← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) في إسقاط الجزاء عنه غير متوجه لمن تدبره، فما الفائدة إذا في قوله: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) ، مع إيجاب الكفارة عليه وذواق وباله بها، والعفو في اللغة لا يقع إلا ما عري من العقوبات، وهذا قد عوقب بالكفارة سترا لخطيئته وتمحيصا لذنبه، ولا يجوز - والله أعلم - في العفو والعود إلا ما قال عطاء من أن العفو هو عما كان في الجاهلية، والعود في الإسلام، وجائز أن يكون الانتقام منه بالكفارة غير مصروف به إلى عذاب الآخرة. ولا يشك أحد أن كل عائد في ذنب مستحق للانتقام منه في الآخرة إن لم يلحقه عفو ربه أو تحطه عنه كفارة مجهولة فيه. فهل يجوز لأحد أن يقول: أجعل على قاتل الخطأ مع الدية عتق رقبة كفارة لذنبه؛ إذ الدية من حقوق الآدميين، والرقبة من حقوق الله، فإن عاد ثانية إلى القتل اقتصرت به على الدية دون الرقبة ليلقى الله بذنبه، فيعاقبه عليه، وينتقم منه.

стр. 247

أو يقول: إن الكفارة على الحالف بالله مرة واحدة، فإن عاد لم تكن عليه كفارة، وأشباه ذلك. وما بال ذنب المحرم في قتل الصيد المنهي عنه في حال إحرامه يخص بهذا الحكم دون غيره،. هذا من أعجب ما قيل وأظرف ما انتحل، فإن قيل، خص هذا الذنب بهذا الحكم لقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ، وسكوته عن سائر الذنوب. قيل: أفنجعل سكوته عن العائد إلى ذنب عمله مرة دالا على سقوطه الانتقام منه،. فإن قال: نعم كفانا مؤنة الاشتغال به، إذ الانتقام لا يستأهله إلا المعتدون المنتهكون محارم الله، فمن يسقط عنه الانتقام بفعل يفعله كان ذلك الفعل مباحا له. وإن قال: هو مستوجب للانتقام إن لم يعفوا عنه كلما أذنب. قيل: فذكره بالانتقام في باب المحرم وسكوته في غيره من الذنوب في الاستيعاب واحد، وإن أكده بالذكر في موضع دون

стр. 248

موضع. في السمك: * * * وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) دليل - والله أعلم - على أن الطافي وما حسر عنه البحر شيئا من السمك - حلال، لأن اسم الصيد لا يقع إلا على ما يكون ممتنعا بالحياة فيصطاد بالحبل وقد فصل - جل وعلا - بينه وبين الطعام - بالواو - والطافي والمحسور عنه إن شاء الله من طعامه، ومن المفسرين من قال: صيده طري السمك، وطعامه مالحه، وقد يحتمل أن يكون كل ما كان عيشه في الماء ولم يعش في البر داخلا في صيد البحر، ويكون حلا إذا أخذ. ويحتمل: أن يكون قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) على ما كانوا يعرفون من صيده وروي عن النبي، ﷺ ، حديثان:

стр. 249

أحدهما مجمل والآخر مفسر، لو صح طريقهما كان فيهما بيان شاف. أحدهما: حديث أبي هريرة وجاء في البحر: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ما، فهذا مجمل يحكم للاحتمال الأول. والثاني: حديث ابن عمر: " أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والنون فهذا مفسر يحكم للثاني.

стр. 250

فلما اعتل الحديثان وضعف دعائمهما لم يحلل من الميتة شيء، وإن كانت من صيد البحر وطعامه. والميتة محرمة بجملتها في غير آية من القرآن إلا ما اجتمعت عليه الأمة من أنه داخل في طعام البحر وصيده، وهو الجراد والنون دون ما سواهما.

стр. 251

فنبيح جملتها بالاتفاق، والطافي وما انحسر عنه البحر ميتا بالدليل الذي قدمنا ذكره وشمول اسم الميتة المتفق على إباحته لهما. ونقول: إن كل ما أمكن ذبحه من دواب البحر فأخذه صايد حيا وذبحه بما يقع عليه اسم ذبح من قطع الحلقوم والمريء فهو حل بالقرآن وما لم تكن ذكاته بقتل الحلقوم والمريء،، وإن أخذ حيا وقتل لم يؤكل، لأنه عقير، والعقير لاحق بالميتة بريا كان أو بحريا إلا دابة يتفق الجميع على أنها وإن احتملت الذكية لم تذكي فيسلم لإجماعهم. قوله إخبارا عن عيسى، ﷺ : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) حجة على الجهمية فكل ما ذكر في القرآن من النفس والسمع والبصر واليدين فهو لا محالة ذات لا عرض - يعرف كيفيته من نفسه ﷻ ولا يبلغ أحد من خلقه كنهه ولا بلوغ حده كما يبلغونه من المخلوقين، إذا المخلوق محدث والخالق أزلي، والمخلوق متغير، والخالق باق على حال واحدة

стр. 252

من الكمال الذي يعرفه من نفسه، والمخلوق ميت والله حي دائم. فهو وإن وافقه بالاسم في هذه الأشياء، فقد خالفه بما ذكرناه من المفارقة في المعنى ولو عقلوا المساكين لعلموا أن من ليس بمصنوع ولا محدث - مخلوق أزلي في جميع صفاته. فكيف ما كانت تلك الصفات ليست بمشاركة، وأن صفات الخلق الموافقة له في الأسماء بعيدة منه. فكان لا يحملهم بالجهل على نفي صفات ذاته المذكورة في كتابه واحتيال التأويلات التي هي إنما التعطيل أقرب منها إلى التثبيت.

стр. 253

سورة الأنعام سعة لسان العرب: قوله : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) دليل على سعة لسان العرب، إذ - لا محالة - أن المخلوق من طين هو آدم، ﷺ ، أبو البشر، وسائر الناس - سوى عيسى ﷺ مخلوقون من نطفة. وهذا نظير ما مر في سور البقرة من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) بآبائكم، (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي خلق أباكم الذي أنتم من نسله. ويحتمل أن يكون الله ﷻ بقدرته - أذاب الطين وحوله نطفة فأودعه الأصلاب، فيكون كل من خلق من نطفة مخلوفا من طين

стр. 254

ألا تراه يقول: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ، ثم سمى النطفة ماء، فقال: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) والله أعلم أي ذلك هو. وفي كل هذه الآيات - لا محالة - خصوص؛ لأن عيسى، ﷺ ، ما كان منيا يمنى، ولا خلق من ماء دافق بل خلقه الله بقدرته في بطن أمه آية للعالمين من غير نطفة. إضمار: * * * قوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي أول من أسلم من أهل زمانه إذ قد كان قبله مسلمون. ومثله قول موسى، ﷺ والله أعلم -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) أي أول قومي إيمانا. * * * قوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) يحتمل معنية: أحدهما

стр. 255

رجوع من الخبر إلى المخاطبة. والثاني: أن يكون فيه إضمار واختصار كأنه: " قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم وقيل لي: لا تكونن من المشركين. وأيهما هو فهو دال على سعة اللسان والله أعلم بما أراده. دليل أن القرآن يخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله، ﷺ ، ومن لم يدركه: * * * قوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) موجبه أن القرآن منذر به ومخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله ﷺ ، ومن لم يدركه إلى يوم القيامة، وهو من المواضع التي يحسن فيه حذف هاء المفعول كأنه - والله أعلم -: ومن بلغه القرآن والهاء محذوفة، إذ لا يجوز لأحد أن يحمله على ومن بلغ من الأطفال فيجعل الخطاب والنذارة به خاصة لمن كان في زمان رسول الله، ﷺ ، موجودا دون من ولد بعده فيهدم الإسلام.

стр. 256

حجة على المعتزلة والقدرية: * * * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) حجة على القدرية والمعتزلة شديدة، لأن الجعل إن كان عندهم خلقا كما يزعمونه في القرآن، فقد أقروا بألسنتهم أنه - جل وعلا - خالق الشر إذ الأكنة المانعة من التفقه، والوقر الحائل أبينهم وبين الاستماع شر لا خير. وإن كان بمعنى صير فقد أقروا بأنه مصير موانع تحول بين الإجابة إلى القرآن، وكيف ما تأولوا الجعل في هذا الموضع كان عليهم لا لهم. قال محمد بن علي: زعم قوم من مردة المعتزلة والقدرية المفرطين في التمرد والكفر وإن كانوا كلهم مردة - أن الله ﷻ لا يعلم الشيء حتى يكون خشية أن يلزمهم في علمه بمعصية العاصي قبل فعلها ما يكسر قولهم، إذ لا يجوز عليه أن يعلم كون للشيء

стр. 257

مقدر أحد، أحد على إزالته، فكفروا في الجلي الواضح خشية ما يلزمهم في الدقيق الخفي - وهذا وإن كان لا يشكل على مسلم، ولا يبعد عنه فهمه ويحيط علمه بأن الخالق لا يجوز أن يخلو من علم ما يكون قبل كونه إذ في خلائه من ذلك - تعالى عنه - خلاء من الغيب الذي هو محيط به وغير مشارك فيه - فإذا تلي فيه قرآن كان أشد لطمأنينة قلبه وأقمع لنزعات عدوه قال ﷻ في هذه السورة: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخرالسورة، والقرآن مملوء بذكر هذا النوع قبل هذه السورة وبعدها، ولو لم يكن فيه إلا ما في آخر سورة المائدة من قوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ) إلى آخر السورة لكفى فقد علمنا جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بما يكون في المعاد من قول الناس قبل يكون، وبما

стр. 258

يكون من أفعال العباد في الدنيا وأقوالهم قبل تكون فقال: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) . وقال: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) وقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) وأشباه ذلك. فمن نسب إلى ربه ما نسبوا فقد كفر من ثلاثة وجوه: أحدها: أنه ينسب ربه - جل وعلا - إلى الجهل، إذ الشيء بعد حدوثه يستوي فيه الخلق والخالق والعالم والجاهل وتعالى الله أن يكون موصوفا بالجهل. والثاني: أنه يزعم: أن الأشياء تكون قبل مكونها ومن زعم أن الأشياء تكون بذاتها من غير مكون فقد قال بقول الدهرية.

стр. 259

والثالث: رده لهذه الآيات مع ما يضاهيها مفرقا في القرآن؛ فإن زعم: أن الله قد أنزلها وأخبر عن نفسه بغير الصدق - تعالى عنه - كفر من جهة تكذيبه له، وإن قال: إن الله لم ينزلها فقد نسب رسوله ﷺ إلى الافتراء عليه، وأهل القبلة كافة إلى قبول باطل عنده، فيكفر من هذه الجهة، نعوذ بالله من مثل هذه الحماقات الهائلة من بين الضلالات، ونسأله التمسك بما هدانا إليه من الحق وزينه في قلوبنا بجوده وكرمه. حجة على المعتزلة والقدرية: * * * قوله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) . حجة على المعتزلة والقدرية، فيقال لهم: أخبرونا عن من كان رسول الله، ﷺ ، يحب إيمانه ويكبر عليه إعراضه والله يعظه فيه هذه الموعظة ويخبر أن خروجه عن مشيئته في الهداية أخرجه إلى

стр. 260

الإعراض ولو شاء هدايته كان مبتدئا فلا تخلوا هذه المشيئة التي لم تصحبه من الله - جل الله - من أن تكون متقدمة لخلقه فيخلقه على ما سبق له منها، أو مقرونة بخلقة فلا يعرف غيرها، أو معونة منتظرة لا سبيل له إلى الهداية إلا بها. أو ليس على الأحوال الثلاثة مضطرا إليها في الهداية، فكيف يهتدي من لم يشأ الله هدايته، أم كيف يقدر أن يضل من سبقت له مشيئة ربه في هدايته، أليس الله ﷻ غالبا غير مغلوب قاهرا غير مقهور، ومريدا نافذ الإرادة، والخلق مريدون ممنوعون، ومجتهدون محجوبون، وممتنعون محمولون على ما لا يريدون، أليس يقول ﷻ : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) ولو أنصفنا القوم لما كان لهم علينا أكثر من أن نريهم أن الله ﷻ قد دعا إلي الهدى من حجبه عنه، وأوجب العقوبة على من قضى عليه الخطيئة، فإذا أريناهم هذا من حيث لا يشكل على فهم، وتلونا في صحته القرآن مرة بعد أخرى، وأخبرنا عنه بما أخبر عن نفسه وهو صادق. لم يكن علينا أن نريهم زوال الظلم عنه في هذا الفعل بخلقه لاتفاقهم معنا على أنه ﷻ منزه عن الظلم، وقد تطوعنا عليهم في غير موضع من كتابنا بما يزيل وساوس الشيطان في تصور الظلم لهم فأريناهم أن معرفة

стр. 261

كنه عدله بعقول ناقصة غير ممكن وأن القدر حين صار سره لم يجز أن يطلع عليه غيره، وأن العبيد المأمورين ليس لهم أن يقولوا لا نؤمن من فعل ربنا إلا بما تقبله عقولنا، إذا الامتناع من ذلك خروج من العبودية ومزاحمة في الربوبية، فما الفائدة إذا في قوله: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ،. أوليس اعتبار أفعال الله بخلقه بأفعال بعضهم ببعض، وأخذ معرفة عدله من عدلهم من ضرب الأمثال له، ومزاحمته في العلم الذي لا يعلمه خلقه، وهل يجوز لهذا الخلق الحقير الذليل المتناهي في الجهل العادي طوره فيما نهي عن تفتيشه أن يقول: ليس من العدل عندي أن يجعل الغائط والبول والتعب والنصب عقوبة لآدم ﷺ على خطيئته، فإذا تاب منها لم ترفع العقوبة عنه، بل يصل بها

стр. 262

حياته وولده بعده قبل مواقعة الذنوب وبعدها، وفيهم أنبياء وصالحون وأطفال ماتوا قبل بلوغهم وعصيانهم. أم نقول: إن آدام لم تقبل توبته، فنخالف القرآن كما هو في سجيته،. حيث يقول جل وعلا: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) فلذلك بقيت العقوبة - فيه على أنه لا يستطيع أن يقول في ولده شيئا، وإن كان كل ما يقول من هذا النمط كفرا وطغيانا. وكيف يستطيع ذلك والله جل وعلا يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، أوليس هذا وما تقدم قولنا فيه من مرض الصغار والعبيد والأحرار والأصحاء والزمني وتشويه الصور وتحسينها وخلق الذكر والأنثى والبهائم والحشرات وأشباه ذلك - إذا جمل على فطرة العقول الناقصة العاثرة المزاحمة فيما ليس لها تصور عندها بصورة الجور، وهو لا شك عدل وإن كنا نجهله ولا نبلغ غوره.

стр. 263

فما بال القدر وحده يستعظم من بين هذه الأشياء، أما له أسوة بها، وعلينا الإيمان بجميعها من غير أن ننسب إلى الله ظلما فيها. تأكيد:. * * * قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) . رد على من قال: ليس في القرآن تأكيد، وكيف يخلو من التأكيد إذا قال: (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقد علم أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه. * * * قوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) دليل على أن كل روحاني يحيا ويحشر وإن صغر خلقه

стр. 264

حتى البق والبعوض والقمل والبرغوث، ويؤيد ذلك قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) فالخلق عام لكل شيء. * * * قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) حجة على المعتزلة والقدرية في خلق الأفعال، إذ الجعل عندهم بمعنى الخلق، فإما أن يرجعوا عن القول بخلق القرآن، وأما أن يقروا بخلق الأفعال، إذ قد تلونا

стр. 265

عليهم في الخير والشر جعلاً ففي الخير هذا وفي الشر ما تقدمه من قوله جل وعلا: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) مع أنهم إذا جعلوه بمعنى الصيرورة أيضا لم يسلموا من كسر قولهم فيها، إذ المصَّيرون خلاف الصائرين، ولا سلموا من المشيئة في الضلالة والهدى. وعليهم في الظلمات حجة أخرى، إذ ليست تخلو من أن تكون ظلمات بعينها أو كناية عن الأغطية الحاجزة عن النظر إلى ضياء المصدقين بآيات الله، وأيهما كان من هذين فالحجة عليهم واضحة به. حجة عليهم: * * * قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) حجة عليهم: وهم يظنون أنها لهم فيقال للمتحذلقين في الدقة منهم: أخبرونا عن عملهم المعمول بتزين الشيطان وكانوا قادرين على فعله بأنفسهم دون تزيينه، فإن قالوا: بلى. قيل: فقولكم والشر من الشيطان إذاً لغو لا فائدة فيه. مع ما يلزمهم

стр. 266

من نسبة الله إلى أن ينزل في كتابه حشوا جل الله وتعالى عن ذلك وإن قالوا: لم يقدروا على الانفراد به دون تزيينه. قيل لهم: أفتكون معاقبة الله من عصى بقوة غيره عدل وتكون عقوبته من عصاه بقضائه جورا، فإن قالوا: كان عليه أن لا يقبل تزيينه، قيل: وهو يقدر على أن لا يقبله، فإن قالوا: بلى، رجعوا عن قولهم وعادوا في إغراء الشيطان من الشر، وإن قالوا: لم يقدروا على ترك القبول منه. رجعوا فيما يلزمهم من باب العقوبة. ويقال لهم: أخبرونا عن هذا الشيطان الذي تنسبون إليه الشر أيخلو من أن يكون الله - جل وتعالى - خلقه وجعل الشر سجيته، وسلطه على من قضى عليه الشقاوة، أو خلقه نقيا من الشر فتشرر. فإن قالوا: خلقه شريرا مسلطا، أقروا بكل ما أنكروه، وإن قالوا: خلقه نقيا من الشر فأحدث الشر وتشعر به قيل لهم: أفإحداثه للشر بآلة جعلت فيه أم بغير آلة، فإن قالوا: بغير آلة، جعلوه شريكا مع الله - تعالى الله - يخلق كخلقه مبتدئا بما يريد. وإن قالوا: بل إحداثه بآلة مجهولة فيه له. قيل لهم: ولولا الآلة ما قدر على إحداثه، فإن قالوا: نعم، ولابد من نعم، قيل لهم: وكيف

стр. 267

تنسبون إليه شيئا فعله بآلة مجهولة فيه لا بقدرة وسلطان، ولو قالوا: إن الله ﵎ قضى الخير والشر معا، وجعل أوفر الحظ من الشر للشيطان يغوي به من حقت عليه كلمته بإذن الله: خرج كلامهم صحيحا، وتخلصوا من الدواخيل والتأويلات المستكرهة، لأن السلطان والإرادة والخلق كان يكون مسلما لله والشيطان في البين واسطته يسلطه على من أراد تضليله بعدله، معصوما منه من أراد هدايته بفضله. وبعد فلو كان الشيطان متسلطا بغير آلة غير مسلط بقضاء - ومعاذ الله أن يكون كذلك - لكان علمه به قبل خلقه أنه سيتسلط ويغوي، فخلقه على ذلك لا ينجيهم من كسر قولهم، فكيف وهو يقوله في كتابه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) وقال (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وما أخذ أخذهما من الآيات. آقيستراب بعد هذه البراهين بأن الله مالك الخليقة وخالق آلاتهم وأفعالهم وأنهم ممنوعون من خير لم ييسره، متسارعون إلى ما قدره

стр. 268

وقضاه والشيطان نقمة مخلوقة لأعداء الله، معصوم منه أولياؤه، لا يصل إليهم من شره إلا وساوسه من بعيد حتى يأتي محتوم قضائه فيزلهم بإذنه نعوذ بالله من غضبه. * * * قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) إلى قوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) حجة عليهم أيضا. * * * قوله: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) وقوله في سورة الزمر: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) يحتج بهما، من يزعم

стр. 269

أن المرتد إذا رجع عن ردته إلى الإسلام وجب عليه إعادة كل عمل عمله من فرائضه مثل الصلاة والصوم والحج وأشباهها، من أجل أن الشرك أحبطها، وليس هو عندي كذلك، لأن هاتين الآيتن مجملتان، والتي في سورة البقرة مفسرة، قال الله ﵎: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) فأخبر أن الردة تحبط عمل من مات عليها، فأما من تاب وراجع الإسلام، فعمله باق على حاله، إنما يلزمه إعادة ما تركه في أيام كفره، وقد ذكرناه بحججه في كتاب الصلاة. في الاقتداء: * * * قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) يوجب الاقتداء بأهل الخير ممن يحيط العلم أنهم مقيمون على الحق، ولا يكون ذلك إلا للأنبياء، فأما من دونهم وإن كانوا لا يعرون من الحق ولا يظن بهم سواه، فالاقتداء بهم غير واجب. وفيه أيضا: دليل عند قوم على أنا ومن تقدمنا في الأمم في الشرائع سيان، وروي عن ابن عباس: أنه قال: دخلت على، النبي، ﷺ ، وهو يقرأ سورة (ص) فسجد فيها.

стр. 270

وقد قص الله عليه الأنبياء وفيهم داوود ﷺ قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ، فهو يحتمل ما ذهب إليه، ويحتمل أن تكون هذه القدوة في شرائع التوحيد لا في شرائع الإسلام، إذ الشرائع - لا محالة مختلفة - ألا تراه يقول: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) وجاء النبي ﷺ بإطلاق السبت وإحلال الغنائم.

стр. 271

وتفرقة الذبائح والأكل منها، والصلاة في كل موضع ترهق وأشباه ذلك فمن تأول القول الأول جعل هذه الأشياء وما ضاهاها

стр. 272

مخصوصة بالتغيير، وسعى بيننا وبينهم في سائرها، وهذا مكتوب بشرحه في كتاب شرح النصوص. حجة على المعتزلة والقدرية: * * * قوله: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) حجة على المعتزلة والقدرية، إذ ليس يخلو خلقهم من أحد ثلاثة أشياء: إما أن يكونوا خلقوا ليؤمنوا أو يكفروا أو لا يؤمنوا ولا يكفروا. فلما وجدنا نفسا واحدة مؤمنة أو كافرة علمنا أن لا قسم لها في الثالثة، بلا ارتياب، فإن كانت المخلوقة للإيمان كافرة، أو المخلوقة للكفر مؤمنة - فهي لا محالة لربها قاهرة، بأن تكون أنفذ أمراً في نفسها من أمر خالقها وهذا كفر غير ملتبس. فإن قيل: لم يخلقها لواحدة من الثلاثة، ولكنه خلقها لأن تكون إن شاءت مؤمنة، وإن شاءت كافرة لقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) . قيل: أفليست بهذه المشيئة التي تؤمن بها أو تكفر أداة تستعمله في الكفر فتكفر بقوتها، كما تستعمله في الإيمان سواء، ولولاها ما قدرت على واحد منهما،

стр. 273

فإن قال هذا القائل: نعم - ولابد من نعم - قيل له: أراك قد برأت الكافر من كفره، وأزلت عنه الحول والقوة في الوصول إلى الكفر إلا بتلك الإرادة التي لا يقدر على الكفر إلا بها، وتلك الأداة - لا محالة - من صنع الخالق فيه. فإن قال: لا أقول خلقت المشيئة فيه مختارة، بل أقول: إنها خلقت فيه لأن يؤمن فكفر. واحتج بقول الله ﵎: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) فقد أخبر نصا أنه خلقهم لعبادته جميعا فعبد بعضهم غيره قيل: هذه آية فيها - لا محالة - خصوص، ألا ترى الأطفال والمجانين قد شملهم اسم الخلق، ولم يشملهم اسم العبادة لعجزهم عنها، وهذا مثل ما ذكرنا في سورة البقرة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)

стр. 274

فهو واقع على بعضهم دون بعض، ولو كان واقعا على الجميع أيضا لما كان راداً لقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ولا لقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وأشباهها من القرآن. ولكان وجهه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوا بمشيئتي. أيجوز أن يؤخذ ببعض القرآن دون بعض إذا لم يكن الوجوب عن العمل به منسوخا، أم أيهما أولى أن يكون حقا في النظر والمعقول - الذي لا يجوز عندهم خلافه - أن تكون مشيئة العباد تبعا لمشيئة الله أم مشيئته تبعا لمشيئتهم، هذا ما لا يشكل على منصف يستشعر الحق ويضرب عن العصبية واللجاج. ججة عليهم: * * * قوله: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)

стр. 275

حجة عليهم قاطعة لكل شبهة؛ إذ قد جمع ﵎ بين تزيين العمل لهم، وإنبائهم به في الآخرة في آن واحد. فكيف يرتاب من أنصف من نفسه بعد هذا أنه عدل في الحالتين معا، ثم أكده بعد ذلك بقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا) وفي سياق المعنى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) ثم قوله على إثر ذلك كله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) أو ليس بجعله - جل وعلا - من أقسم به أن يؤمن بآية واحدة - وهو لا يقدر مع كل هذه الآيات على الإيمان إلا بمشيئته - دليل على من ارتاب بعد ما تبين من هذا البيان الذي لا يشكل على إنسان أكثر جهلا وأشد مكابرة. ولو لم يكن من الحجة عليهم إلا أنفسهم حيث يلجئون في الإصرار على خطأ يضح هذا الوضوح ولا يتركونه بل يجادلون عليه أشد جدال وينسبون ما خالفه إلى أمثل محال لكفى.

стр. 276

وهل ذلك إلا من خذلان حائل بينهم وبين التبصر، حاجز بينهم وبين التذكر، أفتراهم بإيضاحنا لهم أسعد ممن لا يقدر على الإيمان مع تنزيل الملائكة عليه، وكلام الموتى إياه، إذ لم تصحبه مشيئة ربه، لا لعمر الله، ما يقدرون على ذلك، بل هم أسوة المذكورين في الآية نعوذ بالله من الضلالة. حجة: * * * وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) حجة عليهم من جهات أحدها: ما يلزمهم في الجعل، خلقا كان أو صيرورة، وذلك أنهم ينفون عنه - جل وعلا - كل ما تصور في عقولهم بخلاف العدل. فيقال لهم: بما استوجب الأنبياء المطيعون لربهم أن يخلق أو يصير لهم أعداء يلحقهم أذاهم أوتألم من نزعاته قلوبهم، والعدو

стр. 277

الناشئ خلاف المجهول، إذ الناشئ متسلط والمجهول مسلط. والثانية: ما يلزمهم في إنكار وقوع اسم واحد على شيئين مختلفين إلا بعد استواء صفاتهم. وقد سمى الله تعالى الإنس بالشياطين كما سمى الجن به، وصفاتهم مختلفة لا شك فيها. والعرب تسمي الحيات شياطين وهي خلاف الجن والإنس. وزعم المفسرون: أن قول الله ﵎: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) مراد به رءوس الحيات. وعليهم في الوحي مثلها، إذ الوحي من الله وحي بالحق، ومنهم

стр. 278

وحي في الباطل، وقالت أيضا: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) أفيجوز أن يكون الشيطان بوحيه خالقا، كما يزعمون أن الله ﷻ إن كان له سمع وبصر وصورة ذاتية فهو مخلوق، لمشاركة المخلوق إياه في هذه الأشياء. والعجب لهم حيث يزعمون أنهم نسيج الفلسفة وعروق الدقة، ثم يذهب عليهم هذا الجلي الواضح أفلا يعلمون أن الشيطان لما كان له وحي وإن كان في الباطل، فجاز أن يسمى به موحدا: وإن لم يكن خالقا، جاز أن يكون لله سمع وبصر فيسمى به سميعا بصيرا ولا يكون مخلوقا، كما كان له وحي يوحيه إلى أنبيائه في الحق تشاركه في اسم الوحي شياطين هو خلقهم وهو خالق وإن أوحى. والشياطين مخلوقون وإن أوحوا، ومباينة سمعه وبصره لأسماع الخلق وأبصارهم كمباينة وحيه لوحيهم، بأن وحيه حق ووعيهم باطل، ووحيهم مضمحل ذاهب، ووحيه باق، وكذا سمعه وبصره باقيان غير مأوفين وتغير معيبين، وأسماع الخلق وأبصارهم معيبة

стр. 279

مأفونه بالصمم والعور والفناء، وهي مع ذلك مصنوعة، وسمعه وبصره غير مصنوعة، فلم يكن مستنكرا أن يتفقا بالاسم كما اتفق الوحيان بالاسم، وكما اتفق الجني والإنسي والحية في الشيطنة بالاسم، وكل غير صاحبه، لا يوجب أن يكون الجني باسم الشيطنة إنسيا، ولا الإنسي جنيا ولا الحية واحدا منهما، وغير منكر ولا محال أن يشترك كل فيها، والأشخاص مختلفة غير متفقة في الصورة والتركيب والأفعال. والثالثة: عدم فعل الوحي المزخرف لو شاء بقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وقد مضى شرحه في قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) فأغنى عن إعادته هاهنا. إضمار تقليد: * * * قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) فيه - والله أعلم - ضمير "قل "

стр. 280

وهو حجة في ترك التقليد واضحة، إذ قد علمنا أن الحكم لا يكون غيره، ولا يبتغي سواه وكذا قال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ، فأضافها إلى نفسه، فكل من احتج بحجة لم يعدها إليه فهي غير مقبولة منه، ولا على رادها حرج في الرد. والحكايات عن أهل العلم وإن اعتبرتها وطابت بها النفوس، فهي غير موجبة حكما إلا أنه لا يجوز الإزراء بهم ونسبة الخطأ إليهم ليوضع بذلك منهم، لأنهم - إن شاء الله - مجتهدون فيما قالوه ومأجورون على ما قصدوه من حجة الله، واتباع حكمه المنزل في كتابه. ولكنهم لما جاز عليهم الإصابة وضدها لم يجز أن يبتغي حكما غير الله، وكان المتبع حكم رسوله، وإجماع أهل دينه متبعا حكمه غير خارج منه لفرضه طاعة رسوله واتباع حكمه وإيعاده على مشاقة الجماعة والشذوذ عنهم. وكلاهما مصونان عن الخطأ وجديران بإضافة الحق والتفرد والنفر ليسوا كذلك.

стр. 281

قال محمد بن علي: ويضطرنا إفراط المبتدعة في قبح مقالاتهم إلى ذكر أشياء قد أغنى الله المؤمن بما زينه في قلبه، وحببه إليه من الإيمان وأزال عنه ظلمة الريب بجوده عن أن يتلى عليه فيه قرآن يؤيده. وأرجو أن يعذر الله - عز وعلا - فقد عرف مقصدنا بهذا الكتاب وطمعنا في أن يرد الله به ضالا عما استشعرته نفسه وزينه له عدوه ومعه عليه به خائن منسوب إلى الأستاذية في فنه، فمنه ما قدمنا ذكره من التلاوة في تصديق علمه - جل وعلا - بالأشياء قبل كونها، وإبطال قول من زعم أنه لا يعلم، وإيضاح وجوه كفره في مقالته، ومنه ما أنا ذاكره في هذا الفصل إن شاء الله. وهو قوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) ، فذكر تمام كلمته بالعدل والصدق فيهما ويدخل تحتها عذاب من قضي عليه ما استوجبه به ودعاؤه إلى الهداية من حجبه عنها، وإنزاله في كتابه علينا وهو مجمع كلماته التي تمت بالصدق والعدل، فكيف يجوز لأحد أن ينفي العدل عن جامع ذلك

стр. 282

على عبد، وقد أنزلهما معا في كتابه وأخبر أنه صادق في تنزيله، عدل فيما تمت كلماته به أو ليس المحوج إلى إثبات صدق خالقه وعدله عليه مع الإيمان به - لو سلم أيضا من الكفر - يكون متناهيا في الجفوة، وهو مع ذلك يوهم أن ذلك من تنزيهه عن الجور، وإنما كان يجوز أن يطالب بهذا لو لم ينزلهما معا في كتابه ثم رأى ناسيا ينسب إليه ما لا يليق بصفاته. فأما من يريد أن يجعل جهله بكنه معرفة عدله ذريعة إلى جحود القرآن وضرب بعضه ببعض، وتأول ما لم يجحده على شهوته فهو إلى الرجوع عن نحلته أحوج منه إلى المطالبة بتثبيت ما هو ثابت بحمد الله ونعمته. وقد أريناه من نظير ما أنكره ولا يقدر على جحوده ما لو تبصره ونظر فيه لشغله طلب الحجة لنفسه في غيره من نظير ما أنكره - عن مطالبتنا بواحد القرآن مملو حججنا فيه. وكان في بعض ما قدر أنه قد انفصل من تلك النظائر أن قال: في فصل احتجاجنا عليه بالبهائم المخلوقة في الفلوات بلا أقوات معدة ولا مساكن مبنية تقي من حر أو برد، وإباحة صيدها للكفار والعصاة من ولد آدم، والتخلية بينهم وبين ركوبها والإعناف عليها بالسير،

стр. 283

وثقل الحمل وذبحها للمأكلة - الفرق بينهم وبين ولد آدم أنهم غير مخاطبين وولد آدم مخاطبون. فقلنا له: فمن لم يكن مخاطبا يجوز أن يفعل به ما يتصور في العقول بصورة الظلم أم لا يجوز على الخالق إلا التسوية بين الجميع في العدل، ولئن كان إنكاره علينا إثبات القضاء والقدر وخلق أفعال البشر من غير جهة وتنزيه الله عن الجور ونسبة ما لا يليق به من الظلم إذا زعمنا ذلك - فلعمري - أن احتجاجنا عليه بالبهائم لا يلزمه، لأنهم غير مخاطبين كما قال. فليرنا الوجه الذي أنكره منه، لنجيبه عنه، وما عسى يقول في ترك عقوبة آدم بعد التوبة فيه وفي ولده وفي تذليل العبيد للسادة، وخلق الزمن المطيع، وتسوية خلق الكافر والعاصي وما أشبه ذلك وهم مخاطبون. وإن كان إنكاره من جهة تصوره عنده بصورة الجور، فليعلم أن ما أعده انفصالا في باب البهائم غير منفصل فليعد لجميعها جوائز يتصور في العقول بصورة العدل، ولن يستطيع ذلك. وإلا فليردعه العجز عما التمس منه عن الإصرار على ما يكذبه القرآن، والرجوع إلى ما يصدقه

стр. 284

والشهادة على جميع أفعال خالقه وصنعه في خلقه بالعدل عرفه أم لم يعرفه، والذي يشبه على من لم يكن منهم مكابرا - يقود رياسته بالجهل، ويأنف أن تخطيء نفسه بعد نشوء الصغير على نحلته، وهرم الكبير على خدعته - مثل قوله في هذه السورة: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فيجدون الإضلال منسوبا إليهم فيقدرون أنه إذا نسب إليهم في حال لم يجز نسبته إلى غيرهم وينسون أن الله ﵎ قد نسبه إلى نفسه ﷻ في حالة، وإلى الشيطان في ثانية، وإليهم في ثالثة فقال: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) وقال: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وما يضاهي هاتين من القرآن. وقال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) ، وقال إخبارا عنه أيضا: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) ونسبه في هذه الآية التي ذكرناها من سورة الأنعام، وفي غيرها إليهم

стр. 285

فليس يخلو من أن يكون كل قادرا على ما نسب إليه، وفاعلا لما أخبر عنه أو يكون بعضهم لبعض تبعا فيه فاعلا بقوة غيره، فليختر أي الوجهة شاء، إذ لا ثالث لهما. فإن كان كل مضلا، كما أخبر عنه ظاهر القول، فقد أقر بأن الله مضل بعد ما أنكره. وإن زعم: أن معه من يفعل مثل فعله في الإضلال، فإن اختار أن يكون بعضهم لبعض تبعا، وبقوة صاحبه فاعلا فليس يقدر أن يقول: إن الله - جل وعلا - تبع للشيطان، والآدمي فيه، وفاعل بقوتهما. فيحصل عليه أنهما لله تبع، وبقوته يضلان. وعجزهما عن الإضلال بقوة أنفسهما غير مؤثر في عبوديتهما. ونسبة الله إلى العجز في الإضلال إلا بقوتهما كفر لا محالة. وهكذا قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) هو بمشيئة الله لا محالة لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)
следующие страницы →