← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وأخطأ في كثير مما يواطأ عليه حفظ غيره، فلا يعارض بزيادة زادها القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. * * * وقوله: (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) . يحتمل أن يكون الدعاء حتمًا، يعصي التارك بتركه. ويحتمل أن يكون ندبًا، ندب الخلق إليه، وكذلك قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) ، فدل قوله - قبل هذه الآية -: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، على أنه حثهم عليه، إشفاقًا عليهم، ليصل إليهم نفع إجابته. فمن استكبر عن دعائه كفر، ومن كسل عنه كان مغبون الحظ، فإنه الخير الذي لا يعتاض منه. * * * قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) إلى قوله: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى) ، حجة على المعتزلة والقدرية، فيما يزعمون: أن المقتول ميت بغير أجله، ومقطوع عليه حياته. * * * وقوله: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ)

стр. 1332

حجة عليهم في إعدادهم الإذن علمًا. وإنكارهم أن يكون إطلاقًا، فكيف كانت الرسل تقدر أن تأتي بالآيات بغير إطلاق منه، أكانوا - وَيْلَهم - شركاء معه في القدرة،، فإذا كان الإذن لا يجوز أن يكون - ها هنا - إلا إطلاقًا. ولا يجوز أن يكون علمًا، فإعدادهم إياه علمًا - في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) - تحكم، ومع التحكم جهل باللغة، وأن الإيذان هو العلم، لا الإذن، تقول: آذنت فلانًا بكذا، أي أعلمته، قال الله ﵎: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، في قراءة من قرأ بالمد، أي

стр. 1333

اعلموا، ومن قرأ (فأذنوا) فهو الإطلاق، أي أطلقوا الحرب. وتكون الباء مقحمة، وقوله: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي إعلام، ومنه سُمي الأذان أذانًا، لأنه يعلم الناس بالصلاة، فأما الإذن بالقصر فهو الإطلاق، لا شك فيه. * * * وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) - إلى آخر السورة - نظير ما مضى في سورة الأنعام،

стр. 1334

وذكر إيمان فرعون لما أدركه الغرق، وقد شرحناه هناك، فأغنى عن إعادته ها هنا.

стр. 1335

سورة فصلت (السجدة) قوله - تعالى -: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) ، قاطع للارتياب بأن قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، وما أشبهه - في القرآن - هو إنكار عليهم أن لا يحتجوا بما لا حجة لهم فيه، وزجر عن مزاحمته في سره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أخبر به عنهم - جل وعلا في سورة الأنعام، حيث يقول: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) ، وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) . فهل وجه إنكار شيء قالوه موافقًا لما قال إلا على ما قلناه، لو أنصفوا من أنفسهم.

стр. 1336

وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) يؤكد ما قلناه: من أن مانع الزكاة يكفر. وسمعت محمد بن عبد الغفار، يحدث عن أبي عمرو الضرير،

стр. 1337

قال: سألت عبد الله بن المبارك، عن قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) قال: لا يقرون بها. قلت: عمن. قال: عن سعيد، عن قتادة. فلا أدري ما وجه قوله: أن يؤتون - في اللغة -: هو يقرون والإقرار غير الإعطاء، وقد يجوز أن يكون تأول قوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) فقال: من كان كافرًا بالآخرة لم يقر بالزكاة. وقد أخبر الله عن أهل الكتاب - الذين أمر بأخذ الجزية منهم - أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، وهم يقرون بالزكاة، ويخرجونها - من أموالهم - عن كل ألف درهم درهمًا، وعن كل ألف دينار دينارًا. كما كان في شريعة موسى - صلى الله عليه - ويتصدقون على أهل

стр. 1338

دينهم، والله - جل وعلا - قد سماهم كفارًا بالآخرة، فلا يجوز ترك ظاهر الإيتاء - الذي هو الإعطاء - باحتمال لا طائل فيه من حجة. ومن كفر بترك إيتائها فسواء ضم إلى كفره كفرًا غيره، أو لم يضم، وقتال أبي بكر الصديق ﵁ في قتالهم، وهم متمسكون بسائر شرائع الإسلام دليل على كفرهم، وهو من الإجماع المحصّل، الذي نسميه إجماع الأعصار، وهو حجة. * * * وقوله: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون: أن كل ما وُصف به المخلوق لم يجز أن يوصف به الخالق، من أجل التشبيه، وهذا نص القرآن ينكر على

стр. 1339

عادٍ ادعاء القوة، ويخبر أن الله أشد قوة منهم، والرد لا يكون إلا بمثله، فإن كانت قوة عادٍ غير ذاتية فلعمري أن قوة الراد مثلها، وإن كان قوتهم ذاتية، فما ينكرون - ويلهم - أن تكون قوة اللَّه أيضا ذاتية، وليس في ادعائها ذاتية ما يوجب أن تكون نحلوقة، كما هي في عادٍ مخلوقة، لأن الله ﷻ بجميع صفاته غير مخلوق، وعاد بجميع صفاتها مخلوقة، ولست أدري كيف يذهب على الجهلة، هذا مع تدقيقهم - عند أنفسهم - وهذا

стр. 1340

جلي لا فى دقة فيه، أم كيف يتحكمون في وجوب التغيير على الأشياء - بأنفسها - قبل أن يحُدث عليها خالقُها حتى يزعموا: أن المخلوق لما أحدث خلقه، وركب تركيبًا بأعضاء ومفاصل وعروق، استحق اسم الفناء - حينئذ - وجواز الأسقام والأحداث والتغيير عليه، وهذا قول الدهرية، ومن يزعم أن الأشياء تدبر ذواتها، ولا يقر بمدبر. فلو فكر الجهال لأبصروا الدقيقة، التي غلطوا فيها، فأدتهم إلى إنكار صفات الله الذاتية، وهي ما أثرناه عليهم من موافقتهم الدهرية في هذا المعنى، ولو فكروا في هذا الخلق المحدث، ولم يوجبوا التغيير عليه. وراعوا حكم الله عليه بالتغيير والأسقام والفناء، لاستراحوا من جهلهم، وعلموا أن الأشياء - بأنفسها - لا توجب تغييرًا، ولا تصرفًا، قبل أن يغيّرها مغيّر، ويصرفها مصرف، وأن الله - جل

стр. 1341

جلاله - لما كان جاري الحكم على الكل، ولم يكن أحد يجري عليه حكمه، أو يقهره بسلطانه استحال أن تكون صفاته الذاتية توجب تغييرًا من أجل أن غيره من الذاتيين هو أوجب عليهم التغيير، لا أنهم استحقوه بأنفسهم قبل إجراء مجر عليهم، أليس هذا الخلق - بعينه الذي أوجبت الدهرية عليه تغييرًا بنفسه - إذا أزال الله عنه حكم التغيير في الجنَّة بقية الأبد على حالة واحدة من زوال التغيير. والأسقام، والكبر، والهرم، والفناء عنه، ولم يزل عنه اسم المخلوق، والمصنوع المركب أعضاء، وجوارحًا، وطولاً، وعرضًا وحدَّا. فما بال هؤلاء الجهلة يخالفون الدهرية في شيء، ويتابعونها في شيء؟! ، ولا يدرون أن ما أوتوا من إنكار صفاته الذاتية، من أين أوتوا؟. فهلاّ يقولون: إن الجنة والنار وأهلها يفنون، وإن من أدخل الجنة من تافلة الدنيا إليها لا ينفعهم كينونتهم فيها، ولا يزول التغيير. والأسقام، والأحداث المغيرة، والفناء عنهم، لأنهم مخلوقون،

стр. 1342

والمخلوق يوجب خلقه جري هذه الأشياء عليه، وإن لم يجر عليه مجر ولم يحكم عليه حاكم. فإن قالوا: إن أهل الجنة والنار لما نشروا أنشئوا إنشاءً غير إنشاء الأول، الذي أنشئوا عليه في الدنيا، فأنشئوا إنشاء البقاء، فكذلك زال عنهم التغيير. قيل: فهل أنشأ الله ﷻ قط - أحدًا إنشاء فناء. حتى يلزم من ثَبَت له صفات ذاتية إجازة التبعيض، والأجزاء. والتغيير عليه ما أراهم إلا يكابرون عقولهم. قال محمد بن علي: ولو لم يزيف القياس في نوازل الشرائع، ويدل على بطلانه إلا علة هؤلاء القوم، فيما خرجناه عليهم، لكان جَدِيرًا بأهله رفضه، فإنهم قد ساووهم - فيها - حذو النعل بالنعل، ألا ترى أن القوم أخذوا جواز التغيير على

стр. 1343

الغائب بمشاهدة الحاضر، فألزموه خصومهم، وظنوا أنهم بذلك منزهوه عما لا يليق به - عندهم - وهكذا فعل القائسون بالنازلة الملحقة بنظيرها. بل زادوا عليهم - في التحكم - درجة، لأن أولئك ألزموا لحوق الأشياء بعضها ببعض، ولم يدعوه على الله - جل وتعالى - أنه أمرهم بذلك. ولا أراده منهم، والقائسون يزعمون: أن الله - جل وتعالى - لما حظر شيئَا بعينه حظره لعلة فيه، وقد أراد أن تكون كل ما فيه تلك العلة، تجري مجراه في الحظر، فوافقوا القوم في إلحاق العلل بعضها ببعض، وزادوا عليهم أنهم ادعوا على اللَّه شيئين: أحدهما: تحريمه الشيء لعلة، والآخر: إرادته في إجراء الشبه مجراه، فلا أرى جرمهم

стр. 1344

إلا، أعظم من جرم أولئك، لأن من أخطأ في رأي ليس كمن نسب ذلك الرأي إلى الله جل وتعالى. ولعلهم لم يعلموا أن هذا يلزمهم، فقالوا بما تصوّر لهم حق فيه عندهم. والله يغفر لنا، ولهم. * * * قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) دليل على أن في الأيام مشاييم وميامين، وكذا قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) . وقد يجوز أن يكون اليوم نحسًا عليهم - خاصة - لما أصابهم فيه. لا أنه جُعل نحسًا في نفسه، والظاهر أنها نحسات، كما قال الله: (نَحِسَاتٍ) ، ولم يقل: عَلَيهم) .

стр. 1345

قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) قد مضى قولنا فيه - في سورة الأعراف، وحم المؤمن - بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. * * * قوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) حجة على المعتزلة والقدرية، إذ قد أخبر - نصًّا - أن من زين لهم من قرنائهم سيىء أعمالهم، هو المقيِّض لهم، ولا يخلو القول الذي حق عليهم من أن يكون سابقًا فيهم قبل العمل، أو عقوبة للعمل الذي زينه لهم قرناؤهم، وإذا كان هو مقيض قرنائهم، فأيهما كان فالحجة عليهم به ظاهرة. وقوله - تعالى إخبارًا عن الملائكة المنزلين على المستقيمين، بعد قول الحق، والإقرار بربوبية الرب -: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)

стр. 1346

دليل على أن نزولهم عليهم - في الدنيا - عند الموت، يبشرونهم بما لهم عند الله، ليزول حزنهم، ويأمنوا عذاب ربهم، ويخرجوا من الدنيا طيبة أنفسهم بالموت، وفي ذلك - والله أعلم - تصديق الخبر المروي في تأويل: " من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه " فإن من نزلت عليه ملائكة الرحمة - عند الموت - فبشروه، وأمَّنوه هان عليه الموت - المكره إلى النفوس - فأحب لقاء الله. وفي اشتراطه - جل وتعالى - نزول الملائكة بالبشارة، على هؤلاء دليل على أنهم لمن خالف سبيلهم ملائكة عذاب، يبشرونهم بسخط اللَّه، وما يسخن أعينهم من دخول الجحيم، والخلود في أنواع عذابه، فيكره لقاء الله، ويكره الله لقاءه. قوله - تعالى -: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) دليل على إشفاق الله ﵎ على

стр. 1347

المؤمن، إذ قد دله على ما يأمن به غوائل عدوه، ودليل على أنه ندب إلى الإحسان إلى المسيء، لتأتلف الأمة، ولا تفترق، ولا تتباغض. وأيد هذا الخبر المرفوع: " جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها ". ألا ترى أن العدو يعود بالإحسان إليه صديقًا، بل وليًّا حميمًا. ويقال: إنه السَّلام يدفع ببذله - في العالم - شرهم. والإحسان إلى المسيء درجة الأنبياء، والأولياء، وقد أوصى الله به، كما ترى،

стр. 1348

فهو الخير الذي لا يعتاض منه، وقد بين الله ذلك في قوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) . فلا ينبغي للمرء أن يؤثر هواه على فوات ما أوصاه به مولاه. وذُكر عن بعض الماضين أن الدفع بالإحسان منسوخ، فإن كان كما قال، فهو منسوخ في الكفار بآية السيف، وليس بمنسوخ في المؤمنين، إذ المنسوخ ينسخ بضده عند الجميع، فهل يجوز لأحد أن يقول: نسخ الله الدفع بالذي هو أحسن، بالدفع الذي هو أقبح، إذ كان النسخ يزيل المنسوخ ويجيء بغيره، هذا والله عظيم سماعُه، فكيف انتحاله، والقول به؟!.

стр. 1349

وقوله: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) رد على الجهمية والمعتزلة، ومن ينفي المكان، والحد عن الله - جل الله - ويزعم: أنه ليس بنفسه في السماء وحدها دون

стр. 1350

الأرض، وقد قال كما ترى (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) وهم الملائكة، لا يشك أحد أنهم في السماء، وإذا كانوا عنده، فهو - جل وتعالى - فيها بحد يعرفه من نفسه، وإن عجز خلقه عن كنهه. وقد لخصناه في كتاب " الرد على الباهلي "، ودللنا على خطأ قوله

стр. 1351

في تأويل عند ما يغني عن إعادته في هذا الموضع. * * * قوله: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، آية يحتج بها الجهلة في تثبيت المشيئة للشائين من خلق اللَّه، وقد دللنا على أن مشيئتهم تبع لمشيئته، فلا يؤثر إضافته إليهم في القضاء السابق عليهم. ومعنى (مَا شِئْتُمْ) وعيد ليس بتخيير إذ لو كان تخييرًا ما عوقبوا عليه، بل أثيبوا، ونحن لا نقول: إن حركة العاملين في الأعمال، هي حركة اللَّه، بل هي حركاتهم التي أعطاهم الله، وفرض عليهم أن لا يعملوها إلا في الطاعة، فهي منسوبة إليهم، وللًه - جل وتعالى - فيهم مقدمات أحكام. وعلوم، ليس لهم أن يحتجوا بها عليه، كما لم يكن لمن شَوَّه خلقه. وسوَّد لونه، وأعمى بصره، وأقعده من جوارحه أن يحتج به عليه. كيف لم يخلقه صحيحًا، سويّا، أبيض اللون، حسن الوجه، وقد سوى بينه وبين الصحيح، في مطالبته بما فرض عليه، وكذلك سوى بين الفقير والغني - فيها - فلم يكن لأحد أن يحتج إليه، ويطالبه بإخلاف أحكامه فيهم، ولا يعذر - نفسه - في التقصير في بعض ما

стр. 1352

فرض عليه، لأن فضل غيره في الخلق، والصورة الحسنة، وثراء المال، وعلو المرتبة في السلطان، والجاه، والصحة، وعافية البدن عليه، لأنها أحكام هو أعلم بها منهم، وإذا كان أعلم بأحكامه. وليس لأحد منازعته - فيها - ولا اشتراك في علومها، فهو أعلم بعدله، لا ينازع فيه، ولا يشارك في علمه، ولا يؤخذ كيفيته من عدل الخليقة، بعضهم على بعض. وقوله. (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) ، لا متعلق للجهلة فيه، إنما هو - والله أعلم - ولو أنزلناه بلغة العجم لما فهمته العرب، ولقالوا: كيف يأتينا رسول عربي بقرآن لا نفهمه، وهو عربي اللسان، يكلمنا به بلسان العجم؟!. * * * قوله: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) الآية حجة في أشياء: فمنها: أن الهدى في القرآن، من التمسها في غيره، أو في غير ما أمر به ضل.

стр. 1353

ومنها: أنه يستشفى به بالنشر، والتعليق، من أجل أن اسم التمائم لا يقع عليه، لأن التمائم هي: ما كانت بغير لغة العربية. من كلام لا يعرف، والقرآن شفاء، كيفما استشفي به، بالقراءة على العليل، أو بكتبه، وسقيه، والإفاضة عليه، أو تعليقه في الصحف، على بعض بدنه، لا ينكره إلا جاهل بمعنى

стр. 1354

التمائم، المنهي عنها. ولما كانت النُّشر تكتب من القرآن، وذكر اللِّه، وتكتب من غيره كان قوله: " النشر من السحر، والنشر من عمل الشيطان " مصروفًا إلى ذلك، لا إلى القرآن، وذكر الرحمن. ومنها: الرد على المعتزلة والقدرية، لذكر الوقر في آذان الكفار. وتحويل القرآن - الذي هو هدى للمؤمنين - عمى عليهم. * * * وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) حجة عليهم.

стр. 1355

وقوله: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) حجة عليهم، وقد شرحناه في سورة الملائكة. الصبر عند الشدائد: * * * وقوله: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) دليل على أن المرء، إن يصبر عند المصائب، ولا ييئس من رحمة ربه، ولا يلهيه مس المصيبة عن الذكر، والشكر، فإن المصائب - وإن كانت تمض فهي - كفارات، وعاقبتها كرامات. ومن صفة المؤمن أن يكون شكورًا عند الشدائد، والرخاء، فما من شدة إلا وفوقها شدة، فإذا بلي بأدونها، كان عليه الشكر في صرف أرفعها، والمعافاة منها، فمن جعل موضع الشكر القنوط واليأس. قل تبصره، وساء تخيره.

стр. 1356

سورة الشورى ذكر الجهمية: وقوله - تعالى -: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) حجة على الجهمية، والمعتزلة في إنكار الصفات - كلها - وما ينكرون من كينونته في السماء، وحلوله فيها على العرش، وهذا يؤيد الحديث المرفوع: " وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد من الثقل.

стр. 1357

جل ربنا، وتبارك من عظيم جليل.

стр. 1358

قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) هو - والله أعلم - خصوص للمؤمنين، إذ محال أن يستغفروا للكفار، وهو نظير ما مضى، في سورة المؤمن. القدرية: * * * قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) ، رد على المعتزلة والقدرية، إذ في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، دليل على أنهم لم يجعلهم، وخص بالرحمة من شاء منهم، والرحمة - لا محالة - سبب الهداية، ومنع الرحمة سبب الضلالة، لولا ذلك ما كان في الكلام فائدة، عند من تدبره * * * قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) دليل على أن الحق - إن شاء الله - إذا اختلف المختلفون في شيء لم يكن إلا في

стр. 1359

واحد، ولولا ذلك لأقره، ولم يجعل حكمه إليه، وفميا جعل حكمه دليل على أن حكم غيره محرم القول به، ومسكوت عنه، حتى يُعرف ما حُكم فيه فيتبع. وحكمه على ثلاثة وجوه: فمنها: ما أنزل فيه نص كتاب. ومنها: ما بينه على لسان الرسول، ﷺ ومنها: ما ألف علمه قلوب الجماعة، فأيها عرف في المختلف فيه - من هذه الثلاثة - فهو الحق. * * * وقوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) ، لا محالة إضمار. كأنه يأمر رسول الله ﷺ بأن يقول ذلك، إذ لو كان الكلام إخبارا عن نفسه، على نسق ابتداء أوله لكان - والله أعلم -:

стр. 1360

" ذلكم الله ربكم " الشريعة: * * * وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) دليل على أن دين هؤلاء - كلهم - وشرائعهم واحد، وما وقع فيه من تغيير شيء، فهو مثل الناسخ والمنسوخ، في كتابنا، لا أن الشريعة - بأسرها - متغيرة كلها. * * * قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ) حجة في إجازة الرجوع من لفظ خبر الغائب، إلى خبر الحاضر.

стр. 1361

قوله: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ) " الهاء " راجعة على "ما"، والشهادة داخلة فيه. وهو حجة على المعتزلة، والقدرية، لذكر المشيئة في الاجتباء، والهداية إلى ما كبر على المشركين. واستوحشوا من دعائهم إليه، فضادوه، وأفرغوا مجهودهم في خفضه، وأبى الله إلا رفعه، وإمضاءه، حجة عليهم. * * * وقوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ، حجة عليهم، إذ ليست تخلو هذه الكلمة - السابقة - من أن تكون في اختلافهم، أو في بقائهم عليه إلى الموت الموقت أجله، وأيهما كان فهو حجة عليهم مسكتة، وسياق الكلام دليل على أنها سابقة في نفس الاختلاف، لقوله: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ، وذلك أن اللَّه ﷻ نهى نوحًا ومن أدخل معه في الوصية عن التفرق في الدين، وأمرهم بإقامته، فأتمروا لربهم، ولم يفرقوا دينهم، فلما

стр. 1362

صار الكتاب في أيدي من بعدهم شكوا فيه، وتدرعوا في الاختلاف، فأخبر الله أن اختلافهم من القضاء السابق عليهم. فأي شيء يلتمس بعد هذا البيان - ويحهم - لو أنصفوا، فما بينهم وبين الوصول إلى فهمه إلا تدرع لباس الجهل، بمعرفة عدله، وقد تخلصوا. مخاطبة الجهال: وقوله - تعالى -: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ) ، " اللام " بمعنى " إلى " والله أعلم. * * * وقوله: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ) فائدة لمن أراد السلامة في مخاطبة الجهال، فخاطبهم بحق يسلم فيه من دخول الفساد على دينه، لأن الله جل ثناؤه أَمر رسوله، صلى الله عليه وسلم، بهذا القول لهم - وهو أعلم - ليكون إيمان رسوله ﷺ بكتاب أنزل على نبيهم أبلغ - عندهم - في تصديقهم لأنفسهم في إجابته إلى ما يدعوهم

стр. 1363

إليه، وقد آمن بكتب أنبيائهم - قبله - فقال: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ) ولم يقل: " آمنت بما في أيديكم " للتبديل، والتحريف الذي أحدثوه. قياس: وقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) دليل على إبطال الرأي، والاستحسان، والقياس، لأن اليهود، والنصارى - الذين نزل فيهم هذا - كانوا يحاجون بما يرونه عند أنفسهم حقًا، وليس يخلو كل ما عدا الكتاب، والسنة، والإجماع - من حجج الناس - من أحد الثلاثة: من الرأي، والاستحسان، والقياس، وكان محاجة القوم بأحد هذه الثلاثة، فأخبر الله - نصاً كما ترى - عن دحض حجتهم عنده، بل فيه أكبر الدليل على إبطالها، فإن القوم حاجوا

стр. 1364

أصحاب رسول الله ﷺ بتقديم كتابهم ونبيهم، على كتاب الصحابة، ونبيهم. وقد مدح الله القُدْمةَ فى أشياء: مثل قوله: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ) ، وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) وقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) . وذم احتجاج هؤلاء بالقدمة - كما ترى - وحمل الأشكال على الأشكال ممدوح في الرأي، والقياس، والاستحسان، فلو كان حقًّا، لكان أصحاب رسول الله، ﷺ ، محجوجين بقول اليهود، والنصارى، أفليس بيّنًا - عند من شرح الله صدره - أن القدمة ممدوحة حيث مدحها الله، ومذمومة حيثما مدحها غيره، تشبيهًا بما مدحها الله، وقد جعل اللَّه رسوله، ﷺ ، محمدًا أفضل الأنبياء، وهو آخرهم

стр. 1365

رسالة، وكلهم أقدم منه فيها. فلما كانت القدمة ممدوحة في موضع، دون موضع، دل على أن الأشياء وإن تشاكلت، فهي محتاجة إلى تعبد، يصحبها في الأحكام، فإن ائتلفت في الأحكام، كما ائتلفت في الأشكال ائتلفت، وإن لم تأتلف في الأحكام اختلفت. المعتزلة: * * * وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) حجة على المعتزلة، والقدرية " وذلك أن الحرث - في اللغة - كناية عن العمل، سُمي به - والله أعلم - للنماء الذي ينميه من الخير والشر، وكذا قال عبد الله بن عمر - وهو من أرباب اللغة -: " احرث للدنيا كأنك تعيش أبدا، واحرث للآخرة كأنك تموت غدًا"، وقد أخبر الله - نصا كما ترى - أنه يزيد كلاًّ ما يريده، وعطيته لا تخلو من أن تكون خلقًا لحرثه، أو معونة على

стр. 1366

فعله، وأيهما كان فهو حجة عليهم واضحة، لا إشكال فيها. وقد أنبأتهم عن المعنى الذي أرادوه، وأزالوا به القرآن عن جهته - في سورة الأنعام - في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ) أنه خطأ من ثلاث جهات: فأحدها: رد الفاعل إلى المفعول به. والثانية: أنه لو كان كذلك - أيضا - ما نفعهم، لأنه إن كان محالاً على الله أن يخلق شيئًا، أو يقضيه على عباده، فهو محال عليه أن يعطي أحدًا سؤله فيه، وإن سأل. والثالث: وإن نفس وصف القوم بإرادة الضلال خطأ، لإعزازه في العالم، وعدم من يرد من الله ذلك، إنما يستفزهم حرص الدنيا. فيريدون جمعها - لأنفسهم - بأي وجه اجتمعت لهم من خير، أو شر. كما قال الله - ها هنا -: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) ، فقد أخبر الله أنه يؤتيهم حرثها المحروص عليه منهم، لا بمسألتهم إياه ذلك.

стр. 1367

قال محمد بن علي ﵀: وفي قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) معتبر لمن وفقه الله، في أن القياس، والاستحسان دين لم يأذن الله به، إذ الإذن لا يكون إلا ملفوظًا، لا متوهمًا، ولسنا نجد قائسا، ولا مستحسنًا آوى في قياسه إلى آية، أو سنة تصرح له إذنًا بالقياس، بل كل ما يحتجون به من مثل العدل، والقبلهّ، وجزاء الصيد، وتحريم الحنطة بالحنطة المتفاضلة نصوص في أنفسها، لأنفسها، وحمل

стр. 1368

أشباهها - عندهم - عليها توهم، من المتوهمين، لا تصريح به من رب العالين، فهل جعل التوهم دينًا يحل به، ويحرم ويعقد ويحل إلا مما لم يأذن اللَّه به عند المنصفين، والمميزين إذا تدبروه. الرد على الروافضة: وقوله - تعالى -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) دليل على أن في سجايا البشر نبواً عن موعظة من أخذ الدينار والدرهم، وأن التعفف عنهما كان مرموقًا في الجاهلية الجهلاء بعين

стр. 1369

المدح، من يزهد فيهما، ويتضع قدر من سارع إلى أخذهما، فأمر اللَّه رسوله، ﷺ ، أن يبرأ إلى المنذَرين، من أخذ أجر من أحدهما على ما يدعو إليه من كتاب ربه، ودينه الذي شرعه لعباده. لتمخض دعوته إلى الله - جل وتعالى - خالصة غير مشوبة بميل دنيا، تخفض طلابها، والراكنين إليها عن مراتب العز، ودرجات المقربين، وبذلك أخبر عمن مضى من الرسل - قبله - في سورة الشعراء، وغيرها - بقوله: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وعن حبيب النجار حين أمر المبعوثين إليهم برسولين، والتعزيز بثالث (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) . * * * وقوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) كان الحسن البصري ﵁ -

стр. 1370

يقول فيه قولاً لم يواطئه عليه سائر المفسرين، فقال: إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقربكم إليه. وأما المفسرون سواه، فقالوا: إلا أن تصلوا قرابتي منكم، فلا تكذبوني ولا تؤذوني. وقد رُوي عن ابن عباس حديث مرفوع مثل قول الحسن، إلا أن في إسناده رجلاً مرغوبًا عن الرواية عنه، وهو قزعة بن سويد، روى
следующие страницы →