Полный текст (1 832 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بدرجات كثيرة، وقد سماهم الله بنيه.
وضع الشيء موضع غيره:
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
يعني - لا محالة - فرقنا بآبائكم، ومن أنتم نسلهم، وهم ينظرون، إذ كان من خوطب بهذا في زمن رسول الله ﷺ لم يشهد ذلك، ولا نظر إليه بعينه، وهذا من سعة لسان العرب، ووضعهم الشيء موضع غيره إذا فهمه السامع بالإشارة، إلى المعنى وفيه حجة للحسن البصري حيث قال:
стр. 37
" خطبنا عتبة ابن غزوان - وا يكن لحقه ة! انما عنى أنه خطب أهل البصرة، وهو بصري - " وخطبنا ابن عباس "، ولم يحضر خطبته، لأنه كان بسجستان أيام ولي ابن عباس البصرة، فعنى أنه خطب أهل بلده، ولم يكن كاذبا في قوله وكذلك
стр. 38
قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي: اتخذه آباؤكم.
* * *
وقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)
هم - لا محالة - آباؤهم ومن هم من نسله، إذ هم المصابون بالصاعقة، والمبعوثون بعد الموت، وما يحقق ذلك - وإن كان لا شك فيه - أنه قال بعد تمام الكلام وذكر المن.
стр. 39
والسلوى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)
فرجع إلى ذكر آبائهم، ومن كان كل ما ذكره حادثا فيهم.
стр. 40
تكرير في كلام العرب:
* * *
قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) .
رد على من يزعم أن العرب ليس في كلامها تكرير ولا تأكيد، وأن كل لفظة لها تقتضي معنى مفردا، وأراه ﵎ قد ذكر الركوع على الانفراد، وهو - لا محالة - داخل في الصلاة.
стр. 41
معنى الظن:
في قوله: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) .
دليل على أن الظن من الأضداد: يكون بمعنى اليقين والشك، وهو هاهنا يقين لأنه مدح للخاشعين.
والقراءة في قوله: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) برفع الهاء على الفعل المستقبل أحسن منها بفتحها على الماضي، إذ لو كان كذلك لكان - والله
стр. 42
أعلم - تشابهت بالتاء لتقدم الاسم عليها.
وإن كان فتحها على أن تحمل الفعل على لفظ البقر جائزا، فرفعها أحسن لما ذكرنا، ثم لا يضرك ثقلت الشين أو خففتها والتثقيل أحب إلي.
* * *
قوله: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ)
حجة لمن قال: إن ما كان من أوصاف المؤنث على وزن فعول فهو بغير هاء، كقولهم: امرأة صبور وشكور.
* * *
قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا)
رده - والله أعلم - على الميت ولم يرده على النفس.
* * *
قوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)
ليس بشك، لأن الله تعالى لا يشك، وكيف يشك بشيء هو خالقه
стр. 43
وناقله من حال إلى حال ولكنه - والله أعلم - على ما تتكلم به العرب من نحو ذلك، إذ القرآن نازل بلسانهم.
وكان بعض المتقدمين يزعم أن هذا وقوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)
وأشباههما " أو " فيه بمنزلة الواو، أو بمعنى "بل"، كأنه يقول: " وأشد قسوة " " ويزيدون " وما قلناه أحب إلي وكلاهما حسن، وأحسن منهما معنى أن تكون كالحجارة، تنبيها لهم بما يعرفون من قسوة الحجر، ويكون (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) بما يعرفه الله دونهم والله تعالى أعلم به.
* * *
قوله: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)
دليل على أن ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة، لأنهم
стр. 44
- لا محالة - كانوا يسمعون من غيره، وقد أضافه إلى نفسه،.
* * *
قوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)
فالظن بمعنى الشك، وقد صح التضاد فيه لشهادة القرآن بكلا المعنين.
فإن قيل: فما وجه ذمهم بالأمية، والأمية من نعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم،
قيل: لم يذمهم بها، لأنها مذمومة في نفسها، بل فيها ظهور أمارة النبوة له، أن يكون وعى الوحي كله بما أيد من الحفظ وعصم من النسيان بقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) وهو أمي.
وفيه أيضا دليل على ما قلناه: إن الشيئين قد يتفقان في الاسم، ويختلفان في المعنى، ولو كان كل صفة تكون في غير نبي لا يجوز أن تكون في نبي، لما جاز أن يكون في البشرية نبي، إذ هم مساوون لهم في الأكل والشرب والنوم والجماع، وسائر أوصاف البشر، ألا ترى أن الله ﵎ ذم الكفار حيث أنكروا بعثه رسولا فيه بعض
стр. 45
صفاتهم، من أكل الطعام والمشي في الأسواق فقال: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)
ثم قالت في تمام الكلام: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) ، فأعد هذا القول منهم ضلالاً
وقال في موضع آخر: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)
قدم كل هذا من أقاويلهم، وأنكره من أمثالهم، وأخبر بأن الرسل لا يضرهم مشاركة من شاركهم في بعض صفاتهم، إذ انفردوا بالنبوة التي لا مشاركة فيها.
شرى المصاحف وبيعها:
* * *
قوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .
يؤيد قول من أجاز شرى المصاحف وبيعها: إذ
стр. 46
الوعيد منه جل وعلا واقع على الناسبين إليه ما اختلقوا فيه، والمدعين عليه مالم ينزله، ليسلكوا فيه بالاكتساب مسلكا للإطاحة فيه بكتب الحق التي أنزل الله، لا أن الوعيد وقع على الاكتساب دون الاختلاق،
стр. 47
إذ لو كان الاكتساب ببيع التوراة محرما، ما نفق اختلاقهم في وجوه مكاسبهم به.
وفيه دليل: على أن الكتب المودعة أباطيل الكفر والسحر، وكل ما يخالفه الحق، لا يجوز الشرى والبيع فيها.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)
رد على المؤقتين من تلقاء أنفسهم باستحسانهم، إذ كل توقيت لا
حجة فيه يعمل عليها من كتاب أو سنة أو إجماع، ادعاء مالا علم
لمؤقته، ومردود عليه كرد الله على هؤلاء، وإبطال قولهم فيما
стр. 48
ادعوه من مس النار لهم أياما معدودة، وأرادوا بالأيام المعدودة: الأيام التي اتخذوا فيها العجل وهي أربعون يوما.
* * *
قوله: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)
ينبئ أن الخطيئة هاهنا: الشرك، لقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فدل على أن الكاسب السيئة والمحاط به لم يؤمن، وإذا كان كذلك لم يكن للمعتزلة متعلق بقوله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) .
لأن السيئات هاهنا
стр. 49
- والله أعلم - أنواع الكفر.
وليس في قوله: (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ما يدل على
أن أصحاب السيئات لم يكونوا كفارا، لأن معناه - والله أعلم - أن من قال هذا القول منهم عند الموت، فيوشك، ولم يقل: " له عذاب أليم ".
* * *
قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ)
стр. 50
دليل واضح على أن القرآن غير مخلوق، وأن التوراة غير مخلوقة، وأنه ليس بحكاية، قد جمع كل هذا الإضافة إياه إلى الله، وهم لم يسمعوه من رسول الله ﷺ .
فلو لم يكن القرآن بجميع جهاته غير مخلوق لقال - والله أعلم -: حتى يسمع مثل كلام الله أو حكاية كلام الله، أو قراءة كلام الله، فلما قال: كلام الله، أبطل كل ذلك، فمن ادعى شيئا منه خالف الله تعالى، وكان قوله مردودا.
ومثله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .
وقال إخبارا عن الوليد بن المغيرة: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
стр. 51
فرد عليه ما قال: إنه قول البشر، فلا يكون قول بشر على شيء من
الأحوال.
والوليد لم يسمعه إلا من رسوله الله ﷺ أو من أصحابه، وكلهم بشر وألسنتهم ألسنة البشر، وهو بين.
فإن احتج محتج بقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ، قيل: لا يجوز
أن ينفى على البشر، ويثبت للملك، لأن الملك تلفظ فيه كما تلفظ البشر به.
فإذا نفاه عن البشر كان عن الملك أيضا منفيا، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن وجهه - والله أعلم - إلا أنه قول جاء به الرسول الكريم من عند الله، وهو قوله الله لا قوله، فأضيف إليه على معنى أنه الآتي به،
стр. 52
وهذا مثل قوله (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) .
وأضيف الإهلاك والإنجاء إليهم، وإنما هو المهلك والمنجي، ولكنه لما كانوا هم الجايئين به من عنده بهذا الإهلاك والإنجاء - أضيف إليهم.
وقال الله لمريم: (أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ) .
والله هو الواهب لا محالة.
стр. 53
وكقوله في عيسى ﵇: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ)
والله الخالق على الحقيقة، كذلك (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)
وهو قول الله على الحقيقة، وأضيف إلى الرسول المجيء به.
تسمية الشيء باسم الغير إذا كان منه بسبيل
* * *
قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) .
حجة: لمن يسمي الشيء باسم غيره إذا كان منه بسبيل، إذ الأنفس
في هذا الموضع أهل دينهم لا ذات أنفسهم، لأنهم جنس واحدة يتولد بعضهم من بعض، يبين ذلك قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ)
стр. 54
فلو كان المراد بهذا الخطاب ذات أنفسهم لم يكن في إخراج غيرهم ما ينقض ميثاقهم المأخوذ عليهم في ترك إخراج أنفسهم.
الرد على المرجئة:
* * *
قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)
رد على المرجئة، إذ المتمسكون بدين موسى ﷺ قبل إنزال الفرقان كانوا مستكملي الإيمان عندهم. وقد سماهم الله ﵎ بترك الإيمان بالقرآن، والاقتصار على الإيمان بالتوراة - كفارا.
وليس يخلو ما دعوا إليه من الإيمان بالقرآن، من أن يكون عند المرجئة مضافا إلى أصل الإيمان، أو معدوما في عداد الشرائع، فإن كان مضافا إلى أصل الإيمان فهو نقض لقولهم فيما أنكروه من تخزية ونفي الزيادة فيه.
وإن كان سلوكا به سبل الشرائع فهم لا يسمون شيئا من الشرائع
стр. 55
إيمانا وقد سماه الله تعالى في هذه الآية، إيمانا، ولا يسمون تارك شريعة كافرا، وقد سمى الله من لا يؤمن بالقرآن في هذه الآية كافرا.
حجة على الجهمية:
* * *
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)
إلى قوله (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)
حجة على الجهمية والمعتزلة: لوصفه نفسه بعداوة من يعاديه، وملائكته ورسله، من الكفار، وهذا هو الذي ينكرونه أشد الإنكار.
الرد علي القدرية:
* * *
قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)
مثبت مقالتنا في الرد على القدرية، لإضافة فعل التفرقة بالسحر إليهم ونفي ضرهم به إلا بإذنه، كقولنا: إن فعل المعصية منسوب إلى العبد وقضاءها إلى الرب،
стр. 56
فمن آمن بالتفرقة وكفر بالإذن كفانا مؤنة الاشتغال به ومن آمن بهما رجع إلى قولنا فيه.
في التوفيق
* * *
وقوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) .
دليل واضح لمن تدبره أن حرمان التوفيق أقعدهم عن الإيمان لما حسدوا عليه غيرهم وتبين لهم حقيقته، إذ محال أن يحسدوا غيرهم على ما هو باطل عندهم وفي أيديهم بزعمهم ما هو خير منه. هذا ما لا يذهب على مميز، إذ لو كانوا قادرين على أنفسهم أن يخرجوا إلى ما عرفوه من الحق في أيدي غيرهم لاستغنوا بالتعجيل إليه عن مقاساة الحسد الذي لا يحصل إلا على التحسر ومضض الغيظ.
والذي يجوز لنا أن نتكلم فيه، ولا نرهب أن يكون مزاحمة في علمه، ولا نقضا لكتابه وجحودا بوحيه - أن التوفيق ليس بحق لهم عند الله فيكون ظالما لهم بمنعه عنهم، بل هو تفضل ينعم به على من يشاء ويحجبه عمن يشاء، والقرآن يشهد لنا بذلك في غير موضع في
стр. 57
هذه السورة، وفي سورة آل عمران في قوله: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)
فلا يجوز لنا أن نقول في إضلال من أضل أكثر من التسليم له، والإيمان بما أنزل في كتابه وتصديقه بما لا نعرف حقيقة علمه كما عرفنا حقيقة علم التوفيق كيف حجب عن غير أهله، وهذا الذي يتصور في عقول القدرية من أن إضلالهم والقضاء عليهم بما أمروا خلافه ثم يعاقبون عليه - ظلم توسوس به اللعين إليهم وإلينا.
لكن نقول: إن علمنا بعداوته إلينا يحول بيننا وبين أن نعمل عليه وتكذيبنا بالقرآن إن قلنا بمقالتهم يورطنا فيما هو أعظم من تصور ما لا يضرنا جهله في عقولنا، إذ ليس هو بأمر ولا نهي نحتاج إلى معرفتهما لندين الله بهما، والذي نحتاج إليه في أصل إيماننا بالخالق هو: علمنا بأنه عادل في جميع جهاته، غير جائز على أحد من خلقه، والمتصور في عقولنا من ذلك ليس بمحيل إمكانه في عدله بل عقولنا لنقصانها إذ هي مخلوقة، ونحن مخلوقون - تعجز عن إدراك علم الخالق المنزه عن النقصان، ولو جاز لنا أن نرد مالا تحمله عقولنا، ولا تتسع له صدورنا، ولا نسلم فيه للقرآن ولما جاء رسول الله،
стр. 58
صلى الله عليه وسلم، به من البيان - لسلكنا بأنفسنا طريق السدى ومن لا يؤمر ولا ينهى، ولكان الرسول غير مبعوث إلينا والتنزيل غير نازل فينا، وهذا خروج من الإسلام، بل خروج من العبودية وجحود بالربوبية.
وهل يجوز لعاقل أن يعد تعظيم ربه في خلاف كتابه والمزاحمة في علمه، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا على أن الله - جل وتعالى - قد أنزل في كتابه ما أخبر به عن إضلال من نسب ضلاله إليه، ووصف نفسه بضد الجور وأنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة، فإن كان القوم يعدون تعظيمه في تكذيبه فنحن نعده في تصديقه.
بل نعد تكذيبه ﷻ من الكفر الصريح الذي لا التباس فيه. وإن قالوا: لا نكذبه ولكن هذا مزيد في كتابه ولم ينزله الله على نبيه - هدموا الإسلام، وخرجوا من قول الجماعة، متبعهم ومبتدعهم، إذ إطلاقهم موجود على أن جميع ما حواه الدفتان نازل من عند الرحمن.
ويقال للقدري: إن كنت نفيت هذا عنه - جل وتعالى - وأعددته تنزيها من أجل أنه متصور عندك بضد العدل، وأنك غير واصل إلى
стр. 59
العلة التي تسلك به سبيل الحق الدال على العدل من حيث يقبله عقلك، ولا تشمئز منه نفسك، فما العلة التي أوجبت عندك غسل جميع الجسد من خروج النطفة، ولم توجبه من خروج النجو، والنجو أنجس وأنتن منها. وما الذي أوجب أن يكون الفجر ركعتين، والظهر أربعا، والمغرب ثلاثا، وما الذي أوجب أن تترك المغرب والفجر في السفر على حالهما، وأبيحت الحطيطة في غيرهما وما الذي سوى بين دية الطفل الرضيع والشيخ الكبير، وأشباه هذا مما يطول الكتاب بذكره.
وما العلة في خلق كافر سوي بصير ومؤمن زمن أعمى، وعبد مخول، وملك مقتدر، وبهائم خلقت لأكل العتاة وركوب العصاة، ومتصور هذا كله عندك بصورة العدل وانتظام الحكم، وقضاء المعاصي وحده بصورة الجور،
أم جميعه متصور في عقلك بصورة واحدة فتدخله تحت جحودك وإنكارك، وتقول: إن كل ما ظهرت فيه أمارات الجور بتمييز عقلك الناقص وبخبرتك الضعيفة، نزهت عنه ربك وكابرت عليه خصمك،
стр. 60
ولم تضع نفسك موضع العبيد الذين لا يشاقون الله في الأحكام بما يتصور لهم في الأوهام، ويعلمون أن كل ما أمر ونهى وختم وقضى حق وعدل منتظم فصل، عرفوه أم لم يعرفوه، والإيمان به واجب، واستعماله لازم من غير فكر في كيفيته ولا اشمئزاز في تلونه، معولين فيه على قوله (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) .
دعوى:
وفي قوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)
دليل على أن كل مدعي دعوى، محتاج إلى تثبيتها وإقامة البرهان عليها، ثم لا يقبل ذلك البرهان، إلا أن يكون مأخوذا عن الله - جل وتعالى - لقوله في الآية التي قبل هذه حيث ادعى القوم أن لا تمسهم النار إلا أياما معدوة: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) .
فلم يصحح لهم دعواهم إلا بعهد لهم يكون عنده، أو ضمان يسبق
منه لهم، ليكون الارتياب زايله عن صحتها ومحققا لها.
стр. 61
وفي قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)
دليل على أن " كل " يخبر بها عن الجميع وعن الواحد، فأما الجميع هاهنا فعلى المعنى، وأما التوحيد فعلى اللفظ والجنس.
قال الله - جل وعلا - في سورة بني إسرائيل: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) فوحد"يعمل ".
تطهير:
وفي قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)
من جهة الفقه أن ذكر التطهير ليس بدال على النجاسة في كل موضع، إذ نحن على يقين من أن البيت لم يكن نجسا بنجاسة القذر فأمر بتطهيره منه، وكذلك أمره الجنب بالتطهر في قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)
ليس بدال على إزالة قذر، إذ الجنب بخروج النطفة منه لا ينجس نجاسة الأقذار، ولا المحدث بخروج البول والغائط منه ينجس، وإنما يطهر أعضاء وضوئه، والجنب جميع بدنه استعبادا لا تطهير قذر، فليس لاعتلال من اعتل، واستدل على نجاسة الكلاب بقول رسول الله ﷺ -
стр. 62
" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات "
معنى يعول عليه ويوجب أن يكون ذكر الطهور دالا على إزالة قذر حادث في الإناء بولوغ الكلب فيه، ونحن لا ننكر أن حكم التطهير واقع على إزالة الأقذار أيضا، ولكنا نزعم أنا إذا أمرنا بتطهير شيء أصله طاهر قبل الحدث عليه فهو تطهير تعبد، لا تطهير إزالة نجس الأقذار، وإذا أمرنا بتطهير شيء أصله نجس فهو تطهير ذلك النجس.
فلم نعرف البيت ولا بدن المؤمن ولا الإناء قبل ولوغ الكلب فيه ولا الكلب نجسا، فحكمنا على الأمر بتطهيرها أنه تطهير تعبد لا تطهير إزالة شيء، وحكمنا على تطهير الأرض من البول أنه تطهيرها من إزالة نجاسة البول، لإحاطة علمنا بأن البول لا محالة نجس بنجاسة الأقذار، ونزعم مع ذلك أن النجاسة نجاستان: فإحداهما نجاسة ذات، والأخرى نجاسة
стр. 63
فعل فما كان من نجاسة الذات لم يطهر إلا بالماء لإزالة عينه به.
وما كان من نجاسة فعل فطهارته تركه. وهذا مشروح في كتابنا المؤلف
في الطهارة.
وما أمر به إبراهيم وإسماعيل - صلى الله عليهما وسلم - من تطهير فهو من نجاسة فعل المشركين وإحضار أصنامهم فيه وحوله، فأمر - والله أعلم - بإبعادها عنه وتطهيره بالصلاة والذكر.
ردٌّ على المرجئة:
قوله إخبارا عن إبراهيم وإسماعيل - صلى الله عليهما وسلم -: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)
رد على المرجئة فيما يزعمون أن الاستثناء في الإيمان شك فيه.
أفتري إبراهيم وإسماعيل عندهم كانا شاكين في إسلامهما حيث دعوا ربهما أن يجعلهما مسلمين وهما مسلمان،
أم لم يكونا أسلما عندهم قبل الدعاء فدعوا أن يرزقاه،
أو لا يعتبرون - ويحهم - أنهما كانا لا محالة مسلمين، ومع الإسلام نبيين، فرغبا أن يزاد في إسلامهما الذي لا نهاية لفضايله وزيادة الخشية في إقامة فرائضه.
стр. 64
وقد دللنا على أن العمل يسمى إيمانا كتسمية القول والتصديق.
وأن الإيمان والإسلام يجمعهما اسم وإن فرق بهما غيره في كتابنا المجرد في وصفه وشرح زيادته ونقصه.
ولو لم يكن من الدليل على أن دعاءهما للازدياد إلا إشراك من لم يكن مخلوقا من ذريتهما فيه عند دعوتهما - لكان قد أزال كل ريب فيه ولبسة تحول بين الوصول إليه.
فأي المعنيين اعترفوا به من هذين لزمتهم به الحجة:
إن أثبتوا كمال الإسلام لهما قبل الدعاء انتقل عليهم قولهم في إنكار الاستثناء. وإن زعموا أنهما لم يكونا كاملي نهايته انتقض عليهم في إنكار الزيادة فيه، ولا سبيل إلى ثالث إلا ما ألزمناهم من نفي جميعه عنهما قبل المسألة. وهذا كفر بعينه لم يلتزموه لفظاعة توهمه فكيف تقلده،
ومسألتهما التوبة في مكانهما من الله واستغفار رسول الله، ﷺ ، في جلالته إذ يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) .
стр. 65
تحذير لنا شديد كيف يكونوا مع الله ﷻ بهذه المنزلة مع
طهارتهم وتلوثنا.
معاني الملة والإسلام والدين والشريعة والصراط:
وفي قوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)
أبين البيان أن الملة والإيمان والإسلام، والدين والشريعة والصراط والمنهاج أسامي تجمع المرتضى من دين الله الذي اختاره لنفسه ودعا إليه عباده، وينوب بعضها عن بعض، ويقع على أجزائه التي لا يستغني بعضها عن بعض. ألا تراه - جل ثناؤه - كيف بدأ الآية بذكر الملة ثم أخبر أنها الإسلام والإسلام منها بقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)
ثم قال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ)
- أي بالملة والله أعلم لرجوع الهاء عليها - (إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ)
فسماها نبياه مخبرين عنه شيئا بعدما سماها إسلاما،
стр. 66
ثم سمياه إسلاما بعدما سمياه شيئا بقوله: (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) وقال في سورة الحج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)
فجمع بين الدين والله والإسلام في آية واحدة.
وقال في سورة المائدة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)
وقال في سورة الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) .
وفي سورة عسق: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) .
وقال في غير موضع: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا)
ثم أخبر عن هذا كله باسمين وجمعه فيهما، فقال في سورة آل عمران: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) . وقال في سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
стр. 67
ورسول الله ﷺ حين سأله جبريل ﵇ قال له: الإيمان كذا، والإسلام كذا وكذا سمى له جزءا جزءا باسمه على التفصيل الذي ينوب عن جميعه واحد بعينه.
وأكبر غلط القوم في ذلك، وما لبس عليهم جهلهم بأجزاء الإيمان وتصوره عندهم في صورة جزء واحد.
ولولا أن هذا الكتاب مقتصر به على النكت غير مقصود به الإتيان على نهاية التلخيص، لشرحناه بأكثر من هذا الشرح وذكرنا جميع الآيات الدالة على تسمية العمل إيمانا وسنلوح منها على تأليف السور في أماكنها جملا يستغني بها الغائص على النكت عن إطالة شرحنا - في كتابنا المجرد فيه إن شاء الله.
* * *
قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) .
حجة في تسمية العم والجد أبا كتسمية الأب، لأن إسماعيل عم
стр. 68
يعقوب وإبراهيم جده وإسحاق أباه، فسموا كلهم آباء.
وفيه حجة لمن يزعم أن العم يزوج صغار بنات أخيه لوقوع اسم الأب عليه. فإن قيل: فلعله إنما سمى إسماعيل في هذه الآية إما لاقترانه مع الأب والجد اللذين اسم الأبوة شامل لهما بكل حال، كما سميت الأم إذا اقترنت مع الأب، فقيل: أبوان، وكما يقال: الأسودان، وعدل العمرين، وأشباه ذلك، ولو انفرد لم يسم بغير العم، كما لا تسمى الأم إذا انفردت أبا، والماء إذا انفرد أسود، وأبو بكر إذا انفرد عمر.
قيل: لا نعلم هذا واردا في السريانية، كما نعرفه في العربية،
стр. 69
والله - جل وتعالى - وإن كان مخبرا عنهما بالعربية، فإنما يخبر عنهم ما قالوا، ولم يبلغنا أن في لسانهم هذا النمط من الاقتران، وهذا وإن كان هكذا، فليس بحجة شافية في تزويج العم صغار ولد الأخ، لأن أكثر ما في ذلك جواز تسمية العم باسم الأب، وإعداده صدقا غير كذب.
والتزويج باب آخر يحتاج معه، إلى شرط آخر مع التسمية، كما يحتاج الأب الأدنى الكافر في المسلمة إلى شرط الإسلام، والأخ الصغير إلى شرط البلوغ، ويحتاج العم المسمى باسم الأب ليجري مجراه إلى شرط الأدنى في التزويج، ولو كان بوقوع اسم الأب عليه يجرى مجراه بكل حال، جاز أن تحجب به الإخوة من قبل الأب والأم، أو الأب في الميراث، كما يحجبان بالأب، ولا خلاف بين المسلمين أنهما يحجبانه ولا يحجبهما.
وحرم على ابن أخيه ما نكح من النساء، لأنها امرأة أبيه.
وحرم عليه ما نكحه بنو أخيه لأنهن حلائل بنيه. وهذا لا يقوله بشر نعلمه، فليس للإباحة له تزويج صغار ولد أخيه - بوقوع اسم الأب عليه وحده من بين هذه الأشياء - وجه.
стр. 70
في الشهادات:
* * *
قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)
دليل على أن: العلم شهادة يجوز إقامتها، وإن لم يكن الشهود قد أدركوا المشهود عليه، ألا ترى الله ﷻ كيف جعل هذه الأمة شهودا على قوم نوح.؟ ولم يدركوهم ليسمعوا قولهم، فتقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة إذا جحدوا رسالة نوح بما استيقنوا علمه من كتاب الله، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)
مع جميع ما قص عليهم من أخباره معهم. وكذا روى أبو أسامة.
стр. 71
عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت، فيقول: يا رب نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم، فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: من يشهد لك، فيقول: محمد - صلي الله عليه وسلم - وأمته، قال رسول الله ﷺ : " فيجاء بكم، فتشهدون " ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .
стр. 72
وفيه أيضا: دليل على أن شهادة المسلم على سائر الملل جائزة، كان معروفا بالعدالة في المسلمين أو غير معروف، لأن الله جل وتعالى عدل هذه الأمة عليهم عدالة عامة، فإذا أقام الشهادة على أهل دينه لم يقبل إلا أن يكون عدلا فيهم، لاشتراط الله ﵎ فيه شرطا آخر في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فاشترط فيها عدالة ثانية سوى حظه في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي عدلاً
وفي تسميته ﵎: من كان على غير دين الإسلام ناسا في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
وفي غير موضع في كتابه -
стр. 73
دليل: على أن من كان على دين الإسلام تاركا لكثير من أخلاق أهله بذنوب يقترفها على نفسه - أحرى أن لا يزول عنه اسم الناس، وأن الخبر المروي عن أبي هريرة - حيث يقول: " ذهب الناس وبقي النسناس " - تعريضا بالمخلطين، واهي الإسناد، لأن ابن جريج مدلس ولم يذكر سماعه من ابن أبي مليكة، ورواه عن
стр. 74
ابن جريج الثورى وهو مدلس (٢) .
فإن قيل: كيف يعدل، من لا يعرف بالعدالة على غير دين الإسلام، والحاكم لا يعرف من صدقه ولا أمارة عدله ما يعرفه الله منه يوم يشهد على قوم نوح.
قيل: قد عدلهم تعديلا عاما في الظاهر، ولم يخبر عن الاقتصار بهم
على ذلك الموضع وحده بشيء يسلم له.
فإن قيل: فلعلها تقبل من أجل - محمد ﷺ معهم وهو عدل لا شك فيه - كسره عليه امتناعه من قبول شهادة غير عدل مع عدل.
стр. 75
رد علي المرجئة:
* * *
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)
رد على المرجئة: لتسمية الله الصلاة نفسها إيمانا، ألا تراه قال في ابتداء الآية: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) .
فلما صرف رسول الله ﷺ عن القبلة التي كان عليها وهي: قبلة بيت المقدس إلى الكعبة - قالوا: يا رسول الله، أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي إيمان من مات منكم على تلك القبلة والله أعلم. وهذا كما تقدم من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ)
следующие страницы →