Полный текст (406 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[الكَشْف المُبْدِي لتمويه أبي الحسن السُّبكيّ، تكملة «الصّارم المنكي» ]ـ
المؤلف: محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه (المتوفى: ١٣٥٥هـ) من علماء جدة
دراسة وتحقيق:
د/ صالح بن علي المحسن - أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
د/ أبو بكر بن سالم شهال - دكتوراة في العقيدة من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع - الرياض (سلسلة الرسائل الجامعية [١٧] )
الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
أصل الكتاب: رسالة من المحققَيْن لنيل درجة الماجستير
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته
اسمه:
هو محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم الفقيه. وقد يُقال له: الفقي والمشهور بالفقيه، وأسرته تعرف الآن بعائلة الفقيه.
مولده:
ولد الشيخ محمد بن حسين الفقيه سنة ١٣٠٤ هـ في دمنهور بمصر، وقد نصَّ على سنة ولادته الشيخ محمد نصيف.
стр. 3
نشأته:
نشأ المؤلف- ﵀ بدمنهور، حيث وُلِدَ بها. مات أبوه وهو صغير جداً فتربى عند عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم، وكان عمه هذا عالماً، فربَّاه ونشأه على العلم وغرس فيه حب التعلم، لما لمسَ فيه من النبوغ وسرعة التحصيل فَحفظه القرآن وشيئاً من العلوم، ثم سافر للَحج وطاب له الجلوس في جُدة، ونزل على بيت الشريف مهنا ثم أخذ يتلقى العلم من علمائها.
стр. 4
المبحث الثاني: صفاته
لقد كان المؤلف- ﵀ كفيف البصر منذ ولادته، ولكنَّ الله رزقه وعوَّضه عن نعمة البصر بنعمة البصيرة، والذكاء، وقوة الحافظة. ومِمَّا يدل لهذا ما حدَّثني به ابنه حيث قال: (كان أبي يعرف مواضع الكتب وأماكنها من مكتبته) . وما قاله أيضاَ تلميذه حمزة سعداوي: (كان شيخنا- ﵀ الشيخ محمد أُوتي قوة حافظة عجيبة، وسرعة تذكُر، فكان إذا سمع الصوت مرة واحدة لا ينساه وربما يعرف القادم من خلال مشيه وخطواته) . ويدلُّ لهذا ما ذكره- ﵀ في كتابه هذا من الكتب الكثيرة، وسرد أسمائها وأسماء مؤلفيها من حفظه.
وكان- ﵀ ربعة من الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، كان نحيفاَ، ويمتاز بهيئته في المشي. فإذا مشى مشى ممشوق القائمة شامخاَ برأسه، ولم يكن ﵀ كثير شعر اللحية، بل كان خفيف العارضين، وربما إذا مشى مسك عصى بيده، وقد يأتي أحياناَ ويكون معه قائدٌ يقوده من بيته إلى مسجده. ولباسه لباس العلماء في ذلك الوقت- الجبة والعمامة-. كان صوته أقرب إلى الخفض، إلا أنه كان مسموعاً هادئاَ يبعث سماعه على الطمأنينة والراحة.
ولم يكن- ﵀ ممن يكثر الاختلاط بالناس، إلا بقدر الحاجة من نصح وإرشاد.
كان كثير الصوم والصلاة، دائم التضرع والابتهال إلى الله. حدثتني ابنته تقول:
(كان يقضي غالب وقته في مكتبته مع بعض تلاميذه، فإذا جاء الليل شغله بالذكر والقرآن والصلاة ويحرص حرصا شديدا على صيام أيام التطوع) .
стр. 5
أخلاقه:
عاش الشيخ- ﵀ عيشة الفقراء، فأثر ذلك في أخلاقه وطِبَاعِه، كان متواضعاً جداً لا تُعْجبه حياة الترف والثراء، ينهى دائماً عن الإكثار من الدنيا ومتاعها، وغالباً ما يوجه طلابه وتلاميذه إلى التقلل من الدنيا.
وقد عُرف عن الزهد فيما في أيدي الناس مع حاجته- ﵀.
ومن أخلاقه: تمتعه بقوة الصبر والتحمل، وشدة التواضع، ومن أمثلة تواضعه وصبره أن يقف للمرأة تستفتيه وتسأله، ويقف للعامة من الناس- وربما أطال الوقوف- ﵀ في شدة الحر، وكان يسمع بعض الكلام ممن يُنْكِرُ عليهم من الصوفية، لا يزيد على قول: اللهم اهدهم.
ومن تواضعه أنه كان يرد السلام على كل من سلم عليه بوجه بشوش طَلْق، فلذلك أحبه الناس مع إنكاره عليهم؛ لأنه كان يُنكِر بحكمة ولين، فأصبح مرجع الناس في حل مشاكلهم وفتاويهم.
كان- ﵀ ملازماَ للتقوى، لا يُحب الكلام في الآخرين والقدح فيهم ويترحم على الميتين ويلتمس الأعذار لمن أخطأ عليه.
стр. 6
المبحث الثالث: أنموذجه اليومي
كان الشيخ- ﵀ حريصاَ على طلب العلم، شغوفاً لسماع كلام أهل العلم، كما وصفه بهذا الشيخ محمد نصيف، فكان- ﵀ مُقَسماَ يومه للاستفادة والتحصيل، فيبدأ يومه بصلاة الفجر، يصلي غالباً في المسجد الملاصق لبيته، وربما صلى في مسجد عكاش، ثم يجلس بعد الصلاة يتلو القرآن ويسبح الله- حتى شروق الشمس. وبعد ذلك يعود إلى بيته. وأحياناً يذهب إلى بيت الشيخ إبراهيم الصنيع، فيجلس مع بعض أصدقائه، ثم يذهب إلى بيته
ويجلس في مكتبته، ويأتيه بعض تلاميذه يقرأون عليه، ويستفيدون منه، وكثيراً ما يذهب إلى مكتبة الشيخ محمد نصيف، ويجلس حتى الظهر فيعود ويصلي في مسجد عكاش، وقد يصلي في مسجد المعمار، حيث كان قريباً من بيت الشيخ نصيف، ثم يذهب إلى بيته ويرتاح قليلاً ويصلي صلاة العصر فيعود إلى مكتبته، وقبل المغرب يذهب إلى مسجد عكاش حيث كان إماماً له في المغرب والعشاء والجمعة فقط، فيجلس- ﵀ من بعد صلاة المغرب للدرس والإفتاء، وبعد صلاة العشاء يعود إلى بيته ... وهكذا- ﵀ كان يومه عامراً بذكرِ الله- وتوجيه الناس للخير.
стр. 7
المبحث الرابع: أسرته ومسكنه
أسرته:
يرجع المؤلف- ﵀ إلى عائلة الفقيه، وهي مشهورة بهذا الاسم، وقد يُقال له أيضاً: الفقي، ومعناه: المعلم: فلكونه معلّمَا وفقيهاَ اشْتُهِرَ بالفقيه. تزوج المؤلف- ﵀ مرات كثيرة، ولكنه لم يرزق أولادا إلا من زوجتين فقط، وقد مات عنهما.
مسكنه:
عاش الشيخ- ﵀ في مدينة جُدة، وكانت جُدة في ذلك الوقت صغيرة، ويقع مسكنه الآن في وسط مدينة جُدة، وتسمى الآن جُدة القديمة في حارة تسمى حارة المظلوم.
يتكون بيته من ثلاث طوابق، وكانت المكتبة تشغل الطابق الأوسط وجزءاً من الأول، وقد ذهبتُ لهذا البيت وشاهدته، ولا يزال بعض أبنائه وبناته يعيشون فيه.
стр. 8
المبحث الخامس: حياته العلمية
نستطيع أن نقسم حياة المؤلف- ﵀ العلمية إلى مرحلتين. وتشمل المرحلة الأولى: من حين نشأته وقدومه إلى جدة واتصاله بعلمائها حتى سفره إلى دمشق. والمرحلة الثانية: انتقاله من جدة إلى دمشق. وهذه المرحلة التي استفاد منها حيث اتصل بعالم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي.
المرحلة الأولى: فكما تقدَّم أن الشيخ- ﵀ ولد سنة ١٣٠٤ هـ في مدينة دمنهور بمصر، وجلس بها مدة، وتلقى فيها تعليمه الأوليّ، فحفظ القرآن الكريم بالكتاتيب كغيره من أقرانه، وشيئاً من مبادئ العلوم. ثم عزم على أداء فريضة الحج مع والدته، وكان هذا في حدود سنة ١٣٢٠ هـ. وبعد أن قضى مناسك الحج، جلس في مدينة جدة، وأما أمه فحدثني ابنه حامد إنها توفيت بعد الحج.
اهتم الشيخ- ﵀ في هذه المرحلة بالقرآن الكريم: حفظاً وتفهُّمًا. واتصل بعلماء جدة، ولازم دروس العلماء، واهتم أولاً بتعلم القراءات السبع، ولازم فيها العالم العلاَّمة الشيخ أحمد الزهرة، حيث كان مُلما بالقراءَات السبع. وقد نال الزهرة الشهادة العالمية بها من الأزهر، وتعلَم عليه أيضاً مبادئ النحو، فكان يُقَوِّم ألْسنَة طلابه؛ لأنه كان غيوراً على النحو، فلا يكاد يسمع خطأ حتى يمتلئ بالغضب. وتلقى عليه أيضاً العلوم التي كانت تُدرَس في تلك الفترة من الحديث والتفسير، حيث كان الزهرة يدرس العلوم بمسجد الشافعي، وجَدَ في تعلم القراءات، فتعلم على الشيخ أحمد حامد أبو تِيجْ المدني، فقد كان من كبار القرَّاء. ومع اهتمامه في بداية الطلب بالقرآن والقراءات، اهتم أيضاً بتلقي العلوم الشرعية الأخرى، فقد لازم عالم جدة المشهور في ذلك الوقت الشيخ أحمد ابن الشيخ علي باصبرين، وكان يُدرِّس الفقه على المذاهب الأربعة، واتصل بالعلماء الآخرين.
стр. 9
وكان الشيخ في هذه المرحلة حريصاَ على الطلب، ويرجع هذا لما آتاه الله من حب للعلم. ويظهر حرصه على العلم بما وصفه به نصيف حيث قال: (كان الشيخ محمد لا يفوته درس من دروس العلماء والمشايخ أثناء طلبه للعلم، كان شديد الحرص على ذلك بالغاً فيه الجَهد والغاية، مع أنه كان كفيفَ البصر) . ومما يدلُّ له أيضاَ: اقتصار صاحب كتاب "تراجم علماء جُدة من الحضارمة " على ذكره عندما تكلم عن أبرز طلاب الشيخ باصبرين، فلم يذكر إلا هو والشيخ عبد القادر التلمساني، وهذا مما يدلُّ على أنه كان حريصاَ ملازماً.
المرحلة الثانية: وتبدأ هذه المرحلة برحلته العلمية إلى دمشق، حيث عالمها الشهير جمال الدين القاسمي.
فبعد أن تلقى المؤلف- ﵀ تعليمه على علماء جدة- كما قلَّمنا- أراد الاستزادة من هذا العلم، فتوجه إلى الشام، وكان هذا في حوالي سنة ١٣٢٥ هـ. اتصل ﵀ بالشيخ جمال الدين، ولازمه مدة امتدت إلى خمس سنوات أو ست سنوات، استفاد فيها فائدة عظيمة ظهرت آثارها في حياته وسلوكه، وفي كتابه أيضا.
فقد أتقن علم الحديث والتمييز بين الصحيح والضعيف. ويدُل لهذا ذكره للأحاديث الكثيرة في كتابه مع الاعتناء بذكر الصحيح منها، حيث لم يذكر في كتابه إلا الصحيح، وقد يذكر الضعيف مع التنبيه على ضعفه.
كما استفاد- ﵀ من شيخه القاسمي: "العقيدة الصحيحة والسلفية والدعوة إليها والرد على المخالفين "، من معتزلة، وأشعرية، وجهمية، وبالغ في الرد على الصوفية، وتحرر من التقليد الأعمى، وحاربه أشد محاربة، وكان يتردد على مكتبة دمشق في ذلك الوقت وكانت عامرة بالكتب، فاستفاد من النظر فيها والأخذ منها.
ثم رجع إلى جُدة- ﵀ وكان هذا في حدود سنة ١٣٣١ هـ أو قبلها بقليل، فانكبَّ على التحصيل والمطالعة في مكتبته العظيمة. وقد استمر في جُدة مرجعاً للناس في العلم والفُتْيَا، ومدرساً وإماماً في مسجد عكاش حتى توفَّاه الله.
стр. 10
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء أهل العلم عليه
تعرف مكانة الشخص العلمية بشيوخه ومؤلفاته. فالشيخ- ﵀ تتلمذ على أكابر العلماء في وقته، وقد ذكرنا ما وجدناه منهم، ولا يبعد أن يكون تتلمذ على غيرهم مما لم نجدهم، لا سيما من كانوا في جُدة، ومن أعظم من أخذ عنه: الشيخ جمال الدين القاسمي، كما ذكر هو عنه نفسه. وقد تأثَّر به- ﵀ تأثراً بالغاً، ففهم هذا الدين كما كان يفهمه الصحابة والتابعون، ومن نظر في كتابه يدرك مدى هذا التأثر. ومما يدلُّ على علمه ومكانته، اقتنائه لهذه الكتب العظيمة. فقد كان الشيخ- ﵀ مُغْرَماً بشراء الكتب من مصر والهند، حتى كوَّن مكتبة عظيمة في وقت قلَّ فيه رؤية الكتاب، فضلاً عن اقتنائه. فأفاده هذا سعة اطلاع على كلام لعلماء
ومؤلفاتهم، وكسَبَ شخصية علمية قويَّة. ويدلُّ على تمكُنِهِ من العلم، تأليفه لهذا الكتاب العظيم، وقد ألَفَه وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره. وحدَّثني ولده أنه كان يحب المناظرة في العلم، فقد كان في جُدة عالم كبير اسمه محمد حسين مطر فكان الشيخ ينتصر عليه دائماَ ويُرجعه إلى المسألة في مكانها من كتب العلماء.
وقد بلغ منزلة علمية أهَلته لتصدر المجالس والفُتْيَا، حتى كان مرجعَ الناسِ في جدة، يسألونه عن أمور الطلاق والحلال والحرام، وكان خطيباً في مسجد عكاش، أكبر المساجد في ذلك الوقت، وحلقته في هذا المسجد معروفة يحضرها طلاَب العلم والقُضاة، فاستفاد الناس منه ومن مُجالسته.
يقول تلميذه حمزة سعداوي: (انتفع بعلمه خلق كثير، كانت حلقته غاصَة بالناسِ من طلاب العلم ومن العوام، فأحيا الله به قلوباً ميّتة بعيدة عن منهج الله، فصحَّح
стр. 11
للناس عقائدهم وسلوكهم وأرجعهم للدين الصحيح نقياً كما كان عليه سلف الأمة) .
ثناء أهل العلم عليه ممن عرفه أو درس عليه:
قال عنه الشيخ نصيف: (واظب الشيخ محمد على دروس العلماء وحرص أشد الحرص على التحصيل، فقلَّمَا يفوته درس مع أنه كان كفيفَ البصر، وانتفع بالمواظبة، وصار عالماً، واقتنى مكتبة كبيرة، وأصبح يدرس الناس علوم التفسير، والحديث، وانتفع بعلمه خلق كثير) .
وقال عنه تلميذه حمزة سعداوي: (أُوتي الشيخ علْماً عظيماً، فلم يكن أحد يوازيه علماَ مع قوة الحفظ واستحضار الآيات والأدلة، لا سَيما وقت الْخُطبة وكان لا يُعْلَى عليه في ذلك الوقت) .
وقال عنه تلميذه محمد باشميل: (كان الشيخ عالماً كبيراً، وبالأخص في علم الفقه والحديث. ذهب إلى سوريا لطلب العلم، ثم رجع وقد أُوتي علماً جما، ولم نسمع من يقول قوله، وإذا أخذ يدرَّس وذكرَ اسم صحابي كأنك حاضر مع الرسول ﷺ ، يأتي بكل شيء عن هذا الصحابي: فضائله، وإسلامه) .
وقال عنه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه "تاريخ مدينة جُدة ": (كان الشيخٍ محمد حسين حريصاً على طلب العلم جاداَ فيه، واقتنى مكتبة كبيرة، وأصبح عالما يشار إليه بالبنان، ودرس للناس التفسير والحديث، وانتفع بعلمه خلق كثير ووصفه كثير من طلابه وممن كان يحضر دروسه بأوصاف كثيرة) .
стр. 12
المبحث السابع: طريقته في دروسه
كان الشيخ- ﵀ يدرِّس علوماً كثيرة في مسجده- مسجد عَكاش- ومن أهم هذه العلوم: الحديث، والتوحيد، والتفسير، والسيرة، كان يقرأ في صحيح البخاري، ومسلم، وتفسير ابن كثير، والبداية والنهاية، وزاد المعاد ... وغيرها.
وكانت دروسه غالباً ما تبدأ بعد صلاة المغرب، وطريقته: أن يقرأ أحد التلاميذ في الكتاب، ثم يتولى الشيخ الشرح والبيان، وربما ألقى الأسئلة على الطلاب، وبعد ذلك يتلقى الأسئلة والاستفسارات عن بعض المسائل، وبعد صلاة العشاء يجلس أحياناً للجواب عن أسئلة الناس وحل مشاكلهم.
وفي رمضان، يكون الدرس بعد صلاة العصر، ويكون غالباً يتعلق بالأحكام التي تخص رمضان.
стр. 13
المبحث الثامن: شيوخه
مما لا شك فيه أن معرفة شيوخ العالم تدل على مكانته العلمية. وقد أخذ الشيخ عن علماء كانوا بارزين في عصره ومتضلعين في فنونهم. فممن استفاد منه وأخذ عنه:
١- الشيخ جمال الدين أو محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، من
سلالة الحسن السبط، المعروف بـ "جمال الدين القاسمي " إمام الشام في عصره، علْماً بالدين، وتضلعاً من فنون الأدب. ولد بدمشق سنة ١٢٨٣ هـ، كان سلفي العقيدة، لا يقول بالتقليد. أفاد الناس في قُرى دمشق، وقد انتدبته الحكومة لإلقاء الدروس العامة في القرى والبلاد السورية أربع سنوات.
رحل إلى مصر، وزار المدينة، انقطع للتعليم والتأليف في بيته، فصنَّف كُتباً كثيرة، منها: "المطبوع والمخطوط "، من أعظمها: "تفسير القرآن المسمى "محاسن التأويل " في ١٧ مجلداً. وقد ذكر في مقدمته أنه على عقيدة السلف والإمام أحمد، و"قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث " وهو مطبوع، و"إصلاح المساجد من البدع والعوائد" مطبوع، و"تعطير المشام في مآثر دمشق والشام) مخطوط في أربع مجلدات، وقد تتلمذ عليه الشيخ، وذكر في كتابه فقال: ( ... وقد سمعت شيخنا الأستاذ محمد جمال الدين القاسمي بدمشق يقول ... فقلت له: يا سيدي قد روى البخاري.
إلخ) . توفي- ﵀ في سنة ١٣٣٢ هـ.
٢- الشيخ أحمد بن محمد الزهرة أو الزهراء الشافعي الدمياطي، ولد بمدينة دمياط حوالي سنة ١٢٨٠ هـ، وطلب العلم بها وتلقى علم القراءات، ونال الشهادة العلمية، ثم رحل في صدر شبابه إلى الشام في زمن الدولة العثمانية، ثم انتقل إلى
стр. 14
الحجاز فأقام مدة بالمدينة، ومنها ارتحل إلى جُدة في عام ١٣٠٧ هـ، واستوطن بها أربعين عاما متوالية درَّس العلوم بمسجد الشافعي بجدة بعد صلاة المغرب من كل ليلة، كما كان يقوم بالتدريس بداره أيضا.
يمتاز بحسن القراءة، وإجادة التلاوة في صوت حسن رخيم، وعنده غيرة على القرآن والنحو فلا يكاد يسمع خطأ حتى يمتلئ بالغضب، على أنه كان مع ذلك لطيف المحضر، طريف المجلس، كان كفيف البصر ضئيل الجسم أقرب إلى القصر ويلبس زي العلماء المصريين، وله تلاميذه يحبونه ويخدمونه؛ لأنه لم يكن له زوجة. كان مُجوِّدًا عالماً بالقراءات السبع، وله ثروة عظيمة. يملك أعظم ثلاث بيوت في جُدة، ولما مات أوصى بهذه البيوت لمدارس الفلاح بجدة. توفي بالمدينة في شهر رمضان من عام ١٣٦٤ هـ عن عمر يناهز الثمانين.
٣- الشيخ أحمد بن علي أبو صَبْرينِ الحضرمي الشافعي، ولد سنة ١٢٨٠ هـ بحضرموت، ثم أرسله والده الشيخ علي- الذي كان يُعتبر من أبرز علماء جدة- إلى مصر لطلب العلم، وحينما عاد الشيخ أحمد إلى جدة حوالي عام ١٣١٨ هـ اختبره والده، ثم أنابه عنه في بعض دروسه، فأصبح عالم جدة في وقته، وفقيهها المنقطع لتعليم العلم. فتح دروسه في الفقه فكان يُدَرس الفقه على المذاهب الأربعة، واستفاد منه طلاب العلم، ومنهم: الشيخ محمد بن حسين بن إبراهيم الفقيه. وكان الشيخ مولعاَ بالنظم والنثر. في تآليفه حثاَ وترغيباَ للطالبين للعلم والتعليم، ومن الملازمين له:
الشيخ عبد القادر التلمساني ﵀ له عدة كتب، منها: كتاب جمع فيه أعيان
стр. 15
البلاد وأرباب الدولة، ومنها: كتاب "فقه المذاهب الأربعة" لا يزال مخطوطًا، ثم بعد سنين كثيرة نحو عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، سافر إلى عدن وكان من عادة طالب العلم أن يصحب كتبه معه، لِمَا لها عنده من المحبَّة والتعلُق والحاجة، لأنها سلوته وعدته فلعبت بها الأيدي في حالة حداثة سن ولديه وصغرهما فذهبت عليهما، أجزل الله- تعالى- أجرهما، ورحم والدهما، وأخلف عليهما ما فقداه من نفيس تآليف والدهما، وكانت وفاته على وجه التقريب سنة ١٣٣٢ هـ، وذكر نصيف أنه توفي سنة ١٣٣٩ هـ.
٤- الشيخ أحمد حامد أبو تِيج المدني المصري من أكابر القراء.
стр. 16
المبحث التاسع: تلاميذه
كان- ﵀ يُدرّس في مسجد عكاش- كما أسلفنا-، وقد أفاد الناس بما نشره من علم، وكانت حلقته مليئة بالناس من سائر الطبقات. ولما كان على المكانة العلمية التي وصفنا، فقد لازمه كثير من طلاب العلم، ومن أبرز هؤلاء:
(١) الشيخ بكر إدريس تكروني، لازمه ملازمة تامة، فهو الذي كان يقرأ عليه في الدرس، ويقرأ عليه في مكتبته، ويكتب له أيضاَ، وكان إدريس عالما وهو مأذون الأنكحة في حياة شيخه، ومن التلاميذ الكبار، تولى الإمامة والخطابة في مسجد عكاش بعد وفاة شيخه، ودرس أيضا في مدارس الفلاح بجدة، ثم في المدرسة السعودية. ثم عاد إلى الفلاح، وتوفي بجدة. وكان الشيخ محمد حسين- ﵀ يثق فيه ثقة تامة؛ لعلمه وفضله، حتى إنه يُخَلِفه في إمامة وخطابة المسجد إذا مرض، وكانت ولادة الشيخ تكروني بجدة حوالي سنة ١٣٢٥ هـ، وتوفي عام ١٤٠٢ هـ تغمده الله برحمته وغفر له.
(٢) الشيخ حمزة سعداوي، ممن درس عليه واستفاد منه. قال عن نفسه: (كنت حريصا كل الحرص على الدروس مهما كان عندي من الصوارف) . وقال: (استفدت منه تصحيح بعض الأمور التي كنَّا نفعلها مثل: بدع الجنائز والجلوس للتعزية وغيرها) . ولد حمزة سنهْ ١٣٣٢ هـ بجدة، ودرَس في مدارس الفلاح بجدة، وتخرج منها عام ١٣٥٠ هـ، ثم واصل التدريس فيها قُرابة ٥٠ سنة. تولى إمامة مسجد عكاش بجدة، لا يزال إلى الآن إماما فيه.
стр. 17
بارك الله في بقية عمره، وأحسن الله لنا وله العمل. إنه جواد كريم.
(٣) الشيخ محمد صالح أبو زناده، ولد في جدة عام ١٣١٤ هـ، وتلقى تعليمه في مكتب صادق، ثم انتدب للعمل في مدينة بومباي، وكان أحد كبار التجار العرب في الهند، ثم عاد إلى جدة وكان تاجراً يعمل في استيراد الأرزاق كالدخن، وله مشاريع خيرة ونافعة في مدينة جدة.
وكان ممن تتلمذَ على الشيخ محمد حسين وحضر دروسه واستفاد منه، كان ممن يؤمون الناس في مسجد عكاش، توفي أبو زناده بعد صلاة الفجر من صباح يوم ١٧/٣/١٣٨٧ هـ بجدة، ونقل جثمانه إلى مسجد عكاش واشترك في الصلاة عليه وتشييع جثمانه الجموع الكثيرة- ﵀ وأحسن جزاءه-.
(٤) الشيخ محمد بن يوسف بن علي باشميل، ولد في حضرموت سنة ١٣١٧ هـ، ثم قدم إلى جدة وطلب العلم بها، ولازم الشيخ محمد حسين في المسجد وفي البيت أيضاً، فكانوا يقرأون في زاد المعاد، وتفسير ابن كثير ... وغيرها. كان باشميل حريصاً على قراءة الكتب مثل: صحيح البخاري والبداية والنهاية. وقد زُرته في بيته وأفادني كثيراً عن شيخه. نسأل الله أن يُمتع في بقية عمره، وأن يتوفاه على الإسلام.
стр. 18
المبحث العاشر: مؤلفاته ومكتبته
أولا: مؤلفاته
مع غزارة علم الشيخ وسعة اطلاعه على الكتب العظيمة، فلم نجد له سوى هذا الكتاب، وقد قرأت الكتاب من أوله إلى آخره لعلِّي أجد له مؤلفا فلم أجد، وقد سألت ابنه وسألت تلاميذه وجميع من اتصلت به فكلهم لا يعرفون أن للشيخ مؤلفات. ومع هذا أنا أتوقع أن يكون للشيخ كُتب غير هذا لأن المؤلف- ﵀ لا ينقصه شيء. فالكتب عنده موجودة في مكتبته، وأيضا هو متمكن من التأليف؛ ولأنه قد أنهى كتابه هذا عام ١٣٣٣ هـ، كما نص عليه هو في آخر المخطوط. والمؤلف توفي عام ١٣٥٥ هـ، فهذا يدل على أن في العمر فسحة ومتسعا للتأليف، ولعلنا فيما بعد وبالبحث والسؤال نجد له شيئا.
ثانيا: مكتبته
الشيخ- ﵀ قد أُولعَ بشراء الكتب واقتنائها. وأدلّ دليل على هذا ذكره لهذه الكتب العظيمة في كتابه. وقد حدَّثني ابنه وابنته أن الشيخ كان يقضي جلّ وقته في مكتبته، وكان مسكنه يتكون من ثلاث طوابق، وكانت المكتبة تشغل الطابق الأوسط كله، وشيئا من الطابق الأول. وحدثني تلميذه حمزة سعداوي أنه كان عنده مكتبة كبيرة. وقالت ابنته: كانت الكتب تأتيه من مصر عن طريق أعمامه وأبناء أعمامه أيام الحج، وبعضها عن طريق الشيخ محمد نصيف. وقد ذكر صاحب كتاب "ماضي الحجاز وحاضره " ... قال: (وأول نبأ حقيقي عن مكتبة خاصة وصل إلى علمي يتمثل فيما رواه الشيخ محمد نصيف من أن الشيخ محمد بن حسين بن إبراهيم أحد علماء جدة في أوائل القرن الرابع عشر، كان قد اقتنى مكتبة كبيرة ولا ندري ماذا حدث
لها بعدئذٍ) . وقد سألت أولاد الشيخ عن هذه المكتبة فقالوا: بعدما تُوفي الوالد، كان الوصي علينا بكر إدريس، كان يبيع الكتب وينفق منها، وبعضها ذهب إلى مكتبة الشيخ نصيف، وبعضها لعبت بها الأيدي.
стр. 19
المبحث الحادي عشر: عقيدته وجهوده في نشرها
عقيدة المؤلف- ﵀ هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن نظر في كتابه، وجد هذا واضحا. فكان يرد على أهل الكلام من معتزلة وأشاعرة وغيرهم وسفّه قولهم: إنَّ المقدم هو الدليل العقلي. قال- ﵀: ( ... وقد سمُّوا أنفسهم علماء التوحيد والأصول، وقرروا قانوناً بينهم لا تجوز مخالفته ألبتة، وهو: إذا تعارض دليل سمعي ودليل عقلي جُمع بينهما إن أمكن، فإن تعذر الجمع أول الدليل السمعي ولو بتكلف، فإن تعذَّر التأويل رُدَّ الدليل السمعي إن كان من السنة ولو صحيحا من جهة السند، ويقولون: هذا خبر آحاد، فبسبب هذا القانون أولوا
أسماء الله وصفاته التي ذكرها في كتابه ووصف بها نفسه ووصفه بها رسوله وقالوا: إن اعتقاد ظواهر النصوص كفر صريح، ثم ذكر صفات كثيرة مما يؤولونها مثل: الرحمة، واليد، والنزول، والمجيء، والضحك، والغضب ... وغيرها. ثم قال: فسبحانك هذا بهتان عظيم!. فسبحان من أعمى بصائرهم! وطبع على قلوبهم! فهل يقول مسلم أو كافر إن فروخ الأعاجم أعلم من الرسول ﷺ !. ولعلنا بهذا النقل قد بينا معتقد الشيخ. والكتاب مليء بالرد على هؤلاء وغيرهم من الصوفية والمبتدعة.
بذلَ الشيخ- ﵀ جهوداً في نشر هذه العقيدة وبثها بين طلابه ومستمعيه. قال الشيخ حمزة سعداوي: (إن الشيخ- ﵀ أوقف نفسه على نشر العقيدة السلفية وصحح للناس عقائد، ووجَد عند الناس قابلية لهذه العقيدة. وكان يحذر من أهل البدع بجميع أصنافهم، ومن هؤلاء: الصوفية، فقد كان يُبين للناس أن هؤلاء ضلال
وقال أيضاً: (كان الناس عندهم بدع في زيارة القبور، وفي المآتم، وبعض الناس كان يتمسح بالضريح المنسوب لأمنا حوَّاء. وكان الشيخ- ﵀ ينهاهم عن هذه الأفعال، ويقول لهم: (وقَالَ رَبكمُ ادْعونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ... ) .
стр. 20
ويوجد عند الناس بعض البدع: من التجمع للتعزية وغيرها، فيوضح الشيخ عليه رحمة الله أن هذا لم ترد به السنَّة.
وحدثني تلميذه باشميل أنه كان يحارب ما يحصل من البدع عند القبور، وكان هناك قبر لرجل اسمه أبو سرير.
وكذلك كان الشيخ- ﵀ يدعو إلى الله بالرفق والحكمة، ويذهب إلى أماكن تجمُّع الصوفية- ولا سيما في مسجد يقال له مسجد البدوي-.
وقال باشميل: (كان بعض هؤلاء الصوفية يكرهون الشيخ، ويتكلمون عليه، ويقولون له ولأصحابه. إنهم وهابية) .
وحدثني عبد الرحمن القويز - وهو ممن رأي الشيخ- قال: (كان الناس قبل دخول العهد السعودي يحلفون بالنبي- ﵊ وعندهم بدعة الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ، فكان الشيخ يُبصِّر الناس بهذه البدع وينهاهم عنها، وكان يكره هذه
الأمور- عليه رحمة الله-) .
وقال أيضاً: (كان هناك صوفية كثيرون، وكانوا يمشون في الأسواق يغنون وهم أجناس وأخلاط من الناس، فكان الشيخ يُنكِرُ على هؤلاء ويبيِّن للناس حقيقتهم وبدعتهم) .
هذه بعضٌ من جهود الشيخ في نشر العقيدة وتوضيحها للناس.
стр. 21
المبحث الثاني عشر: مذهبه
المؤلف- ﵀ كان يحارب التقليد الأعمي الذي يكون بدون دليل، وإنَما مجرد نُصْرة الأمام، ومن خلال قراءتي في كتابه لم يتبين لي مذهبه بوضوح. فقد كان ﵀ يُبَجل العلماء ويُقَدرهم وإذا ذَكَر أبو حنيفة قال: قال إمامنا، وكذلك الشافعي، ومالك، وأحمد كلهم يقول عنهم: قال إمامنا. ولكن أميل إلى أنه مالكي المذهب، لأنه عندما ذكر ابن عبد البر قال عنه: (إنه من أجلّ أصحابنا) . قال أيضاً: ( ... وأما إمامنا مالك بن اْنس) .
المبحث الثالث عشر: وفاته
كان من عادة المؤلف- ﵀ في بعض الأحيان يَطيب له الجلوس مع بعض أصدقائه في منزل الشيخ إبراهيم الصنيع. وبعد أن خرج من منزل الصنيع أحسَّ بشيء وألم في قلبه، فذهب إلى بيته وسقط- ﵀ عند باب بيته، وقد أصابته نوبة قلبية ﵀ وكان ذلك في صبيحة يوم الأربعاء الموافق للسابع من شهر صفر من سنة ١٣٥٥ هـ. وقد كان يوماً مشهوداَ حضره الناس العامة والخاصة، وقال تلميذه باشميل: لم يَعْرِف الناسُ قدره إلا بعد أن دفنوه- عليه رحمة الله -. وقد صُليَ عليه فيِ مسجد الشافعي صلاة الظهر، وأم الناس في الصلاة الشيخ محمد صالح
شيخه، ودُفن- ﵀ في مقبرة الأسد. فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة وأسكنه فسيح جناته، وتجاوز عنه بمنّه وكرمه- إنه جواد كريم.
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ ، ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ ، الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهدي فلا مضل له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، إله واحد، ورب شاهد، ونحن له مسلمون، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي كمَّل الله له الدين، وأتم عليه نعمته، وفرض عليه أن يُبين للناس ما نُزِّل إليهم، وأوجب عليهم طاعته، وشرطَ محبته باتباعه في هديه وقوله؛ فقال ـ تعالى ـ ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ ، وعلى آله وأصحابه الذين ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾ .
أما بعد؛ فيقول أحقر العباد وأحوجهم إلى عفو ربه الكريم محمد بن حسين بن سليمان بن إبراهيم، عامله الله ووالديه والمسلمين باللطف العميم: إني لما من الله علي بالاطلاع على كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» الذي ألفه الإمام المحدث المفسر الناقد الخبير بصحيح السنة وسفيمها الحافظ الشيخ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي روح الله روحه ونوّر ضريحه؛ فوجدته كتابًا مفردًا في
стр. 23
بابه خطيبًا في محرابه، جمع من الفوائد مفردات الشوارد والأوابد ما لا يوجد في غيره من الكتب المصنفة في هذا الشأن.
وهذا الكتاب قد ألفه الحافظ ابن عبد الهادي في الرد على قاضي القضاة أبي الحسين تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الذي سماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» ، زعم فيه أنه رد على شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني [الدمشقي] ؛ لأنه زعم أنه حرَّم الزيارة؛ فقام الإمام ابن عبد الهادي فردَّ عليه ردًّا وافيًا بين فيه حال الأحاديث التي استدل بها السبكي وبنى عليها كتابه، وانتصر لشيخ الإسلام وبيَّنَ أنه ما حرَّم الزيارة ولا كرهها بل أمر بها في مناسكه وغيرها.
وحيث إن الإمام ابن عبد الهادي قد اخترمته المنية قبل إكماله حين وصل إلى الباب الرابع من كتاب السبكي، وكتاب السبكي في عشرة أبواب، ولم أرَ من تصدَّى لإكماله، وقد طلبتُ من بعض أصحابي تكملته فاعتذر بأعذار؛ منها: أن طريقة الحافظ ابن عبد الهادي في هذا الكتاب لا يسلكها إلا مهرة الحديث العالمون بالصحيح
стр. 24
والمعلول والموضوع، وأين توجد هذه الكتب التي استحوذ عليها هذا الإمام واستفاد منها، فلما لم أرَ من يلبي طلبي؛ استخرت الله وتوكلت عليه وشمرت عن ساعد الجد والحزم، وقمت في هذا الميدان بأقوى جنان وأصدق عزم، علمًا مني بأن الصعب قد مضى في كتاب هذا الحافظ المذكور؛ فلم يبقَ إلا هذه الفروع التي فرَّعها السبكي من تلك الأصول الواهية، فإذا قد بطل الأصل بطل الفرع، وعلى أي شيء يُبنى والأساس ساقط، وخروجًا من عهدة الكتمان، فهذا ما أمكنني تحريره في هذه المسألة؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء، ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ . وسميته «الكشف المبدي لتمويه أبي الحسين السبكي في تكملة الصارم المنكي» ، واللهَ أسال أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم؛ إنه جواد كريم.
فأقول وبالله أصول وأجول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
فصل
الحافظ ابن عبد الهادي بلغ في كتابه إلى الكلام على الباب الرابع من كتاب السبكي الذي عقده في ذكر أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس على مشروعية شَدّ الرحال والسفر إلى الزيارة؛ فتكلم ﵀ على الأصول الأربعة، وقد افتتحت من الموضوع الذي وقف عليه؛ فقلت وبالله التوفيق ومنه الإعانة والتأييد:
قال المعترض بعد كلام لا حاجة لنا فيه: «واعلم أن زيارة القبور على أربعة أقسام:
القسم الأول: أن تكون لمجرد تذكر الآخرة، وهذا يكفي فيه رؤية القبور من غير معرفة بأصحابها ولا قصد أمر آخر؛ من الاستغفار لهم ولا من التبرك بهم! ولا
стр. 25
من أداء حقهم. فهو مستحب؛ لقوله ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ؛ وذلك لأن الإنسان إذا شاهد القبر تذكَّر الموت وما بعده، وفي ذلك عظة واعتبار، وهذا المعنى ثابت في جميع القبور، ودلالة القبور على ذلك متساوية، كما أن المساجد غير الماسجد الثلاثة متساوية، ولا يتعتين شيء منها بالتعيين بالنسبة إلى هذا الغرض.
القسم الثاني: زيارتها للدعاء لأهلها؛ كما ثبت من زيارة النّبيّ ﷺ لأهل البَقيع. وهذا مستحب في حق كل ميِّت من المسلمين.
القسم الثالث: [زيارتها] للتبرك بأهلها، إذا كانوا من أهل الصلاح والخير، وقد قال أبو محمد الشارِمساحي المالكيّ: «إنَّ قصدَ الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى ﷺ وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين» . [وهذا الذي استثناه من قبور الأنبياء والمرسلين] صحيح، وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا إلى تحقيق الكلام فيه؛ لأن مقصودنا أن زيارة قبر النّبيّ ﷺ وغيره من الأنبياء للتبرك بهم مشروعة، وقد جزم به.
القسم الرابع: [زيارتهم] لأداء حقهم؛ فإنَّ من كان له حق على الشخص فينبغي له بِرّه في حياته وبعد موته، والزيارة من جملة البر؛ لما فيها من الإكرام، ويشبه أن تكون زيارة قبر النّبيّ ﷺ قبر أُمِّه من هذا القبيل؛ كما ورد عنه ﷺ ، وذكر حديث مسلم الصحيح في استئذانه ﷺ في زيارة قبر أُمِّه فأذن له ... إلى آخر ما قال» اهـ.
стр. 26
والجواب أن يقال: لا يخفى على كل منصف أن هذا التقسيم مشتمل على حق وباطل، ولكن حيث إن المعترض مراده بهذا التقسيم نصر ما ذهب إليه من الرأي الفاسد وخلط الحق بالباطل، ونحن ـ إن شاء الله تعالى ـ نُبَيِّن ما في ذلك من المقبول منه والمردود؛ فأقول:
إنَّ القسمين الأولين ـ وهمها: تذكر الموت والآخرة بزيارة القبور، والقسم الثاني: زيارتها للدّعاء لأهلها والترحّم عليهم ـ؛ هذا أمر مجمع عليه بين السلف والخلف، لا يختلف فيه اثنان، إلا شيء ورد عن بعض السلف، وهذا المورود لأدلة في ذلك؛ فمنها: قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها» ، وقوله: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ... وغير ذلك. فلعلَّ القائلين بعدم جواز زيارة القبور لم يبلغهم الناسخ للنهي الأول.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا ينكر زيارة القبور، ولا زيارة قبر النّبيّ ﷺ ، بل ولا وزيارة قبر غيره من الأنبياء والصّالحين، بل ولا زيارة قبور الكافرين؛
стр. 27
وحجته ظاهرة من حديث: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ؛ فإن العلة التي شُرعت لأجلها زيارة القبور موجودة في زيارة قبر المسلم والكافر، وأما الدعاء لأهلها فهو خاص بقبور المؤمنين.
وأيضًا: فزيارة القبور تكون شرعية وبدعية؛ فالشرعية: [هي] أن يقف الزائر عند قبر المَزُور ويُسلم عليه كما كان يسلم عليه في الدنيا ويدعو له؛ كما كان ﷺ يفعل، وصفة زيارته ﷺ للقبور مشهورة مستفيضة في كتب السُّنَّة، فمن زاد على ما كان ﷺ يفعله؛ فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله؛ ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ .
وأما الزيارة البدعية: فسنبينها ـ إن شاء الله تعالى ـ في القسم الثالث الذي ذكره المعترض، والله الموفّق.
وقد تبيَّن مما أسلفناه أن القسمين الأولين اللذين ذكرهما هذا المعترض؛ هما اللذان بيَّنهما النّبيّ ﷺ بقوله وفعله؛ حيث يقول: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ، وفعله الذي كان يفعله إذا أراد زيارة أهل البَقيع من الدعاء لهم والتّرحّم عليهم والسّلام. وفي هذا كله لا تعود فائدته إلا على المزور؛ لأن الميت ينتفع بالدعاء له والتّرحّم عليه. نعم؛ ينتفع الزائر إذا أراد بزيارته تذكّر الآخرة، وهذا يحصل بزيارة أي قبر، ولو قبر كافر، وينتفع أيضًا بثواب الدعاء الذي كان يدعوه للأموات، ولكن ليس للميت في هذا دخل؛ لأن المُثيبَ على الدعاء هو الله، وكل امرئٍ إذا دعا لإخوانه المسلمين بظهر الغيب يكون له مثل ما دعا به؛ كما ورد في حديث هذا معناه، وقد يدخل في القسم الثاني من الأقسام الأربعة التي ذكرها الخصم.
القسم الرابع: وهو أن تكون الزيارة لأداء حقهم من باب اللُّزوم؛ فإن الزائرَ إذا زار أيَّ قبر ودعا لصاحبه وترحَّم وسَلَّم عليه؛ فقد أدَّى حَقَّه، سواء كان
стр. 28
صديقه أو من آحاد المؤمنين؛ فإن للمؤمن حقوقًا، فقط يتأكد في جانب الوالد والشيخ والصديق؛ فإذا أتى الزائر المقبرة وسَلَّم وترحَّمَ على أهلها ودعا لهم؛ فقد أدَّى حق والده وشيخه إذا كانا مدفونين بها، وأيضًا فقد أدَّى حق جميع المؤمنين الذين في هذه الجُبَّانة؛ فجَعْلُ تأدية حق الميت قِسمًا مستقلًّا فيه تساهل وذهول كما بيَّناه.
وأما قوله: «القسم الثالث: زيارة القبورللتبرك بأهلها إن كانوا من أهل الخير والصلاح ... » إلخ.
أقول: لا أدري ما الذي أراده هذا المعترض من هذا القسم؛ فإنه أتى بلفظ مُجْمَل يحتمل حقًّا وباطلًا، فإن أراد حصول المنفعة للزائر بتذكر الآخرة عند زيارته للقبر؛ فهذا لا يختص بقبور المؤمنين؛ بل تحصل العِظَة أيضًا بزيارة قبور الكافرين، وهذه المنفعة إنما حصلت للزائر من الله لا من صاحب القبر؛ فإنَّ من لم يرد الله انتفاعه من زيارة القبور لم ينتفع بها ولو زار القبور في اليوم عشرين مرة.
وكم أُناس يزورون القبور ولا ينتفعون بزيارتها؛ بل تراهم مشتغلين باللهو واللعب وإتيان الفواحش في وسط المقبرة، وغير ذلك مما يعلمه من تتبع أحوالهم.
وإن أراد أن الزائرَ ينتفع بثواب الدعاء لهم والترحم والسلام عليهم؛ فهذا صحيح، ولكن أي مدخل لصاحب القبر فيه؛ لأنَّ المُثيب على الدعاء هو الله ـ
стр. 29
عز وجل ـ، وهذا لا يختص بالميت، حتى لو دعا الحي بظاهر الغيب حصل له الثواب كما قدَّمنا، وإن أراد التبرك بصاحب القبر بمعنى أنَّ الميَت يُعطيه خيرًا من حصول علم ورزق، وشفاء [مرض] ، وتفريج كرب، ومغفرة [ذنب] ، وغير ذلك مما لا يعطيه إلا الله، أو حاجة من حوائج الدنيا التي كان يقدر عليها وهو حي؛ فهذا ـ وايم الحق ـ لهو الشرك بعينه ومنشأ ضلال المُضِلِّين، وهو الذي كان السبب لنهي رسول الله ﷺ عن زيارة القبور في أول الأمر، كما كان [يعمله أهل] الجاهلية، فلما وقر الإيمان والتوحيد في قلوب أصحابه؛ أَذِنَ لهم، وهذه الزيارة التي يزورها بعض الناس اليوم لقبور الصّالحين لا يريدون بها إلا حصول جميع ما ذكرناه! الذي من شأنه أن لا يُطلب إلا من الله ـ وحده ـ لا من صاحب هذا القبر، يعرف ذلك من وقف عند قبور الصّالحين؛ فيسمع ويرى ما تقشعر منه جلود الموحدين؛ فيسمع الوائد يقول: يا سيدي! أنا في حَسبِك لا تَرُدني خائبًا، العارف لا يُعرَّف، والشكوى على أهل البصيرة عيب! وترى الزائر يُمَرغ خده على عتبه القبر ويلثُمَه ويتمسح به ويطوف حوله، وغير ذلك من الأفعال والأقوال المنكرة، التي زادت بأضعاف على ما كان المشركون يفعلونه عند أصنامهم، ولا نطيل في هذا البحث؛ فإن الزيارة البدعية قد بيَّنها الرسول وأصحابه، والعلماء من بعدهم إلى يومنا هذا؛ فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا.
فصل
وقد يتوهم من لم يعرف مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في زيارة القبور من إيراد السبكي هذا التقسيم في هذا الباب؛ أنه ينكر زيارة القبورل ويجعلها بدعة مطلقًا من غير تفصيل، وليس كذلك. وها أنا أنقل جملة من جوابه الذي أجاب به السائل عن بيان حكم زيارة القبور، وإن كان قد يُكْتَفى بما ذكره الحافظ ابن عبد الهادي في كتاب
стр. 30
«الصارم المنكي في الرد على السبكي» . فلطول المقام وزيادة الفائدة أقول: قال شيخ الإسلام وبركة الأنام المحدث المفسِّر المجتهد أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية ـ رَوَّح الله روحه ونَوَّرَ ضريحه ـ بعد كلام طويل ما نصه: «وأمَّا زيارة القبور المشروعة؛ فهو أن يسلم على الميت، ويدعو له، وهذا بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النّبيّ ﷺ يُعَلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين مِنَّا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» . وروي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «مَا مِن رجل يَمُرّ بقبر رجل كان يعرفه فيسلِّم عليه إلا رَدَّ الله عليه روحه حتى يَرُدَّ ﵇» . والله ـ تعالى ـ يُثيب الحي إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلَّى على جنازته؛ ولهذا نُهي النّبيّ ﷺ أن يفعل ذلك بالمنافقين؛ فقال عَزَّ مِن قَائِلٍ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ .
فليس في الزيارة الشرعية حاجة الحي إلى الميت، ولا مسألته ولا توسله؛ بل فيها منفعة الحي للميت، كالصلاة عليه، واللهُ ـ تعالى ـ يرحم هذا بدعاء هذا وإحسانه إليه، ويثيب هذا على عمله؛ فإنه ثبت في الصحيح عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «إذا ماتَ ابنُ ادم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلْم ينتفعُ به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» .
فصل
ثم إنه بعد أن ذكر الزيارة السنية؛ أعقبها بذكر الزيارة البدعية، وأطال في ذلك بما فيه كفاية ومقْنَع لمن أراد الله هدايته.
فإن أردت الوقوف عليه فارجع إليه في رسالته المسماة: «زيارة القبور والاستنجاد
стр. 31
بالمقبور» ـ التي طبعت بمصر ـ؛ تجد فيها ما يثلج الصدر ويوضح الأمر؛ فإنه ـ رحمه الله تعالى ـ بسط فيها القول بسطًا وافيًا، مؤيدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فقطع بها شُبَه المبتدعين، وأدحض حُجَج المعاندين، ولأجل أنها مطبوعة ومشهورة اكتفيت بالإشارة إليها والعزو إليها، وهكذا أفعل في كل كتاب يكون مطبوعًا ومشهورًا؛ فإني أكتفي في تأليفي هذا بالإشارة إليه، وربما أذكر منه جملة وأنبه على بقية ما فيه؛ روم الاختصار وتسهيلًا على من يريد الإرشاد؛ فإني لو ذهبت أذكر [كل ما] ورد من الرد على الزيارة البدعية وما قالته العلماء قديمًا وحديثًا في بيانها وكشف حالها؛ لاحتجت إلى سفر ضخم؛ فأكتفي بالإشارة إلى الكتب التي أُلفت في هذا الباب؛ ليقف الناظر عليها، ويرجع في ذلك إليها، وحيث أن أكثرها ـ ولله الحمد ـ قد طُبعَ وانتشرَ فلا حاجة بي إلى نقل جميع عباراتها، والله الهادي.
ولقد فتح هذا المعترض على المسلمين الموحدين بابًا عظيمًا من الشرك والضلال بهذا القسم الثالث ـ أعني: قوله: «زيارتها للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الخير والصلاح» ـ، وجاء بعده علماء سوء فزادوا في الطنبور نغمة وفي الطين بِلْة؛ فجوَّزوا للناس تقبيل القبور، ومسحها والطواف بها، والنذر والذبح لها، والاستغاثة بأهلها؛ فلا تكاد تسمع عند قبور الصّالحين ذكر الله أبدًا؛ بل تسمع الزائرين يهتفون بأسماء أهلها، ويطلبون منهم حوائج الدنيا والآخرة؛ فتراهم ركَّعًا سجَّدًا يبتغون فضلًا من صاحب القبر ورضوانًا، سيماهم السواد في وجوههم من أثر السجود لغير الله؛ فإنها ما عُفِّرت ولا مُرِّغَت لأجله، وتراهم متذللين خاشعين خاضعين ناكسي رؤوسهم، فوالله لو فعلوا ذلك لله في صلاتهم وعبادتهم؛ لكانوا من الفائزين المفلحين.
وهذا الذي ذكرته بعض ما رأيته وسمعته. فنعوذ بالله من أن نعبد غيره أو نستعين بأحدٍ سواه. وقد أخبرني الثقة من أهل حضرموت أنهم في بلادهم يأتون إلى القبور الصّالحين من السادة وغيرهم، ومعهم العقائر من الإبل وغيرها؛ فيقفون عند صاحب القبر ويقولون: يا فلان! ـ يسمونه باسمه ـ هذه عقيرتك؛ فيضربون قوائمها
стр. 32
بالآلات الحديدية حتى تنخَذِل قوائمها وتبرك، ثم يذبحونها، وليتهم كما ذبحوا لغير الله أحسنوا الذبحة ـ القِتْلَة ـ كما قال ﵊: «إذا قَتلتم فأحسِنُوا القِتْلَة» ، وقد سألتُ كثيرًا من أهل حضرموت فاعترف به، والله المستعان!
فصل
فممن ألف في ذلك وبيَّن ما هنالك: شيخ الإسلام ابن تيمية، وله في ذلك رسائل عديدة، بعضها قد طبع بمصر والهند، وبعضها لم يطبع حتى الآن. ومنهم: تلميذه الإمام المجتهد الحافظ المتقن ناصر سنة سيد المرسلين وسيف الله على أعناق المبتدعين شمس الدين ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» ، وكتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» ، وكتابه «زاد المعاد في هدي خير العباد» . ومنهم: الحافظ محمد بن عبد الهادي المقدسي في كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» . ومنهم: الإمام المتقن السيد محمود شكري الآلوسي في كتابه «غاية الأماني في الردِّ على النبهاني» . ومنهم: الإمام الكبير البركوي الحنفي
стр. 33
صاحب الطريقة المحمدية في رسالته «حكم زيارة القبور» ، وقد طبعت بمصر مع جملة رسائل؛ فقد أحسن فيها وأجاد وأرضى بها رب العباد. ومنهم: الإمام عبد اللطيف النجدي في كتابه «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على داود بن جرجيس» . ومنهم: الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في
стр. 34
تفسير القرآن. ومنهم: الأستاذ الحكيم السيد محمد رشيد رضا
стр. 35
في مجلة «المنار» . ومنهم: الأستاذ النحرير الشيخ أبو بكر خوقير المكي في كتابه «فصل المقال» الذي طُبعَ بمصر. ومنهم: العلامة السويدي في كتابه الذي ألفه في إخلاص التوحيد. ومنهم: الإمام المجتهد المطلق السيد صديق حسن خان في كتابه
стр. 36
«الدين الخالص» وغيره من كتبه. وغيرهم مما لم أطلع على مصنفاتهم؛ فكلٌّ منهم قد أجاد وأفاد؛ فلعل المسترشد إذا رجع إلى أي كتاب من هذه الكتب التي ذكرناها لم يبقَ عنده شبهة من الشُّبَه التي راجت على الجهَّال، وإن كانوا قد سمَّوا أنفسهم علماء؛ فإن العالم هو الذي يقف عند ما شرعه الله ورسوله ولم يتجاوزه إلى رأي أحد من الناس كائنًا من كان.
فصل
وهؤلاء الذين جاءوا من بعد السبكي وأضرابه لم يكتفوا بما ذكرناه عنهم من جواز تقبيل القبر ومسحه والتبرك بترابه؛ بل اعتقدوا في أهلها أنهم لهم قدرة على الإحياء والإماتة والعطاء والمنع، وإليك ما قاله كبيرهم ـ هو أحمد بن حجر المكي ـ في كتابه «الفتاوي الحديثية» ؛ فقد ذكر فيها عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه أحيا دجاجة! فانظر ـ رحمك الله ـ إلى هذ الجاهل كيف أدَّاه جهله إلى مثل هذه السخافات والتُّرهات، وليت شعري! إذا كان الشيخ عبد القادر الكيلاني له قدرة على إحياء دجاجة؛ فلِمَ لم يُحْيي إمامًا من الأئمة الأربعة ـ مثل: مالك والشافعي وأحمد ـ؛ حتى ينتفع الناس بعلمه، ويُصلح الدين مما طرأ عليه من البدع والمفاسد التي لا يحصيها إلا الله ؟! وفي زمانه ـ رحمه الله تعالى ـ قد كثرت البدع
стр. 37
وعظمت؛ حتى طعن أهلها في أهل الحديث ورموهم بالحشو والتجسيم.
ارجع في ذلك إن شئت إلى كتاب «الغُنْيَة» ؛ تجد بها ما ذكرته لك. وليس عندهم مما ذهبوا إليه شيء يصلح للاستدلال من كتاب أو سنة حتى يُنظَر فيه؛ بل محض تقليد أعمى أو اتباع لآراء سلفهم من غير دليل كما وصفنا؛ فقد بنوا أقوالهم على قول السبكي: «تُزار القبور للتبرك بأهلها» ؛ فهو وإن كان لم يقل ما قالوا بل وافق أبا محمد المالكيّ في قوله: «إنَّ قصد الانتفاع بقبر الميت بدعة إلا قبور الأنبياء» ؛ أقره بقوله: «صحيح» ، ولكن رمى فيها كلمة هي كانت سبب ضلال المضلين وهلاك الهالكين؛ أعني قوله عقب ذلك: «وإن كان فيما قاله نظر» ؛ فالمتأخرون ذهبوا يبينون هذا النظر، وزادوا عليه ما بيناه سابقًا.
فهكذا شأن البدعة؛ تظهر صغيرة ثم تربو وتنمو حتى يُقَيض لها الله من يجتثها من أصولها؛ فهذا السبكي قد سَنَّ للناس سُنَّة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء ـ كما جاء في الحديث ـ.
فصل
وهذه ليست بأول مصيبة أُصيب بها الإسلام والمسلمون بسبب تقليد الأحياء للميتين؛ فكم آية من القرآن بسبب التقليد قد تركت، وسنة لآراء الرجال قد رُدَّت وهُجرت! وقبور من دون الله قد عُبدت! وآراء على القرآن والسنة قد رُفعت! وممالك للمسلمين في يد العدو قد سقطت! ودماء بين المسلمين قد سُفكت! ورجال للعلم قد أُهينت وسجنت بل قتلت! فإلى الله المشتكى من هذه المصيبة التي كادت
стр. 38
أن تهدم أصول الدين، وتُوقع الناس في العذاب المهين؛ فكأن أسلاف هؤلاء المبتدعين قد تقاسموا بالله وتعاهدوا وتعاونوا على تخريب هذا الدِّين، ونقض عُراه عُروة عُروة، وقد انقسموا قسمين: قسم سمُّوا أنفسهم علماء التوحيد والأصول وقرروا قانونًا بينهم لا تجوز مخالفته؛ وهو: إذا تعارض دليل سمعي ودليل عقي جمع بينهما إن أمكن، فإن تعذر الجمع أُوِّل الدليل السمعي ولو بتكلف، فإن تعذَّر التأويل رُدَّ الدليل السمعي إن كان من السنَّة ولو صحيحًا من جهة الإسناد، ويقولون: هذا خبر آحاد لا يُقَدَّم على العقل؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والدليل العقلي يقين؛ فلا يترك اليقين للظنَّ! ولولا أن يخافوا من المسلمين لقالوا ذلك في الدليل القرآني! ولو قالوه فلا بدْع؛ لأن شيخهم جهم بن صفوان قال ذات يوم وهو يقرأ في المصحف
стр. 39
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ : لو أمكنني حكها من المصحف لحككتها! روى ذلك عنه البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» ؛ فارجع إليه.
فبسبب هذا القانون الذي ذكرناه عنهم؛ أوَّلوا أسماء الله وصفاته التي ذكرها في كتابه، ووصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، وقالوا: إنَّ اعتقاد ظواهر هذه النصوص كفر صريح! بل لا بُدَّ من تأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ ففسَّروها بآرائهم وما أدَّته إليه عقولهم؛ ففسَّرُوا اسمه (الرحمن الرحيم) : بلازم أثر ذلك من إثابة المؤمنين، ومنعوا أن تكون لها معاني تليق به ، وفسَّرُوا (العرش) : بالملك، و (الاستواء) : بالاستيلاء، واليد: بالقدرة، والنفس: بالعقاب، والنزول: بنزول الملك، والمجيء: بمجيء أمره، وقالوا: لا يُوصف الله بأنه خلف أو أمام أو يمين أو شمال أو أسفل أو فوق، ولا يُقال في السماء ولا فوق العرش ولا تحته ولا داخل العالم ولا خارجًا عنه، ولا يشار إليه ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل من عنده شيء، ولا يتولى حساب العباد بنفسه، ولا يكلم المؤمنين، ولا يضحك لهم، ولا يغضب ولا يرضى، وغير ذلك من الصفات الثابتة له بالكتاب والسنة الصحيحة، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، ولم يقتصروا على ما ذكروه؛ بل جعلوا طريقتهم هذه ـ أي: طريقة العدم والنفي والتعطيل ـ أعلم وأحكم من طريقة النّبيّ ﷺ وأصحابه وأهل الحديث أجمعين! فسبحانك هذا بهتان عظيم! فسبحان من أعمى بصائرهم وطبع على قلوبهم!
فهل يقول مسلم أو كافر: إن فروخ الأعاجم أعلم من الرسول ﷺ بمعاني القرآن والسنة؟! ولو أخذنا نردّ هذا الضلال المبين لطال بنا الكلام، وإن شئت الوقوف على
стр. 40
ذلك فارجع إلى كتاب البخاري ومسلم و «خلق أفعال العباد» وتفسير ابن جرير، وغيرها من كتب السلف التي ألَّفوها [لبيان السنة] وللرد على أهل البدع والشُّبَه الذين يريدون أن يُبدلوا كلام الله.
فصل
وأما القسم الثاني: فقد سمَّوا أنفسهم علماء الفقه والفروع، وقرَّرُوا قاعدة؛ وهي: إذا جاء النص مخالفًا لقول متبوعهم يؤول إن أمكن، وإلَّا حاولوا ردَّهُ إمَّا: بطعن في أحد رجال إسناده ولو بشيء لا يُعَدّ طعنًا وجرحًا في الحقيقة. وتراهم إذا كان الحقَّ هم يُعَدِّلون هذا الراوي وإنْ جرحه عدد كثير. فخلاصة قاعدتهم: أنَّ ما ذهبَ إليه أصحابه هو الأصل، والنصوص الشرعية هي الفرع، فإن وافق الفرع الأصل قُبِل وإلَّا فلا! هذا ما قاله أبو الحسن الكرخي الحنفي. وحيث إن جميعهم قد علموا أن ضلالهم هذا لا يخفى على من رزقه الله فهمًا في كتابه واطلاعًا على سنَّة نبيه ﷺ ؛ منعوا الناس بل حرَّموا عليهم الاهتداء بالكتاب والسُّنَّة، ولو بلغ في العلم أعلى درجات الغاية،
следующие страницы →