Полный текст (406 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتانِ
إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حيّ يشاهدهم شهود عيانِ
هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفانِ
فأجابهم بجواب حيّ ناطق ... فأتوا إذًا بالحقّ والبرهانِ
هلا أجابهم جوابًا شافيًا ... إن كان حيًّا ناطقًا بلسانِ
هذا وما شدت ركائبه عـ ... ـن الحجرات للقاصي من البلدانِ
مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التّبيانِ
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمانِ
إن قلتم سبق البيان صدقتم ... قد كان بالتكرار ذا احسانِ
* * *
هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعنى على علماء كل زمانِ
أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيانِ
بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتانِ
قد قصّر الفاروق عند فريقكم ... إذ لم يسله وهو في الأكفانِ
أتراهم يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهم أعز حصانِ
стр. 352
ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ ... ـمعهم ولا يأتي لهم ببيانِ
أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيًّا داخل البنيانِ
يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ ... ـوث بالقرآن والرحمنِ
والله لا قدر الرسول عرفتم ... كلا ولا للنفس والإنسانِ
من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمانِ
* * *
ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآنِ
أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدانِ
أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتانِ
إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حيًّا قط بالبرهانِ
أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولانِ
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ ... ـوا بالدليل فنحن ذو أذهانِ
أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكرانِ
لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوانِ
стр. 353
قد كان يمكنهم يقولوا أنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسانِ
لكنهم بالله أعلم منكم ... ورسوله وحقائق الايمانِ
ولقد أتوا إلى العباس يستـ ... ـقون من قحط وجدب زمانِ
هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوانِ
فنبيهم حي ويستسقون غـ ... ـير نبيهم حاشا أولي الايمانِ
فصل
فيما احتّجوا على حياة الرّسل في القبور
فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حيّ كما قد جاء في القرآنِ
والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيانِ
فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهانِ
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيانِ
ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمانِ
أفليس في هذا دليل أنه ... حيّ لمن كانت له أذنانِ
أو لم ير المختار موسى قائمًا ... في قبره لصلاة ذي القربانِ
أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلانِ
أو لم يقل أني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسانِ
أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتانِ
هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيانِ
стр. 354
وبأن أعمال العباد عليه تعـ ... ـرض دائمًا في جمعة يومانِ
يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشأنِ
فصل
في الجواب عمّا احتجّوا به في هذه المسألة
فيقال: أصل دليلكم في ذاك ... حجتنا عليكم وهي ذات تبيانِ
إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركانِ
هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتًا ذاك في القرآنِ
ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمانِ
стр. 355
هذا وأن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدانِ
لكنه مع ذلك حيّ فارح ... مستبشر بكرامة الرحمنِ
فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدانِ
وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهانِ
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضًا وقد وجدوه رأي عيانِ
فانظر الى قلب الدّليل عليهم ... حرفًا بحرف ظاهر التبيانِ
لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النّسوانِ
خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ... ـترن الرّسول لصحة الايمانِ
شكر الإله لهنّ ذلك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكرانِ
قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الاحسانِ
وكذاك أيضًا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبانِ
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ ... ـرى يقينًا واضح البرهانِ
فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثانِ
لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحداد وملزم الأوطانِ
стр. 356
* * *
هذا ورؤيته الكليم مصليًا ... في قبره أثر عظيم الشانِ
في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهانِ
ولذاك أعرض في الصحيح محمّد ... عنه على عمد بلا نسيانِ
والدّارقطني الإمام أعلّه ... برواية معلومة التبيانِ
أنس يقول رأي الكليم مصليًا ... في قبره فأعجب لذا الفرقانِ
فرواه موقوفا عليه وليس بالـ ... ـمرفوع واشوقًا على العرفانِ
بين السياق الى السياق تفاوت ... لا تطرحه فما هما سيانِ
لكن تقلد مسلمًا وسواه ممـ ... ـن صحّ هذا عنده ببيانِ
فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمانِ
لكن هذا ليس مختصًّا به ... والله ذو فضل وذو إحسانِ
فروى ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرًا صحيحًا عنده ذا شانِ
فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الايمانِ
стр. 357
فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذي القربانِ
عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعاني
حتى أصلي العصر قبل فواتها ... قالا ستفعل ذاك بعد الآنِ
هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولانِ
* * *
هذا وثابت البنانيّ قد دع الرّ ... حمن دعوة صادق الايقانِ
أن لا يزال مصليًا في قبره ... إن كان أعطى ذاك من إنسانِ
* * *
لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ... ـراج فوق جميع ذي الأكوانِ
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبة بلا نكرانِ
ولذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره اذ ليس يجتمعانِ
وأجيب عنه بأنه أسرى به ... ليراه ثم مشاهدًا بعيانِ
فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ أمكن الوقتانِ
هذا ورد نبيّنا التّسليم من ... يأتي بتسليم مع الإحسانِ
стр. 358
ما ذاك مختصًّا به أيضًا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآنِ
من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ... ـليم عليه وهو ذو إيمانِ
رد الإله عليه حقًّا روحه ... حتى يرد عليه رد بيانِ
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكرانِ
стр. 359
فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشأنِ
* * *
هذا ونحن نقول هم أحياء لـ ... ـكن عندنا كحياة ذي الأبدانِ
والترب تحتهم وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمانِ
مثل الذي قد قلتوه معاذنا ... بالله من إفك ومن بهتانِ
بل عند ربهم تعالى مثل ما ... قد قال في الشهداء في القرآنِ
لكن حياتهم أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسانِ
* * *
هذا وأما عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكانِ
وأتى به أثر فإن صح الحـ ... ـديث به فحق ليس ذا نكرانِ
لكن هذا ليس مختصًّا به ... أيضا بآثار روين حسانِ
فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوانِ
ان كان سعيًا صالحًا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحانِ
أو كان سعيًا سيّئًا حزنوا وقا ... لوا ربّ راجعه إلى الإحسانِ
ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسانِ
يا ربّ إني عائذ من خزية ... أخزي بها عند القريب الداني
стр. 360
ذاك الشهيد المرتضى ابن روا ... حة المحبوّ بالغفران والرضوانِ
стр. 361
لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلانِ
* * *
هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشانِ
والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهانِ
ولجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للألف بالأبدانِ
فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الديانِ
هل في عقولهم بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنانِ
وترد أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمانِ
وكذاك إن زرت القبور مسلمًا ... ردت لهم أرواحهم للآنِ
فهم يردون السلام عليك لـ ... ـكن لست تسمعه بذي الأذنانِ
هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوانِ
من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكرانِ
للروح شأن غير ذي الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شانِ
стр. 362
وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمانِ
هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوانِ
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدانِ
هذا وقولي أنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهانِ
هذا وقولي أنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك والبهتانِ
لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديانِ
والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعي العرفانِ
عطلتم الأبدان من أرواحها ... والعرش عطّلتم من الرحمنِ
انتهى ما أردتُ نقله من هذا الكتاب بحروفه. وهو وحده كافٍ لردّ [ما أ] ورده السّبكيّ وغيره في هذا الباب.
قلتُ: وقد توسّع بعض الغلاة في حياة الأنبياء ـ عليهم الصّلاة والسّلام ـ والشّهداء ـ رضي الله تعالى عنهم ـ؛ ولم يقصر الحياة على ما ذكره؛ بل قال بحياة الأولياء في قبورهم، وأنّهم يخرجون منها فيقضون للنّاس المستغيثين بهم حوائجهم ثم يعودون!
انظر ـ إن شئتَ الوقوف على هذا ـ في حاشية الشّيخ إبراهيم الباجوريّ على «جوهرة التّوحيد» للقاني، عند قوله:
............................................ ... وأثبتن للأولياء الكرامة
стр. 363
وقد عزى ذلك إلى الشّيخ عبد الوهّاب الشّعرانيّ. ولو أردنا ذكر جميع ما قيل من هذا القبيل؛ لطال الكتاب بما لا فائدة فيه. فنسأله ـ تعالى ـ العافية مما ابتلى كثيرًا من خلقه، آمين.
ثم إنّ الإمام السّبكيّ ذكر بعد هذا الباب بابًا آخر ـ وهم المتمّم لعشرة أبواب ـ؛ فقال:
стр. 364
الباب العاشر
في إثبات الشّفاعة له ﷺ ، واستغاثة النّاس به يوم القيامة
رتّبه على فصول، وكلّها في هذا المعنى.
وجوابه أن يُقال: نحن وشيخ الإسلام ابن تيميّة وسائر طوائف أهل السُّنّة قد أثبتوا الشّفاعة له ﷺ ، ولم ينكرها غير المعتزلة؛ فأيّ فائدة في ذكر هذا الباب هنا؟! فإن كان مقصود إيهام العوام بأنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة ينكر الشّفاعة؛ فكلّا ثم كلّا! بل قد أثبتها في عدّة كتب من كتبه؛ وكيف ينكر أمرًا متواترًا؛ وردت به صحاح الأخبار، وتواترت عن النّبيّ المختار؟! فلا ينكرها إلَّا كلّ جاهل مختال، وأثيم مضلال؛ فنعوذ بالله من هذا الحال. وقد أطال الكلام على أحاديث الشّفاعة شيخُ الإسلام في كتابه «التّوسّل والوسيلة» وغيره من مصنّفاته ﵁.
وإن أراد ثبوت الاستغاثة بما ورد في بعض ألفاظ هذه الأحاديث؛ فنقول له: هذا صحيح لا مرية فيه، ولكن أين هذا ممّا نحن فيه؟!
لأنّا نقول: الممنوع طلب الحوائج والاستغاثة بالميّت والغائب، وأمّا الحي الموجود بين ظهرانينا الذي نراه ونشاهده بأبصارنا؛ فلا خلاف بين أحد من المسلمين ـ بل وغيرهم ـ في جواز الاستغاثة به في الشّيء الذي يقدر عليه.
ونحن مطالبون بأن يعاون بعضنا بعضًا؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى﴾ ، وكما قال حكاية عن نبيّه موسى: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿سنشدّ عضدك بأخيك﴾ ، وقوله ﷺ : «المؤمنون كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» ، وقوله في الحديث
стр. 365
الآخر: «المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» ـ أو كما قال ـ.
وما ذكره السّبكيّ من استغاثة النّاس به ﷺ يوم القيامة؛ فهو من هذا الباب؛ فلا يدلّ على مقصوده، وإن أراد به شيئًا آخر غير ما ذكرناه؛ فالله أعلم بما أراد.
ثم ذكر بعد ذلك فصلًا في تفسير (المقام المحمود) ، ولكن لم يستوفِ الكلام فيه؛ فإنّ الذي تركه هو أعظم وأقرّ لعين نبيّنا ﷺ ممّا ذكره؛ وهو أنّ الله يجلس معه نبيّه محمّدًا ﷺ على العرش يوم القيامة؛ كما جاء ذلك عن غير واحد من الصّحابة والتّابعين.
ومثله لا يُقال من قبل الرّأي؛ بل لا بُدّ فيه من التّوقيف. فممّن روى ذلك مجاهد وغيره، وناهيك به؛ كما قال الشّافعي والبخاريّ ﵄: «إذا جاءك التّفسير عن مجاهد فحسبك» .
ولكن لمّا لم يوافق هذا أهواءهم وآراءهم؛ عدلوا عنه؛ زاعمين أن هذا يفضي إلى القول بالتّجسيم، كما تركوا غيره من نصوص الصّفات، وأخذوا يشنّعون على شيخ الإسلام ـ حيث ذكر هذا في كتاب «العرش» له ـ.
وأنا اطّلعتُ على كتاب «العرش» هذا؛ فلم أجد فيه هذا الكلام، ولو ذكره؛ فأيّ لوم يلحقه على ذلك.
وقد ذكره كثير من المفسّرين عند قوله ـ تعالى ـ: ﴿عسى أن يبعثك ربّك مقامًا محمودًا﴾ ؛
стр. 366
فممّن ذكره في تفسيره: الإمام أبو جعفر ابن جرير الطّبريّ في تفسيره «جامع البيان» ، ومنهم: الإمام الشّيخ علي البغداديّ ـ المعروف بالخازن ـ، ومنهم: الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطيّ في تفسيره «الدّر المنثور في التّفسير بالمأثور» ، ومنهم الشّهاب الخفاجيّ في حاشيته على «الشّفا» ، وعزاه إلى الدّارقطنيّ.
فبالله عليكَ؛ بعد نقل هؤلاء الأئمّة كلّهم؛ يليق للنّبهانيّ أن يشنّع على شيخ الإسلام ـ لو ثبت عنه ذكر هذه المسألة ـ؟! ولولا أنّ هذه التّفاسير التي عزوتُ لها هذه المسألة كلّها مطبوعة؛ لنقلتُ في هذا الكتاب جميع ما قالوه؛ ولكن اكتفيتُ بالعزو لها عن نقلها روم الاختصار. والله الموفّق والهادي، وعليه اتّكالي واعتمادي.
стр. 367
فصل
ولعلّك إذا اطّلعتَ على كتابي هذا؛ يحوك في صدرك شيء منه؛ من أجل أنّ بعض ما فيه من الفوائد مخالف لكثير ممّا عابه بعض الخلف!
فأقول لك: اعلم ـ يا أخي ـ أنّي ما ذكرتُ في كتابي هذا إلَّا ما تظاهرت به النّصوص من الكتاب والسُّنّة وأقوال سلف الأُمّة من الصّحابة والتّابعين والأئمّة المجتهدين وأهل الحديث أجمعين، لا خلاف بينهم في حرف ممّا ذكرناه في هذا الكتاب من العقائد.
وإليك نبذة ممّا عثرتُ عليه من ذلك، أقتصر فيها على ما ورد عن الأئمّة الأربعة ـ أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد ـ (رضوان الله عليهم أجمعين) ؛ حيث إنّ النّاس في هذا الزّمان قد قصروا أحكام الدّين على ما ورد عنهم؛ فإذا كانوا قد ارتضوهم في أحكام الدّين؛ فلِمَ لم يرضوهم في أصوله؟! فهل يكونون عدولًا وأمناء في الفقه دون العقائد؟! فهذا لا يقول به أحد عرف قدرهم.
فإن كنتَ ـ يا أخي ـ لا ترضى لنفسك إلَّا التّقليد؛ فها أنا أسرد كلّ عقائدهم، وإن كنتَ ممّن يقول: إنّ العقائد لا يجوز فيها التّقليد بحال؛ بل لا بُدّ فيها من النّظر والاستدلال؛ قلنا لك: بيننا وبينك كتاب الله وسُنّة رسوله وأقوال أصحابه؛ وكلّها تنادي بأعلى صوت يسمعه القريب والبعيد: بأنّ الله على عرشه، وعرشه فوق سبع سماواته، وأنّه ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وأنّ الملائكة يعرجون إليه، وأنّ له يدان، وله عين ونفس وقدم وساق، وأنّه يأتي يوم القيامة، وأنّه يغضب ويرضى، ويحبّ ويبغض ويكره، ويعجب ويفرح، ويرحم ويحسن، وغير ذلك من الصّفات التي ورد بها الكتاب والسُّنّة الصّحيحة، وأنكرها كثير من الخلف، ولم ينكروا ورود لفظها؛ لأنّه لا سبيل لهم إلى إنكار لفظها؛ بل عمدوا إلى تحريفها وتأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ فعند التّحقيق هو إنكار للفظها، ولكن تستّروا بالتّأويل والتّحريف؛ فوقعوا في التّعطيل؛ وقالوا: إنّنا أردنا الرّدّ على الفلاسفة والملاحدة، فلا لعدوّهم كسروا ولا للإسلام نصروا! ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العليّ العظيم.
стр. 368
فصل
فإن قيل: هل يمكن إيراد شيء من الأدِلّة القرآنيّة والسُّنّيّة على صحّة هذه العقائد التي خالفها كثير من الخلف، قبل ذكر أقوال الأئمّة الأربعة.
فالجواب: نعم؛ قد ورد في ذلك أدِلّة كثيرة من الكتاب والسُّنّة وأقوال الصّحابة والتّابعين والأئمّة المجتهدين، وأهل الحديث أجمعين، وأهل اللّغة والفقهاء والمفسّرين، وأهل التّصوّف المحقّقين؛ نشير إلى بعض ذلك بأدنى إشارة وأوجز عبارة؛ فنقول ـ وبالله التّوفيق ـ:
أمّا الدّليل على استوائه ـ تعالى ـ على عرشه: فهو مذكور في الكتاب العزيز في سبعة مواضع:
الأوّل: من سورة الأعراف في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنّ ربّكم الله الذي خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام ثم استوى على العرش﴾ .
الموضع الثّاني: في أوّل سورة يونس ﵇.
الثّالث: في أوّل سورة الرّعد.
الرّابع: في أوّل سورة طه.
الخامس: في آخر سورة الفرقان.
السّادس: في أوّل سورة ﴿الم﴾ السّجدة.
стр. 369
السّابع: في أوّل سورة الحديد.
وأمّا الدّليل على علوّه ـ تعالى ـ فوق جميع المخلوقات من القرآن: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿وهو العليّ العظيم﴾ ، ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ ـ في موضعين ـ، ﴿يخافون ربّهم من فوقهم﴾ ، ﴿وهو العليّ الكبير﴾ ، ﴿إنّه عليّ حكيم﴾ .
وأمّا الدّليل على كونه في السّماء من القرآن: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿أأمنتم مَن في السّماء﴾ ـ في موضعين ـ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾ ، وقوله: ﴿تعرج الملائكة والرّوح إليه﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿إليه يصعد الكلم الطّيب﴾ ـ والعروج والصّعود لا يكونان إلَّا مِن أسفل إلى أعلى ـ، وقوله ـ تعالى ـ لعيسى ﵇: ﴿إنّي متوفّيك ورافعك إليّ﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ ردًّا على اليهود حين ادّعوا قتل عيسى ﵇ وصلبه: ﴿وما قتلوه يقينًا * بل رفعه الله إليه﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا لعلّي أبلغ الأسباب * أسباب السّموات فأطّلع إلى إله موسى﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ حكاية عنه في سورة القصص: ﴿فأوقد لي يا هامان على الطّين فاجعل لي صرحًا لعلّي أطّلع إلى إله موسى﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ في سورة المؤمن: ﴿رفيع الدّرجات ذو العرش﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات إتيانه يوم القيامة من القرآن: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿هل ينظرون إلَّا أن
стр. 370
يأتيهم الله﴾ ـ في سورة البقرة وفي سورة الأنعام ـ، وفي قوله ـ تعالى ـ في سورة الفجر: ﴿وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا﴾ .
وأمّا الدّليل على أنّه يَسمع عبادُه صوته، من القرآن العزيز: فقوله ـ تعالى ـ ﴿ويوم يناديهم﴾ ـ في عدّة مواضع ـ، وقوله ـ تعالى ـ حكاية عن موسى: ﴿وناديناه من جانب الطّور الأيمن﴾ ، ﴿فلمّا جاءها نُودي أن بورك مَن في النّار ومَن حولها﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فلمّا أتاها نُودي من شاطئ الوادِ الأيمن﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة العين: فقوله ـ تعالى ـ لموسى ﵇: ﴿ولتصنع على عيني﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ لنبيّنا ﷺ : ﴿واصبر لحكم ربّك فإنّك بأعيننا﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿تجري بأعيننا﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة النّفس: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿ويحذّركم الله نفسه﴾ ـ في موضعين ـ، وقوله ـ تعالى ـ حكاية عن عيسى بن مريم ﵇: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ لموسى ﵊: ﴿واصطنعتُك لنفسي﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة اليدين: فقوله ـ تعالى ـ ردًّا على اليهود: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ لإبليس اللّعين: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديّ﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة السّاق: فقوله ـ تعالى ـ في سورة (نون) : ﴿يوم يُكشف عن ساق﴾ .
стр. 371
وأمّا الدّليل على إثبات صفة الرّحمة: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿وهو أرحم الرّاحمين﴾ ، ﴿يعذّب مَن يشاء ويرحم مَن يشاء﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة الحبّ له ـ تعالى ـ: فقوله: ﴿قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات حبّ عباده له: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿ومن النّاس مَن يتّخذ من دون الله أندادًا يحبّونهم كحبّ الله والذين آمنوا أشدّ حبًّا لله﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة الرّضا له: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة الغضب له ـ سبحانه ـ: فقوله ـ تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين تولّوا قومًا غضب الله عليهم﴾ ، وفي الآية الثّانية: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تتولّوا قومًا غضب الله عليهم﴾ ، وفي موضع ثالث: ﴿والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة التّعجّب له ـ تعالى ـ: فقوله ـ جلّ ذكره ـ في سورة (الصّافّات) : ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ ـ على قراءة مَن قرأ بضم التّاء؛ وهما: حمزة والكسائيّ ـ.
стр. 372
وأمّا الدّليل على إثبات صفة السّخط: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ ، ﴿ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط اللهَ وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم﴾ .
وأمّا الدّليل على إثبات صفة الرّأفة له ـ تعالى ـ: فقوله : ﴿إنّ الله بالنّاس لرءوف رحيم﴾ ، ﴿وإنّ الله بكم لرءوف رحيم﴾ .
وغير ذلك من الصّفات التي ورد بها القرآن. فكلّ ذلك قد نصبوا له منجنيق التّأويل؛ فلم ينجُ منه شيء إلَّا وأصابه!
وقالوا: هذه كلّها ظواهر لا يجوز أن نثبتها لله ـ تعالى ـ؛ لئلّا نقع في التّجسيم والتّشبيه!
وقد علمتَ ـ ممّا مرّ ـ أنّ صفاته ـ تعالى ـ ليست كالصّفات، كما أنّ ذاته ـ تعالى ـ ليست كذاتنا؛ فالمجسّم والممثّل يعبد صنمًا، والمعطّل والنّافي يعبد عدمًا، والمثبت المنزّه يعبد حيًّا قيومًا واحدًا لا شريك له في ذاته وصفاته؛ فتعالى الله عمّا يقول الظّالمون النّافون والمشبّهون علوًّا كبيرًا.
стр. 373
فصل
وأمّا الدّليل من السُّنّة على ما أثبتناه من الصّفات: فشيء كثير جدًّا؛ يزيد على خمسين حديثًا:
فمنها: حديث الجارية ـ المرويّ في «الصّحيح» ـ؛ فعن معاوية بن الحكم أنّه قال: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي ... وذكر القصّة بطولها، حتى قال: فجئتُ بها إلى النّبيّ ﷺ ؛ فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟» فقالت الجارية له: في السّماء ـ وفي رواية: فأشارت بأصبعها إلى السّماء ـ، ثم قال لها: «مَن أنا؟» ؛ فقالت: أنتَ رسول الله؛ فقال له: أعتقها؛ فإنّها مؤمنة.
وهذا الحديث موافق لقوله ـ تعالى ـ: ﴿أأمنتم مَن في السّماء﴾ .
ومنها: حديث زينب بنت جحش؛ أنّها كانت تفتخر على نساء النّبيّ ﷺ ؛ فتقول: «أنتَ زوّجكنّ أهاليكُنّ، وأنا زوّجني الله من فوق عرشه» .
стр. 374
ومنها: قوله ﷺ لسعد: «لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق عرشه» .
وكان ﷺ يقول: «ألا تأمنوني؛ وأنا أمين مَن في السّماء» .
ومنها: قوله ﷺ في الحديث الصّحيح: «يتعاقب فيكم ملائكة» ، وفيه: «ثم يعرجون فيسألهم ربّهم ـ وهو أعلم بهم ـ: ماذا تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون، وجئناهم وهم يصلّون» .
ومنها: حديث عروج الملائكة بروح المؤمن حتى ينتهوا بها إلى السّماء التي فيها الله، الحديث رواه الإمام أحمد في «مسنده» ، عن أبي هريرة ﵁، وليس من حديث البراء بن عازب؛ فإنّ المذكور في حديث البراء: حتى تأتي السّماء السّابعة، ولكن قد ذكر الحافظ ابن القيّم هذه اللّفظة في حديث البراء بن عازب، ولم أجدها في
стр. 375
حديثه؛ بل وجدتُها في حديث أبي هريرة ـ كما تقدّم ـ، والله أعلم.
ومنها: حديث الأوعال ـ الذي رواه أبو داود ـ، وفيه: «والله فوق العرش، وإنّه ليئظ به أطيط الرّحل بالرّاكب» ، وفيه: «وأنّه فوقه مثل القبّة» . نثبته كما جاء، ونكل معناه
стр. 376
إلى الله ورسوله.
ومنها: حديث الإسراء ـ المتّفق عليه عند كافّة المسلمين ـ، وفيه: أنّه ﷺ عُرِج به إلى السّماء، ورأى ربّه وكلّمه وأدناه منه، وفرض عليه خمس صلوات في اليوم واللّيلة.
أفهذا كلّه لا يثبت أنّ الله في السّماء؟! بلى؛ هذه كلّها أدِلّة ظاهرة قاطعة بأنّ الله ـ جلّ ثناؤه ـ في السّماء على عرشه، بلا كيف ولا تشبيه ولا تحديد. فبعدًا لقوم لا يؤمنون!
ومنها: حديث: «إنّ قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرّحمن» .
ومنها: الحديث المرويّ في «الصّحيح» : «إنّ الله يضع السّماوات على أصبع، والأرضين على أصبع ... » الحديث.
ومنها: حديث: «المقسطين على منابر من نور عن يمين الرّحمن، وكلتا يديه يمين» .
ومنها: الحديث المتّفق على صحّته: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدُّنيا؛ فينادي: هل من
стр. 377
سائل، هل من مستغفر ... » الحديث.
ومنها: حديث: «ضحك ربّنا من ثلاث» ؛ فقال الصّحابيّ: أيضحك ربّنا يا رسول الله؟! فأجابه: نعم؛ فقال الصّحابيّ: لا عُدمنا خيرًا من ربّ يضحك.
ومنها: الحديث الصّحيح: «إنّ الله ـ تعالى ـ لأفرح بتوبة عبده ... » .
стр. 378
ومنها: الحديث المرويّ في إثبات صفة الغيرة لله ـ تعالى ـ؛ وهو قوله ﷺ : «لا أحد أغير من الله» .
ومنها: حديث: «إنّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» ، وفيه: «يرفع له عمل اللّيل قبل عمل النّهار، وعمل النّهار قبل عمل اللّيل» ، صحيح.
وبالجملة؛ فالأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، اقتصرتُ على ما حضرني منها حال الكتابة؛ فالعاقل المؤمن يكتفي بذكر واحد منها أو ببعض ما ذكر، والجاهل المعاند لا يكتفي بالمجلّدات الضّخام، وكيف تؤثّر فيه المجلّدات وهو يقرأ كتاب الله ويفسّره، ويقرأ كتب السُّنّة ويشرحها، وهو لا يعرج على إثبات صفة لله ـ تعالى ـ من الصّفات التي ذكرناها؛ بل نصب لجميع ذلك شرك التّأويل؛ فاصطاد به كلّ آية وكلّ حديث صحيح ورد في إثبات الصّفات؟! ولا أدري كيف نجت من هذا الشّرك: الصّلاة والزّكاة والحجّ والصّيام؟! فكان يمكنه تأويل جميع ذلك ـ بل هو أقرب للتّأويل من هذه الآيات والأحاديث التي وردت في الصّفات ـ! فنعوذ بالله من هذه المهلكات والشّبهات والضّلالات.
стр. 379
فصل
ومنها: الحديث المرويّ في «الصّحيح» : أنّ رسول الله ﷺ لمّا وصف الدّجال وأخبر أنّه أعور؛ فقال: «وإنّ ربّكم ليس بأعور» ، وأشار إلى عينيه.
ومنها: الحديث المرويّ في «الصّحيح» ـ في كتاب: بدء الخلق ـ: «إنّ الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش ـ وفي رواية: فهو موضوع عنده فوق العرش ـ: إنّ رحمتي تغلب غضبي» ، وفي رواية: «تسبق غضبي» .
ومنها: الحديث المرويّ في «الصّحيح» : «إنّ الله ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب» . انتهى.
فإن شئتَ ـ يا أخي ـ الزّيادة على ما ذكرتُه في هذا الكتاب؛ فعليك بكتب السُّنّة؛ مثل: كتاب التّوحيد الذي ختم به البخاريّ كتابه؛ فإنّه عقده للرّدّ على الجهميّة، وكتاب «خلق أفعال العباد» له، وكتاب «العلوّ» للحافظ شمس الدّين الذّهبيّ، وكتاب «الأسماء والصّفات» للحافظ البيهقيّ، وكتاب «شرح السُّنّة» للإمام محيي السُّنّة البغويّ، وكتاب «الرّدّ على الجهميّة» للدّارميّ، وكتاب «العلوّ» للموفّق ابن قدامة، وكتاب «الجيوش الإسلاميّة
стр. 380
لغزو المعطّلة والجهميّة» للحافظ شمس الدّين ابن القيّم، وغير ذلك من الكتب المصنّفة في الرّدّ على هؤلاء النّفاة الجاحدين لصفات ربّ العالمين. وكتب السُّنّة كلّها طافحة بهذه الأدِلّة، ولكن أهل هذه الكتب ممّن ذكرنا أرادوا جمع ذلك في مصنّفات مخصوصة؛ تسهيلًا للطّالبين؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وشكر الله سعيهم، وأحسن مثواهم، ونحن معهم؛ ﴿أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون﴾ ، وهم المؤمنون حقًّا؛ لأنّهم آمنوا بالله ورسوله، وبما أُنزل إليهم من ربّهم، وبما جاءهم عن نبيّهم، لم يبدّلوا ولم يغيّروا ولم يحرّفوا؛ بل تلقّوه بالإيمان والتّسليم والتّفويض، وشنّعوا على مَن خالف ذلك أو أوّله أو حرّفه؛ فعليك بهم واهرع إليهم، واقفُ سبيلهم؛ تحشر معهم؛ ﴿ومَن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون﴾ ؛ فهم قدوتنا والحُجّة بيننا وبين الله ورسوله.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المحافل
стр. 381
فصل
ومنها: حديث أبي رزين العقيليّ أنّه قال: قلتُ: يا رسول الله؛ أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال ﷺ : «كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ... » الحديث.
ومنها: حديث حصين والد عمران، أنّه سأله رسول الله ﷺ وهو في الجاهليّة؛ فقال له: «كم تعبد اليوم من الآلهة؟» ؛ فقال حصين: أعبد سبعًا؛ ستّة في الأرض وواحد في السّماء؛ فقال له ﷺ : «مَن الذي أعددته لرغبتك ورهبتك؟» ؛ فقال: الذي في السّماء.
ومنها: الحديث الذي ورد في الدُّعاء للمريض؛ ولفظه: «ربّنا الله الذي في السّماء، تقدّس اسمك» .
ومنها: حديث: «مَن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومَن كره لقاء الله كره الله
стр. 382
لقاءه» .
ومنها: الأحاديث الدّالّة على كلام الله مع أهل الجنّة كلام رحمة وحنان، ومع أهل النّار كلام تبكيت وهوان.
وغير ذلك من الأحاديث الصّحيحة، المثبتة لصفات كثيرة لله ، أنكرها هؤلاء النّفاة المعطّلون، وكلّ هذه الأحاديث ناطقة بالرّدّ عليهم، وشاهدة عليهم بأنّهم مخالفون، ولصفات ربّهم ناكرون وجاحدون؛ فالله المستعان.
стр. 383
فصل
في أقوال الصّحابة والتّابعين والأئمّة المجتهدين في هذه المسائل
التي أنكرها هؤلاء المعاندون والنّفاة المعطّلون
وأنّهم لم يكونوا يذهبون في ذلك إلَّا إلى شيء من التّأويلات الباردة والآراء الكاسدة الفاسدة
ذكر ما حفظ عن أبي بكر الصّديق ﵁
روى ابن أبي شيبة والبخاريّ في «التّاريخ» ، عن عبد الله بن عمر أنّه قال: لما قُبض رسول الله ﷺ ؛ قال أبو بكر ﵁: «أيّها النّاس؛ إن كان محمّدًا إلهكم الذي تعبدونه؛ فإنّ إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السّماء؛ فإنّ إلهكم لم يمت» ، ثم تلا: ﴿وما محمّد إلَّا رسول قد خلت من قبله الرّسل﴾ ، حتى أتمّ الآية. انتهى.
قلتُ: هذا إجماع من الصّحابة على أنّهم كانوا مجمعين على أنّ الله في السّماء؛ لأنّ أبا بكر خطب يومئذ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فلو كان أحد منهم يعلم خلافًا في ذلك؛ لبادر بالإنكار على أبي بكر، وهو من أشدّ النّاس تحريًا للحقّ والصّواب، سيّما في أمر العقائد، وقد حفظ عن الصّحابة أشياء كثيرة من هذا النّوع؛ ذكرها الحافظ ابن القيّم في كتاب «الجيوش الإسلاميّة» ؛ فليُرجع إليه.
стр. 384
فصل
في ذكر ما ورد عن الأئمّة الأربعة
قول أبي حنيفة ﵁
روى البيهقي بإسناده إلى نوح ابن [أبي] مريم أبي عصمة يقول: كنّا عند أبي حنيفة أوّل ما ظهر؛ إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا؛ فدخلت الكوفة؛ فقيل لها: إنّ هاهنا رجلًا قد نظر في المعقول يُقال له: أبو حنيفة؛ فأتيه؛ فأتته؛ فقالت: أنتَ الذي يعلّم النّاس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكتَ عنها، ثم مكث سبعة أيّام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابًا: إنّ الله في السّماء دون الأرض. فقال له رجل: أرأيت قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وهو معكم﴾ ؟ قال: هو كما تكتب للرّجل: إنّي معك، وأنتَ عنه غائب.
قال البيهقيّ: لقد أصاب أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نفى عن الله ـ تعالى وتقدّس ـ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السّمع في قوله: إنّ الله في السّماء.
وقال شيخ الإسلام: وفي كتاب «الفقه الأكبر» المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بإسناد عن أبي مطيع البلخيّ الحكم بن عبد الله: قال أبو حنيفة: «ومَن قال:
стр. 385
لا أعرف ربّي في السّماء أم في الأرض؛ فقد كفر؛ لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿الرّحمن على العرش استوى﴾ ، عرشه فوق سبع سموات. قلتُ: فإن قال: إنّه على العرش ولكنّه يقول: لا أدري العرش في السّماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنّه أنكر أن يكون في السّماء؛ لأنّه ـ تعالى ـ في أعلى عليّين، وأنّه يدعى من أعلى لا من أسفل» .
وفي لفظ: «سألتُ أبا حنيفة عمّن يقول: لا أعرف ربّي في السّماء أم في الأرض» ، وذكر كلامًا قريبًا من الأوّل. انتهى.
قلتُ: وهذا كتاب «الفقه الأكبر» معروف مشهور، صحّت نسبته لأبي حنيفة بشهادة المتقدّمين والمتأخّرين من أصحابه؛ فممّن شرحه من المتقدّمين: الإمام أبو منصور الماتريديّ، ومن المتأخّرين: الشّيخ عليّ بن سلطان القاري، والشّرحان مطبوعان بالهند؛ فلا حاجة بنا إلى نقل جميع مسائله. ومن طالع خطبة «المبسوط» لشمس الأئمّة السّرخسيّ، وخطبة أصول الإمام البزوديّ؛ علم قطعًا أنّ أصحاب أبي حنيفة كانوا على عقيدة السّلف في إثبات الصّفات التي ورد بها السّمع، من غير تأويل ولا تمثيل. والله الموفّق.
стр. 386
فصل
في ذكر ما ورد عن إمامنا إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، وقدّس سرّه ـ
ذكر الحافظ المتقن أبو عمر يوسف بن عبد البرّ ـ وهو من أجلّ أصحابنا ـ، في كتاب «التّمهيد» له، [بإسناده] إلى مالك، أنّه قال: «إنّ الله في السّماء، وعلمه في كلّ مكان، [لا يخلو منه مكان] » .
قال: وقيل لمالك: ﴿الرّحمن على العرش استوى﴾ ؛ كيف استوى؟ فقال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: «استواؤه معقول، وكيفيّته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء» .
وكذلك أصحاب مالك مِن بعده:
قال يحيى بن إبراهيم الطّليطليّ في كتاب «سير الفقهاء» : «كانوا يكرهون قول الرّجل: إنّ الله بكلّ مكان» .
قال أصبغ: «وهو مستوٍ على عرشه، وبكلّ مكان علمه وإحاطته» .
وأصبغ من أجلّ أصحاب مالك وأفقههم.
стр. 387
ذكر قول أبي عمر الطّلمنكيّ
قال في كتابه في الأصول: «أجمع المسلمون من أهل السُّنّة على: أنّ الله استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، وأجمع المسلمون على: أنّ الله استوى على عرشه بذاته ... ثم ساق بسنده عن مالك قوله: «الله في السّماء، وعلمه في كلّ مكان» ، ثم قال في هذا الكتاب: «وأجمع المسلمون من أهل السُّنّة على أنّ معنى قوله ـ تعالى ـ: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ ونحو ذلك من القرآن؛ بأنّ ذلك علمه، وأنّ الله فوق السّموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء» . وهذا لفظه في كتابه.
وذكر الحافظ ابن عبد البرّ إمام أهل السُّنّة في زمانه، في كتاب «التّمهيد» ، عند شرح حديث: «ينزل ربّنا كلّ ليلة إلبى سماء الدُّنيا» ؛ فأطال الكلام على هذا الحديث، إلى أن قال: «وهذ الحديث فيه دليل على أنّ الله في السّماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حُجّتهم على المعتزلة والجهميّة في قولهم: إنّ الله في كلّ مكان وليس على العرش، والدّليل على صحّة ما قال أهل الحقّ. فمن ذلك: قوله ـ تعالى ـ: ﴿الرّحمن على العرش استوى﴾ ... » ، ثم ذكر كثيرًا من الآيات القرآنيّة والأحاديث المرويّة النّبويّة، وأخذ يردّ ويشنّع على مَن خالف ذلك.
وممّن قال ذلك أيضًا من المالكيّة: ابن أبي زيد القيروانيّ، في «رسالته» في الفقه؛
стр. 388
قال ـ في باب: ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة ـ: «وأنّه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كلّ مكان بعلمه» .
والحاصل: أنّ المتقدّمين من علماء المالكيّة كانوا على قول مالك بن أنس في الأصول والفروع، ولا يعلمون شيئًا من التّأويل الصّارف لنصوص الصّفات عن ظاهرها، بخلاف المتأخّرين منهم؛ فالله المستعان.
стр. 389
فصل
في ذكر قول إمامنا محمد بن إدريس الشّافعي ـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ
قال الإمام ابن الإمام عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ: حدّثنا أبو شعيب وأبو ثور، عن أبي عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعيّ ـ رحمه الله تعالى ـ، قال: «القول في السُّنّة التي وردت وأنا عليها، ورأيتُ أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتُهم وأخذتُ عنهم ـ مثل: سفيان الثّوريّ ومالك وغيرهما ـ: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، وأنّ الله ـ تعالى ـ على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأنّ الله ـ تعالى ـ ينزل إلى السّماء الدُّنيا كيف شاء» .
قال عبد الرّحمن: وحدثنا ابن عبد الأعلى قال: سمعتُ أبا عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعيّ يقول ـ وقد سُئِلَ عن صفات الله، وما يؤمن به ـ؛ فقال: «لله ـ تعالى ـ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيّه أُمّته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحُجّة رَدّها؛ لأنّ القرآن نزل بها، وصحّ عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحُجّة عليه؛ فهو كافر، أمّا قبل ثبوت الحُجّة عليه؛ فمعذور بالجهل؛ لأنّ علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالرّويّة والفكر، ولا يكفر
стр. 390
بالجهل بها أحد إلَّا بعد انتهاء الخبر إليه بها. ونثبت هذه الصّفات وننفي عنها التّشبيه، كما نفى التّشبيه عن نفسه؛ فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير﴾ .
ومثله: قول صاحبه أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ، في رسالته.
ومثله: قول إمام الشّافعيّة في زمانه أبي العبّاس بن سريج.
ومثله: قول حُجّة الإسلام أبي أحمد بن الحسين الشّافعيّ.
ومثله: قول الإمام إسماعيل بن محمّد بن الفضل التّيميّ الشّافعيّ.
ومثله: قول الإمام أبي عمرو عثمان.
следующие страницы →