وقوله - في آخر الحديث -: " سيماهم التحليق " لا يفيد نكيرًا - في
نفس الحلق - إذ لو كان الحلق بذاته منكرًا، أو مصيِّرًا فاعله خارجيًّا.
لأبيح به دماء أهله، كما أباح رسول الله، ﷺ .
دم ذلك الرجل، ومن كان من ضئضئه، ولو كان الحلق منكرًا
بنفسه ما جعله الله - جل وعلا - في مناسك الحج والعمرة.
وأنطق لسان رسوله، ﷺ ، بالدعاء بالرحمة لهم
ثلاثًا، ولو كان الحلق مباحًا في الحج، محظورًا في غيره، لكان
القصر -أيضاً - مثله، ولكان محظورا في الموسم وغيره " لأنه من
سنة النساء، فكان لا يجوز التشبه بهن، لأن رسول الله، صلى اللَّه
стр. 1437
عليه وسلم، قد لعن المتشبهين من الرجال والنساء.
وقد أمر النبي، ﷺ ، كعب بن عجرة أن يحلق
رأسه، للأذى - وهو محرم - ولم يكن حلقه ذلك حلق النسك في
وقته بعد ذبح الهدي، فهلا قال - له -: خذ شعرك بالمقص، أو
بالمقراضين حتى يكون أوان حلقك.
وقد روَى سفيان بن عقبة - أخو قبيصة بن عقبة - عن أخيه، عن
стр. 1438
سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن
حجر، قال: قدمت على النبي، ﷺ ، ولي
شعر، فقال:، (ذباب، ذباب " فذهبت فحلقته، ثم عدت إليه.
فقال له: " لم أعنك، - وهذا حسن.
وكان الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر ﵃
يحلقون رؤوسهم في غير أيام الموسم.
стр. 1439
وسئل عنه الحسن البصري في الأمصار، فقال: حسن، والله جميل.
فمعنى قوله، ﷺ : " سيماهم التحليق " سيما من
كان خارجيًّا، لا سائر الناس.
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)
إلى اَخر السورة، رد على الرافضة، ومن ينتقص أصحاب رسول الله.
ﷺ ، لأن الله - جل ثناؤه - وصفهم بهذه الصفة.
وصفًا عامًّا، فكل من صحبه، وكان معه بعد الإسلام فقد استحقها.
وصار من أهلها، ووجب على الناس إعظامهم، وتبجيلهم، والرحمة
стр. 1440
عليهم، وترك التنقص لجميعهم، وإن فَضَّل بعضهم على بعض، بما
فضلهم الله ورسوله، ﷺ ، ورحمهم أجمعين - ونعلم
أن من تنقصهم فهو ملعون، مخالف للَّه في وصفهم، وحاق به لعنة
رسول الله، ﷺ ، قال رسول الله، صلى الله عليه
وسلم: " لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله ".
стр. 1441
سورة الحجرات
حجة على من ييتغي مع القرآن في السنة سواها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)
حجة على من يبتغي مع القرآن.، والسنة سواهما.
ويلتمس الحجة في غيرهما، ولا يحرم القول بغيرهما أو بالإجماع
الذي عليه دلاهما (١) .
فضيلة أبي بكر الصديق رضىِ الله عنه:
* * *
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)
стр. 1442
وقد صح أن أبا بكر الصديق ﵁، جعل على نفسه عند نزوله أن أن لا يكلم رسول الله، ﷺ ، إلا كأخي السرار. فاستوجب
التقوى، والمغفرة، والأجر العظيم، فسبق الجميع إلى هذه المنقبة
الجليلة، وهو رد على من تنقصه.
ذكر توقير الإمام:
* * *
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)
دليل على أن على الناس - وإن تواضع لهم إمامهم وغض لهم جناحه - أن يوقروه، ولا ينزلوه من أنفسهم منزلة بعضهم من بعض، وأن ينتظروه
стр. 1443
لحوائجهم - وإن رفع حجابه - حتى يخرج إليهم.
ذكر قبول خبر العدل:
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)
دليل على قبول خبر العدل، وقد سبقنا إلى هذا الدليل، ولكنا كرهنا أن نعري موضعه.
ذكر المعتزلة:
* * *
قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)
حجة على المعتزلة، والقدرية واضحة.
فإن زعموا: أن تحبيبه إليهم مدحه، وتكريهه إليهم ذمه.
قيل: قد يمدح الشيء، بغاية المدح ولا يحب، ويذم بغاية الذم ولا
يكره، لأن الحب، والكراهة فعلان من أفعال القلب ينبو عما يكره،
стр. 1444
وينطوي على ما يحب، وربما كان ما ينبو عنه ممدوحًا عند غيره، وما يحبه
مكروهًا عند غيره، ولو كان كذلك لكان - والله أعلم - " ولكن اللَّه مدح الإيمان وحسنه، وقبح الكفر وذمه " ولا يكون حبَّب إلا حمل
القلب عليه، ولا كرَّه إلا باعد منه القلب.
فإذا كان المؤمن محببًا إليه الإيمان، وهو لا يقدر على المسابقة إليه إلا
بتحبيب ربِّه إياه إليه، ولا يقدر على ترك الفسوق، والعصيان إلا
بتكريهه إياه إليه، وقد خص بهذا المؤمن دون الكافر، علمنا أن
الذي أقعد الكافر عما نهض به المؤمن عدم ما جاد الله به على المؤمن
من هذين المعنيين من التحبيب والتكريه، ولا يخلو من أن يكون قادرًا
على الإتيان بالإيمان، واجتناب الفسوق والعصيان
باستطاعته، أو لا يقدر إلا بما ذكره الله من التحبيب والتكريه، فإن
كان قادرًا - كما يزعمون - فلا معنى للاعتداد عليه بما لا منة فيه.
وجل الله عن ذلك، بل يقول - فى آخر السورة -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) .
وإن لم يكن قادرًا عليه إلا بهما فقد علمنا أن الكافر - أيضاً - لم يقدر عليه لما حُرِمَ منهما.
فالمؤمن هاد بتوفيق الله، والكافر ضال بخذلان الله إياه، فليلتزموه
стр. 1445
إذ لا ثالث لهما.
تفسير قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق:
* * *
وقوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)
إضمار الجميع راجع على جمع الطائفتين، لأن الطائفة تكون واحدا
وجمعًا، وهو في هذا الموضع جمع
وفي تسميته إياهم بالمؤمنين - مع الاقتتال - دليل على أن قول النبي
ﷺ : " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " هو أن
يقاتله مستحلاًّ لقتاله، فأما إذا قاتله مذنبًا، أو متأولاً، فليس ذلك
بكفر، لأن الله - جل وتعالى - لم يزل اسم الإيمان عن الباغية
وغيرها، ثم قال: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) على لفظ ثأثيثها، لأنها مؤنثة اللفظ.
ثم أكد الإيمان - لهم - بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
стр. 1446
وهو رد على الرافضة خانق لهم، فيما يكفرون مقاتلىِ علي
﵁ وعنهم - وعلى الشراة (١) فيما يعدون الذنوب كفرا
، وقد سمى الله كلًّا مؤمنا كما ترى.
تحريم تسمية المؤمن بما يكره.:
* * *
وقوله: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)
يؤيد - والله أعلم - بعضكم
بعضًا، (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) ، دليل على تحريم تسمية المؤمن
بكل ما يكره من فسق، أو كفر، أو غيره، إذ دعاء من ليس
بفاسق فاسقا بهتان ولمُزة، ودعاء من تفسق بدنب تعيير، واستطالة
стр. 1447
عليه، وتعرض لمعافاته، وابتلاء الداعي بمثله، وفي النصيحة له.
وإسرار الموعظة له مندوحة عن التنادي بما يعرف منه.
وقد فتن الناس أحاديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن
جده: " أَترِعون عن ذكر الفاجر "، وليس في أخبار بهز ما
يعارض به نص القرآن في تحريم الغيبة - جملة - في هذه السورة،
стр. 1448
(وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) ، والمؤمن - باقتراف الذنوب - لايزول عنه اسم الأخُوَّة
للمؤمنين، فكيف يسلم المغتاب من أكل لحم من اغتابه من
المذنبين والمطيعين، وكلاهما إخوة في الدين، وذنب المذنب على
نفسه، ومعاملته فيه مع ربه، وحقوق أخوَّةِ الإسلام قائمة - على
أخيه - لم يزلها ظلمه لنفسه.
وحديث بهز هذا، رواه الجارود بن يزيد، وهو كذاب.
وروى معناه، أو قريبًا منه الأنصاري.
стр. 1449
والأنصاري، وإن كان في عداد المحدثين المحتملين فلا يثبت بروايته - إذا
انفرد - حجة، وسيما إذا روى عن بهز، وأحاديثه - فى أنفسها -
غير قوية، وقد حرم - مع ذلك - أذى المؤمن جملة وقد وُعد عليه الإثم
المبين في قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) .
وفي قول رسول الله، ﷺ : " من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن أذاني فقد آذى الله ".
وقال ﵎، في أذاه وأذى رسوله -: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)
فكل أذى يلحق المذنب المعلن بذنوبه غير إقامة الحد فيما يوجب عليه ما
اكتسبه - والتغبير عليه ساعة
стр. 1450
يطهره من ذكر عرض، وغيبة، وتنديد - فمدخل عندي مؤذية فيما
أخبر الله جل وتعالى عنه في آية المؤمنين، والمؤمنات بنص القرآن.
ومخوف أن يدخله في آية الله، والرسول، بدليل قول رسول الله الذي ذكرناه، وحديث العلاء - عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ حيث سُئل عن الغيبة، فقال: " ذكرك أخاك بما يكره قيل: يا رسول اللَّه: أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: " إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " أصح، وأشد
موافقة للقرآن من حديث بهز،
стр. 1451
وحديث معاذ مرسل لا يقوم به حجة فيا روى: " ثلائة ليست لهم في الغيبة حرمة "
وهو مع إرساله ضعيف الرجال.
فأرى حق المسلم على المسلم واجبًا على جميع جهاته مطيعًا.
وعاصيًا، لا يغتابه، ولا يعيره، ولايشمئز من رؤيته، ولايدع إجابته
إذا دعاه في وقت لا يحضر معصية، ولايعلن منكرًا، ويشمته إذا
عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهده إذا قبض كغيره سواء، ما لم
يحُدث بدعة تخرجه إلى الكفر، فتزول أخُوَّةُ الإسلام بها، ولا يدع
نصيحته في السر، وموعظته بالرفق، إذ ليس فيما أحدثه نساكُ
стр. 1452
زماننا - من الهجران، والإقصاء، والجفوة، والتنديد والغيبة - كتاب
ولا سنة ثابتة، ولا إجماع محصل، ولا يثبت ببنيات الطريق حجة.
وقد ذكرنا في سورة بني إسرائيل - عند قوله: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) - ما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
فمن جانب أخاه الذنب في أفعاله، وأنكرها عليه عند رؤيته، وحال
بينه وبينها، إذا قدر عليه من ظلم يهم به، أو خمر يريد شربها فيريقها.
أو ملهاة يبصرها فيكسرها، فليس عليه أكثر من ذلك، وحقوق أخيه.
وتحريم عرضه - في سائر ذلك - قائمة عليه بالحجج التي قدمنا
ذكرها.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى)
يعدها كثير من الناس خصوصًا من أجل آدم وعيسى، صلى الله عليهما. وقد يحتمل
стр. 1453
أن يكون المقصود بها أمة محمد، ﷺ ، لأن آدم.
صلى الله عليه، ميت، وعيسى ﵇ مرفوع فلا يكون
خصوصًا، من جهة ما ذهبوا إليه، بل تكون عمومًا فيمن نزل فيها
من الأمة، ونبيها، ﷺ .
خصوص:
* * *
وقوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا)
خصوص لا محالة - لقوله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
إلى قوله: (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) .
ذكر الإيمان:
قوله - تعالى -: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) ، ليس بخلاف لما قلنا:
في سورة البقرة، وجمعنا بين الإيمان والإسلام، إذ ليس بين الأمة
خلاف أن أحدًا لا يثبت له إسلام منفرد، يكون به من أهل الدين،
стр. 1454
ويمتاز به عن الكفر دون الإيمان، والله - جل وتعالى يقول نصا -:
(وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
فدل على أنهم استتروا بما حقنوا به دماءهم، وأموالهم، ولم يكونوا مؤمنين، ولا نفعهم ذلك يوم الدين.
ذكر المرجئة والجهاد:
قوده - تعالى -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)
стр. 1455
حجة على المرجئة واضحة، إذ هم مقرون بأن من لم يكن له صدق الإيمان
فليس بمؤمن، وقد جعل الله الجهاد من صدق الإيمان كما ترى.
فإن قيل: فكيف يكون من لم يجاهد صادقًا في إيمانه، إن كان الجهاد جزءا من أجزائه؟.
قيل: قال الله ﵎: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) و (إِلَّا وُسْعَهَا)
стр. 1456
فمن لم يطق الجهاد بالنفس، والمال.
وآمن به، ورآه حقا وأحبه فهو من أهله، وليس عليه غيره، والجهاد -
مع ذلك فرض على الكفاية، والإيمان يزيد وينقص، فمن جاهد
بنفسه، وماله كان أفضل درجة، وأزيد إيمانًا ممن قعد عنه بالعذر
والرخصة، فكلاهما مؤمن، وبعضهما أزيد فيه من بعض، وكل
بمقدار جزئه صادق فيه، قال الله ﵎: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) ،
وهذا بعد ما عذر أولي الضرر - في أول الآية
سورة ق
حجة في الاستدلال بالشاهد على الغائب وبالخلق على الخالق:
* * *
قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)
إلى قوله: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)
حجة بالاستدلال بالشاهد على الغائب - من قدرة الرب - وبالخلق على
الخالق من صنعه.
* * *
وقوله: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)
دليل على جواز إضافة الشيء إلى نفسه
جواز الخبر عن الاثنين بلفظ الواحد:
* * *
وقوله: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)
حجة في أشياء:
فمنها: ما دل على توحيد الفعل المتقدم على الأسماء.
ومنها: اختصار الكلام،
стр. 1459
والإشارة إلى المعنى.
ومنها جواز الإخبار عن الاثنين بلفظ الواحد، كأنه - واللَّه أعلم - كل واحد منهما قعيد.
تسمية المخلوقين باسم الخالق:
* * *
قوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)
حجة في تسمية المخلوقين باسم الخالق، وزوال النكير عنه، وهو تأييد لما أجزناه من تسمية الناس بالسيد.
واختلفوا في خصوص اللفظ وعمومه
стр. 1460
فقال عكرمة: من قوله. وعن ابن عباس ما يؤجر عليه، ويؤزر
وقال قتادة والحسن: هو كل شيء.
стр. 1461
وفي هذا -أيضاً - حجة في اختزال الحرف من الكلمة، والإرادة
تمامها، كأنه - والله أعلم - إلا لديه رقيب عتيد يكتب ما قال.
مانع الزكاة:
* * *
وقوله: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)
ضمير الاثنين - والله أعلم - راجع على السائق، والشهيد.
* * *
وقوله: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ)
وعيد شديد على مانع الزكاة، ومؤيد ما
قلنا: من أن مانعها يُكفَّر، بدليل قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)
стр. 1462
قوله: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)
حجة على من يتأول " عند " - على مستنكره التأويل - فما عسى أن يقول: في (لَدَيّ) هاهنا، وليس هناك ثواب يكون به قريبًا منه.
стр. 1463
قوله: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)
مما قلنا إنه لا يجوز استعمال ظاهره بتة، لأن الله ﷻ ، لا محالة - أعلم من جهنم بما يقول لها، قد قال كما ترى، فكيف يجوز أن يحمل:
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، وما أشبهه.
فيرد به عامة القرآن، وممكن فيه على ما خرّجناه أن يكون تبعًا لما
خالفه، ولا يمكن أن يجعل ما خالفه تبعًا له، لما دللنا عليه من إحالة
جعل مشيئته تبعًا لمشيئة خلقه، وظهور الكفر فيه، وغير
محال أن تجعل مشيئتهم تبعًا لمشيئته، والقرآن نازل بلغة العرب.
ومعروف في كلامها أن يعد الملك بعض أهل مملكته وعدًا، فإذا
أنجزه، قال - له -: هل وفيت لك بما وعدتك، وهو يعلم أنه قد
وفى له، فلا يستفهمه لجهله بصنيعه به.
وبلية القوم من إضاعة النصيحة، وإهمال التقوى، واتباع ما تشابه
من كتاب الله، وبذلك وصفهم - جل وتعالى - فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) الآية.
فلما كان من حكمه ﷻ أن يملأ جهنم من الجنة والناس
стр. 1464
أجمعين فملأها، فقال لها - وهو أعلم -: (هَلِ امْتَلَأْتِ)
وقد علم ما جعل فيها، وكيف لا يعلم، وهو أدخلهم إيّاها سبحانه؟!
وفيه دليل -أيضاً - على أن القرآن غير مخلوق، لأن الله - جل
وتعالى - كل كلامه غير مخلوق، ما قد تكلم به، وما يتكلم به يوم
القيامة، فكيف يجوز أن يكون (هَلِ امْتَلَأْتِ) مخلوقاً - الآن - لو
جاز أن يكون - أيضاً - مخلوقاً كلامه، ومعاذ الله، وهو لم يقله بعد.
* * *
قوله: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)
دليل على أن قراءة يحيى بن يعمر، وإن انفرد بها على الأمر أحسن تأويلاً، من قراءة من قرأها على الخبر، لأن هل لا تكاد تلي إلا المواجهة، فكيف تترك "هل "
стр. 1465
مفردة بالإخبار عن قوم نقَّبوا، ولو كان كذلك، لكان - والله أعلم -
فنقَّبوا في البلاد فلم يجدوا محيصًا، فلما قال: (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)
دل على أن قوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا)
كلام تامّ كما قال: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا)
ثم ابتدأ - وهو أعلم - بالأمر لكفار قريش بأن ينقبوا في البلاد، هل ينجيهم من الهلاك، على معنى التهدد، والله ولي الصواب.
стр. 1466
سورة الذاريات
قوله - إخبارًا عن المرسلين -: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)
دليل على أن الله ﷻ بنفسه في السماء، لأن الحجارة لا
محالة أمطرت من السماء، وقد قال: (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) .
وفيه -أيضاً - بطلان قول المتأولين في: (عِنْدَ) .
ذكر الإيمان:
* * *
وقوله: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)
دليل على أن الإيمان، والإسلام وإن فرق بهما اسما
فهو يجمعهما معنى وفيه رد على المرجئة.
* * *
وقوله: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)
دليل على أن سائر الرياح تلقح الأشجار، وتودعها الثمار، بإذن الجبار.
فكانت تلك وحدها عقيمًا، أثيرت للعذاب، لا لمنافع العباد في
стр. 1467
أشجارهم وزروعهم.
* * *
قوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ)
حجة للجهمية - فيما يرون - ولا متعلق لهم فيها، لأن اليد التي ينكرونها جمعها " أيدي "
فإن كان هاهنا تلك فهي عليهم لا لهم، وإن كانت بمعنى
القوة فهي لا لنا ولا لهم، بل لنا في القوة حجة عليهم لا لهم.
وقد بينا في غير هذا الموضع.
* * *
وقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)
آية غليظة على من لا ينتفع بالموعظة، لما يخُشى عليه من النفاق، إذا زالت عنه منافع المواعظ.
стр. 1468
سورة الطور
* * *
قوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)
حجة لمن يشبه الروحاني بغيره، وهو حجة على المتنطعين في تضييق الكلام.
* * *
قوله: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ)
كان ابن عباس يقول: هو عذاب القبر. ففي تفسيره دليل على أن المؤمن المحسن ناج منه، ومقتصر به على المساءلة دونه، لاشتراطه ذلك في الظالمين، وهم الكافرون.
стр. 1469
سورة النجم
قوله - تعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)
دليل على أن النبي - صلى الله عليه - كل ما سنه فبوحي سنه.
* * *
قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)
حجة في أن الله - جل وعلا، لا محالة - في السماء.
* * *
قوله: (أَوْ أَدْنَى)
ليس بشك، وكيف يكون شكَّا، وهو
أدناه، وقد بينته في سورة البقرة.
стр. 1470
وفيه -أيضاً - حجة على متأولي (عند) على حماقاتهم.
ذكر الجهمية:
وقوله - تعالى -: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)
حجة على الجهمية - شديدة، لا محيص لهم عنها - في تثبيت الصورة التي هي له يعرفها من نفسه، وهو - لا محالة -
стр. 1471
رؤية الرب بالفؤاد، لأن رؤية جبريل كانت رؤية عين، فكان يراه طول
стр. 1472
نبوته، ﷺ ، وعلى جبريل. وقد حوى باب الرؤية
بالعين لرسول الله، ﷺ ، كتابنا المؤلف في الرد على أهلى
البدع بالأخبار" وبينا اختلافه وعلله.
стр. 1473
وقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)
حجة على القائسين والمستحسنين والمحققين على الناس - بظنونهم - فواحش
الذنوب، وقبائح الأعمال، ورد لكل ذلك منهم.
تثبيت نسب ولد الزنا من أمه:
* * *
وقوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)
دليل على تثبيت نسب ولد الزنا من أمه، ومغنى عن قياسه على ولد الملاعنة، لدخول ولد الزنا - لا محالة - في هذا الخطاب، ونسبته - جل وتعالى -
جميع الأجنة إلى الأمهات.
* * *
قوله: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)
стр. 1474
دليل على أن قارئ القرآن مندوب إلى البكاء عند قراءته.
وكذا روي في الخبر: ((إن هذا القرآن أنزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن
لم تبكوا فتباكوا ".
стр. 1475
سورة القمر
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)
دليل على أن الآيات دالة على اقتراب القيامة.
* * *
قوله: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ)
دليل على أن القرآن غاية كل حجة، وفاتق كل لبسة.
* * *
وقوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)
نظير ما مضى - في الطور - من إجازة تشبيه الناس بغيرهم، وفي ذلك حجة للشعراء إذا لم يكذبوا كذبَا محضًا، لا تأويل فيه.
القدرية:
* * *
قوله: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)
والقدرية بلفظ القدر.