← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الكتاب: النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام المؤلف: الإمام الحافظ / محمد بن على الكرجي القصَّاب تحقيق: د. علي بن غازي التيجري دار النشر: دار القيم ـ دار ابن عفان الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ٤ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] قام الأخ المفضال على ابن جابر - جزاه الله خيرا بتحويل الكتاب (كاملا) وقام الفقير إلى عفو الله - العلي القادر - بتصويبه وفهرسته وموافقته للمطبوع وقد تم تصويب الأجزاء الثاني والثالث والرابع ـ على نسخة حولها لي الدكتور / نافع - أكرمه الله وأثابه وجزاه خيرا - والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

стр. 2

المقدمة قال الشيخ الإمام العلامة أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الفقيه الكرجي المعروف بالقصاب ﵁: هذا كتاب، نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام والمنبية عن اختلاف الأنام في أصوله الدين وشرائعه، وتفصيله وجوامعه، وكل ما يحسن مقاصده، ويعظم فوائده من معنى لطيف في كل فن

стр. 3

تدل عليه الآية من جليلها وغامضها، وظاهرها وعويصها، أودعتها بعون الله تعالى كتابي هذا عدة على المخالفين، وحجة على المبتدعين، إذ هي بحمد الله شافية ملخصة كافية، فمن أضرب عن اللجاج، وقصد واضح المنهاج عرف بها ما أشكل من خدع أهل التمويه، ومن يقصد اللدد

стр. 4

والتشبيه، فإن أكثر من ضل منهم ضل بتركه تميز كتاب ربه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصاره على مخاريق أهل الكلام، وما وشّوه به من رائق

стр. 5

النظام الذي لا يفيد محصولا، ولا يشيد معقولا أو لا يفكر أن الله قد عبد بهذا الدين قبل أن يخلق أبو الهذيل، وأتباعه والنظام

стр. 6

وأشياعه، وكانت حجته على عباده واضحة بكتابه. ويعولون عليه، ويدعون من خالفهم إليه متبعين فيه قوله ﵎: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، وهل يحسن بذي حجي أن يعين عقله في اتباع من يجهل عدله، ولا يفحص عن دينه بروية نظره، ويأتي الأمر من أقصد أبوابه، فيعلم أن ما لم يكشف عنه القرآن الذي

стр. 7

جعله الله لكل شيء تبيانا لم يكشف عنه سواه. وهل كل من زخرف من المبتدعة كلاما، وعدَّ فيما ألفه من البدعة إماما إلا بشر مثله. فما باله يعول عليه، ويتهم نفسه في خلاف ما سبق إليه. قال محمد بن علي: فأول ما نبدأ به في هذا الكتاب أن نحمد الله على حسن الهداية، ونستمده بالكفاية، ونصلي على سيد المرسلين محمد، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 8

سورة الفاتحة أقول - والله أعلم -: إن في قول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) إضمار قل: كأنه - إن شاء الله - قال: قل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ليكون الكلام منسقا، فيكون رفع الحمد على الحكاية. وهذا أقرب - والله أعلم - مما قاله أبو عبيد: من أن العرب

стр. 9

ترجع من الخبر إلى المخاطبة، وما قاله حسن غير مدفوع. والقراءة في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) بالألف: أحسن - والله أعلم - لأن العرب لا تكاد تقول: فلان ملك كذا إلي للروحانيين من الناس، ويقولون: مالك يومه وساعته يصنع فيهما ما

стр. 10

أحب، ولا يقولون: ملك اليوم، والله تعالى مالك يوم القيامة، وملك من يحضره من الخلق، والملك صفة من صفات الاقتدار، منوط بالاستعلاء والسلطان والقهر، واليوم لا يقهر ولا يستعلي عليه. إنما يفعل كل هذا بالخلق من الناس، وسائر الروحانيين من أهل السموات والأرضين. وما احتج به أبو عبيد من قوله: (لمن الملك اليوم) وإن كان حسنا، فليس بدافع لما قلناه، لأن من كان له الملك ذلك اليوم جاز أن يكون مالكه، وحسن أن يوصف بملك اليوم، والملك في اليوم، ولو كان قال: لمن ملك اليوم، كان الاحتجاج به أشبه لأنه كان

стр. 11

يكون: الله مضافا إليه، ولا يكون ظرفا له. وإذا كان اليوم ظرفا للملك، فالاحتجاج به على تصحيح (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) الذي هو مضاف إلى اليوم يبعد وجهه، وإن كان محتملا. * * * قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) . دليل على نفي الاستطاعة، إذ الصراط المستقيم: هو دين الل

стр. 12

الذي ارتضاه، وكتابه الذي أنزله، فمن لا يقدر على الوصول إليه إلا

стр. 13

بهداية منه عديم الاستطاعة،، ويحققه قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) فصار صراطهم بنعمة ربهم، لا باشتياقهم إليه باستطاعة أنفسهم. ولو كان ذكر الهداية دالا على بيان الصراط والإيضاح لا على العودة ما كان لاختصاص النعمة بالذكر معنى.

стр. 14

ولما كان فيهم من يمتاز عنهم بالغضب والضلال، إذ لو كانوا مستغنين بالإيضاح والبيان لهم، لاستوى الجميع في سلكه، ولما احتاجوا إلى منعم يسلك بهم بعد نعمته عليهم في البيان لهم.

стр. 15

سورة البقرة * * * قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) إثبات القدر، ونفي الاستطاعة، وختم على نفي الإيمان عنهم. ودليل على أنهم بعد وضوح الطريق لهم بنذارة النبي ﷺ محتاجون إلى توفيق به يؤمنون، إذ لو كان ضلالهم عن الإيمان بجهلهم بسبيله لساروا فيه بعد النذارة. وقد أزال الريب تعالى عن ذلك، وأغنى عن الإغراق وحققه بقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) .

стр. 16

ردٌّ على المرجئة: * * * وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) رد على المرجئة من جهتين: إحداهما نفي الإيمان بالقول الذي لا يكون عندهم إلا به. والأخرى: أنهم يفرقون بين الإيمان واليقين، فيزعمون أن اليقين خلاف للإيمان، حتى إنهم يتأولون قوله في سورة المدثر: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .

стр. 17

أي: يزدادون يقينا، فرارا من لزوم الحجة لهم في زيادة الإيمان. وأرى الله ﵎ قد سمى الإيمان بالآخرة يقينا بقوله قبل هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) وعليهم فيها حجة ثالثة: من أن الإيمان ذو أجزاء، وهم لا يجعلونه إلي جزءا واحدا، ولم يقع النكير عليهم في تسميتهم الإيمان بالآخرة إيمانا إذ هو لا محالة كذلك، إنما نفاه عنهم حيث كانوا غير صادقين في قولهم.

стр. 18

رد علي الجهمية: وفي قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) رد على الجهمية. إذ قد جمع بين الخداع منهم له وللمؤمنن. وهذا هو الذي ينكرونه أشد الإنكار من أنه لا يضاف إليه ما يجوز إضافته إلى الخلق. وهو المخبر عنهم - جل وتعالى - بهذا الفعل، ومعلوم أنهم لا

стр. 19

يصلون إلى إرادتهم، لا أن نفس القول به منكر - والمنكر إرادة الفعل - وكيف يكون منكرا وقد قاله ، ولم يجعله إخبارا عمن نسب الفعل إليه،! رد على القدرية:

стр. 20

وفي قوله (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) رد على القدرية والمعتزلة: إذ هم غير منكرين أن المرض المنسوب إليهم ليس مرض

стр. 21

الأوجاع، وأنه كناية عن كفر أو نفاق، وقد قال: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) كما ترى. وسمعت من يحتج عنهم، ويزعم أن المرض الأول كفر، والثاني عقوبة (١) ، كأنه قال: فزادهم عقوبة. وهذا خروج من كلام العرب، ومحيل جهة الكلام عن جهة الاستقامة، إذ الزيادة في الشيء لا تكون إلا من جنسه. ومحال أن يقال: زيدت الظلمة بالنور سوادا، وزيد النور بالظلمة ضياء. والعجب ممن يدقق الكلام، ويزعم أنه نسيج العويص، ثم يأتي بمثل هذا الذي لا يشكل على عالم ولا جاهل، مع أنه لو كان غير محال أيضا، ما جاز ترك ما يقتضيه ظاهر اللفظ من كلام الله بقول البشر إذا لم يتفقوا عليه.

стр. 22

وفيه أيضا دليل على أن الشيء يوضع موضع غيره إذا احتمل معناه، ويسمى به ولا يكون كذبا. خصوص في عموم: * * * قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) إثبات لإجازة الخصوص في ذكر العموم، لإحاطة العلم بأن جميع الناس لم يؤمنوا إذ أكثر من في عصر رسول الله ﷺ والمخاطبون بهذه الآية ناس في اللغة غير داخلين تحت الإيمان في الآية. وفي قوله: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) : دليل أيضا على أن الشيء الواحد يجوز أن يسمى به أشياء محتلفة إذ تسميته - جل وتعالى - إياهم بالسفه، وهم كفار، وتسمية غيرهم في قوله: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) وهم مسلمون، دليل على إجازة ذلك، وزوال النكير عنه.

стр. 23

وهذا هو الموضع الذي يغلط فيه الجهمية من أن الاسم إذا وقع على شيء لم يجز أن يوقع على مالا يشاكله في الصفات، فيزعمون أن الله لا يوصف بوجه ولا يدين ولا حب ولا كراهة لمشاركته المخلوق في ذلك، ولدخوله تحت التأليف والحد والإدراك، ولا يعلمون أن معنى المصنوع من وجه الخلق ويديه، والمخلوق من حبه وكراهته، وأشباه ذلك، قد باين بينه وبين خالقه الذي ذلك فيه كائن في الأول بلا أول ولا صنعة، وفي المخلوق مكون بأول وصنعة، وزائل متغير هنالك، ومنه - جل وتعالى - دائم باق، واتفاقهما بالاسم إذ اختلفا في المعنى كاتفاق الكافر والمسلم في اسم السفه، واختلافهما في المعنى.

стр. 24

في قوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) رد عليهم واضح لو عقلوه، لأن الاستهزاء عندهم من صفة المخلوقين، وقد أخبر الله - تعالى - عن نفسه كما ترى. في البيع والشراء: * * * قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) من جهة الفقه: أن البيع والشراء يصحان، وإن لم يوقعا بلفظهما لأنه - جل وتعالى - أفادنا في هذه الآية أن البيع والشراء اسمان موصوفان للدفع والأخذ والمبادلة، واعتياض الشيء من الشيء وأن معنى التجارة طلب الأرباح، ونماء الأموال، وغيرها من الزيادة في الخير، كقوله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)

стр. 25

فسمى الإيمان والجهاد تجارة. وقال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) ، وأشباه ذلك. فإذا دفع الدرهم، وأخذ السلعة، فقد تاجر كل واحد منهم صاحبه، وبايعه وشاراه، وإن لم يقل البائع: قد بعت، ولا المشتري: قد اشتريت. في الأمثال والمبالغة والرد على القدرية والمعتزلة: قولي تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى قوله (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) . حجة أولا في ضرب الأمثال، ورد على القدرية والمعتزلة، وحجة في أن من أراد المبالغة في ذم شيء أو مدحه فجائز له الإفراط فيه، ولا

стр. 26

يكون كاذبا ولا آثما لإحاطة العلم بأن من وصفه - جل وعلا - في هذه الآية بالصمم والبكم والعمى كان له سمع يسمع به، ولسان ينطق به، وعين يبصر بها، لكنه لما لم يصغ إلى مواعظ الله، واستكبر عن النطق بشهادة الحق من التوحيد، وتنكب طرق الهداية، وصفه بكل ذلك إذ زالت عنه حقيقة الانتفاع بما أريد منه. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) دليل على أن الذي في قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) من نعت الرب لا نعت الاسم، كما يزعم من يقول بخلق القرآن إذ لو كان كما يزعم لدلت

стр. 27

هذه الآية على أن للناس أربابا مع الله - جل الله - فأمرهم بعبادته دون سائر الأرباب، وإن كانت العبادة لا تصلح إلا له فإعداد غيره ردا معه من أنكر المنكر وأبين الكفر، كزعمه أنه أمره في سورة " اقرأ "، بقراءة اسمه المخلوق عنده دون غيره، وهذا هو نهاية الجهل، ومجاوزة الحد فيه لو تدبره. رد على القدرية: * * * وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) إذ قد أخبر عن نفسه بأنه يضلهم.

стр. 28

فإن قيل: فقد قال على إثره: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) فنسب النقض إليهم. قيل: نحن لم نزعم أن الله لما قضى عليهم نقض العهود صار فعل النقض منسوبا إليه، بل هو منسوب إلى الناقض، وزعمنا أن الإيمان بتصديقه في كل ما أنزل في كتابه لازم لنا وفرض علينا، فلما وجدناه مخبرا بإضلالهم عن نفسه، وبالنقض عنهم صدقناه في جميعها، فقلنا كما قال، وآمنا بما أنزل، ولم ننقض إحدى الآيتين بالأخرى. وكذا قولنا في كل ما كان من هذا النمط في القرآن من أن القضاء عليهم بالمعاصي والكفر منه، والفعل بهما من فاعله، والعقوبة عليه والظلم زائل عنه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) ، وأشباهها من الآيات، ولم يكن لنا في علم كيفية ذلك فائدة إذ ليس

стр. 29

هو مما كلفناه، وهو شيء من فعله وصنعه، ولا ضرنا لحوق الحيرة بنا، إذ حجبنا عن معرفة كيفية علمه، كما هو عنده، إذ نحن عبيد لا يؤثر نقصان العلم في عبوديتنا، ولا يجوز لنا مزاحمة مالكنا في علمه بنا وصنعه فينا. وهذا هو موضع إرهاقهم، وأخذ الضيق عليهم، إذ لا يجدون محيصا من الوقوع في الكفر الصريح بتكذيبه في أحدهما، أو الرجوع إلى قولنا إن رغبوا في المحاماة على الإيمان. وهي ثلاثة أشياء: نفي الظلم عن نفسه، ونسبته إضلال القوم إليه، وإخباره بالفعل عنهم. فإن زعموا أنه صادق في إخبار الفعل عنهم، ونفي الظلم عن نفسه، كاذب في نسبة الإضلال إليه، صرحوا بالكفر، وكفونا مؤنة إثبات القضاء في الشر. وإن صدقوه في الثلاثة معا، ولم يستطيعوا غيره، قيل لهم: فماذا نقمتم من قولنا حين عرفنا بالصدق ربنا، وآمنا بالثلاثة كلها، وأقررناها أماكنها، ونسبنا إلى كل ما نسبه ولم نجاوز حده، ورغبنا إليه في المعونة على القيام بالأمر والنهي، كما تستغل العبيد المأمورون، ولم

стр. 30

نزاحم ربنا في معرفة أفعاله كيف يصرفها، إذا كانت عقولنا الناقصة لا تدرك علمه التام، وقضاءه العام. أليس هذا تعقب حكمه الذي قالت: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) ،. أوليس الفكر في ذلك، والإلحاح في معرفته، كالفكر في بدو الخالق ومنتهاه الذي مكايد الشيطان به المؤمنين ليستفزهم به، ويردهم عن دينهم بوساوسه المتلونة عليهم منه، رد على المتكلمين: في قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)

стр. 31

رد لقول من زعم أن اسم الميت لا يقع إلا على من فارق الحياة، وأن من لم يكن فيه حياة - قط - فهو موات لا ميت، وقد قال ﵎: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) ، ولم يقل: مواتا، وواحد الأموات ميت. وفيه أيضا رد على التكلمين فيما يزعمون: أن كل شيء ينمي ويزيد - كالشجر، والنبات، وما لا تعرف له روح ظاهرة - حي، إذ النطفة تنمي وتزيد وتحرك، والمضغة والعلقة يربوان ويكبران، وقد سمى الله - تعالى - كل ذلك ميتا كما ترى. في تثبيت خبر الواحد: وفي قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) إلى قوله (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) تثبيت خبر الواحد، إذ عجزهم عن إخبار

стр. 32

خالقهم بأسامي الأشياء المثبتة له غيب السموات والأرض، وعلم كتمانهم وإبدائهم عندهم كان بإنباء آدم إياهم بها عن ربهم، وهو واحد وقوله - تعالى -: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) مخبر عن أن الجنة مخلوقة، وأن قول من قال: تخلق بعد زور وبهتان وتكذيب للقرآن. اختصار الكلام: * * * وقوله: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) حجة في اختصار الكلام، وإشارة إلى المعنى، لإحاطة العلم بأنهما لم ينهيا عن الدنو، إنما نهيا عن أكلها، فلما لم يوصل إلى الأكل إلا بالاقتراب منها استغنى

стр. 33

والله أعلم - به من ذكر الأول. في قوله تعالى: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) دليل على أن معنى الظلم: الخلاف ووضع الشيء في غير موضعه، إذا لم يكن هناك من الظلم بأكل الشجرة، فسمي الحيف عليه ظلما غير أنفسهما، حيثما أوقعا عليه الحيف باستيجاب العقوبة التي تألم به، ووضعها إياها موضع الثواب التي تنعم به لو أطاعه في ترك أكلها. ولو قال قائل: إن الظلم وقع بالشجرة منهما، إذ قد أمر بتركها في الجنة، فصارا سببا لإخراجها واستحالتها عن حالة الطيب إلى حالة النتن - كانت اللغة محتملة له.

стр. 34

في معنى الحين في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) دليل على أن الحين: يقع، على القليل والكثير من الأوقات لأنه لا محالة هاهنا العمر كله. خصوص ورد على القدرية: * * * قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) خصوص لا محالة، لأن الهدى لم يأت إبليس ولا الحية. وفيه رد على القدرية، لاستواء الجميع في المعصية، واختصاص آدم وحواء بالهداية إلى التوبة في قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) ، ولم يقل: تاب، وكانت الكلمات والتوبة معا من إنعامه على بعض العصاة دون بعض، وقد استويا في المعصية، واختلفا في

стр. 35

العقوبة، فأين موضع العدل الذي يدعونه بجهلهم من حيث لا يعرفونه، وقد وضع عنهم تفتيشه. دليل أن " مَنْ " تكون للواحد والجماعة: * * * وقوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) حجة في أن "من " تكون للواحد والجماعة، وهي هاهنا في موضع الجمع لقوله: (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ، ولم يقل: عليه، وتبع، موحد - والله أعلم - لتقدمه على الأسماء المضمرة في " عليهم " أو محمول على اللفظ. ولد الولد: * * * وقوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) دليل على أن ولد الولد وإن أسفل، لا يزول عن اسم البنوة، إذ لا نشك أن من خوطب بهذا من بني إسرائيل أسباط أسباط إسرائيل

стр. 36

بدرجات كثيرة، وقد سماهم الله بنيه. وضع الشيء موضع غيره: * * * قوله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) يعني - لا محالة - فرقنا بآبائكم، ومن أنتم نسلهم، وهم ينظرون، إذ كان من خوطب بهذا في زمن رسول الله ﷺ لم يشهد ذلك، ولا نظر إليه بعينه، وهذا من سعة لسان العرب، ووضعهم الشيء موضع غيره إذا فهمه السامع بالإشارة، إلى المعنى وفيه حجة للحسن البصري حيث قال:

стр. 37

" خطبنا عتبة ابن غزوان - وا يكن لحقه ة! انما عنى أنه خطب أهل البصرة، وهو بصري - " وخطبنا ابن عباس "، ولم يحضر خطبته، لأنه كان بسجستان أيام ولي ابن عباس البصرة، فعنى أنه خطب أهل بلده، ولم يكن كاذبا في قوله وكذلك

стр. 38

قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي: اتخذه آباؤكم. * * * وقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) هم - لا محالة - آباؤهم ومن هم من نسله، إذ هم المصابون بالصاعقة، والمبعوثون بعد الموت، وما يحقق ذلك - وإن كان لا شك فيه - أنه قال بعد تمام الكلام وذكر المن.

стр. 39

والسلوى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) فرجع إلى ذكر آبائهم، ومن كان كل ما ذكره حادثا فيهم.

стр. 40

تكرير في كلام العرب: * * * قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) . رد على من يزعم أن العرب ليس في كلامها تكرير ولا تأكيد، وأن كل لفظة لها تقتضي معنى مفردا، وأراه ﵎ قد ذكر الركوع على الانفراد، وهو - لا محالة - داخل في الصلاة.
следующие страницы →