← Акыда

Акыда · id 9063

الكشف المبدي

محمد بن حسين الفقيه

Полный текст (406 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فصل وممّا يوضّح هذه المسألة ويكشفها لمَن أرادها، ويكون هو فصل المقال فيها: ما قاله الإمام الفاضل صاحب كتاب «الدّين الخالص» ـ المطبوع في الهند ـ؛ قال فيه ما نصّه: «باب: في سؤال عن التّوسّل بالأموات وكذلك الأحياء، والاستغاثة بهم ومناجاتهم عند الحاجة، وتعظيم قبورهم، واعتقاد أنّ لهم قدرة على قضاء حوائج المحتاجين، وإنجاح طلبات السّائلين، وما حكم مَن فعل شيئًا من ذلك؟ وهل يجوز قصد قبور الصّالحين لتأدية الزّيارة ودعاء الله عندها، من غير استغاثة بهم؛ بل التّوسّل بهم فقط؟ والجواب عليه؛ قال ﵁: فأقول ـ مستعينًا بالله ـ: اعلم أنّ الكلام على هذه الأطراف يتوقّف على إيضاح ألفاظ هي منشأ الاختلاف والالتباس؛ فمنها: الاستغاثة ـ بالغين المعجمة والمثلّثة ـ، ومنها: الاستعانة ـ بالعين المهملة والنّون، ومنها: التّشفّع، ومنها: التّوسّل. فأمّا (الاستغاثة) ـ بالمعجمة والمثلثة ـ فهي: طلب الغوث؛ وهو: إزالة الشّدّة؛ كالاستنصار؛ وهو: طلب النّصر. ولا خلاف أنّه يجوز أن يُستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال؛ فهو في غاية الوضوح، وما أظنّه يوجد فيه خلاف؛ ومنه: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوّه﴾ ، وكما قال: ﴿وإن استنصروكم في الدّين فعليكم النّصر) ، وكما قال ـ تعالى ـ:

стр. 282

﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى﴾ . وأمّا ما لا يقدر عليه إلَّا الله؛ فلا يُستغاث فيه إلَّا به؛ كغفران الذّنوب، والهداية، وإنزال المطر، والرزق، ونحو ذلك؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿ومَن يغفر الذّنوب إلَّا الله﴾ ، وقال: ﴿إنّك لا تهدي مَن أحببت ولكنّ الله يهدي مَن يشاء﴾ ، وقال: ﴿يا أيّها النّاس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السّماء والأرض﴾ . وعلى هذا؛ يُحمل ما أخرجه الطّبرانيّ في «معجمه الكبير» : أنّه كان في زمن النّبيّ ﷺ منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق؛ فقال ﷺ : «إنّه لا يُستغاث بي؛ وإنّما يُستغاث بالله» ؛ فمراده ﷺ : أنّه لا يُستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأمّا ما يقدر عليه المخلوق؛ فلا مانع من ذلك؛ مثل: أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، أو: يحول بينه وبين عدوّه الكافر، أو: يدفع عنه سبعًا صائلًا، أو لصًّا، أو نحو ذلك. وقد ذكر أهل العلم: أنّه يجب على كلّ مكلف أن يعلم أن: لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلَّا الله ، وأنّ كلّ غوث من عنده، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره؛ فالحقيقة له ـ سبحانه ـ، ولغيره مجاز، ومن أسمائه: المغيث والغياث. قال أبو عبد الله الحليميّ: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال: يا غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشّدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلّصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصّحيحين: «اللهمّ أغثنا، اللهمّ أغثنا» ، إغاثة وغياثة وغوثًا،

стр. 283

وهو في معنى: المجيب والمستجيب؛ قال ـ تعالى ـ: ﴿إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم﴾ الآية، إلَّا أنّ الإغاثة أحقّ بالأفعال، والاستجابة بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة في بعض فتاواه ما لفظه: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرّسول ﷺ ما هو اللائق بمنصبه؛ لا ينازع فيه مسلم، ومَن نازع في هذا المعنى فهو إمّا كافر وإمّا مخطئ ضالّ. وأمّا بالمعنى الذي نفاها ﷺ أيضًا يجب نفيها، ومَن أثبتَ لغير الله ما لا يكون [إلَّا] لله؛ فهو أيضًا كافر إذا قامت عليه الحُجّة التي يكفر تاركها. ومن هذا الباب: قول أبي يزيد البسطاميّ: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشّيخ أبي عبد الله القرشيّ: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وأمّا الاستعانة وأمّا الاستعانة ـ بالنّون ـ فهي: طلب العون. ولا خلاف أنّه يجوز أن يُستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدُّنيا؛ كأن: يستعين [به] على أن يحمل معه متاعه، أو يعلف دابّته، أو يُبلّغ رسالته. وأمّا ما لا يقدر عليه إلَّا الله ﷻ ؛ فلا يُستعان إلَّا به؛ ومنه: ﴿إيّاك نعبد وإيّاك نستعين﴾ . وأمّا التّشفّع بالمخلوق: فلا خلاف بين المسلمين أنّه يجوز طلب الشّفاعة من

стр. 284

المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدُّنيا؛ وثبت بالسُّنّة المتواترة واتّفاق جميع الأئمّة أنّ نبيّنا ﷺ هو الشّافع المشّفع، [و] أنّه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأنّ النّاس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربّه، ولم يقع الخلاف إلَّا في كونها لمحو ذنوب المذنبين أو لزيادة ثواب المطيعين، ولم يقل أحد من المسلمين بنفيها قط. وفي سنن أبي داود: أنّ رجلًا قال للنّبي ﷺ : إنّا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله؛ فقال: «شأن الله أعظم من ذلك، إلَّا أنّه لا يُستشفع به على أحد من خلقه» ؛ فأقرّه عل ىقول: نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك. وسيأتي تمام الكلام في الشّفاعة. أمّا التّوسّل إلى الله ـ سبحانه ـ بأحد من خلقه في مطلب العبد من ربّه: فقد قال الشّيخ عِزّ الدّين بن عبد السّلام: إنّه لا يجوز التّوسّل إلى الله ـ تعالى ـ إلَّا بالنّبيّ ﷺ ، إن صحّ الحديث فيه. ولعلّه يشير إلى: الحديث الذي أخرجه النّسائي في «سننه» ، والتّرمذيّ في «صحيحه» ، وابن ماجه، وغيرهم: أنّ أعمى أتى النّبيّ ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله؛ إنّي أُصبت في بصري؛ فادعُ الله لي؛ فقال له النّبيّ ﷺ : «توضأ، وصلّ ركعتين، ثم قل: اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد، يا محمّد؛ إنّي أستشفع بك في ردّ بصري، اللهمّ شفّع النّبيّ فيّ» ، وقال: «فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» ؛ فردّ الله بصره. وللنّاس في معنى هذا قولان: أحدهما: أنّ التّوسّل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لمّا قال: «كنّا إذا أجدبنا نتوسّل

стр. 285

بنبيّنا إليك فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا» ، وهو في «صحيح البخاريّ» وغيره؛ فقد ذكر عمر ﵁ أنّهم كانوا يتوسّلون بالنّبيّ ﷺ في حياته في الاستسقاء، ثم توسّل بعمّه العبّاس بعد موته، وتوسّلهم هو استسقاؤهم؛ بحيث يدعو ويدعون معه؛ فيكون هو وسيلتهم إلى الله ـ تعالى ـ، والنّبيّ ﷺ كان في مثل هذا شافعًا وداعيًا لهم. والقول الثاني: أنّ التّوسّل به ﷺ يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه. ولا يخفاك أنّه قد ثبت التّوسّل به ﷺ في حياته، وثبت التّوسّل بغيره بعد موته بإجماع الصّحابة إجماعًا سكوتيًّا؛ لعدم إنكار أحد منهم على عمر ﵁ في توسّله بالعبّاس ﵁. وعندي: أنّه لا وجه لتخصيص جواز التّوسّل بالنّبيّ ﷺ كما زعمه الشّيخ عِزّ الدين بن عبد السّلام؛ لأمرين: الأوّل: ما عرّفناك [به] من إجماع الصّحابة ﵃. والثّاني: أنّ التّوسّل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو ـ في التّحقيق ـ توسّل بأعمالهم الصّالحة ومزاياهم الفاضلة؛ إذ لا يكون الفاضل فاضلًا إلَّا بأعماله. فإذا قال القائل: اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بالعالم الفلانيّ؛ فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في «الصّحيحين» وغيرهما: أنّ النّبيّ ﷺ حكى عن الثّلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة، أنّ كلّ واحد منهم توسّل إلى الله بأعظم عمل عمله؛ فارتفعت الصّخرة؛ فلو كان

стр. 286

التّوسّل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركًا ـ كما يزعمه المتشدّدون في هذا الباب (كابن عبد السّلام ومَن قال بقوله من أتباعه) ؛ لم تحصل الإجابة من الله لهم، ولا سكت النّبيّ ﷺ عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم؛ وبهذا [تعلم] أنّ ما يورده المانعون من التّوسّل إلى الله ـ تعالى ـ بالأنبياء والصّلحاء من نحو قوله ـ تعالى ـ: ﴿ما نعبدهم إلَّا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ، ونحو قوله ـ تعالى ـ: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ ، ونحو قوله ـ تعالى ـ: ﴿له دعوة الحقّ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ ؛ ليس بوارد؛ بل هو من الاستدلال على محلّ النزاع بما هو أجنبيّ عنه؛ فإنّ قولهم ﴿ما نعبدهم إلَّا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ مصرّح بأنّهم عبدوهم لذلك، والمتوسّل بالعالم ـ مثلًا ـ لم يعبده؛ بل علم أنّ له مزية عند الله بحمله العلم؛ فتوسّل به لذلك. وكذلك قوله: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ ؛ فإنّه نهى عن أن يدعى مع الله غيره؛ كأن يقول: بالله وبفلان، والمتوسّل بالعالم ـ مثلًا ـ لم يدعُ إلَّا الله، وإنّما وقع منه التّوسّل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده، كما توسّل الثّلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة بصالح أعمالهم. وكذلك قوله: ﴿والذين يدعون من دونه﴾ الآية؛ فإنّ هؤلاء دعوا مَن لا يستجيب [لهم] ، ولم يدعوا ربّهم الذي يستحبب لهم، والمتوسّل بالعالم ـ مثلًا ـ لم يدعُ إلا الله، ولم يدع غيره دونه، ولا [دعا] غيره معه. وإذا عرفتَ هذا؛ لم يخفَ عليك دفع ما يورده

стр. 287

المانعون للتّوسّل من الأدِلّة الخارجة عن محلّ النّزاع خروجًا زائدًا على ما ذكرناه؛ كاستدلالهم بقوله ـ تعالى ـ: ﴿وما أدراك ما يوم الدّين * ثم ما أدراك ما يوم الدّين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله﴾ ؛ فإنّ هذه الآية الشّريفة ليس [فيها] إلَّا أنّه ـ تعالى ـ المنفرد بالأمر في يوم الدّين، وأنّه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسّل بنبيّ من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أنّ لمَن توسّل به مشاركة لله ﷻ في أمر يوم الدّين، ومَن اعتقد هذا لعبد من العباد ـ سواء كان نبيًّا أو غير نبيّ ـ فهو في ضلال مبين. وهكذا الاستدلال على منع التّوسّل بقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ، ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا﴾ ؛ فإنّ هاتين الآيتين مصرّحتان بأنّه ليس لرسول الله ﷺ من أمر الله شيء، وأنّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ فكيف يملك لغيره؟! وليس فيها منع التّوسّل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله ﷺ المقام المحمود ـ مقام الشّفاعة العظمى ـ، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه، وقال له: «سل تُعط، واشفع تُشفّع» ، وقيّد ذلك في كتابه العزيز بأنّ الشّفاعة لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمَن ارتضى. ولعلّه يأتي تحقيق هذا المقام ـ إن شاء الله تعالى ـ. وهكذا الاستدلال على منع التّوسّل بقوله ﷺ ، لما نزل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ : «يا فلان بن فلان؛ لا أملك لك من الله شيئًا، يا فلانة بنت فلان؛ لا أملك لكِ من الله شيئًا» ؛ فإنّ هذا ليس فيه إلَّا التّصريح بأنّه ﷺ لا يستطيع نفع مَن أراد الله ـ تعالى ـ

стр. 288

ضرّه، ولا ضرّ مَن أراد الله نفعه، وأنّه لا يملك لأحد من قرابته ـ فضلًا عن غيرهم ـ شيئًا من الله، وهذا معلوم لكلّ مسلم، وليس فيه أنّه لا يتوسّل به إلى الله؛ فإنّ ذلك هو طلب الأمر ممّن له الأمر والنهي؛ وإنّما أراد الطّالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سببًا للإجابة ممّن هو المتفرّد بالعطاء والمنع، وهو مالك يوم الدّين. وإذا عرفتَ هذا؛ فاعلم أنّ الرزيّة كلّ الرّزيّة، والبليّة كلّ البليّة؛ أمر غير ما ذكرنا من التّوسّل المجرّد والتّشفّع بمَن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواصّ في أهل القبور، وفي المعروفين بالصّلاح من الأحياء؛ من أنّهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلَّا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلَّا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم؛ فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالًا، ويصرّحون بأسمائهم، ويعظّمونهم تعظيم مَن يملك الضّرّ والنّفع، ويخضعون لهم خضوعًا زائدًا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربّهم في الصّلاة والدُّعاء! وهذا إذا لم يكن شركًا فلا ندري ما هو الشّرك! وإذا لم يكن كفرًا فليس في الدُّنيا كفر! وها نحن نقصّ عليك أدلّة في كتاب الله وفي سُنّة وفي سنة رسوله ﷺ فيها المنع ممّا هو دون هذا بمراحل، وفي بعضها التّصريح بأنّه شرك، وهو بالنّسبة إلى هذا الذي ذكرناه يسير حقير. ثم بعد ذلك نعود إلى الكلام على مسألة السؤال. فمن ذلك: ما أخرجه أحمد في «مسنده» ، بإسناد لا بأس به، عن عمران بن حصين، أنّ النّبيّ ﷺ رأى [رجلًا] بيده حلقة من صُفر؛ فقال: ما هذه؟ قال من

стр. 289

الواهنة؛ قال: «انزعها؛ فإنّها لا تزيدك إلَّا وهنًا، ولو متَّ وهي عليك ما أفلحت» . وأخرج أيضًا، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «مَن تعلّق تميمة فلا أتمّ الله له، ومَن تعلّق ودعة فلا ودع له» ، وفي رواية: «مَن تعلّق تميمة فقد أشرك» .

стр. 290

ولابن أبي حاتم، عن حذيفة أنّه رأى رجلًا في يده خيط للحمّى؛ فقطعه وتلا: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلَّا وهم مشركون﴾ . وفي «الصّحيح» ، عن أبي بشير الأنصاريّ أنّه كان مع النّبيّ ﷺ في بعض أسفاره؛ فأرسل رسولًا: «ألا يبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر إلَّا قُطعت» . وأخرج أحمد وأبو داود، عن ابن مسعود: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرّقى

стр. 291

والتّمائم والتّولة شرك» . وأخرج أحمد والتّرمذيّ، عن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَن تعلّق شيئًا وُكل إليه» . وأخرج أحمد، عن رويفع قال: قال رسول الله ﷺ : «يا رويفع؛ لعلّ الحياة ستطول بك؛ فأخبر النّاس أنّ مَن عقد لحيته أو تقلّد وترا أو استنجى برجيع دابّة أو عظم؛ فإنّ محمّدًا بريء منه» . فانظر كيف جعل الرّقى والتّمائم والتّولة شركًا؛ وما ذلك إلَّا لكونها مظنّة لأن يصحبها اعتقاد أنّ لغير الله تأثيرًا في الشّفاء من الدّاء، وفي المحبّة والبغضاء؛ فكيفه بمَن نادى غير الله وطلب منه ما لا يُطلَب إلَّا من الله، واعتقد استقلاله بالتّأثير أو اشتراكه مع الله . ومن ذلك: ما أخرجه التّرمذيّ ـ وصحّحه ـ، عن أبي واقد الليثيّ قال: خرجنا مع

стр. 292

رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم، يُقال لها: ذات أنواط؛ فمررنا بسدرة؛ فقلنا: يا رسول الله؛ اجعل لنا ذات أنواط! فقال النّبيّ ﷺ : «الله أكبر! قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون﴾ ؛ لتركبنّ سنن مَن كان قبلكم» . فهؤلاء إنّما طلبوا أن يجعل لهم شجرة ينوطون بها أسلحتهم كما كانت الجاهلية تفعل ذلك، ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشّجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريّون من أهل القبور؛ فأخبرهم ﷺ أنّ ذلك بمنزلة الشّرك الصّريح، وأنّه بمنزلة طلب آلهة غير الله ـ تعالى ـ. ومن ذلك: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» ، عن عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ قال: حدّثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله مَن ذبح لغير الله، لعن الله مَن لعن والدَيه، لعن الله مَن آوى محدثًا، لعن الله مَن غيّر منار الأرض» . وأخرج أحمد، عن طارق بن شهاب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «دخل رجل الجنّة في ذباب، ودخل النّار رجل في ذباب» ؛ قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مَرّ رجلان

стр. 293

على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرّب إليه شيئًا؛ فقالوا لأحدهم: قرّب ولو ذبابًا؛ [فقرّب ذبابًا] ؛ فخَلّوا سبيله؛ فدخل النار. وقالوا للآخر: قرّب؛ فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد غير الله ؛ فضربوا عنقه؛ فدخل الجنّة. فانظر لعنَه ﷺ لمَن ذبح لغير الله، وإخباره بدخول مَن قرّب لغير الله النّار، وليس في ذلك إلَّا مجرّد كون ذلك مظنّة للتّعظيم الذي لا ينبغي إلَّا لله؛ فما ظنّك بما كان شركًا بحتًا؟! وقال بعض أهل العلم: إنّ إراقة دماء الأنعام عبادة؛ لأنّها إمّا هدي أو أضحية أو نسك، وكذلك ما يُذبح للبيع ـ لأنّه مكسب حلال ـ؛ فهو عبادة. ويتحصّل من ذلك شكل قطعي؛ هو: أنّ إراقة دماء الأنعام عبادة، وكلّ عبادة لا تكون إلَّا لله؛ فإراقة دماء الأنعام لا تكون إلَّا لله، ودليل الكبرى: قوله ـ تعالى ـ: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ، ﴿فإيّاي فاعبدون﴾ ، ﴿إيّاك نعبد﴾ ، ﴿وقضى ربّك ألَّا تعبدوا إلَّا إيّاه﴾ ، ﴿وما أُمروا إلَّا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّين﴾ . ومن ذلك: أنّه ﷺ نهى عن الحلف بغير الله؛ فقال: «مَن حلف فليحلف بالله أو ليصمت» ، وقال: «مَن حلف بملّة غير الإسلام لم يرجع إلى الإسلام سالمًا» ـ

стр. 294

أو كما قال ـ. [و] سمع رجلًا يحلف باللّات والعزّى؛ فأمره أن يقول: لا إله إلَّا الله. وأخرج التّرمذيّ ـ وحسّنه ـ والحاكم ـ وصحّحه ـ، من حديث [ابن] عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك» . وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها أنّ الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام؛ ذلك لكون الحلف بشيء مظنّة تعظيمه؛ فكيف بما كان شركًا محضًا

стр. 295

يتضمّن التّسوية بين الخالق والمخلوق في طلب النّفع أو استدفاع الضّرّ، وقد يتضمّن تعظيم المخلوق زيادة على تعظيم الخالق ـ كما يفعله كثير من المخذولين ـ؛ فإنّهم يعتقدون أنّ لأهل القبور من جلب النّفع ورفع الضّرّ ما ليس لله ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ. فإن أنكرتَ هذا؛ فانظر أحوال كثير من هؤلاء المخذولين؛ فإنّك تجدهم كما وصف الله : ﴿وإذا ذُكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر

стр. 296

الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ . ومن ذلك: ما ثبت في «الصّحيحين» عنه ﷺ عند موته أنّه كان يقول: «لعن الله اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ؛ يُحذّر ما صنعوا. وأخرج مسلم، عن جندب بن عبد الله، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ مَن كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد؛ إنّي أنهاكم عن ذلك» . وأخرج أحمد ـ بسند جيّد ـ وأبو حاتم في «صحيحه» ، عن ابن مسعود مرفوعًا: «إنّ من شرار النّاس مَن تدركهم السّاعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد» . والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها التّصريح بلعن مَن اتّخذ القبور مساجد، مع أنّه لا يعبد إلا الله؛ وذلك لقطع ذريعة التّشريك، ودفع وسيلة التّعظيم. وورد ما يدلّ على أنّ عبادة الله عند القبور بمنزلة اتّخاذها أوثانًا تُعبَد: أخرج مالك في «الموطأ» ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وبالغ في ذلك حتى لعن زائرات القبور؛ كما أخرجه أهل السُّنَن، من حديث ابن عبّاس قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسّرج» .

стр. 297

ولعل وجه تخصيص النّساء بذلك لما في طبائعهنّ من النّقص المفضي إلى الاعتقاد والتّعظيم بأدنى شبهة، ولا شكّ أنّ علّة النّهي عن جعل القبور مساجد وعن تسريجها وتجصيصها ورفعها وزخرفتها هي: ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة؛ كما ثبت في «الصّحيح» ، عن عائشة ﵂ أنّ أمّ سلمة ذكرت لرسول

стр. 298

الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصّور؛ فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرّجل أو العبد الصّالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّرا فيه تلك الصّور؛ أولئك شرار الخلق عند الله» . ولابن خزيمة، عن مجاهد: ﴿أفرأيتم اللَّات والعزّى﴾ قال: «كان يلت له السّويق، فمات؛ فعكفوا على قبره» . وكلّ عاقل يعلم أنّ لزيادة الزّخرفة للقبور وإسبال السّتور الرّائقة عليها وتسريجها والتّأنّق في تحسينها تأثيرًا في طبائع غالب العوامّ؛ ينشأ عنه التّعظيم والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئًا ممّا يتعلّق بالأحياء؛ وبهذا السبب اعتقدت كثيرٌ من الطوائف الإلهيّةَ في أشخاص كثيرة! ورأيتُ في بعض كتب التاريخ أنّه قدم رسول لبعض الملوك على بعض خلفاء بني العبّاس؛ فبالغ الخليفة في التّخويل على ذلك الرسول، وما زال أعوانه ينقلونه من رتبة إلى رتبة؛ حتى وصل إلى المجلس الذي يقعد الخليفة في برج من أبراجه، وقد جمّل ذلك المنزل بأبهى الآيات، وقعد فيه أبناء الخلفاء وأعيان الكبراء، وأشرف الخليفة من ذلك البرج، وقد انخلع قلب ذلك الرسول ممّا رأى؛ فلمّا وقعت عيناه على الخليفة؛ قال لمن هو قابض على يده من الأمراء: أهذا الله؟! فقال ذلك الأمير: بل هذا خليفة الله. فانظر [ما] صنع ذلك التّحسين بقلب هذا المسكين!

стр. 299

ورُوي لنا أنّ بعض أهل جهات القبلة وصل إلى القبّة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين ـ صاحب ذي بين ـ (رحمة الله) ؛ فرآها وهي مسرجة بالشّمع، والبخور ينفخ في جوانبها، وعلى القبر السّتور الفائقة؛ فقال عند وصوله إلى الباب: أمسيتَ بالخير يا أرحم الراحمين!!! وفي «الصّحيح» ، عن ابن عبّاس ﵄، في قوله ـ تعالى ـ ﴿وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ قال: «هذه أسماء [رجال] من قوم نوح، لمّا هلكوا أوحى الشّيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابًا، وسمّوها بأسمائهم؛ ففعلوا، فلم يُعبدوا، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبِدَت» . وقال غير واحد من السّلف: «لمّا ماتوا عكفوا على قبورهم» . ومن ذلك: ما أخرجه أحمد ـ بإسناد جيّد ـ، عن قطن بن قبيصة عن أبيه، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن العيافة والطرق والطّيرة من الجبت» ، وأخرجه أبو داود والنّسائي

стр. 300

وابن حبّان أيضًا. وأخرج أبو داود ـ بسند صحيح ـ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن اقتبس شعبة من النّجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السّحر» . وأخرج النّسائيّ من حديث أبي هريرة ﵁: «من عقد عقدة ثم نفث فيها؛ فقد سحر، ومَن سحر فقد أشرك، ومَن تعلّق شيئًا وُكل إليه» . وهذه الأمور إنّما كانت من الجبت والشّرك؛ لأنّها مظنّة للتّعظيم الجالب للاعتقاد الفاسد. ومن ذلك: ما أخرجه أهل السُّنن والحاكم ـ وقال: صحيح على شرط الشّيخين ـ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه؛ فقد كفر بما أُنزل على محمّد» .

стр. 301

وأخرج أبو يعلى ـ بسند جيّد ـ، موقوفًا: «مَن أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمّد» ، وأخرج نحوه الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس، بسند حسن. والعلة الموجبة للحكم بالكفر ليست إلَّا اعتقاد أنّه مشارك لله في علم الغيب، مع أنّه ـ في الغالب ـ يقع غير مصحوب بهذا الاعتقاد، ولكن مَن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ومن ذلك: ما في «الصّحيحين» وغيرهما، عن زيد بن خالد قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصّبح على إثر سماء كانت من الليل، فلمّا انصرف أقبل على الناس بوجهه الشّريف؛ فقال: هل تدرون ماذا قال ربّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأمّا مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأمّا مَن قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن

стр. 302

بالكواكب» . ولا يخفى على العارف أنّ العلة في الحكم بالكفر هي: ما في ذلك من إيهام المشاركة، وأين هذا ممّن يصرّح في دعائه عندما يمسّه الضّرّ بقوله: يا الله ويا فلان، و: على الله وعلى فلان؛ فإنّ هذا يعبد إلهين ويدعو اثنين! وأمّا مَن قال: مُطرنا بنوء كذا؛ فهو لم يقل: أمطره ذلك النّوء؛ بل: أمطر به، وبين الأمرين فرق ظاهر. ومن ذلك: ما أخرجه مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك؛ مَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركه» . وأخرج أحمد، عن أبي سعيد مرفوعًا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال» ؛ قالوا: بلى. قال: «الشّرك الخفيّ؛ يقوم الرجل فيزيّن صلاته لما يراه من نظر رجل» . ومن ذلك: قوله ـ تعالى ـ: ﴿فمَن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربّه أحدًا﴾ ؛ فإذا كان مجرّد الرّياء الذي هو فعل الطّاعة لله ، مع محبّة أن يطّلع عليها غيره أو يثني بها أو يستحسنها شركًا؛ فكيف بما هو محضّ الشّرك؟! ومن ذلك: ما أخرجه النّسائي أن يهوديًّا أتى النّبيّ ﷺ ؛ فقال: إنّكم تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة! فأمرهم النّبيّ ﷺ أن يقولوا: «وربّ الكعبة» ، وأن يقولوا: «ما شاء الله ثم شئت» .

стр. 303

وأخرج النّسائي أيضًا، عن ابن عبّاس مرفوعًا: أنّ رجلًا قال: ما شاء الله وشئتَ؛ قال: «أجعلتني لله ندًّا؟! ما شاء الله وحده» . وأخرج ابن ماجه، عن الطفيل قال: رأيتُ كأنّي أتيتُ على نفر من اليهود؛ فقلت: إنّكم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: عُزير ابن الله! وقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمّد! ثم مررتُ بنفر من النّصارى؛ فقلتُ: إنّكم لولا أنّكم تقولون: المسيح ابن الله! وقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد! [فلمّا أصبحتُ أخبرتُ بها مَن أخبرتُ، ثم أتيتُ النّبيّ ﷺ فأخبرتُه؛ قال: هل أخبرتَ بها أحدًا؟ قلتُ: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أمّا بعد؛ فإنّ طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنّكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنها كم عنها؛ فلا تقولوا: ما شاء محمد] ؛ ولكن [قولوا] : ما شاء الله وحده» . والوارد في هذا الباب كثير، وفيه: أنّ التّشريك في المشيئة بين الله ورسوله أو غيره من عبيده فيه نوع من الشّرك؛ ولهذا جُعل ذلك في هذا المقام الصّالح كشرك اليهود والنّصارى بإثبات ابن لله ، وفي تلك الرّواية السّابقة أنّه إثبات ندّ لله .

стр. 304

ومن ذلك: قوله ﷺ لمَن قال: «مَن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصمها فقد غوى» : «بئس خطيب القوم أنتَ» ، وهو في «الصّحيح» . وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس، في تفسير قوله: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ أنّه قال: «الأنداد أخفى من دبيب النّمل على صفاة سوداء في ظلمة اللّيل، وهو أن يقول: والله! وحياتِك يا فلان! وحياتي! ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا [اللّصوص] ، ولولا البطّ [في الدار] لأتى اللّصوص، ويقول الرّجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. [لا تجعل فيها فلان؛ فإنّ] هذا كلّه شرك» انتهى. ومن ذلك: ما ثبت في «الصّحيحين» ، من حديث أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربّك، وضئ ربّك، ولا يقل أحدكم: عبدي وأَمَتي؛ وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» . ووجه هذا النّهي: ما يفهم من مخاطبة السّيد بمخاطبة العبد لربّه، والرّب لعبده، وإن لم يكن ذلك مقصودًا. ومن ذلك: ما ثبت في «الصّحيحين» ، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ـ تعالى ـ: ومَن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبّة أو شعيرة» . ولهما، عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابًا يوم

стр. 305

القيامة الذين يضاهون خلق الله» . ولهما، عن ابن عبّاس ﵄: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كلّ مصوّر في النار يُجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسًا يعذّب بها في جهنّم» . ولهما، عنه مرفوعًا: «مَن صوّر صورة في الدُّنيا كُلّف أينفخ فيها الرّوح، وليس بنافخ» . وأخرج مسلم، عن أبي الهياج قال: قال لي عليّ: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : «ألّا تدع صورة إلَّا طمستَها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويتَه» . فانظر إلى ما في هذه الأحاديث من الوعيد الشّديد للمصوّرين؛ لكونهم فعلوا فعلًا يشبه فعل الخالق، وإن لم يكن ذلك مقصودًا لهم، وهؤلاء القبوريّون قد جعلوا بعض خلق الله شريكًا له ومثلًا وندًّا؛ فاستغاثوا به فيما لا يُستغاث فيه إلَّا بالله، وطلبوا منه ما لا يُطلب إلَّا من الله، مع القصد والإرادة. ومن ذلك: ما أخرجه النّسائيّ ـ بسند جيّد ـ، عن عبد الله بن الشّخّير قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى النّبيّ ﷺ ؛ فقلنا: أنتَ سيّدنا؛ قال: «السّيد الله ﵎» ، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا؛ قال: «قولوا بقولكم [أو بعض قولكم] ، ولا يستجرينّكم الشّيطان ـ وفي رواية: لا يستهوينّكم الشّيطان ـ، أنا محمد عبد الله ورسوله؛ ما أحبّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » . وبالجملة: فالوارد عن الشّرع من الأدِلّة الدّالّة على قطع ذرائع الشّرك وهدم كلّ

стр. 306

شيء يوصل إليه في غاية الكثرة، ولو رمتُ حصر ذلك على التّمام؛ لجاء في مؤلّف بسيط؛ فلنقتصر على هذا المقدار، ونتكلّم على حكم ما يفعله القبوريّون من الاستغاثة بالأموات، ومناداتهم لقضاء الحاجات، وتشريكهم مع الله في بعض الحالات، وإفرادهم بذلك في بعضها؛ فنقول: اعلم أنّ الله لم يبعث رسله ولم ينزّل كتبه لتعريف خلقه بأنّه الخالق لهم والرّازق لهم ونحو ذلك؛ فإنّ هذا يقرّ به كلّ مشرك ... ثم ذكر الآيات القرآنيّة الدّالّة على إلإخلاص التّوحيد لله وحده، الذي من أجله أنزل كتبه وأرسل رسله ليكون الدّين كلّه له، وبيّن أنّ المشركين لم يكونوا يعتقدون في شركائهم الاستقلال بالضّرّ والنّفع؛ بل كانوا يعتقدون فيهم أنّهم وسائط وشفعاء إلى الله ؛ كما أخبرنا عنهم بقوله: ﴿ما نعبدهم إلَّا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ، ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ . فإذا وازنتَ بين ما يفعله النّاس اليوم ـ من نداء غير الله، والاستعانة به، والاستغاثة به، والالتجاء إليه في النّوائب والشّدائد، والخضوع له عند قبره ـ، وبين ما كانت تفعله المشركون بآلهتهم؛ لم تجد فرقًا بين الفريقين. إلى أن قال: وإذا تقرّر هذا؛ فلا شكّ أنّ مَن اعتقد في ميّت من الأموات أوحيّ من الأحياء أنّه يضرّه أو ينفعه ـ إمّا استقلالًا أو مع الله (تعالى) ـ، وناداه أو توجّه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق؛ فلم يخص التّوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدُّعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضّرّ عنه هو نوع من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا ـ كما يفعل ذلك الجاهليّة ـ، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات ـ كما يفعله الآن كثير من المسلمين ـ، وكلّ عالم يعلم هذا ويقرّ به؛ فإنّ العلّة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك معه غيره يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحيّ كما يكون للميّت؛ فمَن زعم أنّ ثمّ فرقًا بين مَن اعتقد في وثن من الأوثان

стр. 307

أنّه يضرّ أو ينفع، وبين مَن اعتقد في ميّت من بني آدم أوحيّ منهم أنّه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلَّا الله ـ تعالى ـ؛ فقد غلط غلطًا بيّنًا، وأقرّ على نفسه بجهل كثير؛ فإنّ الشّرك هو دعاء غير الله ـ تعالى ـ في الأشياء التي تختصّ به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التّقرّب إلى غيره بشيء مما لا يتقرّب به إلَّا إليه. ومجرّد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا ـ بالصّنم والوثن والإله ـ لغير الله زيادة على التّسمية بالوليّ والقبر والمشهد ـ كما يفعله كثير من المسلمين ـ؛ بل الحكم واحد إذا حصل لمَن يعتقد في الوليّ والقبر ما كان يحصل لمَن كان يعتقد في الصّنم والوثن؛ إذ ليس الشّرك هو بمجرّد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسمّيات؛ بل الشّرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختصّ به ـ سبحانه ـ، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهليّة، أو أطلق عليه اسمًا آخر؛ فلا اعتبار بالاسم قط، ومَن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحقّ أن يُخاطب بما يُخاطب به أهل العلم! وقد علم كلّ عالم أنّ عبادة الكفّار للأصنام لم تكن إلا بتّعظيمها واعتقاد أنّها تضرّ وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة، والتّقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كلّه قد وقع من المعتقدين في القبور؛ فإنّهم قد عظّموها إلى حدّ لا يكون إلا لله ـ سبحانه ـ، بل ربّما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد مَن يعتقده أو قريبًا منه؛ مخافة تعجيل العقوبة من ذلك [الميّت] ! وربّما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك! وربّما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبًا، ولم يحلف بالميّت الذي يعتقده! وأمّا اعتقادهم أنّها تضرّ وتنفع؛ فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدعُ أحد منهم ميّتًا أو حيًّا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضرّ؛ قائلًا: يا فلان؛ افعل لي كذا وكذا، و: على الله وعليك، و: أنا بالله وبك!

стр. 308

وأمّا التّقرّب للأموات؛ فانظر ماذا يجعلونه من النّذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلّات، ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله ـ تعالى ـ؛ لم يفعل! وهذا معلوم يعرفه مَن عرف أحوال هؤلاء. فإن قلتَ: إنّ هؤلاء القبوريّين يعتقدون أنّ الله هو الضّارّ والنّافع، والخير والشّر بيده، وإن استغاثوا بالأموات؛ قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله ـ سبحانه ـ. قلتُ: وهكذا كانت الجاهليّة؛ فإنّهم يعلمون أنّ الله هو الضّارّ والنّافع، وأنّ الخير والشّرّ بيده، وإنّما عبدوا أصنامهم لتقرّبهم إلى الله زلفى؛ كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز. نعم؛ إذا لم يحصل من المسلم إلَّا مجرّد التّوسّل ـ الذي قدمنا تحقيقه ـ؛ فهو كما ذكرناه سابقًا، ولكن مَن زعم أنّه لم يقع منه إلَّا مجرّد التّوسّل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميّت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرّد الاعتقاد؛ فتقرّب إلى الأموات بالذّبائح والنّذور، وناداهم مستغيثًا بهم عند الحاجة؛ فهذا كاذب في دعواه أنّه متوسّل فقط؛ فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك؛ فالمتوسَّل به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح، ولا تعظيم [ولا اعتقاد؛ لأنّ المدعو هو الله ـ سبحانه ـ، وهو أيضًا المجيب، ولا تأثير لمَن وقع به التّوسّل قط؛ بل هو بمنزلة التّوسّل] بالعمل الصّالح؛ فأيّ جدوى في رشوة مَن قد صار تحت أطباق الثّرى بشيء من ذلك؟ وهل هذا إلَّا فعل مَن يعتقد التّأثير اشتراكًا أو استقلالًا؟ ولا عدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدّعاوي الباطلة العاطلة، بل مَن زعم أنّه لم يحصل منه إلَّا مجرّد التّوسّل وهو يقول بلسانه: يا فلان؛ مناديًا لمَن يعتقده من الأموات؛ فهو كاذب على نفسه، ومَن أنكر حصول النّداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالًا؛

стр. 309

فليخبرنا: ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن العجيل! يا زيلعي! يا ابن علوان! يا فلان! يا فلان! وهل ينكر هذا منكر، أو يشكّ فيه شاكّ؟! وما عدا ديار اليمن؛ فالأمر فيها أطمّ [وأعظم] وأعمّ! ففي كل قرية ميّت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى أنّهم في حرم الله ينادون: يا ابن عبّاس! يا محجوب! فما ظنّك بغير ذلك؟! فلقد تلطّف إبليس وجنوده ـ أخزاهم الله ـ لغالب أهل الملّة الإسلاميّة بلطفية تزلزل الأقدام عن الإسلام؛ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. أين مَن يعقل معنى ﴿إنّ الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ ، ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ ، ﴿له دعوة الحقّ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ ؟! وقد أخبرنا الله أنّ الدُّعاء عبادة في محكم كتابه؛ بقوله ـ تعالى ـ: ﴿ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين﴾ ، وأخرج أبو داود والتّرمذي ـ وقال: «حسن صحيح» ـ، من حديث النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الدعاء هو العبادة» ، وفي رواية: «مخّ العبادة» ، ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية المذكورة. وأخرج [أيضًا] النّسائيّ وابن ماجه والحاكم وأحمد وابن أبي شيبة باللفظ

стр. 310

المذكور. وكذلك النّحر للأموات عبادة لهم، والنّذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتّعظيم عبادة لهم، كما أنّ النّحر للنّسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله بلا خلاف، ومَن زعم أنّ ثمّ فرقًا بين الأمرين؛ فليهده إلينا! ومَن قال: إنّه لم يقصد بدعاء الأموات والنّحر لهم والنّذر عليهم عبادتَهم؛ فقل له: فلأيّ مقتضى صنعتَ هذا الصّنيع؟! فإنّ دعاءك للميّت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبّر عنه لسانك؛ فإن كنتَ تهذي نزول بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم؛ فأنتَ مصاب بعقلك! وهكذا إن كنتَ تنحر لله؛ فلأيّ معنى جعلتَ ذلك للميّت، وحملتَه إلى قبره؟! فإنّ الفقراء على ظهر البسيطة في كلّ بقعة من بقاع الأرض! وفعلك وأنتَ عاقل لا يكون إلَّا لمقصد قد قصدتَه، أو أمر قد أردتَه؛ وإلا فأنتَ مجنون قد رُفِعَ عنك القلم! ولا نوافقك على دعوى الجنون إلَّا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين؛ فإن كنتَ تصدرها مصدر أفعال العقلاء؛ فأنتَ تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه؛ فرارًا عن أن يلزمك ما لزم عبّاد [الأصنام و] الأوثان الذين حكى عنهم الله في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ ، وبقوله: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبًا ممّا رزقناهم تالله لتسألنّ عمّا كنتم تفترون﴾ . فإن قلتَ: إنّ المشركين كانوا لا يقرّون بكلمة التّوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرّون بها! قلتُ: هؤلاء إنّما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم؛ فإنّ مَن استغاث بالأموات،

стр. 311

أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلَّا الله ـ سبحانه ـ، أو عظّمهم، أو نذر عليهم بجزء من ماله، أو نحر لهم؛ فقد نزّلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال؛ فهو لم يعتقد معنى (لا إله إلَّا الله) ، ولا عمل بها؛ بل خالفها اعتقادًا وعملًا؛ فهو في قوله (لا إله إلَّا الله) كاذب على نفسه؛ فإنّه قد جعل إلهًا غير الله يعتقد أنّه يضرّ وينفع، وعبده بدعائه عند الشّدائد، والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إيّاه، ونحر له النّحائر، وقرّب إليه نفائس الأموال، وليس مجرّد قوله (لا إله إلَّا الله) من دون عمل بمعناها مثبتًا للإسلام؛ فإنّه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا. فإن قلتَ: قد أخرج أحمد بن حنبل والشّافعي في «مُسندَيهما» ، من حديث عبيد الله بن عديّ بن الخيار، أنّ رجلًا من الأنصار حدّثه أنّ رجلًا أتى النّبيّ ﷺ وهو في مجلسه؛ فسارّه ييستأذنه في قتل رجل من المنافقين؛ فجهر رسول الله ﷺ فقال: «أليس يشهد أن لا إله إلَّا الله؟» ؛ قال الأنصاريّ: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: «أليس يشهد أنّ محمّدًا رسول الله؟» ؛ قال: بلى، ولكن لا شهادة له! قال: «أليس يصلّي؟» ؛ قال: بلى، ولا صلاة له!

стр. 312

قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» . وفي «الصّحيحين» ، من حديث أبي سعيد، في قصة الرّجل الذي قال: يا رسول الله؛ اتّق الله. وفيه: فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله؛ ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا؛ لعلّه أن يكون يصلّي» ؛ فقال خالد: كم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنِّي لم أومر أن أنقّب عن قلوب الناس ولا أشقّ قلوبهم» . ومنه: قوله ﷺ لأسامة ابن زيد ﵁، لمّا قتل رجلًا من الكفّار بعد أن قال (لا إله إلَّا الله) ؛ فقال له ﷺ : «فما تصنع بـ (لا إله إلَّا الله) ؟» ؛ فقال: يا رسول الله؛ إنّما قالها تقيّة! [فقال: «هل شققتَ عن قلبه؟» . هذا معنى الحديث] ، وهو في «الصّحيح» . قلتُ: ولا شكّ أنّ مَن قال (لا إله إلَّا الله) ، ولم يتبيّن من أفعاله ما يخالف معنى التّوحيد؛ فهو مسلم محقون الدّم والمال، إذا جاء بأركان الإسلام المذكورة [في

стр. 313

حديث] : «أُمرتُ أن أقاتل النّاس حتى يقولوا (لا إله إلَّا الله) ، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، ويحجّوا البيت، ويصوموا رمضان» ، وهكذا مَن قال (لا إله إلَّا الله) متشهدًا بها شهادة الإسلام ولم يكن قد مضى عليه من الوقت ما يجب فيه شيء من أركان الإسلام؛ فالواجب حمله على الإسلام؛ [عملًا] بما أقرّ به لسانه، وأخبر به مَن أراد قتاله؛ ولهذا قال ﷺ لأسامة بن زيد ما قال. وأمّا مَن تكلّم بكلمة التّوحيد، وفعل أفعالًا تخالف التّوحيد ـ كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات ـ؛ فلا ريب أنّه قد تبيّن من حالهم خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم بالتّوحيد. ولو كان مجرّد التّكلّم بكلمة التّوحيد موجبًا للدخول في الإسلام والخروج من الكفر، سواء فعل المتكلّم بها ما يطابق التّوحيد أو يخالفه؛ لكانت نافعة لليهود مع أنّهم يقولون: عزير ابن الله، وللنّصارى مع أنّهم يقولون: المسيح ابن الله، وللمنافقين مع أنّهم يكذّبون بالدِّين ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجميع هذه الطوائف الثّلاث يتكلمون بكلمة التّوحيد! بل لم تنفع الخوارج ـ فإنّهم من أكمل النّاس توحيدًا وأكثرهم عبادة ـ؛ وهم كلاب النّار، وقد أمرنا رسول الله ﷺ بقتلهم، مع أنّهم لم يشركوا [بالله، ولا خالفوا معنى (لا إله إلَّا الله) ؛ بل وحّدوا الله توحيده، وكذلك المانعون الزّكاة هم موحّدون لم يشركوا] ، ولكنّهم تركوا ركنًا من أركان الإسلام؛ ولهذا أجمعت الصّحابة ﵃ على قتالهم؛ بل دلّ الدّليل الصّحيح المتواتر على ذلك؛ وهو الأحاديث الواردة بألفاظ؛ منها: «أُمرتُ أن أقاتل النّاس حتى يقولوا (لا إله إلَّا الله) ، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، ويحجّوا البيت، ويصوموا رمضان؛ فإذا فعلوا ذلك؛ فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلَّا بحقّها» ؛

стр. 314

فمَن ترك أحد هذه الخمسة؛ لم يكن معصوم الدّم ولا المال، وأعظم من ذلك: تارك معنى التّوحيد، أو المخالف له بما يأتي به من الأفعال. اهـ. فإن قلتَ: هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأنّ ما يفعلونه شرك؛ بل لو عُرض أحدهم على السّيف لم يقرّ بأنّه مشرك بالله، ولا فاعل لما هو شرك، ولو علم أدنى علم أنّ ذلك شرك لم يفعله! قلتُ: الأمر كما قلتَ، ولكنّ الأمر لا يخفى عليك، كما تقرّر في أسباب الرّدّة: أنّه لا يُعتبر في ثبوتها العلم بمعنى ما قاله مَن جاء بلفظ كفريّ أو فعل فعلًا كفريًّا. وعلى كل حال؛ فالواجب على من اطّلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتّصف بها المعتقدون في الأموات: أن يبلّغهم الحُجّة الشّرعيّة، ويبيّن لهم ما أمره الله بيانه، وأخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه؛ كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز؛ فيقول لمَن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث بهم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النّذور، وينحر لهم النّحور، ويعظّمهم تعظيم الرّبّ ـ سبحانه ـ: إنّ هذا الذي يفعلونه هو الشّرك الذي كانت عليه الجاهليّة، وهو الذي بعث الله رسوله بهدمه، وأنزل كتبه في ذمّه، وأخذ على النّبيّين أن يبلغوا عباده أنّهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التّوحيد ويعبدوه وحده؛ فإذا علموا بهذا علمًا لا يبقى معه شكّ ولا شبهة، ثم أصرّوا على ما هم فيه من الطّغيان والكفر بالرحمن؛ وجب عليه أن يخبرهم بأنّهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله ﷺ من الهداية؛ فقد حلّت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا؛ وإلّا فالسّيف هو الحكم العدل؛ كما نطق به الكتاب والسُّنّة في إخوانهم من المشركين! فإن قلتَ: فقد ورد الحديث الصّحيح بأنّ الخلائق يوم القيامة يأتون آدم فيدعونه

стр. 315

ويستغيثونه به، ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمّدا ﷺ . قلتُ: أهل المحشر إنّما يأتون هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله ـ سبحانه ـ ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف. وهذا جائز؛ فإنّه مَن طلب الشّفاعة والدُّعاء المأذون فيهما؛ وقد كان الصّحابة يطلبون من رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم؛ كما في الحديث: «يا رسول الله؛ ادعُ الله أن يجعلني منهم» ـ لمّا أخبرهم بأنّه يدخل الجنّة سبعون ألف ـ، وحديث: «سبقك بها عكّاشة» ، وقول أم سليم: «يا رسول الله؛ [خادمك أنس، ادعُ الله له» ، وقول المرأة التي كانت تُصره: «يا رسول الله؛] ادعُ الله لي» ، [وآخر الأمر] سألته الدُّعاء بأن لا تنكشف عند الصّرع؛ فدعا لها. ومنه: إرشاده ﷺ لجماعة من الصّحابة بأن يطلبوا الدُّعاء من أويس القرنيّ

стр. 316

[الدُّعاء] إذا أدركوه. ومنه: ما ورد في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، وغير ذلك مما لا يحصر، حتى إنّ رسول الله ﷺ قال لعمر ـ لمّا خرج معتمرًا ـ: «لا تنسني يا أخيّ من دعائك» . فمَن جاء إلى رجل صالح واستمدّ منه أن يدعو له؛ فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات؛ بل هو سُنّة حسنة، وشريعة ثابتة، وهكذا طلب الشّفاعة ممّن جاءت الشّريعة المطهرة بأنّه من أهلها ـ كالأنبياء ـ؛ ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: «سَل تُعطه، واشْفع تُشفّع» ، وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به؛ كما في كتابه العزيز. والحاصل: أنّ طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك: الدُّعاء؛ فإنّه يجوز استمداده من كلّ مسلم ـ بل يحسن ذلك ـ، وكذلك الشّفاعة من أهلها الذين ورد الشّرع بأنّهم يشفعون. ولكن ينبغي أن يعلم [أنّ] دعاء مَن يدعو له لا ينفع إلَّا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وكذلك [شفاعة] مَن يشفع لا تكون إلَّا بإذن الله ـ كما ورد بذلك القرآن العظيم ـ؛ فهذا تقييد للمطلق، لا ينبغي العدول عنه بحال. واعلم أنّ من الشّبه الباطلة التي يوردها المعتقدون في الأموات: أنّهم ليسوا كالمشركين من أهل الجاهليّة؛ لأنّهم إنّما يعتقدون في الأولياء والصّالحين، وأولئك

стр. 317

اعتقدوا في الأوثان والشّياطين! وهذه الشّبهة داحضة، تنادي على صاحبها بالجهل؛ فإنّ الله ـ سبحانه ـ لم يعذر مَن اعتقد في عيسى ﵇، وهو نبيّ من الأنبياء؛ بل خاطب النّصارى بتلك الخطابات القرآنيّة؛ ومنها: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلَّا الحقّ إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله﴾ ، وقال لمن كان يعبد الملائكة: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم﴾ ، ولا شكّ أنّ عيسى والملائكة أفضل من هؤلاء الأولياء والصّالحين الذين صار هؤلاء القبوريّون يعتقدونهم ويغلون في شأنهم، مع أنّ رسول الله ﷺ هو أكرم الخلق على الله، وسيّد ولد آدم؛ وقد نهى أُمّته أن يغلو فيه كما غلت النّصارى في عيسى [﵇] ، ولم يتمثلوا [أمره، ولم يمتثلوا] ما ذكره الله في كتابه العزيز من قوله: ﴿ليس لكَ من الأمر شيء﴾ ، ومن قوله: ﴿وما أدراك ما يوم الدِّين * ثمّ ما أدراك ما يوم الدِّين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله﴾ ، وما حكاه عن رسول الله ﷺ أنّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وما قاله ﷺ لقرابته الذين أمره الله بإنذارهم بقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ؛ فقام داعيًا لهم ومخاطبًا لكلّ واحد منهم؛ قائلًا: «يا فلان بن فلان؛ لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فلانة بنت فلان؛ لا أغني عنكِ شيئًا. يا بني فلان؛ لا أغني عنكم من الله شيئًا» . فانظر ـ رحمك الله ـ ما وقع من كثير من هذه الأُمّة من الغُلُوّ المنهيّ عنه، المخالف لما في كتاب الله وسُنّة رسول الله ﷺ ؛ كما يقول صاحب «البردة» ـ رحمه الله تعالى ـ ما

стр. 318

نصّ هذا البيت: يا أكرم الخلق ما لي مَن ألوذُ به ... سواكَ عند حلول الحادث العمم! فانظر كيف نفى كلّ ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله ﷺ ! وغفل عن ذكر ربّه وربّ نبيّه؛ إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وهذا باب واسع، قد تلاعب الشّيطان بجماعة من أهل الإسلام؛ حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب، ودخلوا من الشّرك في أبواب بكثير من الأسباب؛ ومن ذلك: قول مَن يقول مخاطبًا لابن العجيل: هات لي منك يا ابن موسى إغاثة ... عاجلًا في سيرها حثاثة! فهذا محض الاستغاثة ـ التي لا تصلح لغير الله ـ لميّت من الأموات قد صار تحت أطباق الثّرى منذ مئين من السّنين! ويغلب على الظنّ أنّ مثل هذا البيت والبيت الذي قبله؛ إنّما وقعا من قائليهما لغفلة وعدم تيقّظ، ولا مقصد لهما إلَّا تعظيم جانب النّبوّة والولاية، ولو نُبّها لتنبّها ورجعا وأقرّا بالخطأ، وكثيرًا ما يعرض ذلك لأهل العلم والأدب والفطنة؛ وقد سمعنا ورأينا. فمَن وقف على [شيء من] هذا الجنس لحيّ من الأحياء؛ فعليه إيقاظه بالحُجَج الشّرعيّة؛ فإن رجع؛ وإلَّا كان الأمر فيه كما أسلفناه. وأمّا إذا كان القائل قد صار تحت أطباق الثّرى؛ فينبغي إرشاد الأحياء إلى ما في ذلك الكلام من الخلل، وقد وقع في

стр. 319

«البردة» و «الهمزيّة» شيء كثير من هذا الجنس، ووقع أيضا لمَن تصدّى لمدح نبيّنا محمّد ﷺ ولمدح الصّالحين والأئمّة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر، ولا يتعلّق بالاستكثار منه فائدة؛ فليس المراد إلَّا التّنبيه والتّحذير لمَن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد؛ ﴿وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين﴾ ، ﴿ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنتَ الوهّاب﴾ . واعلم أنّ ما حرّرناه وقرّرناه من أنّ كثيرًا ممّا يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيًّا في نفسه؛ بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير وشبّ [عليه] الصّغير، وهو يرى ذلك [ويسمعه] ، ولا [يرى ولا] يسمع مَن ينكره، بل ربّما يسمع مَن يُرغّب فيه ويندب النّاس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشّيطان للنّاس من قضاء حوائج مَن قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة وللعامّة فيهم اعتقاد، وربّما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون النّاس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميّت؛ ليستجلبوا منهم النّذور، ويستدرّوا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النّحائر، ويستخرجوا من عوامّ النّاس ما يعود عليهم وعلى مَن يعولونه، ويجعلوا ذلك مكسبًا ومعاشًا، وربّما يهوّلون على الزّائر لذلك الميّت بتهويلات، ويجمّلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشّموع، ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجمّ؛ فينبهر الزّائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القُرب من الميّت، والتّمسّح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات، ونجاح الطّلبات! مع خضوعهم واستكانتهم، وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النّحائر! فبمجموع هذه الأمور، مع تطاول الأزمنة وانقراض القرن بعد القرن؛ يظنّ الإنسان ـ في مبادئ عمره وأوائل أيّامه ـ أنّ ذلك من أعظم القربات وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلّمه من العلم بعد ذلك؛ بل يذهل عن كلّ حُجّة شرعيّة تدلّ على أنّ هذا هو الشّرك بعينه،

стр. 320

وإذا سمع مَن يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه؛ لأنّه يبعد كلّ البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطّاعات إلى كونه من أقبح المقبّحات وأكبر المحرّمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف ودبّ فيه الأخلاف، وتعاودته العصور وتناوبته الدّهور، وهكذا كلّ شيء يقلّد النّاس فيه أسلافهم، ويحكّمون العادات المستمرة، وبهذه الذّريعة الشّيطانية، والوسيلة الطّاغوتية بقى المشرك من الجاهليّة على شركه، واليهوديّ على يهوديّته، والنّصراني على نصرانيّته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتبدّلت الأُمّة بكثير من المسائل الشّرعية غيرها، وألفوا ذلك، وتمرّنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، ووأنسوا إليه حتى لو أراد مَن يتصدّى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشّرعيّة البيضاء النّقيّة التي تبدّلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طباعهم، ونالوا ذلك المرشد بكلّ مكروه، ومزّقوا عرضه بكلّ لسان، وهذا كثير [جدًّا] موجود في كلّ فرقة من الفرق، لا ينكره إلَّا مَن هو عنهم في غفلة. وانظر ـ إن كنتَ ممّن يعتبر ـ ما ابتليت به هذه الأُمّة من التّقليد للأموات في دين الله؛ حتى صارت كلّ طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين، ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به، وليتها وقفت عند عدم القبول والرّضا؛ لكنّها تجاوزت ذلك إلى الحطّ على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم وتبديعهم والتنفير عنهم، ثم تجاوزوا ذلك إلى التّفسيق والتّكفير، ثم زاد الشّرّ حتى صار أهل كلّ مذهب كأهل ملّة مستقلّة لهم نبيّ مستقلّ ـ وهو ذلك العالم الذي قلّدوه ـ! فليس الشّرع إلَّا ما قال به دون غيره، وبالغوا وغلوا؛ فجعلوا قوله مقدمًا على قول الله ورسوله! وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن؟! فإن أنكرتَ هذا؛ فهؤلاء المقلّدون على ظهر البسيطة قد ملئوا الأقطار الإسلاميّة؛ فاعمد إلى أهل كلّ مذهب؛ وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم هي مخالفة لكتاب الله أو لسُنّة رسوله، ثم أرشدهم إلى الرّجوع عنها إلى ما قال الله ورسوله؛ وانظر بماذا يجيبونك! فما أظنّك تنجو من شرّهم، ولا تأمن من مضرّتهم، وقد يستحلّون لذلك دمك ومالك! وأورعهم يستحلّ
следующие страницы →