحكاية الأعرابيّ؛ فهو احتجاج مدخول، وقد نازعهم من هو أقدم منهم وأجلّ من الأكابر والفحول. وقول العراقيّ في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوّه﴾ : «فإن [قال] قائل: هذا في الحيّ، وله قدرة؛ قلنا: لا يجوز نسبة الأفعال إلى أحد حيّ أو ميّت على أنّه الفاعل استقلالًا من دون الله» ؛ فهذا الكلام أورده العراقيّ بناء على أنّ النّزاع في دعوى الاستقلال، وبزعمه أنّه إذا لم يعتقد الاستقلال؛ فالأسباب العاديّة كغيرها، ودعاء الأموات والغائبين يجوز عنده إذا لم يعتقد الاستقلال! هذه دعواه كرّرها مرارًا واحتجّ بها، والدّعوى تحتاج لديل ولا تصلح هي دليلًا، لا سيّما هذه الدّعوى الضّالّة الكاذبة الخاطئة، والله ـ سبحانه ـ حكى استغاثة المخلوق الحيّ الحاضر فيما يقدر عليه من نصره على عدوّه، وهذا جائز لا نزاع فيه. واعتقاد الاستقلال من دون الله، وأنّ العبد يخلق أفعال نفسه؛ هذه مسألة أخرى لم يقل بها إلَّا القدريّة النّفاة، والنّاس مختلفون في تكفيرهم بهذا القول. وبالجملة: فالنّزاع في غير هذه المسألة؛ وإنّما هو في: دعاء الأموات والغائبين، وإن لم يستقلّ بذلك المطلوب من دون الله. وقول العراقيّ: «وقد جعل الله الإغاثة في غيره» ؛ قول ركيك فاسد المعنى؛ فإنّ الله لم يجعل الإغاثة في غيره؛ بل هو المغيث على الإطلاق؛ وإنّما جعل للعباد عملًا وكسبًا في فرد جزئيّ مما يستطيعه العبد ويكون في قدرته. وعبارة العراقيّ في غاية البشاعة!

стр. 266

وقوله: «فلهذا [نفي] النّبيّ ﷺ الإغاثة ـ كما تقدّم ـ» ـ حيث قال: إنّه لا يُستغاث إلَّا بالله ـ؛ فليس النّفي لما ذكره العراقيّ؛ فإنّ المخاطبين يعلمون أنّ الله خالق أفعال العباد؛ وإنّما نفى الاستغاثة عنه حماية للتّوحيد وصيانة لجانبه؛ كما قال لمَن قال له: أنتَ سيّدنا وابن سيّدنا: «السّيد الله. إنّما أنا عبدٌ؛ فقولوا: عبد الله ورسوله» ، ولو كان كما زعم العراقيّ؛ لنفي عن رسول الله ﷺ كلّ فعل وكلّ قول صدر منه؛ لأنّه لا يفعله استقلالًا؛ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ . والعراقيّ قد خاض فيما لا يدريه، وما هو أجنبيّ عنه؛ فألحد في الألفاظ النّبويّة وحرّفها، وكابر الحسّ والمعقول، والمنفيّ في الحديث (الاستغاثة) لا (الإغاثة) ، وأظنّ المعترض لا يفرّق بينهما!» . انتهى ما أردتُ نقله من كلام هذا الفاضل في الكتاب المذكور، وقد آثرتُ نقله بطوله لما فيه من ردّ هذه الشّبهات التي تشاغب بها السّبكيّ وابن حجر المكيّ وداود العراقيّ والنّبهانيّ، وهؤلاء إنّما أخذوا هذه الشّبهات من كلام السّبكيّ، وقد تبيّن دحضها ـ ولله الحمد ـ. والقول الفصل في هذه المسألة: أنّه مَن تأمّل القرآن الحكيم من أوّله إلى آخره؛ لم يجد فيه آية تدلّ بمنطوقها أو بمفهومها على ما ذهب إليه السّبكيّ وأضرابه من جواز الاستغاثة بالمخلوق الغائب حيًّا كان أو ميّتًا، وطلب الحوائج منه؛ بل كلّ آيات القرآن الواردة في التّوحيد تنهى عن ذلك وتأمر بسؤال الله ـ تعالى ـ وحده، والإقسام عليه بأسمائه وصفاته، وكذا السُّنّة الصّحيحة؛ فإنّها موافقة للقرآن، فإن جاء شيء يخالف القرآن والسُّنّة الصّحيحة؛ فلا يُلتفت إليه؛ لأنّه معارض ومناقض للكتاب والسُّنّة الصّحيحة، والذين جوّزوا الاستغاثة لم يأتوا بشيء يصلح للاستدلال ـ كما علمتَ ـ.

стр. 267

فصل وقد اشتبه على كثير من النّاس ـ حتى المنتسبين إلى العلم ـ معنى (الاستغاثة) و (الاستغانة) و (الاستجارة) و (التّوسّل) ؛ فنرى بعضهم يأتي بالألفاظ المتضمّنة للشّرك الظّاهر والغلوّ الزّائد ويقول: أنا متوسّل! ويقول [أحد مَن تسلّط الشّيطان] عليهم في حقّ الرّسول ﷺ : منا سامَني الدّهرُ ضَيمًا واستَجرتُ بهِ ... إلَّا ونِلتُ جِوارًا منه لَم يُضَمِ ولا استلمتُ غنى الدّارين من يدهِ ... إلَّا استلمتُ النَّدى من خيرِ مُستلِمِ وقد عظّم بعض الجهّال ـ ممّن شرح هذه القصيدة ـ هذين البيتين، وجعل لهما خصائص وفوائد! فنعوذ بالله من الضّلال بعد الهدى. ومثل قول بعضهم في حقّ الرّسول ﷺ أيضًا: فمَن لي أرتجيهِ لكشف ضُرّي ... وغوثي في الشّدائِدِ والنّوالِ فانظر إلى هذا المتغالي في شعره، النّاسي لربّه؛ كيف لم يجعل له إلهًا يرتجيه لكشف الضُّرّ والشّدائد إلَّا الرّسول ﷺ ! وأمثال ذلك كثير معلوم لمن تتبّع شعر القبوريّين؛ وقد احتوت مجموعة النّبهانيّ ـ التي طبعها في بيروت ـ على أكثره! وقد عرفت الفرق بين (التّوسّل) و (الاستغاثة) بما مرّ، ومَن جعل (التّوسّل) و (الاستغاثة) و (التّشفّع) و (التّوجّه) كلّ ذلك بمعنى واحد؛ فهو من أجهل الجاهلين بلغة القرآن والسُّنّة، بعيد عن لسان العرب. وللإمام الفاضل المفسّر المحدّث ذي النّسبين السّيد محمود شكري الآلوسيّ في

стр. 268

كتابه «غاية الأماني» الذي ردّ به على النّبهانيّ ـ وهو كتاب لم يؤلّف مثله في هذا الباب ـ كلام نفيس؛ قاله ـ حرسه الله وأبقاه، ومن كلّ شرّ وهمّ نجّاه ووقّاه ـ عند نقل النّبهانيّ في كتابه «شواهد الحقّ» كلام السّبكيّ هذا وابن حجر المكيّ وأضرابها في جواز الاستغاثة والتّوسّل بالمخلوقين، وأنّهما بمعنى واحد: «أقول ـ ومن الله المعونة وبه أزمّة التّوفيق ـ: إنّ الكلام على ما حواه كلامه من الكذب والزّور والبطلان يطول جدًّا، فضلًا عمّا اشتملت عليه عبارته من الغلط وفساد التّركيب وسوء التّعبير؛ فكتابه كلّه ظلمات بعضها فوق بعض! فلو تكلّمنا على ذلك كلّه لطال الكلام، وكلّت عن رقمه الأقلام؛ فإنّ النّبهانيّ هذا هو من أعظم الغلاة المحادّين لله ورسوله، وكلامه كلّه باطل، وجهل مركّب، وبهت لأهل الحقّ، وليس فيه جملة واحدة توافق الحقّ أصلًا؛ فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه وجعلهم عبرة لأوليائه وعباده المؤمنين. أمّا مشروعيّة الاستغاثة؛ ففيها تفصيل: إذ (الاستغاثة بالشّيء) ـ على ما ذكره بعض المحقّقين ـ: طلب الإغاثة والغوث منه، كما أنّ الاستعانة طلب الإعانة منه، فإذا كانت بنِدَاء من المُستغيث للمُستغاث؛ كان ذلك سؤالًا منه، وظاهر أنّ ذلك ليس توسّلًا به إلى غيره؛ إذ قد جرت العادة أنّ مَن توسّل بأحد عند غيره أن يقول لمُستغاثه: أستغيثك على هذا الأمر بفلان؛ فيوجّه السّؤال إليه، ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المُستغاث به ويقول له: أرجو منك أو أريد منك وأستغيث بك، ويقول: إنّه وسيلتي إلى ربّي. وإن كان كما يقول؛ فما قدر المتوسّل الله حقّ قدره، وقد رجا وتوكّل والتجأ إلى غيره؛ كيف واستعمال العرب يأبي عنه؛ فإنّ مَن يقول: صار لي ضيق فاستغثتُ بصاحب القبر فحصل الفرج؛ يدلّ دلالة جليّة على أنّه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنّه توسّل به؛ بل إنّما يُراد هذا المعنى إذا قال: توسّلتُ أو استغثتُ عند الله بقلان، أو يقول لمستغاثه: استغثتُ إليك بفلان؛ فيكون حينئذ مدخول (الباء) متوسّلًا به، ولا يصحّ إرادة هذا المعنى إذا قلتَ: استغثتُ بفلان، وتريد التّوسّل به، سيّما إذا كنتَ داعيه وسائله؛ بل قولك هذا نصّ على أنّ مدخول (الباء) مستغاث وليس مستغاثًا به؛ والقرائن التي تكتنفه من الدُّعاء وقصر الرّجاء والالتجاء شهود وعدول، ولا محيد عمّ شهدت به ولا عدول؛ فهذه الاستغاثة وتوجّه القلب إلى المسؤول بالسّؤال والإنابة محظورة

стр. 269

على المسلمين؛ لم يشرعها لأحد من أُمّته رسول ربّ العالمين، وهل سمعتم أنّ أحدًا في زمانه ﷺ أو ممّن بعده في القرون المشهود لأجلها بالنّجاة والصّدق ـ وهم أعلم منّا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرّغائب ـ استغاث بمَن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلَّا الله؟! أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور، ولم يعبدوا إلَّا إيّاه؟! ولقد جرت عليهم أمور مهمّة وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته؛ فهل سمعتَ عن أحد منهم أنّه استغاث بالنّبيّ ﷺ ، أو قالوا: إنّا مستغيثون بك يا رسول الله؟! أم بلغك أنّهم لاذوا بقبره الشّريف ـ وهو سيّد القبور ـ حين ضاقت منهم الصُّدور؟! كلَّا؛ لا يمكن ذلهم ذلك، وإنّ الذي كان بعكس ما هنالك؛ فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم؛ فقال ـ عزّ من قائل ـ: ﴿إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم﴾ ؛ مبيّنًا لنا أنّ هذه الاستغاثة أخصّ الدُّعاء، وأجلى أحوال الالتجاء، وهي من لوازم السّائل المضطر الذي يضطر إلى طلب الغوث من غيره؛ فيخصّ نداءه لدى استغاثته بمزيد الإحسان في سرّه وجهره؛ ففي استغاثته بغيره ـ تعالى ـ عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته. فإن قلتَ: إنّ للمُستغاث بهم قدرة كسبيّة وتسببيّة؛ فتنسب الإغاية إليهم بهذا المعنى. قلنا له: إنّ كلامنا فيمَن يُستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلَّا الله، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلَّا الله. وأمّا فيما عدا ذلك ما يجري فيه التّعاون والتّعاضد بين النّاس واستغاثة بعضهم ببعض؛ فهذا شيء لا نقول به، ونعد منعه جنونًا، كما نعدّ إباحة ما قبله شركًا وضلالًا، وكون العبد له قدرة كسبيّة لا يخرج بها عن مشيئة ربّ البريّة؛ لا يُستغاث به فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، ولا يُستعان به، ولا يُتوكّل عليه، ولا يُلتجأ في ذلك إليه، فلا يُقال لأحد حيّ أو ميّت قريب أو بعيد: ارزقني، أو: أمتنى، أو: اشفِ مريضي ... إلى غير ذلك ممّا هو من الأفعال الخاصّة بالواحد الأحد الفرد الصّمد؛ بل يُقال لمَن له قدرة كسبيّة قد جرت العادة بحصولها ممّن أهّله الله لها: أعِنّى في حمل متاعي، أو غير ذلك. والقرآن

стр. 270

ناطق بحظر الدُّعاء عن كلّ أحد، لا من الأحياء ولا من الأموات، سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدُّعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها؛ فإنّ الأمور الغير مقدورة للعباد لا تُطلب إلَّا من خالق القدر ومنشئ البشر؛ كيف والدُّعاء عبادة، وهي مختصّة به ، أسبل الله علينا ـ بفضله ـ عفوه ورضوانه؛ فالقصر على ما تعبّدنا فيه من محض الإيمان، والعدول عنه عين المقت والخذلان. وهذه خلاصة ما ذكروه من جعل الاستغاثة والاستشفاع بغير الله شركًا ظاهرًا لا يُغفر، ومتعاطيه جاعل لله ندًّا؛ فيُذبَح بأمر الله ـ تعالى ـ وشرع رسول الله ﷺ إن لم يتب ويستغفر. وبالجملة: فالاستغاثة والاستعانة والتّوكّل أغصان دوحة التّوحيد المطلوب من العبيد. بقي ـ هاهنا ـ شيء يورده المجيزون على هؤلاء المانعين؛ وهو: أنّه لا شكّ أنّ مَن عبد غير الله مشرك حلال الدّم والمال، وأنّ الدُّعاء المختصّ بالله ـ سبحانه ـ عبادة، بل هو مخّ العبادة، ولكن لا نسلّم أنّ طالب الإغاثة ممّن استُغيث بهم شرك مطلقًا؛ وإنّما يكون شركًا لو كان المستغيث معتقدًا أنّهم هم الفاعلون لذلك خلقًا وإيجادًا؛ فحينئذٍ يكون من الشّرك الاعتقاديّ قطعًا، أمّا مَن اعتقدهم الفاعلين كسبًا وتسبّبًا فليس بمسلّم، ولئن سلّمنا؛ فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلَّا التّوسّل بهم وبجاههم، وإن كان اللّفظ ظاهرًا يدلّ على الطّلب منهم وأنّهم المطلوبون بهذا النّداء، لكنّ مقصود المُستغيث التّشفّع والتّوسّل بهم إلى ربّهم، و [هو] ﷺ من أشرف الوسائل إلى الله ، وقد أمرنا ـ سبحانه ـ بتطلّب ما يتوسّل به؛ فقال ـ تعالى ـ: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ؛ فكيف تحظرونها بل تجعلونها شركًا مخرجً عن الملّة، وليس في قلوب المسلمين إلَّا هذا المعنى؟! وإنّ في ذلك تكفير أكثر النّاس من غير ارتياب والتباس، وكيف تحكون على أناس قد أظهروا شعائر الإسلام ـ من أذان وصلاة وصوم وحجّ

стр. 271

وإيتاء زكاة ـ، يأتون بكلمة التّوحيد، ويحبّون الله، ويحبّون سيد المرسلين، ويتبلغون بالقبول التّامّ ما جاء عنهما من أمور الدّين؟! وغاية الأمر: أنّهم لرهبتهم من ربّهم ومعرفتهم بعلوّ مرتبة نبيّهم وما وعده الله ـ سبحانه ـ من إرضائه في أُمّته ـ كما قال (سبحانه) : ﴿ولسوف يعطيك ربّك فترضى﴾ ـ، ولا يرضى ﷺ إلَّا بأن يقف لأُمّته في مثل هذه التّوسّلات؛ فينالوا الرّغبات. وليس في أقوالكم هذه إلَّا تنقّص بحقّ هذا النّبيّ الذي أوجب الله علينا حبّه أكثر من محبّتنا لأنفسنا، وفي مثل ذلك بشاعة في القول وشناعة بطريق الأولى! فالجواب عنه منهم؛ أن قالوا: أمّا أوّل اعتراضكم وقولكم: «إنّه ليس مقصودهم إلَّا التّوسّل ـ وإن تكلّموا بما يفيد غيره ـ» ؛ فإنّه يدلّ على أنّ الشّرك لا يكون إلَّا اعتقاديًّا، وأنّه لا يكون كفرًا إلَّا إذا طابق الاعتقاد، وهذا يقتضي سدّ أبواب الشّرائع بأسرها، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الرّدة وزمحقها! كيف وأنّ الله ـ سبحانه ـ يقول: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ ، وقال ـ سبحانه ـ: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ ، وقد ذكر المفسّرون أنّهم قالوها على جهة المزح؟! وكذلك العلماء كفّروا بألفاظ سهلة جدًّا، وبأفعال تدلّ على ما هو دون ذلك؟! ولو فتحنا هذا الباب؛ لأمكن لكلّ مَن تكلّم بكلام يُحكم على قائله بالرّدّة أن يقول: لِمَ تحكمون برِدّتي؟! فيذكر احتمالًا ـ ولو بعيدًا ـ يخرج [به] عمّا كفر فيه! ولما احتاج إلى توبة، ولا توجّه عليه لوم أبدًا! ولساغ لكلّ أحد أن يتكلّم بكلّ ما أراد؛ فتُسَدّ الأبواب المتعلّقة بأحكام الألفاظ ـ من: حدّ قذف، وكفارة يمين، وظهار ـ، ولانسدّت أبواب العقود ـ من: نكاح، وطلاق، وغير ذلك من الفسوخ والمعاملات ـ؛ فلا يتعلّق حكم من الأحكام بأيّ لفظ كان إلَّا إذا اعتقد المعنى، وإن أفيد بوضع الألفاظ!

стр. 272

وأمّا ما ذكرتم من أنّه «أشرف الوسائل» ؛ فهي كلمة حق أُريد بها باطل؛ كقلوكم: [إنّه] ذو الجاه العريض والمقام المنيع. ونحن أولى بهذا المقام منكم؛ لاتّباعنا لأقواله وأفعاله، واقتدائنا به ﷺ في جميع أحواله، مقتفين لآثاره، واقفين عند أخباره؛ فهو ﷺ نبيّنا وهادينا إلى سبيل الإسلام، ومنقذنا برسالته من مهاوي أولئك الجفاة الطّغام؛ فلا نعمل إلَّا بأمره، ونتلقّى ذلك بالسّمع والطّاعة في حلوه ومرّه، وقد أوجب علينا أن نتّبع سبيل المؤمنين، ونهانا عن الغلوّ في الدّين؛ فإن غلونا فإنّنا إذًا عن الصّراط ناكبون، ولئن عدلنا إذًا لخاسرون. وكيف يحسن طريق يؤدي إلى الإشراك؟! وأنّى يليق بالموحّدين هذا الوجه المؤدّي للارتباك؟! وهذا طريق سلفنا الصّالح، وهو الاعتقاد الصّحيح الرّاجح. هذا؛ وإنّ النّبيّ ﷺ وأرواحنا له فداء ـ لا يرضى بما يُغضِب الرّبّ المتعال، وكيف لا وقد بُعث بحماية التّوحيد من هذه الأقوال والأفعال؟! وقد قالت عائشة ﵂ عن خُلُق النّبيّ ﷺ : «كان خُلُقه القرآن» ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فليس لنا وسيلة إلى الله إلَّا الدُّعاء المبنيّ على أصول الذُّلّ والافتقار والثّناء؛ فهو الوسيلة التي أمرنا الله ـ سبحانه ـ بالتّوسّل به، وجعله من أفضل الوسائل، وأخبرنا أنّه مخّ عبادته تحقيقًا لعبوديّتنا؛ فسدّ به عن غيره أبواب الذّرائع. وقد اختلف العلماء ـ بعد أن اتّفقوا على: استحباب سؤال الله ـ تعالى ـ[به] وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وبصالح أعمالنا التي حصلت لنا بمحض كرمه وإفضاله ـ في: جواز التّوسّل بالذّوات المنيفة، والأماكن والأوقات الشّريفة: فعن العِزّ بن عبد السّلام ومَن تابعه: عدم الجواز إلَّا بالنّبيّ ﷺ ؛ حيث صحّ الحديث؛ فيجوز، ويكون ذلك خاصًّا به؛

стр. 273

لعلوّ مرتبته. وعن الحنابلة ـ في أصحّ القولَين ـ: مكروه كراهة تحريم. ونقل الفقهاء الحنفيّة عن بشر بن الوليد أنّه قال: سمعتُ أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلَّا به» ، وفي جميع متونهم: أنّ قول الدّاعي المتوسّل بحقّ الأنبياء والرّسل وبحقّ البيت والمشعر الحرام: مكروه كراهة تحريم. [وقال القدوريّ] : المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنّه لا حقّ للمخلوق على الخالق، وأمّا حديث: «أسألك بحقّ السّائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، وبحقّ نبيّك والأنبياء من قبله» ؛ ففيها وهن، وعلى تسليمها؛ فالمراد بهذا

стр. 274

(الحقّ) : ما أوجبه الله ـ تعالى ـ على نفسه، وذلك من أفعاله؛ لأنّ حقّ السّائلين: الإجابة، وحقّ المطيعين: الإثابة، وحقّ الأنبياء: التّقريب والتّفضيل بما يخصّ أولئك العصابة ـ صلى الله تعالى عليهم وسلّم ـ؛ وذلك كقوله ـ تعالى ـ: ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾ ، وقوله: ﴿وعدًا عليه حقًّا في التّوراة والإنجيل والقرآن﴾ ، وقوله: ﴿كتب ربّكم على نفسه الرّحمة﴾ ، وقوله ﷺ : «حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله أن لا يعذّبهم» . أو: السّؤال بالأعمال؛ لأنّ المشيء إلى الطّاعة امتثالًا لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ؛ فمَن نظر إلى الأدعية الواردة في الكتاب والسُّنّة؛ لم يجدها خارجة عمّا ذكرنا؛ قال الله ـ تعالى ـ في دعاء المؤمنين: ﴿ربّنا إنّنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمِنوا بربّكم فآمنّا﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربّنا آمنّا فاغفر لنا وارحمنا وأنتَ خير الرّاحمين﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ عن الحواريّين: ﴿ربّنا آمنّا بما أنزلتَ واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين﴾ ، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: «إنّك أمرتني فأطعتُك، ودعوتَني فأجبتُك؛ فاغفر لي» ، ودعاء النّبيّ ﷺ الذي جمعه العلماء لا يخرج عن هذا النّمط، وخلاف ذلك يعدّ كالخروج عن جادّة الصّواب والشّطط؛ فاتّبع ـ أيّها النّاظر ـ نبيّك المصطفى تسلم من اللّغط والغلط.

стр. 275

هذا ما كان من تحرير مدّعى المانعين، وتقريره على وجه أبان عن لباب تلخيصهم بتسطيره. ثم أخذ يذكر الجواب عمّا استدلّ به المجوّزون؛ فإن أردتَ الوقوف عليه؛ فارجع إلى كتاب «العقد الثّمين» . فتبيّن ممّا قلناه: أنّ الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلَّا الله ـ تعالى ـ ممّا لا يجوز؛ فإنّ الاستغاثة دعاء، والدُّعاء عبادة، بل مخّ العبادة، وغير الله ـ تعالى ـ لا يُعبَد؛ بل هو المخصوص بالعبادة؛ فإذا أصاب النّاسَ جدبٌ وقحطٌ؛ فلا يُقال: يا رسول الله؛ ارفع عنّا القحط والجدب، وإذا نزل بالنّاس بلاء أو وباء؛ فلا يُقال: يار رسول الله، أو: يا جبريل، أو: يا ميكائيل؛ ارفع عنّا البلاء والوباء، وإذا مرض أحد؛ فلا يُقال: يا رسول الله؛ شافني وعافني، ولا غيره، وإذا احتاج أحد إلى زرق؛ فلا يقول: يا رسول الله؛ [ارزقني، ولا غيره، وإذا لم يكن لأحد ولد؛ فلا يجوز له أن يقول: يا رسول الله] ؛ أعطني ولدًا، وإذا كان في شدّة في برٍّ أو بحرٍ؛ فلا يجوز أن يقول: يا رسول الله؛ أدركني، أو: ألتجئ إليك، أو: أستغيث بك، أو نحو ذلك؛ بل كلّ ذلك شرك مخرج عن الدّين؛ لأنّه عبادة لغير الله. ونحن نوضّح المسألة ـ فقد زلّت فيها أقدام ـ؛ فنبيّن ـ أولًا ـ: معنى العبادة، ثم نذكر ما هو من خصائص الألوهيّة ـ ومن الله نستمدّ التّوفيق ـ: أمّا العبادة: فهي ـ في اللّغة ـ: الذُّلّ والانقياد. واصطلاحًا: اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظّاهرة؛ كالتّوحيد ـ فإنّه عبادة في نفسه ـ، والصّلاة والزّكاة والحجّ وصيام رمضان، والوضوء، وصلة الأرحام، وبرّ الوالدين، والدُّعاء، والذّكر، والقراءة، وحبّ الله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدّين له، والصّبر لحكمه، والشّكر لنعمه، والرّضا بقضائه، والتّوكّل عليه، والرّجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وغير ذلك مما رضيه وأحبّه؛ فأمر به وتعبّد النّاس فيه.

стр. 276

قال العلّامة عمر بن عبد الرحمن الفارسيّ في كشفه على الكشّاف للزّمخشريّ، عتد تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم﴾ : «وهو خطاب لمشركي أهل مكّة، ونقل عن علقمة أنّ كلّ خطاب بـ ﴿يا أيّها النّاس﴾ فهو مكيّ، وبـ ﴿يا أيّها الذين آمنوا﴾ فهو مدنيّ» ؛ ما لفظه: «تحرير الكلام فيه: أنّ العبادة قد تُطلق على: أعمال الجوارح، بشرط قصد القربة؛ ومنه: قوله ﷺ : «لفقيه واحد أشدّ على الشّيطان من ألف عابد» ، وهي على هذا غير الإيمان بمعنى التّصديق والنّيّة والإخلاص؛ بل مشروطة بها، وقد تُطلق على: التّحقّق بالعبوديّة بارتسام ما أمر السّيّد ـ جلّ وعلا ـ أو نهى، وعلى هذه؛ يتناول الأعمال والعقائد القلبيّة أيضًا؛ فيدخل فيها: الإيمان، وهو عبادة في نفسه وشرط لسائر العبادات» انتهى. وقال ابن القيّم في شرح «منازل السّائرين» ما نصّه: «فالعبادة تجمع أصلين: غاية الحبّ بغاية الذُّلّ والخضوع، والعرب تقول: طريق معبّد؛ أي: مذَلّل، والتّعبّد: التّذلّل والخضوع؛ فمَن أحببتَه ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومَن خضعتَ له بلا محبّة؛ لم تكن عابدًا له؛ حتى تكون محبًّا خاضعًا» . ثم قال ـ في مكان آخر من شرحه هذا ـ: «مراتب العبوديّة وأحكامها لكلّ واحد من القلب واللّسان والجوارح.

стр. 277

فواجب القلب: منه متّفق على وجوبه، ومختلف فيه: فالمتّفق على وجوبه: كالإخلاص والتّوكل والمحبّة والصبر والإنابة والخوف والرّجاء والتّصديق الجازم، والنّيّة للعبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص؛ فإنّ الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره. ونيّة العبادة لها مرتبتان: إحداهما: تميّز العبادة عن العادة. والثانية: تميّز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثّلاثة واجبة. وكذلك الصّدق، والفرق بينه وبين الإخلاص: أنّ للعبد مطلوبًا وطلبًا؛ فالإخلاص: توحيد مطلوبه، والصّدق: توحيد الطّلب؛ فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسمًا، والصّدق: أن لا يكون الطّلب منقسمًا؛ فالصّدق: بذل الجهد، والإخلاص: إفراد المطلوب. واتّفقت الأُمّة على [وجوب] هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة، وكذلك النّصح في العبودية ـ ومدار الدّين عليه ـ؛ وهو: بذل الجهد في إيقاع العبوديّة على الوجه المحبوب للرّبّ المرضيّ له، وأصل هذا واجب وكماله مرتبة المقرّبين. وكذلك كلّ واحد من هذه الواجبات القلبيّة له طرفان: واجب مستحقّ ـ وهو مرتبة أصحاب اليمين ـ، وكمال مستحبّ ـ وهو مرتبة المقرّبين ـ» انتهى ما قاله في بعض عبوديّة القلب. وعقّبه بعبوديّة اللّسان ـ الواجب منها والمستحبّ ـ، وعبوديّة الجوارح ـ الواجب منها والمستحبّ أيضًا ـ، ومَن اشتغل بالنّظر إلى أنواع العبادات؛ هان عليه تمييزها. والله الهادي إلى سواء السّبيل. وبالجملة؛ فكلّ عبادة فهي مقصورة على الإله الواحد؛ من أعمال القلوب والجوارح؛ فكما لو صلّى لغير الله أو صام على وجه التّقريب إليه؛ كان كافرًا مشركًا عند

стр. 278

جميع النّاس؛ فكذلك مَن تقرّب إليه بالأعمال القلبيّة المذكورة ـ من: التّوكّل والإنابة والخوف والرّجاء وغير ذلك ـ، لكن لما كانت هذه الأمور القلبيّة من التّألّه، وكان الأوّلون يتألّهون بها ويسمّون مَن تآله بها إلهًا، وكان مرجع كلّ ذلك إلى القلب وأعماله التي هي منبع التّوحيد ومصدر هذا الدّين والمرجع إليه في الشّك واليقين؛ ومع ذلك؛ فهي الفارقة بين الإله الحقّ الذي اختصّ بها على الدّوام، والإله الباطل الذي لا يحوم الموحّد حوله بهذا المقام؛ كان ذلك هو الدّاعي للتّخصيص والموجب للتّنصيص. وأيضًا؛ فالكلام على مَن حصل منه الشّرك بما تآلهه في قلبه ورسخ بفؤاده ولبّه من الأعمال الغير مختصّة بالمسلمين، وأمّا هذه الأعمال الظّاهرة الشّرعيّة المختصة بهم؛ فلا يتعاطاها أحد لمن سواه، ولم نرها تُعمَل إلَّا لله، ولم يعبدوا بها إلَّا إيّاه؛ فهذا هو الذي أوجب تخصيصهم لهذه الأعمال القلبيّة، وبعض البدنيّة ـ كالسُّجود وحلق الرأس عبوديّة ـ؛ وإلَّا فجميع العبادات ـ قلبيّها وقوليّها وبدنيّها ـ مختصّة به ؛ لا تصلح إلَّا له. قال المحقّق السّعد التّفتازانيّ في شرحه لـ «المقاصد» ما نصّه: «اعلم أنّ حقيقة التّوحيد: اعتقاد عدم الشّريك في الألوهيّة وخواتمها، ولا نزاع بين أهل الإسلام أن خلق الأجسام وتدبير العالم واستحقاق العبادة من الخواصّ» ، ثم قال في آخر هذا المبحث: «وبالجملة: فإنّ التّوحيد في الألوهيّة واجب شرعًا وعقلًا، وفي استحقاق العبادة شرعًا؛ ﴿وما أمروا إلَّا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلَّا هو سبحانه عمّا يشركون﴾ » انتهى. وقد أفرد شيخ الإسلام لتحقيق معنى العبادة رسالة مفيدة ـ وهي: رسالة «العبوديّة» ـ؛ فراجعها. وأمّا الثّاني ـ أعني: ما هو من خصائص الألوهيّة ـ: فاعلم أنّ توحيد الله ـ تعالى ـ بالتّعظيم ـ كما قاله العلّامة القرافيّ

стр. 279

في كتاب «الفروق» ـ ثلاثة أقسام: واجب إجماعًا، وغير واجب إجماعًا، ومختلف فيه: هل يجب توحيد الله ـ تعالى ـ به أم لا؟ القسم الأوّل (الذي يجب توحيد الله ـ تعالى ـ به) : من التّعظيم بالإجماع. [فذلك كالصّلوات]ـ على اختلاف أنواعها ـ، والصّوم ـ على اختلاف رتبه في الفرض والنّفل والنّذر ـ؛ فلا يجوز أن يفعل شيئًا من ذلك لغير الله ـ تعالى ـ، وكذلك الحجّ ونحو ذلك؛ أي: كالاستغاثة والاستعانة والالتجاء، وكذلك الخلق والرّزق، والإماتة والإحياء، والبعث والنّشر، والسّعادة والشّقاء، والهداية والإضلال، والطاعة والمعصية، والقبض والبسط؛ فيجب على كلّ أحد أن يعتقد توحيد الله ـ تعالى ـ وتوحّده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة، وإن أضيف شيء منها لغيره ـ تعالى ـ؛ فإنّما ذلك على سبيل الرّبط العاديّ، لا أنّ ذلك المشار إليه فعل شيئًا [حقيقة؛ كقلونا: قتله السّم، وأحرقته النّار، وأرواه الماء؛ فليس شيء من ذلك يفعل شيئًا] ممّا ذكر حقيقة؛ بل الله ـ تعالى ـ ربط هذه المسبّبات بهذه الأسباب كما شاء وأراد، ولو شاء لم يربطها، وهو الخالق لمسبّباتها عند وجودها، لا أنّ تلك الأسباب هي الموجودة. وكذلك إخبار الله ـ تعالى ـ عن عيسى ﵇ أنّه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص؛ معناه: أنّ الله ـ تعالى ـ كان يحيي الموتى ويبرئ عند إرادة عيسى ﵇ لذلك، لا أنّ عيسى ﵇ هو الفاعل لذلك حقيقة؛ بل الله ـ تعالى ـ هو الخالق لذلك، ومعجزة عيسى ﵇ في ذلك ربط وقوع ذلك الإحياء وذلك الإبراء بإرادته؛ فإنّ غيره يريد ذلك ولا يلزم إرادته ذلك؛

стр. 280

فاللّزوم بإرادته هو معجزته ﵇، وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات الله ـ تعالى ـ هو خالقها. وكذلك يجب توحيده ـ تعالى ـ باستحقاق لعبادة والإلهيّة، وعموم تعلّق صفاته ـ تعالى ـ؛ فيتعلّق علمه بجميع المعلومات، وإرادته بجميع الكائنات، وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات» . انتهى ما أردتُ نقله من هذا الكتاب المذكور، وهو كتاب جليل مفرد في بابه، جعله مصنّفه في مجلّدين؛ أتى على كلّ شبهة تمسّك بها المبتدعون الذين أجازوا أن يُعبد مع الله غيره، وقد طُبع في مصر. وقد علمتَ بما نقلناه منه: الفرق بين (الاستغاثة) و (الاستعانة) و (التّشفّع) و (التّوجّه) و (التّوسّل) ، وأنّ الذي جعل ذلك كلّه بمعنى واحد فقد أخطأ وضلّ ضلالًا بعد الهدى. [ونسأل الله ـ تعالى ـ] أن يجنبنا طريق الردى، آمين.

стр. 281

فصل وممّا يوضّح هذه المسألة ويكشفها لمَن أرادها، ويكون هو فصل المقال فيها: ما قاله الإمام الفاضل صاحب كتاب «الدّين الخالص» ـ المطبوع في الهند ـ؛ قال فيه ما نصّه: «باب: في سؤال عن التّوسّل بالأموات وكذلك الأحياء، والاستغاثة بهم ومناجاتهم عند الحاجة، وتعظيم قبورهم، واعتقاد أنّ لهم قدرة على قضاء حوائج المحتاجين، وإنجاح طلبات السّائلين، وما حكم مَن فعل شيئًا من ذلك؟ وهل يجوز قصد قبور الصّالحين لتأدية الزّيارة ودعاء الله عندها، من غير استغاثة بهم؛ بل التّوسّل بهم فقط؟ والجواب عليه؛ قال ﵁: فأقول ـ مستعينًا بالله ـ: اعلم أنّ الكلام على هذه الأطراف يتوقّف على إيضاح ألفاظ هي منشأ الاختلاف والالتباس؛ فمنها: الاستغاثة ـ بالغين المعجمة والمثلّثة ـ، ومنها: الاستعانة ـ بالعين المهملة والنّون، ومنها: التّشفّع، ومنها: التّوسّل. فأمّا (الاستغاثة) ـ بالمعجمة والمثلثة ـ فهي: طلب الغوث؛ وهو: إزالة الشّدّة؛ كالاستنصار؛ وهو: طلب النّصر. ولا خلاف أنّه يجوز أن يُستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال؛ فهو في غاية الوضوح، وما أظنّه يوجد فيه خلاف؛ ومنه: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوّه﴾ ، وكما قال: ﴿وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر) ، وكما قال ـ تعالى ـ:

стр. 282

﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى﴾ . وأمّا ما لا يقدر عليه إلَّا الله؛ فلا يُستغاث فيه إلَّا به؛ كغفران الذّنوب، والهداية، وإنزال المطر، والرزق، ونحو ذلك؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ومَن يغفر الذّنوب إلَّا الله﴾ ، وقال: ﴿إنّك لا تهدي مَن أحببت ولكنّ الله يهدي مَن يشاء﴾ ، وقال: ﴿يا أيّها النّاس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السّماء والأرض﴾ . وعلى هذا؛ يُحمل ما أخرجه الطّبرانيّ في «معجمه الكبير» : أنّه كان في زمن النّبيّ ﷺ منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق؛ فقال ﷺ : «إنّه لا يُستغاث بي؛ وإنّما يُستغاث بالله» ؛ فمراده ﷺ : أنّه لا يُستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأمّا ما يقدر عليه المخلوق؛ فلا مانع من ذلك؛ مثل: أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، أو: يحول بينه وبين عدوّه الكافر، أو: يدفع عنه سبعًا صائلًا، أو لصًّا، أو نحو ذلك. وقد ذكر أهل العلم: أنّه يجب على كلّ مكلف أن يعلم أن: لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلَّا الله ، وأنّ كلّ غوث من عنده، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره؛ فالحقيقة له ـ سبحانه ـ، ولغيره مجاز، ومن أسمائه: المغيث والغياث. قال أبو عبد الله الحليميّ: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال: يا غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشّدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلّصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصّحيحين: «اللهمّ أغثنا، اللهمّ أغثنا» ، إغاثة وغياثة وغوثًا،

стр. 283

وهو في معنى: المجيب والمستجيب؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم﴾ الآية، إلَّا أنّ الإغاثة أحقّ بالأفعال، والاستجابة بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة في بعض فتاواه ما لفظه: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرّسول ﷺ ما هو اللائق بمنصبه؛ لا ينازع فيه مسلم، ومَن نازع في هذا المعنى فهو إمّا كافر وإمّا مخطئ ضالّ. وأمّا بالمعنى الذي نفاها ﷺ أيضًا يجب نفيها، ومَن أثبتَ لغير الله ما لا يكون [إلَّا] لله؛ فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحُجّة التي يكفر تاركها. ومن هذا الباب: قول أبي يزيد البسطاميّ: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشّيخ أبي عبد الله القرشيّ: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وأمّا الاستعانة وأمّا الاستعانة ـ بالنّون ـ فهي: طلب العون. ولا خلاف أنّه يجوز أن يُستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدُّنيا؛ كأن: يستعين [به] على أن يحمل معه متاعه، أو يعلف دابّته، أو يُبلّغ رسالته. وأمّا ما لا يقدر عليه إلَّا الله ﷻ ؛ فلا يُستعان إلَّا به؛ ومنه: ﴿إيّاك نعبد وإيّاك نستعين﴾ . وأمّا التّشفّع بالمخلوق: فلا خلاف بين المسلمين أنّه يجوز طلب الشّفاعة من

стр. 284

المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدُّنيا؛ وثبت بالسُّنّة المتواترة واتّفاق جميع الأئمّة أنّ نبيّنا ﷺ هو الشّافع المشّفع، [و] أنّه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأنّ النّاس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربّه، ولم يقع الخلاف إلَّا في كونها لمحو ذنوب المذنبين أو لزيادة ثواب المطيعين، ولم يقل أحد من المسلمين بنفيها قط. وفي سنن أبي داود: أنّ رجلًا قال للنّبي ﷺ : إنّا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله؛ فقال: «شأن الله أعظم من ذلك، إلَّا أنّه لا يُستشفع به على أحد من خلقه» ؛ فأقرّه عل ىقول: نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك. وسيأتي تمام الكلام في الشّفاعة. أمّا التّوسّل إلى الله ـ سبحانه ـ بأحد من خلقه في مطلب العبد من ربّه: فقد قال الشّيخ عِزّ الدّين بن عبد السّلام: إنّه لا يجوز التّوسّل إلى الله ـ تعالى ـ إلَّا بالنّبيّ ﷺ ، إن صحّ الحديث فيه. ولعلّه يشير إلى: الحديث الذي أخرجه النّسائي في «سننه» ، والتّرمذيّ في «صحيحه» ، وابن ماجه، وغيرهم: أنّ أعمى أتى النّبيّ ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله؛ إنّي أُصبت في بصري؛ فادعُ الله لي؛ فقال له النّبيّ ﷺ : «توضأ، وصلّ ركعتين، ثم قل: اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد، يا محمّد؛ إنّي أستشفع بك في ردّ بصري، اللهمّ شفّع النّبيّ فيّ» ، وقال: «فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» ؛ فردّ الله بصره. وللنّاس في معنى هذا قولان: أحدهما: أنّ التّوسّل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لمّا قال: «كنّا إذا أجدبنا نتوسّل

стр. 285

بنبيّنا إليك فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا» ، وهو في «صحيح البخاريّ» وغيره؛ فقد ذكر عمر ﵁ أنّهم كانوا يتوسّلون بالنّبيّ ﷺ في حياته في الاستسقاء، ثم توسّل بعمّه العبّاس بعد موته، وتوسّلهم هو استسقاؤهم؛ بحيث يدعو ويدعون معه؛ فيكون هو وسيلتهم إلى الله ـ تعالى ـ، والنّبيّ ﷺ كان في مثل هذا شافعًا وداعيًا لهم. والقول الثاني: أنّ التّوسّل به ﷺ يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه. ولا يخفاك أنّه قد ثبت التّوسّل به ﷺ في حياته، وثبت التّوسّل بغيره بعد موته بإجماع الصّحابة إجماعًا سكوتيًّا؛ لعدم إنكار أحد منهم على عمر ﵁ في توسّله بالعبّاس ﵁. وعندي: أنّه لا وجه لتخصيص جواز التّوسّل بالنّبيّ ﷺ كما زعمه الشّيخ عِزّ الدين بن عبد السّلام؛ لأمرين: الأوّل: ما عرّفناك [به] من إجماع الصّحابة ﵃. والثّاني: أنّ التّوسّل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو ـ في التّحقيق ـ توسّل بأعمالهم الصّالحة ومزاياهم الفاضلة؛ إذ لا يكون الفاضل فاضلًا إلَّا بأعماله. فإذا قال القائل: اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بالعالم الفلانيّ؛ فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في «الصّحيحين» وغيرهما: أنّ النّبيّ ﷺ حكى عن الثّلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة، أنّ كلّ واحد منهم توسّل إلى الله بأعظم عمل عمله؛ فارتفعت الصّخرة؛ فلو كان
следующие страницы →