← Акыда

Акыда · id 9063

الكشف المبدي

محمد بن حسين الفقيه

Полный текст (406 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

«الدين الخالص» وغيره من كتبه. وغيرهم مما لم أطلع على مصنفاتهم؛ فكلٌّ منهم قد أجاد وأفاد؛ فلعل المسترشد إذا رجع إلى أي كتاب من هذه الكتب التي ذكرناها لم يبقَ عنده شبهة من الشُّبَه التي راجت على الجهَّال، وإن كانوا قد سمَّوا أنفسهم علماء؛ فإن العالم هو الذي يقف عند ما شرعه الله ورسوله ولم يتجاوزه إلى رأي أحد من الناس كائنًا من كان. فصل وهؤلاء الذين جاءوا من بعد السبكي وأضرابه لم يكتفوا بما ذكرناه عنهم من جواز تقبيل القبر ومسحه والتبرك بترابه؛ بل اعتقدوا في أهلها أنهم لهم قدرة على الإحياء والإماتة والعطاء والمنع، وإليك ما قاله كبيرهم ـ هو أحمد بن حجر المكي ـ في كتابه «الفتاوي الحديثية» ؛ فقد ذكر فيها عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه أحيا دجاجة! فانظر ـ رحمك الله ـ إلى هذ الجاهل كيف أدَّاه جهله إلى مثل هذه السخافات والتُّرهات، وليت شعري! إذا كان الشيخ عبد القادر الكيلاني له قدرة على إحياء دجاجة؛ فلِمَ لم يُحْيي إمامًا من الأئمة الأربعة ـ مثل: مالك والشافعي وأحمد ـ؛ حتى ينتفع الناس بعلمه، ويُصلح الدين مما طرأ عليه من البدع والمفاسد التي لا يحصيها إلا الله ؟! وفي زمانه ـ رحمه الله تعالى ـ قد كثرت البدع

стр. 37

وعظمت؛ حتى طعن أهلها في أهل الحديث ورموهم بالحشو والتجسيم. ارجع في ذلك إن شئت إلى كتاب «الغُنْيَة» ؛ تجد بها ما ذكرته لك. وليس عندهم مما ذهبوا إليه شيء يصلح للاستدلال من كتاب أو سنة حتى يُنظَر فيه؛ بل محض تقليد أعمى أو اتباع لآراء سلفهم من غير دليل كما وصفنا؛ فقد بنوا أقوالهم على قول السبكي: «تُزار القبور للتبرك بأهلها» ؛ فهو وإن كان لم يقل ما قالوا بل وافق أبا محمد المالكيّ في قوله: «إنَّ قصد الانتفاع بقبر الميت بدعة إلا قبور الأنبياء» ؛ أقره بقوله: «صحيح» ، ولكن رمى فيها كلمة هي كانت سبب ضلال المضلين وهلاك الهالكين؛ أعني قوله عقب ذلك: «وإن كان فيما قاله نظر» ؛ فالمتأخرون ذهبوا يبينون هذا النظر، وزادوا عليه ما بيناه سابقًا. فهكذا شأن البدعة؛ تظهر صغيرة ثم تربو وتنمو حتى يُقَيض لها الله من يجتثها من أصولها؛ فهذا السبكي قد سَنَّ للناس سُنَّة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء ـ كما جاء في الحديث ـ. فصل وهذه ليست بأول مصيبة أُصيب بها الإسلام والمسلمون بسبب تقليد الأحياء للميتين؛ فكم آية من القرآن بسبب التقليد قد تركت، وسنة لآراء الرجال قد رُدَّت وهُجرت! وقبور من دون الله قد عُبدت! وآراء على القرآن والسنة قد رُفعت! وممالك للمسلمين في يد العدو قد سقطت! ودماء بين المسلمين قد سُفكت! ورجال للعلم قد أُهينت وسجنت بل قتلت! فإلى الله المشتكى من هذه المصيبة التي كادت

стр. 38

أن تهدم أصول الدين، وتُوقع الناس في العذاب المهين؛ فكأن أسلاف هؤلاء المبتدعين قد تقاسموا بالله وتعاهدوا وتعاونوا على تخريب هذا الدِّين، ونقض عُراه عُروة عُروة، وقد انقسموا قسمين: قسم سمُّوا أنفسهم علماء التوحيد والأصول وقرروا قانونًا بينهم لا تجوز مخالفته؛ وهو: إذا تعارض دليل سمعي ودليل عقي جمع بينهما إن أمكن، فإن تعذر الجمع أُوِّل الدليل السمعي ولو بتكلف، فإن تعذَّر التأويل رُدَّ الدليل السمعي إن كان من السنَّة ولو صحيحًا من جهة الإسناد، ويقولون: هذا خبر آحاد لا يُقَدَّم على العقل؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والدليل العقلي يقين؛ فلا يترك اليقين للظنَّ! ولولا أن يخافوا من المسلمين لقالوا ذلك في الدليل القرآني! ولو قالوه فلا بدْع؛ لأن شيخهم جهم بن صفوان قال ذات يوم وهو يقرأ في المصحف

стр. 39

﴿الرحمن على العرش استوى﴾ : لو أمكنني حكها من المصحف لحككتها! روى ذلك عنه البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» ؛ فارجع إليه. فبسبب هذا القانون الذي ذكرناه عنهم؛ أوَّلوا أسماء الله وصفاته التي ذكرها في كتابه، ووصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، وقالوا: إنَّ اعتقاد ظواهر هذه النصوص كفر صريح! بل لا بُدَّ من تأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ ففسَّروها بآرائهم وما أدَّته إليه عقولهم؛ ففسَّرُوا اسمه (الرحمن الرحيم) : بلازم أثر ذلك من إثابة المؤمنين، ومنعوا أن تكون لها معاني تليق به ، وفسَّرُوا (العرش) : بالملك، و (الاستواء) : بالاستيلاء، واليد: بالقدرة، والنفس: بالعقاب، والنزول: بنزول الملك، والمجيء: بمجيء أمره، وقالوا: لا يُوصف الله بأنه خلف أو أمام أو يمين أو شمال أو أسفل أو فوق، ولا يُقال في السماء ولا فوق العرش ولا تحته ولا داخل العالم ولا خارجًا عنه، ولا يشار إليه ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل من عنده شيء، ولا يتولى حساب العباد بنفسه، ولا يكلم المؤمنين، ولا يضحك لهم، ولا يغضب ولا يرضى، وغير ذلك من الصفات الثابتة له بالكتاب والسنة الصحيحة، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، ولم يقتصروا على ما ذكروه؛ بل جعلوا طريقتهم هذه ـ أي: طريقة العدم والنفي والتعطيل ـ أعلم وأحكم من طريقة النّبيّ ﷺ وأصحابه وأهل الحديث أجمعين! فسبحانك هذا بهتان عظيم! فسبحان من أعمى بصائرهم وطبع على قلوبهم! فهل يقول مسلم أو كافر: إن فروخ الأعاجم أعلم من الرسول ﷺ بمعاني القرآن والسنة؟! ولو أخذنا نردّ هذا الضلال المبين لطال بنا الكلام، وإن شئت الوقوف على

стр. 40

ذلك فارجع إلى كتاب البخاري ومسلم و «خلق أفعال العباد» وتفسير ابن جرير، وغيرها من كتب السلف التي ألَّفوها [لبيان السنة] وللرد على أهل البدع والشُّبَه الذين يريدون أن يُبدلوا كلام الله. فصل وأما القسم الثاني: فقد سمَّوا أنفسهم علماء الفقه والفروع، وقرَّرُوا قاعدة؛ وهي: إذا جاء النص مخالفًا لقول متبوعهم يؤول إن أمكن، وإلَّا حاولوا ردَّهُ إمَّا: بطعن في أحد رجال إسناده ولو بشيء لا يُعَدّ طعنًا وجرحًا في الحقيقة. وتراهم إذا كان الحقَّ هم يُعَدِّلون هذا الراوي وإنْ جرحه عدد كثير. فخلاصة قاعدتهم: أنَّ ما ذهبَ إليه أصحابه هو الأصل، والنصوص الشرعية هي الفرع، فإن وافق الفرع الأصل قُبِل وإلَّا فلا! هذا ما قاله أبو الحسن الكرخي الحنفي. وحيث إن جميعهم قد علموا أن ضلالهم هذا لا يخفى على من رزقه الله فهمًا في كتابه واطلاعًا على سنَّة نبيه ﷺ ؛ منعوا الناس بل حرَّموا عليهم الاهتداء بالكتاب والسُّنَّة، ولو بلغ في العلم أعلى درجات الغاية،

стр. 41

وقالوا: إنَّ باب الاجتهاد والأخذ بالدليل قدانسدَّ، وليس عليكم إلا أن تدينوا الله بما في هذه الكتب التي وضعناها لكم، ولا تقرؤوا القرآن إلا للأموات والتعبد! ولا كتب الحديث إلا لإنزال المطر ودفع الوباء والبلاء وكل شدَّة! ومن جاءكم يستدلّ بشيء في القرآن والسنة فارموه بالتبديع والتضليل والتشنيع وشهروه بين الناس بأنه رجل يبغض الأئمة الأربعة؛ لينفر الناس عنه ويجتنبوه، ولا يسمعو قوله ولو تلا عليهم القرآن العظيم من أوله إلى آخره، وأتاهم بألف دليل! فانظر ـ هداك الله ـ إلى هذا المنكر العظيم! فوالله؛ لو أحيا الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد في هذا الزمان؛ لتبرؤوا إلى الله من المنتسبين إليهم، وحماهم الله من أن يجعلوا أقوالهم مُقَدَّمة على قول الله ورسوله ﷺ . ومن طالعَ كتب الأئمة المنسوبة إليهم؛ وجد فيها شِدَّتهم على تاركي السُّنَّة، والحث على اتباعها، والتبرؤ إلى الله من تقديم أقوالهم عليها، وكيف يُظَنُّ بهم ذلك وهم أئمة الهدة ومصابيح الدّجى؟! فرضي الله عنهم أجمعين! ونفعنا بعلومهم وحشرنا في زمرتهم، آمين.

стр. 42

وإذا أردتَ الوقوف على نهيهم عن التقليد وكراهتهم له، وحث الناس على الأخذ بالدليل، فإن وافق قولهم الدليل قُبِلَ وإلا فيُرَدُّ قولهم بحديث النّبيّ ﷺ ؛ فعليك بكتاب «جامع بيان العلم وفضله» للحافظ ابن عبد البر، وكتاب «إعلام الموقعين» للحافظ ابن القيم، و «محاورة المصلح والمقلد» للسيد رشيد رضا، وغيرها من الكتب المؤلفة في هذا الباب. فصل واعلم أني لا أقصد بالذمِّ إلا من كان متصفًا بهذه الصفات التي ذكرتها، وهو مرادي دائمًا في هذا المجموع؛ إذا ذكرتُ أقوامًا وشنَّعت عليهم فلا أقصد إلا مَن خالفَ الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، ولا أعمم سائرهم بالذمِّ والتشنيع؛ فإن ذلك خطأ عظيم؛ فمرادي بالرد على أهل هذين القسمين هو: ما حكيناه عنهم؛ وإلا فكثير من أتباع الأئمة الأربعة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ كانوا هادين مهديين، عاملين بأقوال الأئمة إذا كانت موافقة للكتاب والسنة، وإذا جاء الحديث مخالفًا لشيء من أقوالهم تركوا أقوالهم للسَّنة الصحيحة، فهؤلاء هم الذين اتبعوا الأئمة على الحقيقة؛ فرضي الله عنهم وشكر سعيهم. وأما من وصفنا حالهم في القسمين السابقين؛ فأولئك لا يقال لهم أتباع الأئمة؛ بل أناس اتبعوا أهواءهم وآراءهم من غير بيِّنة ولا توفيق من الشارع، ولا يَجْعَل أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم وحاشاهم أن يأمروا أحدًا أن يجعل أقوالهم هي الأصل والكتاب والسنة هما الفرع؛ فإن وافق

стр. 43

شيء منها أقوالهم فذاك؛ وإلا فليس له مخرج. وهذ االذي ذكرته إنما هو شيء يسير من المفاسد التي حصلت من أهل التقليد. بل هناك مفاسد أخرى تزيد بأضعاف مضاعفة عمَّا وصفته؛ فكم أُخرجت رجال من العلماء من بلادهم ظلمًا وعدوانًا، وكم تركت رجال من العلماء في غيابات السجن؛ فمنهم من مات فيه، ومنهم من فرَّج الله عنه، وكم من دماء قد سفكت، وبلاد للمسلمين في يد العدو قد سقطت. وهذا كله إنَّما هو من شؤم التقليد والانتصار لغير الله ورسوله. فلو أراد هؤلاء بفعلهم هذا الانتصار لله ورسوله؛ ما حصل من ذلك شيء؛ لأن الله يقول ـ وبقوله يهتدي المؤمنون ـ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿كتب الله لأغلبنَّ أنا ورُسلي﴾ ، وقال جلَّ ثناؤه: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ ؛ فقوله حق ووعده صدق، فلما تغلب العدو على بلاد هؤلاء وغيرها من البلدان التي كانت عند المسلمين ـ وحيث أنه لم يكن ذاك كذلك ـ؛ علمنا قطعًا أن هرؤلاء ما أرادوا بفعلهم هذا وجه الله؛ بل أرادوا التقرب إلى الملوك والولاة وأرباب الدينا؛ فإذا وَلِيَ إمام حنفي قاموا لنصرة أبي حنيفة وأتباعه، وطعنوا [في] الشافعية؛ لأنهم إذ ذاك أهل شوكة، وإذا وَلِيَ إمام شافعي قامت الشافعية على الحنفية؛ فاقتصوا منهم بأضعاف ما فعلت الحنفية فيهم؛ جزاء وفاقًا، وهكذا كلَّما حُبِّبَ إلى أيّ إمام شيء من العلوم تراهم يهرعون إليه، يحسنون هذا العلم له، ويضعون فيه الكتب والرسائل؛ فأين هؤرء من علماء السلف الذين كانوا إذا طُلِبُوا هَربوا، وإذا دُعوا إلى أبواب الأمراء لم يُجِيبوا؛ فكم حُبِسَ بعضهم وضُرِبَ من أجل أنه لم يقبل القضاء! ورُوي عن الإمام مالك بن أنس ﵁ أنه لما طلبه الخليفة هارون الرشيد إلى بغداد ليسمع منه الموطأ؛ فأرسل له مالك بقوله: «يا بَني العباس

стр. 44

العلم عنكم أُخذ والعلم يُؤتَى ولا يَأتي» ؛ فلما بلغه كتاب مالك قال: صدق؛ وتوجه إلى المدينة؛ فسمع منه الموطأ، ثم أعطاه صلة عظيمة من الدنانير؛ فأخذها ووضعها في بيته ولم يتصرف فيها، ثم توجه أمير المؤمنين إلى مكة فحجَّ البيت ثم عاد إلى المدينة، وكلَّف الإمام بالذهاب معه إلى بغداد؛ فقال له مالك: «أما أنا فلا أخرج من مدينة رسول الله ﷺ ، وأما الدنانير التي أعطيتنيها فهي موجودة لم أتصرف في شيء منها» . وهذا الإمام أبو حنيفة ﵁ لمَّا طُلِبَ إلى القضاء فلم يقبل فحُبِسَ وضُرِبَ على ذلك. فهكذا تكون العلماء؛ كما قال بعض الصّالحين: «ما أحسن الأمير عند باب [العالم] ! وما أقبح العالم عند باب الأمير» . فصل وهذا الذي قلته إنَّما هو بعض ما قاله أهل العلم في وصف هؤلاء المفتونين المغرورين، وقد رأيت من الصواب أن أنقل بعض عبارات من كلام الإمام حجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ في كتابه «الإحياء»

стр. 45

قال ما نصه: «الباب الرّابع: في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف، وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشرط إباحتها: اعلم أنّ الخلافة بعد رسول الله ﷺ تولّاها الخلفاء الرّاشدون المهديّون، وكانوا أئمّة علماء بالله ـ تعالى ـ، فقهاء في أحكامه، وكانوا مستقلّين بالفتاوى في الأقضية؛ فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلَّا نادرًا في وقائع لا يُستغنى فيها عن المشاورة، فتفرّغ العلماء لعلم الآخرة، وتجرّدوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلّق بأحكام الخلق من الدُّنيا، وأقبلوا على الله ـ تعالى ـ[بكنه]

стр. 46

اجتهادهم ـ كما نُقل من سيرهم ـ، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام؛ اضُطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم؛ لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التّابعين مَن هو مستمرّ على الطّراز الأوّل، وملازم صفو الدِّين، ومواظب على سمت علماء السّلف؛ فكانوا إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا؛ فاضطرّ الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات؛ فرأى أهل تلك الأعصار عِزّ العلماء وإقبال الأئمّة الولاة عليهم، مع إعراضهم عنهم؛ فاشرأبّوا لطلب العلم؛ توصّلًا إلى نيل العِزّ ودرك الجاه من قبل الولاة؛ فأكبّوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرّفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصّلات منهم؛ فمنهم مَن حُرم، ومنهم مَن أنجح، والمنجح لم يخل من ذلّ الطّلب ومهانة الابتذال؛ فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السّلاطين أذِلّة بالإقبال عليهم، إلَّا مَن وفّقه الله ـ تعالى ـ في كلّ عصر من علماء دين الله، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأمصار على علم الفتاوى والأقضية؛ لشدّة الحاجة إليها في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصّدور والأمراء مَن يستمع مقالات النّاس في قواعد العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحُجج فيها؛ فعُلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام؛ فأكبّ النّاس على الكلام، وأكثروا فيه التّصانيف، ورتّبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن دين الله، والنّضال عن السُّنّة، وقمع المبتدعة، كما زعم مَن قبلهم: أنّ غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدّين وتقلّد أحكام المسلمين؛ إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم! ثم ظهر بعد ذلك من الصّدور مَن لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولّد من فتح بابه من التّعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى من مذهب الشّافعيّ وأبي حنيفة ﵄ على الخصوص؛ فترك النّاس الكلام وفنون العلم، وأقبلوا على المسائل الخلافيّة بين الشّافعيّ وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ

стр. 47

وغيرهم، وزعموا أنّ غرضهم استنباط دقائق الشّرع، وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التّصانيف والاستنباطات، ورتّبوا فيها أنواع المجادلات والتّصنيفات، وهم مستمرّون عليه إلى الآن، وليس ندري ما الذي يُحدث الله فيما بعدنا من الأعصار! فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيّات والمناظرات لا غير، ولو مالت نفوس أرباب الدُّنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمّة، أو إلى علم آخر من العلوم؛ لمالوا أيضًا معهم، ولم يسكنوا عن التعلّل بأنّ ما اشتغلوا به هو علم الدِّين، وأنّ لا مطلب لهم سوى التّقرّب إلى ربّ العالمين. والله أعلم» اهـ من إحياء علوم الدين. قال شارحه السّيّد محمد مرتضى الزبيدي ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ عند قول المصنف: «وليس ندري ما الذي قدَّر الله فيما بعدنا من الأعصار» . قلتُ: «ثم تعاظم الأمر في ذلك، وأوسعوا فيه الكلام ومالوا إليه مرة واحدة بحيث لا يعد العالم فيما بينهم إلا إذا استكمل الخلاف والجدل، وحصلت المناظرات بين الحنفية والشافعية، وترتب على ذلك تخريب بعض البلاد، وإجلاء بعض العلماء، ومن أعظمها ما حصل بمرو [أم] مدن خراسان بسبب ابن السمعاني وغيره، فهذا الذي ذكرته هو الباعث لهم على الإكباب والإقدام على الخلافيات والمناظرة

стр. 48

والجدل لا غير» ، إلى أن قال كلامًا حاصله: أن الملوك كلما مالوا إلى علم سواء كان من علم الشرع أو من علم الفلاسفة مالوا معهم، زاعمين أنهم قد أرضوا بفعلهم رب العالمين، وهم في ذلك من الخاطئين. وكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى ... ولَيْلَى لَا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا» انتهى. قلتُ: ما ذكره الشارح من وقوع الفتن والقلاقل بين الشافعية والحنفية في مرو أم مدن خراسان بسبب ابن السمعاني له قصة غريبة تضحك الثكلى، ذكرها الشيخ تاج الدين عبد الوهاب السبكي بن علي السبكي الذي نحن بصدد الرد عليه، في «طبقات الشافعية الكبرى» له، وحاصلها: أن الإمام المظفر ابن السمعاني كان في بادئ أمره حنفيًّا تفقه على والده وغيره في الفقه الحنفي، وناظر وناضل، ثم رأى في منامه رب العزة ﷻ ؛ فقال له: أما آن لك أن ترجع إلينا يا أبا المظفر! فلما أصبح أوَّلَها

стр. 49

بأن الله يريد منه الانتقال من مذهب أبي حنيفة ﵁ إلى مذهب الإمام الشافعي ﵁؛ فقامت القيامة بين الحنفية والشافعية من أجل الإمام؛ فغلق المسجد القديم، ومُنِعَت الشافعية من إقامة الجمعة! فبالله عليك! تأمَّل منصفًا في هذه القصة؛ فهل يقول أحد من سفلة الناس فضلًا عن أهل العلم: أن مذهب أبي حنيفة خطأ وضلال واتباع غير دين المسلمين، حتى أن الله يقول لأبي المظفر: أما آن لك أن ترجع إلينا! بمعنى أن تترك مذهب أبي حنيفة وترجع إلى مذهب الشافعي، ليس لها تأويل إلا هذا؟! وكان من الممكن بل هو التحقيق إن صحَّت هذه الرؤيا لابن السمعاني؛ فتأويلها ـ والله أعلم ـ أن ابن السمعاني كان مشتغلًا بعلم الكلام المتضمن تأويل نصوص الصفات والمناظرة بالجدل انتصارًا لأبي حنيفة؛ فأراد الله هدايته وإنقاذه من المهلكات التي نهى الله عنها ورسوله؛ فأراه في نومه ما أراه. ومعنى «أن ترجع إلينا» بمعنى: أن ترجع إلى كتابنا وسنَّة نبينا؛ فتناظر وتناضل عنهما وتنتصر لهما، ولا تقدم قول أحد من الناس كائنًا من كان عليهما؛ فإن وافق قول متبوعك شيئًا منهما قُبِل، وإلا فيرد بكتابنا وسنة نبينا. هذا هو التأويل اللائق برؤيا هذا الإمام؛ وقد أدرك ذلك وفهمه ـ رحمة الله تعالى عليه ـ فرجع إلى مذهب أهل الحديث، وتخرج فيه، ونبغ وبرع وصنَّف التصانيف النافعة. والحامل لنا على تأويل هذه الرؤيا أسبابٌ: مِنها: أن المذاهب هذه لم تكن معروفة في عهد النّبيّ ﷺ ولا في عهد الصحابة ﵃؛ بل حدثت في أواخر المائة الثانية، هذا بالنسبة إلى وجود الأئمة الأربعة؛ وإلا فالتقليد لم يستفحل أمره إلافي المائة الرابعة؛ يُعْلَم ذلك من تتبع كتب الحديث وكتب الأئمة الذين كانوا قريبًا من عهد الأئمة الأربعة؛ كمختصر المزني

стр. 50

والمدونة، وغيرهما. فكيف يظنّ أحد أن الله ـ تعالى ـ يأمر أحدًا من خلقه باتباع غير كتابه وسنة نبيه ﷺ . ومنها: أن مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ليس بعضها بأولى من بعض؛ إذ ما من مذهب من المذاهب إلا وفيه حق موافق للقرآن والسنة، وفيه من الرأي والاستحسان ما هو مخالف للنصوص الشرعية، ولكن يقال: بعضها أكثر صوابًا من بعض، ولكن خطأهم مغفور لهم خاصة دون غيرهم؛ لأنهم ـ رضي الله تعالى عنهم ـ لم يألوا جهدًا في تمحيص الحق وتوضيحه، وقد أفرغوا وسعهم في ذلك، و ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ، وقد فعلوا ذلك لأنفسهم؛ خروجًا من التقليد المنهي عنه؛ إذ كان قبلهم من هم أعلم منهم، ولكن لما علموا علمًا ضروريًّا أن الله لم يوجب على الناس إلا اتباع الكتاب العزيز وسنَّة نبيه ﷺ ؛ لأنه المعصوم عن الخطإ، بخلاف غيره من الناس؛ فإنه يجوز عليه الخطأ مهما عَظُمَ قدره؛ إذ لا عصمة لغير الأنبياء ـ صلوات الله تعالى عليهم ـ، وأما من أتى بعد الأئمة الأربعة أو غيرهم فلا يغفر خطأه بتقليده لهم، ما لم يتبع طريقتهم في استنباط الأحكام، ويدأب في تحصيل ذلك كما دأبوا، ويتجشم الصعب لذلك كما تجشَّمُوا، ومن لم يكن عنده قدرة على ذلك فلا يجوز له أن ينتصر لأحد منهم بغير علم ولا سلطان بيِّن؛ بل عليه أن يسأل أهل العلم الموصوفين بهذه الصفات، والأمة لم تُعدَم ـ ولله الحمد ـ في كل زمان من هو موصوف بهذه الصفات؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يَضُرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» ، وقوله ﷺ : «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة مَن يُجَدِّد للناس أمرَ دينها» ؛ فلا تخلو الأرض في كل زمان ـ ولله الحمد ـ من

стр. 51

قائم لله بحجة. وأما أهل الحديث ـ كَثَّرهم الله تعالى ـ في كل مكان في القديم والحديث؛ فهم أولى الناس بالله ـ تعالى ـ وبنبيه ﷺ وبالصحابة وبالتابعين وبالأئمة المجتهدين؛ لأنهم لم يقدموا قولًا على قول الله ـ تعالى ـ ورسوله، وجعلوا ذلك هو الأصل، وأقوال الناس هي الفرع؛ فإن وافقت هذا الأصل قُبَلَت وإلَّا رُدَّت؛ فإنها أحقر من أن تكون مساوية لقول الله ورسوله، فضلًا عن أن تُقَدَّم عليه؛ فهذا هو الذي نَدِين الله به وندعو الناس إليه. فصل وقد ذكر الإمام الغزالي للمناظرة آفات عشر، وهي أم الرذائل والفواحش؛ منها: النفاق، والحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء ... إلى غير ذلك، إلى أن قال: «وهذه غير ما يقع بين المتناظرين من الشتم والضرب وتمزيق الثياب وجر اللحا ... » إلى آخره. [وأنا أقول] : هذا كله صحيح مشاهد لنا بالعيان، ولكن أقول: لا تُترك المناظرة والمناضلة عن الحق إذا حُسنت النية، وكان القصد نُصْرَة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكيف لا تغضب لترك الآية القرآنية والسنة الصحيحة النبوية، والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ، وقال ـ تعالى ـ: ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ ؟! ومن المعلوم أن نصر الله ورسوله هو نصر كتابه وسنة رسوله ﷺ ، خشية أن تقضي عليهما آراء الرجال، وهذ االاختلاف والتنازع لا يرتفعان أبدًا [إلا بالتحاكم إلى الكتاب والسنة] ؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ ؛ فقد أخبر الله بوقوع التنازع والاختلاف، ولكن هذا التنازع والاختلاف لا يضر؛ لوجود

стр. 52

القرآن والسنة الصحيحة بين أظهرنا؛ فالرد إليهما يسيرٌ سهلٌ جدًّا على من أراد الله هدايته. وأما التنازع والاختلاف المضران؛ فهما: الرد إلى آراء الرجال واستحساناتهم؛ فهذا هو المضر؛ لأن الآراء والأفهام لا تنحصر ولا تنضبط؛ ولذلك كان يقول أبو حنيفة ﵁: «هذا رأي رأيناه فمن جاءنا بأحسنَ منه قبلناه» . وهنا أسباب توجب الاختلافَ تَفاوتَ الناسُ في فهمها؛ وهي أسباب ثمانية ذكرها الإمام ابن رشد والإمام المرتضي شارح «الإحياء» ، وهذا نصه؛ قال في الشرح المذكور: «ثم إن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ ذكر سبب الإقبال على علم الخلاف والانكباب عليه، ولم يذكر الأسباب الموجبة للخلاف في هذه الملة؛ وهي ثمانية: الأول: اشتراكم الألفاظ والمعاني، الثاني: الحقيقة والمجاز، الثالث: الإفراد والتركيب، الرابع: الخصوص والعموم، الخامس: الرواية والنقل، السادس: الاجتهاد فيما لا نقل فيه، السابع: الناسخ والمنسوخ، الثامن: الإباحة والتوسيع» . قلتُ: هذه الأسباب الثمانية هي التي يدور عليها قطب رحى علم أصول الفقه، ويا حبذا لو قصروا الكلام عليها كما فعل الإمام الشافعي ﵁ في رسالته التي وضعها في الأصول؛ بل ضموا إلى ذلك أقوال المعتزلة والفلاسفة وأهل

стр. 53

الكلام؛ حتى كأنه علم كلام محض! كما أفاد ذلك السيد بدر الدين النعساني في كتابه «الإرشاد والتعليم» ، وهذه الأسباب كلها موجودة في الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ فلا محيص عنها، ولكن قد قَلَّ الخلاف فيها بين المُحَدِّثين؛ لأنهم لم يدخلوا في شيء من الرأي والاستحسان؛ فأحكام القرآن متفقون عليها فيما أعلم، وأما أحكام السنَّة فالخلاف بينهم بين حديث صحيح وحسن، وضعيف وموضوع، وناسخ ومنسوخ، وبعضهم يرى هذا حديثًا صحيحًا، وبعضهم يراه حسنًا فقط. وبعضهم يقول: هذا حديث ضعيف لا تقوم به حجة، ولو كثرت طرقه، وبعضهم يقول: إذا تعددت طرقه قوَّى بعضها بعضًا وصلح للاحتجاج. وبعضهم يقول: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال، وبعضهم يقول: لا يعمل به مطلقًا. وبعضهم يقول: هذا حديث موضوع، وبعضهم يقول: ليس هذا بموضوع؛ وله شواهد ومتابعات ترفعه عن درجة الوضع. فهذا الخلاف قريب الاتفاق؛

стр. 54

لأنهم قد وضعوا علمًا لذلك سمَّوه (علم مصطلح الحديث) ، يدخل فيه علم الجرح والتعديل؛ فمن رجع إلى هذا الفن رَدَّ الخلاف إليه؛ فلم يبقَ بعد ذلك عنده شك في أن هذا الحديث إما صحيح أو حسن، أو ضعيف أو موضوع. والله الموفّق. هذا خلاف المحدثين في فروع الفقه، وأما في العقائد فلم يختلفوا قط؛ بل كلهم مجمعون على إثبات الصفات لله ـ تعالى ـ التي جاء بها القرآن وصحَّت بها الأخبار عن رسول الله ﷺ ، من غير تأويل ولا تمثيل؛ فرحم الله الإمام السفاريني الحنبلي حيث يقول في عقيدته التي سمَّاها «الدرة المضية» : ألم ترَ اختلاف أهل النظرِ ... وحُسْن ما نحاه أهلُ الأثرِ فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ... نبيهم فاقنع بهذا وكفى فصل ولعلَّ قائلًا يقولُ: قد ذكرتَ فيما مضى أنّه لا بُدّ من وقوع التنازع والاختلاف في الأحكام الشرعية كما أخبر الله، وكيف يستقيم هذا والله نهانا عن التفرق في الدين بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ ، وقوله: ﴿ولا تكونوا

стр. 55

كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ ، وقوله: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء﴾ ... إلى غير ذلك من الآيات الصريحات في النهي عن التفرق والاختلاف؟! فالجواب: قد قدَّمْنَا أنَّ التنازعَ والاختلافَ الذي أخبر الله بوقوعه معناه: إذا اختلفنا في شيء ن الأحكام بعضنا يقول فيه: هذا حلال، وبعضنا يقول فيه: هذا حرام، والبعض يقول: هذا مكروه؛ فأمرنا ـ تعالى ـ أن نَرُدَّ هذا الاختلاف إلى الكتاب والسنة؛ فإذا وجدنا دليلًا يدلُّ على التحريم أو الحلّ أو الكراهة قلنا به، وهذا لا حرج فيه ولا ضرر؛ لأن الكتاب والسنة الصحيحة لها أول وآخر؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ وبينهما أمور مشتبهات ... » الحديث، وقوله ﷺ : «ما أحلَّ اللهُ في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو؛ فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن ينسى شيئًا» ، وتلا: ﴿وما كان ربُّك نسيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . فإن قلتَ: إذا كان الحلال بيِّنًا والحرام بيِّنًا من الكتاب والسنة؛ فما وجه التنازع والاضطراب والاختلاف؟! فالجواب: أن أدلة الأحكام الشرعية على قسمين: جليٌّ وخفيٌّ؛ فالجلي: ما يفهمه كل أحد، والخفي هو: [ما] انفرد بفهمه العلماء المتبحرون الماهرون في علم الكتاب والسنة؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ، و (أولو الأمر) : هم العلماء، والاستنباط لا يكون إلا في الشّيء الذي خَفِيَ دليله. فصل وأما التفرق والاختلاف اللذان ذمَّهما الله ـ تعالى ـ ونهى عنهما؛ فهو الاختلاف في الآراء التي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة؛ فإن الآراء لا نهاية لها، والعقول تتفاوت

стр. 56

وكذا الأفهام؛ كما قال مالك الإمام: «أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما أنزل الله ـ تعالى ـ على محمد ﷺ لجَدله؟!» ، ومعلوم أن هذا الاختلاف هو الذي يوجب الشقاق وتفريق كلمة المسلمين وينشئ العداوة والشحناء والحقد والبغضاء؛ لأنَّ كل أحد يرغب أن يكون رأيه أحسن من رأي غيره. فإن قلتَ: إنَّ الذين كانوا يناظرون ويناظرون عن أهل المذاهب ما فعلوا ذلك إلا لنصرة الكتاب والسنة؛ فكيف ذمَّهم الإمام حُجّة الإسلام الغزاليّ؟! فالجواب: ليس ذلك كذلك؛ إنَّما كان قصد كل واحد منهم نصرة إمام مخصوص؛ ولذلك تراهم يردُّون ويتكلفون التآويل البعيدة للنصوص من أجل أنها خالفت قول متبوعهم، وأما لو كان مقصودهم نصرة الحق لما نتصروا لإمام معين؛ بل يدورون مع الدليل حيث دار؛ فإن كان النص وافق أبا حنيفة أو مالكًا أو الشافعي قالوا به ورَدُّوا قول الإمام بالحديث. فإن قلتَ: إنَّ الأئمة المجتهدين ﵃ ما خرجوا عن الكتاب والسنة، فالانتصار لهم انتصار للكتاب والسنة. فالجواب: هذا كلام صحيح، ولكن الإحاطة بأدلة الأحكام لا تثبت لأحد منهم؛ وإنَّما يقال: إنَّ مجموعهم قد أحاط بأدلة الشرع إلا أشياء قليلة جدًّا، وتأمَّل قول مالك ـ رحمه الله تعالى ـ لهارون الرشيد لما أراد أن يحمل الناس على ما في «الموطأ» : «دع الناس وما اختاروا لأنفسهم؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرَّقُوا في الأمصار، وعند كل أحدٍ من العلم ما لا يوجد عند الآخر» ؛ فعُلِمَ بهذا أن كل إمام عنده [علم] في السنة، وقد يوجد عند غيره أكثر منه، وقد يتفاوتون في علم السنة؛ كما يعلمه من تتبع مصنفاتهم؛ فمالك أكثر سنة من أبي حنيفة، والشافعي أكثر من مالك، وأحمد أكثر من الشافعي؛ علمنا ذلك من مسند الإمام أبي حنيفة وموطأ مالك، وكتاب الأم وغيره للشافعي، ومسند الإمام أحمد؛ فإنه أجمع وأعظم من كتب الأئمة المذكورين ﵃. والسبب في ذلك أن علم السنة لم يكن مدونًا في عصر الصحابة ولا

стр. 57

التابعين؛ لاشتغالهم بالحروب والفتوحات الإسلامية؛ بل كان محفوظًا في صدور الرجال، فلما كتب الناس في زمن عمر بن عبد العزيز فصار كل يكتب ما وصل إليه من علم، وحيث أن الإمام أبا حنيفة هو أول الأئمة الأربعة وكان علم السنة في زمانه قليلًا؛ فلذلك قَلَّت روايته للحديث، ثم لا زال الناس يكتبون ويتوسعون في علم السنَّة حتى نما هذا العلم وكَثُر أهله؛ فكان مالك أكثر رواية من أبي حنيفة، ثم الشافعي أكثر رواية من مالك، ثم أحمد أكثر رواية من الشافعي، ثم كان علم السنَّة في عصر البخاري ومسلم وأهل السنن أكثر مما كان في عصر الأئمة الأربعة، فلم تمَّ نمو هذا العلم وبلغ أشده واستوى في القوة؛ أخذ يضمحل شيئًا فشيئًا؛ حتى صرنا لا نكاد نرى رجلًا من أهل الحديث! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إذا تقرر هذا؛ علمنا أن الأئمة المجتهدين ﵃ أجمعين ـ لا لوم عليهم في شيء ما؛ لأن كل واحدٍ تكلَّم في الدين بما وصل إليه علمه؛ فقد يكون الحديث لم يبلغه بالكلية، أو بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ، وأما أتباعهم الذين جاءوا من بعدهم فاللوم كل اللوم عليهم إذا قَدَّموا قول متبوعهم على حديث رسول الله ﷺ بعد أن نما وكَثُرَ هذا العلم وصُنِّفَت الكتب المختلفة في أنواعه؛ فكان الواجب عليهم أن ينصروا علم الكتاب والسنَّة ويجعلوا قول إمامهم تبعًا لهما؛ فإن وافقها قُبِل وإلا فلا. فإن قلتَ: هذه طريقة أتباع الأئمة سواء بسواء. فالجواب: نعم؛ هذه طريقة بعض ... أتباع الأئمة، لا كلهم؛ كالإمام المزني

стр. 58

والبيهقي ومحمد بن الحسن وأبي يوسف والحافظ ابن عبد البر، وغيرهم، والبعض الآخر كان على خلاف ذلك؛ كما وصفنا حالهم فيما مضى. فصل فإن قال قائل: هل يمكن أن تذكر لنا شيئًا مما قدَّم فيه هذا البعض الآخر قول الإمام على الحديث الصحيح؟ فالجواب: هذا ممكن لنا أن نذكر لك شيئًا منه، وأما استقصاؤه فلا يمكنني، وحسبي أن أذكر لك أمثلة من هذا أثبت بها ما قلته. فمن ذلك: ما ذكرَتْهُ الحنفية في مسألة المياه: إن الماء إذا لم يكن عشرًا في عشر فإنه يستعمل. وهذا مخالف لقوله ﷺ : «إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسه شيءٌ إلا ما غلبَ على لونِه أو طعمه أو ريحه» ،

стр. 59

وقوله ﷺ : «إذَا بلغَ الماء قُلَّتين فلا يحمل الخَبَث» . ومثلَ قولهم فيمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فقد بطلت صلاتُه. وهذا مخالف للحديث الصحيح: «مَن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومَن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» . وما أبردَ ما أوَّل به الطحاوي هذا الحديث حيث قال: «من أدرك» يعني: من الإدراك؛ وهو البلوغ، لا من الإدراك الذي هو من إدراك الشّيء! يعني: تحصَّل عليه. وما أبعدَ ما عَلَّل به صدر الشريعة في كتاب «الوقاية» له؛ فإن ذلك تعليل في مقابلة النص، ومتى وُجِدَ النصّ فلا قياس ولا تعليل، ولِمَ لم يفرق بين الصبح والعصر وكلّه أمرٌ واحدٌ؟! ومثل قولهم: إذا اشترى المُصَرَّاة ثم أراد ردَّها فلا يلزمه شيء. مع قوله ﷺ : «يردّ معها صاعًا من تمر» . إلى غير ذلك. ومثل

стр. 60

قول المالكيّة بكراهة البسملة في الفرض، مع الأحاديث الكثيرة الواردة في قراءة البسملة، التي أقلّ مراتبها أن تكون سنَّة. ومثل قولهم في إرسال اليدين في الصلاة، مع ورود ثمانية عشر حديثًا في قبضها، بعضها في الصحيح، وبعضها في السنن والجوامع والمسانيد. إلى غير ذلك. ومثل قول الشافعية في المياه بنية الاغتراف، وهذه لفظة لم تنقل لنا في حديث ولا عن صحابي؛ بل الأحاديث الصحيحة تَرُدُّها؛ منها: حديث ميمونة زوج النّبيّ ﷺ : «كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من جفنة واحدة تختلف أيدينا فيه فأقول: دع لي» ، وتوضأ النّبيّ ﷺ من فضل بعض نسائه، ولم يذكر أنه نوى الاغتراف. ومثل قولهم: ينتقض الوضوء من مَسّ النساء باليد، مع

стр. 61

ورود الأحاديث الصحيحة بخلافه؛ منها: ما رواه البخاري في صحيحه أن النّبيّ ﷺ «كان يصلي بالليل وعائشة ﵂ معترضة بين يديه، فإذا سجد غمز رجلها لتقبضها» . وما أبعدَ تأويلَ من أوَّله بقوله: «لعله كان بحائل» ! ويَرد هذا التأويل ما جاء في الحديث الصحيح: «أن عائشة فقدت النّبيّ ﷺ ذات ليلة فالتمسته حتى وضعت يدها على قدميه ﷺ وهو ساجد» ؛ فمضى في صلاته ولم يتوضأ، وحديث آخر أنه ﷺ «كان يُقَبِّل بعض نسائه ثم يُصلي ولا يتوضأ» . ومَن قال: إنَّ هذا خصوصية له ﷺ لا تجوز لغيره؛ قلنا له: إنَّ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وأين هو؟! ومثل قولهم: إنَّ التسمية على الذبيحة سنَّة لا واجبة، مع قوله ـ تعالى ـ: ﴿فكلوا مما ذُكِرَ اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ ، وفي الأخرى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ ، مع الأحاديث الصحيحة الدَّالَّة على اشتراط التسمية. ومثل قولهم: العبرة بالألفاظ لا بالمقاصد، مع قوله ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنيات وإنَّما لكل امرئ ما نوى» ... إلى غير ذلك. وبالجملة: ففي كل مذهب ما هو موافق وما هو مخالف؛ فعلى العاقل المنصف الذي يعلم قدر عظمة الله ـ تعالى ـ وقدر رسوله ﷺ أن لا يُقَدِّمَ قول أحد من الناس كائنًا مَن كان على قول الله ـ تعالى ـ ورسوله ﷺ ، وهذا هو اتِّباع الأئمة لا غير؛ فإنهم ـ رضي الله تعالى عنهم ـ قد أمَرُوا بذلك، ونَهوا عن تقليدهم بالوصف الذي ذكرنا سابقًا؛ يعلم ذلك كل مَن قرأ كتبهم وتأمَّلها. ولنا ـ إن شاء الله تعالى ـ عودة ثم عودة إلى هذه المباحث؛ لأنَّها هي المقصودة بالذات، وأما الزيارة فلا يخالف في مشروعيتها أحدٌ فيما علمنا.

стр. 62

وهذه المباحث هي التي كان يُنَاظِر عليها شيخ الإسلام، فلما عَلِمَت أعداؤه أنَّ ذلك حقٌّ يلزمهم القول به؛ عَمدُوا إلى كلمة مشتبهة من كلامه ـ وهي مسألة الزيارة ـ، وأخذوا يشنِّعُون عليه بسببها؛ ليشينوه ويُنفِّرُوا الناس منه، وهي في الحقيقة لا تُعَدُّ طَعنًا فيه؛ بما سنبينه. والله الموفّق. فصل وإذا تقرر لك أن أهل القسمين قد اتفقوا على ترك النصوص الشرعية إذا خالفت عقولهم وآراء متبوعيهم؛ فأقول: لا شكّ عندي أنّ الله قد عاقبهم على ترك كتابه وسنة نبيه ﷺ بأن جعلهم شيعًا وأحزابًا متفرقة؛ فانقسم أهل القسم الأول ـ أعني: الذين سمَّوا أنفسهم علماء التوحيد والأصول ـ إلى فِرَق كثيرة؛ كالأشعرية والماتريدية والمرجئة والقدريّة

стр. 63

والجبريّة والأزارقة والمعتزلة ... وإلى غير ذلك من الفرق. وأخذت كل فرقة تؤيد ما ذهبت إليه بما أدَّاه إليها عقلها؛ لأنَّ العقول تتفاوت في الدرجات والمراتب، وكل فرقة تزعم أن العقل يشهد بما ذهبت إليه وتطعن في مخالفيها، حتى كفَّر بعضها بعضًا، ولعن بعضهم بعضًا، وخطَّأ وضلَّل بعضها بعضًا. وتباينهم في العقائد والآراء معلوم لمن رجع إلى كتب المقالات والنِّحَل؛ مثل: كتاب «الفَرْق بين الفِرَق» للجرجاني، وكتاب «الفِصَل في المِلَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ» للإمام ابن حزم، وكتاب «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني؛ فإذا رجع الناظر إلى هذه الكتب يجد بها من العقائد والأقوال ما يضحك الثكلى والصبيان؛ فبعضهم يقول: إنَّ هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا مخلوق! وبعضهم يقول: بل هو عبارة عن كلام الله. وبعضهم يقول: تسميته بكلام الله مجاز لا حقيقة، والتوراة والإنجيل

стр. 64

والزبور وجميع الكتب المنزَّلة بهذا المعنى؛ فأنكروا أن يكون لله كلام بيننا يُتلى. وبعضهم يقول: إن إيمانه كإيمان أبي بكر وجبريل وميكائيل، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وغير ذلك من المقالات الفظيعة الشنيعة، المناقضة لكلام الله ـ تعالى ـ وسنَّة نبيه ﷺ . وحيث أن هذه المقالات العاطلة والآراء الكاسدة مبسوطة في الكتب التي أشرنا إليها؛ فلا نطيل بذكرها اكتفاءً بها. والله الموفّق. فصل وأما أهل القسم الثاني ـ وهم الذين سمَّوا أنفسهم علماء الفقه والفروع ـ؛ قد عاقبهم الله ـ تعالى ـ أيضًا على سوء صنيعهم؛ بأن فرَّقهم على أحزاب من نحوما تقدَّم؛ فاختلفوا على مذاهب شتى: إلى حنفية ومالكية وشافعية وحنبلية وظاهرية وزيدية وجريرية ... وغير ذلك من المذاهب التي يعلمها من اطلع على كتب القوم الذين جمعوا فيها اختلاف المذاهب؛ مثل كتاب: «التذكار في اختلاف مذاهب الأمصار» ، وكتاب «الإشراف على مذاهب الأشراف» ، وغيرها مما يطول ذكرها

стр. 65

وتعدادها. وأخذَ أهل كل مذهب يناضلون وينافحون عن مذهبهم؛ فوقع لهم قريب مما وقع لأهل القسم الأول من الطعن والسبّ والتضليل والتخطئة ما لا يحصيه إلا الله ـ تعالى ـ، وتغالى بعض الحنفية حتى طعن في نسب الشافعي، وتغالى بعضهم فقال: إن الحنفي لا يكون كفؤًا لبنت الشافعي وبالعكس! وترك بعضهم الصلاة خلف بعض! وقام بعضهم على بعض بالسيوف لأجل الجهر بالبسملة والقنوت

стр. 66

وغير ذلك من مسائل الخلاف! فهذا جزاء من ترك الكتاب والسنَّة، وطفق ينتصر لآراء الرجال التي ما عليها أثارة من علم؛ فنسأله ـ تعالى ـ أن يعافينا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، آمين. ولم يعلم هؤلاء الجهال أن الأئمة ـ رضوان الله عليهم ـ كان يصلي بعضهم خلف بعض، ويثني بعضهم على بعض، وإن كان يعلم أنه يخالفه في بعض المسائل؛ فإنه معذور في المخالفة؛ لأنه ما خالف صاحبه إلا بدليل، وإن كان مخالفه لا يراه دليلًا؛ فالكل منهم مأجور معذور، وخطؤه مغفور؛ لأنَّه لم يأل جهدًا في طلب الحقّ؛ فالذي أصاب فيه له أجران، والذي أخطأ فيه له أجر ـ كما جاء في الحديث ـ. هذا في حدِّ نفسه، وأما غيره فلا يشاركه في هذا؛ لأنَّه مُقصِّر في طلب الحق، ولم يأخذ من حيث أخذ. فإن قال هذا المقصِّر: أنا لم أبلغ درجته حتى آخذ من حيث أخذ؛

стр. 67

فيقال له: كيف انتصرت له وقدمته على غيره من غير علم ولا سلطان بيِّن، وشنَّعت على مخالفك؟! والكلام في هذا يطول جدًّا. وليس غرضنا الردّ على هؤلاء ـ فإنَّ ذلك يحتاج إلى أسفار ـ؛ وإنَّما غرضنا من إيرادنا هذا هنا الإشارة إلى المفاسد التي حدثت في الإسلام بسبب التقليد وسدّ باب الاجتهاد والأخذ بالدليل. والله المستعان. فصل ثم جاء من بعدهم أقوام أعياهم طلب علم الكتاب والسنة وما يحتاج لهما من علوم الآلات، وأَلِفُوا البطالة والكسل وقلَّة العمل في أمر المعاش؛ فعمدوا إلى شيء سموه علم التصوف؛ وهو عبارة عن: لبس الصوف والخشن من الثياب، والزهد في

стр. 68

الدنيا مطلقًا، وتعليق السبح في العنق، ولبس الخرقة، والجلوس في الخلوة، ويذكر الله بالذكر الذي لم يرد به الشرع؛ مثل أن يذكره ـ تعالى ـ بالاسم المفرد كقول: الله الله، أو: هو هو، وزعموا أن المريد إذا تَجَرَّدَ إلى الله ـ تعالى ـ بهذه الصفة التي ذكرناها عنهم وجلس يذكر الله؛ فإنه يرتفع عنه الحجاب، ويسمع الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ ، وتأتيه العلوم من غير واسطة! ولذلك يقول بعضهم:

стр. 69

حدثني قلبي عن ربي! وغير ذلك من الأحوال والأفعال التي ورد بها الشرع؛ بل جاء بضدها، ولما علموا أن الشرع لا يوافقهم على ذلك أخذوا يقسمون العلوم إلى قسمين: ظاهر وباطن؛ فعلم الشرع عندهم من علم الظاهر، وعِلْمهم من علم الباطن، وسمّوا علماء الشرع علماء الرسوم، وأخذوا يفسرون القرآن والسنة تفسيرًا يلائم حالهم، زاعمين أن لكل حرف من القرآن ظاهرًا وباطنًا؛ فأهل الشرع عرفوا الظاهر منه وهم عرفوا الباطن! فمن راج عليه صنيعهم هذا ـ بسبب قصوره في علم الشريعة الحقَّة ـ؛ سلَّم لهم جميع ما يقولونه ويفعلونه، ولو تكلم بالألفاظ الكفرية، وأتى الفواحش علنًا، وترك الصلاة والصيام وغير ذلك من الأمور التي جاء الشرع بها! فتجده يلتمس له الأعذار الباردة؛ مثل قوله: هذا من علماء الباطن فلا يعترض عليه في جميع ما يقول ويفعل! ومثل: أن يلتمس لأقواله الكفرية تأويلات كاسدة، ومثل قوله إذا رآه يفعل الفواحش: هذه فاحشة في الظاهر وفي الباطن هي طاعة وعبادة! ومثل قوله إذا رآه يترك الصلاة: هذا رجل من أهل الخطوة فيخطو الدنيا بخطوة واحدة؛ فلا يبعد أن يصلي الصلوات الخمس في الحرم المكي أو المدني! ومثل قوله: هذا رجل له أربعون جسمًا؛ [فهذا الذي رأيته يترك الصلاة جسمًا واحدًا] ، وتسعة وثلاثون جسمًا يصلُّون في أماكن متعددة. وغير ذلك مما سوَّد وجه الدين، وألجأ اليهود والنصارى والمشركين على الطعن فيه، وصدَّهم عن الدخول فيه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإذا أردتَ بسطَ ذلك؛ فعليك بكتاب «تلبيس إبليس»

стр. 70

لأبي الفرج ابن الجوزي، وشرح «منازل السائرين» لابن القيم، وغيرهما من كتب العلماء. فصل ثم جاء من بعدهم: أقوام عريقون في الجهل؛ فأخذوا ينتصرون لهم ويشيدون بطريقتهم، وتبعهم على ذلك أناس لا يحصيهم إلا الله ، وصنَّفُوا لهم في ذلك التصانيف الكثيرة المحشوَّة بالأحاديث المكذوبة والحكايات الملفقة المخترعة، وسمّوها كتب التصوف، وضموا إليها شيئًا من الجبر والاحتجاج بالقدر؛ حتى قال بعضهم: «طلبك منه اتهام له» ! وقال أيضًا: «اشتغالك بما ضمن لك دليل على انطماس البصيرة منك» ! وغير ذلك مما يورث الناس الكسل وترك العمل. وألَّفوا أيضًا لأسلافهم كتبًا جمعوا فيها كراماتهم وأحوالهم وما أُفيض عليهم، وسمّوها كتب المناقب، ونسبوا لهم أشياء لا تجوز نسبتها إلَّا لله ، لا يشاركه فيها أحد ـ كالإحياء والإماتة والعطاء والمنع والهداية والإضلال وإغاثة الملهوف وإجابة المضطر، وغير ذلك مما لم يقدر عليه أحد إلا الله وحده ـ! وكقول بعضهم: «كان للشيخ سبعون ألفًا من الملائكة إذا أراد أن يرسل أحدًا من تلامذته لقضاء حاجته يوكلهم بحفظه حتى يرجع» ! ... وغير ذلك مما هو مسطر في كتب المناقب التي تقرأ في محافل الناس. وطفقوا يبنون المساجد والقباب على قبور مشايخهم، ويوقدون عليها السُّرُج،

стр. 71

ويقدمون لها الذبائح والنذور، وغير ذلك مما وصفناه سابقًا؛ فعُبدت من دون الله في سائر الأقطار؛ حتى كاد لا يخلو قطر من أقطار المسلمين من مثل هذا، ولم ينكر عليهم أحد؛ إمَّا لقلة العلم، أو خوفه من العامة؛ فإن الأكثرين قد ولعوا بهذه البدع المضلّة. فصل ثم رأى فريق من الناس أن هذه الكتب ـ أعني: كتب الفقه ـ المؤلفة في المذاهب الأربعة وغيرها لا تفي بحال الناس، ولا تلائم حالهم في كل زمان ومكان، وقالوا: إنَّ الشريعة ليست كفيلة بمصالح الناس! وذلك نشأ عن جهلهم بالشرع ومعناه لغة واصطلاحًا، وفهموا أن الشرع محصور في هذه الكتب المؤلفة في الفقه، وأن علوم القرآن والسنَّة قد أحاطت هذه الكتب بها، واحتوت عليها. كلَّا ثم كلَّا؛ بل هذه الكتب مشتملة على ما هو حق وَرَدَ به الشرع، وعلى ما هو باطل مناقض للشرع أعظم تناقض، فلما لم يفهم هذا الفريق ما وصفناه؛ نسب القصور إلى الشرع، وتركوه جملة، وابتدعوا للناس قوانين ملفقة من آراء النصارى والمسلمين، وأوجبوا على الناس التعامل بها والحكم بما فيها، ومن خالفَ أو نازع في شيء منها؛ فإنه يُهَدَّد بالجزاء والحبس والقتل. وهذا القسم لا نطيل البحث فيه؛ لأنَّ [ما] كل ما يعلم يُقال. فهذا الذي ذكرناه بعض ما طرأ على الإسلام والمسلمين من الأسباب التي أخَّرت المسلمين عن الترقي في العلم والعمل أمام الغربيين، وأوقعت بين أنفسهم العداوة والبغضاء والشحناء، واجتثت عروق المحبة والمودة بينهم؛ فتراهم لا يرحم بعضهم بعضًا،

стр. 72

ولا يألف بعضهم بعضًا إلا لعِلَّة أو غرض، ولا يتحابون في الله ولا يتباغضون لله. فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزق الإسلام والمسلمين بمن يرشدهم ويبصرهم بعيوبهم وينبههم، آمين. وإذا أردتَ معرفة الأسباب التي أضعفت الإسلام مستوفاة؛ فعليك بكتاب «سِجِل أمِّ القُرَى» وكتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ، وكلاهما للفاضل السّيد عبد الرحمن الكواكبي. فصل وقد عاقبَ الله ـ تعالى ـ هذا الفريق ـ أعني: الذين سمّوا أنفسهم علماء التصوف ـ بأن فرقهم أحزابًا وشيعًا؛ فتفرَّقُوا على فِرَق كثيرة: إلى أحمدية نسبة إلى الشيخ أحمد البدوي، وقادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ودسوقية نسبة إلى السيد إبراهيم الدسوقي، ورفاعية نسبة إلى السيد أحمد الرفاعي، وشاذِلية،

стр. 73

وخَلْوَتِية، ونقشبندية، ورشيدية، وبيومية، وتيجانية، وغير ذلك من الفِرَق التي يكثر تعدادها. وأَخَذَت كل فرقة تدَّعي أنها أفضل من أختها، وأن شيخها أفضل من غيره من الشيوخ؛ فطعن بعضها على بعض؛ فهذه تقول: إن شيخها يأخذ عن الله بلا واسطة! وأخرى تقول: إن شيخها يطلع على اللوح المحفوظ ويأخذ منه! وأخرى تقول: إن شيخها يأخذ عن الخضر ﵇! وأخرى تقول: إن شيخها يأخذ عن النّبيّ ﷺ مشافهة! والكل لا يعتمدون في مسائل الدين إلا على كتب مشايخهم؛ حتى قال لي بعض من يدَّعي علم التصوف: إن طريقة الصوفية في مسائل الدين أعظم وأفضل من طريقة المُحَدِّثين؛ لأن الصوفية ما تكلموا في الدين إلا عن مكاشفة ومشاهدة، وأما المُحَدِّثون إنَّما يتكلمون من جهة الاستدلال، والدليل قد يكون صحيحًا وخطأ [في نفس الأمر] ؛ فغاية أمره أن يَغْلِبَ عليه جانب الصحة بقرائن

стр. 74

قامت عندهم! وحيث أن الناس قد ولعوا كثيرًا بأهل هذا الفريق؛ فإن شاء الله ـ تعالى ـ لنا عودة نبين فيها حالهم وما هم عليه من ترك الكتاب والسنَّة. والله الموفّق. فصل وحيث أن الله قد تكفَّل لدينه بالحفظ، وقضى بأنه لا يخلي الأرض من قائم له بحجة؛ كما جاء في الحديث: «إنَّ اللهَ يبعث على رأس كل قرن أو مائة سنة من يجدد للناس أمر دينهم» ؛ قَيَّضَ لهذا الدين رجالًا هم صفوة خلقه وخيرته من عباده؛ ألا وهم علماء الحديث، كثَّرهم الله ـ تعالى ـ في القديم والحديث؛ فقاموا في وجوه المبتدعين، وذبُّوا عن كتاب الله ـ تعالى ـ وسنَّة نبيه تحريف الجاهلين، وتأويل المبطلين؛ فمن قام [بالرد] على المتكلمين في التوحيد والأصول قديمًا إلا مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ويزيد بن هارون وعبد العزيز بن يحيى الكناني والإمام الحجَّة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري والدارمي وغيرهم. ومن بعدهم بقليل مثل: الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر والإمام أبي محمد علي ابن حزم

стр. 75

وابن بطّة وأضرابهم. ثم جاء بعدهم شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية؛ فقام لله قيامًا مُخْلِصًا في قوله وعمله؛ فمزق شملهم وفرَّق جمعهم. وجاء بعده الإمام الحافظ ابن القيم؛ فنحا نحوه وقام قيامه، ومثله الإمام ابن الوزير اليماني، وغيرهما. وجاء بعدهم الإمام شيخ الإسلام أبو الفضل شهاب الدين أحمد ابن حجر العسقلاني ثم المصري؛ فنَصَرَ الله به السنَّة وخذَّل البدعة. وقريبًا منه الإمام المتقن سعد الدين التفتازاني، وغيرهما. ثم جاء بعدهم الإمام المتقن جلال الدين عبد
следующие страницы →