← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حجة عليهم واضحة. وقوله - تعالى -: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) حجة في قبول خبر الواحد - الصادق - إذ قد دللنا على أن

стр. 1402

أمارات النبوة دليل على صدقهم، والحجة واجبة بإخبارهم، لا بأماراتهم. وقد اختلف المفسرون في هذا السؤال: فمنهم: من قال: أمره - جل وتعالى - ليلة المعراج أن يسل من أراه من الرسل في السماء. ومنهم من قال: أمره بسؤال أهل، التوراة والإنجيل ليخبروه، وإخبارهم إياه كإخبار الرسل، لأنهم عنهم أخذوا.

стр. 1403

وفي هذا دليل على أن خبر المعيوب عليه في دينه - إذا عُرف بالصدق - مقبول، وإن أنكر حاله، إذ المراد من المُخبِر صدقه، لا غيره. وليس إلمام المذنبين - المعروفين بالصدق - بالذنوب، والمتأوّلين أمورًا بأكثر من كفر الكافرين. وقد يحتمل أن يكون أُمر بسؤال من أسلم، منهم عبد الله بن سلام

стр. 1404

وغيره، وليس ذلك في الآية. * * * وقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) نظير ما مضى - في سورة الأعراف - من قوله: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . * * * وقوله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) حجة على الجهمية فيما ينفون عنه من كل صفة يشاركه فيها خلقه إذ قد أخبر عن نفسه - جل وتعالى - أنهم قد أغضبوه كما ترى.

стр. 1405

سورة الدخان * * * قوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) دليل على أنه كان في الدنيا، لأن السماء مطوية يوم القيامة. وكان الحسن يقول: إنه يوم القيامة، ويرسله عن أبي سعيد الخدري، ولا أعرف وجهه. والقول - عندنا - فيه قول ابن مسعود، لما دل عليه القرآن.

стр. 1406

(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) دليل على أن في الناس من يبكيان عليه، إذ لا يخُصُّ أولئك بذلك، ويجُعل عقوبة لهم إلا وغيرهم مكرم به.

стр. 1407

(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) حجة في تسمية المخلوق باسم الخالق، ورفع الحرج فيه، ودليل على أن تقريع المعذب بما أداه إلى عذابه جائز، لأنه زيادة في غمه. وكان بعض أهل التفسير يقول: هو على طريق الاستهزاء، لأن أبا جهل كان يزعم - في الدنيا - أنه أعز الناس، وأكرمهم، فعُرِّف في النار أنه أذل، وأحقر مما قال.

стр. 1408

سورة الجاثية رد على من يقول بخلق القرآن: قوله - تعالى -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) حجة على من يقول بخلق القرآن من الجهمية، والمعتزلة، ويحتج بقوله: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) . فهلا يزعمون - ويحهم - أن الله مخلوق، إذ قد سمى نفسه، وآياته حديثًا، كما ترى. وقولهم - في الحديث - غلط غير مشكل، إنما معنى الحديث في اللغة ما يحدث عند الناس، مما لم يكن لهم به عهد، ولا عرفوه، وكان توحيد الله، وخلع الأنداد، وتلاوة القرآن مما لم يكن لهم به عهد، فحدث عندهم، وكان ما عهدوا من آبائهم، ومن سلف قبلهم ترك توحيد الله، وجعل الشركاء معه. وعهد الشعر، والخطب، فكان توحيد الله، وتلاوة كلامه - معًا - حديثين عندهما، لا أنهما أحدثا بالخلق.

стр. 1409

المعتزلة: * * * قوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) الآية . حجة على المعتزلة، والقدرية واضحة غير مشكلة، وعظة لمتبعي الهوى، وتقريع لهم شديد، ودليل واضح على أن العلم - مع الخذلان - غير نافع، وبعث على الاستهداء من عند الله، وطرح الكيف بين يديه، والتبرؤ من الحول والقوة إليه ذكر الدهرية: وقوله - تعالى - إخبارًا عن مشركي العرب: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) حجة على الدهرية فيما يزعمون: أن مهلكهم العمر،

стр. 1410

يأتي عليهم فيخلقهم، ويفنيهم، فأخبر الله ﵎، عنهم - أن هذا ظن يظنونه، وليس كذلك، بل الله مهلكهم، وقال على إثره: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) قيل: فما وجه حديث رسول الله، ﷺ : "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر". قيل: وجهه أن القوم كانوا - في جاهليتهم - يقدرون أن المصائب التي تصيبهم، هي من فعل العمر بهم ولا يعلمون أن لهم صانعا يفعل بهم ذلك، ويصيبهم بالسراء والضراء، وكانوا يسمون عمر الدنيا الدهر. فلما أسلموا كانت ألسنتهم جارية بعادتهم، فكانوا يسبون الدهر عند الشدائد تصيبهم، والمصائب تنزل بهم، فنهاهم رسول الله، صلى اللَّه عليه وسلم، أن يسبوا الدهر، الذي لا صنع له فيهم، وهو مدبَّر معهم، فقال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" أي فإن الذي يفعل ذلك بكم هو الله - جل وعلا - فسماه بالدهر، لدوامه لأنه الأول، والآخر، لا انقطاع له، ولا زوال لملكه، سبحانه.

стр. 1411

ذكر المعتزلة: وقوله - تعالى - (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) حجة على المعتزلة، والقدرية إذ، النسخ لا يكون إلا مما قد فرغ منه مرة، ولو كانت كتابة ابتداء كان - والله أعلم - (إنا كنا نكتب ما كنتم تعملون) . الوعيد: وقوله - تعالى -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) إلى آخر القصة، حجة عليهم في بالب الوعيد لو تدبروه، لأنه قال - في أول القصة -: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) ، ثم أخبر بمثوى كل فريق، ومجازاته فقال: ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، ولم يقل: (ولم يذنبوا) ، والمؤمن إذا صلى، وصام، وتوضأ، واغتسل من الجنابة فقد

стр. 1412

عمل الصالحات، ولا ترى مؤمنا - وإن أذنب - إلا وقد فعل كل هذا وزيادة، وقال - في الفرقة الأخرى -: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) فحق الوعيد عليهم بتعريتهم من الإيمان، فمن أوجب الله له الفوز. ووعده الإدخال في رحمته فقد أمن مثوى الآخرين، وجزاءهم. فإن أوجدونا في القرآن - كله - أن الله لم يوجب الرحمة، والفوز. والجنة إلا لمن لم يعصه طرفة عين، أو عصاه فمات تائبًا، فالقول قولهم، وإلا فليقروا أن الخلود لا يجب على من آمن، وعمل الصالحات، وليعلموا أن هذا العادل - الذين يدعون الفلسفة في معرفة عدله - لا يضيع إيمان مؤمن، وصالح عمله بذنب أذنبه. فيسوي بينه وبين الكافر، الذي لم يؤمن طرفة عين، ولا عمل من صالح عمله شيئًا، وما بال القضاء بالذنوب يُنفى عن الله - جل وتعالى - محاماة على عدله عندهم، ولا يُنفى عنه التسوية بين المؤمن. والكافر في الخلود، وما بال إيمان الكافر - إذا آمن لحظة - يستعلي على كفره جميع عمره، وإحسان المؤمن - عمره - لا يستعلي على ذنب أذنبه؟! ومع إحسانه إيمانه. ألِأَنَّ الذنب أعظم من

стр. 1413

الكفر، وأوزن في الميزان منه؟! ، إن هذا منهم إلى تجوير الله - تعالى عن قولهم - أقرب منه إلى تعديله، وكذا قال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، وكذا (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا) والفساق - في هذه الآية - هم الكفار، لقوله في آخر الآية: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) . لأن المؤمن - وإن ساء عمله - لم يكذب بعذاب النار، وقال : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) ، ومثله في القرآن كثير. فإن احتجوا بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) . قيل: استقامتهم هو على ما قالوا، ألا ترى أنه لم يقل: " استقاموا " على غيره، وكذا رُوي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه تلا هذه الآية، فقال: " قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم،

стр. 1414

فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها. فالمذنب حقيق بالعقوبة، موعد بها، غير حقيق بالخلود مع الكفار، فإن عفا عنه ربه، وغفر له، فهو أهل العفو والمغفرة، وإن جازاه على سيء عمله، وعاقبه عليه أنجزه ما وعده من الخير على العمل الصالح، حيث يقول: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ) الآية، وما بال العفو يكون - عندهم - خُلْفًا " لقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ، وقد دللنا على أن العفو كرم لا خلف، ولا يكون خلود المؤمن مع الكافر - في النَّار - إذا مات بغير توبة من ذنب عمله خلفًا، لقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) فمتى يرى هذا الخير - ليت شعري - إذا خلد في النار؟! إن الخطأ في قولهم أبين، وأظهر من أن يحتاج فيه إلى هذا الإغراق كله.

стр. 1415

سورة الأحقاف قوله - تعالى -: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) . دليل على أن النساء قد يلدن لستة أشهر، وقد سبقنا إلى هذا علي وابن عباس ﵄. * * * قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) رد على القدرية، والمعتزلة فيما أخبر عنه من إيزاع الشكر، والتوفيق للعمل الصالح، ولو كان مستطيعًا بنفسه لكان دعاؤه محالاً، ثم أثنى عليه ربه، وأضاف العمل - الذي هو أعانه عليه - إليه، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فالعمل حسنه، وسيئه مضاف إلى عامله،

стр. 1416

وإن كان معانًا على الحسن، مقضيًا عليه بالسيء، ولو كانت الاستطاعة مستغنية بنفسها ما عمل أحد عملاً سيئًا - أبدًا - إذ ليس يخلو العمل السيء من أن يكون عامله عارفًا بعقوبته، أوجاهلا بها، فإن كان جاهلاً بها فالحجة - بعد - لم تلزمه حتى يعرف عقوبة العمل الذي أمر باجتنابه وتوعد عليه، وإن كان عالمًا بعقوبته فليس يخلو: من أن يكون فعله له بعقل، أو غير عقل. فإن كان بغير عقل فلا حجة عليه - أيضاً - لرفع القلم عنه، وإن كان يعقل - وهو مستطيع لأن لا يعمله - فليس في فطرة العقول أن يهلك عاقل نفسه. ولا يطرحها في النار. وإن كان شاكًا في عقوبة ذنبه، لأنه لم يعاينها، فهذا بعد لم يؤمن بالله، ولا دخل في جملة الموحدين، فضلاً عن النظر في القضاء والقدر. أفلا يعتبرون أنه عالم ما يُعاقَب عليه بعقل وإيقان، ولكنه لا يستطيع الحيد عما قُضي عليه قبل خلقه، ومعرفة العدل في ذلك منفرد به خالقه جل وعز. ثم قال: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) إلى تمام قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)

стр. 1417

وهو - والله أعلم - ما قال (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فهو واضح لا إشكال فيه.

стр. 1418

سورة محمد ذكر المفاداة: قوله - تعالى -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) دليل على أن المفاداة والمن لا يجوز قبل النكاية والإثخان. ودليل على جواز المفادة وردّ من قد أُخرج إلى دار الإسلام - منهم - إلى دار الكفر، والمن عليه قبل الإسلام، لأنه إذا أسلم استغنى عن المن عليه، وحرم المفادة به. التقوى: وقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)

стр. 1419

دليل على أن من استشعر التقوى في مقاصده، وأخلص النية للَّه - في أعماله - لم يسلمه الله إلى عدوه، ولم يعله عليه، وكان الظفر له على من ناوأه. * * * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) . حجة على المعتزلة، والقدرية في الإخبار بالطابع عنه، وباتباع الهوى عنهم. المرجئة: قوله - تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) ،

стр. 1420

حجة عليهم في إعطاء التقوى، وعلى المرجئة في زيادة الهدى. ذكر المبالغة فى الشىء: * * * قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) . حجة عليهم واضحة، وهي حجة لمن أراد المبالغة في شيء يذمه، أو يمدحه، أن يفرط فيه - في اللفظ - ولا يكون كذبًا، إذ معنى الصمم، والعمى لا محالة هو ما حال بينهم وبين استماع الموعظة. والانتفاع بها، والعمى عن طريق الهداية، أفهم، كانوا يستمعون ما يخاطبون في أمر دنياهم، ويهتدون الطرق في طلبها، وكل ما دعا إليها. المعتزلة: وقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)

стр. 1421

حجة عليهم، لأن الشيطان هو الذي دللنا على أن الله قيضه ليزيبن لهم، ويملي بقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ، ألا ترى أنهم قد حيل بينهم وبين الهدى، بعد ما تبين لهم بشيء قيض الله لهم، وهذا مع ما قد أخبر بالتزيين والإملاء لهم عن نفسه في موضع آخر والتسويل والتزيين واحد. ذكر الأشرار: * * * وقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) دليل على أن للأشرار ظواهر - نكير تدل على ما يخبون من الشر - لا تخفى على ذوي الأبصار، والمتوسمين من الأخيار.

стр. 1422

ذكر أن الهدنة لاتجوز مع قوة الإسلام: * * * قوله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) دليل على أن الهدنة لا تجوز مع قوة الإسلام، وكثرة أهله، واستعلائهم على أعدائهم. ولا يضرب لها مدة صغيرة، ولا كبيرة. واحتجاج الشافعي ﵁ على جوازها - مع قوة الإسلام - أربعة أشهر، لقوله - عز وجل -: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) ليس ببين، لأن الهدنة هي على ترك القتال، والأجل المضروب في سورة براءة للإسلام، فكان من جاء مسلما" فيها قُبل إسلامه، ومن جاء بعد انصرامها - من هؤلاء القوم بأعيانهم مسلمًا - لم يقبل منه. وإن شُبّه كل أحد قوله: (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قيل نفس البراءة محتملة لنقض العهد، الذي عوهدوا عليه، والدليل على ذلك الغلظة على المسيَّرين، وسورة محمد، ﷺ ،أيضاً مدنية مثل براءة، يأمر بالقتال، والإثخان في العدو، وينهى

стр. 1423

في آخرها - نهيًا عن السلم نصًّا بلفظ النهي، فكيف يجوز أن يترك النهي الزاجر بالإخبار عن شيء يحتمل أن يكون الله - بجوده - قد غيره بالبراءة، إعزازًا للإسلام، وإذلالاً للكفر، والله أعلم كيف هو.

стр. 1424

سورة الفتح قوله : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) . حجة في أشياء: أحدها: أن الله ﷻ قد نسب الفتح إليه، وإنما فتحه بأيديهم، ثم يقال: فتح رسول الله، ﷺ ، مكة. وفتوحه كلها، فلا يكون كذبًا، ولا إضافة فعله إليه بمؤثر فيما أخبر اللَّه به عن نفسه، ولا ما أخبر به عن نفسه - منه - بمانع أن تضاف الفتوح إلى رسول الله، ﷺ ، ورسول الله، صلى اللَّه عليه، فتحها مع أصحابه، والإخبار بها عنه وحده لأنه الرئيس. وميسر الفتح - على الرئيس وغيره - ربهم. فهو الآن حجة على المعتزلة في الأفعال، وعلى المتنطعين من الناسكين في تضييق

стр. 1425

الكلام، الذي ينسبون. ما خالف باطنه ظاهر اللفظ إلى، الكذب، وهذا من جهلهم بسعة اللسان، ولايعرفون الكذب المعدود في عداد الآثام. وفيه دليل على أن اللَّه ﷻ أثاب نييه ﷺ على شيء هو فعله به، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وكذا يفعل بجميع المؤمنين، يوفقهم للعمل الصالح، وييسره لهم ويعينهم عليه، ثم يثيبهم جودا منه وفضلاً. وفيه دليل على أن النبي - صلى الله عليه - في نبوته وجلالته ومنزلته من اللَّه - كان غير مالك لما سبق به قضاء ربه علمه من الوقوع في ذنب يغفر الله له، فمن بعده من أمته أجدر أَن لا يملكوا ذلك من أنفسهم، وقد ألحقهم الله ﷻ ، بفضله ورأفته - به فغفر لهم وكفر سيئاتهم فقال: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) ومنها: أن هداية النبي ﷺ بعد، النبوة إلى الصراط المستقيم - لا يكون، إلا زيادة في إيمانه، وهو رد على المرجئة. ذكر المرجئة: قوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)

стр. 1426

حجة على المرجئة واضحة. ذكر الاختصار: وقوله - تعالى -: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . أظهر شيئًا دليلاً على الاختصار والإشارة إلى المعنى، لأنك كيف قرأت - بالياء، أو بالتاء - فذلك فيه واضح، وقراءته بالتاء أظرف قراءة، وأكثر القراء عليها. ذكر الجهمي@ة. قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) حجة على الجهمية والمعتزلة في غير شيء:

стр. 1427

فمنه: أن المبايعة فعل واصل من الأتباع المخلوقين إلى الرؤساء المخلوقين، وقد أخبر الله - نصاً كما ترى - بالبيعة له. ومنه: أن الله ﷻ إن لم تكن له يد متصف بها، غير مخلوقة يعرف صفتها من نفسه، ومستحيل ذلك عليه - بزعمهم - وقد قال الله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) فقد لزمهم أن يقولوا: إن المخلوقين ليست لهم أيدي جسمانية فيخالفوا العيان - مكابرة - وإلا فلا يتحكموا. وليت شعري أي شيء نفعهم حيث تأوّلوا في يد الله القوة، والنعمة والقوة والنعمة يكونان للمخلوقين -أيضاً - فهل يكون ذلك إلا أن قوة، ونعمة لا يشبه ما للمخلوقين، وكذلك يكون له يد لا تشبه أيدي

стр. 1428

المخلوقين، لو أنصفوا. ذكر الروافضة: * * * وقوله: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) ، إلى قوله (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) اختلف قتادة، والحسن في القوم. فقال قتادة: هم هوازن وثقيف دعاهم النبي ﷺ -

стр. 1429

وقال الحسن وغيره: هم فارس والروم، دعاهم أبو بكر إلى قتالهم، بعد النبي ﷺ ففيه الآن حجة على الرافضة في خلافة أبي بكر ﵁، وقد سبقنا إلى هذا

стр. 1430

عبد العزيز المكي. ذكر العمل الصالح: * * * وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) إلى قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) دليل على أن اللَّه ﷻ قد يثيب المؤمن رزقا - في الدنيا - على العمل الصالح، ولا يحط ذلك من درجة فضله. ويجعل ذلك من أطيب وجوهه، ألا ترى أن الغنائم أطيب وجوه الكسب، وأمطر الله على نبيه أيوب حين عافاه، من بلائه جرادًا من ذهب، لم تبتذله الأيدي.

стр. 1431

فالدنيا - المذمومة - وزبرجها هو ما يكتسب من خبيث المكاسب. ومحظور الوجوه تفاخرًا وتكاثرًا، وذلك من غضب الله على أهله. ومن إبلائه لهم. فأما الرزق الحلال، الذي تعقبه الطاعة، ويجعله الله ثوابًا لأهله فهو عطيته لهم، يستعينون بها على طلب الآخرة - الدائمة - يتعففون بها عن زيادة المسألة، وبِذلة الوجوه، وإخلاقه بالإلحاف فيها. * * * وقوله: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) حجة على المعتزلة والقدرية.

стр. 1432

المعتزلة: قوله - تعالى -: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) . حجة عليهم فيما سبق من القسمة أن يكونوا أهلها. وأحق من غيرهم بها وهي " لا إله إلا الله " وكذلك رُوي عن رسول اللَّه، ﷺ ، وإلا فما الفائدة إذًا في قوله: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) وقد دُعونا ومن كذب بها وأباها دعوة واحدة. ذكر الاستثناء فى الإيمان: * * * وقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)

стр. 1433

حجة لمن يستثنى في الإيمان، ولا يكون شكًّا منه وقد سبقنا إلى هذا غير واحد من أهل العلم. ذكر، الحلق: * * * وقوله: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) ودعا النبي ﷺ للمحلقين ثلاتا، وللمقصرين واحدة - وكلاهما قائم بمناسك الله، مطيع له فيها - دليل على أن

стр. 1434

كل ما صعب من الأعمال كانت أعظم للثواب، وأدق في الأكمال - التي هي فرائض - ما يكون أكثر ثوابًا، وإن كان جميعها فرضًا. وفي قوله ﵎ في سورة البقرة -: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، ولم يذكر القصر كالدليل على أن المنسك هو الحلق. فإن قصر أَجزأ - عنه - كما الفرض في الوضوء غسل الرجلين، فإن مسح على خفيه أجزأ عنه. قال محمد بن علي: وقد كره قوم حلق الرؤوس - في غير الموسم للحج والعمرة - وزعموا: أنه تشبيه بالخوارج، وليس هو

стр. 1435

عندي بالبين، لأن النبي، ﷺ ، لم ينكر من الرجل - الذي قام عليه فأمره بالعدل في القسم - حلق رأسه. إنما أنكر كلامه، وما عرفه من سوء مذهبه، وبعث في طلبه من يقتله (١) لما أنكر منه، لا للحلق.

стр. 1436

وقوله - في آخر الحديث -: " سيماهم التحليق " لا يفيد نكيرًا - في نفس الحلق - إذ لو كان الحلق بذاته منكرًا، أو مصيِّرًا فاعله خارجيًّا. لأبيح به دماء أهله، كما أباح رسول الله، ﷺ . دم ذلك الرجل، ومن كان من ضئضئه، ولو كان الحلق منكرًا بنفسه ما جعله الله - جل وعلا - في مناسك الحج والعمرة. وأنطق لسان رسوله، ﷺ ، بالدعاء بالرحمة لهم ثلاثًا، ولو كان الحلق مباحًا في الحج، محظورًا في غيره، لكان القصر -أيضاً - مثله، ولكان محظورا في الموسم وغيره " لأنه من سنة النساء، فكان لا يجوز التشبه بهن، لأن رسول الله، صلى اللَّه

стр. 1437

عليه وسلم، قد لعن المتشبهين من الرجال والنساء. وقد أمر النبي، ﷺ ، كعب بن عجرة أن يحلق رأسه، للأذى - وهو محرم - ولم يكن حلقه ذلك حلق النسك في وقته بعد ذبح الهدي، فهلا قال - له -: خذ شعرك بالمقص، أو بالمقراضين حتى يكون أوان حلقك. وقد روَى سفيان بن عقبة - أخو قبيصة بن عقبة - عن أخيه، عن

стр. 1438

سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قدمت على النبي، ﷺ ، ولي شعر، فقال:، (ذباب، ذباب " فذهبت فحلقته، ثم عدت إليه. فقال له: " لم أعنك، - وهذا حسن. وكان الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر ﵃ يحلقون رؤوسهم في غير أيام الموسم.

стр. 1439

وسئل عنه الحسن البصري في الأمصار، فقال: حسن، والله جميل. فمعنى قوله، ﷺ : " سيماهم التحليق " سيما من كان خارجيًّا، لا سائر الناس. (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) إلى اَخر السورة، رد على الرافضة، ومن ينتقص أصحاب رسول الله. ﷺ ، لأن الله - جل ثناؤه - وصفهم بهذه الصفة. وصفًا عامًّا، فكل من صحبه، وكان معه بعد الإسلام فقد استحقها. وصار من أهلها، ووجب على الناس إعظامهم، وتبجيلهم، والرحمة

стр. 1440

عليهم، وترك التنقص لجميعهم، وإن فَضَّل بعضهم على بعض، بما فضلهم الله ورسوله، ﷺ ، ورحمهم أجمعين - ونعلم أن من تنقصهم فهو ملعون، مخالف للَّه في وصفهم، وحاق به لعنة رسول الله، ﷺ ، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله ".
следующие страницы →