Полный текст (1 832 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قال محمد بن علي: ويضطرنا إفراط المبتدعة في قبح مقالاتهم إلى ذكر أشياء قد أغنى الله المؤمن بما زينه في قلبه، وحببه إليه من الإيمان وأزال عنه ظلمة الريب بجوده عن أن يتلى عليه فيه قرآن يؤيده.
وأرجو أن يعذر الله - عز وعلا - فقد عرف مقصدنا بهذا الكتاب وطمعنا في أن يرد الله به ضالا عما استشعرته نفسه وزينه له عدوه ومعه عليه به خائن منسوب إلى الأستاذية في فنه، فمنه ما قدمنا ذكره من التلاوة في تصديق علمه - جل وعلا - بالأشياء قبل كونها، وإبطال قول من زعم أنه لا يعلم، وإيضاح وجوه كفره في مقالته، ومنه ما أنا ذاكره في هذا الفصل إن شاء الله.
وهو قوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) ،
فذكر تمام كلمته بالعدل والصدق فيهما ويدخل تحتها عذاب من قضي عليه ما استوجبه به ودعاؤه إلى الهداية من حجبه عنها، وإنزاله في كتابه علينا وهو مجمع كلماته التي تمت بالصدق والعدل، فكيف يجوز لأحد أن ينفي العدل عن جامع ذلك
стр. 282
على عبد، وقد أنزلهما معا في كتابه وأخبر أنه صادق في تنزيله، عدل فيما تمت كلماته به أو ليس المحوج إلى إثبات صدق خالقه وعدله عليه مع الإيمان به - لو سلم أيضا من الكفر - يكون متناهيا في الجفوة، وهو مع ذلك يوهم أن ذلك من تنزيهه عن الجور، وإنما كان يجوز أن يطالب بهذا لو لم ينزلهما معا في كتابه ثم رأى ناسيا ينسب إليه ما لا يليق بصفاته.
فأما من يريد أن يجعل جهله بكنه معرفة عدله ذريعة إلى جحود القرآن وضرب بعضه ببعض، وتأول ما لم يجحده على شهوته فهو إلى الرجوع عن نحلته أحوج منه إلى المطالبة بتثبيت ما هو ثابت بحمد الله ونعمته.
وقد أريناه من نظير ما أنكره ولا يقدر على جحوده ما لو تبصره ونظر
فيه لشغله طلب الحجة لنفسه في غيره من نظير ما أنكره - عن مطالبتنا بواحد القرآن مملو حججنا فيه.
وكان في بعض ما قدر أنه قد انفصل من تلك النظائر أن قال: في فصل احتجاجنا عليه بالبهائم المخلوقة في الفلوات بلا أقوات معدة ولا مساكن مبنية تقي من حر أو برد، وإباحة صيدها للكفار والعصاة من ولد آدم، والتخلية بينهم وبين ركوبها والإعناف عليها بالسير،
стр. 283
وثقل الحمل وذبحها للمأكلة - الفرق بينهم وبين ولد آدم أنهم غير مخاطبين وولد آدم مخاطبون.
فقلنا له: فمن لم يكن مخاطبا يجوز أن يفعل به ما يتصور في العقول بصورة الظلم أم لا يجوز على الخالق إلا التسوية بين الجميع في العدل، ولئن كان إنكاره علينا إثبات القضاء والقدر وخلق أفعال البشر من غير جهة وتنزيه الله عن الجور ونسبة ما لا يليق به من الظلم إذا زعمنا ذلك - فلعمري - أن احتجاجنا عليه بالبهائم لا يلزمه، لأنهم غير مخاطبين كما قال. فليرنا الوجه الذي أنكره منه، لنجيبه عنه، وما عسى يقول في ترك عقوبة آدم بعد التوبة فيه وفي ولده وفي تذليل العبيد للسادة، وخلق الزمن المطيع، وتسوية خلق الكافر والعاصي وما أشبه ذلك وهم مخاطبون.
وإن كان إنكاره من جهة تصوره عنده بصورة الجور، فليعلم أن ما
أعده انفصالا في باب البهائم غير منفصل فليعد لجميعها جوائز يتصور في العقول بصورة العدل، ولن يستطيع ذلك. وإلا فليردعه العجز عما التمس منه عن الإصرار على ما يكذبه القرآن، والرجوع إلى ما يصدقه
стр. 284
والشهادة على جميع أفعال خالقه وصنعه في خلقه بالعدل عرفه أم لم يعرفه، والذي يشبه على من لم يكن منهم مكابرا - يقود رياسته بالجهل، ويأنف أن تخطيء نفسه بعد نشوء الصغير على نحلته، وهرم الكبير على خدعته - مثل قوله في هذه السورة: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
فيجدون الإضلال منسوبا إليهم فيقدرون أنه إذا نسب إليهم في حال لم يجز نسبته إلى غيرهم وينسون أن الله ﵎ قد نسبه إلى نفسه ﷻ في حالة، وإلى الشيطان في ثانية، وإليهم في ثالثة فقال: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ)
وقال: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)
وما يضاهي هاتين من القرآن.
وقال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) ، وقال إخبارا عنه أيضا: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)
ونسبه في هذه الآية التي ذكرناها من سورة الأنعام، وفي غيرها إليهم
стр. 285
فليس يخلو من أن يكون كل قادرا على ما نسب إليه، وفاعلا لما أخبر عنه أو يكون بعضهم لبعض تبعا فيه فاعلا بقوة غيره، فليختر أي الوجهة شاء، إذ لا ثالث لهما.
فإن كان كل مضلا، كما أخبر عنه ظاهر القول، فقد أقر بأن الله مضل بعد ما أنكره.
وإن زعم: أن معه من يفعل مثل فعله في الإضلال، فإن اختار أن يكون بعضهم لبعض تبعا، وبقوة صاحبه فاعلا فليس يقدر أن يقول: إن الله - جل وعلا - تبع للشيطان، والآدمي فيه، وفاعل بقوتهما. فيحصل عليه أنهما لله تبع، وبقوته يضلان. وعجزهما عن الإضلال بقوة أنفسهما غير مؤثر في عبوديتهما.
ونسبة الله إلى العجز في الإضلال إلا بقوتهما كفر لا محالة.
وهكذا قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) هو بمشيئة الله لا محالة لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)
стр. 286
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) .
ومشيئتهم تبع لمشيئته، إذ هم عبيد، ومحال أن تكون مشيئته تبعا لمشيئتهم وهو معبود. وكلا المشيئتين في القرآن، فمن رد مشيئته وثبت مشيئتهم كفر به وبما أنزل، ومن ثبتهما آمن بجميع ما أنزل وجعل الضعيف من مشيئة المخلوق تبعاً لمشيئة الخالق القوي فمن أراد الحق وأضرب عن الهوى لم يشكل هذا عليه، ومن تبع هواه وقاد من الرياسة ما أوتيه وأنف من الرجوع إلى الحق، فقد قال ﵎: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)
وقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) .
ذبائح:
* * *
قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)
دليل على أن الغراب وإن لم يكن داخلا في ذوي المخالب - محرم بإيقاع رسول الله، ﷺ ، اسم الفسق عليه.
стр. 287
وفي إباحته، ﷺ ، قتله للمحرم والحلال، وفي الحل والحرم دليل على أنه لا يحل بالشفرة، إذ لو حل بها ما جاز قتله للمحرم ولا غيره، ولا هو مع ذلك في عداد الصيد، إذ لو كان في عداده ما جاز لنا قتله، ولا قرن بينه وبين الفأرة والكلب العقور.
وهل أحد أحق بوقوع اسم الفسق عليه ممن يأكل فاسدا،.
وكذا قال في سورة المائدة في وآخر ذكر تحريم المنخنقة وما حرم معها:
(ذلكم فسقٌ) .
فإن قيل: فما الدليل على أن الغراب لما أبيح للمحرم قتله لم يحل بالشفرة ذبحه، والقتل يترجم به عن الذبح في اللغة ويوضع موضعه، والشاهد على صحته: أن المحرم نهي عن قتل الصيد، فلم يجز له ذبحه، إذ النهي وقع على إفاتة نفس الصيد في حال الإحرام لا على قتله بمعنى يصير به عقيراً غير مذبوح.
قيل: أول الدليل عليه نفس ما اعتللت به من لفظ القتل الشامل للذبح، إذ لو لم يكن كذلك لجاز أن يكون ذبح الغراب محرما على المحرم ومباحا له إفاتة نفسه بالقتل لا بالذبح.
والثاني: أن تسميته إياه بالفسق مخرجه من جهة المأكولات وملحقه بالخبائث الممنوعات بقوله: (ويحرم عليهم الخبائث) والخبيث
стр. 288
كيف أفيتت نفسه باسم الذبح أو غيره عقير
ولو قال قائل: إن المحرم لما نهي عن الصيد كان ذبحه في حال إحرامه وعقره ألمفيت نفسه قتلا كله كان مذهبا قويا بل هو أول شيء عليه فبه أقول وأجعله ذريعة إلى تحريم ذبيحة السارق والغاصب من أجل أن الذبحة لا تحلل المذبوح إلا مقرونة بالإباحة.
ألا ترى أن الموقوذة مفعول بها ما أفات نفسها وهي حرام، والشفرة قد أتت من حلقوم المذبوح للأصنام ومريها على ما أتت عليه من نسيكة المسلم.
فحلت إحداهما دون الأخرى والفعل واحد بعرض الإباحة من المهَلَّة
لغير الله، لا غير، فكان سبيلها سبيل العقيرة، وإن كان بالشفرة
стр. 289
من مذبحها وقد أمر رسول الله، ﷺ ، بإكفاء القدور من غنم النهب، وقد ذكيت بالشفرة فلم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغ التحليل للنهي عن النهبة ومحال أن يأمر رسول الله، ﷺ ، بإكفاء القدور، وما فيها حلال يصلح للأكل والبيع، فيفسده. وكيف يجوز ذلك وقد نهى رسول الله، ﷺ ، عن إضاعة المال
ونقول: إن ما أحل أكله من الحيوان لا يحل أبدا حتى تصحب أعمال
стр. 290
الشفرة في أوداجها أو منحرها الإباحة، فإذا عريت من الإباحة واقترنت بالحظر، فما أذهب حياته بأي وجه ما كان سوى الإباحة فهو عقير، والعقير مقتول لا مذبوح.
* * *
قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)
نظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)
ألا تراه سمى الكافر ميتا وفيه روح، ثم قال: فأحييناه - أي بالإسلام - فأقام الحياة والموت مقام الإسلام والكفر، حيث أراد المبالغة وهذا سائر في لغة العرب.
قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
وروي في التفسير أن الآية في عمار وأبي جهل فالمحيا بالإسلام
стр. 291
عمار، والمتروك في الظلمات أبو جهل.
* * *
قوله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)
حجة على المعتزلة والقدرية:
والزينة نظير المشيئة، لأنهم يجدونها في موضع منسوبة إلى الشيطان مثل قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)
وفي موضع منسوبة إليه وهو قوله: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)
وفي موضع غير مسمى فاعلها مثل الموضع الذي ابتدأنا به الآية، وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ)
وأشباهها، فقطع ﷻ الريب كله وأخبر أن الشيطان نقيض لذلك غير سابق له بقوته بقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)
فكل مشيئة منسوبة في القرآن إلى غيره، وزينة أو إضلال فهو تبع له، إذ مستحيل أن يكون ﷻ تبعاً لهم ومزينا أو مضلا وشائيا بقوتهم، وكيف يكون
стр. 292
كذلك وهو يملكهم ولا يملكونه، خلقهم كيف أراد بجميع صفاتهم وآلاتهم وهو في جميع صنيعه فيهم وفي غيرهم عدل، عقل الخليقة عدله أم لم يعقلوه. فهذا واضح لا لبسة فيه لمن شرح الله صدره ولم يكابر عقله.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)
حجة عليهم شديدة إذ الجعل إن كان بمعنى الخلق، فقد أخبر نصا بلا تأويل أنه خلقهم مجرمين للمكر.
وإن كان بمعنى الصيرورة: فقد أخبر أنه مصيرهم كذلك، ثم نسب الإجرام الذي خلقه فيهم إليهم وأوعدهم عليه في آية واحدة فقال: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)) .
تم وصل الآية بأخرى ذكر فيها إرادته في الهداية والإضلال فقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)
فأزال كل ريب يرتابون به فإن كانوا يريدون تثبيت مقالتهم بالقرآن فالقرآن هذا سبيله يكذبهم كما ترى ومنزله يفعل بهم ما فيه.
стр. 293
وإن نبذوه وراء ظهورهم واقتصروا على عقولهم فليعملوها في غير
هذا الفن، فإن الله ﷻ أقوم بحجته منهم وغني عما ينزهونه به من خلاف كتابه.
ولقد بلغني أن بعض جهلتهم - وإن كانوا بأسرهم جهالا - زعم أن الإرادة في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) ، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)
مردودة إلى العبد لا إليه كأنه يقول: من يرد من الله أن يهديه هداه ومن يرد أن يضله أضله، فخالفه اللغة ولم يحصل لنفسه حجة.
فأما خلافه اللغة، فإن الله جل وعز مرفوع بفعله بإجماع الآراء، ولو كان كما زعم كان فمن يرد الله نصباً.
ولو كان القراء أيضا كلهم قرأوا (الله) نصبا ما كان له فيه حجة، إذ
لا يجوز على الله أن يسأله عبد من عباده محالا فيعطيه.
أليس من مذهبهم أن الله لا يجوز عليه إضلال أحد، فكيف يريدون
منه شيئا هو منزه عن فعله عندهم فيعطيهم، هل بين أن يبتليهم بالإضلال وبين أن يضلهم بإرادتهم منه ومسألتهم إياه فرق، أم هل في العالم أحد يسأل الله أن يضله، بل كل يسأله الهداية ولا يسأله الإضلال ولا يريده منه.
стр. 294
قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)
حجة على الجهمية واضحة فيما يزعمون أن الجعل في القرآن بمعنى الخلق وحده، وهذا لا محالة غير الخلق، إذ لا يجوز لأحد أن يقول: إنهم خلقوا لله نصيبا، ولو أنهم تركوا المزاحمة في اللغة التي لا يعقلونها، وتركوها لأهلها كانوا عن مثل هذه الإلزامات القبيحة في معزل.
* * *
قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)
حجة على المعتزلة والقدرية: إذ مضى قولنا في التزيين الذي نسبه الله مرة إليهم ومرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه بما يغني عن الإعادة ومضى شرحها أيضا في: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)
قياس:
* * *
وقوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) .
حجة على القائس: يقال لهم: أرأيتم تحريمكم على الآكل من عدس أخذه بعدس متفاضلا من أجل أنه استفاده بفعل محرم عندكم
стр. 295
وهو رزق حسن مفصل من جملة المحرمات، وأنتم قائلون بالعلل ألا جعلتم بعض قياسكم في ترك الاقتداء من أخر الإناث من أهل هذه الآية في أكل ما رزق الله الجميع وقدم الذكور فقال جل وعلا: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)
فعابهم الله بذلك ونسبهم إلى الافتراء عليه فكنتم تقولون لا يجوز طرد العلل وإن اتفقت حتى يكون معها تعبد يؤيدها إذ لوجار طردها في كل موضع لجاز لهؤلاء المفترين على الله أن يقولوا: إنما أخرنا الإناث بتحريم هذا الرزق عليهم، لأنا رأيناك أخرت الإناث في أمكنة لم تؤخر فيه الذكور مثل الجهاد، والقضاء، والإمارة، ورأيناك أسقطت إناث ولد الأخ والعم - البنات دون ذكورهم في الميراث - فاقتدينا بك في تحريم ما في بطون أنعامنا على إناثنا.
أما كان يكون هذا القول منهم زيادة في الافتراء عليه لو قالوه؛ إذ هو
стр. 296
جل جلاله محلل الأشياء ومحرمها كيف شاء على عباده، فليس للعباد أن يفعلوا مثل فعله، بل ينزلوا عند أمره ونهيه مقتصرين على ما حرم عليهم غير زائدين فيه من تلقاء أنفسهم بما يتصور عندهم من التشبيهات التي فارقتها العبادات المحرمات، وقد رأيناه جل ثناؤه يقسم في كتابه بكثير مما خلق.
ألنا أن نقتدي به في ذلك، فنقسم بالليل والنهار وأشباهها، أم نلزم
ما نهينا عنه من الحلف بغيره، وتدلنا هذه الآية النازلة في المفترين على الله، إذ حرموا ما رزقهم الله، افتراء على الله على أن نقتصر على تحريم الستة الأصول ولا يضم إليها سابعا وإن أشبهها في العلة عندنا فنتقدم
стр. 297
بين يدي أمره ونهيه ونحرم ما لم يحرمه وهل عاب أولئك بأكثر من اختراعهم تحريم ما لم ينزله، فإن قالوا: لم يعبهم باختراع شيء بل عابهم بتحريم ما حلله بقوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)
وقد ظلمتنا في الإلزام؛ إذ هم بتحريم ما حلل ونحن نحرم ما حرم ونزيد عليه في التحريم أشباهه ولو كنا حللنا التفاضل في الحنطة أو الشعير كان إلزامك مستقيما.
قيل لهم: لم نحتج عليكم بنفس ما فعل أولئك فقط دون غيره إنما أريناكم أن العلة التي اطردت لهم هي مثل علتكم سواء، فلم تنفعهم، وأنتم وإن لم تسلكوا سبيلهم في نفس الحنطة والشعير المفصلين مع الأربعة بالتحريم فقد فعلتم مثل فعلهم في تحريم جملة ما أباح من التجارات
стр. 298
بقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
وإذا كان لرسول الله، ﷺ ، أن يخص من الجملة ولكم مثله فما فضله إذاً عليكم، وقد أخبر الله عنه أن ما قاله فبوحي.
أفيجوز أن يكون من يوحى إليه ومن لا يوحى إليه يفعلان فعلا واحدا، ويلزم قولهما لزوما واحدا، ومع ذلك ليس يخلو تحريمكم ما عدا الأصول الستة من أن تنسبوه إلى رسول الله، ﷺ ، أو إلى أنفسكم، فإن كنتم تنسبونه إلى أنفسكم فقد جعلتم لأنفسكم مالم يجعله الله لكم وجعلتموها مستعبِدة بعد أن كانت مستعبَدة وإن كنتم تنسبونه إلى رسول الله، ﷺ ، فليس تخلو نسبتكم ذلك إليه من إفصاح أو ظن فالإفصاح معدوم والظن لا يغني من الحق شيئا، وهذا مشروح بتلخيصه في كتابنا المؤلف في شرح النصوص.
فإن قالوا: لم ننسبه إليه نصاً ولا إلى أنفسنا اختراعا ولكنا لما أمرنا بالمثل في جزاء الصيد بتشبيهنا
стр. 299
دلنا على أن التشبيه في كل موضع جائز. قيل: أفتسمون المثل المحكوم به بتشبيهكم نصا أو قياسا، فإن قالوا: نسميه نصا لصحبة الإطلاق من الله له - وهو: الحق - بطل قولهم في الاحتجاج بهذه الآية في تثبيت القياس وشهدوا على أنفسهم أن ما حرموه من السابع بغير نص ولا حجة، بل بظن متبع، إذ النص مقرون بعدمه فيه. والحجة في القياس بالآية زائلة فيترك تسميتهم المثل قياسا.
وإن قالوا: نسميه قياسا.
قيل: أفتثبتون القياس بالقياس وأنتم مقرون بأن القياس فرع لا أصل، وإذا اختلف الناس في فرع لم يجز تثبيته إلا بأصل عندنا وعندك، والأصل لا يكون إلا نصا. أفمن النصفة عندكم لو كان تثبيت الفروع بالفروع جائزا أيضا أن تثبتوا على خصمكم حقا عندكم باطلا عنده بنفس ذلك الشيء بغير حجة من غيره، وهو لو قبل تثبيت ما أنكر عليه ما أنكره.
ومع ذلك فإنكم غير سالمين من تحريم السابع بالظن على كل حال سميتم المثل في جزاء الصيد نصا أو قياسا.
стр. 300
إذ لو كان إطلاقه للحاكمين العدلين النظر في ذلك المثل مسمى بلفظ القياس لكان استدلالكم به بأنه مطلق لكم مثله في كل موضع ظنا والظن لا يحلل شيئا ولا يحرمه.
زكاة الثمر:
* * *
قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِ هِ)
حجة في إيجاب العشر على الثمر قوتا كان أو غيره لدخول الزيتون والرمان تحت أداء الحق يوم الحصاد بالتسمية وسائر الثمار في الجنات في الجملة والهاء في: (أكله) و (ثمره) و (حقه) راجعة - والله أعلم - على جنس المذكورات كلها والجنس مذكر موحد.
فإن قيل: كيف يشتمل أداء الحق على جميع ما ذكر في الآية، ولا يكون مقصودا به الزرع وحده لذكر الحصاد والحصاد واقع عليه دون سائره،
قيل: هو عند العامة كذلك، فأما العرب التي نزل القرآن بلغتها
стр. 301
فإنهم يوقعون اسم الحصاد على الزرع وغيره، إذ الحصاد عندها قطع الشيء واستئصاله قال الله ﵎: مخبرا عن أهل القرية الظالمة: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)
أي مستأصلين بالعذاب والموت والله أعلم.
قال محمد بن علي: فما كان من الحبوب والنخل والأعناب محدودا بمبلغ الأوساق فالعشر ساقطة عنه دون بلوغ الحد فصاعدا.
وما كان لأحد فيه - فالقرآن يوجب على جملته ولم يسقط عنه
بترك تسمية الحد، فعلى ما حصد من قليله وكثيره العشر بجملة الكتاب ولقول رسول الله ﷺ : " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنواضح والسواني
стр. 302
والغرب فنصف العشر.
ركوب البقر:
* * *
وقوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا)
دليل على أن جميع أنواع الأنعام يحمل عليها ويركب بقرة كانت أو غيرها؛ لأن الحمولة
стр. 303
في اللغة غير مقتصر بها على حمل الأمتعة دون الناس ولا البقر خارج من جملة الأنعام فيها
في الشعر والصوف:
* * *
قوله: (وفَرْشاً)
دليل على إباحة المرعزي والصوف والشعر
ذكيا كان ما أخذ منه أو ميتا أو حيا، إذ محال أن يعدد علينا شيئا في عداد نعمه، وينشيئه لنا، وفيه محظور من صوف الميتة أو المرعزي فلا يبينه.
وكيف يجوز ذلك، وهو يقول: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)
فلا في تفصيل المحرم ذكر صوف الميتة وشعرها والمرعزي، ولا في المستثنى بالاضطرار.
أفلا يدل ذلك أنه في جملة المعفو عنه، بل محلل ممنون به بقوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا)
أي وأنشأ لكم - والله أعلم - حمولة وفرشا، وقال أيضا: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)
стр. 304
أوليس ﷻ قد ذكر كلا بلفظه وأنعم به علينا لأثاثنا وأمتعتنا،.
أفيكون فيه مستثنى بالتحريم فلا يوضحه، بل كل داخل تحت جملة إنعامه.
فإن قيل: إنما قصد بالإنعام علينا فيها قصد لحومها، واللحوم لا تصل إلي بالذكاة ولا تحل بالموت.
قيل: أفنجعل ما قطع منها وهي حية من صوفها وشعرها محرما كما تجعل ما قطع من لحومها في حال حياتها،
فإن قيل: ليس الصوف والشعر مثل اللحم، لأن اللحم البائن منها بالقطع يصير ميتة بمفارقة جزء الروح لها، والصوف والشعر لا يصيران ميتة.
قيل: ولم لا يصيران ميتة، لأنه لم يكن فيهما علة، فإن قال: لأنه لم يكن فيهما روح.
стр. 305
قيل: فما الذي حرمهما إذا أخذا من الميتة ولم يكن فيهما روح فتحرمه كما حرمت الميتة بمفارقة الروح، فإن قال: أجعل أعلاهما الناتئ من البهيمة طاهرا وباطنهما المنغرز في جلدها نجساً فلذلك أبيح ما جزء وأحرم ما نتف من حي لخروج أسفله وأعلاه والأسفل نجس.
قيل: ما العلة في نجاسة أسفله وطهارة أعلاه،
فإن قال: أعلاه حي فلذلك أبحته، وأسفله ميت فلذلك حظرته - أحال القول من جهتين إحداهما: أنه جعل شيئا واحدا بقطعه واحدة في جسد حي بعضه حيا وبعضه شيئا، وهذا مستحيل لا شك فيه.
والثاني: أنه شهد لأعلاه بالحياة وكان ينبغي أن يكون إذا قطع أحق
بأن يسمى ميتا لمفارقة الحياة له بعد قطعه، كما يفارق بضعة من لحمها إذا قطع منها حية.
وإن قال: أعلاه ميت وأسفله حي زاده في الإحالة حيث أباح الانتفاع بما يسميه ميتة.
افتراه بعد جزه صارت فيه روح حللته أو دباغة طهرته،
стр. 306
فإن قال: لا أقول: إنه حي ولا ميتة، ولكنه كالشيء المخلوق بلا
روح مثل: الخثسب وأشباهه، ولكنه مغروز في جلد حي ندي، فإذا جز لم تصل الندوة إليه فهو طاهر لذلك أصاب القول في الجز، والبهيمة حية، وبقي الانفصال عليه في نتفه حية وميتة وجزه ميته، فيقال له: أفلا اقتصرت فيما نتف علا غسل الندوة المستبطنة وأبحته بعد ذلك، وأبحت ما جز من الميتة بلا غسل لعدم خلوص الندوة إليه إلا أن تعلم بنجاسة أصابته فتغسله لها لا للندوة. فهذا بين لمن تدبره واضح لمن ميزه. وليس اعتلال من اعتل لنجاسة الصوف والشعر بعظم الميتة وقرنها - وجها يلزم قايسا ولا غيره، إذ العظم والقرن عضوان من أعضائها تألم البهيمة بكسرها، وفيهما دسم ومخ، وماكان هذا سبيله ففيه روح لا محالة، فإذا ماتت لم يمت منها شيء دون شيء بل يموت جميعها موتا واحدا وكل مفارق حياة فاسم الميتة واقع عليه. فإن قام الدليل على إباحة شيء منها وأخرجه من جملتها، وإلا فهي محرمة بنص القرآن، والشافعي ﵁، أحد من يقول بنجاسة الصوف والشعر إذا جز من ميتة، ويزعم أنهما يموتان بموت ذوات
стр. 307
الروح.
والعجب له - رحمة الله عليه - مع تدقيقه كيف ذهب عليه أن اسم الميتة لا يقع إلا على ما كان حيا، ففارقته الحياة، وهو يجيز أن يجز منها ويسميه طاهرا ولا يميز هو ولا غيره ما قطع منها سواه، لأنه يصير ميتة، ومن تأمل أمر الصوف والشعر لم يجز له أن يسميه، وهو على حي ميتا ولا حيا، لأنه إن كان حرم بعد موت من هو عليه باسم الميتة وسمي قبل أن يموت أيضا ميتا فأبيح كان أحد المعنيين من الإباحة أو الحظر خطأ بغير شك.
وإن سمي حيا فجز لم تبق حياته بمزايلته الجسد، كما لا تبقى حياة القطعة من لحم الحيوان إذا أخذت منه وهو حي.
والصحيح أن يكون كالحجر والخشب وأشباه ذلك، يكون في حالة حياة من هو عليه وبعده واحدا. إلا أنه يغسل ما أخرج من مغرز الجلد للندوة الواصلة إليه منه.
وقد احتج الشافعي ﵁ بالقرن والعظم وزاد شيئا فقال: العظم قبل الدباغ وبعده سواء، فمن الذي واطأه منا على أن الإهاب حل بالتغيير والاستحالة دون التعبد حتى يقول: إن الصوف
стр. 308
والشعر لعدم استحالتهما وارتفاع دباغتهما حرما.
ولو لزمنا أن لا نبيح إلا بالتغير أيضا للزمنا ذلك فيما سميناه ميتة قبل التغيير كما سمينا الإهاب ميتة، فأما الصوف والشعر اللذان لم نسميهما قط ميتة فمراعاة تغييرهما واستحالتهما من حال إلى حال لا وجه له، فإن قال قائل: أراك تعيد القول وتبديه في إحالة إيقاع اسم الميتة على ما لم يكن فيه حياة فارقته، وتنسب الشافعي إلى الإغفال في تسمية الصوف والشعر ميتة من أجل أنه لا حياة فيهما عندك، وقد زعمت في سورة البقرة في فصل قوله جل وعلا: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)
أنه أوقع اسم الميتة على النطفة ولا حياة فيها ورددت به على المتكلمين في تسميتهم كل نام وزائد حيا من أجل نمائه وزيادته، وهذا نقض لذاك أو ذاك كسر لهذا - أغفل إغفالا شيئا، وذلك أني نفيت أن يقع اسم الميتة ها هنا على الصوف والشعر بمعنى النجاسة المحرمة الذات وهناك استشهدت بقوله: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) على أن كل ما لم يكن له روح ظاهرة يسمى ميتة، ولكن طاهر الذات غير نجس، ألا ترى أن رسول الله ﷺ دل على طهارة النطفة بفركه من ثوبه بعد
стр. 309
الأيام، وترك غسله منه، وقال ﵎: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) .
وقال: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)
فسمى الأرض ميتة وهي طاهرة.
فاللغة غير دافعة أن ما لا حياة فيه، ولا روح تتردد في جسمه من الموات كله يسمى ميتة وميتا، ولكن طاهر، ولا يجوز أن يكون شيء من الروحانيين إذا فارقته الحياة، وكانت له نفس سائلة فصارت ميتة يكون طاهرا، وهو وإن جامع ميتة الموات مختلف في المعنى بأن ذلك نجس وهذا طاهر والخلاف بيننا وبين الشافعي ﵁ في الصوف والشعر في نفي وقوع اسم الميتة النجسة عليهما لا في نفي إعدادهما في عداد ما يقع عليه اسم ميتة الموات فافهمه ولا تغلط علينا.
стр. 310
ركوب البقر:
قال محمد بن علي: وفي إباحة ركوب جميع الأنعام والحمل عليها غير هذه الآية أيضا قال الله ﵎: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) .
(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وهذه أيضا تؤيد ما قلناه في الصوف والشعر والوبر.
فإن قيل: فما لك لم تقتصر في إباحة الركوب والحمل على الإبل وحدها دون البقر، لحديث رسول الله، ﷺ : "بينما رجل يسوق بقرة؛ إذ ركبها، فقالت إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث " فكنت تخصها بالسنة وإن شملها اسم الأنعام كما
стр. 311
خصصت الشاة بالعجز عن حمل راكب أو متاع.
قيل: البقر يطيق كما تطيق الإبل، ورسول الله، ﷺ ، حين حدث عن البقرة بالنطق لم ينه عن ركوبها، وقد حدث معها بنطق ذيب أخذ منه بعض الرعاة شاة أخذها من غنمه فقال: كيف تصنع بها يوم السبع،
فهل يجوز لراع أن يترك شاة في فم ذيب وهو يقدر على استخلاصها
من أجل نطق ذلك الذيب،
فإن قيل: الذئب وإن تكلم فلم يخبر عن ربه بشيء يمنع انتزاع الشاة منه، والبقرة قد أخبرت أن الله لم يخلقها للركوب بل خلقها للحرث، ورسول الله، ﷺ ، يقول: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر وفي هذا تصديقها.
قيل: قد يمكن أن يكون هذا في أمة خلت قبل رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، خلق بقرهم للحرث وحده دون سائر الأعمال
стр. 312
ونسخ الله ذلك في هذه الأمة وأباح لهم استعمالها وركوبها بهذه الآيات كما نسخ كثيرا من شرائعهم مثل أكل النار قربانهم
ونسخ السبت وأشباهه، والقرآن لا يخص بمثل هذا الخبر، وسيما وهو محتمل ما قلنا.
وقد قيل في الفرش: إنها صغار الإبل كالفصلان والحمولة
كبارها.
стр. 313
أيمان:
* * *
وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ)
دليل على أن اسم الشحم جامع لكل سمين من اللحم وإن تفرق به أسماء، إذ محال أن يستثنى شيء من غير جنسه وقد استثنى ﷻ الألية والمبعر والمختلط بالعظم، ولا يكون - والله أعلم - إلا سمين اللحم ودسمه من الشحم كما ترى، فمعظمه المعروف عند العامة ما في بطونها ثم يخلص اسمه إلى كل ما ذكرناه، ويقول العرب للسمين من الرجال: فلان شحيم، يذهبون به إلى الضخم أو السمن. فالآكل شيئا من ذلك إذا حلف على اجتناب الشحم إذا لم ينو معظمه حانث، والله أعلم.
* * *
قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّ بِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)
стр. 314
حجة للمعتزلة والقدرية علينا فيما يقدرون ولو ميزوا ما الذي أنكر عليهم لعلموا أنه لا متعلق لهم فيه، والذي أنكر ﷻ من قولهم - وهو أعلم - احتجاجهم به لا أنهم قالوا غير حق.
وكيف لايكون حقا، وقد قاله الله في هذه السورة نفسها حيث
يقول: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)
стр. 315
فليس لهم أن يحتجوا على الله - جل وعلا - بما لم يطلعهم عليه من عدله، ونحن لا نقول أن لأحد من خلق الله أن يعول على هذا القول، وإن كان حقا، لأنه مأمور بغيره ومطالب بإقامة ما لا يقيمه سواه مما يؤثر فيه ويؤجر عليه.
* * *
قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) - والله أعلم - في استشعار نفعهم بهذه الحجة وهي غير نافعة لهم، وكيف ينفعهم، وهو يقول على إثرها: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) ، فهذا يبين - بلا إشكال - أن وجه إنكار مقالتهم عند احتجاجهم به لا نفس القول.
قال محمد بن علي: وبلية القوم إضاعة النصح لدين الله، واتخاذ كل
ما احتمله ظاهر الكلام دينا، ولا يحفلون بتناقضه عليهم، ولا يعرفون مع ذلك سعة لسان العرب وتصاريف الكلام وتعارضه، إذ في الكلام ما يحتمل وجوها مستعملة كلها، وفيه ما يحتمل وجهين لا يجوز استعمال أحدهما، وفيه ما لا يجوز استعمال ظاهره بتة.
стр. 316
وفي التعارض ما يتوجه اختلافه، وفيه ما لا يتوجه إلا بنسخ.
فما يحتمل وجوها مستعملة كلها كثير يطول الكتاب بشرحه، وليس
على القوم فيه حجة، وما يحتمل وجهين لا يجوز إلا استعمال أحدهما: قوله جل وعلا في هذه السورة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) وفي بني إسرائيل: (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فظاهر الكلام دال على أن الولد المنهي عن قتله هو المخشي ببقائه الإملاق، ومن لم يخش ببقائه الإملاق مباح قتله.
فلم يجز استعمال هذا المعنى بحيلة، وإن احتمله، وكان اتباع ما يدل
على منع قتل الأولاد جميعا، من خشي الإملاق منهم ومن لم يخش، من قوله على إثر الكلام: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)
أولى لدخول الأولاد جميعا مع الأجنبيين تحته، وإنما كانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله ﵎: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)
وما لا يجوز استعماله بتة:
* * *
قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
стр. 317
وفي غير موضع مثله (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أو، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
"ولعل " كلمة شك وتمن، فلم يجز أن تحمل على ظاهرها فينسب الشك والتمني إلى الله، ويوصف بما ليس من نعوته، وكيف يتمنى إيمان قوم ب " لعل " وهو ﷻ عالم بأنهم لا يؤمنون إلا بمشيئته، وقد أنزل في كتابه فقال: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
وأخبر عن قوم يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويصدقوا فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)
فهذه الأشياء وما يضاهيها على سعة اللسان تقول العرب: فعلنا بفلان كذا لعله يفعل كذا.
وهذا أيضا حجة عليهم فيما ينفون عنه من صفات تكون عندهم للمخلوقين، وقد أخبر عن نفسه - جل وتعالى - ب " لعل ما كما ترى، فلم تؤثر في ربوبيته ومباينة خلقه. فكيف يجوز مع هذه الأشياء أن يتعلق بظاهر قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)
стр. 318
ويتأول النكير عليهم على خلاف ما قلنا، وأول الكلام وآخره ينقضه،
أم كيف يعد متعارضا وقد دللنا على أن مشيئته فوق مشيئة خلقه،
لا يجوز أن يكون تبعاً لمشيئتهم. أفتراه - ويحهم - نسخ ما القرآن مملوء به
وبذكره من مشيئته وسلطانها على مشيئة عباده، وإضلال من أضل منهم
بعدله، وإنعامه على من أنعم بفضله بما نسب إليهم من مشيئتهم وضلالهم في بعض المواضع، وبما دل عليه ظاهر (سيقول) فأبطل إلاهيته الأزلية، وسلطانه النافذ قبل خلق الخلق وبعده، وجعل مشيئتهم التي هو خلقها فيهم مستعلية عليهم ومتقدمة بين يديه وقاهرة لإرادته.
إن الكفر في هذا لأوضح من أن يتوصل إليه بهذا التدقيق والإغراق.
نعوذ بالله منه.
حجة عليهم:
قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
حجة عليهم في
стр. 319
باب العدل الذي يحملونه على عقولهم، إذ قد أخبر - جل وتعالى - عن وقت يأتي فيه بعض آياته لا يقبل إيمان من آمن فيه من الكفار، ولا اكتساب من اكتسب خيرا من الموحدين، وهذه الآية عندنا طلوع الشمس من مغربها فإن آمنوا به فذاك، وإلا فليعدوها أي آية شاءوا ليس هذا وقت موقت قبل الموت لا يقبل ذلك فيه
أفمن العدل عندهم أن يقبل إيمان كافر في وقت لا يقبل اكتساب مؤمن ولا إيمان كافر في غيره، أم يقروا بأنه عدل وإن لم يعرفوا وجهه،
فنقول: وكذلك من قضى عليه المعصية، ثم عذبه عليها، عدل عليه، وإن لم نعرف وجهه. ولا أراهم - بحمد الله ونعمته - يريدون الاحتجاج بشيء إلا عاد عليهم في باب العدل، وخرج بهم إلى الكفر.
فإن قالوا: هذه الآية الموت نفسه لا أجل قبله.
قيل لهم: أفهم الموت بعد وقوعه أو اقتراب حينه عند آخر أنفاس الحال به،
فإن قالوا: بعد وقوعه.
стр. 320
قيل لهم: فكيف يؤمن ميت أو يكسب خيرا حتى يقبل منه أولا
يقبل،
وإن قالوا: هو اقتراب حينه. أعيد عليهم الكلام في باب العدل، إذ إلغاء الإيمان واكتساب الخير في أي وقت ألغيا، قبل الموت قربت مدته منه، أو بعدت - إلغاء، والعادل إذا ألغى خيرا ولم يقبله من فاعل كان ضد العدل في عقول الخلق ومن ينفي القدر تنزيها لله عن الجور.
فإن احتجوا بقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
أصابوا في التلاوة ونقضوا أصولهم في المقالة؛ إذ مدارهم كان في نفي القدر وخلق الأعمال على قياد العدل الذي يعقلونه بعقولهم، فإذا خرجت مقاليد الحالة من أيديهم، وانفتحت لنا عليهم، لم يبق لهم علينا إلا إتمام كسر قولهم في الوعيد، وإن كنا قد علمناه في الفصل من
следующие страницы →