عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت، فيقول: يا رب نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم، فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: من يشهد لك، فيقول: محمد - صلي الله عليه وسلم - وأمته، قال رسول الله ﷺ : " فيجاء بكم، فتشهدون " ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .
стр. 72
وفيه أيضا: دليل على أن شهادة المسلم على سائر الملل جائزة، كان معروفا بالعدالة في المسلمين أو غير معروف، لأن الله جل وتعالى عدل هذه الأمة عليهم عدالة عامة، فإذا أقام الشهادة على أهل دينه لم يقبل إلا أن يكون عدلا فيهم، لاشتراط الله ﵎ فيه شرطا آخر في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) فاشترط فيها عدالة ثانية سوى حظه في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي عدلاً
وفي تسميته ﵎: من كان على غير دين الإسلام ناسا في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
وفي غير موضع في كتابه -
стр. 73
دليل: على أن من كان على دين الإسلام تاركا لكثير من أخلاق أهله بذنوب يقترفها على نفسه - أحرى أن لا يزول عنه اسم الناس، وأن الخبر المروي عن أبي هريرة - حيث يقول: " ذهب الناس وبقي النسناس " - تعريضا بالمخلطين، واهي الإسناد، لأن ابن جريج مدلس ولم يذكر سماعه من ابن أبي مليكة، ورواه عن
стр. 74
ابن جريج الثورى وهو مدلس (٢) .
فإن قيل: كيف يعدل، من لا يعرف بالعدالة على غير دين الإسلام، والحاكم لا يعرف من صدقه ولا أمارة عدله ما يعرفه الله منه يوم يشهد على قوم نوح.
قيل: قد عدلهم تعديلا عاما في الظاهر، ولم يخبر عن الاقتصار بهم
على ذلك الموضع وحده بشيء يسلم له.
فإن قيل: فلعلها تقبل من أجل - محمد ﷺ معهم وهو عدل لا شك فيه - كسره عليه امتناعه من قبول شهادة غير عدل مع عدل.
стр. 75
رد علي المرجئة:
* * *
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)
رد على المرجئة: لتسمية الله الصلاة نفسها إيمانا، ألا تراه قال في ابتداء الآية: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) .
فلما صرف رسول الله ﷺ عن القبلة التي كان عليها وهي: قبلة بيت المقدس إلى الكعبة - قالوا: يا رسول الله، أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي إيمان من مات منكم على تلك القبلة والله أعلم. وهذا كما تقدم من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ)
стр. 76
أي: من أنتم من نسلهم.
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
حجة لن يرى السعي بينهما غير مفروض، وذلك أن الأنصار كانوا في جاهليتهم يتحرجون الطواف بينهما، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وأعلمهم أن التحرج من شعائره خطأ، والعمل به
стр. 77
تطوع خير، والتطوع لا يكون فريضة، فإن زعم زاعم: أن (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) استئناف شيء غيره لا إخبار عن الطواف بهما جعله مجهولا.
وأولى المعاني به - والله أعلم - أن يكون إخبارا عن الطواف، كما قال - جل وتعالى -: في كفارة العاجز عن صوم شهر رمضان: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)
، أي زاد على مسكين، فكان تطوع هذه الزيادة لا محالة غير مفترض، إذا كان إطعام مسكين واحد مجزيا، وكان الطواف بالبيت مجزيا عن، السعي بين الصفا والمروة فصار السعي تطوعا.
стр. 78
غير أنا نقول: من التطوع المؤكد الذي لا نبيح تركه؛ لأن رسول الله
ﷺ سنه.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُو ا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) .
دليل: على أن التوبة من الذنوب على وجهين: فما كان من ذنب يمكن تلافي التفريط فيه في المستقبل لم تصح حتى يصلح في المستقبل ما أفسد في الماضي.
стр. 79
ألا تراه كيف اشترط إصلاح ما أفسد بكتمان البينات والهدى، وبيانه للناس بعدما كتموا، وقالت (فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) ، ولوندموا على الكتمان، ولم يصلحوه في المستقبل بالبيان ما نفعتهم التوبة، إذ ندمهم على فعل يستطيعونه بعد الندم، ويقدرون أن يوصلوا منفعته إلى المكتومين عنهم لا ينفعهم، وهو كالمداجاة (١) والله ﷻ لا مداجاة معه.
وما كان من شيء لا يمكن رده، فالندم كاف منه كمواقعة الزنا، وشرب الخمر وأشباههما إذا فات لا يمكن تلافيه بالرد، فأكثر ما فيه الإضمار على ترك المعاودة، وهذا ليس برد.
حجة خانقة علي المرجئة".
* * *
قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)
إلى قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
حجة خانقة
стр. 80
للمرجئة جدا، لأنه - جل وتعالى - لم يثبت لهم الصدق إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرهما من الأعمال التي ذكرها معهما، وهم لا يخالفون أن من لم يكن صادقا كان إيمانه غير ثابت له.
* * *
قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)
حجة لمن قال: الوصية لمن كان غير وارث من الأقربين باقية، لأن آي المواريث إن كانت نسخت وصية الوارثين فلم تنسخ وصية غيرهم، ومن اعتل بإبطال الوصية لهم بحديث عمران ابن حصين في العبيد فقد أغفل كل الإغفال، وناقض
стр. 81
نفسه كل النقض، إذ من أصله أن السنة لا تنسخ القرآن، فنسخ بتوهم في حديث عمران لا بنص فيها.
فإن قال قائل: لم يجعله نسخا بل جعله بيانا: قيل: البيان يكون تفسير جملة أو تفصيل مبهم، فأما إزالة الشيء وإبطال حكمه فهو النسخ بعينه.
ومن إغفاله في ذلك أنه أنزل عتق العبيد في المرض منزلة الوصية وهو وغيره يرون الرجوع في الوصية، وتغييرها قبل حلول الموت بالموصي فهل يجيز - ليت شعري - الرجوع في عتق العبيد المعتقل في المرض فيخرج من قول الأمة.
ودعواه في أن عبيد المعتق عجم للقرابة بينهم وبين معتقهم لو صح تأويله في الوصية ما قبلت، إذ هي حكم على شيئين على عجمهم - وقد يجوز أن يكون الأعجمي قرابة للعربي - وعلى نفي القرابة بكل حال، وهذا لا يقبل إلا بخبر لا بتوهم، وهو موضوع بشرحه في كتاب الوصايا
стр. 82
في الجهاد.
وفي قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
دليل: على أن المريض يلحقه من رخصة الجمع بين الصلاتين ما يلحق بالمسافر، لأن الله قد جمع بينهما في رخصة الإفطار.
* * *
قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)
دليل على تحريم قتل الصبي من أولادهم، والمرأة إذا لم تقاتل.
ولو جعله محتج حجة في منع قتل الرهبان وأصحاب الصوامع الكافين
عن قتالنا، وجد إن شاء الله مساغا، وهو موضوع بشرحه في كتاب الجهاد.
стр. 83
وقوله (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ)
يؤكد قول من أجاز الزيادة في البيان بلا لبسة إذ لا يمكنه في كاملة يمكنه في تسمية الثلاثة والسبعة بالعشرة.
ولقد بلغني عن بعض المعنفين أنه قال في (كاملة) : ليست بتأكيد، إنما أراد أن صيام العشرة الأيام للمتمتع كاملة حجة. فهذا
стр. 84
القول لو عري من الخطأ في الدعوى، لم يعر منه في اللغة، إذ لو كان كذلك لكان عشرة مكملة لا كاملة، يقال: أكملت له كذا فأنا مكمل، ولا يقال: كملته فأنا كامل، قال الله جل وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ولم يقل: كملت.
حجة على الجهمية:
* * *
قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)
حجة على الجهمية واضحة فيما ينكرون من الحركة والنزول إلى
стр. 85
سماء الدنيا وأشباه ذلك.
* * *
قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)
إلى قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) .
حجة على القدرية والمعتزلة في خصلتين:
إحداهما: أنه جعل إنزال كتابه الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه لا معقولهم
فمن اقتصر منهم على معقوله وجعله حاكما بينه وبين خصمه، علمنا
أن حكمه غير نافذ، إذ جعل الله له وجها وهو كتابه فأتاه من غيره.
стр. 86
والأخرى: قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) والإذن لا يخلو من أن يكون راجعا على الاختلاف، أو على الهدى، وعلى أيهما رجع فهو حجة عليهم لا محالة، لأنهم ينكرون إذنه في الاختلاف بكل حال، وينكرونه في الهدى خوفا من لزومهم في الضلالة حتى إنهم ليجعلون الإذن هاهنا وفي قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) بمعنى العلم، وهذا لو لم يكن مستحيلا في اللغة أيضا، ثم أزيل به لفظ الإذن إلى لفظ العلم لكان غير مقبول إلا من منزله أو رسوله أو جماعة الأمة وكيف وكسر الألف يبطل تأويلهم في جميع اللغات.
стр. 87
في القياس والتقليد
وفي إنزاله - جل وتعالى - الكتاب حاكما بيننا في اختلافنا حجة لنا
في باب الفقه في إبطاله التقليد والقياس.
стр. 88
والاستحسان إذ ليس شىء من ذلك مسمى بالكتاب والمحتج منه
стр. 89
على تثبيتها متأول لا متبع نص، ولو قبلنا تأويله في تثبيت ما ننكره بمثله لقبلنا منه نفس ما تأول له بجنسه.
في إتيان المرأة في دبرها:
* * *
قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
стр. 90
دليل على أن المرأة لا توطأ إلي حيث تكون حرثا، والحرث ما ينبت.
وفي قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)
كالدليل على أن الآتي في دبرها - والدبر ليس بحرث - عادٍ لا محالة.
والاستدلال بهذا أحسن من الاستدلال بأذى الحيض والجمع بينه وبين الغائط لأن ذلك قياس، وما استدللنا به نص.
أيمان:
* * *
وقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) .
стр. 91
دليل على أن اليمين بالله تجتنب على كل حال - بر فيها الحالف أم فجر وكان الربيع بن أنس يقول: في قوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)
كان الرجل يحلف ألا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس كأنه يذهب - والله أعلم - إلى أن في (تَبَرُّوا) ضمير لا كأنه قال: لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس.
فنهوا أن يجعلوا أيمانهم بالله سببا لترك ذلك - والله أعلم - أي ذلك هو.
نفقة:
وقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
حجة في إيجاب نفقة صغار
стр. 92
الأولاد. وليس هو عندي كذلك، إذ الرزق والكسوة واجب لهن بالزوجية قبل ولادتهن، وقبل حاجة الزوج إلى من ترضع أولاده منهن، فلا وجه لاعتبار نفقة الصغار بهذا، ولو كان متخوفا من هذا الموضع، ما كان على الأزواج نفقة الزوجات قبل أن يلدن، وهذا لا يقوله بشر، ولا أعلم أحدا جعل للزوجة أجرة على الرضاع مضافة إلى نفقة الزوجية ولا ذكرها الله إلا للوالدات المطلقات إذا أرضعن بعد الطلاق، قال الله ﵎: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)
فلم يذكر أجرة، ثم قال في سياق الكلام: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ)
стр. 93
فلم يذكر أجرة الرضاع إلا بعد الفصال وكذا قال في سورة الطلاق في الوالدات المطلقات: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)
فأخذ نفقة الصغار بإعطاء الوالدة أجرة الرضاع بعد انقطاع نفقة الزوجية بالطلاق - وعلمنا أن الواصل "إليها من الأجرة لا محالة بسبب الرضاع لا بسبب الزوجية أشبه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون الفصال فصال المولود عن الرضاع قبل سنتين برضا الزوجة فإن كان كذلك، فالاسترضاع في هذا الموضع من الأجنبيات، لأمن الوالدات، والمعول فيما نكتنا على الآية في سورة الطلاق.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
دليل: من جهة الإعراب أن الليالي غلبت على الأيام في العدة لقوله: " وَعَشْرًا) " ولم يقل: " وعشرة " ولا نعلم المؤنث غالبا على المذكر في شيء من الأمكنة إلي الليالي على الأيام.
في الإيلاء
* * *
قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)
стр. 94
حجة لمن يقف المولي ويجعل عزيمة الطلاق باللسان لا بالإضمار إذ لابد للفظها من أن تفيد شيئا على تخريج كلا المذهبي.
فنقول إن الطلاق لزمه بعد الأربعة الأشهر لعزمه عليه في الأربعة لولا ذلك لفاء وخرج من حكمه قبل انصرامها في قول من يوقعه.
وفي قول من يوقفه يجعل العزم بالنطق بعد الأربعة أمدا مضروبا لا سبيل عليه فيه، وحكم الطلاق حادث بعده، وهو بالعزم، فلا عزم حينئذ إلا النطق بالطلاق الذي به يقع في جميع الأماكن ولا يقع بالإضمار الخلو من الإظهار شيء، ويؤكده ما ذكرناه من قوله: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)
إذ هو لا محالة بالنطق الذي ينعقد به النكاح لإباحته له الإكنان في نفسه - قبل خلو الأجل من عدتها - ما يريد فعله بعد العدة وإزالته الجناح عنه به (٧) ، ويالتعريض معا بما نهى عن النطق به حينئذ
стр. 95
مصرحا، فلم يوجب الإكنان عليه عقدا، ولا التعريض به حكما إلى أن جاء العزم بعد العدة على النكاح بالنطق، ولو كان العزم بالإضمار كما يكون بالإظهار لحرم الإكنان كما يحرم العقد. والعزم إن كان مقتضبا معنى الإضمار في بعض الأحوال، فهي كلمة منوطة بإمضاء الشيء وقطعها أي. وذلك غير بين إلا بالكلام الذي يكون فصلاً
في الذي بيده عقدة النكاح:
وقوله (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
دليل على أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، لأن لكل واحد منهم فضلا على صاحبه حثه الله على ترك نسيانه، منهن بالتجافي عن النصف ومنهم بإكماله.
ومن قالت: هو الولي كان الفضل من جانب واحد في العفو من
قبل المرأة كان أو من عند وليها وكان ابن عيينة يحدث عن ابن
стр. 96
شبرمة قال: كلمت أبا الزناد في ذلك، فقال: هو الولي وقلت أنا: هو الزوج ورأيت إذ كان وليها هو الذي تزوج بها فطلقها قبل أن يدخل بها فأبت أن تعفو أله أن يعفو عن نفسه، فسكت.
وهذه لطيفة حسنة من قول ابن شبرمة وكان قوله على تأويل ما قلناه.
* * *
قوله: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)
مخاطبة للأزواج في
стр. 97
الإتمام، فيكون العفو في هذا الموضع بمعنى الزيادة والنماء، لا بمعنى النقصان والمحق. والعفو من الأضداد فإذا أتم لها الصداق كان أقرب إلى التقوى إذ الزائد على ما يجب عليه أقرب إليها من الذاهب بكله.
وقد اتفق القراء على إرسال الواو، وأنه بالتاء وذلك مما يزيل الالتباس
عنه أنه مخاطبة الأزواج، إذ لو كان إخبارا عنهن لكان يكون بالياء وإثبات النون، أو عن الولي كان بالتاء ونصفا الواو، والذي يزيل كل لبسة أنه الزوج قوله: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ولو كان الطلب لكان الذي بيده عقدة الإنكار، والله أعلم.
стр. 98
باب: من المواضع الذى يكون الظن فيه بمعنى اليقين:
قال محمد بن علي: ومن المواضع الذي يكون الظن فيه بمعنى اليقين
والعلم قوله:
(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وفي قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) وهو رد على من يجعل الإذن من الله بمعنى العلم، إذ لو كان العلم من الله بغير معنى المعونة والإطلاع ما كان لاتكال الفئة القليلة عليه معنى، ولاستوى في العلم القليلة والكثيرة، ولما كان للقليلة مطمع في غلبها الكبيرة، بل نعقد المعونة بطلب الكثيرة في عرف البشر، وما تدل عليه عقولهم، وقد حقق جل وتعالى طمعهم بقوله: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) .
стр. 99
رد على من يقول بخلق القرآن:
* * *
قوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)
حجة: على من يقول بخلق القرآن، وينفي الكلام عن الله، وقد أخبر الله عن نفسه - جل وتعالى - بأن في الرسل من كلمه، وهذا هو الموضع الذي يحسن فيه حذف (هو) المفعول به، لا الموضع الذي يغلطون فيه فيدعون حذفها من قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)
رد علي القدرية والمعتزلة:
* * *
قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِي دُ (٢٥٣) .
حجة على القدرية والمعتزلة
стр. 100
شديدة: لابتدائه الآية بنفي الاقتتال عنهم بغير مشيئته وتوكيده ذلك في آخر الآية وذكر الإرادة في الامتثال من الفريقين بلفظها.
نفي العلم عن الإذن:
* * *
قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .
أخمد بأنفاسهم في نفي العلم عن الإذن، ومثبت عليهم معنى الإطلاق، إذ لو كان الإذن علما ما بان سلطانه في إطلاق الشفاعة، ولكان كل من شاء شفع إذ علمه بشفاعتهم لا يحجز على شافع شفاعة إذا أرادها.
وقد أخبر قبل هذا عن يوم القيامة بأنه لا شفاعة فيه حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) ثم استثنى منهم - أي من الشافعين في هذه الآية - من يأذن له فيها - أي يطلق له.
ومن جعل الإذن هاهنا بغير معنى الإطلاق، فقد جعل لله
стр. 101
شريكا في سلطانه، إذ جعل إذنه لعباده مرفوعا واستئذانهم له في الشفاعة عنهم موضوعا.
والعجب لقوم يحملهم خوف لزومهم إطلاق الإذن في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) على إنكاره في كل موضع فيقعون في أعظم مما فروا منه.
стр. 102
ردٌّعليه الجهمية،
قوله (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
حجة على الجهمية، ولقد بلغني عن قوم متحذلقين منهم يغلطون بحذاقة أنهم قالوا: كرسيه علمه.
واحتجوا بمصراع منتحل لشاعر لا يعرف ولا المصراع وهو:
стр. 103
ولا يكرسىء علم الله مخلوق.
وهذا المصراع لو كان من قول حسان بن ثابت قد أنشده رسول الله ﷺ وصوبه له. لكان إعداد الكرسي من أجله علما خطأ من جهتين:
إحداهما: أن الكرسي في القرآن مثقل غير مهموز والمصراع قد خففه وهمزه.
стр. 104
والثانية: ما دللنا عليه في غير موضع من كتابنا من أن الكلمة إذا كان
لها ظاهر معروف وباطن محتمل لم يجز أن تزال عن ظاهرها المعروف إلى باطنها المحتمل إلا بإجماع الأمة أو بنص آية أو سنة.
فإن قيل: فليس قد رواه مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
قال: علمه.
стр. 105
قيل: هذا حديث فيه وهن إلا من مطرف، وأما من جعفر بن أبي المغيرة، لأن الصحيح المشهور عن ابن عباس ما حدثناه عبد الرحمن ابن سلم الرازي (٢) ، قال سهل بن زنجية الرازي قال: وكيع
стр. 106
عن سفيان عن عمار الدهني، عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره أحد " وكيف يكون العلم موضع قدميه،
وهل يقرون هم بالقدمين، حتى لا تكون الرواية عن ابن عباس
стр. 107
متعارضة.
وهل حكم ما تعارض من الروايات لو استوت الدعاء مناف إلا لأخذ بأظهرها، وكيف ورواية مطرف عن جعفر لا تكافئ رواية مسلم البطين مع أن الثوري رواه عن مطرف فلم يجاوز به سعيدا كما تجاوزه ابن إدريس وكلاهما وهم، والله أعلم، لأن الروسي في القرآن مثقل وهذه الرواية لم ترد على التخفيف والهمز كما ذهب إليه القوم، ولا نعرف في لغة شاذة ولا معروفة عن عربي أنه سمى العلم بالكرسي المثقل إلا ما جاء في هذه الرواية ويزول به فيها تعارض
стр. 108
عن رجل واحد بعينه.
فلا نترك اللغة السائرة الشهيرة عند الخاصة والعامة من لباب العرب والدخلاء فيهم في الكرسي المثقل، والمخفف المهموز لا أصل له في شيء من اللغات - واللغة لسان مسلم له لا يدرك بالنظر والمقاييس ولا يمكن فيه التبديل.
باب:
* * *
وقوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)
إلى قوله: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)
دليل على أن: الميت بعد المساءلة وما يصيبه معها لا يشعر بطول مكثه في البرزخ حتى يبعثه الله يوم القيامة إذ
стр. 109
لو كان يشعر بمكث مائة عام كان لا يقول ما قال.
فإن قيل: فإنما لم يشعر بطول مكثه، لأنها لم تكن موتته المتصلة بحشره الناقلة به إلى آخرته، ولو كانت تلك الموتة - لشعر.
قيل له: فقد قال ﵎: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)
فأخبر عمن قد أماته تلك الموتة بما ترى، فلو كانوا يشعرون لعلموا أنهم أقاموا طويلا ليس قليلا ومثل هذا كثير في القرآن.
فإن قيل: قد روي في الأخبار أشياء تدل على أن الموتى يعلمون ويشعرون
стр. 110
قيل: عامتها أخبار واهية الأسانيد والقرآن مكذب لها فيما ذكرنا، ومحقق ذلك بقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) .
وما كان منها صحيحة فلها معان واضحة مثل وقوف رسول الله صلى
الله عليه وسلم على قليب بدر، ونداء من فيه من قتلى قريش وقوله: " ما أنتم لأسمع منهم، غير أنهم لا يطيقون الجواب.
فهذه الآية لرسول الله ﷺ في وقتها خاصة فيهم ليقر
الله عين رسوله عاجلا بإسماعهم قوله، وتحقيق ما كانوا يكذبون فيه حتى