Полный текст (406 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
[الدُّعاء] إذا أدركوه. ومنه: ما ورد في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، وغير ذلك مما لا يحصر، حتى إنّ رسول الله ﷺ قال لعمر ـ لمّا خرج معتمرًا ـ: «لا تنسني يا أخيّ من دعائك» .
فمَن جاء إلى رجل صالح واستمدّ منه أن يدعو له؛ فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات؛ بل هو سُنّة حسنة، وشريعة ثابتة، وهكذا طلب الشّفاعة ممّن جاءت الشّريعة المطهرة بأنّه من أهلها ـ كالأنبياء ـ؛ ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: «سَل تُعطه، واشْفع تُشفّع» ، وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به؛ كما في كتابه العزيز.
والحاصل: أنّ طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك: الدُّعاء؛ فإنّه يجوز استمداده من كلّ مسلم ـ بل يحسن ذلك ـ، وكذلك الشّفاعة من أهلها الذين ورد الشّرع بأنّهم يشفعون.
ولكن ينبغي أن يعلم [أنّ] دعاء مَن يدعو له لا ينفع إلَّا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وكذلك [شفاعة] مَن يشفع لا تكون إلَّا بإذن الله ـ كما ورد بذلك القرآن العظيم ـ؛ فهذا تقييد للمطلق، لا ينبغي العدول عنه بحال.
واعلم أنّ من الشّبه الباطلة التي يوردها المعتقدون في الأموات: أنّهم ليسوا كالمشركين من أهل الجاهليّة؛ لأنّهم إنّما يعتقدون في الأولياء والصّالحين، وأولئك
стр. 317
اعتقدوا في الأوثان والشّياطين!
وهذه الشّبهة داحضة، تنادي على صاحبها بالجهل؛ فإنّ الله ـ سبحانه ـ لم يعذر مَن اعتقد في عيسى ﵇، وهو نبيّ من الأنبياء؛ بل خاطب النّصارى بتلك الخطابات القرآنيّة؛ ومنها: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلَّا الحقّ إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله﴾ ، وقال لمن كان يعبد الملائكة: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم﴾ ، ولا شكّ أنّ عيسى والملائكة أفضل من هؤلاء الأولياء والصّالحين الذين صار هؤلاء القبوريّون يعتقدونهم ويغلون في شأنهم، مع أنّ رسول الله ﷺ هو أكرم الخلق على الله، وسيّد ولد آدم؛ وقد نهى أُمّته أن يغلو فيه كما غلت النّصارى في عيسى [﵇] ، ولم يتمثلوا [أمره، ولم يمتثلوا] ما ذكره الله في كتابه العزيز من قوله: ﴿ليس لكَ من الأمر شيء﴾ ، ومن قوله: ﴿وما أدراك ما يوم الدِّين * ثمّ ما أدراك ما يوم الدِّين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله﴾ ، وما حكاه عن رسول الله ﷺ أنّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وما قاله ﷺ لقرابته الذين أمره الله بإنذارهم بقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ؛ فقام داعيًا لهم ومخاطبًا لكلّ واحد منهم؛ قائلًا: «يا فلان بن فلان؛ لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فلانة بنت فلان؛ لا أغني عنكِ شيئًا. يا بني فلان؛ لا أغني عنكم من الله شيئًا» .
فانظر ـ رحمك الله ـ ما وقع من كثير من هذه الأُمّة من الغُلُوّ المنهيّ عنه، المخالف لما في كتاب الله وسُنّة رسول الله ﷺ ؛ كما يقول صاحب «البردة» ـ رحمه الله تعالى ـ ما
стр. 318
نصّ هذا البيت:
يا أكرم الخلق ما لي مَن ألوذُ به ... سواكَ عند حلول الحادث العمم!
فانظر كيف نفى كلّ ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله ﷺ ! وغفل عن ذكر ربّه وربّ نبيّه؛ إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وهذا باب واسع، قد تلاعب الشّيطان بجماعة من أهل الإسلام؛ حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب، ودخلوا من الشّرك في أبواب بكثير من الأسباب؛ ومن ذلك: قول مَن يقول مخاطبًا لابن العجيل:
هات لي منك يا ابن موسى إغاثة ... عاجلًا في سيرها حثاثة!
فهذا محض الاستغاثة ـ التي لا تصلح لغير الله ـ لميّت من الأموات قد صار تحت أطباق الثّرى منذ مئين من السّنين! ويغلب على الظنّ أنّ مثل هذا البيت والبيت الذي قبله؛ إنّما وقعا من قائليهما لغفلة وعدم تيقّظ، ولا مقصد لهما إلَّا تعظيم جانب النّبوّة والولاية، ولو نُبّها لتنبّها ورجعا وأقرّا بالخطأ، وكثيرًا ما يعرض ذلك لأهل العلم والأدب والفطنة؛ وقد سمعنا ورأينا.
فمَن وقف على [شيء من] هذا الجنس لحيّ من الأحياء؛ فعليه إيقاظه بالحُجَج الشّرعيّة؛ فإن رجع؛ وإلَّا كان الأمر فيه كما أسلفناه. وأمّا إذا كان القائل قد صار تحت أطباق الثّرى؛ فينبغي إرشاد الأحياء إلى ما في ذلك الكلام من الخلل، وقد وقع في
стр. 319
«البردة» و «الهمزيّة» شيء كثير من هذا الجنس، ووقع أيضا لمَن تصدّى لمدح نبيّنا محمّد ﷺ ولمدح الصّالحين والأئمّة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر، ولا يتعلّق بالاستكثار منه فائدة؛ فليس المراد إلَّا التّنبيه والتّحذير لمَن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد؛ ﴿وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين﴾ ، ﴿ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنتَ الوهّاب﴾ .
واعلم أنّ ما حرّرناه وقرّرناه من أنّ كثيرًا ممّا يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيًّا في نفسه؛ بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير وشبّ [عليه] الصّغير، وهو يرى ذلك [ويسمعه] ، ولا [يرى ولا] يسمع مَن ينكره، بل ربّما يسمع مَن يُرغّب فيه ويندب النّاس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشّيطان للنّاس من قضاء حوائج مَن قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة وللعامّة فيهم اعتقاد، وربّما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون النّاس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميّت؛ ليستجلبوا منهم النّذور، ويستدرّوا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النّحائر، ويستخرجوا من عوامّ النّاس ما يعود عليهم وعلى مَن يعولونه، ويجعلوا ذلك مكسبًا ومعاشًا، وربّما يهوّلون على الزّائر لذلك الميّت بتهويلات، ويجمّلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشّموع، ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجمّ؛ فينبهر الزّائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القُرب من الميّت، والتّمسّح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات، ونجاح الطّلبات! مع خضوعهم واستكانتهم، وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النّحائر! فبمجموع هذه الأمور، مع تطاول الأزمنة وانقراض القرن بعد القرن؛ يظنّ الإنسان ـ في مبادئ عمره وأوائل أيّامه ـ أنّ ذلك من أعظم القربات وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلّمه من العلم بعد ذلك؛ بل يذهل عن كلّ حُجّة شرعيّة تدلّ على أنّ هذا هو الشّرك بعينه،
стр. 320
وإذا سمع مَن يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه؛ لأنّه يبعد كلّ البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد
عن شيء يعتقده من أعظم الطّاعات إلى كونه من أقبح المقبّحات وأكبر المحرّمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف ودبّ فيه الأخلاف، وتعاودته العصور وتناوبته الدّهور، وهكذا كلّ شيء يقلّد النّاس فيه أسلافهم، ويحكّمون العادات المستمرة، وبهذه الذّريعة الشّيطانية، والوسيلة الطّاغوتية بقى المشرك من الجاهليّة على شركه، واليهوديّ على يهوديّته، والنّصراني على نصرانيّته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتبدّلت الأُمّة بكثير من المسائل الشّرعية غيرها، وألفوا ذلك، وتمرّنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، ووأنسوا إليه حتى لو أراد مَن يتصدّى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشّرعيّة البيضاء النّقيّة التي تبدّلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طباعهم، ونالوا ذلك المرشد بكلّ مكروه، ومزّقوا عرضه بكلّ لسان، وهذا كثير [جدًّا] موجود في كلّ فرقة من الفرق، لا ينكره إلَّا مَن هو عنهم في غفلة.
وانظر ـ إن كنتَ ممّن يعتبر ـ ما ابتليت به هذه الأُمّة من التّقليد للأموات في دين الله؛ حتى صارت كلّ طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين، ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به، وليتها وقفت عند عدم القبول والرّضا؛ لكنّها تجاوزت ذلك إلى الحطّ على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم وتبديعهم والتنفير عنهم، ثم تجاوزوا ذلك إلى التّفسيق والتّكفير، ثم زاد الشّرّ حتى صار أهل كلّ مذهب كأهل ملّة مستقلّة لهم نبيّ مستقلّ ـ وهو ذلك العالم الذي قلّدوه ـ! فليس الشّرع إلَّا ما قال به دون غيره، وبالغوا وغلوا؛ فجعلوا قوله مقدمًا على قول الله ورسوله! وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن؟!
فإن أنكرتَ هذا؛ فهؤلاء المقلّدون على ظهر البسيطة قد ملئوا الأقطار الإسلاميّة؛ فاعمد إلى أهل كلّ مذهب؛ وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم هي مخالفة لكتاب الله أو لسُنّة رسوله، ثم أرشدهم إلى الرّجوع عنها إلى ما قال الله ورسوله؛ وانظر بماذا يجيبونك! فما أظنّك تنجو من شرّهم، ولا تأمن من مضرّتهم، وقد يستحلّون لذلك دمك ومالك! وأورعهم يستحلّ
стр. 321
عرضك وعقوبتك!
وهذا يكفيك ـ إن كان لك فطرة سليمة، وفكرة مستقيمة ـ! فانظر كيف خصّوا بعض علماء المسلمين واقتدوا بهم في مسائل الدّين، ورفضوا الباقين، بل جاوزوا هذا إلى أنّ الإجماع ينعقد بأربعة من علماء هذه الأُمّة، وأنّ الحُجّة قائمة بهم! مع أنّ في عصر كلّ واحد منهم مَن هو أكثر علمًا منه، فضلًا عن العصر المتقدّم على عصره والعصر المتأخّر عن عصره؛ وهذا يعرفه كلّ من يعرف أحوال الناس. ثم تجاوزوا في ذلك إلى أنّه: لا اجتهاد لغيرهم؛ بل هل مقصور عليهم؛ فكأنّ هذه الشّريعة كانت لهم لا حظّ لغيرهم فيها، ولم يتفضل الله على عباده بما تفضّل عليهم، وكل [عالم] عاقل يعلم أنّ هذه المزايا التي جعلوها لهؤلاء الأئمّة ـ رحمهم الله تعالى ـ إن كانت باعتبار كثرة علمهم وزيادته على علم غيرهم؛ فهذا مدفوع عند كلّ مَن له اطّلاع على أحوالهم وأحوال غيرهم؛ فكيف بمَن لم يكن من أتباعهم من المعاصرين لهم والمتقدّمين عليهم والمتأخّرين عنهم؟!
[وإن كانت تلك المزايا بكثرة الورع والعبادة؛ فالأمر كما تقدّم؛ فإنّ في معاصريهم والمتقدّمين عليهم والمتأخّرين عنهم] مَن هو أكثر عبادة وورعًا منهم؛ لا ينكر هذا إلَّا مَن لم يعرف تراجم الناس بكتب التّواريخ.
[وإن كانت تلك المزايا بتقدّم عصورهم؛ فالصّحابة ﵃ والتّابعون أقدم منهم عصرًا بلا خلاف، وهم أحقّ بهذه المزايا ممّن بعدهم؛ لحديث: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ] .
وإن كانت تلك المزايا لأمر عقليّ؛ فما هو؟ أو لأمر شرعي؛ فأين هو؟ ولا ننكر أنّ الله قد جعلهم بمحلّ من العلم والورع وصلابة الدِّين، وأنّهم من أهل السّبق في
стр. 322
الفضائل والفواضل، ولكنّ الشّأن في المتعصّب لهم من أتباعهم القائل: إنّه لا يجوز تقليد غيرهم، ولا يعتدّ بخلافه إن خالف، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم ـ وإن كان عارفًا بكتاب الله وسُنّة رسوله، قادرًا على العمل بما فيهما، متمكّنًا من استخراج المسائل الشّرعيّة منهما ـ! فلم يكن مقصودنا إلَّا التّعجّب لمَن كان له عقل صحيح وفكر رجيح، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات، وأنّه لا يغترّ العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة؛ فإنّ ذلك لو كان دليلًا على الحقّ؛ لكان ما زعمه المقلّدون المذكورون حقًّا، [ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقًّا] ! وهذا عارض من القول أوردناه للتّمثيل، ولم يكن من مقصودنا.
والذي نحن بصدده هو أّنه: إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقرّرناه في حكم المعتقدين للأموات؛ لسبب من أسباب الخفاء التي قدّمنا ذكرها، ولم يتعقّل ما سقناه من الحُجَج البرهانيّة القرآنيّة والعقليّة؛ فينبغي أن تسأله: ما هو الشرك؟
فإن قال: هو أن تتخذ مع الله إلهًا آخر، كما كانت الجاهليّة تتخذ الأصنام آلهة مع الله ـ سبحانه ـ.
قيل [له] : وماذا كانت الجاهليّة تصنعه لهذه الأصنام التي اتّخذوها حتى صاروا مشركين؟
فإن قال: كانوا يعظّمونها، ويقرّبون لها، ويستغيثون بها، وينادونها عند الحاجات، وينحرون لها النّحائر، ونحو ذلك من الأفعال الدّاخلة في مسمّى العبادة.
فقل له: لأيّ شيء كانوا يفعلون لها ذلك؟
فإن قال: لكونها الخالقة الرّازقة أو المحيية أو المميتة؛ فاقرأ [عليه] ما قدّمنا لك من البراهين القرآنيّة؛ المصرّحة بأنّهم مقرّون بأنّ الله الخالق الرّازق المحيي المميت، وأنّهم إنّما عبدوها لتقرّبهم إلى الله زلفى، وقالوا: هم شفعاؤهم عند الله، ولم يعبدوها لغير ذلك؛ فإنّه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أنّ كلام الله حقّ. وبعد أن
стр. 323
يوافقك أوضح له أنّ المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصّفة التي قرّرناها وكرّرناها في هذه الرّسالة؛ فإنه إن بقى فيه بقيّة من إنصاف وبارقة من علم وحصّة من عقل؛ فهو ـ لا محالة ـ يوافقك، وتنجلي عنه الغمرة، وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة، ويعترف بأنّه كان في حجاب عن معنى التّوحيد الذي جاءت به السُّنّة والكتاب.
فإن زاغ عن الحقّ وكابر وجادل في مكابرته ومجادلته بشيء من الشّبه؛ فادفعه بالدّفع الذي قد ذكرناه فيما سبق؛ فإنّا لم ندع شبهة يمكن أن يدّعيها مدع إلَّا وقد أوضحنا أمرها، وإن لم يأت بشيء في جداله ـ بل اقتصر على مجرّد الخصام والدّفع المجرّد لما أوردته عليه من الكلام ـ؛ فاعدل معه عن حُجّة اللّسان بالبرهان والقرآن إلى محجّة السّيف والسّنان؛ فآخر الدّواء الكي! هذا إذا لم يمكن دفعه بما [هو] دون ذلك من الضّرب والحبس والتّعزير؛ فإن أمكن وجب تقديم الأخفّ على الأغلظ؛ عملًا بقوله ـ تعالى ـ: ﴿فقولا له قولًا ليّنًا لعلّه يتذكّر أو يخشى﴾ وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ .
ومن جملة الشّبه التي عرضت لبعض أهل العلم: ما جزم به السّيّد العلّامة محمّد بن إسماعيل الأمير ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه لأبياته التي يقول في أولها:
رجعتُ عن النّظم الذي قلتُ في النّجديّ
стр. 324
فإنّه قال: إنّ كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العمليّ لا الكفر الجحوديّ، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة ـ كما ورد في الأحاديث الصّحيحة ـ، وكفر تارك الحجّ ـ كما في قوله (تعالى) : ﴿ومَن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ ـ، وكفر مَن لم يحكم بما أنزل الله ـ كما في قوله (تعالى) : ﴿ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ـ، ونحو ذلك من الأدِلّة الواردة فيمَن زنى، وفيمَن سرق، ومَن أتى امرأة حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو أتى كاهنًا أو عرّافًا، أو قال لأخيه: يا كافر. قال: فهذه الأنواع من الكفر ـ وإن أطلقها الشّارع على فعل هذه الكبائر ـ فإنّه لا يخرج به العبد عن الإيمان ويفارق به الملّة ويباح به دمه وماله وأهله ـ كما ظنّه من لم يفرق بين الكفرين و [لم يميّز] بين الأمرين ـ، وذكر ما عقده البخاريّ في «صحيحه» من كتاب الإيمان في: «كفر دون كفر» ، وما قاله العلّامة ابن القيّم: إنّ الحكم بغير ما أنزل الله
стр. 325
وترك الصّلاة من الكفر العمليّ؛ وتحقيقه: أنّ الكفر: كفر عمل وكفر جحود وعناد؛ فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرّسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا؛ فهذا الكفر يضادّ الإيمان من كلّ وجه، وأمّا كفر العمل فهو نوعان: نوع يضادّ الإيمان، ونوع لا يضادّه. ثم نقل عن ابن القيّم كلامًا في هذا المعنى، ثم قال السّيد المذكور:
قلتُ: ومن هذا ـ يعني: الكفر العمليّ ـ: مَن يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشّدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبّل جداراتها، وينذر لها بشيء من ماله؛ فإنّه كفر عمليّ لا اعتقاديّ؛ فإنّه مؤمن بالله وبرسوله ﷺ وباليوم الآخر، لكن زيّن له الشّيطان أنّ هؤلاء عباد الله الصّالحين ينفعون ويشفعون ويضرّون؛ فاعتقدوا ذلك كما اعتقده أهل الجاهليّة في الأصنام، لكنّ هؤلاء مثبتون التّوحيد لله، لا يجعلون الأولياء آلهة، كما قاله الكفار إنكارًا على رسول الله ﷺ لمّا دعاهم إلى كلمة التّوحيد: ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا﴾ ؛ فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة؛ فقالوا في التّلبية: «لبّيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» ؛ [فأثبتوا للأصنام شركة مع ربّ الأنام، وإن كانت عباراتهم الضالّة قد أفادت أنّه لا شريك له] ؛لأنّه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له ـ تعالى ـ؛ بل هو مملوك؛ فعبّاد الأصنام الذين جعلوا لله أندادًا واتّخذوا من دونه شركاء ـ وتارة يقولون: شفعاء ـ يقرّبونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النّفع والضّرّ؛ فإنّهم مقرّون لله بالوحدانيّة وإفراده بالإلهيّة، وصدّقوا رسله؛ فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد. فالواجب:
стр. 326
وعظهم وتعريفهم جهلَهم وزجرهم ولو بالتعزير؛ كما أُمرنا بحدّ الزّاني وشارب الخمر والسّارق من أهل الكفر العمليّ.
إلى أن قال: فهذه كلّها قبائح محرّمة من أعمال الجاهليّة؛ فهو من الكفر العمليّ، وقد ثبت أنّ هذه الأُمّة تفعل أمورًا من أمور الجاهليّة هي من الكفر العمليّ؛ كحديث: «أربع من أُمّتي من أمر الجاهليّة لا يتركوهنّ: الفخر في الأحساب، والطّعن في الأنساب، والاستسقاء بالنّجوم، والنّياحة» ، أخرجه مسلم في «صحيحه» ، من حديث أبي مالك الأشعريّ. فهذه من الكفر العمليّ، لا تخرج بها الأُمة عن الملّة؛ بل هم ـ مع إتيانهم بهذه الخصلة الجاهليّة ـ أضافهم إلى نفسه؛ فقال: «من أُمّتي» .
فإن قلتَ: [أهل] الجاهليّة تقول في أصنامها: إنّهم يقرّبونهم إلى الله زلفى، ـ كما يقوله القبوريّون ـ، ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ـ كما يقوله القبوريّون ـ.
قلتُ: لا سواء؛ فإنّ القبوريّين مثبتون التّوحيد لله، قائلون إنّه (لا إله إلَّا هو) ، ولو ضربت عنقه على أن يقول: إن الوليّ إله مع الله؛ لما قالها؛ بل عنده اعتقاد جهل أنّ الوليّ لمّا أطاع الله كان له بطاعته عنده جاه به تقبل شفاعته ويرجى نفعه، لا أنّه إله مع الله، بخلاف الوثنيّ؛ فإنّه امتنع عن قول (لا إله إلَّا الله) حتى ضربت عنقه، زاعمًا أنّ وثنه إله مع الله، ويسميه ربًّا وإلهًا؛ [قال يوسف ﵇: ﴿أأرباب متفرّقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ؛ سمّاهم (أربابًا) ؛ لأنّهم كانوا يسمّونهم بذلك؛ كما قال الخليل: ﴿هذا ربّي﴾ في الثّلاث الآيات؛ مستفهمًا لهم مبكّتًا متكلّمًا على خطابهم
стр. 327
حيث يسمّون الكواكب أربابًا، وقالوا: ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدا﴾ ، وقال [قوم] إبراهيم: ﴿مَن فعل هذا بآلهتنا﴾ ، ﴿أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم﴾ ، وقال إبراهيم: ﴿أإفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ .
ومن هنا يُعلم أنّ الكفار غير مقرّين بتوحيد الإلهيّة والربوبيّة؛ كما توهّمه من توهّم من قوله: ﴿ولئن سألتهم مَن خلقهم ليقولنّ [الله﴾ ، ﴿ولئن سألتهم مَن خلق السّموات والأرض ليقولنّ] خلقهنّ العزيز العليم﴾ ، ﴿قل مَن يرزقكم من السّماء والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فسيقولون الله﴾ ؛ فهذا إقرار بتوحيد الخالقيّة والرازقيّة ونحوهما، لا أنّه إقرار بتوحيد الإلهيّة؛ لأنّهم يجعلون أوثانهم أربابًا ـ كما عرفتَ ـ؛ فهذا الكفر الجاهليّ كفر اعتقاد؛ ومن لازمه: كفر العمل، بخلاف مَن اعتقد في الأولياء النّفع والضّرّ مع توحيد الله والإيمان به وبرسله وباليوم الآخر؛ فإنّه كفر عمل. فهذا تحقيق بالغ وإيضاح لما هو الحقّ من غير تفريط ولا إفراط. انتهى كلام السّيّد المذكور ﵀.
стр. 328
وأقول: هذا الكلام ـ في التّحقيق ـ ليس بتحقيق بالغ؛ بل كلام متناقض متدافع، وبيانه:
أنّه لا شك أن الكفر ينقسم إلى: كفر اعتقاد، وكفر عمل، لكن دعوى أنّ ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد؛ فإنّه قد ذكر هذا البحث أنّ كفر مَن اعتقد في الأولياء [كفر عمليّ، وهذا عجيب؛ كيف يقول كفر مَن يعتقد في الأولياء] ، ويسمي ذلك اعتقادًا، ثم يقول: إنّه من الكفر العمليّ؟! وهل هذا إلَّا التّناقض البحت، والتّدافع الخالص؟! انظر كيف ذكر في أوّل البحث أنّ كفر مَن يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشّدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جداراتها، وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عمليّ؟! فليتَ شعري! ما هو الحامل له على الدُّعاء والاستغاثة وتقبيل الجدارات ونذر النّذورات؟! هل هو مجرّد اللّعب والعبث من غير اعتقاد؟! فهذا لا يفعله إلَّا مجنون، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميّت؟! فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد؛ الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال؟! ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنّه كفر عمل ـ لا كفر اعتقاد ـ بقوله: «لكن زيّن له الشّيطان أنّ هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون؛ فاعتقد ذلك جهلًا كما اعتقده أهل الجاهليّة في الأصنام» ! فتأمّل كيف حكم بأنّ هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهليّة، وأثبت الاعتقاد، واعتذر عنهم بأنّه اعتقاد جهل؟! وليتَ شعري! أيّ فائدة لكونه اعتقاد جهل؛ فإنّ طوائف الكفر بأسرها وأهل الشّرك قاطبة إنّما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل: الاعتقاد جهلًا، وهل يقول قائل: إنّ اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذرًا لإخوانهم المعتقدين في الأموات، ثم تمّم الاعتذار بقوله: «ولكن هؤلاء مثبتون للتّوحيد ... » إلى آخر ما ذكر.
ولا يخفاك أنّ هذا عذر باطل؛ فإنّ إثباتهم للتّوحيد إن كان بألسنتهم فقط؛ فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنّصارى والمشركون والمنافقون، وإن كان بأفعالهم؛ فقد اعتقدوا في
стр. 329
الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم. ثم كرر هذا المعنى في كلامه، وجعله السّبب في رفع السّيف عنهم، وهو باطل؛ فما ترتب عليه مثله باطل؛ فلا نطول برده.
بل هؤلاء القبوريّون قد وصلوا إلى حدّ في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم؛ وهو: أنّ الجاهليّة كان إذا مسّهم الضّرّ دعوا الله وحده، وإنّما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشّدائد من الأمور؛ كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وإذا مسّكم الضّرّ في البحر ضلّ مَن تدعون إلَّا إيّاه فلمّا نجّاكم إلى البرّ أعرضتم وكان الإنسان كفورًا﴾ ، وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم السّاعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين﴾ ، وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿وإذا مسّ الإنسان ضرّ دعا ربّه منيبًا إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل﴾ ، وبقوله ـ تعالى ـ: ﴿وإذا غشيهم موج كالظّلل دعوا الله مخلصين له الدّين﴾ ، بخلاف المعتقدين في الأموات؛ فإنّهم إذا دهمتهم الشّدائد استغاثوا بالأموات ونذروا لهم النّذور، وقلّ مَن يستغيث بالله ـ سبحانه ـ في تلك الحال؛ وهذا يعلمه كلّ مَن له بحث عن أحوالهم؛ ولقد أخبرني بعض مَن ركب البحر للحجّ أنّه اضطرب اضطرابًا شديدًا؛ فسمع من أهل السّفين من الملّاحين وغالب الرّاكبين معهم؛ ينادون الأموات ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط! قال: ولقد خشيتُ في تلك الحال الغرق؛ لما شاهدته من الشّرك بالله.
وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية المتّصلة بصنعاء: إنّ كثيرًا منهم إذا حدث له ولد؛ جعل قسطًا من ماله لبعض الأموات المعتقدين، ويقول: إنّه قد اشترى ولده من ذلك الميّت الفلانيّ بكذا، فإذا عاش حتى يبلغ سنّ الاستقلال؛ دفع ذلك الجُعل لمَن يعتكف على قبر ذلك الميّت من المحتالين لكسب الأموال.
وبالجملة: فالسّيّد المذكور ﵀ قد جرّد النّظر في بحثه السّابق إلى الإقرار بالتّوحيد الظّاهريّ، واعتبر مجرد التّكلّم بكلمة التّوحيد [فقط، من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلّم بكلمة التّوحيد] ، ويخالفه من اعتقاده الذي صدرت
стр. 330
عنه تلك الأفعال المتعلّقة بالأموات، وهذا الاعتبار لا ينبغي التّعويل [عليه] ولا الاشتغال به؛ فالله ـ سبحانه ـ إنّما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرّد الألفاظ؛ وإلَّا لما كان هناك فرق بين المؤمن والمنافق.
وأمّا ما نقله السّيد المذكور ﵀ عن ابن القيّم في أول كلامه من تقسيم الكفر إلى عمليّ واعتقاديّ؛ فهو كلام صحيح؛ وعليه جمهور المحقّقين، ولكن لا يقول ابن القيم ولا غيره: إنّ الاعتقاد في [الأموات] على الصّفة التي ذكرها هو من الكفر العلميّ. وسننقل ـ ههنا ـ كلام ابن القيم في أنّ ما يفعله المعتقدون في الأموات من الشّرك الأكبر ، كما نقل عنه السّيّد ﵀ في كلامه السّابق، ثم نتبع ذلك بالنّقل عن بعض أهل العلم؛ فإنّ السائل ـ كثّر الله فوائده ـ قد طلب ذلك في سؤاله؛ فنقول:
قال ابن القيّم في شرح «المنازل» ـ في باب: التوبة ـ: وأمّا الشّرك فهو نوعان: أكبر وأصغر؛ فالأكبر لا يغفره الله إلَّا بالتوبة منه، وهو أن يتّخذ من دون الله ندًّا يحبّه كما يحبّ الله، بل أكثرهم يحبّون آلهتهم أعظم من محبّة الله، [ويغضبون] لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم ممّا يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين، وقد شاهدنا [هذا] نحن وغيرنا منهم جهرة، ونرى أحدهم اتّخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا كان عبّاد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم؛ فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتّخذها من البشر؛ قال الله ـ تعالى ـ حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى إنّ الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إنّ الله لا يهدي مَن هو كاذب كفّار﴾ ؛ فهكذا
стр. 331
حال مَن اتّخذ من دون الله وليًّا يزعم أنّه يقرّبه إلى الله ـ تعالى ـ، [وما أعزّ مَن تخلّص من هذا، بل ما أعزّ مَن لا] يعادي مَن أنكره، والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشّرك، وقد أنكر الله ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أنّ الشّفاعة كلّها له.
ثم ذكر الآية التي في سورة سبأ؛ وهي: قوله ـ تعالى ـ: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرّة في السّموات ولا في الأرض﴾ وتكلّم عليها، ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها، ولكنّ أكثر النّاس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنّه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن؛ كما قال عمر بن الخطّاب ﵁: «إنّما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام مَن لا يعرف الجاهليّة» ؛ وهذا لأنّه إذا لم يعرف الشّرك وما عابه القرآن وذمّه؛ وقع فيه وأقرّه، وهو لا يعرف أنّه الذي كان عليه الجاهليّة فتُنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سُنّة والسُّنّة بدعة، ويكفّر الرّجل بمحض الإيمان وتجريد التّوحيد، ويبدّع بتجريد متابعة الرّسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومَن له بصيرة وقلب [حيّ] يرى ذلك عيانًا. والله المستعان.
ثم قال في ذلك الكتاب:
стр. 332
فصل
وأمّا الشّرك الأصغر فكيسير: الرياء، والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلَّا الله وأنتَ، وأنا متوكّل على الله وعليك، ولولا أنتَ لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
ثم قال ابن القيّم ﵀ في ذلك الكتاب، بعد فراغه من ذكر الشّرك الأكبر والأصغر والتّعريف لهما:
ومن أنواع الشّرك: سجود المريد للشّيخ.
ومن أنواعه: التّوبة للشّيخ؛ فإنّها شرك عظيم.
ومن أنواعه: النّذر لغير الله، والتوكّل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذّلّ لغير الله، وابتغاء الرّزق من عند غير الله، وإضافة نعمة إلى غيره.
ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتّوجّه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإنّ الميّت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عمّن استغاث به، أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشّافع والمشفوع عنده؛ فإنّ الله ـ تعالى ـ لا يشفع عنده أحد إلَّا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه؛ وإنّما السّبب [لإذنه] كمال التّوحيد؛ فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن.
والميّت محتاج إلى مَن يدعو له؛ كما أوصانا النّبيّ ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحّم عليهم، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا؛ وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانًا تُعبد؛ فجمعوا بين الشّرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التّوحيد، ونسبتهم إلى التّنقّص بالأموات، وهم قد تنقّصوا الخالق بالشّرك، وأولياءه الموحّدين بذمّهم ومعاداتهم، وتنقّصوا مَن أشركوا به غاية التّنقّص؛ إذ ظنّوا أنّهم راضون منهم بهذا، وأنّهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرّسل في كلّ زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله درّ خليله إبراهيم؛ حيث يقول: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ربّ إنّهنّ أضللن كثيرًا من النّاس﴾ ، وما نجا من شرك هذا الشّرك الأكبر إلَّا مَن جرّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرّب بمقتهم إلى الله. انتهى كلام ابن القيّم [ـ رحمه الله تعالى ـ] .
فانظر كيف صرّح بأنّ ما يفعله هؤلاء المعتقدون في الأموات هو شرك أكبر، بل
стр. 333
أصل شرك العالم، وما ذكره من المعاداة لهم فهو صحيح؛ ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون مَن حادّ الله ورسوله﴾ ، ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء﴾ إلى قوله: ﴿كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ .
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ـ في الإقناع ـ: إنّ مَن دعا ميّتًا ـ وإن كان من الخلفاء الراشدين ـ؛ فهو كافر، وإنّ مَن شكّ في كفره فهو كافر.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل ـ في «الفنون» ـ: لما صعبت التّكاليف على الجهّال والطّغام؛ عدلوا عن أوضاع الشّرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها؛ فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، و [هم] عندي كفّار بهذه الأوضاع؛ مثل: تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرّقاع فيها: يا مولاي؛ افعل لي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر؛ اقتداء بمَن عبد اللات والعزى. انتهى.
وقال ابن القيّم ﵀، في «إغاثة اللهفان» ، في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنّف بعض غلاتهم كتابًا سماه «مناسك المشاهد» ، ولا يخفى أنّ هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبّاد الأصنام. انتهى. وهذا الذي أشار إليه هو: ابن المفيد.
وقال في «النّهر الفائق» : اعلم أنّ الشّيخ قاسم
стр. 334
قال في شرحه [ «شرح] درر البحار» : إنّ النّذر الذي يقع من أكثر العوامّ بأن يأتي إلى قبر بعض الصّلحاء قائلًا: يا سيدي فلان؛ إن رُدّ لي غائبي أو عُوفي مريضي؛ فلك من الذّهب والفضّة، أو الشّمع، أو الزّيت، أو الشّياه كذا؛ باطل إجماعًا؛ لوجوه. إلى أن قال: ومنها: ظنّ أنّ الميّت يتصرّف في الأمر، واعتقاد هذا كفر. انتهى.
وهذا القائل هو من أئمّة الحنفيّة، وتأمّل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النّذر المذكور، وأنّه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد.
وقال صاحب «الرّوضة» : إنّ المسلم إذا ذبح للنّبيّ ﷺ كفر. انتهى. وهذا القائل من [أئمّة] الشّافعيّة، وإذا كان الذّبح لسيّد الرّسل كفرًا عنده؛ فكيف بالذّبح لسائر الأموات؟!
وقال ابن حجر في «شرح الأربعين» له: «مَن دعا غير الله فهو كافر» . انتهى.
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدّين ـ رحمه الله تعالى ـ في «الرّسالة السّنيّة» : إنّ كلّ مَن غلا في نبيّ أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهيّة؛ مثل: أن يقول: يا سيدي فلان؛ أغثني، أو: ارزقني، أو: اجبرني، وأنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال؛ فكلّ هذا شرك وضلال؛ يُستتاب صاحبه؛ فإن تاب وإلَّا قُتل؛ فإنّ الله إنّما أرسل الرّسل وأنزل الكتب
стр. 335
ليُعبد وحده، لا يُجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى ـ مثل: المسيح، والملائكة، والأصنام ـ لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النّبات؛ وإنّما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: إنّما نعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى؛ ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ، فبعث الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال ـ تعالى ـ: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضّرّ عنكم ولا تحويلًا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربّهم الوسيلة أيّهم أقرب﴾ الآية. قال طائفة من السّلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة.
ثم قال في ذلك الكتاب: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدّين، وهو التّوحيد الذي بعث الله به الرّسل وأنزل به الكتب؛ قال الله ـ تعالى ـ: ﴿ولقد بعثنا في كلّ أُمّة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطّاغوت﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلَّا نوحي إليه أنّه لا إله إلَّا أنا فاعبدون﴾ ، وكان ﷺ يحقّق التّوحيد ويعلّمه أُمّته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ؛ قال: «أجعلتني لله ندًّا؟ بل: ما شاء الله وحده» ، ونهى عن الحلف بغير الله، [و] قال: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك» ، وقال ﷺ في مرض موته: «لعن الله اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ؛ يحذّر ما فعلوا، وقال ﷺ : [ «اللهمّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد» ، وقال ﷺ ] : «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلّوا علىّ حيث ما كنتُم؛ فإنّ صلاتكم تبلغني» .
ولهذا اتّفق أئمّة الإسلام على أنّه لا يُشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصّلاة عندها؛ وذلك [لأنّ] من أكثر الأسباب لعبادة الأوثان كانت تعظيم القبور؛
стр. 336
ولهذا اتّفق العلماء على أنّ مَن سلّم على النّبيّ ﷺ عند قبره أنّه لا يتمرّغ بحُجرته ولا يقبّلها؛ لأنّه إنّما يكون لأركان بيت الله فلا يشبّه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كلّ هذا لتّحقيق التّوحيد الذي هو أصل الدِّين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملًا إلَّا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمَن تركه؛ [كما] قال الله ـ تعالى ـ: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومَن يُشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا﴾ ؛ ولهذا كانت كلمة التّوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلَّا هو الحيّ القيّوم﴾ ، وقال ﷺ : «مَن كان آخر كلامه (لا إله إلَّا الله) دخل الجنّة» ، والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له واستغاثة به ورجاء له وخشية وإجلالًا. انتهى.
وقال أيضًا شيخ الإسلام تقيّ الدّين بن تيميّة ﵀، في كتابه «اقتضاء الصّراط المستقيم» ، في الكلام على قوله: ﴿وما أُهِلّ به لغير الله﴾ : وإنّ ظاهره: أنّه ما ذُبح لغير الله، سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أنّ ما ذبحناه متقرّبين به إلى الله كان أزكى ممّا ذبحناه للحم وقلنا عليه: باسم الله؛ فإنّ عبادة الله بالصّلاة والنّسك له أعظم من الاستغاثة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقرّبًا إليه يحرم، وإن قال فيه: باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأُمّة، وإن كان هؤلاء مرتدّين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذّبيحة
стр. 337
مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذّبح للجنّ.
ثم قال في موضع آخر من هذا الكتاب: إنّ العلّة في النّهي عن الصلاة عند القبور: ما يفضي إليه ذلك من الشّرك؛ ذكر ذلك الإمام الشّافعيّ ـ رحمه الله تعالى ـ وغيره، وكذلك الأئمّة من أصحاب أحمد ومالك ـ كأبي بكر الأثرم ـ علّلوا بهذه العلة. انتهى.
وكلامه في هذا الباب واسع جدًّا، وكذلك كلام غيره من أهل العلم.
وقد تكلّم جماعة من أئمّة أهل البيت ـ رضوان الله عليهم ـ ومن أتباعهم ﵏ في هذه المسألة بما يشفي ويكفي، ولا يتّسع المقام لبسطه، وآخر مَن كان منهم نكالًا على القبوريّين وعلى القبور الموضوعة على غير الصّفة الشّرعيّة مولانا الإمام المهديّ العبّاس بن الحسين بن القاسم ﵀؛ فإنّه بالغ في هدم المشاهد التي كانت فتّنة للنّاس وسببًا لضلالهم، وأتى على غالبها، ونهي النّاس عن الاجتماع والعكوف عليها؛ فهدمها، ومَن كان في عصره من أكابر العلماء ترسّلوا إليه برسائل، وكان ذلك هو الحامل له على نصرة الدّين بهدم طواغيت القبوريّين.
وبالجملة؛ فقد رسدنا من أدِلّة الكتاب والسُّنّة ـ فيما سبق ـ ما لا يحتاج معه إلى الاعتضاد بقول أحد من أهل العلم، ولكنّا ذكرنا ما حرّرناه من أقوال أهل العلم مطابقة [لما طلبه السّائل ـ كثّر الله فوائده ـ.
وبالجملة؛ فإخلاص التّوحيد هو الأمر الذي بعث الله
стр. 338
لأجله الرّسل، وأنزل] به كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التّفصيل، ولو أراد رجل أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسُّنّة؛ لكان مجلّدًا ضخمًا.
انظر فاتحة الكتاب التي تتكرّر في كلّ صلاة مرّات من كلّ فرد من الأفراد، ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلّم له؛ فإنّ فيها الإرشاد إلى إخلاص التّوحيد في مواضع:
١ـ فمن ذلك: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ؛ فإنّ علماء المعاني والبيان ذكروا أنّه يقدّر المتعلّق متأخّرًا ليفيد اختصاص البداية باسمه ـ تعالى ـ لا باسم غيره؛ وفي هذا ما لا يخفى من إخلاص التّوحيد.
٢ـ ومنها: [في] قوله: ﴿الحمد لله ربّ العالمين﴾ ؛ فإنّ التّعريف يفيد أنّ الحمد مقصور على الله، واللّام في (لله) تفيد أنّ اختصاص الحمد له؛ ومقتضى هذا أنّه لا حمد لغيره أصلًا، وما وقع منه لغيره فهو في حكم العدم. وقد تقرّر أنّ الحمد هو الثّناء باللّسان على الجميل الاختياري لقصد التّعظيم؛ فلا ثناء إلَّا عليه، ولا جميل إلَّا منه، ولا تعظيم إلَّا له، وفي هذا من إخلاص التّوحيد ما ليس عليه مزيد.
٣ـ ومن ذلك: قوله: ﴿مالك يوم الدّين﴾ أو ﴿ملك يوم الدّين﴾ ـ على القراءتين السّبعيّتين ـ؛ فإنّ كونه المالك ليوم الدّين يفيد أنّه لا مُلك لغيره؛ فلا ينفذ إلَّا تصرّفه، لا تصرّف أحد من خلقه، من غير فرق بين نبيّ مرسل وملك مقرّب وعبد صالح، وهكذا معنى كونه مَلِك يوم الدّين؛ فإنّه يفيد أنّ الأمر أمره، والحكم حكمه؛ ليس لغيره معه أمر ولا حكم، كما أنّه ليس لغير ملوك الأرض معهم أمر ولا حكم ـ ولله المثل الأعلى ـ. وقد فسّر الله هذا المعنى الإضافيّ المذكور في فاتحة الكتاب
стр. 339
في موضع آخر من كتابه العزيز؛ فقال: ﴿وما أدراك ما يوم الدّين * ثم ما أدراك ما يوم الدّين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله﴾ ؛ ومَن كان يفهم كلام العرب ونكته وأسراره؛ كفته هذه الآية عن غيرها من الأدِلّة، واندفعت لديه كلّ شبهة.
٤ـ ومن ذلك: ﴿إيّاك نعبد﴾ ؛ فإنّ تقديم الضّمير قد صرّح أئمّة المعاني والبيان وأئمّة التّفسير: أنّه يفيد الاختصاص؛ فالعبادة لله ـ سبحانه ـ، ولا يشاركه فيها غيره ولا يستحقّها، وقد عرفتَ أنّ الاستغاثة والدُّعاء والتّعظيم والذّبح والتّقرّب من أنواع العبادة.
٥ـ ومن ذلك: قوله ﴿وإيّاك نستعين﴾ ؛ فإنّ تقديم الضّمير ههنا يفيد الاختصاص ـ كما تقدّم ـ؛ وهو يقتضي أنّه لا يشاركه غيره في الاستعانة به في الأمور التي لا يقدر عليها غيره.
فهذه خمسة مواضع في فاتحة الكتاب؛ [يفيد كلّ واحد منها: إخلاص التّوحيد. مع أنّ فاتحة الكتاب] ليست إلَّا سبع آيات؛ فما ظنّك بما في سائر الكتاب العزيز؛ فذكرنا لهذه الخمسة المواضع في فاتحة الكتاب كالبرهان على ما ذكرناه من أنّ في الكتاب العزيز من ذلك ما يطول تعداده، وتتعسّر الإحاطة به.
٦ـ وممّا يصلح أن يكون موضعًا سادسًا لتلك المواضع الخمسة في فاتحة الكتاب: قوله
﴿ربّ العالمين﴾ ؛ وقد تقرّر ـ لغةً وشرعًا ـ أنّ (العالَم) ما سوى الله ـ سبحانه ـ، وصيغ الحصر إذا تتبعتها من كتب المعاني والبيان والتّفسير والأصول؛ بلغت ثلاث عشرة صيغة فصاعدًا، ومَن شكّ في هذا؛ فليتتبّع «كشّاف» الزّمخشريّ؛ فإنّه سيجد فيه ما ليس له ذكر في كتب المعاني والبيان؛ كالقلب؛ فإنّه جعله من مقتضيات الحصر ـ ولعلّه ذكر ذلك عند تفسيره للطّاغوت ـ، وغير ذلك ممّا لا يقتضي المقام بسطه، ومع الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة؛ تكثر الأدِلّة الدّالّة على إخلاص التّوحيد وإبطال
стр. 340
الشّرك بجميع أقسامه.
واعلم أنّ السّائل ـ كثّر الله فوائده ـ ذكر في جملة ما سأل عنه: أنّه لو قصد الإنسان قبر رجل من المسلمين مشهور بالصّلاح، ووقف لديه وأدّى الزّيارة، وسأل الله بأسمائه الحسنى، وبما لهذا الميّت [لديه] من المنزلة؛ هل تكون هذه البدعة عبادة لهذا الميّت، ويصدق عليه أنّه دعا غير الله، وأنّه قد عبد غير الرّحمن، وسُلِبَ عنه اسم الإيمان؟! ويصدق على هذا القبر أنّه وثن من الأوثان، ويحكم بردّة ذلك الدّاعي، والتّفريق بينه وبين نسائه، واستباحة أمواله، ويُعامل معاملة المرتدّين؟ أو يكون فاعلًا معصيّة كبيرة أو مكروهًا؟
وأقول: إنّا [قد] قدّمنا في أوائل هذا الجواب: أنّه لا بأس بالتّوسّل بنبيّ من الأنبياء أو وليّ من الأولياء أو عالم من العلماء، وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه؛ فهذا الذي جاء إلى القبر زائرًا، أو دعا الله وحده، وتوسّل بذلك الميّت؛ كأن يقول: «اللهمّ إنّي أسألك أن تشفيني من كذا، وأتوسّل إليك بما لهذا العبد الصّالح من العبادة لك والمجاهدة فيك والتعلّم والتّعليم خالصًا لك» ؛ فهذا لا تردّد في جوازه.
لكن؛ لأيّ معنى قام يمشي إلى القبر؟ فإن كان لمحض الزّيارة، ولم يعزم على الدُّعاء والتّوسّل إلَّا بعد تجريد القصد إلى الزّيارة؛ فهذا ليس بممنوع؛ فإنّه إنّما جاء ليزور، وقد أذن لنا رسول الله ﷺ بزيارة القبور؛ بحديث: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور؛ [ألا] فزوروها» ـ وهو في «الصّحيح» ـ، وخرج لزيارة الموتى ودعا لهم، وعلّمنا كيف نقول إذا نحن زرناهم؛ وكان يقول: «السّلام عليكم [أهل دار قوم مؤمنين] ، وإنّا بكم إن شاء الله
стр. 341
لاحقون، وأتاكم ما تُوعدون، نسأل الله لنا ولكم العافية» ـ وهو أيضا في «الصّحيح» بألفاظ وطرق ـ؛ فلم يفعل هذا الزّائر إلَّا ما هو مأذون به ومشروع، لكن بشرط أن لا يشدّ راحلته، ولا يعزم على سفر ولا يرحل؛ كما ورد تقييد الإذن بالزّيارة للقبور بحديث: «لا تُشَدّ الرّحال إلَّا لثلاثة ... » ، وهو مُقيّد لمطلق الزّيارة، وقد خُصّص بمخصّصات؛ منها: زيارة القبر الشّريف النّبويّ المحمّديّ ـ على صاحبه أفضل الصّلاة والسّلام ـ، وفي ذلك خلاف بين العلماء، وهي مسألة من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتُحن بسببها من امتُحن، وليس ذكر ذلك ههنا من مقصودنا.
وأمّا إذا لم يقصد مجرّد الزّيارة؛ بل قصد المشي إلى القبر ليفعل الدُّعاء عنده فقط، وجعل الزّيارة تابعة لذلك، أو مشى [لمجموع الزّيارة] والدُّعاء؛ فقد كان يغنيه أن يتوسّل إلى الله بذلك الميّت من الأعمال الصّالحة من دون أن يمشي إلى قبره.
فإن قال: إنّما مشيتُ إلى قبره لأشير إليه عند التّوسّل به!
فيُقال له: إنّ الذي يعلم السّر وأخفى، ويحول بين المرء وقلبه، ويطّلع على خفيّات الضّمائر، وتنكشف لديه مكنونات السّرائر؛ لا يحتاج منك إلى هذه الإشارة التي زعمت أنّها الحاملة لك على قصد القبر والمشي إليه، وقد كان يغنيك أن تذكر ذلك الميّت باسمه [العلم] ، أو بما تميّز به عن غيره؛ فما أراك مشيتَ لهذه الإشارة؛ فإنّ الذي تدعوه في كلّ مكان مع كلّ إنسان، بل مشيت لتسمع الميّت توسّلك به، وتعطف قلبه عليك، وتتّخذ عنده يدًا بقصده، وزيارته والدُّعاء عنده والتّوسّل به، وأنتَ إذا
стр. 342
رجعتَ إلى نفسك وسألتَها عن هذا المعنى؛ فربّما تقرّ لك به، وتصدقك الخبر؛ فإن وجدتَ عندها هذا المعنى الدّقيق الذي هو بالقبول منك حقيق؛ فاعلم أنّه قد علق بقلبك ما علق بقلوب عبّاد القبور، ولكنّك قهرت هذه النّفس الخبيثة عن أن تترجم بلسانك عنها، وتنشر ما انطوت عليه من محبّة ذلك القبر والاعتقاد فيه، والتّعظيم [له] ، والاستغاثة به؛ فأنت مالك لها من هذه الحيثيّة، مملوك لها من الحيثيّة التي أقامتك من مقامك، ومشت بك إلى فوق القبر!
فإن تداركتَ نفسك بعد هذه؛ وإلَّا كانت المستولية عليك، المتصرّفة فيك، المتلاعبة بك في جميع ما تهواه مما قد وسوس به لها الخنّاس، الذي يوسوس في صدور النّاس، من الجنّة والنّاس.
فإن ادّعيتَ أنّك قد رجعتَ إلى نفسك؛ فلم تجد عندها شيئًا من هذا، وفتّشتها فوجدتها صافية عن ذلك الكدر؛ فما أظنّ الحامل لك على المشي إلى القبر إلَّا أنّك سمعتَ النّاس يفعلون شيئًا ففعلتَه، ويقولون شيئًا فقلتَه!
فاعلم أنّ هذه أوّل عقدة من عقود توحيدك، وأوّل محنة من محن تقليدك، فارجع تُؤجر، ولا تتقدّم تُنحر! فإنّ هذا التّقليد الذي حملك على هذه المشية الفارغة العاطلة الباطلة؛ سيحملك على أخواتها؛ فيقف على باب الشّرك أوّلًا، ثم تدخل منه ثانيًا، ثم تسكن فيه وإليه ثالثًا! وأنتَ في ذلك كلّه تقول: سمعتُ النّاس يقولون شيئًا فقلتُه، ورأيتُهم يفعلون أمرًا ففعلتُه.
وإن قلتَ: إنّك على بصيرة في عملك وعلمك، ولستَ ممّن ينقاد إلى هوى نفسه كالأوّل، ولا ممّن يقهرها، ولكنّه يقلّد النّاس كالثاني، بل أنتَ صافي السّر، نقيّ الضّمير، خالص الاعتقاد، قويّ اليقين، صحيح التّوحيد، جيّد التّمييز، كامل العرفان، عالم بالسُّنّة والقرآن؛ فلا لمراد نفسك اتبعتَ، ولا في هوّة التّقليد وقعتَ.
فقل لي بالله: ما الحامل لك على التّشبّه بعبّاد القبور، والتّغرير على مَن كان في عداد سليمي الصّدور؟!
فإنّه يراك الجاهل والخامل، ومَن هو عن علمك وتمييزك عاطل؛ فيفعل كفعلك
стр. 343
يقتدي بك، وليس له بصيرة مثل بصيرتك، ولا قوّة في الدّين مثل قوّتك؛ فيحكى فعلك صورة، ويخالفه حقيقة، ويعتقد أنّك لم تقصد هذا القبر إلَّا لأمر، ويغتنم إبليس اللّعين غربة هذا المسكين الذي اقتدى بك واستنّ بسُنّتك؛ فيستدرجه حتى يبلغ به إلى حيث يريد. فرحم الله امرءًا هرب بنفسه من غوائل التّقليد، وأخلص عبادته للحميد المجيد.
وقد ظهر بمجموع هذا التّقسيم أنّ مَن يقصد القبر ليدعو عنده؛ هو أحد ثلاثة:
١ـ إن مشى لقصد الزّيارة فقط، وعرض له الدُّعاء، ولم يحصل بدعائه تغرير على الغير؛ فذلك جائز.
٢ـ وإن مشى بقصد الدُّعاء فقط أوّله مع الزّيارة، وكان له من الاعتقاد ما قدّمنا؛ فهو على خطر الوقوع في الشّرك، فضلًا عن كونه عاصيًا.
٣ـ وإذا لم يكن له اعتقاد في الميّت على الصّفة التي ذكرنا؛ فهو عاصٍ آثم، وهذا أقلّ أحواله، وأحقر ما يربحه في رأس ماله.
وفي هذ المقدار كفاية لمَن له هداية، والله وليّ التّوفيق.
انتهى ما أردتُ نقله على مسألة الاستعانة والتّوسّل، وقد استرسلتُ في هذه المسألة زيادة على غيرها من مسائل الكتاب؛ لأنّها هي بيت القصيد وروح الكتاب، وهذ القدر الذي نقلتُه فيها إنّما هو بعض ما قاله العلماء المحقّقون؛ ولو أخذتُ أذكر جميع ما قيل فيها لطال الكتاب جدًّا؛ فرأيتُ من الصّواب أن أقتصر على ما حرّره هذا الإمام في هذه المسألة؛ لأنّه سلك منهج الإنصاف، وتجنّب طريق الاعتساف، وكتابه هذا مشتمل على بيان بدع كثيرة ابتدعها النّاس؛ فزيّفها وقضى عليها بالنّقض والإبطال؛ بأقوم حُجّة وأقوى سلطان وأعظم برهان؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أفضل ما جازى به مَن ذبّ عن سُنّة سيد ولد عدنان، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسَلين أفضل الصّلاة والسّلام.
ثم قال السّبكيّ بعد هذا:
стр. 344
الباب التّاسع
في حياة الأنبياء في قبورهم ـ صلوات الله (تعالى) وسلامه عليهم
وحياة الشّهداء وسائر الموتى
ورتّبه على خمسة فصول، اختصر في الفصل الأوّل الجزء الذي صنّفه الحافظ البيهقيّ في حياة الأنبياء، وزاد عليه بعض فوائد.
وتكلّم في الفصل الثّاني على حياة الشّهداء.
وفي الفصل الثّالث على سائر الموتى ... إلى آخر ما ذكر في بقيّة الفصول.
وجوابه أن يُقال: ليس بنا حاجة في الكلام على حياة الأنبياء والشّهداء وسائر الموتى؛ لأنّ شيخ الإسلام لم ينكر شيئًا من هذا؛ بل ذكر هو وتلميذه الحافظ ابن القيّم شيئًا من ذلك في كتبهم ـ كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى ـ؛ وحينئذ فيُقال للسّبكيّ: ما أردتَ بما ذكرتَه في هذا الباب؟ فإن كنتَ تريد أنّ حياة الأنبياء في قبورهم كالحياة الدّنيويّة؛ وعليه فيجوز أن يُطلب منهم الشّيء الذي كانوا يقدرون عليه في الدُّنيا؛ فهذا دونه خرط القتاد؛ لأنّنا نقول: هم أحياء بالمعنى الذي يعلمه الله ـ تعالى ـ، لا بالمعنى الذي نعلمه، ومع هذا؛ فنحن نعتقد أنّها حياة أعلى وأغلى وأعظم من الحياة الدّنيويّة؛ فإنّها لو كانت كحياتنا في هذا الدّار؛ لكان أقلّ النّاس أعلى منهم؛ لأنه مطلق سراحه؛ يمشي ويسافر ويمتمتّع بلذات الدُّنيا، وهم مسجونون تحت الأرض في قبورهم! فأيّ شرف هذا؟!
فإن قال السّبكيّ: أنا لا أعني هذا؛ بل أقول: هي حياة برزخيّة أعلى من الحياة الدُّنيا.
فنقول له: قد رجعتَ عمّا وضعتَ له هذا الباب؛ فإنّك قد خالفت وفرّقت بين
стр. 345
الحياتين؛ فحينئذ؛ لا يُطلب منهم ما كانوا يقدرون عليه في الدُّنيا.
وأمّا الأحاديث التي وردت في هذا الباب: فالصّحيح منها مبنيّ على أنّ رؤياه ﷺ لموسى ـ صلوات الله عليه ـ وهو قائم يصلّي، وكذلك رؤياه لعيسى وموسى ويونس وهم يلبّون؛ إمّا على رؤيا المنام؛ وعليه؛ فلا إشكال، وقد اختار شيخنا محمّد جمال الدّين القاسميّ الدّمشقيّ ـ تغمّده الله برحمته ـ في «معراجه» : أنّ الإسراء والمعراج كان منامًا؛ فاستدلّ له بأحاديث، وهو مذهب عائشة أمّ المؤمنين ﵂، وإن كان الجمهور على خلافه.
وإن كانت الرّؤيا في اليقظة؛ فهو حُجّة لنا على أنّ حياة البرزخ مغايرة للحياة الدُّنيا؛ وإلَّا لما اختصّ برؤيتهم النّبيّ ﷺ وحده فقط؟! بل كان رآهم كلّ الصّحابة الذين كانوا معه ﵊. وهذ الذي ذكرناه مبنيّ على تسليم الأحاديث التي
стр. 346
أوردها البيهقيّ وغيره في هذا الباب.
وعند التّحقيق: فحياة الشّهداء ثابتة بالكتاب العزيز والسُّنّة الصّحيحة، ومنكرها مكذّب بالقرآن وصحيح السُّنّة:
فمن القرآن: قوله ـ تعالى ـ: ﴿ولا تقولوا لمَن يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء﴾ إلى قوله: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾ .
وأمّا السُّنّة: فمثل قوله ﷺ : «إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنّة كيف شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش» .
هذا ما ورد في القرآن، ولم يرد مثله في حقّ الأنبياء، وما ورد من ذلك لا يبلغ درجة هذا.
فإن قلتَ: يلزم على قولكم هذا: أنّ الشّهداء أفضل من الأنبياء.
فالجواب: أنّا لا نزيد على ما أخبر الله وصحّ عن نبيّه ﷺ ، ولا نقيس الأشياء بعقولنا. وأيضًا؛ فإنّ الخصوصيّة لا تقتضي تفضيلًا. فعلى هذا؛ لا يلزمنا ما أوردتموه علينا، سيّما ونحن نقول: إنّ فضل الأنبياء على غيرهم ثابت بنصوص من الكتاب والسُّنّة، ولكن إذا خصّ الله ـ تعالى ـ أحدًا من خلقه بشيء؛ لا يلزم أن يكون أفضل من الأنبياء. ويؤيّد الذي قلناه: ما ذكره العلّامة المحقّق السّيد محمد رشيد رضا ـ حفظه الله ـ في تفسيره لهذه الآية
стр. 347
ـ قوله (تعالى) : ﴿ولا تقولوا لمَن يُقتل﴾ إلخ ـ؛ قال ما نصّه: «أي: لا تقولوا في شأنهم: هم أموات. وقالوا: إنّ اللّام في (لمَن) للتّعليل لا للتّبليغ. والمعنى ظاهر، والتّركيب مألوف، بل هم أحياء في عالم غير عالمكم، ولكن لا تشعرون بحياتهم؛ إذ ليس في عالم الحسّ الذي يدرك بالمشاعر. ثم لا بُدّ أن تكون هذه الحياة حياة خاصّة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم؛ ولذلك ذهب بعض النّاس [إلى] أنّ حياة الشّهداء تتعلّق بهذه الأجساد، وإن فنيت أو احترقت وأكلتها السّباع والحيتان؛ وقالوا: إنّها حياة لا نعرفها، ونحن نقول مثلهم: إنّنا لا نعرفها، ونزيد: أنّنا لا نثبت ما لا نعرف.
وقال بعضهم: إنّها حياة يجعل الله بها الرّوح في جسم آخر يتمتّع به ويرزق. ورووا في هذا روايات؛ منها: الحديث الذي أشار إليه المفسّر الجلال؛ وهو أنّ أرواح الشّهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنّة كيف شاءت.
وقيل: إنّها حياة الذّكر الحسن والثّناء بعد الموت.
وقيل: إنّ المراد بالموت والحياة: الضّلال والهدى؛ روي هذا عن الأصمّ. أي: لا تقولوا: إنّ باذل روحه في سبيل الله ضالّ؛ بل هو مهتدٍ.
[وقيل: إنّها حياة روحانيّة محضة] .
وقيل: إنّ المراد: أنّهم سيحيون في الآخرة، وأنّ الموت ليس عدمًا محضًا كما يزعم بعض المشركين؛ فالآية عند هؤلاء على حدّ: ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم * وإنّ الفجّار في جحيم﴾ ؛ أي: [إنّ] مصيرهم إلى ذلك.
стр. 348
قال الأستاذ الإمام ـ بعد ذكر الخلاف ـ: وقال بعض العلماء الباحثين في الرّوح: إنّ الرّوح إنّما تقوم بجسم [لطيف] أثيري [في صورة هذا الجسم المركّب الذي يكون عليه الإنسان في الدُّنيا، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري] تجول الرّوح في هذا الجسم الماديّ، فإذا مات المرء وخرجت روحه؛ فإنّما تخرج بالجسم الأثيري، وتبقى معه، وهو جسم لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتحلّل، وأمّا هذا الجسم المحسوس فإنّه يتحلّل ويتبدّل في كل عدّة سنين.
قال: ويقرب هذا القول من مذهب المالكيّة؛ فقد رُوي عن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ أنّه قال: إنّ الرّوح صورة كالسجد؛ أي: لها صورة، وما الصّورة إلَّا عرض، وجوهر هذا العرض هو الذي سمّاه العلماء بالأثير، وإذا كان من خواص الأثير النّفوذ في الأجسام اللّطيفة والكثيفة ـ كما يقولون ـ، حتى إنّه هو الذي ينقل النّور من الشّمس إلى طبقة الهواء؛ فلا مانع أن تتعلّق به الرّوح المطلقة في الآخرة، ثم هو يحلّ بها جسمًا آخر تنعم به وترزق، سواء كان جسم طير أو غيره، وقد قال ـ تعالى ـ في آية أخرى: ﴿بل أحياء عند ربّهم يُرزَقون﴾ . وهذا القول يقرّب معنى الآية من العلم.
والمعتمد عند الأستاذ الإمام في هذه الحياة: هو أنّها حياة غيبيّة، تمتاز بها أرواح الشّهداء على سائر أرواح النّاس، بها يُرزقون وينعمون، ولكنّنا لا نعرف حقيقتها، ولا حقيقة الرّزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك؛ لأنّه من عالم الغيب الذي نؤمن به، ونفوّض الأمر فيه إلى الله [تعالى] .
стр. 349
ذكر الله ـ تعالى ـ فضل الشّهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدّعوة إلى الحقّ والدّفاع عنه» . انتهى.
فإذا عرفتَ ما قاله العلماء في حياة الشّهداء التي ثبتت بالكتاب والسُّنّة، وأنّها ليست كحياتنا؛ علمتَ قطعًا [بطلان] ما بنى عليه السّبكيّ من جواز سؤال الميّت ما كان يقدر عليه في الدُّنيا ـ لأنّه حيّ في قبره حياة حقيقيّة ـ.
ثم يُقال له: فهل كان الصّحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ يعلمون ذلك أم لا؟ فإن كانوا يعلمونه؛ فلِمَ لم يُنقل لنا بإسناد صحيح عن أحد منهم أنّه كان يأتي إلى القبر المعظّم، ويسأل منه ﷺ ما كان يسأله منه في الدُّنيا ويستغيثه ويشاوره، مع علمه أنّه يسمعه ويقدر على إجابته وقضاء حوائجه؟! بل كانوا يأتون إلى القبر الشّريف ويسلّمون عليه ثم ينصرفون. وإن كانوا لا يعلمون ذلك؛ فمَن أين أتى للسّبكيّ أنّ هذه الحياة حياة حقيقيّة يقدر معها على التّصرّف التّامّ؟!
فقد علمتَ ـ بما قرّرناه ـ أن السّبكيّ لا حُجّة له بما أورده في هذا الباب على مقصوده من جواز الاستغاثة بالمخلوق الميّت أو الغائب.
وأمّا التّوسّل بالأنبياء والصّالحين في حياتهم وبعد مماتهم؛ فهو جائز ـ كما قدّمناه ـ؛ وقد عرفتَ الفرق بين التّوسّل والاستغاثة.
وللإمام الحافظ ابن القيّم كلام نفيس ذكره في نونيّته المسمّاة بـ «الكافية الشّافية في الانتصار لأهل الفرقة النّاجية» ؛ يتعلّق بما نحن فيه؛ أردنا أن نختم به الكلام على هذا الباب؛ قال ـ رحمه الله تعالى ـ ما نصّه:
стр. 350
فصل
في الكلام على حياة الأنبياء في قبورهم
ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقانِ
قال الرسول بقبره حيّ كما ... قد كان فوق الأرض والرجمانِ
من فوقه أطياق ذاك الترب واللبنـ ... ـات قد عرضت على الجدرانِ
أو كان حيًّا في الضّريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقانِ
ما كان تحت الأرض بل [من] فوقها ... والله هذي سنة الرّحمنِ
أتراه تحت الأرض حيًّا ثم لا ... يفتيهم بشرائع الإيمانِ
ويريح أمته من الآراء ... والخلف العظيم وسائر البهتانِ
أم كان حيًّا عاجزًا عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفانِ
وعن الحراك فما الحياة اللّات قد ... أثبتموها أوضحها ببيانِ
* * *
стр. 351
هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتانِ
إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حيّ يشاهدهم شهود عيانِ
هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفانِ
فأجابهم بجواب حيّ ناطق ... فأتوا إذًا بالحقّ والبرهانِ
هلا أجابهم جوابًا شافيًا ... إن كان حيًّا ناطقًا بلسانِ
هذا وما شدت ركائبه عـ ... ـن الحجرات للقاصي من البلدانِ
مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التّبيانِ
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمانِ
إن قلتم سبق البيان صدقتم ... قد كان بالتكرار ذا احسانِ
* * *
هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعنى على علماء كل زمانِ
أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيانِ
بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتانِ
قد قصّر الفاروق عند فريقكم ... إذ لم يسله وهو في الأكفانِ
أتراهم يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهم أعز حصانِ
стр. 352
ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ ... ـمعهم ولا يأتي لهم ببيانِ
أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيًّا داخل البنيانِ
يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ ... ـوث بالقرآن والرحمنِ
والله لا قدر الرسول عرفتم ... كلا ولا للنفس والإنسانِ
من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمانِ
* * *
ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآنِ
أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدانِ
أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتانِ
إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حيًّا قط بالبرهانِ
أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولانِ
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ ... ـوا بالدليل فنحن ذو أذهانِ
أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكرانِ
لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوانِ
стр. 353
قد كان يمكنهم يقولوا أنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسانِ
لكنهم بالله أعلم منكم ... ورسوله وحقائق الايمانِ
ولقد أتوا إلى العباس يستـ ... ـقون من قحط وجدب زمانِ
هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوانِ
فنبيهم حي ويستسقون غـ ... ـير نبيهم حاشا أولي الايمانِ
فصل
فيما احتّجوا على حياة الرّسل في القبور
فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حيّ كما قد جاء في القرآنِ
والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيانِ
فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والبرهانِ
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيانِ
ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمانِ
أفليس في هذا دليل أنه ... حيّ لمن كانت له أذنانِ
أو لم ير المختار موسى قائمًا ... في قبره لصلاة ذي القربانِ
أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلانِ
أو لم يقل أني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسانِ
أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتانِ
هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيانِ
стр. 354
وبأن أعمال العباد عليه تعـ ... ـرض دائمًا في جمعة يومانِ
يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشأنِ
فصل
في الجواب عمّا احتجّوا به في هذه المسألة
فيقال: أصل دليلكم في ذاك ... حجتنا عليكم وهي ذات تبيانِ
إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركانِ
هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتًا ذاك في القرآنِ
ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمانِ
стр. 355
هذا وأن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدانِ
لكنه مع ذلك حيّ فارح ... مستبشر بكرامة الرحمنِ
فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدانِ
وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهانِ
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضًا وقد وجدوه رأي عيانِ
فانظر الى قلب الدّليل عليهم ... حرفًا بحرف ظاهر التبيانِ
لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النّسوانِ
خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ... ـترن الرّسول لصحة الايمانِ
شكر الإله لهنّ ذلك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكرانِ
قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الاحسانِ
وكذاك أيضًا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبانِ
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ ... ـرى يقينًا واضح البرهانِ
فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثانِ
لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحداد وملزم الأوطانِ
следующие страницы →